Полный текст (960 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
"نَظَرْتُ"* فِيهِ، وَقَدْ جُمِع فِيهِ الرُّخَصَ، مِنْ زَلَلِ الْعُلَمَاءِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ، فَقَالَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ؟ "فَقُلْتُ: الْأَحَادِيثُ"** عَلَى مَا رُوِيَتْ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْغِنَاءَ وَالْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.
стр. 842
الْمَقْصِدُ السَّابِعُ: مِنْ مَقَاصِدِ هَذَا الْكِتَابِ فِي التعادل والترجيح
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، وفي شروطه
...
المقصد السابع: في التعادل والترجيح
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، وَفِي شُرُوطِهِ
أَمَّا التَّعَادُلُ: فَهُوَ التَّسَاوِي، وَفِي الشَّرْعِ اسْتِوَاءُ الْأَمَارَتَيْنِ.
وَأَمَّا التَّرْجِيحُ: فَهُوَ إِثْبَاتُ الْفَضْلِ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، أَوْ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا، وَيُقَالُ مَجَازًا لِاعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ.
وَفِي الاصطلاح: اقتران الأمارة بما تقوى عَلَى مُعَارِضَتِهَا.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": التَّرْجِيحُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَيُعْلَمُ الْأَقْوَى فَيُعْمَلُ بِهِ، وَيُطْرَحُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا طَرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إِلَّا بَعْدَ تَكَامُلِ كَوْنِهِمَا "طَرِيقَيْنِ لَوِ*" انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَرْجِيحُ الطَّرَفِ عَلَى مَا لَيْسَ بِطَرَفٍ. انْتَهَى.
وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَصْحِيحُ الصَّحِيحِ، وَإِبْطَالُ الْبَاطِلِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": اعلم أن الله لينصب عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً، بَلْ جعلها ظنية، قصدا للتوسيع على المتكلفين، لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ، فَقَدْ تَتَعَارَضُ فِي الظَّاهِرِ، بِحَسَبِ جَلَائِهَا وَخَفَائِهَا، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا، والعمل الأقوى. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعْيِينِ الْأَقْوَى أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ دليلان، وأمارتان، فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَا جَمِيعًا، أَوْ "يُلْغَيَا جَمِيعًا، أَوْ"** يُعْمَلَ بِالْمَرْجُوحِ أَوِ الرَّاجِحِ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ.
قَالَ: أَمَّا حَقِيقَتُهُ، يَعْنِي التَّعَارُضَ فَهُوَ تَفَاعُلٌ، مِنَ العُرض، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ وَالْجِهَةُ، كَأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَعَارِضَ يَقِفُ بَعْضُهُ فِي عُرض بَعْضٍ، أَيْ نَاحِيَتِهِ وَجِهَتِهِ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ النُّفُوذِ إلى حيث وجه.
стр. 843
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ.
وَلِلتَّرْجِيحِ شُرُوطٌ:
الْأَوَّلُ:
التَّسَاوِي فِي الثُّبُوتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ إِلَّا مِنْ حيث الأدلة.
الثَّانِي:
التَّسَاوِي فِي الْقُوَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، بَلْ يُقَدَّمُ الْمُتَوَاتِرُ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
الثَّالِثُ:
اتِّفَاقُهُمَا فِي الْحُكْمِ، مَعَ اتِّحَادِ الْوَقْتِ وَالْمَحَلِّ وَالْجِهَةِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ مَثَلًا فِي وَقْتِ النِّدَاءِ مَعَ الْإِذْنِ بِهِ فِي غَيْرِهِ.
وَحَكَى إمام الحرمين في تعارض الظاهرين من الكتاب والسنة مذاهب:
أحدهما: يُقَدَّمُ الْكِتَابُ لِخَبَرِ مُعَاذٍ١.
وَثَانِيهُمَا: تُقَدَّمُ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْمُفَسِّرَةُ لِلْكِتَابِ، وَالْمُبَيِّنَةُ لَهُ.
وَثَالِثُهَا: التَّعَارُضُ، وَصَحَّحَهُ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَزَيَّفَ٢ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي السُّنَّةِ الْمُفَسِّرَةِ لِلْكِتَابِ، بَلِ الْمُعَارِضَةِ لَهُ.
وَأَقْسَامُ التَّعَادُلِ وَالتَّرْجِيحِ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَشْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، والإجماع، "والقياس"*.
فيقع التعارض بين الكتاب والكتب، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ.
وَيَقَعُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ.
وَيَقَعُ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ الإجماع والقياس، وبين القياسين؛ فهذه ثلاثة، والجميع عَشَرَةٌ.
قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": الْأَكْثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالتَّرْجِيحِ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: عِنْدَ التَّعَارُضِ يَلْزَمُ التَّخْيِيرُ، أَوِ التَّوَقُّفُ، لَنَا وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ:
إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا خَبَرَ عَائِشَةَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ٣ عَلَى خَبَرِ "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ"٤، وَقَدَّمُوا خَبَرَ مَنْ رَوَى مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنَّهُ كان ﷺ
стр. 844
يُصْبِحُ جُنُبًا١ عَلَى مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أنه "من أصبح جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ" ٢.
وَقَبِلَ عَلِيٌّ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ من غيره إلا بعد تحليفه٣، وقيل أَبُو بَكْرٍ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ لِمُوَافَقَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لَهُ٤.
وَقَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ لِمُوَافَقَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَهُ٥.
الثَّانِي:
أَنَّ الظَّنَّين إِذَا تَعَارَضَا، ثُمَّ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، كَانَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنًا عُرْفًا، فَيَجِبُ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ" ٦.
الثَّالِثُ:
أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِالرَّاجِحِ، لَزِمَ الْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَتَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ مُمْتَنِعٌ فِي بَدَاهَةِ الْعَقْلِ.
وَاحْتَجَّ الْمُنْكِرُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْجِيحَ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْأَمَارَاتِ لَاعْتُبِرَ فِي الْبَيِّنَاتِ وَالْحُكُومَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَتِ الْعِلَّةُ فِي اعْتِبَارِهِ تَرَجِيحَ الْأَظْهَرِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ هُنَا.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٧ وقوله ﷺ : "نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ" ٨ يَقْتَضِي إِلْغَاءَ زِيَادَةِ الظن.
стр. 845
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَطْعِيٌّ، وَالظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ. انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ ههنا صَحِيحٌ إِلَّا حَدِيثَ: "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا" وَحَدِيثَ: "نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ" فَلَا أَصْلَ لَهُمَا، لَكِنَّ مَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ لَمَّا قَالَ لَهُ إِنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ مُكْرَهًا، فَقَالَ: "كَانَ ظَاهِرُكَ عَلَيْنَا" ١، وكما في قوله ﷺ : "إِنَّمَا أَقْضِي بِمَا أَسْمَعُ" ٢ وَكَمَا فِي أمره ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَذَمِّ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَأَمْرِهِ بِلُزُومِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ٣.
وَيُجَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُنْكِرُونَ بِجَوَابٍ أَحْسَنَ مِمَّا ذَكَرَهُ، أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ: فَيُقَالُ: نَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْتُمْ، فإن ظَهَرَ التَّرْجِيحُ لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي: فَيُقَالُ: لَا دَلَالَةَ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي الْآيَةِ، بِوَجْهٍ مِنَ الوجوه، وما قوله: "نحن نحكم بالظاهر" "فلا يبقى" * الظَّاهِرُ ظَاهِرًا بَعْدَ وُجُودِ مَا هُوَ أَرْجَحُ منه.
стр. 846
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ
مدخل
...
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ
أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعَارُضُ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ نَقْلِيَّيْنِ، هَكَذَا حَكَى الِاتِّفَاقَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ".
قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": التَّرْجِيحُ لَا يَجُوزُ فِي الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّ شَرْطَ الْيَقِينِيِّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ، أَوْ لَازِمَةٍ عَنْهَا لُزُومًا ضَرُورِيًّا: إِمَّا بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ وَسَائِطَ شَأْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ عُلُومٍ أَرْبَعَةٍ.
стр. 847
الأول: العلم الضروري بأحقية الْمُقَدِّمَاتِ، إِمَّا ابْتِدَاءٌ أَوِ انْتِهَاءٌ.
وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ "بِصِحَّةِ تَرْكِيبِهَا.
وَالثَّالِثُ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِلُزُومِ النَّتِيجَةِ عَنْهَا.
وَالرَّابِعُ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ"* بِأَنَّ مَا يَلْزَمُ عَنِ الضَّرُورِيِّ لُزُومًا ضَرُورِيًّا فَهُوَ ضَرُورِيٌّ.
فَهَذِهِ الْعُلُومُ الْأَرْبَعَةُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُهَا فِي النَّقِيضَيْنِ مَعًا، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْحُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَهُوَ سَفْسَطَةٌ، وَإِذَا عُلِمَ ثُبُوتُهَا امْتَنَعَ التَّعَارُضُ.
الثَّانِي:
التَّرْجِيحُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ، وَالْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ لَا يَقْبَلُ التَّقْوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَارَنَهُ احْتِمَالُ النَّقِيضِ، وَلَوْ عَلَى أَبْعَدِ الْوُجُوهِ، كَانَ ظَنًّا لَا عِلْمًا، وَإِنْ لَمْ يُقَارِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ التَّقْوِيَةَ. انْتَهَى.
وَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ الْمَنْطِقِ شُرُوطَ التناقض في القضايا الشخصية ثمانية: اتحاد الموضوعان وَالْمَحْمُولِ، وَالْإِضَافَةِ، وَالْكُلِّ، وَالْجُزْءِ، فِي الْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ، وَفِي الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ.
وَزَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ "تَاسِعًا"* وَهُوَ: اتِّحَادُهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ ١ وَرَدَّ هَذَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى وَحْدَةِ الْإِضَافَةِ، أَيْ: تَرَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سُكَارَى، مَجَازًا، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَمْرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ الثَّمَانِيَةَ إِلَى ثَلَاثَةٍ: الِاتِّحَادُ فِي الْمَوْضُوعِ، وَالْمَحْمُولِ، وَالزَّمَانِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى اثْنَيْنِ: الِاتِّحَادُ فِي الْمَوْضُوعِ، والمحمول؛ لاندراج وَحْدَةِ الزَّمَانِ تَحْتَ وَحْدَةِ الْمَحْمُولِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الِاتِّحَادُ فِي النِّسْبَةِ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فِيهَا لا يخص الضروريات، وإنما ذكرناها ههنا لِمَزِيدِ الْفَائِدَةِ بِهَا.
وَمِمَّا لَا يَصِحُّ التَّعَارُضُ فِيهِ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَنَاقِضَيْنِ قَطْعِيًّا، وَالْآخَرُ ظنيا؛ لأن الظن ينتفي بالقطع النقيض، وَإِنَّمَا يَتَعَارَضُ الظَّنِّيَّانِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَارِضَانِ نَقْلِيَّيْنِ، أَوْ عَقْلِيَّيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَقْلِيًّا، وَالْآخَرُ عَقْلِيًّا، وَيَكُونُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا بِمَا سَيَأْتِي.
وَقَدْ مَنَعَ جَمَاعَةٌ وُجُودَ دَلِيلَيْنِ يَنْصِبُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةٍ مُتَكَافِئَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِحَيْثُ [لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا مُرَجِّحٌ وَقَالُوا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ جَازَ خَفَاؤُهُ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَا يَجُوزُ تَعَارُضُهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ إِلْكِيَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ الْعَنْبَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَنَصَرَهُ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ الْبَاقِلَّانِيِّ.
قَالَ إِلْكِيَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَرَّرَهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ قَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عن النبي ﷺ أبداً حديثات صَحِيحَانِ مُتَضَادَّانِ يَنْفِي أَحَدُهُمَا مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْإِجْمَالِ وَالتَّفْسِيرِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ انْتَهَى.
وَفَصَّلَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَيَمْتَنِعُ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَيَجُوزُ، وَحَكَى الماوردي والرياني عَنِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ التَّعَارُضَ عَلَى جِهَةِ التَّكَافُؤِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُتَعَارِضَةِ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُصِيبَ فِي الْفُرُوعِ وَاحِدٌ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا مَعْنَى لِتَرْجِيحِ ظَاهِرٍ عَلَى ظَاهِرٍ لأن الكل صواب عنده.
واختاره الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ تَعَادُلَ الْأَمَارَتَيْنِ عَلَى حكم في فعلين متابيين جائز واقع وَأَمَّا تَعَارُضُهُمَا مُتَبَايِنَيْنِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ كَالْإِبَاحَةِ والتحريم فإنه جائز عقلاً ممتنع شرعاً.] (٢) стр. 848
عمل الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ التَّرْجِيحِ
وَاخْتَلَفُوا عَلَى فَرْضِ وُقُوعِ التَّعَادُلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، مَعَ عَجْزِ الْمُجْتَهِدِ عَنِ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ آخَرَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَنَقَلَهُ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يَتَسَاقَطَانِ، وَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ يَرْجِعُ الْمُجْتَهِدُ إِلَى عُمُومٍ، أَوْ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَنَقَلَهُ إِلْكِيَا عَنِ الْقَاضِي، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، وَأَنْكَرَ ابْنُ حَزْمٍ نِسْبَتَهُ إِلَى الظَّاهِرِيَّةِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَهُوَ خَطَأٌ، بَلِ
стр. 849
الْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ تَسَاقَطَا، وَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ قِيَاسَيْنِ فَيُخَيَّرُ، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ" عَنِ الْقَاضِي وَنَصَرَهُ.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ" وَاسْتَبْعَدَهُ الْهِنْدِيُّ؛ إِذِ الْوَقْفُ فِيهِ لَا إِلَى غَايَةٍ وَأَمَدٍ؛ إِذْ لَا يُرْجَى فِيهِ ظُهُورُ الرُّجْحَانِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسْأَلَتِنَا، بِخِلَافِ التَّعَادُلِ الذِّهْنِيِّ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْمُرَجِّحُ.
وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالْأَغْلَظِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
وَقِيلَ: يَصِيرُ إِلَى التَّوْزِيعِ، إِنْ أَمْكَنَ تَنْزِيلُ كُلِّ أَمَارَةٍ عَلَى أَمْرٍ، حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ".
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الواجبات فالتخيير، وإن كان في الإباحة والتحريم فَالتَّسَاقُطُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، ذَكَرَهُ فِي "الْمُسْتَصْفَى".
وَقِيلَ: يُقَلِّدُ عَالِمًا أَكْبَرَ مِنْهُ، وَيَصِيرُ كالعامي لعجزه عن الاجتهاد، حكاه إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالْحُكْمِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَتَجِيءُ فِيهِ الْأَقْوَالُ الْمَشْهُورَةُ، حَكَاهُ إِلْكِيَا الطَّبَرَيُّ، فَهَذِهِ تِسْعَةُ مَذَاهِبَ فِيمَا كَانَ مُتَعَارِضًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّرْجِيحِ.
стр. 850
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: فِي وُجُوهِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ فِي الظَّاهِرِ
مدخل
...
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: فِي وُجُوهِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ فِي الظَّاهِرِ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَمَنْ نَظَرَ فِي أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَجَدَهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ وَتَرْكِ الْمَرْجُوحِ، وَقَدْ سَمَّى بَعْضُهُمْ هَذَا الْمُخَالِفَ فِي الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ فَقَالَ هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمُلَقَّبُ بِـ"جُعَل"* كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي، وَاسْتَبْعَدَ الْإِبْيَارِيُّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِعْمَالِ التَّرْجِيحِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ "أَهْلِ"** الْإِسْلَامِ.
وَشَرَطَ الْقَاضِي فِي التَّرْجِيحِ شَرْطًا غير ما قد ذكرنا فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالتَّرْجِيحِ الْمَظْنُونِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ مِنَ الظُّنُونِ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الظُّنُونُ الْمُسْتَقِلَّةُ بأنفسها؛ لانعقاد إجماع الصحابة عليها، وما راء ذلك يبقى على الأصل، والترجيح.
стр. 851
عَمَلٌ بِظَنٍّ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ "دَلِيلًا"*.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ كَمَا انْعَقَدَ عَلَى الْمُسْتَقِلِّ.
وَمِنْ شُرُوطِ التَّرْجِيحِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهَا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِوَجْهٍ مَقْبُولٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ المصير إليه، وَلَمْ يَجُزِ الْمَصِيرُ إِلَى التَّرْجِيحِ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَتَرْكِ الآخر. انتهى.
وبه قال الفقهاء جميعا.
стр. 852
أنواع الترجيح
الترجيح باعتبار الإسناد
...
أَنْوَاعُ التَّرْجِيحِ:
وَاعْلَمْ: أَنَّ التَّرْجِيحَ قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَتْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَدْلُولِ، وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ.
وَالنَّوْعُ الْخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْأَقْيِسَةِ.
وَالنَّوْعُ السَّادِسُ: التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْحُدُودِ السمعية.
النوع الأول: الترجيح باعتبار الإسناد ١
الصورة الأولى:
الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رُوَاتِهِ أَقَلَّ، لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَشَبَّهَهُ بِالشَّهَادَاتِ، وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الرُّجُوعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ قُطِعَ بِاتِّبَاعِ الْأَكْثَرِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْإِلْغَاءِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ تَعَارَضَ لَهُمْ خَبَرَانِ هَذِهِ صِفَتُهُمَا لَمْ يُعَطِّلُوا الْوَاقِعَةَ، بَلْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ هَذَا.
قَالَ: وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ، وَخَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ، كَثُرَتْ رُوَاةُ أَحَدِهِمَا، فَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى ما يؤدي إليه اجتهاد الناظر.
стр. 853
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ صَارَ "إِلَيْهِ"* الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَا غَلَبَ على ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ، فَرُبَّ عدلٍ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ عَدْلَيْنِ، لِشِدَّةِ يَقَظَتِهِ وَضَبْطِهِ. انْتَهَى.
وَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الْمَفْرُوضَ فِي التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْأَكْثَرِ مِنَ الرُّوَاةِ مِثْلُ الْأَقَلِّ فِي وَصْفِ الْعَدَالَةِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هو مُرَجَّحٌ مِنْ أَقْوَى الْمُرَجِّحَاتِ، فَإِنَّ الظَّنَّ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ تَرَادُفِ الرِّوَايَاتِ، وَلِهَذَا يَقْوَى الظَّنُّ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْعِلْمُ بِهِ مُتَوَاتِرًا. انْتَهَى.
أَمَّا لَوْ تَعَارَضَتِ الْكَثْرَةُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَدَالَةُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ١:
أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحُ الْكَثْرَةِ.
وَثَانِيهُمَا: تَرْجِيحُ الْعَدَالَةِ، فَإِنَّهُ رُبَّ عَدْلٍ يَعْدِلُ أَلْفَ رَجُلٍ فِي الثِّقَةِ، كَمَا قِيلَ: إِنَّ شُعْبَةَ بْنَ الْحَجَّاجِ كَانَ يَعْدِلُ "مِائَتَيْنِ"**، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُقَدِّمُونَ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَتِ الْوَسَائِطُ فِيهِ قَلِيلَةً، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ إِسْنَادُهُ عَالِيًا؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْغَلَطَ فِيمَا كَانَتْ وَسَائِطُهُ أَقَلَّ، دُونَ مَا كَانَتْ وَسَائِطُهُ أَكْثَرَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْكَبِيرِ عَلَى رِوَايَةِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الضَّبْطِ، إِلَّا أَنْ يعلم أن الصغير مثله في الضبط، وأكثر ضَبْطًا مِنْهُ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: "أَنَّهَا"*** تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ كَانَ فَقِيهًا عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ:
"أَنَّهَا"**** تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمَعْنَى مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
النَّوْعُ السَّادِسُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَوْثَقَ مِنَ الْآخَرِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحْفَظَ مِنَ الْآخَرِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ:
أَنْ يَكُونَ أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر.
стр. 854
النَّوْعُ التَّاسِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُتَّبِعًا وَالْآخَرُ مُبْتَدِعًا.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْقِصَّةِ.
النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبَاشِرًا لِمَا رَوَاهُ دُونَ الْآخَرِ١.
النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كثير المخالطة للنبي ﷺ دون الآخرة؛ لأن كثرة الْمُخَالَطَةَ تَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الِاطِّلَاعِ.
النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مُلَازَمَةً لِلْمُحَدِّثِينَ مِنَ الْآخَرِ.
النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ الْآخَرِ.
النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَالْآخَرُ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ.
النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ بِالْمُمَارَسَةِ وَالِاخْتِبَارِ، وَالْآخَرُ بِمُجَرَّدِ التَّزْكِيَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.
النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ وَقَعَ الْحُكْمُ بِعَدَالَتِهِ دُونَ الْآخَرِ.
النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ عُدِّلَ مَعَ ذِكْرِ أَسْبَابِ التَّعْدِيلِ، وَالْآخَرُ عُدِّلَ بِدُونِهَا.
النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ:
أَنْ يَكُونَ الْمُزَكُّونَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْمُزَكِّينَ لِلْآخَرِ.
النَّوْعُ الْعِشْرُونَ:
أَنْ يَكُونَ الْمُزَكُّونَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ بَحْثًا عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ مِنَ الْمُزَكِّينَ لِلْآخَرِ.
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
أَنْ يَكُونَ المزكون لأحدهما أعلم من المزكين للآخر؛ لأنه مَزِيدَ الْعِلْمِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْإِصَابَةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ حَفِظَ اللفظ، فهو أرجح ممن روى بالمعنى، أَوِ اعْتَمَدَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ رِوَايَةَ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْحِفْظِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْرَعَ حِفْظًا مِنَ الْآخَرِ، وَأَبْطَأَ نِسْيَانًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ، أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَسْرَعَ حِفْظًا، وَأَسْرَعَ نِسْيَانًا، وَالْآخَرُ أَبْطَأَ حِفْظًا، وَأَبْطَأَ نِسْيَانًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآخَرَ أَرْجَحُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يُوثَقُ بِمَا حَفِظَهُ وَرَوَاهُ وُثُوقًا زَائِدًا عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَوَّلُ٢.
стр. 855
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ يوافق الحافظ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يَتَفَرَّدُ عَنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ دَامَ حَفِظُهُ، وَعَقْلُهُ وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَلَى مَنِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَلَمْ يُعرف هَلْ رَوَى الْخَبَرَ حَالَ سَلَامَتِهِ أَوْ حَالَ اخْتِلَاطِهِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ كَانَ أَشْهَرَ بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ مِنَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ "يَمْنَعُهُ"*مِنَ الْكَذِبِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ كَانَ مَشْهُورَ النَّسَبِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا؛ لِأَنَّ احْتِرَازَ الْمَشْهُورِ عَنِ الْكَذِبِ أَكْثَرُ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْرُوفَ الِاسْمِ، وَلَمْ يَلْتَبِسِ اسْمُهُ بَاسِمِ أَحَدٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ عَلَى مَنْ يَلْتَبِسُ اسْمُهُ بَاسِمِ ضَعِيفٍ.
النَّوْعُ التاسع والعشرون:
أنها تقدم رِوَايَةُ مَنْ "تَحَمَّلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ تَحَمَّلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
النَّوْعُ الثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تقدم رواية من"**أخر إِسْلَامُهُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ مَنْسُوخًا، وهكذا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ بَرْهَانَ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الْحَادِي والثلاثون:
أنها تقدم رِوَايَةُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الذُّكُورَ أَقْوَى فَهْمًا، وَأَثْبَتُ حِفْظًا، وَقِيلَ: لَا تُقَدَّمُ.
النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ تَحَرُّزَهُ عَنِ الْكَذِبِ أَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا تُقَدَّمُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ ذَكَرَ سَبَبَ الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَلَيْهِ على من اختلفوا عليه.
النوع الخامس والثلاثين:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحْسَنَ اسْتِيفَاءً لِلْحَدِيثِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّهَا تُرَجَّحُ رِوَايَتُهُ.
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ سَمِعَ شِفَاهًا عَلَى مَنْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِلَفْظِ حَدَّثَنَا وأخبرنا فإنه أرجح من لفظ أنبأنا.
стр. 856
وَنَحْوِهِ، قِيلَ: وَيُرَجَّحُ لَفْظُ حَدَّثَنَا عَلَى لَفْظِ أَخْبَرَنَا.
النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ سَمِعَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى بِالسَّمَاعِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى بِالْإِجَازَةِ.
النَّوْعُ الْأَرْبَعُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْمُسْنَدَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْمُرْسَلَ.
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْخَارِجَةِ عَنْهُمَا.
النَّوْعُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ وُجُوهَ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ، وَحَاصِلُهَا: أَنَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ إِفَادَةً لِلظَّنِّ فَهُوَ رَاجِحٌ، فَإِنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمُرَجِّحَاتِ، فَعَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُرَجِّحَ بَيْنَ مَا تَعَارَضَ مِنْهَا.
стр. 857
التَّرْجِيحُ بِاعْتِبَارِ الْمَتْنِ:
وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ بِاعْتِبَارِ الْمَتْنِ فَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ:
أَنْ يُقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، كَذَا قِيلَ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِمَعْنَى الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ، وَالْعَمَلُ بِالْعَامِّ فِيمَا بَقِيَ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّرْجِيحِ.
النَّوْعُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَفْصَحُ عَلَى الْفَصِيحِ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ بِأَنَّهُ لفظ النبي ﷺ أَقْوَى.
وَقِيلَ: لَا يُرَجَّحُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ البليغ يتكلم بالأفصح والفصيح.
النوع الثالث:
أن يُقَدَّمُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي قَدْ خُصِّصَ، كَذَا نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ، وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ دُخُولَ التَّخْصِيصِ يُضْعِفُ اللَّفْظَ، وَيَصِيرُ بِهِ مَجَازًا، قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَدْ خُصِّصَ قَدْ أُزِيلَ عَنْ تَمَامِ مُسَمَّاهُ.
وَاعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: بِأَنَّ الْمُخَصَّصَ رَاجِحٌ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّ، الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ، "وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ تَقْدِيمَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ"*؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ قَدْ قَلَّتْ أَفْرَادُهُ، حَتَّى قارب النص؛ إذ كان عَامٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي أَقَلِّ مُتَنَاوَلَاتِهِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَرِدْ عَلَى سَبَبٍ عَلَى الْعَامِّ الوارد على سبب، كذا قال
стр. 858
إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْبُرْهَانِ"، وَإِلْكِيَا، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "اللُّمَعِ"، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ" وَالرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ". قَالُوا: لِأَنَّ الْوَارِدَ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ مُتَّفَقٌ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ مُخْتَلَفٌ فِي عُمُومِهِ.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ الْأَفْرَادِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعَامَّيْنِ فَلَا. انْتَهَى١.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي عُمُومِ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ هُوَ كَائِنٌ فِي سَائِرِ الْأَفْرَادِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ، لِتَبَادُرِهَا إِلَى الذِّهْنِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَغْلِبِ الْمَجَازُ.
النَّوْعُ السَّادِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمَجَازُ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
النَّوْعُ السَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، أَوْ عُرْفِيَّةً عَلَى مَا كَانَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وهذا ظاهر في اللفظ الذي "صَارَ"* شَرْعِيًّا، لَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا صَارَ شَرْعِيًّا، لَا فِيمَا لَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ شَرْعِيًّا، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ هَذَا.
النَّوْعُ الثَّامِنُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْإِضْمَارِ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الدَّالُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا كَانَ دَالًّا عَلَى الْمُرَادِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ.
النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ فِيهِ الْإِيمَاءُ إِلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُعَلَّلِ أَوْضَحُ مِنْ دَلَالَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّلًا.
النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا ذُكِرَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى مَا ذُكِرَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ مُتَأَخِّرَةً، وَقِيلَ بالعكس.
النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا ذُكِرَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ، كَقَوْلِهِ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا" ٢ عَلَى الدَّالِّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَارَةِ مُطْلَقًا.
النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمَقْرُونُ بِالتَّهْدِيدِ عَلَى مَا لم يقرن به.
стр. 859
النوع الخامس عشر:
أنه يُقَدَّمَ الْمَقْرُونُ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى مَا لَمْ يُقْرَنْ بِهِ.
النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مَقْصُودًا بِهِ الْبَيَانُ عَلَى مَا لَمْ يقصد به.
النوع السابع عشر:
أنه يُقَدَّمَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَقِيلَ بالعكس، "قيل"*: لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ النَّهْيُ عَلَى الْأَمْرِ.
النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ النَّهْيُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
النَّوْعُ الْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَمْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَقَلُّ احْتِمَالًا عَلَى الْأَكْثَرِ احْتِمَالًا.
النَّوْعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمَجَازُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَشْهَرُ فِي الشَّرْعِ، أَوِ اللُّغَةِ، أَوِ الْعُرْفِ، عَلَى غَيْرِ الْأَشْهَرِ فِيهَا.
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا يَدُلُّ بِالِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا يَدُلُّ بِالْإِشَارَةِ، وَعَلَى ما يدل بالإيماء على مَا يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، مُوَافَقَةً وَمُخَالَفَةً.
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ الْعَامِّ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ تَأْوِيلَ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ.
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا "كَانَتْ"** صِيغَةُ عُمُومِهِ بِالشَّرْطِ الصَّرِيحِ، عَلَى مَا كَانَ صِيغَةُ عُمُومِهِ بِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، أَوْ جَمْعًا مُعَرَّفًا أَوْ مُضَافًا وَنَحْوَهُمَا.
النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى وَالِاسْمُ الْمَوْصُولُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْهُودِ، فَتَصِيرُ دَلَالَتُهُ أَضْعَفَ، عَلَى خِلَافٍ مَعْرُوفٍ فِي هَذَا، وَفِي الَّذِي قبله.
стр. 860
الترجيح باعتبار المد لول
وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ بِاعْتِبَارِ الْمَدْلُولِ فَهِيَ أَنْوَاعٌ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ الأصل والبراءة على ما كان ناقلان وقيل
стр. 861
بِالْعَكْسِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ١.
وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
النَّوْعُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إِلَى الِاحْتِيَاطِ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُثْبَتُ عَلَى الْمَنْفِيِّ، نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَعَ الْمُثْبِتِ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ النَّافِي، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَاخْتَارَهُ فِي "الْمُسْتَصْفَى".
النَّوْعُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا يُفِيدُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَلَى مَا يُفِيدُ لُزُومَهُ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ حُكْمُهُ أَخَفَّ عَلَى مَا كَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى مَا تَعُمُّ بِهِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِحُكْمَيْنِ، وَالْآخَرُ مُوجِبًا لِحُكْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُوجِبُ لِحُكْمَيْنِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَنْقُلْهَا الْآخَرُ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ عَلَى الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفِيُّ، مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُكَلَّفِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفِيَّ أَكْثَرُ مَثُوبَةً، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا فِيهِ تَأْسِيسٌ عَلَى مَا فِيهِ تَأْكِيدٌ.
وَاعْلَمْ: أن المرجع فِي مِثْلِ هَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ هُوَ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقُ، فَيُقَدِّمُ مَا كَانَ عِنْدَهُ أَرْجَحَ عَلَى غيره إذا تعارضت.
стр. 862
الترجيح بحسب الأمور الخارجة:
وأما المرجحات بحسب الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ فَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا عَضَّدَهُ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ دَلِيلٌ آخَرُ١.
النَّوْعُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا، فَيُقَدَّمُ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ لَهُ صِيغَةً، وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْحُكْمِ، عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، كضرب
стр. 863
الأمثال ونحوها، فإنها ترجح العبارة عَلَى الْإِشَارَةِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا عمل أَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ أَوْلَى بِإِصَابَةِ الْحَقِّ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَلَا فِي عَمَلِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ الْحَقُّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ مَعَ الْأَقَلِّ، وَلِهَذَا مَدَحَ اللَّهُ الْقِلَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُوَافِقُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
النَّوْعُ السَّادِسُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَوَارَثَهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
النَّوْعُ السَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا١.
النَّوْعُ الثَّامِنُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُوَافِقُ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، دُونَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَشْبَهُ.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا فَسَّرَهُ الرَّاوِي لَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ مُرَجِّحَاتٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ زَائِدَةً عَلَى مَا ذكرناه ههنا، وقد ذكرناه فِي الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهَا بِهَا أَلْصَقُ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرَجِّحَاتِ الْخَارِجَةِ إِذَا تَعَارَضَ عُمُومَانِ، بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٢ مع قوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٣ فَإِنَّ الْأُولَى خَاصَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ، عَامَّةٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ، أَوْ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَالثَّانِيَةَ عَامَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، خَاصَّةٌ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : "من نام عن صلاة ونسيها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ٤ مَعَ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ٥، فَإِنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ فِي الأوقات، خاص في الصلاة المقضية، وَالثَّانِيَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، خَاصٌّ فِي الْأَوْقَاتِ، فإن علم المتقدم من العموميين، والمتأخر منهما، كان المتأخر
стр. 864
نَاسِخًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ.
وَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى التَّرْجِيحِ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، بِالْمُرَجِّحَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَإِذَا اسْتَوَيَا إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَدَلَالَةً رَجَعَ إِلَى المرجحات الخارجية.
فإن لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ خَارِجِيٌّ وَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ: هَلْ يُخَيَّرُ الْمُجْتَهِدُ في العمل بِأَحَدِهِمَا، أَوْ يَطْرَحُهُمَا، وَيَرْجِعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ إِنْ وُجِدَ، أَوْ إِلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ؟.
وَنَقَلَ سليم الرزي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْتِ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأُصُولِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْوَقْفُ، إِلَّا بِتَرْجِيحٍ يَقُومُ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ، وَكَأَنَّ مُرَادَهُمُ التَّرْجِيحُ الْعَامُّ، الَّذِي لَا يَخُصُّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ، كَالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَدْلُولِ الْعُمُومِ، ثُمَّ حُكي عَنِ الْفَاضِلِ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى١ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمَا، فَإِنْ دَخَلَ أَحَدَهُمَا تَخْصِيصٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّخْصِيصِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَقْصُودًا بِالْعُمُومِ رُجِّحَ عَلَى مَا كَانَ عُمُومُهُ اتِّفَاقِيًّا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَهَذَا هو اللائق بتصرف الشافعي في أحادث النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَمَّا دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ فِي صَلَاةِ الجنازة ضعفت دلالتها، فتقدم عليه أَحَادِيثُ الْمَقْضِيَّةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ نَقُولُ دلالة: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ مُطْلَقًا فِي النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ أَوْلَى مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ما سبقت لبيان حكم الجمع.
стр. 865
الترجيح بين الأقسية:
وَأَمَّا التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْأَقْيِسَةِ: فَلَا خِلَافَ "أَنَّهُ يكون"* بين ما هو معلوم منها.
стр. 866
وَأَمَّا مَا كَانَ مَظْنُونًا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهَا، وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَقْيِسَةِ الْمَظْنُونَةِ تَرْجِيحٌ، وَإِنَّمَا الْمَظْنُونُ عَلَى حَسَبِ الِاتِّفَاقِ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: "وَبِنَاءً"* عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَجَالِ الْمَظْنُونِ مَطْلُوبٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَطْلُوبٌ فَلَا طَرِيقَ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا الْمَظْنُونُ عَلَى حَسَبِ الْوِفَاقِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهَذِهِ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لِلِاجْتِهَادِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ١: وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يُرِدْ مَا حَكَاهُ عَنْهُ، وَقَدْ عَقَدَ فُصُولًا فِي "التَّقْرِيبِ" فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْعِلَلِ عَلَى بَعْضٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ يَعْنِي إِنْكَارَ التَّرْجِيحِ فِيهَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ نَوْعٌ عَلَى نَوْعٍ، عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا "يَظُنُّهُ"** الْمُجْتَهِدُ رَاجِحًا، وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ فِي آحَادِ النَّوْعِ الْقَوِيِّ شَيْءٌ يَتَأَخَّرُ عَنِ النَّوْعِ الضَّعِيفِ. انْتَهَى.
وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ الأقيسة يكون على نوع:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ:
بِحَسَبِ الْعِلَّةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي:
بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ:
بِحَسَبِ دَلِيلِ الْحُكْمِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ:
بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ:
بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ:
بِحَسَبِ الْفَرْعِ.
١- أَمَّا التَّرْجِيحُ بَيْنَهَا بِحَسَبِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ أَقْسَامٌ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الْمُعَلَّلُ بِالْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْحِكْمَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُعَلَّلِ بِنَفْسِ "الْحِكْمَةِ"***، لِلْإِجْمَاعِ بَيْنَ أَهْلِ الْقِيَاسِ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ، فَيُرَجَّحُ التَّعْلِيلُ بِالسَّفَرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِنَفْسِ الْمَشَقَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
"أنه يرجح"**** التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ؛ لِأَنَّ العدم لا
стр. 867
يَكُونُ عِلَّةً، إِلَّا إِذَا عُلِمَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحِكْمَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ حِكْمَةً بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ عَلَى الْمُعَلَّلِ حِكْمَةً بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعَدَمِيِّ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا يَكُونُ عِلَّةً إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُنَاسِبِ أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْأَمَارَةِ، هَكَذَا قَالَ صَاحِبُ "الْمِنْهَاجِ" وَاخْتَارَهُ.
وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ فِي هَذَا احْتِمَالَيْنِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْمُعَلَّلِ بِالْقَاصِرَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وابن برهان.
قام إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْقَاصِرَةُ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِالنَّصِّ، وَرَجَّحَهُ فِي "الْمُسْتَصْفَى"١.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ الَّتِي فُرُوعُهَا أَكْثَرُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ الَّتِي فُرُوعُهَا أَقَلُّ، لكثرة الفائدة. قال الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، "وَزَيَّفَهُ"* صَاحِبُ "الْمَنْخُولِ"، وَكَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بِذَلِكَ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَلُ الْبَسِيطَةُ عَلَى العلة الْمُرَكَّبَةِ، كَذَا قَالَ الْجَدَلِيُّونَ، وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ فِي الْعِلَلِ الْمُرَكَّبَةِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهَا هِيَ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ لَا كُلَّهَا، وَأَيْضًا الْبَسِيطَةُ يَكْثُرُ فُرُوعُهَا وَفَوَائِدُهَا، وَيَقِلُّ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، فَيَقِلُّ الْغَلَطُ، عَلَى مَا فِي الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَكَّبَةُ أَرْجَحُ، قَالَ الْقَاضِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ": وَلَعَلَّهُ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
الْقِسْمُ الثَّامِنُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْعِلَّةِ الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الزَّائِدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ؛ وَلِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَوْصَافِ يقل فيها التفريع.
قيل: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى هَذَا الْمُرَجِّحِ بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ من الأصوليين، إذا كانت القليلة
стр. 868
الْأَوْصَافِ دَاخِلَةً تَحْتَ الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ، فَإِنْ كَانَتْ غير داخلة، مثل أن تكون أَوْصَافُ إِحْدَاهُمَا غَيْرَ أَوْصَافِ الْأُخْرَى، فَاخْتَلَفُوا فِي ذلك، فقيل: تُرَجَّحُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ، وَقِيلَ: "تُرَجَّحُ"* الْكَثِيرَةُ الْأَوْصَافِ.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ عَلَى العدمي، وكذا الوصف المشتمل على وجودين عَلَى الْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى وُجُودِيٍّ وَعَدَمِيٍّ، كَذَا فِي "الْمَحْصُولِ".
الْقِسْمُ الْعَاشِرُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ "الْمَحْسُوسَةُ"** عَلَى الْحُكْمِيَّةِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الَّتِي مُقَدِّمَاتُهَا قَلِيلَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي مُقَدِّمَاتُهَا كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ صِدْقَ الْأُولَى وَغَلَبَةَ الظَّنِّ بِهَا أَكْثَرُ مِنَ الْأُخْرَى. وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
"أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الْمُطَّرِدَةُ الْمُنْعَكِسَةُ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي تَطَّرِدُ وَلَا تَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهَا بِخِلَافِ الْأُخْرَى١.
الْقِسْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ ***:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ عَلَى الْعِلَّةِ
الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى صِفَةٍ حُكْمِيَّةٍ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ.
الْقِسْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْأُولَى، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ.
وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ: إِنَّ عِلَّةَ التَّسْوِيَةِ أَوْلَى، لكثرة الشبه فيها.
٢- وَأَمَّا التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الْمَعْلُومَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهَا بَدِيهِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي ثَبَتَ وُجُودُهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَعْلُومَةً "بِالْبَدِيهَةِ"****، وَالْأُخْرَى بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الَّتِي وُجُودُهَا بَدِيهِيٌّ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي "وجودها حسي".
стр. 869
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمَعْلُومُ وُجُودُهَا عَلَى الْعِلَّةِ الْمَظْنُونِ وَجُودُهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ دَلِيلُ وُجُودِهِ"* أَجْلَى وَأَظْهَرَ عِنْدَ الْعَقْلِ فهو أرجح مما لم يكن كذلك.
٣- وَأَمَّا التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ ١:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الَّتِي ثَبَتَ عِلِّيَّتُهَا بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ عِلِّيَّتُهَا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، وَلَا وَجْهَ لِخِلَافِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ العلة التي ثبتت عليتها بدليل ظاهر على العلة التي ثبتت عِلِّيَّتُهَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَصٍّ وَلَا ظَاهِرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ التي ثبتت عليتها بالمناسبة على العلة التي ثبتت عليتها بالشبه والدوران، لقوة لمناسبة وَاسْتِقْلَالِهَا بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الثَّابِتَةُ عِلِّيَّتُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّابِتَةِ عِلِّيَّتُهَا بِالسَّبْرِ، وقيل: بالعكس، وَلَيْسَ هَذَا الْخِلَافُ فِي السَّبْرِ الْمَقْطُوعِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُتَعَيِّنٌ، لِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْمَظْنُونِ، بَلِ الْخِلَافُ فِي السَّبْرِ الْمَظْنُونِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
"أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ وَاقِعًا فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا كَانَ وَاقِعًا فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ **:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ ثَابِتًا بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الضَّرُورَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ مُعْتَبَرًا نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا مُعْتَبَرًا نَوْعُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَعَلَى مَا كَانَ مِنْهَا مُعْتَبَرًا جِنْسُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ، وعلى ما كان منها مغيرا جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، ثُمَّ يُقَدَّمُ الْمُعْتَبَرُ نَوْعُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَالْمُعْتَبَرُ جِنْسُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعْتَبَرِ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُهُ في جنس الحكم على "عكسه***.
стр. 870
الْقِسْمُ الثَّامِنُ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الثَّابِتَةُ عِلِّيَّتُهَا بالدوران على الثابتة بِالسَّبْرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.
الْقِسْمُ التَّاسِعُ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الثَّابِتَةُ عِلِّيَّتُهَا "بِالسَّبْرِ عَلَى الثَّابِتَةِ عِلِّيَّتُهَا بِالشَّبَهِ وَمَا بَعْدَهُ.
الْقِسْمُ الْعَاشِرُ:
أنها تقدم العلة عِلِّيَّتُهَا بِالشَّبَهِ"* عَلَى الْعِلَّةِ الثَّابِتَةِ عِلِّيَّتُهَا بِالطَّرْدِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَذَا تُرَجَّحُ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّابِتَةِ عِلِّيَّتُهَا بِالْإِيمَاءِ وَادَّعَى فِي "الْمَحْصُولِ" اتِّفَاقَ الْجُمْهُورِ على أن ما ثبتت عليته بالإيماء راجح على ما ثبتت عِلِّيَّتُهُ بِالْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ، مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَالدَّوَرَانِ، وَالسَّبْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْبُرْهَانِ".
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذَا ظَاهِرٌ إِنْ قُلْنَا لَا تُشْتَرَطُ الْمُنَاسِبَةُ فِي الْوَصْفِ الْمُومَأِ إِلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا تُشْتَرَطُ فَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَيْهَا، كَالْمُنَاسَبَةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ بِدُونِهَا.
الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْعِلَّةُ الثَّابِتَةُ بنفي الفارق على غيرها.
٤- وَأَمَّا التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ دَلِيلِ الْحُكْمِ، فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ ١:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا دَلِيلُ أَصْلِهِ قَطْعِيٌّ عَلَى مَا دَلِيلُ أَصْلِهِ ظَنِّيٌّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ دَلِيلُ أَصْلِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا كَانَ دَلِيلُ أَصْلِهِ النَّصُّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَالتَّأْوِيلَ، وَالنَّسْخَ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَقْبَلُهَا.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيُحْتَمَلُ تَقَدُّمُ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ عَلَى الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ النَّصِّ، لِكَوْنِهِ الْمُثْبِتَ لَهُ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْأَصْلِ، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ "الْمِنْهَاجِ".
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الَّذِي هُوَ مُخْرِجٌ مِنْ أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ مُخْرِجًا مِنْ أَصْلٍ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانَ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْخَاصُّ بِالْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْعَامِّ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ، قَالَهُ الْقَاضِي.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ عَلَى سُنَنِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى تَعْلِيلِهِ دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ النَّسْخُ بالاتفاق على ما وقع فيه الخلاف.
стр. 871
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ دَلِيلُ أَصْلِهِ أقوى بوجه من الوجوه المعتبرة.
٥- وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ، فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ ١:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَتْ عِلَّتُهُ نَاقِلَةً عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ عَلَى مَا كَانَتْ عِلَّتُهُ مُقَرَّرَةً، كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَثْبَتَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالْمُقَرِّرَةَ لَمْ تُثْبِتْ شَيْئًا.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُقَرِّرَةَ أَوْلَى؛ لِاعْتِضَادِهَا بِحُكْمِ الْعَقْلِ الْمُسْتَقِلِّ بِالنَّفْيِ، لَوْلَا هَذِهِ الْعِلَّةُ النَّاقِلَةُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى تَرْجِيحِ النَّاقِلَةِ عَنِ الْعَادَةِ، وبه جزم إلكيا؛ لأن النافية مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الشَّرْعِ، وَالْأُخْرَى تَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ الدليل، فلا معارضة بينهما.
وقيل: هنا مُسْتَوِيَانِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بِالْعِلَلِ لَا يَجُوزُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَتْ عِلَّتُهُ مُثْبِتَةً عَلَى مَا كَانَتْ عِلَّتُهُ نَافِيَةً، كَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: قَدَّمَ قَوْمٌ الْمُثْبِتَةَ عَلَى النَّافِيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ الَّذِي لَا يُثْبِتُ إِلَّا شَرْعًا كَالْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا أَصْلِيًّا يَرْجِعُ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي النَّاقِلَةِ وَالْمُقَرِّرَةِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي الْعِلَّةِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ، لِاسْتِوَاءِ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي فِي الِافْتِقَارِ إِلَى الدَّلِيلِ، قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا يَقْتَضِي الْحَظْرَ عَلَى مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي حَدًّا، وَالْآخَرُ يُسْقِطُهُ، فَالْمُسْقِطُ "مُقَدَّمٌ"*.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أن يكون أحدهما يقتضي "العتق"** وَالْآخَرَ يُسْقِطُهُ، فَالْمُقْتَضِي "لِلْعِتْقِ"*** مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبْقِيًا لِلْعُمُومِ "عَلَى عُمُومِهِ وَالْآخَرُ مُوجِبًا لِتَخْصِيصِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ تَرْجِيحُ مَا كَانَ مُبْقِيًا لِلْعُمُومِ"****؛ لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَمِنْ حَقِّ الْعِلَّةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ "النُّصُوصَ"*****، فَإِذَا أَخْرَجَتْ ما اشتمل عليه العام كانت مخالفة للأصول التي
стр. 872
يَجِبُ سَلَامَتُهَا عَنْهُ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"، وَحَكَى الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُخَصِّصَةَ له أولى؛ لأنها زائدة.
٦- وأما المرجحات بحسب بالأمور الْخَارِجَةِ، فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ القياس الموافق للأصول، بأن تكون عِلَّةُ أَصْلِهِ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ الْمُمَهِّدَةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا كَانَ مُوَافِقًا لِأَصْلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْأُصُولِ الْكَثِيرَةِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ اعْتِبَارِهَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ. هَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، "وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ".
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَ أَكْثَرَ فُرُوعًا عَلَى مَا كَانَ أَقَلَّ، لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ"* وَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ "وَزَيَّفَهُ"** الْغَزَالِيُّ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ حُكْمُ أَصْلِهِ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّانِي.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَ مُطَّرِدًا فِي الْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ ما انضمت عِلَّتِهِ عِلَّةٌ أُخْرَى عَلَى مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الِانْضِمَامَ يَزِيدُ قُوَّةً، وَقِيلَ: "لَا يُرَجَّحُ"*** بِذَلِكَ، وَصَحَّحَهُ أَبُو زَيْدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ فَتْوَى صَحَابِيٍّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ المتقدم في حجية قول الصحابي.
وأما المرجحات بحسب الفرع، فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُشَارِكًا فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَعَيْنِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمُشَارِكِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَعَيْنِ الْعِلَّةِ، أَوْ عَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ، أَوْ جِنْسِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُشَارِكًا فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ، أَوْ عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشَارِكِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُشَارِكُ فِي عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشَارِكِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْعُمْدَةُ فِي التعدية.
стр. 873
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مَقْطُوعًا بِوُجُودِ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْمَظْنُونِ وُجُودُهَا فِيهِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا فِيهِ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَقَدْ دَخَلَ بَعْضُ هَذِهِ "الْمُرَجِّحَاتِ فِيمَا تَقَدَّمَ"* "لصلاحية ما هناك هنا"** لذكر ذلك فيه.
وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ بَيْنَ الْحُدُودِ السَّمْعِيَّةِ، فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْحَدُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْمُطَابَقَةِ أَوِ التَّضَمُّنِ عَلَى الْحَدِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ أَوِ الْمُشْتَرِكَةِ أَوِ الْغَرِيبَةِ، أَوِ الْمُضْطَرِبَةِ، وَعَلَى مَا دَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَرِيبٌ إِلَى الْفَهْمِ، بَعِيدٌ عَنِ الْخَلَلِ وَالِاضْطِرَابِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْرَفُ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَعْرَفُ عَلَى الْأَخْفَى؛ "لِأَنَّ الْأَعْرَفَ"*** أَدَلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الْأَخْفَى.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْحَدُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الذَّاتِيَّاتِ عَلَى الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعُرْضِيَّاتِ، لِإِفَادَةِ الْأَوَّلِ تَصَوُّرَ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ، دُونَ الثَّانِي.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مَدْلُولُهُ أَعَمَّ مِنْ مَدْلُولِ الْآخَرِ، لِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، وَقِيلَ: بَلْ يُقَدَّمُ الْأَخَصُّ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِنَقْلِ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لِكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمُ النَّقْلِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا أَقْرَبَ إِلَى الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ عَنْهُ شَرْعًا، أَوْ لُغَةً.
الْقِسْمُ السَّابِعُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ طَرِيقُ اكْتِسَابِهِ أَرْجَحَ مِنْ طَرِيقِ اكْتِسَابِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.
الْقِسْمُ الثَّامِنُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِعَمَلِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، ثُمَّ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِأَحَدِهِمَا.
الْقِسْمُ التاسع:
أنه يقدم ما كان موافقًا لعمل الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
الْقِسْمُ الْعَاشِرُ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْإِجْمَاعِ.
الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ الْحَظْرِ عَلَى مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ النَّفْيِ عَلَى مَا كان مقررًا لحكم الإثبات.
стр. 874
الْقِسْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِإِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَلَى مَا كَانَ مُوجِبًا لَهَا.
الْقِسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا كَانَ مُقَرِّرًا لِإِيجَابِ الْعِتْقِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَفِي غَالِبِ هَذِهِ الْمُرَجِّحَاتِ خِلَافٌ يُسْتَفَادُ مِنْ مَبَاحِثِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَيُعْرَفُ بِهِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَطُرُقُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ جَدًّا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَدَارَ التَّرْجِيحِ عَلَى مَا يَزِيدُ النَّاظِرَ قُوَّةً فِي نَظَرِهِ، عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، مُطَابِقٍ لِلْمَسَالِكِ الشَّرْعِيَّةِ، فَمَا كَانَ مُحَصِّلًا لِذَلِكَ فَهُوَ مرجح معتبر.
стр. 875
خاتمة لمقاصد هذا الكتاب
مدخل
...
خاتمة لمقاصد هذا الكتاب:
اعلم: أنا قد قدرنا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ الْخِلَافَ فِي كَوْنِ الْعَقْلِ حَاكِمًا أَوْ لَا.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ، وَيَحْكُمُ فِيهَا، كَصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَالنَّقْصِ، وَمُلَاءَمَةِ الْغَرَضِ، وَمُنَافَرَتِهِ.
وَأَحْكَامُ الْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ مُدْرَكَاتِهِ تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةِ أَحْكَامٍ، كَمَا انْقَسَمَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: التَّحْرِيمُ، كَالظُّلْمِ.
وَالثَّالِثُ: النَّدْبُ، كَالْإِحْسَانِ.
وَالرَّابِعُ: الْكَرَاهَةُ، كَسُوءِ الْأَخْلَاقِ.
وَالْخَامِسُ: الْإِبَاحَةُ، كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي ملكه.
وهما مسألتان.
стр. 876
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
هَلِ الْأَصْلُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ، أَوْ يَخُصُّ نَوْعَهُ، الْإِبَاحَةُ، أَوِ الْمَنْعُ، أَوِ الْوَقْفُ١؟
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ٢، وَنَسَبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حُكْمُ الشَّيْءِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ، أَوْ يخص نوعه، فإذا لم.
стр. 877
يوجد الدليل كَذَلِكَ فَالْأَصْلُ الْمَنْعُ.
وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى الْوَقْفِ بِمَعْنَى لَا يَدْرِي هَلْ "هُنَاكَ"* حُكْمٌ أَمْ لَا؟
وَصَرَّحَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ، وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ.
احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ١ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَرَّمَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَثْبُتَ حُرْمَتُهُ، وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَتُهُ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنَ الْمُقَيَّدِ، فَلَوْ ثَبَتَتِ الْحُرْمَةُ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، لَثَبَتَتِ الْحُرْمَةُ فِي زِينَةِ اللَّهِ، وَفِي الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَإِذَا انْتَفَتِ الْحُرْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ثَبَتَتِ الْإِبَاحَةُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٢ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الطَّيِّبِ الْحَلَالُ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْرَارُ، فَوَجَبَ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُسْتَطَابُ طَبْعًا، وَذَلِكَ يقتضي حل المنافع بأسرها.
واحتجوا أيضًا بقول تَعَالَى: " ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣، وَاللَّامُ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى"**: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ ٤ الْآيَةَ فَجَعَلَ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةَ، وَالتَّحْرِيمَ مُسْتَثْنًى.
وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٥.
وَبِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إن أعظم "المسلمين في الْمُسْلِمِينَ جُرمًا مَنْ" *** سَأل عَنْ شَيْءٍ فَحُرِّمَ على "المسلمين " **** من أجل مسألته " ٦.
стр. 878
وَبِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن السمن، "والجبن"*، وَالْفِرَاءِ، قَالَ: "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ" ١
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا، وَلَا عَلَى الْمُنْتَفِعِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ، كَالِاسْتِضَاءَةِ بِضَوْءِ السِّرَاجِ، وَالِاسْتِظْلَالِ بِظِلِّ الْجِدَارِ.
وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ مَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهُ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ كُلِّ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهَا يَنْتَفِعُ بِهَا، وَلَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْمَالِكِ، وَيَقْتَضِي سُقُوطَ التَّكَالِيفِ بِأَسْرِهَا.
وَوَجْهُ عَدَمِ وُرُودِهِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا عَلَى الْمُنْتَفِعِ، وَلَا انتفاع بالمحرمات، وبترك الواجبات يضرره ضَرَرًا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَهَا، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا لَمْ يُبَيَّنْ حُكْمُهُ بِبَيَانٍ يَخُصُّهُ أَوْ يَخُصُّ نَوْعَهُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ لِهَذِهِ الْأَعْيَانِ لِحِكْمَةٍ، أَوْ لغير حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ ٣ وَالْعَبَثُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِحِكْمَةٍ، وَلَا تَخْلُو هَذِهِ الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِعَوْدِ النَّفْعِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ إِلَيْنَا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِاسْتِحَالَةِ الِانْتِفَاعِ عَلَيْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ نَفْعُ الْمُحْتَاجِ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ أَيْنَمَا كَانَ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ يُمْنَعُ مِنْهُ لِرُجُوعِ ضَرَرِهِ إِلَى الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ.
стр. 879
وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَى حُكْمِهِ، أو حكم نوعه، وأما ما قد فصله وَبُيِّنَ حُكْمُهُ، فَهُوَ كَمَا بَيَّنَهُ بِلَا خِلَافٍ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ ٢ قَالُوا: فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لَيْسَ إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَيْهِ فَلَا نَعْلَمُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ قَالُوهُ بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ٣، فَلَا تَرُدُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ فِي دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ عَنْهُ ﷺ أنه قَالَ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ وَالْمُؤْمِنُونَ وقَّافُون عِنْدَ الشُّبْهَاتِ" ٤ الْحَدِيثَ.
قَالَ: فأرشد ﷺ إِلَى تَرْكِ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، ولم يجعل الأصل فيها أَحَدَهُمَا.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ.
فَإِنِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ فَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ مَا سَكَتَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَالٌ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: "وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ" إِلَّا مَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ طَلْقٌ، أَوْ حَرَامٌ وَاضِحٌ، بَلْ تَنَازَعَهُ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْحَلَالِ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْحَرَامِ، كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَمَّا مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ٥، سَلْمَانَ وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ٦ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : "إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام" ٧ الحديث.
стр. 880
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي قَدْ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِيهَا، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْغَيْرِ، وإنما النزع فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَلَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ كَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى تحريمها، لا بِدَلِيلٍ عَامٍّ وَلَا خَاصٍّ، وَكَالنَّبَاتَاتِ الَّتِي تُنْبِتُهَا الأرض، مما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَلَا كَانَتْ مِمَّا يَضُرُّ مُسْتَعْمِلَهُ بَلْ مِمَّا يَنْفَعُهُ.
следующие страницы →