← История

История · id 11439

عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين

أكرم العمري

Полный текст (494 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أثاروه من القضايا الدينية قضية تدوين المصحف واعتماد النسخة المدونة وإحراق ما سواها من النسخ، ولا يرد ذلك على لسان المعارضة، ولكن توحي به الرواية التالية: قال سويد بن غفلة- مخضرم من كبار التابعين (ت (٨٠) هـ) وعمره (١٣٠) سنة-: والله لا أحدثكم إلا شيئاً سمعته من علي بن أبي طالب، سمعته يقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملأ منا جميعاً، فقال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً؟ قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت. قال- يعني علي ﵁: فقيل: أي الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت. فقال: ليكتب أحدهما، ويملي الآخر. ففعلا، وجمع الناس على مصحف قال علي: والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل (١). وقد عهد عثمان اعتماد النسخة الموحدة من المصحف إلى أربعة من الصحابة هم: زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن

стр. 387

الحارث بن هشام، وقال لهم: "اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". ففعلوا، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق (١). واذا تأملنا في النص فإنه يدل على وجود معارضة لاعتماد نسخة واحدة من المصحف، وإحراق ما سواها، منعاً لاختلاف القراءات والزيادة والنقص في كتاب الله تعالى. ويبدو أن المعارضة أثارت هذه القضية وأن عليا ﵁ دافع عن موقف عثمان ﵁ مبيناً أنه فعله عن إجماع من الصحابة، وليس لدى المعارضة علماء كبار يدركون مغزى هذا العمل العظيم، بل ربما أدرك بعضهم فائدة ذلك، ولكن الغضب والحقد أعمى بصيرته، فاستغل القضية ضد الخليفة، وليس العامة بقادرين على تمييز الأمور وتمحيص الدعاية، بل هم يتبعون كل ناعق، وكلام علي ﵁ يدل على أن المعارضة غلت في دعايتها، وقلبت الحق باطلاً، والمعروف منكراً. ويُستشف من الرواية أنه كان يتكلم في ظروف الفتنة قبل توليه الخلافة. ويحتمل أنه تكلم بذلك بعد وقوع الفتنة ومقتل الخليفة وتوليه الأمر وأراد أنه لو ولي قبل إنفاذ الجمع لجمعه. ومن المسائل التي أثيرت ضد عثمان ﵁ بعد مقتله وتبناها الخوارج عدم شهوده بدراً وعدم ثباته يوم أحد وعدم اشتراكه في بيعة الرضوان، فقد سأل أحد الخوارج- قيل أنه العلاء بن عرار- عبد الله بن عمر ﵄ في المسجد الحرام بمكة عن مواقف عثمان هذه، فبَّين له ابن عمر ذلك معللاً بأن

стр. 388

عدم شهود عثمان بدراً كان بأمر النبي ﷺ لمرض زوجته رقية، وأنه وعده: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه" (١) وأما فراره مع الفارين يوم أحد فقد عفا الله عنهم جميعاً (٢) , وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلأن النبي ﷺ أرسله من الحديبية إلي مكة رسولاً، ووقعت البيعة بسبب حجز قريش له, وضرب النبي ﷺ بيده وقال: "هذه لعثمان" (٣) وبذلك قطع ابن عمر على الخارجي سبيل التلبيس على الناس بأمور لا يعلمون حقيقتها. ومن المحتمل أن المعارضة استغلت هذه القضايا في دعايتها ضد الخليفة وأنها استمرت تثيرها بعد مقتله ولكن ليس ثمة ما يقطع بذلك. ومن القضايا التي أثيرت ضد الخليفة أنه أتمَّ الصلاة بمني أواخر خلافته خلافاً لسنة النبي ﷺ وعمل أبي بكر وعمر (٤) وكان عثمان يتأول ذلك ويري أن له حكم المقيم كذلك كانت عائشة ﵂ تتم الصلاة بمني (٥) بل إن عبد الله بن مسعود فعل ذلك وهو لا يراه صحيحاً - فقهياً - لأنه لم يشأ أن يخالف فعل عثمان - وهو الخليفة الشرعي (٦) وكان ابن عمر إذا صلي مع الإمام صلي أربعاً وإذا صلاها وحده صلي ركعتين (٧).

стр. 389

وقد أثار وفد مصر عندما استقبلهم عثمان بالمدينة حمايته الحمى، فوضَّح لهم أن عمر حماه قبله لإبل الصدقة، وأنه زاد فيه لما زادت إبل الصدقة (١). وورد في كلام لعائشة ﵂ مع الثائرين ما يحدد أهم الانتقادات التي وجهوها إلى سياسة عثمان ﵁، قالت: "اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له، إنكم عتبتم على عثمان في ثلاث خلال، في إمارة الفتى، وموضع الغمامة- تريد الحمى- وضربه بالسوط والعصا. حتى إذا مصتموه- تريد غسلتموه - موص الثوب بالصابون عددتم عليه الفقر الثلاث، حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وان كان عثمان لأحصنهم فرجاً وأوصلهم للرحم" (٢). وقد أوضح محمد بن سيرين (٣٣ - (١١٠) هـ) أن عثمان بعث إلى المعارضين علي بن أبي طالب ورجلاً معه فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يُقلب، والمحروم يُعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة. كتبوا ذلك في كتاب، وأن يرد ابن عامر على البصرة، وأبو موسي الأشعري على

стр. 390

الكوفة (١). وهذه الروايات تكشف عن شعارات المعارضة المعلنة، وترجع الدراسات الحديثة الفتنة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية فيشيرون إلى تدفق الأموال في المجتمع الاسلامي نتيجة الفتوح، وظهور بوادر الترف في المجتمع، وحدوث تفاوت كبير في مستوى المعيشة نتيجة التباين في توزيع الثروة، وإلى توقف الفتوح في النصف الثاني من خلافة عثمان ﵁ مما جعل الناس في الأمصار يحسون بالفراغ وينغمسون في الفتن والشغب على الحكام. وأما كتب الأخبار والتأريخ فتعطي ابن سبأ دوراً كبيراً في الأحداث، وخلاصة الصورة التي يقدمها سيف بن عمر وآخرون نقلت عنهم كتب التأريخ وخاصة تأريخ الطبري، أن ابن سبأ يهودي من صنعاء أسلم في خلافة عثمان، وقام ببثِّ الدعاية ضده في الحجاز والعراق والشام ومصر وأن الولاة كانوا إذا أحسوا به طردوه إلى بلد آخر ... وأنه أثار أبا ذر ضد معاوية زاعماً أن معاوية يقول إن المال مال الله، وأقنعه أنه يريد بذلك احتجاز المال ومنعه عن الرعية، لذلك طلب أبو ذر من معاوية أن يقول إن المال مال المسلمين، فوافقه معاوية ترضية له، ولكن أبا ذر استمر يعلن آراءه في سياسة المال والإنفاق، وأن فضول أموال الأغنياء يجب أن تُرد على الفقراء وإلا فإنها كنز حرام، فشكاه معاوية إلى عثمان فطلبه عثمان. وتذكر الروايات التأريخية أن ابن سبأ أثار تذمر عمار بن ياسر في مصر ضد عثمان، وأنه كان ذا عقلية ذكية فاستطاع أن ينظم دعاية واسعة ضد الخليفة عثمان وعمال الأمصار،

стр. 391

فتبادل أشياعه الرسائل التي يوضحون فيها تذمرهم وشكاواهم من عمال عثمان، وقد كانت هذه الرسائل تقرأ في الأمصار المختلفة، فتثير الفتن، وينشأ عند العامة تصور للسوء والفوضى والظلم الذي انحدرت إليه الدولة!! وأن ابن سبأ كان وراء الوفود المصرية والعراقية التي قدمت المدينة وحاصرت دار عثمان وقتلته. ويرى البعض أن ما أورده الطبري عن أثر ابن سبأ في الفتنة لا يصمد للنقد التأريخي، لتفرد سيف بن عمر بمعظم الأخبار، وهو متروك عند المحدثين. ولكن ينبغي الانتباه إلى أن سيف بن عمر عمدة في التأريخ وإن كان متروكاً إذا روى أحاديث نبوية، وأن رواياته ينبغي أن تحظى بالنقد التأريخي مثل بقية الأخباريين، ويمكن أن نقبل فكرة وقوع المبالغة في أثر ابن سبأ في أحداث الفتنة مما يجعلنا نتلمس عواملها في الأوضاع العامة مع ملاحظة التطور الذي أصاب المجتمع الاسلامي نتيجة الانسياح في الهلال الخصيب. خبر الراكب الذي تعرض للوفد المصري: كان الوفد المصري قد ناقش عثمان ﵁ في الأمور التي أخذوها عليه، ثم "أخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم إلا يشقُّوا عصاً ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين. فبينا هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم. قالوا: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر: أن يُصلِّبهم، أو يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً فقالوا: ألم تر إلى عدوِّ الله، كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحلَّ دمه فقم معنا إليه. قال: والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟

стр. 392

قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً. فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة. فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا. فقال: إنهما اثنتان، أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمليتُ ولا علمتُ. وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق وحصروه في القصر" (١) كان عثمان ﵁ يترقب وقوع الفتنة، حيث أخبره النبي ﷺ بفتنة تقع له وأنه يستشهد فيها (٢)، وكان يخرج على المعارضين يحاججهم بالقرآن والسنة ويذكرهم بمواقفه في خدمة الاسلام والمسلمين: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما" (٣).

стр. 393

"لما حصر عثمان أشرف عليه فوق داره ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله ﷺ : اثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم. قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسرون، فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم. ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن، فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. وأشياء عدَّدها (١). فانتشد له رجال (٢) وكان يخص بمناشدته الصحابة (٣)، ويلاحظ أن مخاطبته للثائرين كانت تُحدث أثراً مؤقتاً حتى انتشر النهيُ عنه بينهم مرةً "وجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين" (٤). "وقام الأشتر فقال: لعله لقد مكر به وبكم. قال- يعني أبا أسيد وهو شاهد عيان-: فوطئه الناس حتى لقد لقي كذا وكذا- يعنى من الأذى والشدة-. قال: فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم، ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه" (٥).

стр. 394

وفي إحدى خطبه وهو يشير إلى صحبته ومكانته اعترضه أعين ابن امرأة الفرزدق بقوله: "يا نعثل إنك قد بدَّلت". وقال عثمان بعد أن عُرِّف به: "بل أنت أيها العبد" و "وثب الناس على أعين" و "جعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله الدار" (١). وكان حريصاً على إقامة المسلمين صلاتهم بالمسجد النبوي، مع أنه حُرِم من الخروج للصلاة فيه، قال له عبيد الله بن عدي بن الخيار: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرَّج؟ فقال عثمان: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (٢). ثبت أن عثمان اتخذ موقفاً واضحاً وحاسماً يتمثل في عدم المقاومة، وأنه ألزم به الصحابة، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة- شاهد عيان ولد سنة (٦) هـ-: كنت مع عثمان في الدار فقال: "أعزِمُ على كل من رأى أنَّ عليه سمعاً وطاعةً إلا كفَّ يده وسلاحه" (٣)، وقد خرج من الدار على أثر أمر عثمان لهم بوضع أسلحتهم ولزوم دورهم كل من الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وأصر على البقاء في الدار عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم (٤). وكان عثمان ﵁ قد أمر عبد الله بن

стр. 395

الزبير على الدار، وأمر بطاعته، فلما طلب منه ابن الزبير أن يقاتل الخارجين "لقد أحلَّ الله لك قتالهم". فقال عثمان: "لا والله لا أقاتلهم أبداً" (١). وكان في الدار عصابة، قال ابن الزبير: "ينصر الله بأقل منهم" (٢). "وممن أراد القتال دفاعاً عن عثمان الصحابي أبو هريرة- وكان متقلداً سيفه- (٣)، لكن عثمان لم يأذن له قائلاً: يا أبا هريرة أيسرُّك أن تقتل الناس جميعاً وإياي؟ قال: قلت لا. قال: فإنك والله إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قُتل الناس جميعاً. قال أبو هريرة: فرجعتُ ولم أقاتل" (٤). وحكى أبو حبيبة مولى عروة أنه دخل على عثمان في يوم صائف وهو محصور ليبلغه رسالة الزبير بن العوام إليه، وفيها يعلن طاعته ونصرته والتزام بني عمرو بن عوف من الأنصار بنجدته، ورأى أبو حبيبة عدداً من الصحابة في الدار وهم الحسن بن علي وأبو هريرة وعند الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وأن الناس كلموا عثمان أن يأذن لهم بالجهاد، فقال: "أعزم على من كانت لي عليه طاعة إلا يقاتل" (٥). واستأذن الحسن بن علي عثمان في القتال فمنعه (٦).

стр. 396

وممن نصحه بالكف عن القتال الصحابي عبد الله بن سلام، وقد سأله عثمان عن رأيه في الموقف من الثائرين، فأجابه: "الكفُّ الكفُّ فإنه أبلغ لك في الحجة" (١). وتعتضد روايتان ضعيفتان لبيان اقتراح تقدم به إلى عثمان المغيرة بن شعبة يرى فيه أن يخرج عثمان إلى مكة للخلاص من المعارضين، وأن عثمان رفض الفكرة (٢). وهكذا كانت الاقتراحات والمداولات تتم في ظروف صعبة تضغط فيها المعارضة بشدة على الدار وأهله. رفض عثمان ﵁ التنازل عن الخلافة، ويدل حديث صحيح ترويه عائشة ﵂ على أن النبي ﷺ قال لعثمان: "يا عثمان إن الله مقمصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه لهم ولا كرامة" (٣). وكان المغيرة بن الأخنس قد أشار عليه بالخلع لئلا يقتله الخارجون عليه، وقد سأل عثمان عبد الله بن عمر عن رأي المغيرة (٤) فنصحه بأن لا يخلع نفسه من الخلافة.

стр. 397

"قال له ابن عمر: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: فهل يملكون لك جنةً أو ناراً؟ قال: لا. قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله، فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه" (١). وتتضافر روايات ضعيفة للدلالة على أن عثمان- وهو محصور في الدار- بعث إلى علي يطلبه، وأن علياً استجاب لأمره، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الدار التي كان المعارضون يطوقونها، وأن آل علي حبسوه عن دخولها خشية عليه من القتل، فحلَّ عمامته السوداء التي كان يرتديها، ورمى بها إلى رسول عثمان، ثم خرج حتى انتهى إلى أحجار الزيت في سوق المدينة، فأتاه خبر قتل عثمان، فأعلن براءته ممن قتله أو مالأ عليه (٢). لم يألُ الخليفة جهداً في محاورة الثوار لإقناعهم بخطأ موقفهم، سواء بذكر مكانته وخدماته في الاسلام، أو ببيان خطورة قتله على وحدة الأمة "يا أيها الناس

стр. 398

لا تقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تصلون جميعاً أبداً، ولا تجاهدون عدواً جميعاً أبداً، ولتختلفنَّ حتى تصيروا هكذا- وشبَّك بين أصابعه-"، وكان يخاطبهم من كوَّة في الجدار (١)، إذ لم يكن يأمن الخروج إليهم. وكان عثمان ﵁ يتابع تحركات المعارضين، ويسمع ما يقولون، قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري: "كنت مع عثمان في الدار- وهو محصور- وكنا ندخل مدخلاً إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط- وهو موضع أمام الباب الشرقي للمسجد النبوي بينه وبين دار عثمان- (٢)، فدخل عثمان يوماً لحاجة فخرج منتقعاً لونه، فقال: إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفاً. فقلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين. قال: ولم يقتلونني وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث، رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط. ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منذ هداني الله. ولا قتلتُ نفساً. ففيم يقتلونني؟ " (٣). وبين عبد الله بن عمر أن عثمان أشرف على المعارضين وحدثهم بهذا المعنى (٤). وتتضافر روايات ضعيفة لتؤكد أن عثمان أصبح صائماً يوم استشهاده، وأنه

стр. 399

أخبر برؤيته النبي ﷺ في المنام يدعوه للإفطار عنده (١). قال أبو سعيد مولى أبي أسيد- وهو شاهد عيان-: "ففتح عثمان الباب، ووضع المصحف بين يديه، فدخل عليه رجل فقال: بيني وبينك كتاب الله. فخرج وتركه. ثم دخل عليه أخر، فقال: بيني وبينك كتاب الله. فأهوى إليه بالسيف فاتَّقاه بيده، فقطعها، فلا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها. فقال- يعني عثمان-: أما والله إنها لأوَّلُ كفٍّ خطَّت المصحف" (٢). وقد انتضح دمه على المصحف الذي كان يقرأ فيه فوق الآية (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) (٣). وتتضافر الروايات المتعددة في إثبات موقف محمد بن أبي بكر الصديق مع المعارضين لعثمان، وأنه دخل على عثمان يوم مقتله، فأخذ بلحيته، وأنَّ عثمان ذكرَّه بمكانه من أبيه، فخرج دون أن يشترك في قتله (٤). وقد دافع بعض الشباب عن عثمان، قال كنانة مولى صفية- وهو شاهد عيان-: "شهدت مقتل عثمان، فأخرج من الدار أمامي أربعة من شبان قريش

стр. 400

ملطخين بالدم، محمولين، كانوا يدرأون عن عثمان ﵁، الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم" (١). ولكن المقاومة لم تكن عنيفة فقد انصرف الكثير من المدافعين عن الدار بسبب أوامر عثمان التي تقضي بالكفِّ عن القتال بل وتأمرهم بالخروج من الدار ولزوم بيوتهم ... لقد اختار حقن دمائهم وفداء أرواحهم بدمه وروحه. تثبت الروايات الصحيحة أن الذي باشر قتل عثمان ﵁ رجل من بني سدوس، خنقه قبل أن يضرب بالسيف (٢)، والرواية تنتهي إلى شاهد عيان مختلف في صحبته لكنه شهد الحادثة (٣)، قال كنانة مولى صفية: "رأيتُ قاتل عثمان، رجلاً أسود من أهل مصر، وهو في الدار رافعاً يديه يقول: أنا قاتل نعثل" (٤). "يقال له جبلة: أي الرجل الأسود" (٥). قال عبد الله بن شقيق- معاصر للأحداث- يروي عن عثمان: "أول من ضرب عثمان رومان اليماني بصولجان" (٦). موقف الأنصار: حدثت الفتنة في المدينة، وهي دار المهاجرين والأنصار، فكان لابد أن

стр. 401

يظهر للأنصار موقف مما يدور في مدينتهم من أحداث خطيرة تهدد الخليفة، وتتضافر عدة روايات لتقوي ما عرضه زيد بن ثابت على عثمان: "هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين. فقال: لا حاجة لي في ذلك كُفُوا" (١). وقد ذكر محمد بن سيرين أن عدد الأنصار الذين كانوا مع زيد بن ثابت هو ثلثمائة (٢). كما ذكر أن عدد من كان مع عثمان يومئذ في الدار سبعمائة (٣). "لو يدعهم لضربوهم- إن شاء الله- حتى يخرجوهم من أقطارها". ولكن هذه الأرقام لم تثبت من طرق صحيحة، ولكنها محتملة وتدل على موقف الأنصار في ذلك الوقت العصيب. وتظهر الروايات المعتمدة أن بني عمرو بن عوف من الأنصار واعدوا الزبير بن العوام أن يأتمروا بأمره في نجدة الخليفة عثمان (٤). وقد عرض حارثة بن النعمان على عثمان وهو محصور استعداد الأنصار

стр. 402

للقتال ذوداً عنه (١)، ودخل الدار معه أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري (٢). مواقف الصحابة في الفتنة صفية أم المؤمنين: قال كنانة مولى صفية: "كنت أقودُ بصفية، لتردَّ عن عثمان، فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى (مالت)، فقالت: ردُّوني ولا يفضحني هذا الكلب" (٣). ولما أخفقت في الوصول إلى دار عثمان، وضعت خشباً بين سطح منزلها وسطح منزل عثمان- وكانت جاره- لنقل الطعام والشراب (٤). الزبير بن العوام: بعث أبو حبيبة مولى عروة إلى عثمان وهو محصور يقرئه السلام ويقول: "إني على طاعتي لم أبدل ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك وكنتُ رجلاً من القوم، وإن شئت أقمتُ، فإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به" فطلب منه عثمان البقاء في مكانه "عسى الله أن يدفع بك عني" (٥).

стр. 403

أبو ذر الغفاري: توحي الدراسات الحديثة بأن لأبي ذر ﵁ وآرائه في سياسة المال والإنفاق أثراً كبيراً في أحداث الفتنة، وتعتمد على روايات واهية تفيد وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين عثمان ﵄، وأن معاوية بن أبي سفيان اشتكى أبا ذر إلى عثمان فأمر بإنفاذه إلى المدينة، ثم نفاه إلى الربذة، فماذا تقول الروايات الصحيحة؟ حكى أبو ذر ﵁ اختلافه في الشام مع معاوية في تفسير الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها. فكثُر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليَّ حبشياً لسمعتُ وأطعتُ (١). وقابل أبو ذر عثمان بعد عودته من الشام في رهط من غفار منهم عبد الله بن الصامت الغفاري، وبين له التزامه بطاعته "أخفتني فوالله لو أمرتني أن أتعلق بعروة قتب حتى أموت لفعلتُ" (٢). واستأذنه في الإقامة بالربذة، واعتذر عن عدم قبول أخذ إبل الصدقة التي عرضها عليه ليصيب من لبنها "دونكم معاشر قريش دنياكم

стр. 404

فاعذموها لا حاجه لنا فيها" (١). ويوضح عند الله بن الصامت الغفاري ظروف ذلك اللقاء: قال أبو ذر لعثمان وهو يرفع عمامته عن رأسه: إني والله يا أمير المؤمنين ما أنا منهم- يعني من الخوارج- ولو أمرتني أن أعضَّ على عرقوبي قتب لعضضت عليهما حتى يأتيني الموت وأنا عاض عليهما. قال عثمان: صدقت يا أبا ذر، إنما أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة. قال أبو ذر: لا حاجة لي في ذاك، ايذن لي في الربذة. قال: نعم (٢). لذلك كان محمد بن سيرين والحسن البصري ينكرون أن يكون عثمان قد أخرج أبا ذر إلى الربذة (٣). وقالت أم ذر- زوجه-: والله ما سيَّر عثمان أبا ذر، ولكن رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ البنيان سلعاً فاخرج منها" فلما بلغ البنيان سلعاً وجاوز خرج أبو ذر إلى الشام (٤). وأما بالنسبة لرأي أبي ذر في سياسة المال وفهمه لآية الإنفاق فلم يتغير بعد قدومه المدينة على عثمان، فقد دخل عليه وهو يقسم مال عبد الرحمن بن عوف بين ورثته وعنده كعب الأحبار، فسأله عثمان أمام أبي ذر: يا أبا اسحق، ما تقول في رجل جمع هذا المال فكان يتصدق منه، ويحمل في السبيل، ويصل الرحم؟ فقال

стр. 405

كعب الأحبار: إني لأرجو له خيراً. فغضب أبو ذر، ورفع عليه العصا وقال: ما يدريك يا ابن اليهودية ليودَّن صاحب هذا المال يوم القيامة أن لو كان عقارب تلسع السويداء من قلبه. (١) وكان أبو ذر رضي الله يعلن أن فضول أموال الأغنياء ينبغي أن توزع على الفقراء، وإلا فإنها كنز حرام، وهو اجتهاد خاص لم يتابعه عليه الخليفة عثمان ولا بقية الصحابة. أسامة بن زيد: لما قيل لأسامة بن زيد أن يكلم عثمان ﵁ في أحداث الفتنة أجاب بأنه يكلمه في السر دون أن يفتح باب الفتنة (٢). الحسن بن على بن أبي طالب: لم يزل مع عثمان- وهو محصور- حتى عزم عليه ليخرجن (٣)، وكان قد خرج خلال المناوشات، فحُمل من الدار (٤). عبد الرحمن بن عوف: قال سعد بن إبراهيم الزهري: "رأيت عبد الرحمن بن عوف بمنى محلوقاً رأسه يبكي، يقول: ما كنت أخشى أن أبقى حتى يقتل عثمان" (٥). زيد بن ثابت:

стр. 406

"وكان يبكي على عثمان يوم الدار" (١). عبد الله بن عمر: دخل دار عثمان ﵁ للدفاع عنه، فأمره عثمان بعدم القتال، وبالإجارة بين الناس، وكان معه رجال من قومه بني عدي (ابن سراقة وابن مطيع) فغادروا الدار قبل مقتل الخليفة (٢). وقد لبس ابن عمر درعه مرتين يوم الدار (٣) وتقلَّد سيفه حتى عزم عليه عثمان أن يخرج مخافة أن يُقتل (٤). تعليقات على مقتل الخليفة آراء الصحابة وتوقعاتهم لنتائج مقتل عثمان ﵁ على ابن أبي طالب: " والله ما قتلتُ عثمان، ولا أمرتُ بقتله، ولكن غُلبتُ" (٥) "وإن كنت لقتلِهِ لكارها" (٦). سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:

стр. 407

قال في مسجد الكوفة: "لو أن أحداً ارفضَّ للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفضَّ" (١). أبو موسي الأشعري: " إن قتل هذا- يعني عثمان- لو كان هدى لاحتلبت به العرب لبناً، ولكنه ضلال فاحتلبوا دماً" (٢). سمرة بن جندب: " إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا في الإسلام ثُلمةً بقتلهم عثمان، وإنهم شرطوا شرطة، وإنهم لن يسدوا ثُلمتهم إلى يوم القيامة، وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم" (٣). عائشة ﵂: قال طلق بن خشاف: "قُتل عثمان فتفرقنا في أصحاب النبي ﷺ نسألهم عن قتله، فسمعتُ عائشُة قالت: قُتل مظلوماً، لعن الله قتلته" (٤).

стр. 408

وحكى مسروق بن الأجدع (ت (٦٣) هـ) عن عائشة قالت حين قتل عثمان: "تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحونه كما يذبح الكبش. فقال لها مسروق: هذا عملُكِ أنت كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج إليه. فقالت عائشة: لا والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسوداء في بيضاء حتى جلستُ مجلسي هذا". قال الأعمش: فكان يرون أنه كتب على لسانها (١) وقد أوضحت عائشة ﵂ موقفها من إرهاصات الفتنة فقالت: "كان القوم يختلفون إلي في عيب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، فأما دمه فأعوذ بالله من دمه، والله لوددت أني أعيش برصاء سالخ- أي مسلوخة الجلد- وإني لم أذكر عثمان قط" فذكرت كلاماً فضلت عثمان على علي (٢). وكانت كلما ذكرت عثمان بكت حتى ليبتل خمارها، وتقول: ما تمنيتُ لعثمان شيئاً إلا أصابني، حتى أني لو تمنيتُ أن يُقتل قُتلتُ (٣). وأما عن تقويمها للمعارضين لعثمان، فيظهر من قولها لعبيد الله بن عدي بن الخيار القرشي- من أبطال المسلمين-: "يا عبيد الله بن عدي لا يغرنك أحد بعد الذي تعلم، فوالله ما احتقرتُ أعمال أصحاب النبي ﷺ حتى نجم

стр. 409

النفر الذين طعنوا على عثمان، فقالوا له قولاً لا يحسن مثله، وقرءوا قراءةً لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرتُ الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أصحاب رسول الله ﷺ فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل: (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) " (١). وهكذا أوضحت أن المعارضين رغم عباداتهم التي دونها عيادة الصحابة مما يجعل الناس ينغشون بهم، ويتهاونون في التعامل معهم. بيعة علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة: أصاب المسلمون بلاء عظيم بسبب مقتل الخليفة عثمان ﵁، إذ كان المسلمون قد مرُّوا بانتقال السلطة سلماً بعد وفاة النبي ﷺ وبعد وفاة الصديق ﵁، لكنهم الآن أمام تجربة جديدة تمثلت باستخدام العنف في تغيير السلطة ونجم عن ذلك مقتل الخليفة، وبقاء المنصب شاغراً، وسعى المعارضون إلى بيعة واحد من كبار الصحابة لملأ الفراغ في السلطة، فعرضوها على طلحة بن عبيد الله (٢)، وعبد الله بن عمر حتى هددوه بالقتل (٣)، لكن أحداً لم يكن ليقبل منهم السلطة في ظروف الفتنة، لأنهم لا يمثلون الأمة، بل يمثلها كبار الصحابة في المدينة، وهم الذين يقبل الناس في أنحاء الدولة اختيارهم، وقد أدرك

стр. 410

المعارضون ذلك (١) بعد فشل محاولاتهم. واشتد ذهول الناس، وتعدَّى الذهول عامتهم إلى قادتهم، يقول علي بن أبي طالب ﵁: "ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله ﷺ : (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة)، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا. فلما دُفِن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعتُ. فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين. فكأنما صدع قلبي، وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى" (٢). بهذه الروح المرهفة الحزينة المليئة بالصفاء والوفاء لمعاني الأخوة وذكريات الرفقة استقل علي بيعته بالخلافة، وقد استجاب لطلب الناس الملح لينهي مرحلة مضطربة بسبب الفراغ في السلطة، وقد اشترط أن لا تكون بيعه سراً "فأخرجُ إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني" فخرج إلى المسجد وبايعه الناس (٣). وقد بيَّن كل من طلحة بن عبيد الله التيمي، والزبير بن العوام- وهما من العشرة المبشرة بالجنة- أنهما بايعا مكرهين تحت التهديد من قتلة عثمان (٤)، ولم

стр. 411

يكونا راضيين عن الطريقة التي تمت بها بعيداً عن أهل الشورى، وفي ظروف يسود فيها العنف والاختلاف. وجنح عبد الله بن عمر (١) إلى اعتزال الأحداث، وكذلك أسامة بن زيد وقال لعلي: "لو كنت في شق الأسد لأحببتُ أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره" (٢)، ومحمد بن مسلمة (٣)، وسعد بن أبي وقاص (٤)، وأهبان بن صيفي وقال لعلي: "إن خليلي وابن عمك ﷺ أمرني إذا كان قتال بين المسلمين أن أتخذ سيفاً من خشب" (٥)، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح (٦) وآخرون (٧) فلم يبايعوا لأحد بالخلافة. لكن جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار بايعوا علياً، وتبعهم الناس وكانت بيعة علي بعد سبعة أيام من مقتل عثمان. وقد ثبَّت أبا موسى الأشعري على ولاية الكوفة فأخذ له البيعة من معظم أهلها (٨).

стр. 412

وعزل علي والي مكة خالد بن العاص المخزومي وعيَّن بدله أبا قتادة الأنصاري مدة شهرين ثم عزله وعيَّن قثم بن العباس (١)، ويبدو أن الرأي العام بمكة كان غاضباً لعثمان وتصاعد الغضب لكثرة النازحين من المدينة إلى مكة على أثر سيطرة الثوار على المدينة (٢). وأرسل عثمان بن حنيف الأنصاري إلى البصرة والياً عليها بدلاً من عبد الله بن عامر بن كريز واليها لعثمان وكان قد ترك البصرة متجهاً إلى مكة. وقد انقسمت البصرة على الوالي الجديد، فمنهم من بايع، ومنهم من اعتزل، ومنهم من رفض البيعة حتى يُقتل قتلة عثمان، وهؤلاء الأخيرون التفوا حول طلحة والزبير وعائشة حين قدم الثلاثة إلى البصرة (٣). وأما الشام فلم يِبايع واليها معاوية بن أبي سفيان مطالباً بالقصاص من القتلة، لكنه لم يمد المعارضين بالبصرة. وأما مصر فكان واليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد تركها متجهاً إلى عسقلان، فاستولى عليها محمد بن أبي حذيفة مدة عام كامل وواجه معارضة عثمانية تطالب بالقصاص من قتلة عثمان، فلما قتل بعد العام ولَّى علي عليها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري حيث تمكن من أخذ البيعة لعلي وهادن العثمانية (٤). وأرسل علي عبيد الله بن العباس والياً على اليمن فأخذ له البيعة من أكثر

стр. 413

أهلها، وبقيت جماعات تطالب بالقصاص من قتلة عثمان، وعقَّب الصحابي ثمامة بن عدي والي صنعاء لعثمان على الأحداث بقوله وهو يبكي بكاءً شديداً: "اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد ﷺ ، وصارت ملكاً وجبرية، من أخد شيئاً غلب عليه" (١). وكانت أخطر قضية تواجه الخليفة الجديد هي مقاضاة قتلة عثمان وإنفاذ القصاص فيهم، وكان ابن عباس قد نبَّه علياً إلى خطورة الموقف قبل توليه الخلافة: "إن الناس سيلزموك دم عثمان" (٢). فقد كانت المأساة الدامية تملأ النفوس بالحزن والندم على عدم بذل الوسع في الذود عن الخليفة وإن كان ذلك يعني عدم التقيد بأوامر عثمان بالكفِّ عن القتال. وكان طلحة والزبير وعائشة ﵃ قادة المطالبين بإنفاذ القصاص بقتلة عثمان مشترطين ذلك للدخول في طاعة علي الخليفة الجديد .. وكان طلحة بن عبيد الله التيمي يحس بالتفريط وبالتهاون مع الثوار ومجاملتهم فيندم ويرغب في التكفير عن ذلك كله "كان في أمر عثمان مالا أرى كفارته إلا أن يُسفك دمي في طلب دمه" (٣) "كنَّا قد داهنَّا في أمر عثمان فلا نجد بداً من المبالغة" (٤) - يعني بالمداهنة: اللين مع الثوار. وبالمبالغة: التشدد في المطالبة بالقصاص-. ويبدو أن هذا الشعور كان يتملك الكثيرين بحيث شكلوا تياراً معارضاً

стр. 414

قوياً يعادل في كثرة أتباعه وقوة دوافعه وعزمه على تحقيق أهدافه التيار المؤيد لخلافة علي، وهذا ما تكشف عنه الملاحم العظيمة في الجمل وصفين. وكان علي بين تيارين قويين، فالمشاركون والمحرضون على قتل عثمان منهم حكيم بن جبلة العبدي زعيم الثوار البصريين، ومنهم عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر من زعماء الثوار المصريين، ومنهم مالك الأشتر النخعي من زعماء الثوار الكوفيين، ومنهم محمد بن أبي حذيفة الذي غلب على مصر، ومحمد بن أبي بكر، وكلهم لهم اختلاط بجيشه وتأثير على قبائلهم، وبعضهم ترك المدينة إلى الأمصار عقب بيعة علي، فلم يكن قادراً على إنفاذ القصاص مع اختلاف الناس عليه (١). وكان التيار الآخر ممثلاً بطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين، وكانوا يضغطون بقوة لإنفاذ القصاص بقتلة عثمان، ويرون أن علياً قد تخلى عن القصاص (٢). ولم يعذروه في سياسته التي تميل إلى إماتة الفتنة وتخطيها بعدم إيقاع القصاص حتى يستتب له الأمر ويدخل في بيعته الناس جميعاً، كما أنه صرح بأنه لا يعلم القتلة بأعيانهم "والله لوددتُ أن بني أمية رضوا لنفلناهم خمسين رجلاً من بني هاشم يحلفون: ما قتلنا عثمان، ولا نعلم له قاتلاً" (٣). ولما مضت أربعة أشهر على بيعة علي دون أن ينفذ القصاص خرج طلحة والزبير إلى مكة (٤) ومنها

стр. 415

جمعوا مؤيديهم الذين بلغ عددهم سبعمائة رجل (١) وانطلقوا إلى البصرة مستهدفين القبض على القتلة من أهلها وإنفاذ القصاص فيها وقد بلغ عددهم عند وصولهم البصرة ثلاثة ألاف رجل، وذلك لالتحاق الناس بهم في الطريق إليها، وقد أنفق عبد الله بن عامر بن كريز ويعلى بن أمية أموالاً كثيرة في تجهيز هذا الجيش بمكة، حيث قدم يعلى بن أمية وحده أربعمائة بعير (٢). وكان معظم أهل البصرة يؤيدون إيقاع القصاص بالقتلة، فكانوا مهيئين نفسياً للانضمام إلى طلحة والزبير وعائشة عند قدومهم إليهم. وكان الحزن يخيم على قلوب قادة المعارضة، فرغم أن مطالبتهم بإنفاذ الحكم الشرعي يقوي موقفهم ويشعل حماسهم، إلا أن غموض المستقبل وما قد ينطوي عليه من ضياع الوحدة بين المسلمين وسفك دمائهم يبعث فيهم إحساساً أليماً وأحيانا تردداً واضحاً .. لكنهم مضوا إلى أقدارهم بنفوس مثقلة بالهموم. قال علقمة بن وقاص- شاهد عيان ثقة ثبت-: "ورأيته- يريد طلحة بن عبيد الله- وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت له: يا أبا محمد، إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك إن تكره هذا اليوم فدعه، فليس يكرهك عليه أحد. قال: يا علقمة بن وقاص لا تلمني، كنا يداً واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جبلين يزحف أحدنا إلى صاحبه (٣).

стр. 416

وماذا عن القائد الآخر الزبير بن العوام؟ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير- شاهد عيان ثقة فاضل-: "قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قُتل، ثم جئتم تطلبون بدمه!!. قال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان (واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة) (١) لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت" (٢). وماذا عن عائشة ﵂؟ قال قيس بن أبي حازم البجلي- شاهد عيان ثقة-: "لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً نبحت الكلاب. قالت: أي ماء هذا؟ قالوا ماء الحوأب. قالت: ما أظنني إلا أني راجعة. إن رسول الله ﷺ قال لنا: (كيف بإحداكنَّ تنبح عليها كلاب الحوأب؟!). فقال لها الزبير: ترجعين!! عسى الله أن يصلح بك بين الناس" (٣).

стр. 417

وهذا النص يكشف عن أمور مهمة، منها ما هو من أعلام النبوة، حيِث أخبر الرسول ﷺ بأمر غيِبي فوقع كما أخبر، ومنها تردد عائشة ﵂ في المضي إلى البصرة، ومنها أن المعارضين كانوا يرغبون في الإصلاح بين الناس مع تصميمهم على إنفاذ القصاص بقتلة عثمان. وقد دخلوا البصرة فانضم إليهم معظم سكانها، لكن البعض منهم اختاروا اعتزال الجميع، فقد حيرهم الأمر وهالهم الموقف، فلنستمع إلى أحدهم وهو الأحنف بن قيس التميمي من زعماء تميم وحكماء العرب- وقد طلب منه الزبير بن العوام الانضمام إليهم-: "فآتاني أفظع أمرٍ أتاني قط، فقلت: إن خذلاني هؤلاء، ومعهم أم المؤمنين، وحواري رسول الله ﷺ لشديد، وإن قتالي رجلاً ابن عم رسول الله ﷺ ، وقد أمروني ببيعته لشديد" (١). وهكذا اعتزل مع ستة آلاف من قومه الذين أطاعوه وانخرط بقيتهم- وهم كثير- مع طلحة والزبير وعائشة (٢) ..

стр. 418

الفصل الثالث: موقعة الجمل

стр. 419

موقعة الجمل: وصل المعارضون إلى البصرة، ففوجئ الناس بهم وارتاعوا وتعجبوا، قال كليب بن شهاب- شاهد عيان تابعي صدوق-: "لما قُتل عثمان ﵁ أتانا الخبر ونحن راجعون من غزاتنا .. فانتهينا إلى البصرة، فلم نلبث إلا قليلاً حتى قيل: هذا طلحة والزبير، معهما أم المؤمنين، فراع ذلك الناس وتعجبوا، فإذا هم يزعمون للناس أنهم إنما خرجوا غضباً لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه، وإنَّ أمَّ المؤمنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: إمارة الفتى، وموقع الغمامة، وضربة السوط والعصا. فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه حرمة الشهر، والبلد، والدم. فقال الناس: أفلم تبايعوا علياً، وتدخلوا في أمره؟ فقالوا: دخلنا واللج- السيف- في أعناقنا" (١). وقد غلب المعارضون على البصرة دون أن يتمكن عثمان بن حنيف واليها لعلي من مقاومتهم، لأن قبائل البصرة انضم معظمها إليهم، وقد ألقي القبض على الوالي، ثم أطلق سراحه ليلتحق بعلي .. واتجه المعارضون إلى بيت المال ودار الرزق فاعترضهم حكيم بن جبلة العبدي أحد الثوار المشاركين في حصار الدار بالمدينة، ومعه سبعمائة من قومه وجرت معركة قُتل فيها حكيم بن جبلة وسبعون من قومه كانوا قد شاركوا في حصار دار عثمان ﵁ بالمدينة (٢). وسيطر المعارضون بقيادة الزبير بن العوام على البصرة (٣)، وقوي موقفهم باستيلائهم على بيت المال، وفيه الذهب والفضة (٤).

стр. 420

أدرك علي ﵁ خطورة الموقف، وما يمكن أن يجرَّ إليه الخلاف من تمزيق الدولة الإسلامية، فعزم على إعادة المعارضين إلى الطاعة، واستنفر أهل المدينة للخروج معه فاجتمع معه حوالي سبعمائة رجل (١)، وتثاقل عنه عدد من كبار الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو مسعود الأنصاري ومحمد بن مسلمة الأنصاري وعبد الله بن سلام وأسامة بن زيد وأهبان بن صيفيّ .. إذ رأوا أنها أحداث فتنة ينبغي عدم الخوض فيها. وقد اختص النبي ﷺ بعضهم بالتحذير من المشاركة في الفتن الداخلية، فاعتذروا لعلي بذلك. وقد حاول عبد الله بن سلام أن يثني علياً عن عزمه على الخروج من المدينة إلى العراق "لا تأتِ العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ فالزمه .. فوالله لئن تركته لا تراه أبداً". فقال رجال من حول علي: دعنا فلنقتله. فأجابهم: إن عبد الله بن سلام منا رجل صالح (٢). وقد خرج علي من المدينة متجهاً إلى العراق، وقد عسكر في الربذة (٣) حيث أضيف إلى جنده مائتا رجل (٤)، فبلغوا تسعمائة رجل. وقد حاول الحسن بن علي ثني أبيه عن الذهاب إلى العراق وهو يبكي لما أصاب المسلمين من الفرقة والاختلاف، لكن علياً رفض ذلك، وأصر على إعادة المعارضين له إلى الطاعة محتجاً ببيعتهم له بالمدينة (٥).

стр. 421

وقد أرسل علي من الربذة رسولين لاستنفار الكوفيين، وهما محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر، فأخفقا في مهمتهما لأن أبا موسى الأشعري والي الكوفة لعلي التزم موقف اعتزال الفتنة وحذر الناس من المشاركة فيها (١)، فأرسل علي رسولاً ثالثاً هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فأخفق في التأثير فيهم (٢). فاتجه علي إلى ذي قار- قرب الكوفة- وعسكر بها (٣)، ومنها أرسل عبد الله بن عباس وأتبعه ابنه الحسن وعمار بن ياسر لاستنفار الكوفيين، كما عزل أبا موسى الأشعري عن الكوفة وولى عليها قرظة بن كعب (٤). ولم يتأثر عمار بن ياسر بملامة أبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري له لتسرعه في الأمر، بل صعد يوم الجمعة إلى المنبر وخاطب الناس قائلا: "أما والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي" (٥). وهكذا شهد لعائشة ﵂ بالجنة، وبصَّر الناس بأن هذا امتحاناً

стр. 422

لهم من الله، ليعلم إن كانوا يتبعون عواطفهم، أم ينقادون للحق فيتبعون علياً، وهو الخليفة الشرعي الواجب الطاعة ... وبعد هذا الاستنفار التحق ما بين الستة آلاف إلى السبعة آلاف رجل بجيش علي بذي قار، كما التحق به ألفان من أهل البصرة من عبد القيس قبيلة حكيم بن جبلة كما التحقت به قبائل أخرى حتى بلغ جيشه حوالي اثني عشر ألف رجل منهم ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان (١). عسكر علي بالزاوية أياماً، وطلب من الأحنف بن قيس أن يكفَّ الناس عن الالتحاق بالزبير- وكان الأحنف ممن بايع علياً بالمدينة-، وأن يفي بوعده لطلحة بأن يعتزل القتال (٢). كانت المواجهة بين علي من ناحية والزبير وأصحابه من ناحية أخرى قرب قصر عبيد الله، وجرت محاولات لمنع القتال قام بها المعتزلون للقتال "خرج كعب بن سور ناشراً مصحفه، يُذكِّر هؤلاء، ويذكر هؤلاء، حتى أتاه سهم فقتله" (٣). وكذلك فإن الصحابي عمران بن الحصين أرسل إلى بني عدي رسولاً ينصحهم باعتزال الفريقين: "إني لكم ناصح، ويحلف بالله لئن يكون عبداً حبشياً

стр. 423

مجدعاً يرعى أعنزاً في رأس جبل حتى يدركه الموت أحب إليه من أن يرمي في أحد من الفريقين بسهم أخطأ أو أصاب فأمسكوا". فأجابوا رسوله: "دعنا منك أيها الغلام، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء أبداً" (١). وكان الناس يحددون موقفهم من الصراع بسؤال كبار الصحابة أحياناً، وقد تأتي الفتوى ضد مصلحة المفتي، فقد سأل مماليك بقبيلة ربيعة الزبير عن موقفهم: "مع من تكون العبيد؟ قال: مع مواليهم. قلنا: فإن موالينا مع علي. قال: فكأنما ألقمنا حجراً" (٢). وقبل نشوب القتال بثلاثة أيام نصبت خيمة بين المعسكرين، التقى فيها علي وطلحة والزبير في محاولة لإيجاد حلَّ سلمي للموقف (٣)، كما أرسل علي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير يسألهما: "هل أحدث ما يوجد السخط على خلافته، كحيفٍ في حكم، أو استئثار بفيء؟ أو في كذا؟ فقال الزبير: ولا في واحدة منها" (٤). وقد أخفق الطرفان في التوصل إلى حلٍّ خلال الأيام الثلاثة، وعرض رجل على الزبير أن يغتال علياً بعد التظاهر بالالتحاق به، فرفض الزبير ذاكراً حديث: "لا يفتك مؤمن". وفي اليوم الرابع حدث الالتحام بين الجيشين، وتؤكد رواية صحيحة أن

стр. 424

جيش الزبير وطلحة هو الذي بدأ القتال، وأن علياً أصدر أمره بالقتال بعد صلاة الظهر، واستمر القتال ساعات "فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممن كان يذبُّ عنه" (١). ويتضح الموقف المأساوي أكثر فأكثر، فيشك الزبير وهو القائد الأول بشرعية الموقف ويلاحظ عظم المصاب واختلاف الناس فينصرف عن الميدان دون أن يقاتل (٢)، ولحق به عمير بن جرموز وآخران إلى سفوان فاغتالوه (٣). وهكذا انتهت حياة القائد الأول، وتبعه القائد الثاني طلحة بن عبيد الله فقد رماه مروان بن الحكم بسهم فقتله فدفن على شط الكلأ (٤). وأثخنت الجراح عبد الله بن الزبير فأخذ من وسط القتلى وبه بضع وأربعون طعنة وضربة (٥). "وقد قتل بشر كثير حول عائشة يومئذ، سبعون كلهم قد جمع القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر" (٦).

стр. 425

قال أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي- شاهد عيان-: "لقد رأيت الجمل يومئذ كأنه قنفذ من النبل، ورجل آخذ بالخطام وهو يقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل والموت أحلى عندنا من العسل ... نبغي ابن عفان بأطراف الأسل (١) وكانت عائشة على جمل أحمر في هودج أحمر (٢)، وقد تكلمت في المربد لاعنةً قتلة عثمان، فلما سمع علي ذلك لعن قتلة عثمان (٣). وكان مؤيدوها "يهتفون بقتلة عثمان" فلما نقل ذلك لعلي قال: "اللهم أحلل بقتلة عثمان خزياً" (٤). وارتفعت أصوات الدعاء في المعسكرين .. يقول الحارث بن سويد الكوفي- شاهد عيان ثقة ثبت-: "لقد رأيتُنا يوم الجمل، وإن رماحنا ورماحهم لمتشاجرة، ولو شاءت الرجال لمشت عليه، يقولون: الله أكبر، سبحان الله، الله أكبر. وترتفع أصوات تؤكد سلامة موقف المقاتلين دينياً "ليس فيها شك"- أي لا يشكون في شرعية قتالهم للطائفة الأخرى- و "ليتني لم أشهد"- موقف الندم للشعور بأنها فتنة والشك في شرعية القتال- و "ما سرني أني لم أشهد"- مؤكداً على وضوح الرؤية الشرعية في القتال إلى جانب علي-" (٥). ويتساقط القتلى من الجانبين "قتل
следующие страницы →