والتواضع (١)، والكرم والسخاء، فقد عمل تاجراً فأصاب ثروة كبيرة قبل الإسلام، وقد أنفق منها الكثير على المصالح الإسلامية في مرحلة الدعوة والدولة. فقد اشترى بماله بئر رومة- ولم يكن بالمدينة ماء يستعذب غيرها- فجعلها سبيلا للمسلمين استجابة لندب النبي ﷺ الصحابة لشرائها ووعدهم بخير منها في الجنة (٢). واشترى أرضاً لزيادة مساحة المسجد النبوي بالمدينة استجابة لندب النبي ﷺ للصحابة (٣). وقد دعا النبي ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة المتجه إلى تبوك وعدده ثلاثون ألف رجل (٤)، فبادر عثمان ﵁ إلى تجهيزه بالنفقة العظيمة (٥). وقد دفع في تجهيز الجيش ألف دينار فقال النبي ﷺ : "ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم- يرددها مراراً-" (٦).
أسلم عثمان مبكراً بدعوة من أبي بكر الصديق (٧)، وهاجر إلى الحبشة (٨) مع
стр. 72
زوجه رقية بنت الرسول ﷺ ، وعاد إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة (١).
وتغيَّب عن موقعة بدر بأمر النبي ﷺ ليعنى بزوجته رقية، وكانت مريضة، ووعده أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه (٢). وشهد المشاهد الأخرى مع النبي ﷺ ، وأرسله في الحديبية إلى قريش فغاب عن بيعة الرضوان فصفق النبي ﷺ يمينه بشماله وقال: "هذه عن عثمان" (٣).
وكان عثمان ﵁ من كبار الصحابة المقربين إلى النبي ﷺ ، وقد تزوج من ابنته رقية فلما ماتت تزوج ابنته الثانية أم كلثوم، لذلك لقب بذي النورين (٤).
стр. 73
وقد بشره النبي ﷺ بالجنة في عدة مناسبات (١)، وبشره بالشهادة (٢).
وقد عرف الصحابة له مكانته فهم يعدونه في الفضل بعد أبي بكر وعمر (٣). وروى عن النبي ﷺ مائة حديث وستة وأربعين حديثاً (٤).
وكان عثمان ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ قريباً من الخليفة أبي بكر الصديق ﵁ ومن بعده عمر بن الخطاب ﵁ يشاورانه ويقدمانه، فلما طعن عمر ﵁ عيَّن مجلس الشورى من ستة من الصحابة المشهود لهم بالجنة ليختاروا الخليفة من بينهم، فاختاروا عثمان ﵁ بعد مشاورة أهل الرأي والمشورة في المدينة (٥)، وذلك في أول محرم سنة أربع وعشرين للهجرة (٦).
وقد أنجز في خلافته الجمع الثاني للقرآن (٧)، وبذلك حفظه ومنع وقوع
стр. 74
الاختلافات في القراءات، مقتصراً على لغة قريش، ورتب سوره، وقد أجمعت الأمة على مصحف عثمان في سائر العصور (١).
كما وسَّع الحرمين بمكة والمدينة، وكان بناء المسجد النبوي بالمدينة باللبن والجريد وأعمدة الخشب، فزاد فيه عثمان سنة ٣٠ هـ زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة والحصى، وجعل عمده من الحجارة المنقوشة أيضاً، وسقفه بالساج، وترك أبوابه الستة كما كانت في خلافة عمر ﵁ (٢).
ومن إصلاحات عهده حفر نهر الأبلة وطوله أربعة وعشرين كيلا (كيلو متراً) ونهر الأساورة، وكلاهما بالبصرة (٣).
واستعاد المسلمون في خلافته البلدان التي انتقضت عليهم في خلافة عمر ﵁ وبداية خلافة عثمان ﵁، وتوسعت الفتوحات فأضافت بلداناً جديدة لم يسبق فتحها من قبل مثل أذربيجان وأرمينية وأفريقية تونس والنوبة وجزيرة قبرص وكابل وخراسان وشيراز واصطخر وسابور ودرابجرد وأرجان. وازدهرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في خلافته لكثرة موارد الدولة والمجتمع،
стр. 75
فتوسع عثمان في العطاء، وتوسع الناس في الإنفاق (١).
وقد تذمر بعض أهل الأمصار من ولاته بتحريض من ابن سبأ، فاجتمع المنافقون وحاصروا دار الخليفة، وبعد مناقشات معه تجرءوا عليه واقتحموا داره وقتلوه وهو شيخ في الثمانين، وكان صائماً يقرأ القرآن حين مقتله وذلك سنة ٣٦ هـ مما عرف بالفتنة، وجرَّ مقتله إلى سلسلة أخرى من الفتن التي عصفت بوحدة المسلمين.
стр. 76
المبحث الرابع: على بن أبي طالب ﵁
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ابن عم رسول الله ﷺ ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم (١).
ولد علي قبل البعثة النبوية، وأسلم وهو في الخامسة من عمره (٢) أو الثامنة (٣) أو العاشرة (٤)، تبعاً لاختلاف أقوى الروايات، وقيل أنه كان في الخامسة عشر أو السادسة عشر (٥).
وعرف علي ﵁ بالشجاعة والخطابة والبلاغة، كما عرف ببراعته في القضاء فكان عمر بن الخطاب يقول: "أقضانا علي" (٦). كما تميز بإيمانه العميق وفقهه الدقيق وقدرته على التأثير والإقناع كما يلاحظ في إسلام همدان كلها
стр. 77
على يديه في يوم واحد (١). وقد أرسله النبي ﷺ إلى بني جذيمة بعد غزو خالد لهم لإصلاح ما وقع من خطأ في حقهم فأصلح الأمر (٢). وأرسله في موسم الحج سنة ٩ هـ إلى مكة لتبليغ صدر سورة براءة (٣). وقد اشتهرت فضائله ومناقبه، وبين النبي ﷺ مكانته منه في عدة مواقف حتى قال الإمام أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: "لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي" (٤). ومنها حديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٥)، ومنها قوله ﷺ له: "أنت مني وأنا منك" (٦) - أي في النسب والصهر والسابقة والمحبة- (٧).
وشهد له النبي ﷺ بالجنة (٨)، وبأن الله قد امتحن قلبه على الإيمان (٩)، وبأنه رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (١٠). وبأنه لا يحبه
стр. 78
إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق (١).
وقد نشأ علي في بيت النبي ﷺ حث أعان بتربيته عمه أبا طالب (٢) وقد بات في فراش رسول الله ﷺ مرتدياً ثوبه في ليلة الهجرة لئلا يفطن المشركون لغيابه (٣)، لذلك تأخرت هجرته عن النبي ﷺ ثلاثة أيام (٤).
وشارك في جميع الغزوات مع النبي ﷺ سوى تبوك، وحمل الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة (٥). وأظهر شجاعة فائقة في أحد (٦)، وتصدى لعمرو بن عبد ود العامري وهو يحاول اقتحام الخندق في غزوة الأحزاب فقتله، وكان من فرسان العرب المشهورين (٧). وحمل الراية في فتح خيبر سنة ٧ هـ ففتح الله على يديه (٨). وثبت في غزوة حنين مع من ثبت من المهاجرين
стр. 79
والأنصار عندما فرَّ الناس (١). واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة تبوك (٢)، وكان يرغب علي في الخروج معه للجهاد فقال له: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي" (٣). وأرسله إلى اليمن مرتين مرة داعياً وغازياً سنة ٩ هـ ومرة قاضياً (٤).
ولما انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعين خليفة يتولى إمرة المسلمين (٥)، عقد الأنصار اجتماع السقيفة لتعين الخليفة، وحضر الاجتماع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة .. وبعد مناقشات تمَّ اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين، وغاب علي عن الاجتماع، وقد أجمع المسلمون على بيعة أبي بكر ولم ينازعه أحد حيث بايعوه البيعة العامة في اليوم الثاني في المسجد النبوي، وقد بايع علي بن أبى طالب مع الناس- في رواية- (٦) وتأخرت بيعته ستة أشهر احتجاجاً على عدم مشاورته في أمر الخلافة حيث لم يحضر اجتماع السقيفة ثم حدث الخلاف بين فاطمة ﵂ وأبي بكر الصديق ﵁ حول ميراثها من رسول الله ﷺ حيث التزم أبو بكر بحديث: "نحن
стр. 80
معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" (١). فلما توفيت فاطمة بايع علي أبا
بكر (٢). وقد تواتر عن على قوله: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (٣)
وصار علي أحد رجال الشورى المقربين في خلافة عمر، فكان "يشد من أزره ولا يبخل عليه برأيه، ويجتهد معه في إيجاد حلول للقضايا التي لم يرد فيها نص، وفي تنظيم أمور الدولة الفتية" (٤).
ومن أهم مشوراته موافقته لرأي عمر في عدم توزيع الأرض المفتوحة (٥) واقتراحه البدء بكتابة التاريخ الإسلامي ابتداء من الهجرة النبوية إلى المدينة (٦).
ولما استشهد عمر ﵁ جعل علياً أحد الستة الذين يتألف منهم مجلس الشورى لاختيار أحدهم خليفة، وقد تمت البيعة لعثمان بن عفان، وبايعه
стр. 81
علي، فكان ثاني من بايعه بعد عبد الرحمن بن عوف (١). وكان قريباً من الخليفة عثمان يستشار في الأمور المهمة، ومن أجل مشوراته موافقته لعثمان في جمع الناس على قراءة واحدة لمنع اختلاف الناس في القرآن (٢).
وكان علي ﵁ حريصاً على إسداء النصيحة لعثمان، والإصلاح بين الناس عندما هاجت الفتنة، وحاول الدفع عن عثمان، وأرسل الحسن والحسين للمشاركة في حراسة داره (٣)، وأرسل إليه قرب الماء حين منع الثوار الماء عن داره (٤)، ولكنه لم يتمكن من الوصول إليه حين طلبه وقت الحصار بسبب خطورة الثوار المحاصرين (٥) وكان الثوار يغلب عليهم إظهار القول الحسن، والقراءة الجيدة للقرآن، والصلاة الحسنة، فلم يتصور أحد أنهم يجرءون على قتل الخليفة. وكانوا تمهيداً لظهور حركة الخوارج التي كانوا نواتها. وقد ظهرت جلافتهم عندما قتلوا الخليفة، ولم يراعوا حرمته ولا حرمة المدينة ولا الشهر الحرام (٦).
ولما استشهد عثمان عبَّر علي عن تألمه بقوله: "ولقد طاش عقلي يوم
стр. 82
قتل عثمان وأنكرت نفسي" (١). وقد اجتمع أهل المدينة على بيعته رغم أنه أظهر عدم رغبته في ذلك ثم وافق منعاً للفتن (٢). مع أنه يعلم أنه أصبح أولى الناس بالخلافة وأحقهم بها (٣).
وقد انشغل بعد استخلافه بمواجهة المعارضين له فخاض غمار المعارك الطاحنة ضدهم في الجمل وصفين والنهروان، وأظهر قدرة فائقة على تعبئة الجيوش وقيادة الناس وتوضيح أحكام الشرع في الحروب الداخلية بين المسلمين ومنها الكف عن المدبر والإحسان إلى الأسير وإطلاقه بعد انتهاء المعركة أو أخذ العهد عليه أن لا يعود للقتال، وعدم قسمة أموالهم واعتبارها غنيمة سوى السلاح والكراع الذي حملوه في الحرب، وعدم سبي النساء والذراري، وعدم حرمان المخالفين من حقهم في الفيء أو الصلاة في المساجد، وعدم بدئهم بالقتال (٤) وكان يعد العدة لمواجهة أخرى مع معاوية وهو يلاحظ تقاعس جنده وضعف طاعتهم حين استشهد على يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي في الكوفة في فجر اليوم الحادي والعشرين من رمضان سنة أربعين للهجرة (٥) وعمره ثمان وخمسون سنة (٦).
стр. 83
المبحث الخامس: حجية عمل الخلفاء الراشدين
إن عمل الخلفاء الراشدين منه ما أتفق عليه الصحابة فهو إجماع ملزم لمن بعدهم من الأجيال، ومنه ما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد فحكمه حكم السنة المرفوعة ومنه ما مجاله الاجتهاد وخالفهم فيه آخرون من الصحابة، لكنهم أذعنوا لاجتهاد الخلفاء لأنهم "أولوا أمر" تجب طاعتهم، وهذا القسم اختلف الأصوليون في حجيته، فمنهم من رآه حجة على الأجيال التالية فيعمل به ما لم يخالف كتاباً ولا سنة، وكلام الإمام أحمد في إحدى الروايتين يدل على أن قولهم حجة (١)، فهو لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم.
ويقدم الشافعي قول الخلفاء الراشدين على قول غيرهم من الصحابة، فإذا اختلف الصحابة على قولين، وكان الخلفاء الراشدون مع أحد الفريقين، يصار إلى قول الخلفاء الأربعة، ولكن نقل عن الشافعي أيضاً أن الفريقين من الصحابة سواء. ويحتاج الترجيح بينهما إلى مرجح (٢).
قال الشافعي: "ما كان الكتاب أو السنة موجودين، فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتباعهما، فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله ﷺ أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان- ﵃ أحب إلينا إذا صرنا إلى التقليد، وذلك إذا لم تجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي معه الدلالة، لأن قول
стр. 84
الإمام مشهور بأنه يلزم الناس" (١).
وذكر القاضي في "التقريب" أن القائلين بترجيح قول الخلفاء الراشدين على قول غيرهم لفضل سبقهم وتعددهم وطول صحبتهم وقال: "وعندنا أن الترجيح إنما يطلب به غلبة الظن لا العلم" (٢).
"وقد أجمعت الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضاً، حتى لم ينكر أحد من الخلفاء الراشدين على من خالفه"، وأما حديث "إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٣) "فالمراد به الاقتداء بهما في سيرتهما وعدلهما ونحو ذلك، لا على أن قولهما حجة يلزم اتباعها، لأن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر اتفاقاً، لاسيما في الخلفاء الأربعة بعضهم مع بعض" (٤) وقد علَّق الخطابي على حديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٥) بقوله فيه: "دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً وخالفه فيه غيره من الصحابة، كان المصير إلى قول الخليفة أولى" (٦).
стр. 85
وقال ابن القيم معقبا على الحديث: "فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها، حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علَّق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنَّه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين" (١).
وذكر محمد الأمين الشنقيطي قول طائفة من أهل العلم بأن المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلد، وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له إلى قول غيره. ثم قال الشنقيطي: "واعلم أن التحقيق أنه لا يخصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حكم الرفع، لأن النصوص لا تخصص باجتهاد أحد، لأنها حجة على كل من خالفها" (٢).
ولا شك أن ما أجمع عليه الصحابة أولى بالاعتبار من إجماع من بعدهم لأن مرتبتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم المداهنة تقتضي بأن يكون سكوتهم دليلاً على الموافقة، فإن لم يعتبر إجماعا فالظاهر أنه حجة (٣). فإذا سن أحد الخلفاء الراشدين سنة وسكتوا فلم يعترضوا عليه، فسنته حجة على رعيته وإن لم تكن إجماعاً لأن طاعته لازمة، وحرصه على الشورى كبير، ولا يمتنع تبديل هذه السنة بعده من قبل إمام هدى يعمل بالشورى وتجب له الطاعة، فقد خالف عمر سنة الصديق في كيفية قسمة العطاء، وهكذا فعل عثمان مع سنة عمر، وجمع أبي بكر القرآن، وجمع عمر الناس في التراويح، وحظى الإجراءان بإجماع الصحابة، ووحَّد عثمان المصاحف عندما قام بالجمع الثاني، وكانت أعمالهم هذه لازمة
стр. 86
لرعيتهم وإن لم تكن ملزمة لمن بعدهم من الخلفاء ورعيتهم إلا أن تكون إجماعا ..
قال الدكتور عبد الكريم زيدان عند كلامه عن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد: "ذهب بعض العلماء إلى أن قوله- قول الصحابي- حجة شرعية، وعلى المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، واذا اختلف الصحابة، فعليه أن يتخير من أقوالهم. وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أنه ليس بحجة شرعية، ولا يلزم المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي، بل عليه أن يأخذ بمقتضى الدليل الشرعي ... والذي نرجحه أن قول الصحابي ليس حجة ملزمة، ولكن نميل إلى الأخذ به حيث لا نص في الكتاب ولا في السنة ولا في الاجماع، ولا يوجد في المسألة دليل آخر معتبر، ففي هذه الحالة نرى أن الأخذ بقول الصحابي أولى" (١).
وأما من رأى أن سنة الخلفاء الراشدين حجة معتمدة فإنه لم يسوي بينها وبين سنة النبي ﷺ في الحجيَّة، بحيث يقع التعارض بينهما، ويعدل إلى الترجيح، قال العلائي: "لا يلزم من كون سنتهم حجةَّ معتمدة أن يكون لها هذه المساواة، بل يجوز أن تكون مأموراً باتباعها والعمل بها بشرط عدم وجود سنة للنبي ﷺ قدمت على سنتهم، كما أن القياس حجة شرعية، وهو متأخر في الرتبة عن الكتاب والسنة" (٢).
стр. 87
المبحث السادس: الشورى
إن الروايات التي صحَّت في استشارة النبي ﷺ للصحابة ثم في تطبيق الخلفاء الراشدين لنصوص الشورى هي التي ترسم معالم الشورى في الإسلام، لأن القرآن نص على "الشورى" دون تفصيل لحدودها وكيفية تطبيقها ومدى الزاميتها، وبسبب الإجمال في الآيتين اللتين تناولتا قضية الشورى وهما: (وأمرهم شورى بينهم) (١) و (شاورهم في الأمر) (٢) وقد وقعت الأولى بين وصفهم بالصلاة (وأقاموا الصلاة) ووصفهم بأداء الزكاة (ومما رزقناهم ينفقون)، أي بين فريضتين، والخبر إذا أريد به الإنشاء الطلبي فهو أقوى من الأمر وأما الآية الثانية فهي بصيغة الأمر، وليس في القرآن قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، فلم يبق إلا أن نفتّش في السنة، ولم أجد- حسب جهدي- في أحداث السيرة النبوية نصاً صحيحاً يدل على صرف الأمر بالشورى عن الوجوب إلى الندب، بل لم أقف على ما يدل على عدم إلزامية الشورى، فقد أخذ النبي ﷺ برأي الأكثرية في أحد، وشاور زعماء المدينة من الأنصار (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود) في إعطاء شطر تمر المدينة لغطفان مقابل انسحابها من الأحزاب، فلما اتفقت آراؤهم على احتمال الحصار دون بذل التمر أخذ برأيهم رغم الخطر الكبير المحدق بالمدينة وبالدعوة الإسلامية. وأخذ برأي الأكثرية في حصار الطائف إذ أراد فك الحصار فرأى المسلمين يميلون
стр. 88
لفتحها فعدل عن ذلك إلى اليوم التالي حيث رضوا بفك الحصار. وأما رده لرأي الأكثرية في غزوة الحديبية فيرجع إلى أمر الله له، ولا اجتهاد في موضع النص، ولا تقدم على أمر الله (١).
وكان أبو هريرة يقول: "ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ " (٢).
وما دام لم يرد ما يمنع من الأخذ برأي الأكثرية في الكتاب والسنة فهو أمر مباح إذاً يتحول الأمر إلى واجب إذا تعلقت مصالح الأمة به أو إذا أفضى تركه إلى حدوث مفاسد عامة كالاستبداد أو اضطراب الأمن بسبب تفرق أراء الناس، وعدم مراعاتها، هذا إذا لم ير أهل الحل والعقد بالأدلة التي تفيد وجوب الشورى وإلزاميتها ...
ومن الصعب قبول القول بأن الشورى واجبة على النبي ﷺ ومندوبة بالنسبة للمسلمين، إذ ليس ثمة نص يفيد هذه الخصوصية فضلا عن أن النظر يقتضي العكس لأن حاجه النبي المعصوم إلى الشورى أقل- وهي مخصصة في المصالح الدنيوية- من المسلمين غير المعصومين، بل الأكثر على أنه إنما يستشير تعليماً للأمة دون حاجة حقيقية إلى الشورى لأن الوحي يسدده ولا يقره على خطأ ..
وأما عمل الخلفاء الراشدين فقد أثبت التأريخ أن خلافتهم كانت عن بيعة الناس ورضاهم، ويعد انتخاب أبي بكر ﵁ في سقيفة بني ساعدة نموذجاً للحوار الحر الصريح بين المجتمعين، وغالبيتهم من الأنصار، ومع ذلك فقد أفضى
стр. 89
الحوار إلى بيعة الصديق وهو من المهاجرين وهى بيعة حُرة لم تفرض عليهم من أقلية المهاجرين الحاضرة في ذلك الاجتماع.
وكانت خلافة عمر ﵁ عن ترشيح من الصديق بعد مشاورة كبار الصحابة، ولو لم يحض ذلك الترشح بتأييد أهل الحل والعقد وجمهور المسلمين من ورائهم لما انعقدت له الخلافة.
وجاءت خلافة عثمان عن مشاورات بين أعضاء مجلس شورى عمر، وأعقبت اختيارهم بيعة الجمهور.
وأما خلافة علي فإن الصحابة بايعوه اثر غلبة المعارضين لعثمان على المدينة ولم يحض بالإجماع بسبب معارضة أصحاب الجمل في البصرة ومعاوية في الشام، لكن أكثرية المسلمين بايعوه، ولم ينكر أحد حين بيعته أحقيته بالخلافة، ولكنهم خالفوه في مسألة القصاص من قتلة عثمان.
وقد تمَّ في مجلس الشورى الذي كونه عمر بن الخطاب إقرار مبدأ الالتزام برأي الأكثرية بوضوح تام، حتى أدخل ابنه عبد الله بن عمر ليكون له حق الانتخاب دون الترشيح وذلك عند تساوي الأصوات بين المقترعين وهم ستة، فكان السابع مرجحاً لأحد الطرفين، وبذلك ظهرت فكرة الانتخاب والأغلبية في تنظيم مجلس الشورى في ذلك الوقت المبكر ..
وفيما عدا هذا المجلس، فلم يؤسس مجلس شورى يتعين أعضاؤه في عصر الراشدين لا بصورة دائمة ولا مؤقتة، ولكن الخلفاء الأربعة كانوا إذا أعضلهم أمر جمعوا فقهاء الصحابة فاستشاروهم، وبالطبع فهم لا يستشيرون فيما ورد فيه نص محكم من كتاب أو سنة، بل فيما يحتاج إلى مشورة من مصالح الناس وقضايا الأمة ومواقف الدولة من السلم والحرب وتوزيع الغنائم ومعاملة المناطق المفتوحة، ولا تدخل في هذا الباب المشورة الخاصة في القضايا الخاصة بالأفراد، وهي كثيرة، ولابد من التمييز بين الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين في مسألة الاستشارة فيما ورد فيه نص يحتمل أكثر من وجه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 90
هو الذي يبين القرآن، عامه وخاصه ومطلقه ومقيده وناسخه ومنسوخه ولا يحتاج إلى الاستشارة في هذا المجال، أما الخلفاء الراشدون فقد يخفى عليهم وجود النص من السنة أو دلالة نص من الكتاب والسنة فيحتاجون إلى المشورة للوصول إلى حكم الشرع. فإذا تأملنا في مواقف الخلفاء الراشدين من قضايا الشورى في المسائل العامة فإننا نجدهم يكثرون من استشارة فقهاء الصحابة، وقد ذكرت المصادر أسماء رجال الشورى في خلافة أبي بكر ﵁ وهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت. وهم فقهاء الصحابة في عهده (١).
وقد بيَّن ميمون بن مهران (ت ١١٧ هـ) أن أبا بكر ﵁ كان يدعو رؤوس المسلمين وعلماؤهم فيستشيرهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به - وذلك إذا لم يجد في الكتاب والسنة ما يقضي به- وأحيانا يخرج إلى المسجد فيسأل المسلمين عامة إن كانوا يعرفون ورود السنة في قضية ما (٢).
وقد توسع نطاق الشورى في خلافة عمر ﵁ لكثرة المستجدات والأحداث وامتداد رقعة الإسلام إلى بلاد ذات حضارات وتقاليد ونظم متباينة فولدت مشكلات جديدة احتاجت إلى الاجتهاد الواسع مثل معاملة الأرض المفتوحة وتنظيم العطاء وفق قواعد جديدة لتدفع أموال الفتوح على الدولة. فكان عمر يجمع
стр. 91
للشورى أكبر قدر من الصحابة الكبار (١) وهم: عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت (٢)، كما كان يجمع معهم عدداً من شباب الصحابة منهم عبد الله بن عباس (٣)، وقد قال الزهري لغلمان أحداث: "لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم" (٤). وقال محمد بن سرين: "إن كان عمر رضى الله عنه ليستشير في الأمر حتى أن كان ليستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به" (٥). وقد ثبت أنه استشار مرة أم المؤمنين حفصة ﵂ (٦).
وكان المستشارون يبدون آراءهم بحرية تامة وصراحة كاملة، ولم يتهم عمر ﵁ أحداً منهم في عدالته وأمانته (٧).
стр. 92
وكان عمر يستشير في الأمور التي لا نص فيها من كتاب وسنة وهو يهدف إلى معرفة إن كان بعض الصحابة يحفظ فيها نصاً من السنة، إذ لم تكن قد قيدت بعد وكان بعض الصحابة يحفظ منها ما لا يحفظه الآخرون وكذلك كان يستشير في فهم النصوص المحتملة لأكثر من معنى لمعرفة المعاني والأوجه المختلفة. وفي هذين الأمرين قد يكتفي باستشارة الواحد أو العدد القليل، وأما في النوازل العامة فيجمع لها الصحابة، ويوسع النطاق ما استطاع كما فعل عند وقوع الطاعون بأرض الشام وهو متوجه إليها، حتى إذا كان بسرغ علم بوقوع الطاعون فدعا المهاجرين الأولين فاستشارهم فاختلفوا، ثم دعا الأنصار فاختلفوا، ثم دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فأشاروا عليه بالعودة إلى المدينة فأخذ برأيهم. ثم أخبره عبد الرحمن بن عوف بحديث نبوي يدعم قراره (١).
ومن ذلك استشارته للصحابة في معاملة الأرض المفتوحة حيث عدل عن قسمتها بين المقاتلين نظراً منه لحق الأجيال التالية، وقد خاطب الصحابة قائلاً: "اجتمعوا لهذا المال، فانظروا لمن ترونه" ثم قرأ آيات الفيء عليهم مبيناً فهمه وتوجيهه للآيات قائلا: "والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق من هذا المال أعطي منه أم منع" (٢).
وكان يكثر الاستشارة في صرف الأموال العامة (٣). ولما كثرت الأموال
стр. 93
استشار الناس في وضع الديوان (١).
وقد ختم عمر ﵁ حياته حين طعن بتكوين مجلس الشورى من ستة من كبار الصحابة لاختيار الخليفة من بعده وهم: عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، ويحضر عبد الله بن عمر دون أن يحق له الترشيح. وبعد المداولة الأولى في المجلس انحصرت الخلافة في عثمان وعلي، وعهد إلى عبد الرحمن بن عوف باستشارة الناس، فسهر ليله وأمضى نهاره ثلاثة أيام في استشارة الصحابة ثم بايع لعثمان في المسجد الجامع بحضور المهاجرين والأنصار وأمراء الأمصار الذين كانوا قد شهدوا الحج ذلك العام مع عمر ﵁ (٢). فبايع الحضور لعثمان وببيعتهم انعقدت له الخلافة، وكان عمل مجلس الشورى مجرد ترشيح له.
ولا شك أن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان اتبع نهج من قبله في الأخذ بالشورى ولكن المصادر لم تسق روايات صحيحة عن ذلك، بل وردت أخبار واهية وضعيفة تفيد أنه استشار عليا والصحابة رضوان الله عليهم وولاته على الأمصار في أحداث الفتنة التي انتهت باستشهاده (٣)، ولا يعني عدم ثبوت الخبر في ذلك أنها لم
стр. 94
تقع تأريخياً كما هو معلوم فإن الأخبار الصحيحة الأسانيد لا تغطي إلا مساحة محدودة من التأريخ.
وقد تمت بيعة علي بن أبي طالب ﵁ في أعقاب الفتنة التي أودت بحياة الخليفة عثمان ﵁ حيث بايعه معظم أهل الحل والعقد، وتخلَّف بعضهم عنه، ثم بايعه الناس عامة، وكانت البيعة الخاصة والعامة في المسجد النبوي.
وقد سجلت المصادر صوراً للشورى في خلافة علي ﵁ تتعلق بسياسته تجاه ولاة الأمصار، ووقف القتال في صفين بعد أن رفع أهل الشام المصاحف، وكذلك استشارته الناس في حكم بعض المشركين المتظاهرين بالإسلام (١). وهذه الأخبار لم تثبت من طرق صحيحة، ولا يعني ذلك نفي وقوعها، ولكن لا يمكن الاستناد عليها في تقرير طبيعة الشورى في خلافة علي ﵁.
ولا شك أن علياً ﵁ اقتفى سنة من قبله في إنفاذ حكم الشورى الواجب على الإمام والقاضي. وأن الخلفاء الراشدين الأربعة تداولوا السلطة على أساس الشورى وانعقدت له الخلافة بالبيعة الخاصة والعامة.
ولم يؤسس مجلس دائم للشورى في عصر الخلافة الراشدة لكن أهل الشورى
стр. 95
كانوا من كبار الصحابة المعروفين بفقههم وإخلاصهم. وقد استمر الحال كذلك خلال العصور الأموية والعباسية دون أن تتطور للشورى مؤسسات واضحة الصلاحيات سوى جماعة أهل الحل والعقد الذين يختارهم الخليفة فيكونون أهل مشُورته ومناصحته.
стр. 96
الباب الثاني
الإدارة. القضاء
стр. 97
الفصل الأول: الإدارة
(الولاة. الموظفون)
стр. 98
المبحث الأول: الولاة على البلدان
كانت الدولة الإسلامية في عصر النبوة مقتصرة على المدينة خلال لسنوات الأولى ثم توسعت لتمتد إلى معظم جزيرة العرب في نهاية ذلك العهد، مما اقتضى تنظيم المناطق إدارياً، فعين النبي ﷺ ولاة على الوحدات الإدارية التي تتكون عادة من مدينة رئيسية وما حولها، وكانت الدولة في خلافة الصديق ﵁ مقسمة إلى سبع ولايات هي: الحجاز، والبحرين، وعمان، ونجد، واليمن وحضرموت، والعراق، والشام. وأما المدينة فهي عاصمة الدولة يتولى إدارتها الخليفة مباشرة، فإذا غادرها للحج أو لسبب آخر فإنه ينيب عنه رجلاً لإدارتها (١). فكان على مكة والٍ هو عتاب بن أسيد (٢)، وكانت جدة من أعمال مكة فكان عليها الحارث بن نوفل (٣)، في حين كانت الطائف تمثل وحدة إدارية عليها عثمان بن أبي العاص الثقفي (٤). وكان على صنعاء باليمن والي هو باذام من الأبناء حيث أسلم سنة ١٠ هـ، فأبقاه النبي ﷺ على ولاية صنعاء، ولما مات في نفس السنة
стр. 99
بعد حجة الوداع جعل ابنه شهراً على صنعاء، وقسَّم اليمن إلى أقسام فكان عامر بن شهر على همدان، والطاهر بن أبي هالة على عك، وأبو موسى الأشعري على مأرب ويعلى بن أمية على الجند. وقد تغير الولاة على اليمن مراراً حيث تشير المصادر التأريخية إلى أن خالد بن سعيد بن العاص تولى صنعاء ثم تولاها المهاجر بن أبى أمية، وأن معاذ بن جبل تولى الجند، وأن أبا موسى ولي زبيد ورمع والسواحل، كما تولى فروة بن مسيك المرادي على مراد وزبيد ومذحج، وهذه التغيرات ربما حدثت في عهد النبوة أو خلافة أبي بكر.
ويلاحظ أن معظم الولاة كانوا من أهل اليمن، وهو إجراء يراعي التركيبة السكانية وقوة الكيانات القبلية في تلك المرحلة، وكان الاهتمام بنشر الإسلام وتعميق مفاهيمه بين السكان أهم أهداف الدولة، وقد عينت معاذ بن جبل معلماً يتنقل في اليمن وحضرموت (١). وكان سليط بن قيس والياً على اليمامة (٢). "وكانت البحرين مكونة من قسمين إداريين هما هجر والخط التي عند القطيف" فكان العلاء بن الحضرمي والياً على هجر، وأبان بن سعيد والياً على الخط (٣). وأما عمان فكان عليها جيفر وعباد ابنا الجلندي، وإن أرسل إليها عمرو بن العاص ربما بالتنسيق معهما.
وقد استمرت ولاية العلاء على البحرين حتى سنة ١٥ هـ حيث عين عمر بن الخطاب عثمان بن أبي العاص الثقفي على البحرين وعمان، فكان يقيم بعمان ويجعل
стр. 100
أخاه الحكم بن أبي العاص نائباً عنه بالبحرين واستمرت ولايته إلى خلافة عثمان حيث صارت البحرين تابعة لولاية البصرة (١). ولكن يبدو أن ولاية آل الجلندي على عمان تجددت حيث كانوا ولاتها حتى خلافة يزيد بن معاوية (٢).
أما مناطق الحجاز خارج المدن الرئيسية، وهضبة نجد فكان فيها عدد من القبائل الكبيرة والصغيرة يتولاها رؤساء منها، ولما دخلت في الإسلام أبقى النبي ﷺ رؤساءها القدامى ولم يعزلهم، وكان ذلك يرضي الرؤساء وقبائلهم، ويعزز سيادة الدولة على البقاع النائية عن العاصمة.
وأما المناطق التي حافظت على أديانها السماوية القديمة فقد خضعت للدولة الإسلامية بعقد الذمة مثل نصارى نجران ونصارى إيلة ويهود تيماء.
ومن الواضح أن عصر الخلافة الراشدة ورث هذه الأوضاع الإدارية عن عهد النبوة، ولكن حركة الفتح أضافت مساحات جديدة واسعة هي الهلال الخصيب وإيران ومصر مما اقتضى تنظيم المناطق المفتوحة وربطها بالدولة.
"وكان لسير الفتوح إثر رئيسي في تحديد الأقسام الإدارية، فمع أن التنظيم الإداري إلى أمصار (أو ولايات) تأثر باعتبارات جغرافية واستراتيجيه وبالتراث الإداري فيها، وأحياناً بانتشار القبائل، إلا أن الأراضي التي كانت تفتح من قبل المقاتلة المرسلين بقيادة أمير من المدينة تكون وحدة إدارية، ويرجع جُلَّ واردها إليهم.
أما الفتوحات التي تمت على يد مقاتلة مصر من الأمصار بعدئذ، فإنها تكون تابعة لذلك المصر. فبلاد الشام فتحت على أيدي أمراء بقوات موجهة من المدينة،
стр. 101
فقُسمت إلى أربعة أجناد (وحدات إدارية) ابتداءً هي جند دمشق وجند فلسطين وجند الأردن وجند حمص وقنسرين. وخُصص وارد كل جند للمقاتلة الذين فتحوه.
وفُتحت الجزيرة الفراتية من قبل المقاتلة في جند قنسرين وحمص فاعتُبرت تابعة لهذا الجند حتى فصلت منطقة قنسرين عن منطقة حمص (أيام يزيد بن معاوية) فصارت تابعة لجند قنسرين.
وفي العراق، ونتيجة فشل محاولة غزو منطقة فارس من جهة البحرين، ولضرورات استراتيجيه (الحرب مع الفرس اقتضت الالتفات إلى اتجاه إقليم فارس إضافة لاتجاه المدائن) أحدث مركز للمقاتلة جهة الأبلة إضافة إلى المركز في منطقة الكوفة، وكان جُل السواد تابعا لمقاتلة الكوفة أصحاب القادسية، ولم يتبع البصرة ابتداء إلا سوادها، ولكن الأهواز وفارس ثم خراسان عبر سجستان، فُتحت على يد مقاتلة البصرة (في ولاية عبد الله بن عامر) فصارت تابعة لهم إدارياً.
أما منطقة الجبال (غرب إيران) ففُتحت من قبل مقاتلة الكوفة بالدرجة الأولى وصار جُلَّها تابعاً إداريا للكوفة. ومع أن مصر بدأ غزوها على يد مقاتلة أرسلوا من الشام، إلا أن ثلثي المقاتلة الذين فتحوا مصر أرسلوا من المدينة، فصارت مصر لذلك- إضافة للتراث الإداري- ولاية قائمة بذاتها، ولما فتح مقاتلتها برقة (وغيرها بعدئذ) صارت برقة (وما وراءها) تابعة لولاية مصر.
стр. 102
بدأت الفتوح زمن أبي بكر، وبلغت أوجها زمن عمر، وحدَّها (في الموجة الأولى) زمن عثمان. وكان لعمر الدور الرئيسي في تنظيم معاملة البلاد المفتوحة" (١).
وتقتضي السياسة الشرعية المستمدة من السيرة النبوية استعمال الأصلح في الولايات وإن كان في الرعية من هو أفضل منه في العلم والإيمان (٢)، وقد وضح القرآن أهم صفتين لتولي الأعمال (إنَّ خير من استأجرت القوي الأمين) (٣). والقوة تختلف بحسب تنوع الولاية، فحاجة الولاية العسكرية إلى الشجاعة والخبرة بالحرب وحاجة الولاية السياسية إلى العلم بالعدل ومعرفة أحكام الشرع والقدرة على تنفذها (٤) واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، لذلك يحتاج الخليفة إلى الاستقصاء عنهم، وهو مكلف بتعيين الأمثل فالأمثل إن لم يجد من تتوافر فيه الصفتان (٥).
ويلاحظ أن معظم الولاة في عصر الخلافة الراشدة كانوا من الصحابة، وذلك لتحليهم بصفات ومؤهلات من ناحية، ولثقة الخليفة بهم، واحترام الناس لهم
стр. 103
مما يجعلهم يطبعونهم ويؤازرونهم. وقد اشتهر ولاة العصر الراشدي بزهدهم وورعهم مثل سعيد بن عامر بن حذيم، وعمير بن سعد، وسلمان الفارسي، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وأبي موسى الأشعري. وقد اضطر بعضهم للاستدانة لسد عوزهم إلى الطعام (١)، ولم يطلبوا الولاية لأنفسهم لورود النهي الشرعي عن طلبها، بل كانوا يعتذرون عنها، ويرغبون في التخلص من مسؤولياتها ويعتذرون عن الاستمرار فيها (٢).
ولم يدع الخلفاء الراشدون أثراً لعواطفهم في تعيين الولاة، بل راعوا المصلحة العامة حتى أن عمر بن الخطاب عين أبا مريم الحنفي على قضاء البصرة وهو قاتل أخيه زيد بن الخطاب في موقعة اليمامة (٣)!!
ولم تتحدد مدة الولاية على الإقليم، بل كانت تخضع لنجاح الوالي وظروف الولاية، لذلك فإن بعض الولاة تطول ولايتهم مثل معاوية بن أبي سفيان إلى عشرين سنة، وبعضهم تقصر إلى سنة واحدة.
ولم يلتزم الخليفة بإبقاء ولاة الخليفة السابق، فكان يبقي بعضهم ويعزل الآخرين، وكانت وصية عمر لمن بعده "ألا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين" (٤)، وقد تولى الأشعري ولاية الكوفة عدة مرات حتى نهاية خلافة عثمان.
стр. 104
وكان الولاة عند عزلهم يستمرون في أعمالهم حتى يصل الوالي الجديد.
وكانت "الدواوين الإقليمية المتفرعة من ديوان الجند تحت أشراف مباشر من والي الإقليم .. وربما أشارت المصادر إليه تحت اسم أمير الحرب" (١).
وكان من واجبات الوالي حماية الولاية من الأعداء المتاخمين لولايته دون انتظار الإذن من الخليفة خلافاً لحالة قيامه بمبادرتهم بالهجوم إذ لابد له من استئذان الخليفة (٢).
وكذلك كان من واجبات الوالي تحصين الثغور وشحنها بالجنود ومتابعة أخبار الأعداء، وتدريب الصبيان على الفروسية والسباحة والرمي (٣).
كما كان الولاة مسئولين عن تعيين العمال والموظفين في أقاليمهم ومحاسبتهم وقد اهتموا بمشاورة أهل الرأي في شؤون أقاليمهم بناء على أوامر الخلفاء (٤)، وأشرفوا على عمران الأقاليم من حفر الأنهار والعيون، وعقد الجسور، وتخطيط المدن، وتعبيد الطرق، وبناء المساجد والأسواق، وتأمين المياه، وإقطاع الأراضي لبناء الدور للسكان، وإحياء الأراضي الموات لتوسيع الأراضي الزراعية (٥).
وكان الوالي مسؤولاً عن الشؤون المالية في ولايته حيث ظهرت بيوت الأموال في المدينة والأمصار في خلافة عمر ﵁، ولكن عمر عدل عن
стр. 105
ذلك في بعض الولايات بتعيين موظف خاص لبيت المال، فكان أنس بن مالك على بيت المال في ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة (١)، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على الخراج في ولاية عمار بن ياسر على الكوفة (٢)، وكذلك كان ابن مسعود على بيت المال في ولاية سعد بن أبي وقاص على الكوفة (٣). في حين استمر عدد من الولاة مسؤولاً عن بيت المال والخراج في عدة أقاليم مثل شرحبيل بن حسنة في الأردن، ومعاوية بن أبي سفيان في الشام، وعمرو بن العاص في مصر (٤).
وكان الخلفاء ينصحون ولاتهم ويوجهونهم ويذكرونهم بالقيم الإسلامية الرفيعة، وأن لا يتخذوا الولاية مغنماً، وأن ينصرفوا إلى الحفاظ على مصالح الناس الدينية والدنيوية، فالولاية أمانة خطيرة والتفريط بواجباتها خيانة للأمة وفي الحديث: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم إلا حَّرم الله عليه الجنة" (٥).
ولم يكن لعمل الوالي في الولاية وقت محدد، بل كان بابه مفتوحاً للناس.
وقد غضب عمر ﵁ على والي الكوفة سعد بن أبي وقاص حين وضع لداره باباً وأرسل محمد بن مسلمة الأنصاري فأحرق الباب، لأنه خشي أن يكون ذلك سبباً لاحتجابه عن حوائج الناس (٦).
وكان الولاة خاضعين لمراقبة الخلفاء ومحاسبتهم، فعمر كان يرسل محمد
стр. 106
بن مسلمة الأنصاري مفتشاً عليهم، وكذلك فعل عثمان، كما كانت المراسلات متصلة بين الخلفاء والولاة في شؤون الإدارة والقضاء والخطط العسكرية، وكانت الاجتماعات السنوية بين الخلفاء والولاة تتم في موسم الحج، كما قام الخلفاء بزيارات لعدة ولايات، فزار عمر الشام عده مرات، وكان يباغت ولاته عند الزيارة دون إعلامهم، كما أنه كان ينوى زيارة جميع الولايات لتفقد أحوالها والتعرف على حاجات الناس فيها (١).
وكان عمر يحاسب ولاته إذا ظلموا أحداً من الرعية، وأعلن أنه يقتص للمظلومين من ولاتهم مما ساعد على تحقيق أمن الرعية من الظلم (٢)، كما أعلن أن من الهيَّن عليه تبديل أمير بأمير آخر إذا كان في ذلك صلاح الإقليم (٣). وقد عزل بعض ولاته لجهلهم ببعض الأحكام الشرعية أو لاعتدائهم على أحد الناس (٤). وكذلك عزل عثمان بعض الولاة لخصومة أهل المصر لهم (٥)، أو لإصابتهم ذنباً يستوجب الحد الشرعي (٦). لأنهم ينبغي أن يكونوا قدوة صالحة لأهل إقليمهم.
وخضع الولاة للرقابة على أموالهم عند الولاية والعزل حيث شاطر عمر كلاً من سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعمرو بن العاص أموالهم لأنه يرى أنهم استفادوا
стр. 107
في تنميتها من مراكزهم في الولاية (١).
الولاة في خلافة أبي بكر:
لقد أقَّر أبو بكر ولاة النبي ﷺ على المدن والمناطق في شبه الجزيرة العربية، لكنه قام ببعض التعديلات بعد استقرار الأوضاع في اليمن والقضاء على المرتدين حيث عين عبيدة بن سعد على كندة في حضرموت والسكاسك (٢)، كما عين جرير بن عبد الله البجلي على نجران (٣)، وعبد الله بن ثور على جرش (٤)، وبعد القضاء على ردة عمان عين عليها عكرمة بن أبي جهل ثم وجهه إلى حرب المرتدين باليمن وعين عليها حذيفة بن محصن العلقاني (٥)، ونظراً لفتح دومة الجندل فقد عين عليها عياض بن غنم الفهري (٦). وكذلك أبقى أبو بكر عمال الصدقات الذين كانوا يجبون صدقات الولايات والقبائل في عهد النبوة (٧)، كما أن قادة جيوشه كانوا جميعا من الصحابة رضوان الله عليهم (٨) وكان يقول: "ما أحد أحق بالعمل من عمال
стр. 108
الرسول صلى الله عله وسلم" (١)، بل "كانوا لا يؤمرون في ذلك الزمان إلا الصحابة" (٢).
قائمة بأسماء ولاة أبي بكر على البلدان: (٣)
١ - عتاب بن أسد (مكة).
٢ - عثمان بن أبي العاص الثقفي (الطائف).
٣ - العلاء بن الحضرمي (البحرين).
٤ - حذيفة بن محصن العلقاني (عمان).
٥ - سمرة بن عمرو العنبري (اليمامة).
٦ - معاذ بن جبل (اليمن- مشرف عام على الولاة بالإضافة إلى إدارة ولاية الجند-).
٧ - المهاجر بن أبي أمية (صنعاء وأعمالها، وأحيانا الصدف وكندة).
٨ - زياد بن لبيد البياضي (كندة وحضرموت).
٩ - جرير بن عبد الله البجلي (نجران).
١٠ - فروة بن مسيك المرادي (مراد ومذحج).
١١ - عكاشة بن محصن الأسدي (السكاسك والسكون).
١٢ - خالد بن الوليد (العراق).
١٣ - المثنى بن حارثة الشيباني (العراق).
١٤ - الزبرقان بن بدر (الأنبار).
١٥ - عياض بن غنم (دومة الجندل).
стр. 109
١٦ - أبو عبيدة عامر بن الجراح (أمير أمراء الشام مع ولاية حمص خاصة)
١٧ - أبو موسى الأشعري (زبيد ورمع وعدن وساحل اليمن).
١٨ - يعلى بن أمية (خولان).
١٩ - سليط بن قيس (اليمامة).
٢٠ - عبد الله بن ثور (جُرش) (١).
٢١ - خالد بن الوليد المخزومي (أمير أمراء الشام).
٢٢ - عمرو بن العاص (فلسطين).
٢٣ - شرحبيل بن حسنة (الأردن).
٢٤ - يزيد بن أبي سفيان (دمشق).
ويلاحظ على هذه القائمة أن ولاة مدن العراق والشام كانوا في الحقيقة قادة عسكريين يقومون بإدارة المناطق المفتوحة، ويخضعون لقائد كبير واحد في العراق وآخر في الشام.
الولاة في خلافة عمر:
وكانت مهمة الولاة تتمثل في سياسة الولاية وفق تعاليم الإسلام، ونشُر الثقافة الإسلامية بتعليم الناس، وإقامة العدل، وجباية الفيء، وإمداد الجيش بالمقاتلين سواء في حروب الردة أو الفتوحات (٢)، وتنظيم الولاية والإشراف على القضاة والموظفين الآخرين. وقد ذكر عمر بن الخطاب في خطبة جمعة مهام الولاة فقال: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة
стр. 110
نبيهم وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليَّ" (١).
وخطب الناس مرة أخرى فقال: "أيها الناس إني بعثت عمالي هؤلاء ولاة بالحق عليكم، ولم أستعملهم ليصيبوا من أبشاركم ولا من دمائكم ولا من أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم أمر دينكم وسنتكم، فمن فُعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، ومن كانت له مظلمة عند أحد منهم فليقم أقيده منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من نفسه" (٢).
وعندما اجتمع ولاته على الأمصار في موسم الحج خطب الناس بحضورهم قائلاً: "أيها الرعية، إن لنا عليكم حقاً، النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير. أيها الرعاة: إن للرعية عليكم حقاً، اعلموا أنه لا حلم إلى الله أحب ولا أعم نفعاً من حلم إمام ورفقه، وإنه ليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم من جهل إمام وخرقه، اعلموا أنه من يطلب العافية فيمن بين ظهرانيه ينزل الله عليه العافية من فوقه" (٣).
وكان عمر يعرف أنه مسئول عن سياسة ولاته فكان يبين ذلك: "أيما عامل لي ظلم أحداً، وبلغتني مظلمته ولم أغيرها فأنا ظلمته" (٤).
وبناء على هذه الخطب فإن الوالي ينبغي أن يجمع بين المهام الدينية والدنيوية، كما أنه يتمتع بصلاحيات واسعة داخل ولايته، ولا يرجع إلى الخليفة إلا