Полный текст (215 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الدرس ٦٥
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [سورة الإسراء].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يأمر تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإقامة الصلاة تامَّة -ظاهرًا وباطنًا- في أوقاتها ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنًا؛ لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله وملائكة الليل وملائكة النهار؛ ففي هذه الآية:
١ - ذكر الأوقات الخمسة للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات المُوقعة فيه فرائض؛ لتخصيصها بالأمر.
٢ - أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها؛ لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات.
٣ - أن الظهر والعصر يُجمعان، والمغرب والعشاء كذلك للعذر؛ لأن الله جمع وقتهما جميعًا.
٤ - فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن؛ لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها دل على فرضية ذلك. [٢/ ٩٣٤].
• • •
стр. 142
الدرس ٦٦
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وقد دَلَّت هاتان الآيتان على عدة فوائد:
١ - الحث على العلم وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
٢ - الأدب فيمن اشتبه عليه العلم: أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
٣ - صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
٤ - جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾، وخصوصًا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك، ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك؛ لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
٥ - الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.
стр. 143
٦ - شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم أوطانهم في الله.
٧ - ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة هي طريقة المؤمنين المتقدمين والمتأخرين؛ لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾. [٣/ ٩٥٣].
• • •
стр. 144
الدرس ٦٧
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى -بعد تفسير الآية ٢١ من سورة الكهف وما قبلها- وفي هذه القصة- أي: قصة أصحاب الكهف:
١ - دليل على أن مَنْ فَرَّ بدينه من الفتن سَلَّمه الله منها.
٢ - أن من حرص على العافية عافاه الله.
٣ - ومَن أوى إلى الله آواه الله وجعله هدايةً لغيره.
٤ - ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العِز العظيم من حيث لا يحتسب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾. [٣/ ٩٥٤].
• • •
стр. 145
الدرس ٦٨
قال تعالى: ﴿ … وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
١ - ففيها دليل على المنع من استفتاء مَنْ لا يصلح للفتوى؛ إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يَحجزه، وإذا نُهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى.
٢ - وفي الآية -أيضًا- دليل على أن الشخص قد يكون منهيًّا عن استفتائه في شيء دون آخر؛ فيُستفتى فيما هو أهل له بخلاف غيره؛ لأن الله لم يَنْهَ عن استفتائهم مطلقًا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف وما أشبهها. [٣/ ٩٥٥].
• • •
стр. 146
الدرس ٦٩
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
ففي هذه القصة العظيمة:
١ - اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعمًا دنيوية؛ فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها: أن مآلها الانقطاع والاضمحلال.
٢ - وأنه وإن تمتع بها قليلًا، فإنه يُحرمها طويلًا.
٣ - وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى مُولِيها ومُسديها، وأن يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ ليكون شاكرًا لله متسببًا لبقاء نعمته عليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
٤ - الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.
٥ - أن المال والولد لا ينفعان إن لم يُعينا على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
стр. 147
٦ - الدعاء بتلف مال مَنْ كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم.
٧ - أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء ووجد العاملون أجرهم، فـ ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ أي: عاقبة ومآلا. [٣/ ٩٦٤].
• • •
стр. 148
الدرس ٧٠
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [سورة الكهف].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله:
١ - فمنها فضيلة العلم والرحلة في طلبه وأنه أهم الأمور، فإن موسى ﵇ رحل مسافة طويلة، ولقي النَّصَب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل؛ لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
٢ - البداءة بالأهم فالأهم؛ فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
٣ - جواز أخذ الخادم في الحَضَر والسفر لكفاية المُؤن وطلب الراحة، كما فعل موسى.
٤ - أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه؛ فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهارالشوق لهذه العبادة الجليلة، كما قال موسى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾،
стр. 149
وكما أخبر النبي ﷺ أصحابه حين غزا تبوك بوجهه -مع أن عادته التورية- وذلك تبع للمصلحة.
٥ - إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.
٦ - جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس -من نصب أو جوع أو عطش- إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقًا؛ لقول موسى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾.
٧ - استحباب كون خادم الإنسان ذكيًّا فطنًا كيِّسًا؛ ليتم له أمره الذي يريده.
٨ - استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعًا؛ لأن ظاهر قوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعًا.
٩ - أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يُعان ما لا يُعان غيره؛ لقوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾، والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، وأما الأول فلم يَشتك منه التعب مع طوله؛ لأنه هو السفر على الحقيقة، وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فحينئذ تذكر أنه نَسِيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
стр. 150
١٠ - أن ذلك العبد الذي لقياه ليس نبيًّا، بل عبدًا صالحًا؛ لأنه وصفه بالعبودية، وذكر مِنَّةَ الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيًّا لذكر ذلك كما ذكره غيره، وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، فإنه لا يدل على أنه نبي، وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨].
١١ - أن العلم الذي يُعلِّمه الله لعباده نوعان:
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده، ونوع علم لدني؛ يَهبه الله لمن يمن عليه من عباده؛ لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
١٢ - التأدب مع المعلم وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب؛ لقول موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾؛ فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا؟ وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يُظهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هو وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدًّا، فالذل للمعلم وإظهار الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم.
١٣ - تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى- بلا شك- أفضل من الخضر.
١٤ - تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مَهَرَ فيه، وإن
стр. 151
كان دونه في العلم بدرجات كثيرة؛ فإن موسى ﵇ مِنْ أولي العزم من المرسلين؛ الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يُعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه، فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدث إذا كان قاصرًا في علم النحو أو الصرف أو نحوه من العلوم ألَّا يتعلمه ممن مَهَرَ فيه وإن لم يكن محدثًا ولا فقيهًا.
١٥ - إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى والإقرار بذلك وشكر الله عليها؛ لقوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾، أي: مما عَلَّمك الله تعالى.
١٦ - أن العلم النافع هو العلم المُرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير وتحذير عن طريق الشر أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع وما سوى ذلك؛ فإما أن يكون ضارًّا، أو ليس فيه فائدة؛ لقوله: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾.
١٧ - أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم وحسن الثبات على ذلك: أنه يَفوته بحسب عدم صبره كثيرٌ من العلم، فمَن لا صبر له لا يُدرك العلم، ومَن استعمل الصبر ولازمه أدرك به كل أمر سعى فيه؛ لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه.
١٨ - أن السبب الكبير لحصول الصبر إحاطة الإنسان علمًا وخبرةً بذلك الأمر، الذي أُمِرَ بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه أو لا يدري غايته ولا نتيجته
стр. 152
ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر؛ لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾، فجعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خُبرًا بالأمر.
١٩ - الأمر بالتأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يُعرف ما يُراد منه وما هو المقصود.
٢٠ - تعليق الأمور المستقبلة التي من أفعال العباد بالمشيئة، وألَّا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
٢١ - أن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ فوطَّن نفسه على الصبر ولم يفعل.
٢٢ - أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يُوقفه عليها؛ فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرًا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالًا لا يتعلق في موضع البحث.
٢٣ - جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يخاف منها.
٢٤ - أن الناسي غير مُؤاخذ بنسيانه، لا في حق الله ولا في حقوق العباد؛ لقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
٢٥ - أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم: العفو منها وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون أو يشق
стр. 153
عليهم ويرهقهم؛ فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر؛ ليتيسر له الأمر.
٢٦ - أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعَلَّقُ بها الأحكام الدنيوية؛ في الأموال والدماء وغيرها، فإن موسى ﵇ أنكر على الخضر خرقه السفينة وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها أنها من المنكر، وموسى ﵇ لا يَسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحب عليها الخضر؛ فاستعجل ﵇ وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر وعدم المبادرة إلى الإنكار.
٢٧ - القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه «يُدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير»، ويُراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يَفتن أبويه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يُظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانهما خير من ذلك؛ فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر؛ فتزاحم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا.
٢٨ - القاعدة الكبيرة -أيضًا-: وهي أن «عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة: أنه يجوز ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير»، كما خرق الخضر السفينة لِتَعِيب؛ فتَسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق أو غرق أو نحوهما
стр. 154
في دار إنسان أو ماله وكان إتلاف بعض المال أو هدم بعض الدار فيه سلامة للباقي- جاز للإنسان، بل شُرع له ذلك؛ حفظًا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي- جاز ولو من غير إذن.
٢٩ - أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، ولم ينكر عليهم عملهم.
٣٠ - أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة؛ لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين لهم سفينة.
٣١ - أن القتل من أكبر الذنوب؛ لقوله في قتل الغلام: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرًا (٧٤)﴾.
٣٢ - أن القتل قصاصًا غير منكر؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾.
٣٣ - أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته.
٣٤ - أن خدمة الصالحين -أو من يتعلق بهم- أفضل من غيرها؛ لأنه عَلَّل استخراج كنزهما وإقامة جدارهما بأن أباهما صالح.
٣٥ - استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ؛ فإن الخضر أضاف عيبَ السفينة إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وأما الخير فأضافه إلى الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]،
стр. 155
وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠]، مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
٣٦ - أنه ينبغي للصاحب ألَّا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ويترك صحبته حتى يُعْتِبَهُ وَيُعذِر منه، كما فعل الخضر مع موسى.
٣٧ - أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة.
٣٨ - أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ مَحْضٌ أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح؛ ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يُقَدِّر على العبد أمورًا يكرهها جدًّا، وهي صلاح دينه؛ كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه؛ كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجًا من لطفه وكرمه؛ ليعرفوه ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة. [٣/ ٩٧٥ - ٩٨٠].
• • •
стр. 156
الدرس ٧١
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [سورة طه].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق ولا مألوه بالحب والذل والخوف والرجاء والمحبة والإنابة والدعاء، إلا هو ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ أي: له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى.
١ - من حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد.
٢ - ومن حسنها أنها ليست أعلامًا محضة، وإنما هي أسماء وأوصاف.
٣ - ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها.
٤ - ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها؛ لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب مَنْ يحبها ويحب من يحفظها، ويحب مَنْ يبحث عن معانيها ويتعبد له بها؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. [٣/ ١٠١٨ - ١٠١٩].
• • •
стр. 157
الدرس ٧٢
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [سورة طه].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب باللسان الفاضل العربي الذي تفهمونه وتفقهونه، ولا يخفى عليكم لفظه ولا معناه، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: نوعناها أنواعًا كثيرة:
١ - تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام.
٢ - وتارة بذكر المَثُلات التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة.
٣ - وتارة بذكر آثار الذنوب وما تُكْسِبُه من العيوب.
٤ - وتارة بذكر أهوال القيامة وما فيها من المزعجات والمقلقات.
٥ - وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب، كل هذا رحمة بالعباد؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الله، فيتركون من الشر والمعاصي ما يضرهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم؛ فكونه عربيًّا، وكونه مصرفًا فيه ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أكبر سبب وأعظم داع للتقوى والعمل الصالح، فلو كان غير عربي أو غير مصرف فيه لم يكن له هذا الأثر. [٣/ ١٠٤٥].
• • •
стр. 158
الدرس ٧٣
قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [سورة طه].
قال ﵀:
ويُؤخذ من هذه الآية الكريمة:
١ - الأدب في تلقي العلم.
٢ - وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر، حتى يَفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال.
٣ - ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام مُلقي العلم؛ فإنه سبب للحرمان.
٤ - وكذلك المسئول ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ويعرف المقصود منه قبل الجواب؛ فإن ذلك سبب لإصابة الصواب. [٣/ ١٠٤٦].
• • •
стр. 159
الدرس ٧٤
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [سورة الحج].
قال ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾؛ العلي في ذاته، فهو عال على جميع المخلوقات وفي قدره؛ فهو كامل الصفات، وفي قهره لجميع المخلوقات، الكبير في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته؛ الذي من عظمته وكبريائه:
١ - أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.
٢ - أن كرسيه وَسِع السماوات والأرض.
٣ - أن نواصي العباد بيده؛ فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته.
٤ - وحقيقة الكبرياء التي لا يعلمها إلا هو -لا ملك مقرب ولا نبي مرسل- أنها كل صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمة؛ فهي ثابتة له، وله من تلك الصفة أجلها وأكملها.
٥ - أن العبادات كلها -الصادرة من أهل السماوات والأرض كلها- المقصود منها: تكبيره وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعارًا للعبادات الكبار؛ كالصلاة وغيرها. [٣/ ١١١٢].
• • •
стр. 160
الدرس ٧٥
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ [سورة الحج].
قال ﵀:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ بذاته؛ الذي له الغنى المطلق التام من جميع الوجوه، ومن غناه:
١ - أنه لا يحتاج إلى أحد من خلقه، ولا يواليهم من ذلة، ولا يتكثر بهم من قلة.
٢ - أنه ما اتخذ صاحبةً ولا ولدًا.
٣ - أنه صمد، لا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلق بوجه من الوجوه، فهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَم.
٤ - أن الخلق كلهم مفتقرون إليه؛ في إيجادهم وإعدادهم وإمدادهم، وفي دينهم ودنياهم.
٥ - أنه لو اجتمع من في السماوات ومن في الأرض -الأحياء منهم والأموات- في صعيد واحد؛ فسأل كل منهم ما بلغت أُمنيته، فأعطاهم فوق أمانيهم- ما نقص ذلك من ملكه شيء.
٦ - أن يده سَحَّاء بالخير والبركات -الليل والنهار- لم يزل إفضاله على الأنفاس.
стр. 161
٧ - ومن غناه وكرمه: ما أودعه في دار كرامته مِمَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. [٣/ ١١١٣].
• • •
стр. 162
الدرس ٧٦
قوله تعالى: ﴿ … إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [سورة الحج].
قال ﵀:
أي: كامل القوة، كامل العزة؛ من كمال قوته وعزته:
١ - أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإرادته ومشيئته؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
٢ - أنه يمسك السماوات والأرض أن تَزُولا.
٣ - أنه يبعث الخلق كلهم -أولهم وآخرهم- بصيحة واحدة.
٤ - أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية بشيءٍ يسيرٍ وسوطٍ من عذابه. [٣/ ١١١٧ - ١١١٨].
• • •
стр. 163
الدرس ٧٧
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُواْ كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة النور].
قال ﵀:
وفي هاتين الآيتين فوائد منها:
١ - أن السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومَن تحت ولايتهم من الأولاد- العلم والآداب الشرعية؛ لأن الله وَجَّه الخطاب إليهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ الآية، ولا يمكن ذلك إلا بالتعليم والتأديب، ولقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾.
٢ - الأمر بحفظ العورات والاحتياط لذلك من كل وجه، وأن المحل والمكان الذي هو مظنة لرؤية عورة الإنسان فيه: أنه منهي عن الاغتسال فيه والاستنجاء ونحو ذلك.
٣ - جواز كشف العورة لحاجة؛ كالحاجة عند النوم، وعند البول والغائط، ونحو ذلك.
٤ - أن المسلمين كانوا معتادين للقيلولة وسط النهار، كما اعتادوا نوم الليل؛ لأن الله خاطبهم ببيان حالهم الموجودة.
٥ - أن الصغير الذي دون البلوغ لا يجوز أن يُمَكَّن من رؤية العورة، ولا يجوز أن تُرى عورته؛ لأن الله لم يأمر باستئذانهم إلا عن أمرٍ ما يجوز.
٦ - أن المملوك -أيضًا- لا يجوز أن يَرى عورة سيده، كما أن سيده لا
стр. 164
يجوز أن يرى عورته، كما ذكرنا في الصغير.
٧ - أنه ينبغي للواعظ والمعلم ونحوهم ممن يتكلم في مسائل العلم الشرعي: أن يقرن بالحكم بيان مأخذه ووجهه، ولا يُلقيه مجردًا عن الدليل والتعليل؛ لأن الله -لما بَيَّن الحكم المذكور- عَلَّله بقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
٨ - أن الصغير والعبد مخاطبان كما أن وليهما مخاطب؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾.
٩ - أن ريق الصبي طاهر، ولو كان بعد نجاسة كالقيء؛ لقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ مع قول النبي ﷺ حين سئل عن الهرة: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات».
١٠ - جواز استخدام الإنسان مَنْ تحت يده من الأطفال على وجه معتاد، لا يشق على الطفل لقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾.
١١ - أن الحكم المذكور المفصل إنَّما هو لما دون البلوغ، فأما ما بعد البلوغ فليس إلا الاستئذان.
١٢ - أن البلوغ يحصل بالإنزال؛ فكل حكم شرعي رُتِّبَ على البلوغ حصل بالإنزال، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف: هل يحصل البلوغ بالسن أو الإنبات للعانة، والله أعلم. [٣/ ١١٧٩ - ١١٨٠].
• • •
стр. 165
الدرس ٧٨
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ [سورة النور].
قال ﵀:
لمَّا بَيَّن لنا هذه الأحكام الجليلة قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الدالات على أحكامه الشرعية وَحِكَمِهَا؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ عنه فتفهمونها وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة؛ فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها يزيد في العقل وينمو به اللُّبُّ؛ لكون معانيها أجل المعاني وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه وللتفكر في آياته التي دعاه إليها- زاده من ذلك.
وفي هذه الآيات:
١ - دليل على قاعدة عامة كلية، وهي: أن «العرف والعادة مخصص للألفاظ كتخصيص اللفظ للفظ»؛ فإن الأصل أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع أن الله أباح الأكل من بيوت هؤلاء للعرف والعادة؛ فكل
стр. 166
مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم إذنه بالقول أو العرف جاز الإقدام عليه.
٢ - دليل على أن الأب يجوز له أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره؛ لأن الله سمى بيته بيتًا للإنسان.
٣ - دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان؛ كزوجته وأخته ونحوهما يجوز لهما الأكل عادة وإطعام السائل المعتاد.
٤ - دليل على جواز المشاركة في الطعام؛ سواء أكلوا مجتمعين أو متفرقين، ولو أفضى ذلك إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض. [٣/ ١١٨٣].
• • •
стр. 167
الدرس ٧٩
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [سورة الفرقان].
قال ﵀:
«أي: وقال الكافرون بالله -الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول ﷺ -: إن هذا القرآن كذبٌ كَذَبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون. فَرَدَّ الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور؛ الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد، وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول ﷺ وكمال صدقه وأمانته وبره التام، وأنه لا يمكنه -لا هو ولا سائر الخلق- أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد يُعينه على ذلك؛ ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ بهذا القول ظلمًا وزورًا، ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه وينقلها كل أحد استنسخها محمد، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾، وهذا القول منهم فيه عدة عظائم:
١ - رميهم الرسول ﷺ الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة.
٢ - إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله بأنه كذب وافتراء.
стр. 168
٣ - أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام.
٤ - أن الرسول ﷺ قد علمت حاله -وهم أشد الناس علمًا بها-: أنه لا يكتب ولا يجتمع بمن يكتب له، وهم قد زعموا ذلك. فلذلك رد عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. [٣/ ١١٨٨٧ - ١١٨٨].
• • •
стр. 169
الدرس ٨٠
قوله تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [سورة القصص].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة:
١ - أن آيات الله تعالى وعبره وأيامه في الأمم السابقة إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن الله تعالى إنما يسوق القصص لأجلهم، وأما غيرهم فلا يَعبأ الله بهم، وليس لهم منها نور وهدى.
٢ - أن الله تعالى إذا أراد أمرًا هيأ أسبابه وأتى بها شيئًا فشيئًا بالتدريج، لا دفعة واحدة.
٣ - أن الأمة المستضعفة -ولو بلغت في الضعف ما بلغت- لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور؛ خصوصًا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل -الأمة الضعيفة- من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، ومَلَّكهم بلادهم.
٤ - أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها، ولا يكون لها إمامة فيه.
٥ - لطف الله بأم موسى وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة؛ بأن الله تعالى سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين.
стр. 170
٦ - أن الله يُقَدِّر على عبده بعض المشاق؛ ليُنيله سرورًا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرًّا أكثر منه، كما قَدَّر على أم موسى ذلك الحزن الشديد والهم البليغ الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها على وجهٍ تطمئن به نفسها وتَقر به عينها وتزداد به غبطةً وسرورًا.
٧ - أن الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف.
٨ - أن الإيمان يزيد وينقص، وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان ويتم به اليقين: الصبر عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المُقلقات؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾، أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها.
٩ - أن من أعظم نعم الله على عبده و أعظم معونة للعبد على أموره: تثبيت الله إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف وعند الأمور المذهلة؛ فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه وانزعاجه، فإنه يضيع فكره ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال.
١٠ - أن العبد -ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيًا لإيمانه بخبر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يَرده عليها، ومع ذلك اجتهدت في ردِّه، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه.
стр. 171
١١ - جواز خروج المرأة في حوائجها وتكليمها للرجال من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين.
١٢ - جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك.
١٣ - أن الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه: أن يُريه من آياته ويُشهده من بيناته ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه؛ لتعلم أن وعد الله حق.
١٤ - أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عُرف لا يجوز؛ فإن موسى ﵇ عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبًا، واستغفر الله منه.
١٥ - أن الذي يقتل النفوس بغير حق يُعد من الجَبَّارين الذين يفسدون في الأرض.
١٦ - أن من قتل النفوس بغير حق وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ على وجه التقرير له، لا الإنكار.
١٧ - أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجبًا- كما أخبر ذلك الرجل لموسى ناصحًا له ومحذرًا.
стр. 172
١٨ - أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يُلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه كما فعل موسى.
١٩ - أنه عند تزاحم المفسدتين -إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما- أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يُقتل أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يَعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى؛ فتبعها موسى.
٢٠ - أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه -إذا لم يترجح عنده أحد القولين- فإنه يستهدي ربه ويسأله أن يهديه الصواب من القولين بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يُخيب مَنْ هذه حاله، كما خرج موسى تلقاء مدين؛ فقال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.
٢١ - أن الرحمة بالخلق -والإحسان على من يَعْرِف ومن لا يَعْرِف- من أخلاق الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز.
٢٢ - استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا لها؛ لأنه تعالى يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.
٢٣ - أن الحياء -خصوصًا من الكرام- من الأخلاق الممدوحة.
٢٤ - المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين.
стр. 173
٢٥ - أن العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول: أنه لا يُلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يَبتغ له ولم يستشرف بقلبه على عوض.
٢٦ - مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها مما لا يُقَدَّر به العمل، وإنما مرده العرف.
٢٧ - أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بُضْعًا.
٢٨ - أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره لا يُلام عليه.
٢٩ - أن خير أجير وعامل يعمل للإنسان: أن يكون قويًّا أمينًا.
٣٠ - أن من مكارم الأخلاق: أن يُحَسِّن خلقه لأجيره وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل؛ لقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
٣١ - جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
٣٢ - ما أجرى الله على يد موسى من الآيات البينات والمعجزات الظاهرة؛ من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة الله لموسى وهارون من فرعون ومن الغرق.
٣٣ - أن من أعظم العقوبات: أن يكون الإنسان إمامًا في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده: أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًّا.
стр. 174
٣٤ - ما فيها من الدلالة على رسالة محمد ﷺ ؛ حيث أخبر بذلك تفصيلًا مطابقًا وتأصيلًا موافقًا، قَصَّه قصًّا صدَّق به المرسلين وأيد به الحق المبين من غير حضور شيء من تلك الوقائع ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة دَرَسَ فيها شيئًا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان؛ لينذر به قومًا جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين.
فصلوات الله وسلامه على مَنْ مجرد خبره يُنبئ أنه رسول الله، ومجرد أمره ونهيه يُنبه العقول النيرة أنه من عند الله؛ كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به وصَدَّقه خبر الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جُبل عليه من الأخلاق الفاضلة التي لا تُناسب ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفَتحت أمته معظم بلدان الأمصار بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان، ولم تزل الأمم المعاندة والملوك الكفرة المتعاضدة ترميه بقوس واحدة وتكيد له المكايد وتمكر لإطفائه وإخفائه وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها؛ لا يزداد إلا نموًّا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورًا، وكل وقت من الأوقات يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ وهداية لِلْعَالمِينَ، ونورًا وبصيرةً للمتوسمين، والحمد لله وحده. [٣/ ١٢٨٦ - ١٢٨٩].
• • •
стр. 175
الدرس ٨١
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [سورة العنكبوت].
قال ﵀:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا أعداءهم وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته؛ ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ بالعون والنصر والهداية. دل هذا على:
١ - أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد.
٢ - وعلى أن من أحسن فيما أُمِرَ به أَعانه الله ويَسَّر له أسباب الهداية.
٣ - وعلى أَنْ من جَدَّ واجتهد في طلب العلم الشرعي؛ فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمورٌ إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم؛ فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نَوْعَي الجهاد؛ الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين وعلى ردِّ نزاع المخالفين للحق ولو كانوا من المسلمين. [٣/ ١٣٢٥].
• • •
стр. 176
الدرس ٨٢
قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [سورة لقمان].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾، أي: آياته محكمة صدرت من حكيم خبير.
ومن إحكامها:
١ - أنها جاءت بأجَلِّ الألفاظ وأفصحها وأبينها؛ الدالة على أجل المعاني وأحسنها.
٢ - أنها محفوظة من التغيير والتبديل والزيادة والنقص والتحريف.
٣ - أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة والأمور الغيبية- كلها مطابقة للواقع مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يُخبر بخلافها نبي من الأنبياء، ولم يأتِ -ولن يأتي- علم محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه.
٤ - أنها ما أمرت بشيء إلا وهو خالص المصلحة أو راجحها، ولا نهت عن شيء إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرًا ما يجمع بين الأمر بالشيء مع ذكر حكمته وفائدته والنهي عن الشيء مع ذكر مضرته.
٥ - أنها جمعت بين الترغيب والترهيب والوعظ البليغ؛ الذي تعتدل به النفوس الخَيِّرة وتحتكم؛ فتعمل بالحزم.
стр. 177
٦ - أنك تجد آياتها المتكررة -كالقصص والأحكام ونحوها- قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض ولا اختلاف، فكلما ازداد بها البصير تدبرًا وأعمل فيها العقل تفكرًا- انبهر عقله وذهل لُبُّه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزمًا لا يُمْتَرَى فيه: أنه تنزيل من حكيم حميد. [٣/ ١٣٤٥ - ١٣٤٦].
• • •
стр. 178
الدرس ٨٣
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [سورة الأحزاب].
قال ﵀:
وفي هذا التخيير فوائد عديدة:
١ - الاعتناء برسوله ﷺ والغيرة عليه: أن يكون بحالة يشقُّ عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية.
٢ - سلامته ﷺ بهذا التخيير من تَبِعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه؛ إن شاء أعطى وإن شاء منع؛ ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾.
٣ - تنزيهه عما لو كان فيهن مَنْ تُؤْثِرُ الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، وعن مقارنتها.
٤ - سلامة زوجاته ﵅ عن الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله؛ فحسم الله بهذا التخيير عنهن التسخط على الرسول الموجب لسخطه المُسخط لربه الموجب لعقابه.
٥ - إظهار رفعتهن وعلو درجتهن وبيان علو هِممهن: أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن دون الدنيا وحطامها.
стр. 179
٦ - استعدادهن بهذا الاختيار للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة.
٧ - ظهور المناسبة بينه وبينهن؛ فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
٨ - أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
٩ - أن يكون اختيارهن هذا سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) *وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [سورة الأحزاب]. [٣/ ١٣٨٢ - ١٣٨٣].
• • •
стр. 180
الدرس ٨٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [سورة الأحزاب].
قال ﵀:
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد:
الثناء على زيد بن حارثة ﵁، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الله سَمَّاه في القرآن، ولم يُسَمِّ من الصحابة باسمه غيره.
والثاني: أن الله أخبر أنه أنعم عليه، أي: بنعمة الإسلام والإيمان. وهذه شهادة من الله له أنه مسلم مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإلا فلا وجه لتخصيصه بالنعمة إلا أن المراد بها النعمة الخاصة.
٢ - أنَّ المُعْتَق في نعمة الْمُعْتِق.
٣ - جواز تزوج زوجة الدَّعِيِّ؛ كما صرح به.
٤ - أن التعليم الفعلي أبلغ من القولي؛ خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور.
٥ - أن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن بها محذور- لا يأثم عليها العبد ولو اقترن بذلك أمنيته: أن لو طلقها
следующие страницы →