عصر الخلافة الراشدة
محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين
تأليف الدكتور أكرم ضياء العمري
مكتبة العبيكان
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الولي المنعم والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد .. فإن عصر الخلافة الراشدة امتداد لعصر السيرة النبوية حيث تؤثر القيم الإسلامية على الناس في نشاطهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتنعكس على الحكم في علاقته بالأمة من ناحية وبالقوى الخارجية من ناحية أخرى، وتؤثر في اختيار الحاكم وقيم التعامل معه من حيث الطاعة المشروطة بإنفاذ أحكام الشريعة، والحفاظ على وحدة الأمة، والشورى، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والاجتهاد الفردي والجماعي لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة فيما يتعلق بالوقائع الجديدة المتنوعة وخاصة بعد الانسياح في الهلال الخصيب وبلاد إيران ومصر حيث التماس مع حضارات قديمة ونظم اجتماعية واقتصادية عريقة. فلولا الاجتهاد لما أمكن إنزال الأحكام الشرعية على الوقائع القائمة. ولولا الانفتاح العقلي والروح الملهمة لما تمكن الفاتحون من التعامل مع المجتمعات الجديدة، وإكسابها الطابع الإسلامي، مع الاحتفاظ بتقدمها في المدنية والعمران.
إن المألوف في التاريخ هو ذوبان الأمم البدوية في الحضارات القوية حتى لو اكتسحها البدو عسكرياً، إذ سرعان ما تنحل عصبتهم وتذوب روح المقاومة فيهم، ويتطبعون بطابع الحياة الجديدة، ولكن ما حدث في التقاء الفاتحين المسلمين مع الأمم الأخرى هو تلاقح وتبادل عميقان، وكان للإسلام بقيمه الروحية والثقافية المنفتحة الأثر الكبير في أحداثهما، وقد مكنت العقيدة الإسلامية والقيم الثقافية المنبثقة عنها المسلمين من الحفاظ على شخصيتهم وقيمهم ولغتهم وأدبهم وطابع حياتهم، وتحويل المجمعات الجديدة التي حكموها وإكسابها الصبغة الإسلامية واللسان العربي الذي صار اللغة الأدبية العامة فضلاً عن كونها لغة الدولة والسياسة
стр. 3
والإدارة، بحيث طغت بعد برهة وجيزة على اللغات واللهجات المحلية.
وينظر المسلمون إلى عصر الخلافة الراشدة باعتباره أميز العصور في تاريخهم بعد عصر النبوة حيث تولى الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي ﷺ ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بدخول الجنة، تعاونهم أعداد من الصحابة الذين نزل القرآن بتعديلهم، وهم الذين مثلوا النخبة القيادة في الفكر والسياسة والإدارة والاقتصاد والفتوح، كما أنهم نقلوا القرآن والسنة إلى الأجيال التالية لذلك كان لابد من تمحيص الأخبار المتعلقة بهم خاصة.
ولا شك أن أساليب الحكم والإدارة والتوجيه التي اتبعوها وضحت جوانب النظام الإسلامي وصارت مثالاً يتطلع له المؤمنون في كل الأجيال المتعاقبة، وهم يقيسون أحوال زمانهم به، ويصفونه لبيان الانحراف والظلم وانهيار القيم الخلقية والاجتماعية والسياسية، ويدعون إلى العودة إلى "المثال" الذي تحقق في الخلافة الراشدة.
وكان الحكم في العهد النبوي تخالطه النبوة، لكنه لم يعد كذلك في الخلافة الراشدة، فلم يكن توليهم السلطة بأمر من الله أو بوصية من نبيه، بل تم اختيارهم وبيعتهم من قبل المسلمين، بما في ذلك خلافة عمر ﵁ الذي رشحه أبو بكر الصديق رضى الله عنه بعد مشورة الكبار من الصحابة، فلم تكن الخلافة لتنعقد له لولا بيعة الناس له في المدينة، ثم أخذ البيعة له من قبل الولاة على أرجاء الدولة الإسلامية ..
وقد طبَّق الخلفاء الأربعة التعاليم الإسلامية في الحكم، فاهتموا بالشورى الفردية والجماعية، لكنهم لم يؤسسوا مجلساً دائماً لها، بل كانت في الغالب تنحصر في المقدمين من الصحابة من ذوي السابقة والخبرة، وكان الجمهور يعترف لهم بهذه المكانة. لكن البيعة للخليفة لم تقتصر عليهم بل تمتد إلى الجمهور الذي يبايع البيعة العامة في المسجد بعد البيعة الخاصة التي يعقدها كبار الصحابة للخليفة.
إن أهم المظاهر التي برزت في عصر الخلافة الراشدة تتمثل في تنظيم الإدارة
стр. 4
والجيش والعطاء وتنظيم المناطق المفتوحة وخاصة في خلافة عمر ﵁. أما أهم الأحداث التي شهدها ذلك العصر فتتمثل في القضاء على حركات الانشقاق وإعادة توحيد الدولة الإسلامية في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، مما مهَّد للحدث البارز الثاني المتمثل في حركة الفتوح الإسلامية التي شغلت العصر، وامتازت بالانسياح السريع في الهلال الخصيب وإيران ومصر، حيث تغلب الفاتحون على الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية وهما أعظم القوى في الأرض في ذلك الزمان، وكانت الغلبة الحضارية المتمثلة في سيادة الإسلام واللغة العربية تزيد على أهمية الانتصار العسكري السريع، لأنها مكنت للإسلام ولغته العربية في الأرض المفتوحة حتى الوقت الحاضر، خلافًا للفتوحات الأخرى التي قادها هانيبال والإسكندر وهولاكو قديماً والتي قامت بها بريطانيا وأسبانيا والبرتغال وهولندا في العصر الحديث، فرغم الانتصار العسكري لهذه القوى إلا أنها لم تتمكن من صهر المناطق المفتوحة في بوتقتها الحضارية وإن تركت فيها آثاراً متباينة العمق. ويعود الأثر العميق الذي أحدثته الفتوح الإسلامية إلى تحول السكان إلى الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً، تمتد تعاليمه إلى جوانب الحياة المختلفة، وتؤثر في البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية .. وكان لقيم التسامح والعدل والمساواة أثر كبير في اجتذاب سكان المناطق المفتوحة وتوحدهم مع الفاتحين.
وقد كان الحدث الداخلي المهم يتمثل في أحداث الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁ وطغت نتائجها على أحداث خلافة علي بن أبي طالب ﵁ الذي واجه المعارضة المتنوعة في الجمل والنهروان وصفين، واستشهد قبل أن تستقر الدولة الإسلامية على حال.
ولا شك أن التجربة السياسية التي لم يمض عليها سوى أربعة عقود تمكنت من الصمود أمام العواصف العاتية وخرجت منها مثقلة بتجاربها وخبراتها متطلعة إلى الاستقرار والامتداد والتفاعل مع التطورات الجديدة في العصر الأموي.
وقد التزمتُ بتطبيق مناهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية إذا تعلقت
стр. 5
بالعقيدة والشريعة، أما الأخبار التي تتناول الفتوحات، وتعيين الولاة والقضاة والموظفين فإنها لا تقتضي إعمال المنهج النقدي الحديثي فيها بل يكفي اتفاق الاخباريين واختلافهم عليها وسلامتها من التناقض والشذوذ، وسلامة القصد عند الرواة لئلا يميلوا بالأخبار نحو خدمة اتجاهاتهم العقدية والسياسة، وهكذا تعامل علماء السلف مع هذه الأخبار، ولو اشترطوا فيها ما اشترطوه في الأحاديث النبوية لما صفا لهم منها إلا القليل، وبذلك يبقى التأريخ علماً مستقلاً له أدواته الخاصة ومناهجه النقدية المتميزة
واللهُ من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المؤلف
الدكتور أكرم ضياء العمري
المدينة المنورة
١٧ ذو الحجة ١٤١٤ هـ
стр. 6
تحليل المصادر
стр. 7
١ - كتب التأريخ:
محمد بن اسحق:
وكتابه (المبتدأ والمبحث والمغازي) أجود ما كتب في السيرة النبوية، وعقد آخره فصولاً تتعلق بالسقيفة وخلافة أبي بكر والردة وجملة من أخبار عصر الخلافة الراشدة. وقد سرد ابن اسحق في كتابه الآخر (تاريخ الخلفاء) روايات مفصلة عن ذلك العصر، لكن كتابه مفقود، ونجد مقتطفات منه في (تاريخ الطبري) وغيره.
خليفة بن خياط:
يعتبر تاريخ خليفة بن خياط (ت٢٤٠ هـ) أقدم تاريخ حولي وصل إلينا، حيث فقدت كتب الحوليات التي ألفت قبله، وتظهر أهميته في دقة معلوماته، وحسن انتقاء رواياته، وانتماء مؤلفه إلى مدرسة المحدثين حيث يهتم بذكر الأسانيد، وقد أعطى اهتماماً خاصاً لجداول الولاة والقضاة، كما اهتم بأحداث الفتنة في خلافة عثمان حيث أثرت رواياته على رؤية أهل السنة والجماعة لتلك الأحداث لما يتمتع به خليفة من توثيق، ولكثرة إيراده لمرويات أهل الحديث، مما جعله مصدراً تطمئن إليه نفوس الباحثين في تاريخ صدر الإسلام حيث تؤثر الأهواء المتنوعة في توجيه الروايات وانتقائها.
стр. 8
محمد بن سعد (ت ٢٣٠ه ـ) (١):
إن كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد يترجم لرواة الحديث من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى طبقة شيوخ المؤلف، ويطيل ذكر أخبارهم ومكانتهم وصفاتهم الخلقية والخُلُقية وملابسهم وعاداتهم، ومنهم خلفاء وأمراء وقادة فيقدم معلومات غنية عن التأريخ السياسي والحضاري والثقافي، وطول التراجم في الصحابة والتابعين أكثر من المتأخرين.
وتزداد أهمية الكتاب لكون ابن سعد حظي بتوثيق المحدثين، لكنهم عابوا عليه أخذه عن الضعفاء كهشام بن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي. وقد صنف الواقدي كتابا في الطبقات نقل عنه ابن سعد ما لا يقل عن ربع كتابه (٢). ولكن من الإجحاف لابن سعد أن نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي (٣)، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة حتى بلغ عدد شيوخه في الطبقات الكبرى أكثر من ستين شيخا معظمهم من المحدثين، ويزيد ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي مجتمعين على ما نقله عن الواقدي، فكيف وقد نقل عن غيرهم أيضا!!. وبذلك يتضح ما في اتهام ابن النديم له من مجازفة وبعد عن الحق (٤).
لقد أورد ابن سعد ١٦٨ رواية عن خلافة الصديق ﵁، منها ٣٦ رواية فقط من طريق الواقدي، أي أقل من ربعها، ويقدم معلومات مفصلة ينفرد
стр. 9
بكثير منها (١). وغالب رجال أسانيده معروفون لهم تراجم في الكتب ماعدا شيوخ شيخه الواقدي (٢). ويلاحظ أنه في أحداث الفتنة زمن عثمان ﵁ لم يرو عن سيف بن عمر إطلاقاً (٣).
البلاذري:
أحمد بن يحيى بن جابر (ت ٢٧٩ هـ- ٨٩٢ م)، نشأ في بغداد من عائلة مارس بعض رجالها صنعة الكتابة، وورث "البلاذري عنهم هذه الصناعة، ورحل في الأمصار الإسلامية لطلب العلم، وصار أحد النقلة عن اللسان الفارسي، وقد ترجم كتاب (عهد أردشير، ونظمه شعراً) (٤).
ويعد البلاذري أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري من حيث سعة المعلومات التي دونها والفترات التاريخية التي غطاها، لكن كتابه (أنساب الأشراف) أحسن انتقاء للروايات وأنقى أسانيد وأكثر اتفاقاً مع روايات أهل الثقة والصدق من تأريخ الطبري.
وأنساب الأشراف يتناول التاريخ الإسلامي في إطار الأنساب "ابتداء بالأسر
стр. 10
والعشائر والقبائل القرشية، وانتهاء بغيرها من القبائل العربية" (١).
وباستقراء مشايخ البلاذري نجد أغلبهم توفي قبل وفاة البلاذري بأكثر من عشرين عاماً تقريباً، مما يدل على أنه صنف كتابه قديماً قبل مرضه، وبمقارنة رواياته بروايات غيره كابن سعد وخليفة نجدها متفقة مع الروايات الحسنة والصحيحة التي أوردتها كتب السنة والتاريخ، لذلك فإذا حدث في رواياته ضعف أو شذوذ فهو من قبل الرواة الذين نقل عنهم لا منه هو (٢).
وقد استقى رواياته في أحداث الفتن من ثقات المحدثين من شيوخ البخاري ومسلم في الصحيحين مثل عفان بن مسلم، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وعلي بن المديني وعمرو بن محمد الناقد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة (٣). كما أفاد من مؤلفات شيوخه البغداديين مثل القاسم بن سلام، وعلي بن محمد المدائني، ومحمد بن سعد، وابن الأعرابي، وعلي بن عبد الله المديني، ومصعب الزبيري، ومحمد بن حبيب البغدادي، وعمر بن شبَّة (٤).
وقدَّم البلاذري كتاباً آخر للمكتبة التأريخية وصل إلينا، وهو (فتوح البلدان) تناول فيه قصة فتح كل مصر على حدة، وذكر معلومات مهمة تخص الحياة الاقتصادية والإدارية والثقافية مما يغني دراسة معاملة الفاتحين لسكان المناطق المفتوحة. وتجلى أهميته لاعتماده على مصادر محلية في كل مصر (٥).
стр. 11
ابن عبد الحكم:
أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (١٨٧ - ٢٥٧ هـ) وهو ينتمي إلى أسرة علمية، فأبوه فقيه مالكي كبير له مؤلفات فقهية وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز، وإخوته الثلاثة فقهاء محدثون.
ألَّف ابن عبد الحكم كتباً أشهرها فتوح مصر وأفريقية وقد تناول أخبار الفتح الإسلامي لمصر في خلافة عمر ﵁، وتحدث عن خطط الفسطاط، والخراج ومقداره وكيفية جبايته، وحفر خليج أمير المؤمنين، وإدارة مصر في ولاية عمرو بن العاص ثم ولاية عبد الله بن أبي السرح، وجهود الواليين في الفتح.
ويعتمد عادة على رواية أساسية ثم يبين ما في الروايات الأخرى من زيادات أو مخالفات. وأحيانا يجمع الأسانيد، وغالب أسانيده مستقيمة ورجالها معروفون، ولم يكثر من الرواية عن الأخباريين المعروفين (١).
الأزدي:
أبو إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصري (عاش في القرن الثاني الهجري) ألف كتاب (فتوح الشام)، وهو أقدم ما وصل إلينا في موضوعه حيث فقد كتابا محمد بن اسحق (ت ١٥١ هـ) وأبي مخنف لوط بن يحيى (٢).
ويقدم الكتاب تفاصيل عن فتوح الشام تبدأ بوصف مشاورة الصديق ﵁ لكبار الصحابة في عزمه على فتح الشام، ويسجل آراء عدد منهم، ثم يعرض
стр. 12
لاستنفار الناس وقدومهم إلى المدينة وخاصة أهل اليمن، ويصف الحملات المتعاقبة ووصايا الصديق لقادتها وردودهم عليه، ثم يعرض للمعارك دون ترتيبها على السنين مكتفياً بتسجيل التواريخ في ثنايا الروايات. وقد حفظ عدداً كبيراً من الرسائل المتبادلة بين الصديق وقادته والفاروق وقادته مما لم يرد في المصادر التأريخية الأخرى، وأحياناً يرد ولكن من طريق أخرى أو مقتضباً (١).
وقد أورد الأزدي ٩٣ إسناداً، وهي تكشف عن بعض مصادره، ومعظمها رواة من قبيلة الأزد التي ينتمي إليها، وقد أشاد بمواقفها في الفتح (٢).
ابن شبَّة:
عمر بن شبة النميري (ت ٢٦٧ هـ) , "كان ثقة عالماً بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة" (٣).
وقد وصل إلينا كتابه (تأريخ المدينة) ويقدم معلومات غزيرة عن عصر الخلافة الراشدة، وخطط المدينة المنورة- عاصمة الخلافة- وهو ينتقي الروايات فترتفع نسبة الروايات الصحيحة والحسنة عما في المصادر الأخرى، وينفرد بعدد كبير من الروايات، ولم تفد الدراسات الحديثة منه لتأخر نشره.
وإذا كان ابن شبة في تأريخ المدينة قد فصل أخبار الخلفاء الراشدين في المدينة، فإنه قد تابع أخبارهم في كتابه الآخر (تأريخ البصرة) وهو مفقود لكن الحافظ ابن حجر في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) أورد قطعة منه تتناول
стр. 13
وقعة الجمل (١) ولكن ابن حجر انتقى الروايات الصحيحة والحسنة وأهمل الروايات الأخرى.
اليعقوبي:
أحمد بن أبي يعقوب اسحق (ت ٢٨٤ هـ) مؤرخ شيعي إمامي، عمل في كتابة الدواوين في الدولة العباسية، وهو رحالة جغرافي أفاد من الدواوين الرسمية والملاحظة المباشرة في رحلاته في تأليف كتاب (التاريخ) وكتاب (البلدان)، وبدأ. تأريخه ببدء الخليقة ثم أخبار الأنبياء وتواريخ الأمم قبل الإسلام، وذلك في القسم الأول من كتابه. أما القسم الثاني فتناول السيرة وعصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية حتى سنة ٢٥٩ هـ، وقد سمى مصادره في هذا القسم وهم أحد عشر أخبارياً ومنجمان أخذ عنهما الطوالع والنجوم (٢). ويقسم بالاقتضاب من ناحية (٣)، وبالانحياز العقدي من ناحية أخرى. ويحتاج إلى دراسة نقدية تعيد الروايات إلى مصادرها الأولية، وتنظر في أسانيدها ومتونها ومدى سلامتها من العلل وما وافق روايات الثقات والصدوقين من أهل الأخبار أو خالفها.
ابن قتيبة الدينوري:
عبد الله بن مسلم (٢١٣ - ٢٧٠ هـ) وهو عالم كبير في القرآن والحديث
стр. 14
واللغة وثقة النقاد (١)، وله عناية بالأخبار حيث صنف كتاب (المعارف) و (وعيون الأخبار) فأما كتاب المعارف "فلعل ابن قتيبة وضعه لسد حاجة الكتاب والناس إلى تأريخ موجز يحوي المعلومات الأساسية، أو لعله وضعه مشروعاً لكتابة تأريخ عالمي يبدأ بالخليقة وينتهي في عهد المعتصم، شاملاً تأريخ الأنبياء وأنساب العرب والسيرة والصحابة والتابعين، والخلفاء، وأصحاب الرأي والنسب والأخبار والحديث والشعر، والولاة، وصناعات الأشراف، وأخبار الملوك العرب والعجم .. ومصادره تعتمد على الكتب والروايات الشفهية فهو ينقل عن ابن اسحق والواقدي والكلبي" (٢) أما عيون الأخبار "فهو يتناول التأريخ الحضاري لا ظل للسياسة والأحداث والزمن المتسلسل فيه" (٣). وينسب له خطأ كتاب (الإمامة والسياسة).
الطبري:
محمد بن جرير (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) , إمام في التفسير والفقه والتأريخ،
اشتهر بكتابيه في التفسير والتأريخ وكلاهما موسوعة كبيرة في فنه، ويهمنا معرفة
أهمية تأريخه في دراسة عصر الخلافة الراشدة، فهو أوسع المصادر في ذكر أخبار
ذلك العصر، فقد اعتمد على كتب الإخباريين الذين صنفوا كتباً في الأحداث
المتنوعة التي شهدها عصر الخلافة الراشدة. فقد اعتمد في الردة على كتاب (الردة)
لسيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ) الذي عرف بميوله القبلية (تميم) والعراقية
стр. 15
ولم يحظ بتوثيق أحد من المحدثين، فهو متروك الرواية عندهم، ولكنه احتفظ بتقدير المؤرخين لقدرته على رسم صور الأحداث ببراعة واتساق، ولتقديمه تفصيلات واسعة ينفرد بها أحياناً كثيرة. واعتمد في الفتوح على كتاب (الفتوح) لسيف بن عمر التميمي أيضاً إلى جانب كتابين في فتوح الشام والعراق لأبي مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ هـ) - وهو كوفي ميوله الشيعية قوية- بالإضافة إلى كتب علي بن محمد المدائني وسيف بن عمر وعمر بن شبة، وأما في فتنة مقتل عثمان ﵁ فاعتمد على كتب الواقدي وأكملها برواية سيف بن عمر، وعمر بن شبة، وابن اسحق (١). وأما موقعة الجمل وصفين فاعتمد فيهما على كتب علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) الذي عرف بشيخ الأخباريين، وألف كتباً كثيرة في موضوعات عصر الراشدين وغيرها. ورواياته معتدلة وأقرب إلى الاستقامة- على الأغلب-، وكذلك اعتمد على كتاب صفين لأبي مخنف لوط بن يحيى، وبدرجة يسيرة على كتاب (صفين) لنصر بن مزاحم (ت ٢١٢ هـ) وهو كوفي شيعي الميول انتقده علماء الحديث بشدة إما بسبب معتقده أو بسبب ضعف ضبطه أو للسببين معاً (٢). واعتمد في قوائم أمراء الحج وولاة الأقاليم وأخبار المرابطين والغزاة على أبي معشر السندي والواقدي (٣). وأفاد من كتاب (تأريخ الخلفاء) لمحمد بن اسحق (ت ١٥١ هـ) وتأريخ ابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) والتأريخ على السنين للهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ) وكتب محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) وابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) صاحب الطبقات الكبرى في أخبار عصر الخلافة الراشدة.
ولم يصرح الطبري بأسماء الكتب التي ينقل عنها مكتفياً بذكر أسماء
стр. 16
المؤلفين لها ولكن يعرف ذلك من خلال تراجمهم وطبيعة محتويات رواياتهم. ويذكر الطبري روايات تأريخه بالأسانيد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة، بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفياً بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها، وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التحليل والتعليل، لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة، فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث. وقد أطال في تراجم الخلفاء الراشدين وبسط أحداث الردة والفتوح والفتن مما جعله أوسع المصادر لعصر الخلافة الراشدة وخاصة في جوانب الحياة السياسية والنشاط العسكري.
المسعودي:
علي بن الحسين بن علي (ت ٣٤٦ هـ)، ولد ونشأ ببغداد، ثم رحل منذ صباه لجمع المعلومات التأريخية والجغرافية، فتنقل في أرجاء العالم الإسلامي وخارجه، وألف كتبه العديدة التي تكشف عن تنوع ثقافته وسعة اطلاعه، وقد تناول عصر الخلافة الراشدة في كتابة (مروح الذهب ومعادن الجوهر) في ١٥٦ صفحة (من ص ٣٢٥ - ص ٤٨١) ويرى الحافظ الذهبي أنه كان معتزلياً (١)، ويرى الحافظ ابن حجر بأن "كتبه طافحة بأنه كان شيعيا معتزلياً" (٢). وخلص أحد دارسيه إلى أنه "ذو ميول شيعية قوية" وساق أدلة قوية تؤكد رأيه (٣).
ولم يذكر المسعودي أسانيد الروايات ولا أسماء المصنفات التي ينقل عنها
стр. 17
كل خبر، مكتفياً بقائمة الكتب التأريخية التي ساقها في مقدمة كتابه، ويبرز بينها مما يعرض لتأريخ عصر الراشدين كتب أبي مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ هـ) والهيثم بن عدي الطائي (ت ٢٠٧ هـ) ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) وأبى الحسن علي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) وأحمد بن يحيى البلاذري (ت ٢٧٩ هـ). ويلاحظ أحد دارسيه أنه تفضل علياً على سائر الصحابة، وأنه يوحي بأن له الأفضلية في تولي الخلافة، ويصف مخالفته من الصحابة بالعثمانية ويتهمهم بالطمع، ويظهر انجازاً واضحاً في أحداث صفين. وبتعبير دارس آخر للمسعودي "كان يحاول تقديم رأى شيعي في التأريخ الإسلامي المبكر" (١).
ابن أعثم الكوفي:
أبو محمد أحمد بن أعثم الأزدي (توفي بعد سنة ٣٢٠ هـ)، وهو مؤرخ شيعي، وكتابه من أوسع ما كتب في الفتوح، كما فصل أخبار حركة الردة، وقد اعتمد مصادر مفقودة، وترقى أسانيده- التي حفظتها نسخة خدا بخش- إلى عروة بن الزبير (ت ٩٣ هـ)، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ)، ويزيد بن رومان الأسدي (ت ١٣٠ هـ)، ومحمد بن اسحق (ت ١٥١ هـ)، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، ويبدو أنه يجعل رواية الواقدي هي الأساس في أخبار الردة ثم يضيف إليها من مصادر أخرى وخاصة في المواعظ والأشعار (٢). كما أفاد من روايات أبى مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن الكلبي، وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ).
стр. 18
وتبدو عناية ابن أعثم بالشعر من كثرة إيراده في كتابه، وقد ساعد على هذا المنحى أن ابن أعثم كان شاعراً، وكذلك عني بسرد الخطب والرسائل المتبادلة، حيث ينفرد بمادة أدبية واسعة.
وقد ساعد منهجه في حذف الأسانيد، وسوق الأراجيز والخطب على لسان الأبطال مباشرة على رسم الصور الملحمية الكاملة، واعتماد الأسلوب القصصي المتسلسل.
ابن حبيش:
أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الأنصاري (٥٠٤ - ٥٨٤ هـ)، ولد بالمرية، وقرأ القرآن، وتعلم الفقه والأدب والعربية، وفي سنة ٥٣٠ هـ انتقل إلى قرطبة حيث أفاد من علمائها، وعاد سنة ٥٣٤ هـ إلى المرية ومكث فيها حتى أسره الروم في استيلائهم عليها ثم أطلقوه فخرج منها عام ٥٤٢ هـ إلى مرسية، ثم منها إلى جزيرة شقر متولياً قضاءها حتى سنة ٥٥٤ هـ، ثم وكل إليه الخطبة بجامع مرسية، ثم تولى سنة ٥٧٥ هـ قضاء مرسية لأبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ)، وفي هذه السنة شرع بتأليف كتابه الغزوات الضامنة الكافلة والفتوح الجامعة الحافلة الكائنة في أيام الخلفاء الأئمة الأول الثلاثة أبي بكر الصديق وأبي حفص الفاروق وأبى عمرو ذي النورين وهو في السبعين من عمره، وقد توفي وهو على قضاء مرسية عام ٥٨٤ هـ.
وقد وصف ابن حبيش بالنزاهة والأنصاف، وضيق الخلق وصرامة الأحكام، ولم يكن التأريخ بين العلوم التي درسها وهي القراءات والحديث واللغة والغريب، ولم يؤلف (الغزوات) إلا بناء على أمر يوسف بن عبد المؤمن أمير الموحدين الذي عينه قاضياً رغم مالكيته التي حاربها الموحدون! ولعل كبر سنه وضعف عزمه وتعيينه قاضياً عوامل تكمن خلف ثنائه على الموحدين حيث وصف ابن تومرت بالإمام
стр. 19
المعصوم والمهدي المعلوم! ولكن تأخره في تصنيف كتابه المغازي لا يعني عدم اهتمامه بفن التأريخ، فقد نسخ عدداً من تواريخ الأندلسيين، ابن حيان والخشني وعياض، ورواها وعلق عليها (١). وقد انفرد ابن قاضي شهبة بالتصريح ببراعة ابن حبيش بالتأريخ، فلعله يقصد علم رجال الحديث حتى يتفق كلامه مع آراء أهل العلم الآخرين (٢). وتظهر أهمية كتاب (الغزوات الضامنة) في اقتباسه من مصادر مفقودة في الردة والفتوح أهمها كتاب الردة للواقدي (ت ٢٠٧ هـ)، وكتاب يعقوب بن محمد الزهري (ت ٢١٣ هـ) وفتوح الشام لسعيد بن الفضل (توفي أواخر القرن الثاني الهجري) والردة والفتوح لسيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ)، وكذلك تبدو إضافاته في نطاق الوثائق والمكاتبات والرسائل وفي نطاق الشعر الذي انفرد ببعضه، فهو مصدر بديل عن المصادر الأصلية المفقودة في الردة والفتوح، لكنه ينزل إلى مستوى المصادر الثانوية في بقية الموضوعات.
الكلاعي:
أبو الربيع سليمان بن موسى (٥٦٥ - ٦٣٤ هـ)، محدث حافظ ثقة، أندلسي، عاش في عصر الموحدين (٥١٥ - ٦٦٨ هـ) في مدينة بلنسية حيث أثر ازدهار العلم فيها على توجهه نحو الطلب ثم التأليف، ودفعه الصراع بين المسلمين والنصارى في الأندلس إلى المشاركة في أحداث الجهاد. وقد استشهد في معركة قريب بلنسية وهو في السبعين من العمر حاملاً لراية المسلمين.
وقد تولى الكلاعي القضاء في بلنسية، وهو فقيه مالكي، وعرف سجله
стр. 20
القضائي بالعدل والفضل والسيرة الحميدة، كما تولى الإمامة والخطابة في جامع بلنسية. وتدل عناوين مؤلفاته وهي تسعة كتب في الحديث، وستة في علم الرجال والتراجم وعشرة في الأدب (الرسائل والخطب والشعر). وكتاب (المغازي) على طبيعة ثقافته فهو يجمع بين الحديث والتأريخ والأدب، ورغم توليه القضاء فإنه لم يؤلف في الفقه والفتاوى وأدب القضاء.
إن الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا هو (المغازي) الذي تناول فيه السيرة وعصر الخلافة الراشدة إلى نهاية خلافة عثمان ﵁. وقد أفاد في كتابه من تهذيب ابن هشام لمغازي محمد بن اسحق المطلبي (ت ١٥١ هـ) (١)، وأهمل كتاب المغازي للواقدي مع اطلاعه عليه (٢) "ولكني رأيته كثيراً ما يجري مع ابن اسحق، فاستغنيت عنه به لفضل فصاحة ابن اسحق". وقد عمد إلى تلخيص رواية ابن اسحق وتخليصها من اللغات وكثير من الأنساب والأشعار (٣). وأفاد في الفتوح من كتاب الردة والفتوح لسيف بن عمر التميمي (ت ١٨٠ هـ) ومن كتاب لأبي عثمان سعيد بن الفضل (توفي أواخر القرن الثاني) وكتاب فتوح الشام لأبي إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصري (توفي في القرن الثاني الهجري) وكتاب محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) والتأريخ الكبير لابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) وكتاب أخبار المدينة للزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ) وتأريخ الطبري (ت ٣١٠ هـ) (٤). وصرَّح بأنه ينتحل من كتاب
стр. 21
شيخه أبي القاسم بن حبيش المسمى بـ (الغزوات الضامنة) (١).
وليس من منهجه النقل الحرفي من المصادر، بل كثيراً ما يتصرف في الروايات، من حذف وربط وتهذيب وتلخيص وتقريب، وقد وضح منهجه في التأليف بما يوفر على الباحث الاستقراء للوصول إليه. وكتابه ساهم بشكل كبير في حفظ روايات متعددة، ونقول هامة، ورسائل عظيمة من الخليفة إلى أمراء الأجناد، ومنهم إلى الخليفة قد لا نجدها في مصدر آخر (٢).
المحب الطبري (ت ٦٩٤ه ـ):
وكتابه (الرياض النضرة في مناقب العشرة) اعتمد فيه على بعض المصادر المفقودة كالسيرة للملائي، وحذف أسانيد الروايات، وقدَّم قائمة جيدة بمصادر في بداية كتابه ولا تقدم روايات كتابه إضافة علمية على المصادر الأولية التي بين أيدينا (٣)
محمد بن يحيى الأشعري المالكي- ابن بكر- (ت ٧٤١ه ـ):
وكتابه (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان)، وهذا الكتاب يكاد أن يكون ملخصاً لروايات سيف بن عمر التميمي ومعظمها في تأريخ الطبري، ولكن المؤلف يُشعر بأنه يستقى من كتاب سيف مباشرة، فلعله اطلع عليه (٤).
стр. 22
ابن كثير (ت ٧٧٤ ه ـ):
يعتبر كتاب البداية والنهاية لابن كثير موسوعة تاريخية شاملة أرخ فيها لبدء الخليقة وتاريخ الأنبياء وتاريخ العرب قبل الإسلام، كما أرخ للسيرة النبوية بتفصيل كبير معتمداً على سيرة ابن هشام عن البكائي وعدد آخر من رواة السيرة عن ابن اسحق مثل يونس بن بكير (بواسطة البيهقي وابن عساكر) الذي له زيادات على سيرة ابن اسحق التي يرويها، ويحيي بن سعيد الأموي (بواسطة مغازي ابنه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي) وسلمة بن الفضل (بواسطة الطبري) (١). وبذلك تمكن ابن كثير من رسم صورة لأحداث السيرة النبوية أوسع نطاقاً من سيرة ابن هشام بالإضافة إلى ملحوظاته النقدية الهامة على أسانيد ومتون الروايات، مما يجعله في طليعة الآخذين بالمنهج النقدي التأريخي ..
وأما في عصر الراشدين فقد اعتمد في الأساس على تأريخ الطبري وأضاف إليه في مادة التراجم من تأريخ الإسلام للحافظ الذهبي وخاصة في الوفيات.
إن الأهمية الحقيقية لهذا المصدر التأريخي في تاريخ صدر الإسلام ترجع إلى سعة نطاقه وظهور بدايات النقد التأريخي فيه أكثر من حفظه لنصوص تأريخية أولية، فمصادر ابن كثير في هذه الفترة وما سبقها محدودة جدا وهي مطبوعة حيث اعتمد على تأريخ ابن عساكر ودلائل النبوة للبيهقي والطبري وابن هشام في نقل روايات قدامى الأخباريين والمحدثين مثل عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحق وأبي معشر السندي والواقدي وسليمان بن طرخان وعلي بن محمد المدائني وأبي مخنف وعوانة بن الحكم وخليفة بن خياط ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان، وبذلك ينبغي أن يعد مصدراً ثانوياً في دراسة بدء الخليقة وتاريخ الأنبياء
стр. 23
وعصر السيرة والراشدين حيث أن مصادره التي اعتمدها مطبوعة ولكنه يبقى مصدراً بديلاً لما فقد وهو كتاب صفين لابن ديزيل وكتاب مغازي سعيد بن يحيى الأموي حيث يحتفظ ابن كثير بعدد من الروايات عن هذين الكتابين (٦٦ نصاً من مغازي سعيد الأموي).
أما في علم الرجال ونقد الأسانيد فقد اعتمد على كتاب له سماه (التكميل في الثقات والضعفاء والمجاهيل) وهو يعتمد فيه أساساً على تهذيب الكمال لشيخه المزي، وميزان الاعتدال لشيخه الحافظ الذهبي ، مع زيادات التقطها من مصادر أخرى.
ويحتمل أن الأحاديث التي أوردها في كتابه (البداية والنهاية) مقدماً فيها مسند أحمد فالصحيحين ثم بقية مصادر الحديث اعتمد فيها على كتابه الضخم (جامع المسانيد) كما أحال على كتابه (الأحكام الكبرى) حيث فصل فيه النقد الحديثي.
ويبدو أن ابن كثير كان يصنف عدة كتب في وقت واحد يساعده على ذلك القدر الكبير المشترك بينها من الروايات. ولاشك أن مصادره المحدودة التي اطلع عليها زودته بمادة المصادر الأولية الوفيرة التي تربو على مائتي مصنف.
الذهبي:
وكتابه (تأريخ الإسلام- عصر الخلفاء الراشدين-)، وهو يعتبر مصدراً ثانوياً بالنسبة للعديد من المؤلفات التي وصلت إلينا والتي اقتبس منها مثل سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ مالك، وسنن أبي داؤد، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، ومسند أحمد، وتأريخ خليفة بن خياط وطبقاته، ومغازي الواقدي، وتاريخ الطبري، في حين يرتقي إلى مصدر بديل عندما ينقل من مؤلفات مفقودة مثل مغازي عروة، ومغازي ابن شهاب الزهري (راويه
стр. 24
الموقري)، ومغازي موسى بن عقبة، وكتب علي بن محمد المدائني، والردة والفتوح لسيف بن عمر التميمي، وكتب هشام بن الكلبي، وتأريخ نيسابور للحاكم وهو يسوق الروايات من المصنفات التي تملك حق روايتها بالسماع أو بالإجازة، ويذكر أسانيد مؤلفيها إلى أعلى الرواية (شاهد العيان من الصحابة والتابعين) وأحياناً يختصر أسانيدهم فيحذف أولها ويذكر أعلاها فقط، أما سند الذهبي إلى مصنف الكتاب فهو يحذفه للاختصار .. وقد رتب الذهبي كتابه على السنين، فيسوق أحداث السنة ثم يترجم لعدد من الصحابة الذين توفوا في تلك السنة.
٢ - كتب الحديث:
توجد مجموعان مهمتان من كتب الحديث، الأولى مرتبة على الموضوعات والثانية مرتبة على مسانيد الصحابة.
وتضم المجموعتان أحاديث بأسانيد المصنفين إلى النبي ﷺ وتتناول العقيدة والشريعة والآداب والفضائل والرقائق، وموضوعات أخرى منها أخبار تأريخية متناثرة، لكنها تتركز عادة في كتاب المغازي في العديد من المصنفات الحديثية المرتبة على الموضوعات، في حين أن روايات عصر الخلافة الراشدة تكون متفرقة في كتب وأبواب عديدة منها فضائل الصحابة والفتن والجهاد وقصة الشورى ... ورغم الاقتضاب الذي تتسم به معظم الروايات الحديثية، لكنها أحيانا تقدم تفصيلات دقيقة، كما أنها حظيت بمجهودات نقدية رائعة وخاصة في صحيحي البخاري ومسلم وبدرجة أدنى في صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وبقية الكتب الستة التي حظيت بانتقاء وتدقيق دون الاقتصار على الصحيح وهي سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، ثم سنن الدارمي والدارقطني وسعيد بن منصور والبيهقي، وكذلك مستخرج أبي عوانة وأبي نعيم والإسماعيلي والبرقاني. وأما مجموعة المسانيد الحديثية فيتقدمها مسند الإمام أحمد
стр. 25
بن حنبل في قدمه وسعته وعنايته بأخبار عصر الخلافة الراشدة، ثم مسانيد اسحق بن راهويه والبزار والطيالسي. ولابد من الإشارة هنا إلى أهمية معجم الطبراني الكبير ومصنفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني وابن أبي شيبة. فأما "المصنف" لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (١٢٦ - ٢١١ هـ) فهو جامع كبير، أسانيده عالية، وتتركز الأخبار التأريخية في "كتاب المغازي" منه (١)، وأما أخبار عصر الراشدين فهي منثورة. وأما "كتاب المصنف في الأحاديث والآثار" لابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي (ت ٢٣٥ هـ)، وهو محدث حافظ ثقة (٢)، فيضم ٣٧٩٤٣ حديثاً وأثراً، وهو مرتب على الأبواب الفقهية، ويضم الصحيح والحسن والضعيف والواهي، وقد بلغت نسبة الصحيح من الروايات التي تتعرض للحياة المالية في خلافة عمر ﵁ ٢٣ بالمائة من مجموع الروايات البالغ عددها ١٥٠ رواية (٣). ورواياته مسندة وأكثر رجاله من رجال الكتب الستة (٤) وتتركز مادة المصنف التأريخية في كتاب التأريخ، والجمل، وصفين، والخوارج، والمغازي.
ومن الحق ذكر كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، وهو مؤلف كبير يقع في ثمانية آلاف ومائة وست وخمسين صفحة (٨١٥٦ صفحة)، رتبه ابن حجر- وفق ترتيب صحيح البخاري- على أبواب الفقه، ولذلك فإن مادته التأريخية متناثرة، لا يمكن تقويمها ومعرفة
стр. 26
أهميتها إلا بجمعها وترتيبها على أساس تأريخي، وقد نهض بهذه المهمة اثنان من الباحثين (١). وتظهر الدراستان النطاق الواسع للمادة التأريخية في فتح الباري، وتذلل المراجعة بالفهارس المفصلة، وتكشف عن المكتبة التراثية الهائلة التي استقى منها ابن حجر معلوماته (٢)، وهي كتب حديث وتفسير وفقه وتاريخ ورجال ونسب وأخبار وأدب، وغالباً ما يحيل على أسماء المؤلفين دون ذكر عناوين كتبهم، ونادراً ما يحيل على المؤلفين وكتبهم (٣). وقد يقتبس من المصادر اقتباساً حرفياً وقد ينقل بالمعنى، وقد يختصر الروايات. وأهميته كبيرة في حل إشكالات النصوص بمحاولة الجمع بينها فإن تعذر فإنه يقوم بالترجيح، وكذلك تتجلى أهميته في حكم ابن حجر على الروايات تصحيحاً وتحسيناً وتضعيفاً، وفي تعقيباته المتنوعة على المصنفين الذين ينقل عن مصنفاتهم.
ولا شك أن بعض المؤلفات التي تسوق روايات ذات طبيعة فقهية تقدم معلومات مهمة عن النظم الإسلامية المالية والإدارية في عصر الخلافة الراشدة ويتقدمها كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) وهو أهم مصدر يتناول النظام المالي في تاريخ صدر الإسلام، حيث تناول أصناف المال من الغنائم والصفايا والفيء ومعاملة المناطق المفتوحة والمصالحة والعطاء والإقطاع والخمس والزكاة، وقد ذكر أسانيد الروايات.
стр. 27
ويرى عبد الله بن جعفر بن درستويه أن كتاب الأموال "من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده" كما يرى أن أبا عبيد "عمد إلى مذهب مالك والشافعي فتقلد أكثر ذلك" (١). ولكن للطبري وابن سريج رأياً أخر، فقد سئلا عن كتب الفقه لأبي عبيد فقالا: "ليس بشيء، أما ترى كتابه في الأموال- وهو أحسن كتبه- كيف بني على غير أصل، واحتج بغير صحيح" ثم قالا: "ليس هؤلاء لهذا، بالحري أن تصح لهما اللغة، فإذا أردت الفقه، فكتب الشافعي وداود ونظرائهما" (٢).
وقد بلغت نسبة الروايات الصحيحة والحسنة إلى مجموع الروايات المتعلقة بالحياة الاقتصادية في خلافة عمر ﵁ ٣٥ بالمائة (٣).
والكتاب الآخر الذي تجدر الإشارة إليه هو (شرح معاني الآثار) لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي (ت ٣٢١ هـ) حيث يوضح بعض السوابق الفقهية في الخلافة الراشدة.
إن هذه المصادر الأولية تقدم الروايات الأصيلة عن عصر الخلافة الراشدة، ولا شك أن ثمة مصادر ثانوية تردد صدى المصادر الأولية، ولا تكاد تقدم معلومات إضافية عن ذلك العصر، وإن بدت غنية بمعلومات عن عصور أخرى مثل (الكامل في التاريخ) لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) و (البداية والنهاية) لابن كثير.
لكن ثمة مصدر متأخر هو (تاريخ الإسلام) للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) يستحق التنويه بسبب نقله عن عدد من المصادر الأولية المفقودة، فصار مصدراً بديلاً عنها، كما أنه يعنى بالحكم على عدد كبير من الروايات تصحيحاً وتضعيفاً،
стр. 28
والذهبي ناقد كبير، ولرأيه أهمية فائقة، فإنه- كما قيل- من أهل الاستقراء التام. وقد آثر الذهبي أن يسوق الأسانيد المعلقة، مكتفياً بأسانيد تتألف عن راوٍ واحد إلى خمسة من الرواة، وتبدأ عادة بمصنف أو عالم معروف مثل عروة والزهري والوليد بن مسلم الدمشقي وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحق وهشام بن عروة بن الزبير ومحمد بن عمر الواقدي وخليفة بن خياط ومحمد بن جرير الطبري. ولم يقتصر في نقله عن كتب التأريخ والأخبار والسير، بل نقل عن الكتب الستة وغيرها من مدونات الحديث.
ويبدو للوهلة الأولى أن الذهبي ينقل من المصنفات الأولية وجادة، ولكن المدقق يتوقع أن يكون الذهبي قد ملك حق رواية الكثير من تلك المصنفات بالسماع والإجازة.
٣ - كتب علم الرجال:
إن كتب علم الرجال تقدم تراجم لرواة الحديث، ومنهم الصحابة رضوان الله عليهم الذين يمثلون جيل عصر السيرة والخلافة الراشدة، فهم الذين صنعوا البطولات التأريخية وحققوا الأمجاد التي تمثلت في وحدة الأمة وتربيتها وفق مفاهيم واضحة وتنظيمها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ولا شك أن كتب معرفة الصحابة- أحد فروع علم الرجال- من أهم المصادر التي ترفدنا بمعلومات عن الصحابة. ويقف كتاب (فضائل الصحابة) لأحمد بن حنبل و (معرفة الصحابة) لأبي نعيم وكتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة هذا النمط من المصنفات. فأما (فضائل الصحابة) لأحمد بن حنبل (ت ٢٤٠ هـ) ففيه
стр. 29
تراجم حافلة للخلفاء الراشدين "فقد بلغ مجموع الروايات المتعلقة بأبي بكر الصديق ﵁ نحو خمسمائة رواية، شملت معلومات متفرقة عنه من الجاهلية إلى الوفاة، وأكثر من نصفها حول فضائله ومناقبه" (١). ومعظم روايات الكتاب صحيحة وفق مقاييس المحدثين، وتقل نسبة الصحيح في زيادات عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويغلب الضعف على زيادات القطيعي (٢).
وأما (معرفة الصحابة) لأبى نعيم الأصبهاني (٣٣٦ - ٤٣٠ هـ) فهو من أهم كتب معرفة الصحابة، فقد "تهيأ لأبي نعيم من لقي الكبار ما لم يقع لحافظ" (٣) وكان حافظاً ضابطاً عالي الأسانيد، عالماً بالحديث وطرقه، واسع الرواية، كثير المشايخ، كثير المصنفات (٤)، أحصى له باحث معاصر ١٠٢ شيخ و ٥٨ تلميذاً ومائة كتاب ورسالة (٥).
ومن مزايا الكتاب أن أبا نعيم ساق الروايات بأسانيدها الكاملة، مما يهيئ للنقاد العارفين فرصة الحكم عليها سنداً ومتناً.
ومن مزاياه الحديثية أيضاً إكثاره ذكر الأحاديث وعللها، وقد انتقده ابن
стр. 30
كثير لهذا السبب ولأنه لا يطيل نسب الشخص وأخباره وأحواله (١). فابن كثير ينظر إليه من زاوية المؤرخ وليس المحدث، رغم أن أبا نعيم صرَّح بأنه اقتصر على حديث أو حديثين أو أكثر من جملة مرويات الصحابة ولم يسق كل ما عنده عنهم، وقد أخَّر تراجم من لم يقع له حديث عنده (٢).
أما بقية المصنفات في علم الرجال، وخاصة كتب الجرح والتعديل فإنها تمدنا بمعلومات دقيقة عن أحوال الرواة الذين وصلت إلينا أخبار عصر الخلافة الراشدة عن طريقهم، فتميزهم بذكر أسمائهم ونسبهم ونسبتهم، وتكشف عن المتشابه من الأسماء، وتوضح مكانتهم في العلم وحالهم من التوثيق والتضعيف، وعلاقاتهم العلمية بشيوخهم وتلاميذهم مما يوضح الاتصال أو الانقطاع في أسانيد الروايات، وكل هذه المعلومات تخدم نقد أسانيد الروايات، كما أنها تبين اتجاهاتهم العقدية والسياسية مما يتيح الفرصة للناقد المعاصر ليعرف مدى تأثير اتجاهات الراوي على وجهة الرواية صياغة ومحتوى.
ومن هنا يتبين مدى فائدة هذه المكتبة الرجالية في نقد المادة التأريخية فضلاً عن إمدادنا بمعلومات تاريخية جديدة.
ويصعب الكلام عن هذه المؤلفات بالتفصيل لكثرتها، ولكن من المهم الالماح إلى كتاب (تقريب التهذيب) لابن حجر ففيه خلاصة الأحكام على الرواة، والى أصله (تهذيب التهذيب) لابن حجر ففيه تفاصيل كثيرة، والى أصله (تهذيب الكمال) للحافظ المزي حيث يمتاز بطول قوائم الشيوخ والتلاميذ وحسن ترتيبهم، وحرفية النقل عن المصادر الأولية.
وتقترب التراجم من الكمال أكثر عندما نضيف كتاب (إكمال تهذيب
стр. 31
الكمال للحافظ مغلطاي، فإنه يكمل الروايات التي أهملها المزي أو لم يقف عليها ومغلطاي واسع الاطلاع على المصادر الأولية ومما يكمل المعلومات عن الرواة، ومن أراد الوقوف على المصادر الأولية في علم الرجال، فربما وجد ضالته في الدراسات المعاصرة المتخصصة (١). ولابد لمن أراد أن يمارس نقد الروايات على طريقة المحدثين من دراسة كتب مصطلح الحديث وخاصة علم الجرح والتعديل وقواعد الجمع والترجيح عند العارض.
كتاب (ميزان الاعتدال) للحافظ الذهبي، و (لسان الميزان) للحافظ ابن حجر وهما كتابان متخصصان بالضعفاء من الرواة، ولكن لا ينبغي أن نحكم بالضعف على جميع أصحاب التراجم فيهما، لوجود رواة تكلم فيهم النقاد بالتضعيف فأوردهم الذهبي في الميزان ثم دافع عنهم وانتهى إلى توثيقهم.
وثمة رواة لا نجدهم في هذه المصنفات فلابد من التفتيش عنهم في كتب أخرى مثل (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و (الثقات) لابن حبان، و (تعجيل المنفعة) لابن حجر. وثمة رواة في القرن الرابع الهجري نحتاج إلى مراجعة تراجمهم في (تاريخ بغداد) للخطيب.
وأما المتأخرون من رواة القرن الخامس والسادس فقد لا تشتد الحاجة إلى معرفة أحوالهم من الجرح والتعديل بالنسبة لمروياتهم عن عصر الخلافة الراشدة إذ غالباً ما يتحملون من مصنفات معروفة، وتحقيق الرواية يتم اعتباراً من مؤلف الكتاب إلى أعلى السند، إذا تم التحقق من صحة الأصول الخطية.
ومن أجمع كتب معرفة الصحابة التي ألفت في القرون التالية واشتهرت واعتمدها الناس كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) لابن الأثير الجزري
стр. 32
(ت ٦٣٠ هـ)، وكتاب (الإصابة في معرفة الصحابة) لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ). فأما كتاب (أسد الغابة في معربة الصحابة) لابن الأثير الجزري فيقع في خمس مجلدات، وقد جمع فيه مؤلفه بين كتب معرفة الصحابة لابن منده وأبي نعيم الأصبهاني وأبي موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني وابن عبد البر، ويذكر عادة من خرج الترجمة من أصحاب الكتب الأربعة المذكورة برموز شرحها في مقدمة كتابه، وقد ذكر أنه اختار من كلام كل واحد منهم أجوده وما تدعو الحاجة إليه، ولم يقتصر على مادة هذه الكتب الأربعة، بل أضاف إليها مواداً من كتب أخرى عدد بعضها في مقدمة كتابه كما استدرك عليهم بعض الأغلاط. ومع ذلك فقد انتقد ابن حجر كتابه فقال: "إنه تبع من قبله فخلط من ليس صحابياً بهم وأغفل كثيراً من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم" (١). واهتم ابن الأثير بذكر الأنساب والأخبار وما يعرف بالصحابي أكثر من ذكر الأحاديث وعللها وطرقها لأنه يرى أن ذلك بكتب الحديث أشبه، وقد رتب التراجم على حروف المعجم بصورة دقيقة مما ييسر الكشف عن الأسماء، ويبدأ بذكر الأسماء ثم الكنى ثم النساء (٢).
وأما كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر فهو من أجمع كتب معرفة الصحابة، استخلص مؤلفه مادته من كتب معرفة الصحابة التي ألفت قبله وعددها كبير جداً، كما أفاد من كتب الجرح والتعديل وتواريخ المدن المحلية وكتب ضبط الأسماء وكتب الحديث والتفسير والرقائق وأفاد من كتب الأنساب والأخبار واللغة والأدب. ومعظم اقتباساته عن هذه الكتب مباشرة مما يدل على اطلاعه عليها وإفادته منها.
ويقع الكتاب في أربع مجلدات، منها المجلدات الثلاثة الأولى في تراجم من
стр. 33
عرفوا بأسمائهم ويبلغ عدد التراجم ٩٤٧٧ ترجمة، أما المجلدة الرابعة فتناول فيها من عرفوا بكناهم وبلغ عددهم ١٢٦٨ علماً، كما تناول فيه تراجم النساء وبلغ عددهن ١٥٢٢ امرأة، بدأ بمن عرفن بالأسماء ثم بمن عرفن بالكنى. فيكون عدد تراجم الكتاب ١٢٢٦٧ ترجمة، وليس كل من ذكرهم ممن ثبتت صحبتهم حيث بين في مقدمة كتابه أنه ذكر فيه أربعة أقسام، القسم الأول من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان. والقسم الثاني فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ ومات وهم دون سن التمييز ... لغلبة الظن على أنه ﷺ رآهم. والقسم الثالث فيمن ذكر في الكتب المتقدمة عليه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا صحابة باتفاق. والقسم الرابع فيمن ذكر في الكتب المتقدمة أنه صحابي على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك. وقد رتب ابن حجر تراجمه على حروف المعجم مبتدئاً في كل حرف بالقسم الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع.
ويذكر في الترجمة عادة من خرج حديث الصحابي (صاحب الترجمة) من أصحاب السنن وغيرهم من المصنفين في الحديث. ويهتم بالتعريف بنسب الصحابي ويذكر نموذجاً أو أكثر من حديثه، وربما ساق بعض أخبار الصحابي في الغزوات أو الحوادث المهمة ويسجل وقت وفاته إذا عرفت.
ولا شك أن ابن حجر بإفادته من ملاحظات واستدراكات سابقيه من المصنفين وبإضافاته المهمة وتنبيهاته الدقيقة ضمن كتابه فوائد جليلة لا تتوفر في كتب معرفة الصحابة الأخرى وإن كان لها فضل السبق والتمهيد له.
стр. 34
المراجع الحديثة:
إن أهم المراجع الحديثة التي أفدت منها في أبواب الكتاب المتعلقة بشخصية الخلفاء والفتن الداخلية والاقتصاد هي الأطروحات والرسائل الجامعية التي أشرفت عليها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والتي التزمت منهج النقد عند المحدثين في نقد الروايات التأريخية، وهي تمثل عملا رائعا ورائدا في هذا الميدان المهم، وآمل أن يخرج إلى النور في أقرب وقت. وهذه الرسائل هي (خلافة أبي بكر الصديق) لعبد العزيز المقبل، و (النواحي المالية في خلافة عمر بن الخطاب) لعبد السلام محسن آل عيسى، و (خلافة عثمان بن عفان) لمحمد بن محمد علي العواجي، و (فتنة مقتل عثمان بن عفان) لمحمد عبد الله الغبان، و (خلافة علي بن أبي طالب) لعبد الحميد بن علي ناصر فقيهي، وجميعهم محاضرون في الجامعة الإسلامية بالمدينة، و (الروايات التأريخية في فتح الباري- عصر الخلافة الراشدة) للدكتور يحي إبراهيم اليحي، وقد أنجزت هذه الرسائل والأطروحات خلال ١٤٠٨ إلى ١٤١٢ هـ.
أما في بقية أبواب الكتاب فقد اعتمدت على محاضراتي التي كنت قد ألقيتها على طلبة كلية الآداب بجامعة بغداد ما بين سنة ١٩٦٧ - ١٩٧٦ م، وذلك بعد أن نقحتها وأضفت إليها من المصادر القديمة والمراجع الحديثة التي نشرت بعد كتابتها الأولى.
стр. 35
الباب الأول: السياسة
(الخلافة والخلفاء)
стр. 36
الفصل الأول: الخلافة
стр. 37
المبحث الأول: نظام الخلافة
كانت فكرة الأمة الواحدة، والدولة الواحدة التي تسودها أحكام الشريعة في داخلها؛ والرغبة القوية في تبليغ رسالة الإسلام خارج حدودها قد تمكنت من النخبة المسلمة عندما واجهت الحادثة الأليمة التي تمثلت بوفاة الرسول ﷺ وقد عبر أنس بن مالك عن أثر الحادث في النفوس: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء .. وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا" (١). ولفرط الذهول كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (٢) .. ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة (٣) .. وأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي هذا"، وطلب الناس لسالم بن عبيد الأشجعي أن يدعو أبا بكر ﵁ فرآه في المسجد فأخبره خبر الوفاة (٤)، فدخل أبو بكر على عائشة وكشف عن وجه
стр. 38
النبي ﷺ وهو مسجَّى ببرد حبرة، ثم قبله وبكى، وقال: "بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً" ثم خطب الناس معلناً الوفاة: "ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" واستشهد بالقرآن فنشج الناس يبكون (١).
وقد طهر في الموقف رجحان علم الصديق، ورباطة جأشه، وشجاعته وجرأته، وقوة رأيه (٢).
ورغم الذهول الذي أصاب النخبة وعامة المسلمين فإن أهمية إقامة السلطة في الإسلام جعلتهم يتحركون في اتجاه اختيار الحاكم قبل أن ينتهوا من تشييع الجسد الشريف إلى مثواه. وقد يقف خلف هذا التحرك السريع إدراك النخبة بخطورة الأوضاع المحيطة بالكيان الإسلامي الذي مضى عليه عقد واحد من السنين، تأسست فيه الدولة واتسعت رقعتها وكسبت أنصارا لها داخل المدن الحجازية الثلاث خاصة في حين بقيت القبائل الكبيرة في أعدادها والمنتشرة في البوادي والصحراء تحيط بالمراكز الإسلامية من كل مكان ..
وكانت الضوابط الشرعية لاختيار المسؤول الأول للدولة تنحصر في قرشيته ومكانته التي يحددها قدمه في الإسلام وخدمته للدعوة وللدولة ومنزلته لدى النبي ﷺ وإمكان إجماع الأمة أو أكثرها على شرعية توليه لرئاسة الدولة وخلافة النبوة.
وكانت النخبة تتمثل في المهاجرين الذين تطلعوا إلى أبي بكر ﵁
стр. 39
وبعضهم كان منشغلاً مع علي ﵁ بتشييع النبي ﷺ ، وفي الأنصار الذين التفوا حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة وعقدوا اجتماعاً في سقيفة بني ساعدة لمناقشة الموقف الجديد .. فالأنصار هم السكان الأصليون للمدينة، وقد آووا المهاجرين ونصروا الإسلام بأرواحهم وأموالهم، وهيئوا له فرص الاستقرار والانتشار، وعرفوا بإيثارهم وصبرهم وجهادهم وتضحياتهم أفلا يكون لهم الحق في رئاسة الدولة ورعاية الإسلام؟
وقد بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق رضى الله عنه لترشيح من يتولى الخلافة (١). فقال المهاجرون لبعضهم: "انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً" (٢). قال عمر بن الخطاب ﵁: "فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ماتمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمِّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة فقلت ماله؟ قالوا: يوعك" (٣).
стр. 40
وقد كشفت روايات صحيحة عن اسمي الرجلين من الأنصار، وهما عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي (١)، وموقفهما يدل على عدم وجود موقف موحد للأنصار (٢).
ويبدو أن عدد المهاجرين الذين دخلوا السقيفة كان محدوداً، وربما دخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أولاً ثم تلاحق المهاجرون (٣).
وقد حدث نقاش طويل بين المهاجرين والأنصار حول أحقية كل طرف بتولي الخلافة. وقد بين أحد الأنصار أحقيتهم بقوله: "أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر" (٤).
أما المهاجرون فتكلم عنهم أبو بكر الصديق بحلم ووقار وبديهية- كما وصفه ابن عمر- فقال: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً ... يا معشر الأنصار إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام،