المبحث الأول: نظام الخلافة
كانت فكرة الأمة الواحدة، والدولة الواحدة التي تسودها أحكام الشريعة في داخلها؛ والرغبة القوية في تبليغ رسالة الإسلام خارج حدودها قد تمكنت من النخبة المسلمة عندما واجهت الحادثة الأليمة التي تمثلت بوفاة الرسول ﷺ وقد عبر أنس بن مالك عن أثر الحادث في النفوس: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء .. وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا" (١). ولفرط الذهول كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (٢) .. ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة (٣) .. وأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي هذا"، وطلب الناس لسالم بن عبيد الأشجعي أن يدعو أبا بكر ﵁ فرآه في المسجد فأخبره خبر الوفاة (٤)، فدخل أبو بكر على عائشة وكشف عن وجه
стр. 38
النبي ﷺ وهو مسجَّى ببرد حبرة، ثم قبله وبكى، وقال: "بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً" ثم خطب الناس معلناً الوفاة: "ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" واستشهد بالقرآن فنشج الناس يبكون (١).
وقد طهر في الموقف رجحان علم الصديق، ورباطة جأشه، وشجاعته وجرأته، وقوة رأيه (٢).
ورغم الذهول الذي أصاب النخبة وعامة المسلمين فإن أهمية إقامة السلطة في الإسلام جعلتهم يتحركون في اتجاه اختيار الحاكم قبل أن ينتهوا من تشييع الجسد الشريف إلى مثواه. وقد يقف خلف هذا التحرك السريع إدراك النخبة بخطورة الأوضاع المحيطة بالكيان الإسلامي الذي مضى عليه عقد واحد من السنين، تأسست فيه الدولة واتسعت رقعتها وكسبت أنصارا لها داخل المدن الحجازية الثلاث خاصة في حين بقيت القبائل الكبيرة في أعدادها والمنتشرة في البوادي والصحراء تحيط بالمراكز الإسلامية من كل مكان ..
وكانت الضوابط الشرعية لاختيار المسؤول الأول للدولة تنحصر في قرشيته ومكانته التي يحددها قدمه في الإسلام وخدمته للدعوة وللدولة ومنزلته لدى النبي ﷺ وإمكان إجماع الأمة أو أكثرها على شرعية توليه لرئاسة الدولة وخلافة النبوة.
وكانت النخبة تتمثل في المهاجرين الذين تطلعوا إلى أبي بكر ﵁
стр. 39
وبعضهم كان منشغلاً مع علي ﵁ بتشييع النبي ﷺ ، وفي الأنصار الذين التفوا حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة وعقدوا اجتماعاً في سقيفة بني ساعدة لمناقشة الموقف الجديد .. فالأنصار هم السكان الأصليون للمدينة، وقد آووا المهاجرين ونصروا الإسلام بأرواحهم وأموالهم، وهيئوا له فرص الاستقرار والانتشار، وعرفوا بإيثارهم وصبرهم وجهادهم وتضحياتهم أفلا يكون لهم الحق في رئاسة الدولة ورعاية الإسلام؟
وقد بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق رضى الله عنه لترشيح من يتولى الخلافة (١). فقال المهاجرون لبعضهم: "انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً" (٢). قال عمر بن الخطاب ﵁: "فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ماتمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمِّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة فقلت ماله؟ قالوا: يوعك" (٣).
стр. 40
وقد كشفت روايات صحيحة عن اسمي الرجلين من الأنصار، وهما عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي (١)، وموقفهما يدل على عدم وجود موقف موحد للأنصار (٢).
ويبدو أن عدد المهاجرين الذين دخلوا السقيفة كان محدوداً، وربما دخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أولاً ثم تلاحق المهاجرون (٣).
وقد حدث نقاش طويل بين المهاجرين والأنصار حول أحقية كل طرف بتولي الخلافة. وقد بين أحد الأنصار أحقيتهم بقوله: "أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر" (٤).
أما المهاجرون فتكلم عنهم أبو بكر الصديق بحلم ووقار وبديهية- كما وصفه ابن عمر- فقال: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً ... يا معشر الأنصار إنا والله ما ننكر فضلكم، ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا، ولكنكم عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام،
стр. 41
ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام" (١).
وقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن المهاجرين احتجوا على الأنصار بحديث "قريش ولاة هذا الأمر" (٢)، ولكن يبدو أن الحديث لم يخطر على بالهم، أو أن الصديق اكتفى بتضمينه في كلامه، والأول أقوى لأن الحديث كان سيقطع الأمر لصالح المهاجرين دون استمرار الحوار.
لقد نظر الأنصار إلى الخلافة من زاوية محدودة بظروف المجتمع المدني والعلاقة التأريخية بين المهاجرين والأنصار، أما المهاجرون فنظروا نظرة واسعة على مستوى الدولة كلها وما يترتب على خروج السلطة من قريش من عواقب كبيرة لأن العرب يمكن أن ترض بقيادتها لمكانتها فيهم، أما لو تولاها الأنصار فقد تقع انشقاقات خطيرة تؤدي إلى تفكك الدولة الإسلامية.
وقد طرح عدد من الأنصار فكرة تعيين أميرين أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار (٣)، ولكن أبا بكر ﵁ قال: "لا، ولكنَّا الأمراء وأنتم الوزراء" (٤). وقال عمر: "سيفان في غمد واحد!! إذا لا يصلحان" (٥).
стр. 42
وهنا تدخل كاتب الوحي زيد بن ثابت وهو من الخزرج فقال: "إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، ونحن أنصارهم كما كنا أنصار رسول الله ﷺ ". فقال أبو بكر "جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم" (١). وهكذا فإن الخزرج هم الذين قاموا بالتنازل إتباعا للحق ومراعاة للمصلحة الإسلامية، ولم يكن التنازل بسبب عدم رغبة الأوس في تولي الخزرج الخلافة- كما يزعم أبو مخنف- (٢)
المبحث الثاني: خلافة أبي بكر الصديق (رضى الله عنه)
لقد جرى الترشيح بعد أن استقر الرأي على استخلاف أحد المهاجرين، فرشح أبو بكر أحد اثنين، عمر وأبي عبيدة. فقال عمر: "بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ " (٣). وذكَّر بفضل أبا بكر قائلا: "ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن
стр. 43
يصلي بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر" (١). وذكرهم بموقفه في حادثة الهجرة، ثم بايعه عمر وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار (٢).
"ومن استعراض الروايات الصحيحة لاجتماع السقيفة ومبايعة أبي بكر خليفة يتبين أن الاجتماع لم يدم طويلاً، ولم تجر فيه مناقشات طويلة بين المهاجرين والأنصار، أو تنافس وصراع على تولي الخلافة، أو حدَّة في الكلام أو تهديدات أو عراك بالأيدي بين المجتمعين. وهذا كله مما صورته بعض الروايات الضعيفة التي وردت عن اجتماع السقيفة، والتي تناقلها المؤلفون المعاصرون (٣) فشوَّهوا الصورة الوضاءة لذلك الاجتماع التأريخي الرفيع والذي قرر مصير الخلافة والدولة الإسلامية بحزم وترفع وإحساس كبير بالمسؤولية يستعلى على التفاهات والأهواء.
ولم يكن أبو بكر ﵁ حريصاً على الإمارة بل كان كارهاً لتوليها لما يعلمه من عظم المسؤولية أمام الله تعالى وخوفه من التقصير فيها، رغم أن الصحابة كانوا يعلمون أنه أحقهم بها، وأقواهم عليها، وقد صارح أبو بكر المسلمين بمشاعره مرارا: "والله ما كنتُ حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلةً قط، ولا كنت راغباً فيها، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من
стр. 44
الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قُلِّدتُ أمراً عظيماً مالي به من طاقة، ولا يد إلا بتقوية الله ، ولوددتُ أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم" (١).
فما أعظمها من مشاعر، وما أرفع صاحبها وأوعاه بحق الله تعالى وحقوق الرعية، وما أعمق تدينه وأحسن توكله، وأجمل تواضعه وأصدق أمانيه. إنه لم يجد أمامه إلا أن يقبل تولي الخلافة ليقود الأمة في طريق الوحدة والإيمان ورفع راية الرسالة الإسلامية رغم أن نفسه لا تطاوعه في تحمل المسؤولية الجسيمة خوفاً من التقصير والتفريط .. وهكذا كان توليه الخلافة تضحية منه لصالح الإسلام وأمة الإسلام وليس مغنماً يسعى إليه، وقد أعانه الله لصدق نيته وحسن وجهته.
وقد عرفت بيعة أبي بكر في السقيفة بالبيعة الخاصة وكانت يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ١١ هـ، وفي اليوم التالي (الثلاثاء) (٢) خرج إلى المسجد فبايعه الناس فيما عرف بالبيعة العامة بعد خطبة ألقاها عمر بن الخطاب اعتذر فيها عن موقفه من حادثة الوفاة النبوية وإنكارها، وبين مكانة أبي بكر في الصحبة والهجرة، وأبو بكر صامت لا يتكلم، حتى انتهى عمر من خطبته وطلب من أبي بكر الصعود إلى المنبر لتلقي البيعة من الناس (٣). ويحكي شاهد عيان طريقة البيعة لأبي بكر، يجتمع عليه العصابة فيقول لهم: "بايعوني على السمع والطاعة لله
стр. 45
ولكتابه ثم للأمير" (١).
وبعد البيعة العامة هذه، خطب أبو بكر في الناس قائلاً: "إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه- إن شاء الله-، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه- إن شاء الله-. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللهُ بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (٢).
وقد تضمنت الخطبة الوجيزة هذه علاقة الحاكم بالمحكومين، فبين أن مجيئه للخلافة بإرادة الأمة وبتعاقد واضح، الطاعة من الناس مقابل التزام الحاكم بالشريعة، ورقابة الأمة على سياسته، وإعانته في الخير، وتصحيح سياسته إذا انحرف، كما فيها بيان الالتزام بإقامة العدل والجهاد وتنظيف المجتمع من الانحراف الخلقي، بالإضافة إلى ما تكشف عنه مقدمة الخطبة من تواضع الصديق الجم.
والحق أن انتخاب أبي بكر للخلافة يوضح استعلاء قيم الإيمان وخضوع مقاييس الشخصية لها، لأن أبا بكر من تيم، وتيم من أضعف عشائر قريش.
وتدل الروايات الصحيحة على غضب علي بن أبي طالب لعدم استشارته في أمر الخلافة، بل تشير رواية الصحيحين على أن بيعته تأخرت ستة أشهر، وتربط بين
стр. 46
عدم استجابة الصديق لطلب فاطمة بنت الرسول ﷺ أن ترث "ما أفاء الله على رسوله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر"، واحتج أبو بكر بحديث "لا نورث ما تركنا صدقة". وقد غضبت فاطمة وقاطعته حتى توفيت، فبايع علي أبا بكر بعد وفاتها في المسجد بعد صلاة الظهر (١). فهذا أقوى ما ورد في بيعة علي لأبي بكر ﵄، ولكن صحت روايات أخرى تفيد بأنه بايع في اليوم الذي جرت فيه البيعة العامة، وأنه وضح سبب غضبه بقوله: "ما غضبنا إلا لأنَّا أخِّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ ، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه، وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي" (٢).
وجمع ابن كثير وابن حجر بين الأحاديث الصحيحة بأن علياً بايع أول الأمر مع الناس ثم بايعه بعد وفاة فاطمة تأكيداً للأولى وإزالة لما حدث من جفوة بسبب الاختلاف حول الميراث (٣).
المبحث الثالث: خلافة عمر بن الخطاب ﵁
مرض أبو بكر ﵁، وأحس بدنو أجله، فاستشار الصحابة في أمر
стр. 47
الخلافة بعده: "إني قد نزل بي ما ترون ولا أظنني إلا لمأتي .. فأمَروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي" فتشاوروا بينهم ثم جاءوه طالبين منه أن يرشح لهم واحداً، فسألهم: فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا. قال: فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم. قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده. ثم أرسل إلى عثمان بن عفان فاستشاره، فأشار عليه بعمر بن الخطاب، فأمره أن يكتب له عهداً (١). وقد أجمعت الأمة على بيعته والرضا به (٢).
وقد سمَّت روايات ضعيفة الصحابة الذين استشارهم وهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وأسيد بن الحضير، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وقد أدت مشاوراته إلى نصيحة الأمة باستخلاف عمر بن
стр. 48
الخطاب، فأمر عثمان بن عفان بكتابة عهد بذلك (١). والشيء المشتهر تأريخياً أن أبا بكر عهد بالخلافة لعمر (٢)، وهو مجرد ترشيح يهدف إلى نصيحة الأمة وترشيد أهل الحل والعقد، ولا تنعقد به الخلافة، وإنما تنعقد إذا وافقت الأمة على الترشيح، وبايعت للمرشح، وهذا ما تم لعمر بن الخطاب حيث بايعه المسلمون في المدينة، وأُخذت له البيعة من أهل البلدان.
المبحث الرابع: خلافة عثمان بن عفان ﵁
تمت بيعة عثمان ﵁ بعد اجتماع مجلس الشورى الذي عينه عمر ﵁ حين طُعن، وأعضاءه الستة هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن
стр. 49
العوام، ويحضر عبد الله بن عمر اجتماعات المجلس لإبداء المشورة دون أن يكون له حق الترشيح للخلافة أو التصويت لصالح أحد المرشحين، وفي أول اجتماع للمجلس جرى الحوار التالي:
قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم.
فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي.
فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان.
وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه. واللهُ عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه؟
فسكت الشيخان- عثمان وعلي- فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ، والله علىَّ أن لا آلوا عن أفضلكم؟
قالا: نعم (١).
وقام عبد الرحمن بن عوف بمشاورة الصحابة من أعضاء مجلس الشورى وغيرهم ليلا ونهاراً، ثلاثة أيام ثم في صبيحة اليوم الرابع دعا من كان حاضراً بالمدينة من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد- "وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر"- فلما اجتمعوا فقال عبد الرحمن بن عوف: "يا علي، إني قد نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا" ثم بايع لعثمان قائلا: "أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده"، فبايعه عبد الرحمن بن عوف، وبايعه المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون (٢).
стр. 50
وتؤكد روايات صحيحة توجه الرأي العام في خلافة عمر إلى بيعة عثمان من بعده، ولما سأل عمر في الحج بعرفات حذيفة بن اليمان: من ترى قومك مؤمرين بعدي؟ قال حذيفة: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفان (١).
وقال خارجة بن مضرب: حججتُ مع عمر فلم يكونوا يشكُون أن الخلافة من بعده لعثمان (٢).
وسمعتُ الحادي يحدو: إن الأمير بعده ابن عفان، وسمعت الحادي في إمارة عثمان يحدو: إن الأمير بعده علي (٣).
وقد قصد عمر من جعلها شورى بين الستة أن لا يتقلد العهدة في ذلك، وأن يمارس المسلمون الشورى في أعلى المستويات وهو اختيار المسئول الأول في الدولة قال الطبري: "ولم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم .. " (٤).
المبحث الخامس: خلافة على بن أبي طالب ﵁
تولى علي الخلافة إثر مقتل عثمان بن عفان ﵄ في ظروف
стр. 51
خطيرة حيث سيطر الناقمون على عثمان على المدينة، وأفلت الأمر من يد كبار الصحابة، ولم تعد ثمة سلطة عليا تحكم الدولة الإسلامية، وقد سعى الناقمون إلى تولية عبد الله بن عمر، وهددوه بالقتل إن لم يرض، ولكن لم يجدوا منه إلا صدوداً (١). "فأدركوا أن أمر الخلافة بيد أهل المدينة من المهاجرين والأنصار من أهل بدر، وأن الناس تبع لهم في ذلك" (٢).
وقد بادر الناس إلى علي ليبايعوه، فأظهر رغبته عن الخلافة في تلك الظروف "والله إني لأستحي أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله ﷺ : (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة)، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يُدفن بعد" فانصرفوا. فلما دُفن عثمان ﵁ أتوه مرة أخرى وسألوه البيعة وقالوا: لابد للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك. فقال لهم علي: لا تريدوني. فإني لكم وزير خير مني لكم أمير. فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحق بها منك.
وهنا تفتق ذهن علي ﵁ عن وسيلة تجعله يتلقى البيعة علناً من المسلمين عامة دون أن يبايعه الناقمون بيعةً خاصة، فقال لنفسه- كما صرَّح فيما بعد-: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. وقال لهم: "فإذا أبيتم علىَّ، فإن بيعتي لا تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني" فخرج إلى
стр. 52
المسجد وبايعه الناس (١) عن رضاً واختيار، سوى طلحة والزبير فإنهما بايعاه مكرهين ولم يكونا راضيين عن الطريقة التي تمت بها البيعة حيث لم يتم التداول بين أهل الحل والعقد بشأنها، ولم يعقد مجلس للشورى (٢) "ولأن الثوار أتوا بهما بأسلوب جاف عنيف، ولا شك أن هذه الطريقة فرضتها طبيعة الأحداث لسيطرة هؤلاء الأعراب الجلف على المدينة" (٣).
واعتزل بعض الصحابة فلم يبايعوا عليا ومنهم محمد بن مسلمة وأهبان بن صيفي وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، فقد كانوا يرون الناس في فرقة واختلاف وفتنة، فكانوا ينتظرون أن يستقر الأمر فيبايعوا. كما أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام وكثير من أهل البصرة ومصر واليمن لم يبايعوه بسبب، ويرى ابن حزم أن عدد من امتنع عن بيعته مثل عدد من بايعه وقدر عددهم بمائة ألف مسلم (٤). ولكن معظم أهل الحل والعقد من أهل بدر والمهاجرين والأنصار بالمدينة بايعوا لعلي ﵁ وبذلك انعقدت له البيعة وصار خليفة للمسلمين. وهو آخر خلفاء النبوة التي ورد بها حديث "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" (٥)
стр. 53
المبحث السابع (*): أزمة الخلافة وانتقال مركز الخلافة إلى العراق
كانت خلافة عثمان ﵁ نتيجة لاجتماعات مجلس شورى عمر ﵁، حيث أجمع عليه المسلمون دون خلاف، وقد اتسمت سياسته بالتسامح والتوسع على الناس في العطاء والاستمرار في حركة الفتوح، فظهرت آثار الغنى والازدهار الاقتصادي بتدفق الأموال على الدولة، حيث توسع الناس في معايشهم ومأكلهم وملبسهم (١)، وحظى المهاجرون والأنصار وأصحاب السابقة
стр. 54
والجهاد بما لم يحظ به الروادف الذين التحقوا بالجهاد في مرحلة متأخرة (١)، وكثير منهم من القبائل التي استقرت في الأمصار الجديدة (الكوفة والبصرة والفسطاط) وأسهمت في الفتوح لاحقا.
وقد ظهرت نواة المعارضة في الكوفة والبصرة ومصر في الوسط القبلي (٢) وقام بالتحريض عبد الله بن سبأ وهو يهودي من صنعاء أسلم في خلافة عثمان وتبنى نشر دعاية واسعة تنتقد شرعية الخليفة وسياسته وتؤكد على أحقية علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة وأن من سبقه إليها اغتصبها منه، وتنسب إليه صفات إلهية. وقد دار جدل طويل حول شخصية ابن سبأ التأريخية، ولكن تنوع مصادر الأخبار
стр. 55
من سنية وشيعية يجعل من الصعب القبول بنفي الوجود التاريخي له (١).
إن المعارضة تلمست حججها من أعمال الخليفة عثمان، ولم تقتصر على الاحتجاج على سياسته المالية في السماح بمبادلة ملكية الأراضي بين العراق والحجاز مما أتاح لأغنياء الحجاز تملك مساحات واسعة في السواد، ولا على الاحتجاج على إدارة الدولة بالاعتماد على أقرباء عثمان الأكفاء وعزله بعض الولاة من الصحابة، بل امتدت إلى النواحي الايجابية الواضحة مثل جمع القرآن الكريم الذي وحد مصحف الأمة وحفظه حيث احتجت المعارضة على إحراق المصاحف الأخرى.
وقد قدم المعارضون من الأمصار إلى المدينة فمكثوا فيها أربعين يوما، واستعتبوا عثمان ﵁ فأعتبهم وأرضاهم، ثم رحلوا إلى أمصارهم، لكنهم لم يصلوها إذ عادوا إلى المدينة وحاصروا دار عثمان أربعين يوما (٢) لإجباره على تلبية مطالبهم، ثم تطور الأمر إلى المطالبة بخلعه فلما رفض قتلوه- وكان قد منع أنصاره من القتال دفاعا عنه- مما أثار أزمة كبرى في الضمير المسلم وأدى إلى انشقاق المجتمع على أسس مبدئية تدل على الاستعداد للانتصار للحق والتضحية من أجل القيم.
وهكذا لم يحظ علي ﵁ بالإجماع على خلافته حيث خرج عليه أصحاب الجمل (عائشة، الزبير، طلحة ﵃ مطالبين بالاقتصاص من قتلة عثمان ورفض معاوية مبايعته لنفس السبب. ورأى الخليفة الجديد علي أن إنفاذ القصاص يولد فتنة كبيرة في أوساط القبائل التي تؤيده، وأن على معارضيه مبايعته تحقيقا لوحدة الأمة وطاعة للخليفة الشرعي.
стр. 56
وحول هذين المبدأين، إنفاذ الحكم الشرعي، وطاعة الحاكم الشرعي انقسم عشرات الألوف من المقاتلة في البصرة والكوفة والشام حيث ثقل القوات الإسلامية التي تكون أعظم جيوش العالم آنذاك (١).
وكان خروج علي ﵁ من المدينة مع سبعمائة رجل (٢) إلى البصرة لقتال المعارضين أصحاب الجمل- الذين غادروا مكة قبله وهم في حدود ألف مقاتل ثم انضم إليهم معظم مقاتلة البصرة- (٣) بالاعتماد على مقاتلة الكوفة (٤) الذين تلاحموا مع قضيته وحافظوا على ولائهم بعد ذلك عقودا كثيرة كانوا خلالها نواة المعارضة
стр. 57
الصلبة للحكم الأموي وكانت ملحمة الجمل (١) تجلي عقائدية المجتمع بشقيه (الحكومة والمعارضة) ومدى فاعلية القيم الإسلامية في توجيهه ... وتجلت من خلالها أحكام شرعية تتصل بقتال البغاة (الفتن الداخلية) وانقسمت القبائل على نفسها بين الطرفين (٢). وانتهت المعركة لصالح على ﵁، وأمر بعدم مطاردة الفارين وعدم الإجهاز على الجرحى، وعدم استحلال أموال المعارضة وأعراضها، معلنا العفو العام. ولم تنته المواجهة العسكرية مع المعارضة، فقد كان معاوية والي الشام منذ خلافة عمر ﵁ يقود معارضة أقوى يدعمها جيش قوي بعدده وتدريبه الذي اكتسبه من مجابهة الجيوش البيزنطية .. وهكذا انتقل علي ﵁ إلى الكوفة ليعد قواته أمام المعارضة الشامية وكانت المواجهة في صفين رهيبة كادت أن تفني رجالات القبائل وشجعانها لولا جنوح القوتين إلى التحكيم (٣) بعد رفع الشاميين
стр. 58
للمصاحف الخمسمائة (١). وقد جر قبول الخليفة علي للتحكيم إلى خروج بضعة ألوف من جيشه (٢) معلنين رفضهم للتحكيم لما فيه من شك بالشرعية (٣)، كانوا قراء حفظة لكتاب الله، لكن فهمهم لأحكام الشريعة كان محدودا فقد كفروا عليا ومن
стр. 59
معه وقاموا باستعراض الناس وقتل من ليس على رأيهم (١)، فاستحل علي قتالهم في النهروان وكاد أن يبيدهم، ولكن الجراح التي أصابت قبائلهم لم تندمل حيث واصلوا إمداد الحركة الخارجية المعارضة عدة قرون ...
أما التحكيم الذي انتهى إلى عزل علي ومعاوية والعودة إلى الشورى فلم يكتب له التنفيذ (٢)، ومضى الطرفان في حشد القوات وعمليات الاختراق للأطراف، لكنهما لم يتواجها بكل ثقلهما بعد صفين .. وانتهت الملاحم عندما انقض خارجي بسيف مسموم على علي ﵁ عند صلاة الفجر في رمضان ٤٠ هـ وبايع الكوفيون للحسن بن علي الذي رأى أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية حقنا للدماء وحفاظا على وحدة الأمة فكان عام ٤١ هـ هو عام الجماعة. وبذلك طويت الفتنة.
стр. 60
الفصل الثاني: الخلفاء
стр. 61
المبحث الأول: أبو بكر الصديق ﵁
عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (١) ولد بمكة بعد عام الفيل بعامين وأشهر (٢). وصفه رسول الله ﷺ بأنه "عتيق من النار" فغلب عليه اسم "العتيق" (٣)، وقيل إنما سمي بذلك لجمال وجهه (٤)، وقيل أيضاً: إنه ما كان يعيش لأمه ولد، فاستقبلت البيت العتيق وقالت: إن هذا عتيق من الموت فهبه لي (٥). ووصفه بالصديق عقب حادثة الإسراء والمعراج إذ صدقه حين كذبه المشركون (٦).
وكان أبيض البشرة، نحيف الجسم، معروق الوجه، قليل الشعر في صفحتي خديه، غائر العينين، بارز الجبهة (٧)، جعد الشعر (٨)، وكان يخضب
стр. 62
شيبه بالحناء والكتم (١).
وقد اشتهر في الجاهلية بحميد الأخلاق، وحسن المعاشرة، وامتناعه عن شرب الخمر، وعلمه بأنساب العرب وأخبارها.
واشتهر في الإسلام بسابقته إلى الدين، وجهوده الكبيرة في الدعوة إليه حيث أسلم على يده عدد من كبار الصحابة هم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله.
وقد صحب النبي ﷺ في هجرته إلى المدينة فنزلت الآية الكريمة: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) (٢). وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ (٣). وكان يتاجر بالثياب وبلغ رأس ماله حين أسلم أربعين ألف درهم، أنفقها على مصالح الدعوة الإسلامية، وخاصة في عتق رقاب المستضعفين الأرقاء من المسلمين، وحمل بقيتها وهي خمسة آلاف درهم معه حين الهجرة ووضعها تحت تصرف النبي ﷺ (٤).
وكان النبي ﷺ يقضي في مال أبي بكر، كما يقضي
стр. 63
الرجل في مال نفسه (١). وقد بيَّن النبي ﷺ مدى إفادة الإسلام من ذلك "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" (٢). وقد بشره رسول الله ﷺ بالجنة (٣)، وترك خوخة (٤) داره مشرعة على المسجد دون بقية الصحابة (٥)، وولاه الصلاة خلال مرضه (٦). وكان موضع مشورة النبي ﷺ ، وقد صاهره بأن تزوج ابنته عائشة ﵂. وروى عن النبي ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثاً (٧). وقد ظهرت حكمته ورباطة جأشه في مواجهة مصاب الأمة بوفاة النبي ﷺ ، كما ظهرت شخصيته القوية وحنكته السياسية في اجتماع السقيفة وقد عبر عن تواضع جم وزهد في الخلافة حين رشح لها مبيناً أن سالم مولى أبي حذيفة أتقى منه، وأن عمر بن الخطاب أقوى منه (٨). ولما تولى الخلافة أظهر قدرة فائقة على إدارة شؤون الدولة التي تعرضت للانقسام الخطير بسبب ظهور المرتدين، فأعاد للدولة وحدتها وأمنها، ووجه طاقتها للجهاد وفتح بلاد العراق والشام.
وتوضح خطبه ورسائله إلى قادته في العراق والشام تقواه وورعه،
стр. 64
وحرصه على نشر الإسلام، وترفعه عن الدنيا، كما تبين سلاسة أسلوبه وبلاغة تعبيره وبعده عن الإطناب في الكلام والمبالغة في التعبير فكان من خطباء الصحابة المقدَّمين (١).
وقد أنجز مشروعاً عظيماً بجمع القرآن للمرة الأولى مما منع وقوع الاختلاف فيه، وحقق الوحدة الدينية والثقافية للمسلمين (٢).
ومع سعة علمه بالقرآن والسنة، وفهمه الثاقب لمقاصد الشرع وأحكامه وتصدره للفتوى (٣)، فإنه كان كثير الاستشارة للصحابة (٤)، وكانت الرحمة تغلب على آرائه، فقد أشار بقبول المفاداة من أسرى بدر، والسكينة تملأ نفسه فقد ثبَّت الناس في حادثة وفاة النبي ﷺ ، والحزم ومضاء العزيمة عنوان سياسته كما في موقفه من حركة الردة، ورعاية الآخرين منهج حياته وخاصة الفقراء والمرضى (٥).
توفي أبو بكر الصديق ﵁ وعمره ثلاث وستون سنة (٦) في جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكانت مدة ولايته سنتين ونصف (٧).
стр. 65
المبحث الثاني: عمر بن الخطاب ﵁
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح، من بني عدي بن كعب إحدى عشائر قريش. وأمه حنتمة بنت هاشم المخزومية (١) ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة (٢).
كان طويل القامة، ضخم الجسم، كثير شعر البدن، وقد انحسر شعره عن جانبي رأسه، أبيض البشرة، شديد الحمرة، يخضب شيبه بالحناء، له شارب كثيف، أعسر يسر- وهو الذي يعمل بيديه جميعاً- (٣).
وكان قد بلغ الثلاثين من عمره وقت المبعث النبوي (٤). فكان شديداً على
стр. 66
المسلمين (١)، ودعا له النبي ﷺ بالهداية فأسلم (٢) في السنة السادسة من البعثة (٣)، فاعتز به الإسلام. وجهر بإسلامه فتعرض له المشركون وقاتلهم وقاتلوه (٤). وقد عرف في الجاهلية بالفصاحة والشجاعة، وعرف في الإسلام بالقوة والهيبة، والزهد والتقشف (٥)، والعدل والرحمة، والعلم والفقه (٦) وكان مسدد القول والفعل (٧). وقد روى عن النبي ﷺ خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين حديثاً (٨). وقد وافقه القرآن في عدة آراء اقترحها على رسول الله ﷺ منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وحجاب أمهات المؤمنين، ونصحه لأمهات المؤمنين قبل نزول آية التخيير (٩)، وقد بشره رسول
стр. 67
الله ﷺ بالجنة (١)، وبشره بالشهادة (٢) وبما سيكون على يده من خير، ووصفه بالعبقري "لم أر عبقرياً يفري فريه" (٣). وبين أنه إن كان في الأمة محدث- بمعنى ملهم- فهو عمر (٤). وأمر النبي ﷺ أصحابه بالاقتداء بأبي بكر وعمر (٥).
وكان مقرباً إلى رسول الله ﷺ يستشيره في المهمات، شهد معه المشاهد كلها، وقد صاهره بالزواج من ابنته حفصة أم المؤمنين، وكان أبو بكر يستشيره كثيراً، وهو الذي أشار عليه بجمع القرآن (٦)، وقد عهد إليه بالخلافة بعد مشاورة كبار الصحابة ورضاهم (٧). ولقب بأمير المؤمنين (٨).
وقد أطهر عمر في خلافته حسن السياسة، والحزم والتدبير، والتنظيم للإدارة والمالية، ورسم خطط الفتح وسياسة المناطق المفتوحة، والسهر على مصالح الرعية، وإقامة العدل في البلاد، والتوسع في الشورى، "وكان القراء
стр. 68
أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أم شباناً" (١)، ومحاسبة الولاة (٢) وفق مبدأ "من أين لك هذا"، ومنعهم من أذى الرعية، وفتح بابه أمام شكاوي الناس (٣). وتدوين الدواوين (٤)، وتعيين العرفاء على العشائر والقبائل (٥). وابتدأ التأريخ الهجري، وكان لا يستحل الأخذ من بيت مال المسلمين إلا حلة للشتاء وأخرى للصيف وناقة لركوبه وقوته كقوت رجل متوسط الحال من المهاجرين (٦)
وتدل خطبه ورسائله إلى الولاة والقادة على بلاغته العالية وبيانه الواضح مع الإيجاز المفيد والبعد عن الإطناب والإغراب والمبالغة، وتعبر بدقة عن شعوره العميق بالمسؤولية تجاه الدين والرعية، مع حسن التوكل على الله والثقة بالنفس (٧). وقد غلبت الدولة الإسلامية في عهده الفرس والروم وحررت الهلال الخصيب ومصر، ومصرت الكوفة والبصرة والفسطاط، ومازالت في صعود وامتداد. حتى اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر ليلة الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ للهجرة، بعد خلافة دامت عشر سنين وستة أشهر (٨)، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة (٩).
стр. 69
وأرجح أن سبب اغتياله يعود إلى الدافع الشخصي لدى قاتله المجوسي، وكان عجميا ماهرا بالصناعة وكان عمر قد نهى عن جلب الأعاجم البالغين من غير المسلمين إلى المدينة ولكن مصالح الناس أدت إلى جلبهم. (١)
стр. 70
المبحث الثالث: عثمان بن عفان ﵁
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز من بني عبد شمس أيضاً (١).
ولد بعد عام الفيل بست سنوات بالطائف (٢) وصف بأنه متوسط الطول، حسن الوجه، فيه نكتات من جدري، رقيق البشرة، عظيم اللحية، أسمر، كثير شعر الجسم (٣). وعرف بالحياء الشديد، ورجاحة العقل (٤)، والعفة، وصلة الرحم (٥) والتقوى (٦)، وإطالة التهجد في صلاة الليل (٧)، والبكاء عند ذكر الآخرة (٨)،
стр. 71
والتواضع (١)، والكرم والسخاء، فقد عمل تاجراً فأصاب ثروة كبيرة قبل الإسلام، وقد أنفق منها الكثير على المصالح الإسلامية في مرحلة الدعوة والدولة. فقد اشترى بماله بئر رومة- ولم يكن بالمدينة ماء يستعذب غيرها- فجعلها سبيلا للمسلمين استجابة لندب النبي ﷺ الصحابة لشرائها ووعدهم بخير منها في الجنة (٢). واشترى أرضاً لزيادة مساحة المسجد النبوي بالمدينة استجابة لندب النبي ﷺ للصحابة (٣). وقد دعا النبي ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة المتجه إلى تبوك وعدده ثلاثون ألف رجل (٤)، فبادر عثمان ﵁ إلى تجهيزه بالنفقة العظيمة (٥). وقد دفع في تجهيز الجيش ألف دينار فقال النبي ﷺ : "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم- يرددها مراراً-" (٦).
أسلم عثمان مبكراً بدعوة من أبي بكر الصديق (٧)، وهاجر إلى الحبشة (٨) مع
стр. 72
زوجه رقية بنت الرسول ﷺ ، وعاد إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة (١).
وتغيَّب عن موقعة بدر بأمر النبي ﷺ ليعنى بزوجته رقية، وكانت مريضة، ووعده أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه (٢). وشهد المشاهد الأخرى مع النبي ﷺ ، وأرسله في الحديبية إلى قريش فغاب عن بيعة الرضوان فصفق النبي ﷺ يمينه بشماله وقال: "هذه عن عثمان" (٣).
وكان عثمان ﵁ من كبار الصحابة المقربين إلى النبي ﷺ ، وقد تزوج من ابنته رقية فلما ماتت تزوج ابنته الثانية أم كلثوم، لذلك لقب بذي النورين (٤).
стр. 73
وقد بشره النبي ﷺ بالجنة في عدة مناسبات (١)، وبشره بالشهادة (٢).
وقد عرف الصحابة له مكانته فهم يعدونه في الفضل بعد أبي بكر وعمر (٣). وروى عن النبي ﷺ مائة حديث وستة وأربعين حديثاً (٤).
وكان عثمان ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ قريباً من الخليفة أبي بكر الصديق ﵁ ومن بعده عمر بن الخطاب ﵁ يشاورانه ويقدمانه، فلما طعن عمر ﵁ عيَّن مجلس الشورى من ستة من الصحابة المشهود لهم بالجنة ليختاروا الخليفة من بينهم، فاختاروا عثمان ﵁ بعد مشاورة أهل الرأي والمشورة في المدينة (٥)، وذلك في أول محرم سنة أربع وعشرين للهجرة (٦).
وقد أنجز في خلافته الجمع الثاني للقرآن (٧)، وبذلك حفظه ومنع وقوع
стр. 74
الاختلافات في القراءات، مقتصراً على لغة قريش، ورتب سوره، وقد أجمعت الأمة على مصحف عثمان في سائر العصور (١).
كما وسَّع الحرمين بمكة والمدينة، وكان بناء المسجد النبوي بالمدينة باللبن والجريد وأعمدة الخشب، فزاد فيه عثمان سنة ٣٠ هـ زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة والحصى، وجعل عمده من الحجارة المنقوشة أيضاً، وسقفه بالساج، وترك أبوابه الستة كما كانت في خلافة عمر ﵁ (٢).
ومن إصلاحات عهده حفر نهر الأبلة وطوله أربعة وعشرين كيلا (كيلو متراً) ونهر الأساورة، وكلاهما بالبصرة (٣).
واستعاد المسلمون في خلافته البلدان التي انتقضت عليهم في خلافة عمر ﵁ وبداية خلافة عثمان ﵁، وتوسعت الفتوحات فأضافت بلداناً جديدة لم يسبق فتحها من قبل مثل أذربيجان وأرمينية وأفريقية تونس والنوبة وجزيرة قبرص وكابل وخراسان وشيراز واصطخر وسابور ودرابجرد وأرجان. وازدهرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في خلافته لكثرة موارد الدولة والمجتمع،
стр. 75
فتوسع عثمان في العطاء، وتوسع الناس في الإنفاق (١).
وقد تذمر بعض أهل الأمصار من ولاته بتحريض من ابن سبأ، فاجتمع المنافقون وحاصروا دار الخليفة، وبعد مناقشات معه تجرءوا عليه واقتحموا داره وقتلوه وهو شيخ في الثمانين، وكان صائماً يقرأ القرآن حين مقتله وذلك سنة ٣٦ هـ مما عرف بالفتنة، وجرَّ مقتله إلى سلسلة أخرى من الفتن التي عصفت بوحدة المسلمين.