Полный текст (215 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الدرس ٨٢
قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [سورة لقمان].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾، أي: آياته محكمة صدرت من حكيم خبير.
ومن إحكامها:
١ - أنها جاءت بأجَلِّ الألفاظ وأفصحها وأبينها؛ الدالة على أجل المعاني وأحسنها.
٢ - أنها محفوظة من التغيير والتبديل والزيادة والنقص والتحريف.
٣ - أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة والأمور الغيبية- كلها مطابقة للواقع مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يُخبر بخلافها نبي من الأنبياء، ولم يأتِ -ولن يأتي- علم محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه.
٤ - أنها ما أمرت بشيء إلا وهو خالص المصلحة أو راجحها، ولا نهت عن شيء إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرًا ما يجمع بين الأمر بالشيء مع ذكر حكمته وفائدته والنهي عن الشيء مع ذكر مضرته.
٥ - أنها جمعت بين الترغيب والترهيب والوعظ البليغ؛ الذي تعتدل به النفوس الخَيِّرة وتحتكم؛ فتعمل بالحزم.
стр. 177
٦ - أنك تجد آياتها المتكررة -كالقصص والأحكام ونحوها- قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض ولا اختلاف، فكلما ازداد بها البصير تدبرًا وأعمل فيها العقل تفكرًا- انبهر عقله وذهل لُبُّه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزمًا لا يُمْتَرَى فيه: أنه تنزيل من حكيم حميد. [٣/ ١٣٤٥ - ١٣٤٦].
• • •
стр. 178
الدرس ٨٣
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [سورة الأحزاب].
قال ﵀:
وفي هذا التخيير فوائد عديدة:
١ - الاعتناء برسوله ﷺ والغيرة عليه: أن يكون بحالة يشقُّ عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.
٢ - سلامته ﷺ بهذا التخيير من تَبِعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه؛ إن شاء أعطى وإن شاء منع؛ ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾.
٣ - تنزيهه عما لو كان فيهن مَنْ تُؤْثِرُ الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، وعن مقارنتها.
٤ - سلامة زوجاته ﵅ عن الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله؛ فحسم الله بهذا التخيير عنهن التسخط على الرسول الموجب لسخطه المُسخط لربه الموجب لعقابه.
٥ - إظهار رفعتهن وعلو درجتهن وبيان علو هِممهن: أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن دون الدنيا وحطامها.
стр. 179
٦ - استعدادهن بهذا الاختيار للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة.
٧ - ظهور المناسبة بينه وبينهن؛ فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
٨ - أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
٩ - أن يكون اختيارهن هذا سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) *وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [سورة الأحزاب]. [٣/ ١٣٨٢ - ١٣٨٣].
• • •
стр. 180
الدرس ٨٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [سورة الأحزاب].
قال ﵀:
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد:
الثناء على زيد بن حارثة ﵁، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الله سَمَّاه في القرآن، ولم يُسَمِّ من الصحابة باسمه غيره.
والثاني: أن الله أخبر أنه أنعم عليه، أي: بنعمة الإسلام والإيمان. وهذه شهادة من الله له أنه مسلم مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإلا فلا وجه لتخصيصه بالنعمة إلا أن المراد بها النعمة الخاصة.
٢ - أنَّ المُعْتَق في نعمة الْمُعْتِق.
٣ - جواز تزوج زوجة الدَّعِيِّ؛ كما صرح به.
٤ - أن التعليم الفعلي أبلغ من القولي؛ خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور.
٥ - أن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن بها محذور- لا يأثم عليها العبد ولو اقترن بذلك أمنيته: أن لو طلقها
стр. 181
زوجها لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأيِّ سبب كان؛ لأن الله أخبر أن الرسول ﷺ أخفى ذلك في نفسه.
٦ - أن الرسول ﷺ قد بَلَّغ البلاغ المبين؛ فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر الذي فيه عتابه. وهذا يدل على أنه رسول الله، ولا يقول إلا ما أُوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه.
٧ - أن المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه.
٨ - أن من الرأي الحسن لمن استشار في فراق زوجه أن يُؤْمَر بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال؛ فهو أحسن من الفرقة.
٩ - أنه يتعين أن يقدم العبد خشية الله على خشية الناس، وأنها أحق منها وأولى.
١٠ - فضيلة زينب ﵂ أم المؤمنين؛ حيث تولى الله تزويجها من رسوله ﷺ من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على أزواج رسول الله ﷺ ، وتقول: «زَوَّجكن أهاليكن، وزَوَّجني الله من فوق سبع سماوات».
١١ - أن المرأة -إذا كانت ذات زوج- لا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يَقضي زوجها وطره منها، ولا يقضي وطره حتى تنقضي
стр. 182
عدتها؛ لأنها قبل انقضاء عدتها هي في عصمته، أو في حقه الذي له وطر إليها ولو من بعض الوجوه. [٣/ ١٣٨٨ - ١٣٨٩].
• • •
стр. 183
الدرس ٨٥
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ [سورة سبأ].
قال ﵀:
أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا داود ﵊ وآتيناه فضلًا من العلم النافع والعمل الصالح والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه:
١ - ما خصه به من أمره تعالى الجمادات؛ كالجبال والحيوانات، من الطيور: أن تُؤَوِّب معه وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها مجاوبةً له، وفي هذا من النعمة عليه: أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، وأن ذلك يكون منهضًا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات تتجاوب بتسبيح ربها وتمجيده وتكبيره وتحميده- كان ذلك مما يُهيج على ذكر الله تعالى.
٢ - أن ذلك -كما قال كثير من العلماء-: إنه طربًا بصوت داود؛ فإن الله تعالى قد أعطاه من حسن الصوت ما فاق به غيره، وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتمجيد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب- طرب كل من سمعه من الإنس والجن -حتى الطيور والجبال- وسبحت بحمد ربها.
٣ - أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها؛ لأنه سبب ذلك، وتُسبح تبعًا له.
стр. 184
٤ - ومن فضله عليه: أن ألان له الحديد؛ ليعمل الدروع السابغات، وعلَّمَهُ تعالى كيفية صنعته؛ بأن يقدره في السرد، أي: يقدره حِلَقًا، ويصنعه كذلك، ثم يُدخل بعضها ببعض. [٣/ ١٤٠٩ - ١٤١٠].
• • •
стр. 185
الدرس ٨٦
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ [سورة سبأ].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
« … فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة؛ منها:
١ - هاتان الجنتان اللَّتان غالب أقواتهم منهما.
٢ - أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛ لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
٣ - أن الله تعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾.
٤ - أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة -الظاهر أنها: قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام- هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها بغاية السهولة من الأمن وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها؛ بحيث لا يكون عليهم مشقة بحمل الزاد والمزاد، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾، أي: سيرًا مقدرًا يعرفونه ويحكمون عليه؛ بحيث لا يتيهون عنه ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾. [٣/ ١٤١٢ - ١٤١٣].
• • •
стр. 186
الدرس ٨٧
قوله تعالى في ختام قصة سبأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سورة سبأ].
قال ﵀:
« … لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾؛ صبار على المكاره والشدائد يتحملها لوجه الله ولا يَتسخطها، بل يصبر عليها، شكور لنعمة الله تعالى يُقِرُّ بها ويعترف ويثني على مَنْ أولاها، ويصرفها في طاعته؛ فهذا إذا سمع بقصتهم وما جرى منهم وعليهم- عرف بذلك:
١ - أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله.
٢ - وأن من فعل مثلهم فُعِلَ به كما فُعِل بهم.
٣ - وأن شكر الله تعالى حافظ للنعمة دافع للنقمة.
٤ - وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به.
٥ - وأن الجزاء حق، كما رأى أُنموذجَه في دار الدنيا. [٣/ ١٤١٣ - ١٤١٤].
• • •
стр. 187
الدرس ٨٨
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [سورة فاطر].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخاطب تعالى جميع الناس ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:
١ - فقراء في إيجادهم؛ فلولا إيجاده إياهم لم يُوجدوا.
٢ - فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها لما استعدوا لأيِّ عمل كان.
٣ - فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء.
٤ - فقراء في صرف النقم عنهم ودفع المكاره وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم وتفريجه لكرباتهم وإزالته لعسرهم لاستمرت عليهم المكاره والشدائد.
٥ - فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير.
٦ - فقراء إليه في تألههم له وحبهم له وتعبدهم وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يُوفقهم لذلك لهلكوا وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم.
٧ - فقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا.
стр. 188
فهم فقراء بالذات إليه؛ بكل معنى وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له ويسأله ألَّا يَكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت- فهذا حَرِيٌّ بالإعانة التامة من ربِّه وإلهه؛ الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. [٣٣/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣].
• • •
стр. 189
الدرس ٨٩
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ (٤٠)﴾ [سورة ص].
قال ﵀:
فصلٌ فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان ﵉
١ - أن الله تعالى يقص على نبيه محمد ﷺ أخبار من قبله؛ ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم ما يشوقه إلى منافستهم والتقرب إلى الله الذي تقربوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا -في هذا الموضع- لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به أمره بالصبر وأن يذكر عبدَه داود؛ فيتسلى به.
٢ - أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته؛ قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس.
٣ - أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
٤ - ما أكرم الله به نبيه داود ﵇ من حسن الصوت العظيم؛ الذي
стр. 190
جعل الله بسببه الجبال الصُّم والطيور البُهم يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويُسبحن معه بالعشي والإشراق.
٥ - أن من أكبر نعم الله على عبده: أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن الله به على عبده داود ﵇.
٦ - اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان ﵉.
٧ - أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.
٨ - أن داود ﵇ كان في أغلب أحواله ملازمًا محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب؛ لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس مع كثرة ما يَرِد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتًا يخلو فيه بربه وتَقر عينه بعبادته وتعينه على الإخلاص في جميع أموره.
٩ - أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود- فزع منهم، واشتد عليه ذلك ورآه غير لائق بالحال.
стр. 191
١٠ - أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي.
١١ - كمال حلم داود ﵇؛ فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان وهو المَلِك، ولا انتهرهما ولا وبَّخهما.
١٢ - جواز قول المظلوم لمن ظلمه: «أنت ظلمتني» أو «يا ظالم» ونحو ذلك، أو «باغ عليَّ»؛ لقولهما: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾.
١٣ - أن الموعوظ والمنصوح -ولو كان كبير القدر جليل العلم- إذا نصحه أحد أو وعظه لا يغضب ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر؛ فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يُثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصِّرف.
١٤ - أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب وكثرة التعلقات الدنيوية المالية موجبة للتعادي بينهم وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يَرُدُّ عن ذلك إلا استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس.
١٥ - أن الاستغفار والعبادة -خصوصًا الصلاة- من مكفرات الذنوب؛ فإن الله رتَّب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده.
١٦ - إكرام الله لعبده داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثواب، وألَّا يظن أن ما جرى لهما مُنقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه
стр. 192
بعباده المخلصين: أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم أزال الآثار المترتبة عليه كلها حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار.
١٧ - أن الحُكم بين الناس مرتبة دينية تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى؛ فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية والعلم بصورة القضية المحكوم بها وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يَحل له الإقدام عليه.
١٨ - أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى ويجعله منه على بال؛ فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يُلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين.
١٩ - أن سليمان ﵇ من فضائل داود ومن منن الله عليه؛ حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده: أن يَهب له ولدًا صالحًا؛ فإن كان عالمًا كان نورًا على نور.
٢٠ - ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾.
٢١ - كثرة خير الله وبِره بعبيده: أن يَمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب.
стр. 193
٢٢ - تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء.
٢٣ - أن كل ما أشغل العبد عن الله؛ فإنه مشئوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له.
٢٤ - القاعدة المشهورة: «مَنْ ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه»، فسليمان ﵇ عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس تقديمًا لمحبة الله؛ فعوضه الله خيرًا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد؛ غدوها شهر ورواحها شهر، وسخر له الشياطين؛ أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يَقدر عليها الآدميون.
٢٥ - أن تسخير الشياطين لا تكون لأحد بعد سليمان ﵇.
٢٦ - أن سليمان ﵇ كان ملكًا نبيًّا يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يَفعل ولا يترك إلا بالأمر؛ كحال نبينا محمد ﷺ ، وهذه الحال أكمل. [٤/ ١٤٩٤ - ١٤٩٧].
• • •
стр. 194
الدرس ٩٠
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [سورة فصلت].
قال ﵀:
هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر، أي: لا أحد أحسن قولًا، أي: كلامًا وطريقة، وحالة ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾:
١ - بتعليم الجاهلين ووعظ الغافلين والمعرضين ومجادلة المبطلين؛ بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه؛ خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٢ - ومن الدعوة إلى الله تحبيبه إلى عباده؛ بذكر تفاصيل نعمه وسعة جوده وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله ونعوت جلاله.
٣ - ومن الدعوة إلى الله: الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه.
٤ - ومن ذلك: الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام وبر الوالدين.
стр. 195
٥ - ومن ذلك: الوعظ لعموم الناس في أوقات المواسم والعوارض والمصائب بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك مما لا تنحصر أفراده؛ بما يشمله الدعوة إلى الخير كله والترهيب من جميع الشر. [٤/ ١٥٧٣].
• • •
стр. 196
الدرس ٩١
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [سورة الشورى].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخبر تعالى بلطفه بعباده؛ ليعرفوه ويحبوه ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده -وخصوصًا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون.
فمن لطفه بعبده المؤمن:
١ - أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله؛ بما يَسَّر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام: أن يُثَبِّتوا عباده المؤمنين ويحثوهم على الخير، ويُلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيًا لاتباعه.
٢ - أَنْ أَمَرَ المؤمنين بالعبادات الاجتماعية؛ التي بها تقوى عزائمهم وتَنبعث هممهم ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه واقتداء بعضهم ببعض.
٣ - أن قَيَّض كل سبب يَعوقه ويحول بينه وبين المعاصي؛ حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا تقطع
стр. 197
عبده عن طاعته أو تحمله على الغفلة عنه أو على معصيته- صرفها عنه وقَدَّر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بحسب اقتضاء حكمته ولطفه، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الذي له القوة كلها؛ فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء. [٤/ ١٥٨٩ - ١٥٩٠].
• • •
стр. 198
الدرس ٩٢
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)﴾ [سورة الزخرف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين الذين جعلوا لله تعالى ولدًا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد؛ الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، وَأَنَّ ذلك باطل من عدة أوجه:
١ - أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة.
٢ - أن الولد جزء من والده، والله تعالى بائنٌ من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد؛ فمحال أن يكون لله تعالى ولد.
٣ - أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ومن المعلوم: أن البنات أدون الصنفين؛ فكيف يكون لله البنات ويصطفيهم بالبنين ويُفضلهم بها؟! فإذًا يكونون أفضل من الله؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!
٤ - أن الصنف الذي نسبوه لله -وهو البنات- أدون الصنفين وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من كراهته وشدة بغضه؛ فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟
٥ - أن الأنثى ناقصة في وصفها وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَ
стр. 199
مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾، أي: يجمَّل فيها لنقص جماله، فَيُجَمَّل بأمر خارج منه، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف يَنسبونهن لله تعالى؟!
٦ - أنهم جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الله إِنَاثًا؛ فتجرءوا على الملائكة العباد المقربين، ورَقُّوهم عن مرتبة العبادة والذل إلى مرتبة المشاركة لله في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية؛ فسبحان مَنْ أظهر تناقض مَنْ كذب عليه وعاند رسله.
٧ - أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته؛ فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يُسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. [٤/ ١٦٠٥ - ١٦٠٦].
• • •
стр. 200
الدرس ٩٣
قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [سورة محمد].
قال ﵀:
العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته؛ بمعنى: ما طُلب منه علمه وتمامه أن يعمل بمقتضاه، وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطر إلى ذلك، والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:
١ - أحدها -بل أعظمها-: تدبر أسمائه وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله؛ فإنها توجب بذل الجهد في التأله له والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.
٢ - العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير؛ فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.
٣ - العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته والتأله له وحده لا شريك له.
٤ - ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه -القائمين بتوحيده- من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به- فإن هذا داع إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
стр. 201
٥ - معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عُبدت مع الله واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا ينصرون مَنْ عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة؛ من جلب خير أو دفع شَرٍّ، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.
٦ - اتفاق كُتُب الله على ذلك وتواطئها عليه.
٧ - أن خواص الخلق -الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا ورأيًا وصوابًا وعلمًا؛ وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون- قد شهدوا لله بذلك.
٨ - ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه.
فهذه الطرق -التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله وأبداها في كتابه وأعادها- عند تأمل العبد في بعضها لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك؛ فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد؛ بحيث يكون كالجبال الرواسي لا تزلزله الشُّبه والخيالات، ولا يزداد -على تكرر الباطل والشُّبه- إلا نموًّا وكمالًا.
стр. 202
هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم والأمر الكبير -وهو تدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته- فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد، ويحصل به من تفاصيله وجُمله ما لا يحصل في غيره. [٤/ ١٦٥٨ - ١٦٥٩].
• • •
стр. 203
الدرس ٩٤
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ [سورة محمد].
قال ﵀:
ثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم؛ فقال: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جاءهم أمرٌ جد وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به وبذل الجهد في امتثاله ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ من حالهم الأولى، وذلك من وجوه:
١ - أن العبد ناقص من كل وجه لا قدرة له إلا إن أعانه الله؛ فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده.
٢ - أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل ضعف عن العمل بوظيفة وقته وبوظيفة المستقبل، أما الحال فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل فإنه لا يجيء حتى تَفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه.
٣ - أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة -مع كسله عن عمل الوقت
стр. 204
الحاضر- شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته على ما يستقبل من أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هَمَّ به ووَطَّنَ نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة؛ مستعينًا بربه في ذلك، فهذا حَرِيٌّ بالتوفيق والتسديد في جميع أموره. [٤/ ١٦٦٠].
• • •
стр. 205
الدرس ٩٥
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ [سورة الذاريات].
قال ﵀:
فصلٌ في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحِكَم والأحكام.
١ - أن من الحكمة قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار؛ ليعتبروا بهم وأين وصلت بهم الأحوال؟
٢ - فضيلة إبراهيم الخليل ﵊؛ حيث ابتدأ الله قصته بما يدل على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
٣ - مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل؛ الذي أمر الله محمدًا ﷺ وأمته أن يتبعوا مِلَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح له والثناء.
٤ - أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام بالقول والفعل؛ لأن الله وصف أضياف إبراهيم بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة قولًا وفعلًا، ومكرمون -أيضًا- عند الله تعالى.
٥ - أن إبراهيم ﵇ قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فرد عليهم إبراهيم سلامًا أكمل من سلامهم وأتم؛ لأنه أتى به جملة اسمية دالة على الثبوت والاستقرار.
стр. 206
٦ - مشروعيةَ تعرُّف مَنْ جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوع اتصال؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة.
٧ - أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ ولم يقل: «أنكرتكم»، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
٨ - المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البر عاجله، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
٩ - أن الذبيحة الحاضرة التي قد أُعَدِّت لغير الضيف الحاضر إذا جُعلت له ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم ﵇، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون.
١٠ - ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا لديه وفي بيته معدًّا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
١١ - أن إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وسيد مَنْ ضَيَّف الضيفان.
١٢ - أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: «تفضلوا، أو ائتوا إليه»؛ لأن هذا أيسر وأحسن.
١٣ - حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين؛ خصوصًا عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، ولم
стр. 207
يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض؛ فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، أو: «ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا» ونحو ذلك.
١٤ - أن من خاف من أحد لسبب من الأسباب فإن عليه أن يزيل عنه الخوف ويذكر له ما يُؤمن روعه ويُسَكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾، وأخبروه بتلك البشارة السارة بعد الخوف منهم.
١٥ - شدة فرح سارة -امرأة إبراهيم- حتى جرى منها ما جرى من صك وجهها وصَرَّتها غير المعهودة.
١٦ - ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم. [٤/ ١٧١١ - ١٧١٣].
• • •
стр. 208
الدرس ٩٦
قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتِ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ [سورة المجادلة].
قال ﵀:
وفي هذه الآيات عدة أحكام:
١ - لطف الله بعباده واعتناؤه بهم؛ حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام لكل مَنْ ابتلي بمثل هذه القضية.
٢ - أن الظهار مختص بتحريم الزوجة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فلو حَرَّمَ أَمَتَه، لم يكن ذلك ظهارًا، بل هو من جنس تحريم الطيبات الطعام والشراب تجب فيه كفارة اليمين فقط.
٣ - أنه لا يصح الظهار من امرأة قبل أن يتزوجها؛ لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح طلاقها؛ سواء نَجَّزَ ذلك أو عَلَّقَه.
٤ - أن الظهار محرم؛ لأن الله سَمَّاه ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
٥ - تنبيه الله على وجه الحكم وحكمته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾.
٦ - أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته ويدعوها باسم محارمه؛ كقوله: «يا أمي»، «يا أختي»، ونحو ذلك؛ لأن ذلك يُشبه المحرم.
стр. 209
٧ - أن الكفارة إنما تجب بالعَوْدِ لما قال المظاهر على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرد الظهار.
٨ - أنه يجزئ في كفارة الرقبة الصغير والكبير والذكر والأنثى؛ لإطلاق الآية في ذلك.
٩ - أنه يجب إخراجها إن كانت عتقًا أو صيامًا قبل المسيس، كما قَيَّده الله؛ بخلاف كفارة الإطعام، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها.
١٠ - أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس: أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع وعلم أنه لا يُمَكَّن من ذلك إلا بعد الكفارة- بادر بإخراجها.
١١ - أنه لا بد من إطعام ستين مسكينًا، فلو جمع طعام ستين مسكينًا ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك دون الستين لم يجز ذلك؛ لأن الله قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. [٤/ ١٧٨٩ - ١٧٩٠].
• • •
стр. 210
الدرس ٩٧
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [سورة الجمعة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه الآيات فوائد عديدة:
١ - أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها والمبادرة والاهتمام بشأنها.
٢ - أن الخطبتين يوم الجمعة فريضة يجب حضورهما؛ لأنه فَسَّر الذكر هنا بالخطبتين، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له.
٣ - مشروعية النداء للجمعة والأمر به.
٤ - النهي عن البيع والشراء بعد نداء الجمعة وتحريم ذلك، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه؛ فدل ذلك على أن كل أمر -وإن كان مباحًا في الأصل- إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك الحال.
٥ - الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة وذَم مَنْ لم يحضرهما، ومِنْ لازم ذلك: الإنصات لهما.
стр. 211
٦ - أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله وقت دواعي النفس لحضور اللهو والتجارات والشهوات: أن يُذَكِّرها بما عند الله من الخيرات وما لمُؤثِر رضاه على هواه. [٤/ ١٨٣٠ - ١٨٣١].
• • •
стр. 212
الدرس ٩٨
سورة الجن
قال ﵀:
وفي هذه السورة فوائد عديدة:
١ - وجود الجن، وأنهم مكلفون مأمورون منهيون، مجازون بأعمالهم، كما هو صريح في هذه السورة وغيرها.
٢ - أن رسول الله ﷺ مبعوث إلى الجن، كما هو رسول إلى الإنس؛ فإن الله صرف نفر الجن ليستمعوا ما يُوحى إليه ويبلغوا قومهم.
٣ - ذكاء الجن ومعرفتهم بالحق، وأن الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحققوه من هداية القرآن، وحسن أدبهم في خطابهم.
٤ - اعتناء الله برسوله ﷺ وحفظه لما جاء به؛ فحين ابتدأت بشائر نبوته والسماء محروسة بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأُزعجت عن مراصدها، وأن الله رحم به أهل الأرض رحمة ما يقدر لها قدر، وأراد بهم ربهم رشدًا؛ فأراد أن يظهر من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائر الإسلام، وينقمع به أهل الأوثان والأصنام.
٥ - شدة حرص الجن على استماعهم للرسول ﷺ وتراكمهم عليه.
стр. 213
٦ - أن هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وبينت حالة الخلق، وأن كل أحد منهم لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأن الرسول محمدًا ﷺ إذا كان لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًّا -بل ولا يملك لنفسه- علم أن الخلق كلهم كذلك؛ فمن الخطأ والظلم اتخاذ مَنْ هذا وصفه إلهًا آخر.
٧ - أن علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها؛ فلا يعلمها أحد من الخلق، إلا من ارتضاه الله واختصه بعلم شيء منها. [٤/ ١٨٩٦ - ١٨٩٧].
• • •
стр. 214
الدرس ٩٩
قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [سورة القيامة].
قال ﵀:
كان النبي ﷺ إذا جاءه جبريل بالوحي وشرع في تلاوته عليه- بادره النبي ﷺ من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه؛ فنهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وقال هنا: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه ويجمعه الله في صدره؛ فقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾؛ فالحرص الذي في خاطرك إنما الداعي له حَذَر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك.
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي: إذا أكمل جبريل ما يوحى إليك؛ فحينئذ اتَّبِع ما قرأه واقْرَأْهُ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي: بيان معانيه؛ فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون؛ فامتثل ﷺ لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا أنصت له، فإذا فرغ قرأه.
وفي هذه الآية:
١ - أدب لأخذ العلم: أن لا يبادر المتعلم للعلم قبل أن يفرغ المعلم من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه.
стр. 215
٢ - وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يُوجب الرد أو الاستحسان: ألَّا يبادر برده أو قبوله قبل الفراغ من ذلك الكلام؛ ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهمًا يتمكن فيه من الكلام فيه على وجه الصواب.
٣ - أن النبي ﷺ كما بَيَّن للأمة ألفاظ الوحي؛ فإنه قد بَيَّن لهم معانيه. [٤/ ١٩١٢].
وبهذا انتهى ما تَمَّ جمعُه وترتيبُه من الاستنباطات والفوائد، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى الله وسَلَّم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّينِ.
أحمد بن صالح بن عمر بن مرشد
ahmd ٥٧٧@gmail.com
• • •