وقد أرسل علي من الربذة رسولين لاستنفار الكوفيين، وهما محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر، فأخفقا في مهمتهما لأن أبا موسى الأشعري والي الكوفة لعلي التزم موقف اعتزال الفتنة وحذر الناس من المشاركة فيها (١)، فأرسل علي رسولاً ثالثاً هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فأخفق في التأثير فيهم (٢). فاتجه علي إلى ذي قار- قرب الكوفة- وعسكر بها (٣)، ومنها أرسل عبد الله بن عباس وأتبعه ابنه الحسن وعمار بن ياسر لاستنفار الكوفيين، كما عزل أبا موسى الأشعري عن الكوفة وولى عليها قرظة بن كعب (٤).
ولم يتأثر عمار بن ياسر بملامة أبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري له لتسرعه في الأمر، بل صعد يوم الجمعة إلى المنبر وخاطب الناس قائلا: "أما والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي" (٥). وهكذا شهد لعائشة ﵂ بالجنة، وبصَّر الناس بأن هذا امتحاناً
стр. 422
لهم من الله، ليعلم إن كانوا يتبعون عواطفهم، أم ينقادون للحق فيتبعون علياً، وهو الخليفة الشرعي الواجب الطاعة ...
وبعد هذا الاستنفار التحق ما بين الستة آلاف إلى السبعة آلاف رجل بجيش علي بذي قار، كما التحق به ألفان من أهل البصرة من عبد القيس قبيلة حكيم بن جبلة كما التحقت به قبائل أخرى حتى بلغ جيشه حوالي اثني عشر ألف رجل منهم ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان (١).
عسكر علي بالزاوية أياماً، وطلب من الأحنف بن قيس أن يكفَّ الناس عن الالتحاق بالزبير- وكان الأحنف ممن بايع علياً بالمدينة-، وأن يفي بوعده لطلحة بأن يعتزل القتال (٢).
كانت المواجهة بين علي من ناحية والزبير وأصحابه من ناحية أخرى قرب قصر عبيد الله، وجرت محاولات لمنع القتال قام بها المعتزلون للقتال "خرج كعب بن سور ناشراً مصحفه، يُذكِّر هؤلاء، ويذكر هؤلاء، حتى أتاه سهم فقتله" (٣).
وكذلك فإن الصحابي عمران بن الحصين أرسل إلى بني عدي رسولاً ينصحهم باعتزال الفريقين: "إني لكم ناصح، ويحلف بالله لئن يكون عبداً حبشياً
стр. 423
مجدعاً يرعى أعنزاً في رأس جبل حتى يدركه الموت أحب إليه من أن يرمي في أحد من الفريقين بسهم أخطأ أو أصاب فأمسكوا". فأجابوا رسوله: "دعنا منك أيها الغلام، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء أبداً" (١).
وكان الناس يحددون موقفهم من الصراع بسؤال كبار الصحابة أحياناً، وقد تأتي الفتوى ضد مصلحة المفتي، فقد سأل مماليك بقبيلة ربيعة الزبير عن موقفهم: "مع من تكون العبيد؟ قال: مع مواليهم. قلنا: فإن موالينا مع علي. قال: فكأنما ألقمنا حجراً" (٢).
وقبل نشوب القتال بثلاثة أيام نصبت خيمة بين المعسكرين، التقى فيها علي وطلحة والزبير في محاولة لإيجاد حلَّ سلمي للموقف (٣)، كما أرسل علي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير يسألهما: "هل أحدث ما يوجد السخط على خلافته، كحيفٍ في حكم، أو استئثار بفيء؟ أو في كذا؟ فقال الزبير: ولا في واحدة منها" (٤).
وقد أخفق الطرفان في التوصل إلى حلٍّ خلال الأيام الثلاثة، وعرض رجل على الزبير أن يغتال علياً بعد التظاهر بالالتحاق به، فرفض الزبير ذاكراً حديث: "لا يفتك مؤمن".
وفي اليوم الرابع حدث الالتحام بين الجيشين، وتؤكد رواية صحيحة أن
стр. 424
جيش الزبير وطلحة هو الذي بدأ القتال، وأن علياً أصدر أمره بالقتال بعد صلاة الظهر، واستمر القتال ساعات "فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممن كان يذبُّ عنه" (١). ويتضح الموقف المأساوي أكثر فأكثر، فيشك الزبير وهو القائد الأول بشرعية الموقف ويلاحظ عظم المصاب واختلاف الناس فينصرف عن الميدان دون أن يقاتل (٢)، ولحق به عمير بن جرموز وآخران إلى سفوان فاغتالوه (٣). وهكذا انتهت حياة القائد الأول، وتبعه القائد الثاني طلحة بن عبيد الله فقد رماه مروان بن الحكم بسهم فقتله فدفن على شط الكلأ (٤). وأثخنت الجراح عبد الله بن الزبير فأخذ من وسط القتلى وبه بضع وأربعون طعنة وضربة (٥).
"وقد قتل بشر كثير حول عائشة يومئذ، سبعون كلهم قد جمع القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر" (٦).
стр. 425
قال أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي- شاهد عيان-: "لقد رأيت الجمل يومئذ كأنه قنفذ من النبل، ورجل آخذ بالخطام وهو يقول:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل ... نبغي ابن عفان بأطراف الأسل (١)
وكانت عائشة على جمل أحمر في هودج أحمر (٢)، وقد تكلمت في المربد لاعنةً قتلة عثمان، فلما سمع علي ذلك لعن قتلة عثمان (٣). وكان مؤيدوها "يهتفون بقتلة عثمان" فلما نقل ذلك لعلي قال: "اللهم أحلل بقتلة عثمان خزياً" (٤).
وارتفعت أصوات الدعاء في المعسكرين .. يقول الحارث بن سويد الكوفي- شاهد عيان ثقة ثبت-: "لقد رأيتُنا يوم الجمل، وإن رماحنا ورماحهم لمتشاجرة، ولو شاءت الرجال لمشت عليه، يقولون: الله أكبر، سبحان الله، الله أكبر. وترتفع أصوات تؤكد سلامة موقف المقاتلين دينياً "ليس فيها شك"- أي لا يشكون في شرعية قتالهم للطائفة الأخرى- و "ليتني لم أشهد"- موقف الندم للشعور بأنها فتنة والشك في شرعية القتال- و "ما سرني أني لم أشهد"- مؤكداً على وضوح الرؤية الشرعية في القتال إلى جانب علي-" (٥). ويتساقط القتلى من الجانبين "قتل
стр. 426
يوم الجمل عشرون ألفاً" (١) - والرقم لا يخلو من مبالغة ولكنه يعبر عن عمق الشعور بمرارة الحادثة-، "قتل ألفان وخمسمائة من الأزد، وثمانمائة من بني ضبَّة"- وبنو ضبة من تميم- والراويان من بني تميم أحدهما ثقة والآخر صدوق ناصبي (٢)، لكن رواية الطبري عن أحدهما تذكر "قتل علي يوم الجمل ألفين وخمسمائة، ألف وثلاثمائة وخمسون من الأزد، وثمانمائة من بني ضبَّة وثلاثمائة وخمسون من سائر الناس" (٣).
وهكذا فقد جيش المعارضين قادته .. واشتد القتال حول جمل عائشة ﵂ فأمر عبد الله بن بديل بعقر الجمل لينتهي القتال، ثم نزل مع أخيها محمد بن أبي بكر الصديق فاحتملا الهودج حتى وضعاه بين يدي علي، فأمر به فأدخل في منزل- خباء- عبد الله بن بديل (٤).
"فلم ينشب أهل البصرة أن انهزموا، فصرخ صارخ لعلي: لا يقتل مُدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق باب داره فهو آمن، ومن طرح السلاح آمن" (٥).
أدرك الطرفان خسارتهم، وحلَّت مراجعة النفس محل الغضب، وفتَّت الندم قلوبهم .. وذابت نفوسهم حسرة على ما حدث حيث التقى المسلمان بسيفيهما في فتنة داخلية اتضحت معالمها، ولم يتمكنوا من تجنبها، فمضوا لا يغالبون أقدارهم حتى
стр. 427
انجلت عن صرعى من خيرة المسلمين من الطرفين، دون إنجاز لصالح دنياهم أو دينهم ... بل إن الألم والندم تملكا القادة خلال القتال، قال الحسن بن علي يصور الحالة النفسية لعلي ﵁: "لقد رأيته حين اشتد القتال يلوذُ بي ويقول: ياحسن لودِدتُ أني متُّ قبل هذا بعشرين حجة- أو سنة-" (١)
ولما رأى علي محمد بن طلحة بن عبيد الله قتيلاً قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، أما والله لقد كان شاباً صالحاً" ثم قعد كئيباً حزيناً (٢).
وقد زاره عمران بن طلحة بن عبيد الله بعد سنين فرحب به علي قائلاً: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله (إخواناً على سررٍ متقابلين) " (٣). وأعاد إليه أراضيه قائلاً: "أما إنا لم نقبض أرضكم هذه السنين ونحن نريد أن نأخذها، إنما أخذناها مخافة أن ينتهبها الناس" (٤). وكثيراً ماردَّدَّ هذه الآية وأظهر محبته لطلحة والزبير رغم اختلافهما معه (٥).
وأما الابن الثالث لطلحة فقد بايع علياً بعد الجمل مباشرة ورجع إلى أهله وماله، واطمأن المعارضون فدخلوا إلى علي وبايعوه (٦). وهكذا كان علي باراً بأخيه
стр. 428
الذي خاصمه وقاتله متأولاً.
وأما نظرته للزبير بن العوام فقد عقب على مقتله بقوله: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" (١).
ولم تكن الحسرة على ما حدث تخص بعلي ﵁، فهذه عائشة ﵂ تقول: "وددت أني كنت غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا" (٢). وتقول:"وددت أني كنت قد ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام، وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير" (٣)، وتقول: إنه كان قدراً (٤). وكانت تترحم على قتلى الطرفين إذا ذُكروا، وقد ترحمت على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وزيد بن صوحان، والأخير كان في صفِّ علي، فقال خالد بن الواشمة: يرحمك الله تترحمين عليهم وقد قتل بعضهم بعضا والله لا يجمعهم الله في الجنة أبداً!! قالت: أو لا تدري أن رحمة الله واسعة وهو على كل شيء قدير. فقال خالد: فكانت أفضل مني (٥).
ولا تقدم الفتن حتى غنائم الحرب، قسم علي يوم الجمل في العسكر ما أجلب
стр. 429
عليه المعارضون من سلاح أو كراع (١)، ودفع لكل مقاتل خمسمائة درهم (٢) وليس ثمة شيء آخر .. إذ "أن علياً لم يسبِ يوم الجمل ولم يُخمِّس، قالوا: يا أمير المؤمنين ألا تُخمس أموالهم؟ فقال: هذه عائشة تستأمرونها!! قالوا: ما هو إلا هذا ما هو إلا هذا" (٣).
وتعتضد عدة روايات لبيان رأي علي في حكم الشرع فيما حدث من فتنة وقتال: "سئل علي ﵁ عن أهل الجمل فقال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم وقد فاؤا وقد قبلنا منهم" (٤).
وكانت أحكام البغاة التفصيلية بحاجة إلى تجلية، وقد جلاَّها علي بعقليته الفقهية العميقة، وروحه المتشبعة بفهم مقاصد الإسلام وأهدافه العليا. "قال عمار لعلي يوم الجمل: ما ترى في سبي الذرية؟ فقال: إنما قاتلنا من قاتلنا- أي أنه استجاز القتال دفاعاً عن النفس لأن خصومه شرعوا في قتاله- قال عمار: لو قلت غير هذا لخالفناك" (٥).
ويحكي الحافظ الزهري إجماع الصحابة على حصانة أموال وأعراض الخارجين على الحاكم بتأويل .. "أما بعد، فإن الفتنة الأولى ثارت وأصحاب
стр. 430
رسول الله ﷺ ممن شهد بدراً كثير. فاجتمع رأيهم على أن لا يقيموا على أحدٍ حدَّاً في فرج استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاص في قتل أصابوه على تأويل القرآن، ولا يُرد ما أصابوه على تأويل القرآن، إلا أن يوجد بعينه فيرد على صاحبه" (١)
وتتضافر روايات تؤكد أن النبي ﷺ أخبر علياً بما سيكون بينه وبين عائشة وأوصاه بها خيراً، فكانت أحداث الفتنة من أعلام النبوة التي تحققت في جيل الصحابة رضوان الله عليهم (٢).
стр. 431
الفصل الرابع: معركة صفين
стр. 432
معركة صفين:
لم يمكث علي بعد موقعة الجمل بالبصرة طويلاً، فما إن أعطى أهلها بيعتهم واستقام له الأمر فيها، حتى اتجه بجيشه نحو الكوفة، حيث يلقى تأييداً قوياً من أهلها في مواجهة معاوية بن أبي سفيان بالشام الذي أصرَّ على معاقبة قتلة عثمان قبل إعطاء البيعة لعلي، ويتضح موقفه وهو يحاور القراء من رجاله، مما توضحه الرواية التالية: "جاء أبو مسلم الخولاني وناس معه إلى معاوية فقالوا له: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله إني لأعلم أن علياً أفضل مني، وإنه لأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فأتوه فقولوا له فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلِّمُ له (١)، فأتوا علياً فكلموه بذلك فلم يدفعهم إليه" (٢). وكان معاوية يؤكد على هذا المعنى "ما قاتلت علياً إلا في أمر عثمان" (٣).
وقد رأى معاوية أنه ولي دم عثمان، لأنه صار رأس بني أمية مكانةً، والأحاديث النبوية تدل على أن عثمان يُقتل مظلوماً، بل تذكر أن النبي صلى الله عليه
стр. 433
وسلم أوصاه بأن لا يخلع نفسه من الخلافة، ووصف الثائرين عليه بالمنافقين (١). وشهد الصحابي كعب بن مرة البهزي أمام معسكر معاوية بأن النبي ﷺ قال عن عثمان بن عفان: "لتخرجنّ فتنة من تحت قدمي هذا- أو من بين رجلي هذا-، هذا ومن اتبعه يومئذ على الهدى"، واذا كان المدافعون عن عثمان كانوا على الهدى خلافاً للثائرين عليه الذين سيكونون أصحاب ضلالة، فإن الموقف في نظر معسكر معاوية ينسحب عليهم ليصبحوا أصحاب الهدى ويصبح خصمهم على ضلالة وهكذا استحلوا القتال متأولين، ولم يتبين خطأوهم إلا فيما بعد مقتل عمار بن ياسر في صفين ومقتل المخدَّج في النهروان .. فالذين استندوا إلى نصوص شرعية في تحديد مواقفهم كانوا يواجهون تحديات التفسير والتأويل للنصوص، وكانت أحداث الفتن تؤثر في نضوج الرأي الشرعي وتمنع استنارة البصيرة.
وقد وقف عدد من فقهاء الصحابة خارج الصراع مثل سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري وعند الله بن عمر وآخرين ﵃ جميعاً.
وجهز علي ﵁ جيشاً كبيراً قدرته الروايات مابين خمسين ألفاً ومائة وخمسين ألفاً (٢)، في حين قدرت جيش معاوية بستين ألفاً أو سبعين ألفاً أو مائة وعشرين ألفاً (٣)، واذا كان ديوان الجند في أول خلافة علي يضم مائة ألف مقاتل
стр. 434
من البصريين والكوفيين (١)، فإن جيش علي ينبغي أن يبلغ أكثر من خمسين ألف مقاتل، ولكن الأخباريين يشيرون إلى تخلف أزد البصرة (٢)، كما أن الأشتر ضعف حماسه للقتال، بل ثبط قومه عندما نصحهم بالتبصر في الأمر، قال عمير بن سعيد النخعي الكوفي (ت (١٠٧) هـ): "لما رجع علي من الجمل وتهيأ لصفين، اجتمعت النخع حتى دخلوا على الأشتر فقال: هل في البيت إلا نخعي؟ فقالوا: لا. فقال: إن هذه الأمة عمدت إلى خيرها فقتلته، وسرنا إلى أهل البصرة، قوم لنا عليهم بيعة، فنُصرنا عليهم بنكثهم، وإنكم تسيرون غداً إلى أهل الشام، قوم ليس لكم عليهم بيعة، فلينظر كل امرئ منكم أين يضع سيفه" (٣). وهذه النصيحة المثقلة بالورع تدل على غضب الأشتر لعدم حصوله على ما كان يتوقعه من إمارة البصرة التي تولاها ابن عباس (٤)، ولا تعبر عن تغير دائم في موقفه من مواجهة معاوية والشاميين فقد كان من مثيري الفتنة ضد عثمان. وإنما يطالب معاوية برأسه ورؤوس أمثاله من الذين تمالؤا على قتل عثمان.
وبالمقابل فقد أشرك الأحنف بن قيس التميمي وعشيرته في جيش على، وكان معتزلاً لحرب الجمل بإذن من علي ﵁ (٥).
стр. 435
وقد تجمع جيش علي بالنخيلة غرب الكوفة، وقد ضم عدداً من الصحابة البدريين وأصحاب بيعة الرضوان (١)، ويذكر الأخباري عوانة بن الحكم أن علياً بعث من النخيلة اثني عشر ألف مقاتل باتجاه الموصل، ثم اجتاز إلى المدائن فأرسل منها ثلاثة آلاف مقاتل (٢) ثم مضى علي بجيشه من المدائن إلى محاذاة الموصل (نينوى) (٣) ثم عبر الفرات قرب الرقة حيث نزل على صفين، وكانت مدن الجزيرة مثل الرقة وقرقيسياء وعانات وهيت موالية لمعاوية، ومعظمهم من بني الأرقم وهو حي عظيم من كندة، وقد شهدوا صفين مع معاوية (٤).
وكان الجيش الشامي قد عسكر في صفين واستولى على المياه، ومنع جيش العراق منها، فقام الأشعث بن قيس- بأمر على- بتخليص المياه من أيدي الشاميين (٥) وكان ذلك في بداية شهر ذي الحجة سنة (٣٦) هـ، ثم استمر القتال بشكل كتائب محدودة العدد طيلة الشهر والأسبوع الأول من محرم (٣٧) هـ دون أن يلتحم الجيشان، وكان الأمل في الصلح يحدو الجميع، ويرى الأخباريون أن عدد الوقعات بين
стр. 436
الطرفين تزيد على السبعين (١). ثم في يوم الأربعاء التالي بدأ الالتحام بين الجيشين، وكان قادة جيش علي ﵁ هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، ومحمد بن الحنفية، وهاشم بن عتبة، والمرقال، والأشعث بن قيس. أما قادة جيش معاوية ﵁ فهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وذو الكلاع الحميري، وحبيب بن مسلمة الفهري، والمخارق بن الصباح الكلاعي (٢)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٣).
وقد وصف أبو العالية الرفاعي- شاهد عيان ثقة ت (٩٠) هـ- المعركة بقوله: "لما كان زمن علي ﵇ ومعاوية، وإني لشاب القتال أحب إليَّ من الطعام الطيب، تجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان لا يُرى طرفاهما، إذا كبَّر هؤلاء كبرَّ هؤلاء، وإذا هلَّل هؤلاء هلَّل هؤلاء. قال: فراجعتُ نفسي فقلت: أي الفريقين أنزلُهُ كافراً، وأي الفريقين أنزله مؤمناً؟ فما أمسيتُ حتى رجعت وتركتهم" (٤).
ولم ينفرد أبو العالية الرياحي بالتردد والشك ثم التوقف عن القتال، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يُصرح بحقيقة مشاعره وهو يقف إلى جوار أبيه بيده الراية ويتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين: "مالي ولصفين!! مالي وقتال المسلمين!! لوددتُ أني مِتُّ قبله بعشر سنين أما والله على ذلك ما ضربتُ بسيف
стр. 437
ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم" (١). وعبد الله بن عمرو بن العاص عالم محدِّث، وتعتوره الشكوك- في صحة موقفه من الفتنة دون أن يحسم الأمر مع نفسه أولاً ثم في الميدان فقد أرغمه أبوه على الاشتراك مع الجيش الشامي مذكراً إياه بحديث: "أطع أباك مادام حياً" فاشترط أن يقف معهم ولا يقاتل (٢) فهل نسي أن الطاعة بالمعروف؟ (٣) ... بالله كيف كانت حالة عامة الجند الإسلامي!! قاتل الله الفتن تدع الحليم حيرانا.
لم يكن الطرفان يكفران بعضهما، لكن بعض الجند المتحمس في جيش علي ﵁ كان يلعن ويكفر الشاميين، فلا يلقى من قادته إلا النهر والتوضيح "قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام. فقال علي ﵁: لا تسب أهل الشام جمعاً غفيراً، فإنَّ بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال" (٤).
وقال زياد بن الحارث الصدائي- صحابي شاهد عيان-: "كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمسُّ ركبته. فقال رجل: كفر أهل الشُام. فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحقَّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه" (٥).
ولم تكن بين الجيشين أحقاد، بل كان كل طرف ينافح عما يعتقده حقاً، فلا غرابة إذا قال شاهد عيان هو عبد الرحمن السلمي: "شهدنا صفين مع علي ...
стр. 438
فكنا إذا توادعنا (١) دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء" (٢). ولا غرابة إذا ما صرح عبد الله بن عمرو بن العاص أمام معاوية، ورجلان يختصمان في قتل عمار بن ياسر كل واحد يزعم أنه قتله: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية" ويستغرب معاوية من هذا التصريح فيقول: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: أطع أباك مادام حياً ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل" (٣). وهكذا تتجلى الصراحة في الحق وتتخطى المعوقات من المجاملات والمواربات .. فقد كان الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص من أقوى الحجج على أن الحق مع علي وأن معاوية بغى عليه لكن معاوية تأول الحديث: "لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عله وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو يرجع فزعاً حتى دخل على معاوية. فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قُتل عمار. فقال له معاوية: قُتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه!؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤا به حتى ألقوه تحت رماحنا" (٤)
стр. 439
وقد أنقذ معاوية بتأويله للنص معنويات الجند الشامي، كما أنقذ معنويات قائده عمرو بن العاص الذي تبنى هذا التأويل بعد أن كان قد تملكته الرهبة، بل مضى يتأول حديثاً آخر كان يرويه: "إن قاتله وسالبه في النار. فقيل له: هو ذا أنت تقاتله؟ فقال: إنما قال قاتله وسالبه" (١). أي أن النص مخصص بالقاتل الفعلي وحده وإذا نفع التأويل في إقناع الشاميين، فإن مقتل عمار أذكى حماسة العراقيين فقد بان لهم بمقتله أن علياً محق، وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل النبوة (٢). ويبدو أن النصر لاح لهم بعد قتال شديد دام ثلاثة أيام بلياليها (٣). وقد التزم كلُّ من الطرفين بأحكام قتال البغاة، قال أبو أمامة- وهو صحابي شاهد عيان-: "شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون مولياً ولا يلبسون قتيلاً" (٤).
وقال أبو فاختة (ت (٩٠) هـ) - شاهد عيان ثقة-: "حدثني جار لي قال: أتيت علياً بأسير يوم صفين، فقال لي: أرسله، لا أقتله صبراً، إني أخاف الله رب العالمين، أفيك خير؟ بايع. وقال للذي جاء به: لك سلبه" (٥).
وقدَّر محمد بن سيرين (تابعي كبير ت (١١٠) هـ) عدد القتلى في صفين "بسبعين ألفاً، فما قدروا على عدِّهم إلا بالقصب، وضعوا على كل إنسان قصبة، ثم
стр. 440
عدُّوا القصب" (١).
وكذلك قدرهم شاهد عيان هو عبد الرحمن بن أبزى "افترقوا على سبعين ألف قتيل، خمسة وأربعين ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرين ألفاً من أهل العراق ويقال على ستين ألفاً" (٢).
وسئل علي ﵁ عن قتلى يوم صفين فقال: "قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية" (٣). أي أنه يرى نفسه ومعاوية مسئولين عما حدث وهما يحاسبان على ذلك (٤).
ويصف شاهد عيان هو الصحابي سالم بن عبيد الأشجعي موقف علي ﵁ فيقول: "رأيت علياً بعد صفين، وهو أخذ بيدي، ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنَّا في أصحاب معاوية!؟ فقال علي: إنما الحساب عليَّ وعلى معاوية" (٥).
وقد طحنت المعركة ألوفاً من الجانبين، وكل الباقون من القتال، وهنا
стр. 441
تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة فأرسل معاوية رجلاً تحمل المصحف إلى علي ويقول له: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: إنا أولى بذلك بيننا كتاب الله. ويبدو أن معظم الجند العراقي جنحوا إلى التحكيم، لكن كثيراً من القراء أنكروا عليه قبوله بالتحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل (١).
وقد انشق المحتجون من القراء واعتزلوا جيش علي محتجين بأنه محا اسمه من إمرة المؤمنين (٢). وقد مثل أبو موسى الأشعري علياً، ومثل عمرو بن العاص معاوية في اجتماع الحكمين بدومة الجندل، وحضر الاجتماع جمع من الصحابة فيهم عبد الله بن عمر، وحاول عمرو بن العاص استمالته إلى صف معاوية قائلا: "إنَّا قد رأينا أن نبايعك فهل لك أن نعطيك مالاً وتدعها لمن هو أحرص عليها منك؟ فوثب ابن عمر مغضباً، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: ويحك يا عمرو!! بعت آخرتك بدنياك، إني والله لا أعطي عليها مالاً، ولا أقبل عليها مالاً، ولا أقبلها إلا عن رضى جميع الناس (٣). فقال عمرو: إنما قلت أجربك" (٤). وكان ابن عمر قد صرَّح مراراً بأنه لا يقبل الخلافة إلا عن إجماع المسلمين (٥)، ومعنى ذلك عملياً أنه لا يريد أن يتولاها.
وقد اختبره عمرو بن العاص مرةً فقال له: "يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك أن
стр. 442
تخرج فنبايعك وأنت صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين وأنت أحق الناس بهذا الأمر؟ فأجابه ابن عمر: لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج بهجر لم يكن لي فيها حاجة". وهنا يعرض عليه عمرو بن العاص البيعة لمعاوية: "هل لك أن تبايع لمن قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه، ويكتب لك من الأرضين والأموال ما لا تحتاج أنت ولا ولدك إلى ما بعده؟ فقال ابن عمر: ويحك إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم، وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقيه" (١).
ورغم اعتزال ابن عمر الفتنة، إلا أنه كان يصرح بأن الحق مع علي فيقول: "ما أسى على شيء، كما أسى أني لم أقاتل مع علي ﵁" (٢).
أما الشخصية الأخرى التي عُجم عودها في أحداث التحكيم فهو الصحابي أبو موسى الأشعري، يقول شاهد عيان هو مسروق بن الأجدع (ت (٦٢) هـ): "كنتُ مع أبي موسى أيام الحكمين، وفسطاطي إلى جانب فسطاطه، فأصبح الناس ذات يوم قد لحقوا بمعاوية من الليل، فلما أصبح أبو موسى رفع رفرف فسطاطه فقال: يا مسروق بن الأجدع. قلت: لبيك أبا موسى. قال: إن الإمرة ما اؤتمر فيها، وإن الملك ما غُلب عليه بالسيف" (٣).
وقد حاول معاوية استمالة أبي موسى- في ظروف التحكيم أو عقبها- إلى جانبه دون جدوى، قال أبو موسى الأشعري: "كتب إليَّ معاوية: سلام عليك، أما
стр. 443
بعد، فإن عمرو بن العاص قد بايعني على الذي قد بايعني عليه، وأقسم بالله لئن بايعتني على ما بايعني عليه لأبعثنَّ ابنيك أحدهما على البصرة والآخر على الكوفة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، وإني كتبت إليك بخط يدي فاكتب إلىَّ بخط يدك. فقال أبو موسى لابنه أبي بردة: يا بني إنما تعلمتُ المعجم (الخط) بعد وفاة رسول الله ﷺ . قال: وكتبت إليك مثل العقارب. أما بعد فإنك كتبت إلي في جسيم أمر أمة محمد ﷺ ، لا حاجة لي فيما عرضت عليَّ" (١).
وقد حاولت الروايات الإخبارية الضعيفة أن تعطى صورة محرفة عن أبي موسى الأشعري وأنه اختير للتحكيم من قبل الجند العراقي وفرض على الخليفة علي ﵁، وأنه أظهر وهناً وغفلةً خلال التحكيم، وأن عمرو بن العاص استغل بمكره الموقف، ولكن الصحيح أن عليًا كان راضياً عن اختيار أبي موسى الأشعري "قال الأحنف بن قيس لعلى حين أراد أن يحكم أبا موسى: إنك تبعث رجلاً من أهل القرى رقيق ... فابعثني مكانه آخذ لك بالوثيقة، وأضعك من الأمر بحيث أنت. فقال له ابن عباس: دعنا يا أحنف منك فإنا أعلم بأمرنا منك" (٢).
ولا يخفى أن أبا موسى الأشعري أرسخ في الإسلام وأسبق، وأفقه وأورع حتى لو سلمنا بأن الأحنف أكثر دهاء وأوسع حيلة. كما أن اعتزال أبي موسى لأحداث الفتنة أقدر على ضبط النفس والتحكم في الأقوال والأفعال من الأحنف الذي
стр. 444
يمثل خصماً لدوداً للشاميين. ولعل من عوامل اختيار أبي موسى للتحكيم مهارته في القضاء وممارسته الطويلة في هذا الميدان في عهد النبوة وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان (١).
ولا يرجع فشل التحكيم إلى شخصية أبي موسى بل إلى صعوبة حل الخلاف وإصرار الطرفين على مواقفهما السابقة، وعدم حيازة المحكمين على قوة محايدة تنفذ القرار. ومما يوضح سلامة التحكيم وحياده نص الوثيقة التي أقرها، بما في ذلك التسامح في رفض عمرو بن العاص صيغة أول وثيقة التحكيم التي تشير إلى إمرة علي للمؤمنين، لأن الشاميين لم يبايعوه على ذلك (٢). ولا يبت نص وثيقة التحكيم في القضية بل يوضح الإطار العام الذي يحكم المباحثات ويوضح الهدف منها وهو الإصلاح بين الأمة وعدم ردها إلى الفرقة والحرب، ويحدد زمناً لانتهائها، كما يحدد مكان التحكيم وأنه متوسط بين الكوفة والشام والحجاز، واشترطا رضا الطرفين عمن يحضر المباحثات، أما الشهود فيختار كل طرفٍ شهوده، وتلتزم الأمة بنصره قرارات التحكيم، كما يلتزم بذلك الشهود (٣).
وقد بقيت هذه الوثيقة محفوظة حيث اطلع عليها أبو اسحق الشيباني (محدث ثقة ت (١٤١) هـ) ووصفها بقوله: "صحيفة صفراء عليها خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها، وهما ختما علي ومعاوية ونقشهما- محمد رسول الله-" (٤).
стр. 445
وقد اجتمع الحكمان في دومة الجندل ولم يتوصلا إلى اتفاق، وكان معاوية حاضراً اجتماع الدومة، ولم يحضر علي، ولعل لتحركات الخوارج أثراً في ذلك، فخطب معاوية في الناس قائلاً: "من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال ابن عمر: فحللتُ حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيتُ أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدماء، ويُحمل عني غير ذلك، فذكرتُ ما أعد الله في الجنان" (١). فبقيت الأوضاع على حالها، علي خليفة المسلمين، ومعاوية أمير الشام ولم يبايع معاوية بالخلافة إلا بعد استشهاد علي على يد الخوارج وكانت بيعته في بيت المقدس في شهر رمضان سنة (٤٠) هـ، بعد وصول خبر استشهاد علي ﵁ (٢).
стр. 446
الفصل الخامس: موقعة النهروان
стр. 447
موقعة النهروان:
كان عدد القراء الذين اعترضوا على التحكيم في صفين أربعة آلاف، فهم أقلية في جيش علي الذي كان يزيد على خمسين ألف مقاتل قبل اشتباك الجيشين. وقد ضرب عروة بن حدير التميمي (وهو عروة بن أدية) عجز دابة الأشعث بن قيس بالسيف عندما كان الأشعث يقرأ وثيقة الهدنة التي تم وقف القتال بموجبها، وقد اعتذر بنو تميم للأشعث وقومه اليمانية عن فعل عروة، وكان عروة يقول: "أتحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله" (١). وهذه المقولة صارت شعار الحركة الخارجية ولذلك سموا بالمحكمة كما سموا بالخوارج لخروجهم على الخليفة الشرعي علي ﵁، كما سموا بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء قرب الكوفة حيث انشقوا عن جيش علي العائد إلى الكوفة.
ويبدو أنهم واصلوا نشاطهم الدعوي في جيش علي بعد حادثة التحكيم حيث بلغ عددهم حين إعلان الانشقاق ثمانية آلاف (٢) ثم بضعة عشر ألفاً (٣). بل أوصلتهم بعض الروايات إلى أربعة وعشرين ألفاً (٤). ويبدو أن الرقم الأخير متأخر عن مرحلة
стр. 448
الانشقاق، ويدل على سريان الدعوة الخارجية وحيازتها لأعداد جديدة ... كما نظموا أنفسهم بزعامة عبد الله بن الكراء وشبث بن ربعي (١)، وعينوا أميراً للصلاة وآخر للقتال. وهذا التطور الأخير جعل ابن عباس يستأذن علياً في محاورتهم في إحدى اجتماعاتهم الضخمة في حروراء، وقد وصلهم في نصف النهار ووصفهم بقوله: "دخلت على قوم لم أر قوماً قط أشد اجتهاداً منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوههم معلمة من آثار السجود"، وكان رجلاً جميلاً جهيراً، فرحبوا به، ثم حاججهم في الشبهات التي علقت بأذهانهم نتيجة تفسيرهم للقرآن دون بصيرة موضحاً لهم أن التحكيم نص عليه القرآن (٢) وأن محو لقب أمير المؤمنين من نص وثيقة الهدنة له سابقة من السنة في حادثة الحديبية، وأن قتال علي لمخالفيه دون أن يستحل أموالهم وأعراضهم هو الحكم الشرعي الصحيح، فرجع منهم ألفان بعد أن تبين لهم الحق (٣). وأبرز من رجع زعيمان منهم هما عبد الله بن الكراء وشبث بن ربعي (٤). ولم يكن فيهم أحد من الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 449
وأعقب هذا الحوار خروج علي بنفسه إلى حروراء، ومحاورته الخوارج، حيث فهموا خطأ أنه يعلن توبته ويعود عن التحكيم، وهكذا وقعوا مرة أخرى في سوء الفهم فرجعوا إلى الكوفة على ظنهم الخاطئ فأقاموا يومين، فلما اتضح لهم في خطبة علي يوم الجمعة أنه لم يرجع على التحكيم والكفر!! خرجوا من المسجد وعلي يعلن آسفاً موقفه منهم: "لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا" (١). لكنهم لم يقبلوا منه، وأخذوا يصيحون في أنحاء المسجد "لا حكم إلا لله" (٢). وحاول زعماءهم أن يثنوا علياً عن إرسال أبي موسى الأشعري إلى التحكيم، وأن يقودهم لقتال أهل الشام، فأبى عليهم نقض العهد مع الشاميين: "فارقنا القوم فلا يجوز نقضه" (٣).
وقد جرت محاورات أخرى من قبل الصحابة والتابعين مع الخوارج مما أدى إلى تقليص أعدادهم إلى أربعة ألاف فقط (٤). إلا أنهم اجتمعوا في دار عبد الله
стр. 450
بن وهب الراسبي، وأرادوا مبايعة أحد زعمائهم أميراً، فلم يقبلها أحد منهم، ثم قبلها عبد الله بن وهب الراسبي قائلاً: "والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أتركها جزعا من الموت". وبذلك نكثوا بيعتهم لعلي، وذلك في العاشر من شوال (١) سنة (٣٧) هـ، ونقضوا مبدأ "الخلافة في قريش" فصار من مقولاتهم جواز خلافة غير القرشي.
وقد خرج عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي بأتباعه إلى النهروان خفية، لئلا يصدهم أحد واجتمعوا هناك، ورغم هذا التحدي فلم يقرر علي ﵁ مناجزتهم وإعادتهم إلى الطاعة بالقوة، بل اكتفى بتوضيح خطئهم وتفنيد أرائهم.
ولما فشل الحكمان وافترقا دون اتفاق لم يرجع الخوارج إلى صف علي، رغم أنه أعدَّ جيشه لمواجهة أهل الشام وعسكر بالنخيلة قرب الكوفة، وقدرت روايات ضعيفة عدد هذا الجيش بثمانية وستين ألفاً ومائتي رجل (٢٠٠, (٦٨) رجل) وفي هذه الفترة قتل الخوارج عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه أم ولده (٢)، كما قتلوا آخرين (٣)، فقد صاروا يكفرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله (٤). فسار إليهم علي ﵁ بجيشه في محرم عام (٣٨) هـ، وعسكر على الضفة الغربية لنهر النهروان، والخوارج شرقيه (٥)، وقد التحق بهم خوارج البصرة وهم ثلاثمائة أو
стр. 451
خمسمائة رجل عليهم مسعر بن فدكي التميمي (١).
ونظراً لأن مناطق نشاط الخوارج التي تعرضت لضياع الأمن وقطع الطرق ضمن مسؤولية علي ﵁، فقد طلب من الخوارج تسليم القتلة لإقامة الحد عليهم، فأجابوه: كلنا قتلناه (٢). وبذلك استحل علي قتالهم، وبيَّن لجنده أجر مقاتلهم، معتمداً على حديث: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". ثم قال علي معقباً: "لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل"، ثم ذكر لهم العلامات التي تنطبق على الخوارج مثل وجود المخدَّج فيهم "له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله" (٣).
وقد أرسل علي اليهم الرسل يدعونهم، فقتلوا رسوله، وعبروا إليه النهر (٤)، فأمر بقتالهم. يقول شاهد عيان ثقة هو زيد بن وهب الجهني: "لما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من
стр. 452
جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء" (١). واشتبك الجيشان في معركة خاطفة وغير متكافئة، انتهت بالإجهاز على الخوارج رغم ما أبدوه من جلد وشجاعة .. فقد أفناهم جيش علي الكبير دون أن يصيبوا منه إلا بضعة عشر رجلاً (٢). ولم يعش من جيش الخوارج إلا الجرحى ومن فرَّ وهم عدد يسير (٣).
واهتم علي بالتفتيش عن المخدج ذي الثدية حتى وقف عليه (٤)، فكان شاهدا على صحة موقف علي، وآية على ضلال الخوارج.
وقد عامل علي ﵁ الخوارج معاملة البغاة، فلم يكفرهم، ومنع جنده من تعقيب فاريهم، والإجهاز على جريحهم، ولم يسبهم (٥) ولم يغنم أموالهم (٦) ويمثل عنهم أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فمن هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم. وفي رواية:
стр. 453
قوم بغوا علينا فنصرنا عليهم. وفي رواية: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا (١). وهكذا صرَّح بأنهم مؤمنون ليسوا كفاراً ولا منافقين (٢). ونصح الأمة في التعامل معهم بقوله: "إن خالفوا إماماً عادلاً فقاتلوهم، وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالاً" (٣).
ومما يلقي الضوء على صفات الخوارج ومستوى جدلهم وحفظهم للقرآن وقدرتهم على استحضار الشواهد منه أنه لما رجع ابن عباس إلى البصرة بعد فشل التحكيم جادله خوارج البصرة- وهم العباد أصحاب البرانس والسواري- بشدة واتهموه بالكفر "كفرت وأشركت ونددت"، فقال لهم: "انظروا أخصمكم وأجدلكم وأعلمكم بحجتكم فليتكلم"، فاختاروا عباد التغلبي، "فقام فقال: قال الله كذا وقال الله كذا، كأنما ينزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة" وتتضح قدرة الرجل على استحضار الأدلة المفرقة في القرآن وكأنها في موضع واحد شهادة ابن عباس له: "إني أراك قارئا للقرآن عالماً بما قد فصَّلت ووصلت". ثم واجه ابن عباس الخوارج بأخطائهم: "هل علمتم أن أهل الشام سألوا القضية- أي وقف القتال برفع المصاحف والدعوة إلى التحكيم- فكرهناها وأبيناها، فلما أصابتكم الجروح وعضُّكم الأمل ومُنعتم ماء الفرات أنشأتم تطلبونها!؟ ولقد أخبرني معاوية أنه أتى بفرس .. ليهرب عليه، ثم أتاه منكم آتٍ فقال: إني تركتُ أهل العراق يموجون مثل الناس ليلة النفر بمكة" وهكذا أشار إلى أن اختلافهم وشقاقهم أضعف
стр. 454
موقف علي، وكان سبباً في قبول التحكيم. وقد فنَّد ابن عباس مقولاتهم (١).
ولا شك أن وقعة النهروان تركت جراحاً أليمة في الكوفة العلوية الاتجاه والبصرة العثمانية معاً، حيث ينتمي معظم الخوارج إلى قبائل المدينتين، وقد نعى البعض على علي ﵁ دماء أهل النهر، ووقعت بينهم وبين علي معارك صغيرة (٢).
وتعدى الوهن أقارب الخوارج إلى جملة الجيش الذي تحمل ذكريات صفين الأليمة وقد تجددت الذكريات في حرب الخوارج بالنهروان .. فلم يجد علي فيهم النشاط لقتال معاوية. بينما أفاد معاوية من هذه الظروف التي أحاطت بخصمه، فمد نفوذه إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص وبالتعاون مع العثمانية فيها مما أضاف إليه قوة بشرية واقتصادية، كما راسل وجوه القادة في العراق محاولاً استمالتهم.
وأمام الوهن والشقاق وضعف الطاعة في جيش علي لم يتمكن من القيام بأية حملة ضد القوات الشامية، وتبين خطبه الأخيرة مدى ما عاناه من الملل والألم إذ كان يقول: "اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملُوني فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم ووضع يده على لحيته" (٣). فكانت هذه الإشارة بأن ثمة من يسعى لقتله، أول إعلان عما بلغه من محاولة عبد الرحمن بن ملجم المرادي قتله (٤)، وكان قد حذَّر من التآمر لقتله "جاء رجل من مراد إلى علي-
стр. 455
وهو يصلي في المسجد- فقال: احترس فإن ناساً من مراد يريدون قتلك" (١).
ولما طعنه ابن ملجم في صلاة الفجر صبيحة إحدى وعشرين من رمضان (٢)، لم يمت حتى أوصى بقاتله خيراً: "إنه أسير فأحسنوا نُزُله وأكرموا مثواه، فإن بقيتُ قتلتُ أو عفوتُ، وإن متُ فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (٣).
وبعد اغتيال الخوارج له، تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية، لينهي مرحلة الصراع وعودة الأمة إلى الجماعة بعد أن مرت بتجارب جديدة قاسية تركت آثاراً عميقة في المخيلة الجماعة لأجيالها المتلاحقة حتى الوقت الحاضر.
стр. 456
المصادر والمراجع
стр. 457
المصادر
* القرآن الكريم.
* ابن الأثير: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت ٦٠٦ هـ).
- النهاية في غريب الحديث، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، نشر دار الفكر، بيروت.
* ابن الأثير: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (ت ٦٣٠ هـ).
- الكامل في التأريخ، دار صادر، بيروت- ١٤٠٢ هـ (١٩٨٢ م).
- أسد الغابة في معرفة الصحابة، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
* أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ).
- المسند، ط. بيروت (بالأوفسيت) عن الطبعة الميمنية، مصر- ١٣١٣ هـ.
وكذلك ط. أحمد محمد شاكر في القسم الذي حققه.
- والمسند، وبهامشه كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ط. المكتب الإسلامي
- فضائل الصحابة، تحقيق وصي الله بن محمد عباس، ط ١، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى_١٤٠٣ هـ. وطبعة بدار العلم للطباعة والنشر، المملكة العربية السعودية.
- الزهد، دار الريان للتراث، ط ١، القاهرة- ١٤٠٨ هـ.
- العلل ومعرفة الرجال، تحقيق طلعت قوج ييكيت، وإسماعيل جراح أوغلي، أنقرة- ١٩٦٣ م.
- مسائل الإمام أحمد، برواية اسحق بن إبراهيم بن هانئ.
стр. 458
* الأزدي: محمد بن عبد الله البصري (ق ٢).
- فتوح الشام، بعناية عبد المنعم عامر، مؤسسة سجل العرب، القاهرة- ١٩٧٠ م.
* الأزرقي: أبو الوليد محمد بن عبد الله.
- تاريخ مكة، تحقيق رشدي الصالح ملمس، ط ٣، ط. دار الأندلس، بيروت- ١٣٨٩ هـ.
* اسحق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).
- المسند، ط ١، تحقيق عبد الغفور البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة- ١٤١٠ هـ
* ابن اسحق: محمد (ت ١٥١ هـ).
- السير والمغازي، تحقيق سهيل زكار، نشر دار الفكر- ١٣٩٨ هـ (١٩٧٨ م)
- السيرة، تحقيق محمد حميد الله، نشر معهد الدراسات والأبحاث للتعريب- ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦ م).
* ابن أعثم الكوفي: أبو محمد أحمد بن أعثم الأزدي (ت ٣١٤ هـ).
- الفتوح، نشر دار الفكر العلمية، بيروت- ١٤٠٦ هـ.
* ابن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر الأعرابي (ت ٣٤٠ هـ).
- المعجم (مخطوط)، وقد حقق أحمد ميرين قطعة منه نال بها درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
* البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ).
- الصحيح الجامع المسند من أقوال وأفعال الرسول ﷺ ، حاشية السندي، ط. دار إحياء الكتب العربية، مصر.
- والصحيح (نسخة فتح الباري)، نشر المكتبة السلفية بالقاهرة. وأحياناً ط.
محمد علي صبيح، مصر (بدون تأريخ).
стр. 459
- التأريخ الكبير، تحقيق المعلمي اليماني، نشر حيدر آباد الدكن، الهند.
وأحياناً ط. دار الكتب العلمية، بيروت.
- التأريخ الصغير، تحقيق محمد إبراهيم زايد، ط. دار المعرفة، بيروت ١٤٠٦ هـ
- الأدب المفرد، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت وط ٣، ط. دار البشائر الإسلامية- ١٤٠٩ هـ.
- خلق أفعال العباد، تحقيق عبد الرحمن عميرة، ط ٢، نشر دار عكاظ، جدة.
* ابن بدران: عبد القادر (ت ١٣٤٦ هـ).
- تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر، نشر دار المسيرة، بيروت- ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
* البزار: أحمد بن عمرو (ت ٢٩٢ هـ).
- المسند، وهو البحر الزخار، تحقيق محفوظ الرحمن الأعظمي، ط ١، مؤسسة علوم القرآن، ١٤٠٩ هـ (١٩٨٩ م).
* بقي بن مخلد:
- عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث، تحقيق أكرم العمري، بيروت- ١٤٠٥هـ.
* البكري (ت ٤٨٧ هـ)
- معجم ما استعجم، تحقيق مصطفى السقا، نشر عالم الكتب بيروت (بدون تأريخ).
* البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر (ت ٢٧٩ هـ).
- أنساب الأشراف، القسم الثاني، جزء ١ و ٢ تحقيق محمد باقر المحمودي، بيروت- ١٩٧٤ م و ١٩٧٧م.
والقسم الرابع، ج ١، تحقيق إحسان عباس، بيروت- ١٩٧٩ م.
стр. 460
والقسم الرابع، ج ٢، تحقيق م. شلوسنغار، القدس- ١٩٣٨ م.
والقسم الخامس، تحقيق س. غويتاين، القدس- ١٩٣٦ م.
والجزء الأول، ط ١، مطبعة دار المعارف، مصر- ١٩٥٩ م.
وقسم الشيخين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وولدهما، تحقيق إحسان صدقي العمد، مؤسسة الشراع الغربي، الكويت- ١٩٨٩ م.
- فتوح البلدان، ط. القاهرة- ١٩٣٢ م. وأحيانا نثر مكتبة النهضة العربية بدون تأريخ وأحيانا ط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان- ١٤٠٣ هـ.
* البوصيري: الحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر الكناني (ت ٨٤٠ هـ).
- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، مخطوطة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
* البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت ٤٥٨ هـ).
- السنن الكبرى، ١٠ مجلدات، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند- ١٣٤٤ هـ.
- والسنن الكبرى، وبديله الجوهر النقي، دار المعرفة، بيروت.
- دلائل النبوة ومعرفة أحواله صاحب الشريعة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت. ودار الريان للتراث، ط ١، القاهرة- ١٤٠٨ هـ.
* الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة (ت ٢٧٩ هـ).
- السنن، تحقيق أحمد شاكر وآخرين، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر- ١٣٩٨ هـ. وأحياناً نسخة تحفة الأحوذي للمباركفوري، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ط ٢، المكتبة السلفية، المدينة المنورة- ١٣٦٨ هـ (١٩٦٣ م).
- السنن (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي)، نشر المكتبة السلفية، ط ٢، المدينة المنورة- ١٣٦٨ هـ (١٩٦٣ م).
- الجامع الصحيح، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض، القاهرة- ١٩٦٢ م (١٣٨١ هـ) وط ٣، دار الفكر- ١٣٩٨ هـ.