المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أَمَّا بعدُ: فقد امتنَّ اللهُ تعالى على الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ بدقة الاستنباط من سُور وآيات القرآن الكريم، حتى إنه أحيانًا يُوَفَّقُ لاستنباط ما يَصل إلى خمسين فائدة.
وقد يَسَّر الله تعالى تتبع هذه السُّور والآيات التي وقف عندها واستنبط منها الفوائد، وتَمَّ حصرها وترتيبها على شكل دروس؛ فتُدَوَّن الآية أو الآيات في أعلى الصفحة، ثم يَليها سردُ ما ذُكر فيها من فوائد، وتَمَّ ترقيمها لِيَسهل على القارئ ضبطُها.
وفيما يلي جدول يُبين السُّور والآيات التي استنبط منها فوائد كثيرة تزيد على عشر فوائد:
من آية ٦ من المائدة … ٥١ فائدة
من سورة يوسف … ٤٥ فائدة
من آية ٢٨٢ - ٢٨٣ من البقرة … ٣٧ فائدة
من آية ٦٠ - ٨٢ من الكهف … ٣٧ فائدة
من آية ١ - ٥٠ من القصص … ٣٤ فائدة
من آية ١٧ - ٤٩ من ص … ٢٥ فائدة
стр. 2
من آية ٢٤ - ٣٧ من الذاريات … ١٦ فائدة
من آية ٨٤ - ٩٥ من هود … ١٤ فائدة
من آية ١٢ من المائدة … ١٢ فائدة
من آية ٥٨ - ٥٩ من النور … ١٢ فائدة
من آية ٣٧ من الأحزاب … ١١ فائدة
وقد تَمَّ نقلُ هذه الفوائد من تفسير الشيخ ابن سعدي ﵀ المَوسوم بـ «تيسير الكريم الرَّحمن في تفسير كلام المنان»، والنسخة المعتمدة في نقل هذه الفوائد هي الصادرة عن دار ابن الجوزي، والتي اعتنى بها الأستاذ سعد بن فواز الصميل وَفَّقَه الله، الطبعة الخامسة، ١٤٤٠ هـ، وإليها تَمَّ عزوُ الأجزاء والصفحات في آخر كلِّ درس؛ فالرقم الأول للجزء، والذي يليه للصفحة فيه.
أسألُ اللهَ تعالى أن يجعل عملَنا كُلَّه صالحًا ولوجهِه خالصًا، ورحم الله الشيخ عبد الرحمن السعدي، وأسكنه فسيح جناته، وبالله التوفيق.
وصَلَّى اللهُ وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
• • •
стр. 3
من أقوال العلماء في امتياز الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ بدقة الاستنباط
قال الشيخ عبد الله بن عقيل ﵀:
- «اهتمَّ بترسيخ العقيدة السَّلَفِيَّة والتوجه إلى الله، واستنباط الأحكام الشرعية والقواعد الأصولية والفوائد الفقهية» (١).
- «أهمُّ شيء سلامتُه من تأويلِ آيات الصِّفات؛ حيث فَسَّرها على منهج السلف، إضافة إلى ما فيه من الاستنباطات الدقيقة، وذِكر ما يُستفاد من كل آية يَمر بها في موضعها دون الإحالة إلى موضع آخر» (٢).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
«مِنْ أحسن التفاسير، له ميزات كثيرة: .... ومنها: دقة الاستنباط فيما تدل عليه الآيات من الفوائد والأحكام والحِكَم، وهذا يظهر جليًّا في بعض الآيات؛ كآية الوضوء في سورة المائدة، حيث استنبط منها خمسين حُكْمًا، وكما في قصة داود وسليمان ﵉ في سورة ص» (٣).
стр. 4
وقال الشيخ بكر أبو زيد ﵀:
«ضَمَّن -رحمه الله تعالى- تفسيرَه كثيرًا مِنْ جلائل المعاني، ودقائق الاستنباط مِنْ آيات الذِّكْر الحكيم والقرآن المجيد» (١).
• • •
стр. 5
مختارات من أقوال
الشيخ السعدي ﵀ في تَدَبُّر القرآن الكريم
- «يأمر تعالى بِتَدَبُّرِ كتابه، وهو التأمل في معانيه وتحديق الفِكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كلُّ خير، وتُستخرج منه جميع العلوم … ». [١/ ٣٢٩].
- بعد أن استنبط مِنْ آية الوضوء في سورة المائدة إحدى وخمسون فائدة قال: «ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها؛ ليزداد معرفة وعلمًا، ويزداد شُكرًا لله ومحبة له على ما شَرَعَه من الأحكام التي تُوَصِّل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة». [١/ ٤٠٣].
- «عِلْمُ القرآن أَجَلُّ العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم هداية تامَّة لا يحتاج معها إلى تخَرُّص المُتَكَلِّفين ولا إلى أفكار المُتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأَوَّلين والآخرين». [١/ ٥٢٦].
- «ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنَمِّيه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه». [٢/ ٦٠٦].
- « … هذا وإذا نظرتَ إلى الدليل العظيم والأمر الكبير- وهو تدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته- فإنَّه الباب الأعظم إلى العِلْم بالتوحيد، ويَحصل به من تفاصيله وجُمَلِه ما لا يحصل من غيره». [٤/ ١٦٥٨ - ١٦٥٩].
• • •
стр. 6
الدرس ١
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [سورة الفاتحة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
فهذه السُّورة -على إيجازها- قد احتوت على ما لم تَحْتَوِ عليه سورةٌ من سُور القرآن.
١ - فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يُؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يُؤخذ من لفظ: ﴿اللَّهِ﴾ ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى؛ التي أثبتَها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ، من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تَشبيه، وقد دل على ذلك لفظ: ﴿الْحَمْدُ﴾، كما تقدم.
٢ - وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
٣ - وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وأن الجزاء يكون بالعدل؛ لأن الدِّينَ معناه الجزاء بالعدل.
٤ - وتضمنت إثبات القَدَر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافًا للقَدَرِيَّة والجَبْرِيَّة.
стр. 7
٥ - بل تضمنت الردَّ على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾؛ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكلُّ مبتدع وضال فهو مخالف لذلك.
٦ - وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى؛ عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، فالحمد لله رب العالمين. [١/ ٣٣ - ٣٤].
• • •
стр. 8
الدرس ٢
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀:
وفي هذه الآيات مِنْ العِبَر والآيات:
١ - إثبات الكلام لله تعالى، وأنه لم يزل متكلمًا؛ يقول ما شاء، ويتكلم بما شاء، وأنه عليم حكيم.
٢ - وفيه أن العبد إذا خَفِيَت عليه حكمةُ الله في بعض المخلوقات والمأمورات؛ فالواجب عليه: التسليم واتِّهام عقله والإقرار لله بالحكمة.
٣ - وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة وإحسانه بهم؛ بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه.
٤ - وفيه فضيلة العلم من وجوه:
أ- أن الله تَعَرَّف لملائكته بعلمه وحكمته.
стр. 9
ب- أن الله عَرَّفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد.
ج- أن الله أمرهم بالسجود لآدم؛ إكرامًا له لمَّا بان فضلُ علمه.
د- أن الامتحان للغير إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة؛ فهو أكمل مما عرفه ابتداءً.
٦ - الاعتبار بحال أَبَوَي الإنس والجن، وبيان فضل آدم وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له .. إلى غير ذلك من العِبَر. [١/ ٥٥].
• • •
стр. 10
الدرس ٣
قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
« … واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأُمَّة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خُوطبوا بها، وهي فعل أسلافهم، ونُسِبت إليهم لفوائد عديدة:
١ - منها أنهم كانوا يتمدحون ويُزَكُّون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ﷺ ومَن آمن به؛ فبيَّن الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم ما يبين به لكل واحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم؛ فكيف الظن بالمخاطبين؟!
٢ - أن نعمة الله على المتقدمين منهم نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها؛ لأنها نِعَمٌ تَشملهم وتَعُمُّهم.
стр. 11
٣ - أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كأن متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكأن الحادث من بعضهم حادثٌ من الجميع؛ لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.
٤ - أن أفعالهم أكثرها لم يُنكروها، والراضي بالمعصية شريكٌ للعاصي .. إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها الا الله. [١/ ٦٥ - ٦٦].
• • •
стр. 12
الدرس ٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀: و أضاف الباري البيتَ إليه لفوائد:
١ - أن ذلك يقتضي شدةَ اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره؛ لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وُسْعَهما في ذلك.
٢ - أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام؛ ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.
٣ - أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب إليه. [١/ ٩١ - ٩٢].
• • •
стр. 13
الدرس ٥
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀:
أي: شديدُ الرحمة بهم عظيمُها.
١ - فمن رأفته ورحمته بهم: أن يَتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها.
٢ - أن مَيَّز عنهم مَنْ دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه.
٣ - أن امتحنهم امتحانًا زاد به إيمانُهم، وارتفعت به درجتُهم.
٤ - أن وَجَّههم إلى أشرف البيوت وأجَلِّها. [١/ ١٠٤].
• • •
стр. 14
الدرس ٦
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀:
وكان صرفُ المسلمين إلى الكعبة مما حصلت فيها فتنة كبيرة أشاعها أهل الكتاب والمنافقون والمشركون، وأكثروا فيها الكلام والشُّبه؛ فلهذا بَسطها الله تعالى، وبَيَّنها أكمل بيان، وأَكَّدها بأنواع من التأكيدات التي تضمنتها هذه الآيات منها:
١ - الأمر بها ثلاث مرات مع كفاية المرة الواحدة.
٢ - أن المعهود أن الأمر إما أن يكون للرسول ﷺ فتدخل فيه الأمة تبعًا- أو للأمة عمومًا، وفي هذه الآية أَمَر فيها الرسول ﷺ بالخصوص في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ والأمه عمومًا في قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
٣ - أنه ردَّ فيه جميع الاحتجاجات الباطلة التي أوردها أهلُ العِناد وأبطلها شبهةً شبهةً، كما تقدم توضيحها.
стр. 15
٤ - أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول ﷺ قِبلة أهل الكتاب.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فمجرد إخبار الصادق العظيم كافٍ شافٍ، ولكن مع هذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
٦ - أنه أخبر وهو العالم بالخفيات أن أهل الكتاب مُتقرر عندهم صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. [١/ ١٠٩].
• • •
стр. 16
الدرس ٧
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀:
ودَلَّت هذه الآية على أن مَنْ لم يصبر فله ضِدُّ ما لَهُم؛ فحصل له الذمُّ من الله والعقوبة والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين! وما أقل تعب الصابرين وأعظم عناء الجازعين!
وقد اشتملت هاتان الآيتان على:
١ - توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها؛ لِتَخِفَّ وتَسْهُل إذا وقعت.
٢ - وبيان ما تُقابل به إذا وقعت، وهو الصبر.
٣ - وبيان ما يُعِين على الصبر وما للصابرين من الأجر.
٤ - ويعلم حال غير الصابر بضد حالة الصابر.
٥ - وأن هذا الابتلاءَ والامتحانَ سُنَّةُ الله التي قد خَلَت، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
٦ - وبيان أنواع المصائب. [١/ ١١٥].
• • •
стр. 17
الدرس ٨
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾؛ فيدخل في ذلك: القولُ على الله بلا علم في شَرعه وقَدَرِه.
١ - فمَن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسِه؛ فقد قال على الله بلا علم.
٢ - ومن زعم أن لله ندًّا وأوثانًا تُقرب مَنْ عَبَدَها مِنْ الله؛ فقد قال على الله تعالى بلا علم.
٣ - ومن قال: إن الله أحلَّ كذا أو حَرَّم كذا أو أمر بكذا أو نهى عن كذا بغير بصيرة؛ فقد قال على الله بلا علم.
٤ - ومن قال: اللهُ خَلَقَ هذا الصنف من المخلوقات للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك؛ فقد قال على الله بلا علم.
٥ - ومن أعظم القول على الله بلا علم: أن يَتأول المتأولُ كلامَه أو كلام رسوله ﷺ على معانٍ اصطلح عليها طائفةٌ من طوائف الضلال ثم يقول: إن الله أرادها.
стр. 18
فالقول على الله بلا علم مِنْ أكبر المحرمات وأشملها، وأكبر طرق الشيطان التي يدعو إليها؛ فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها وجنودُه، ويبذلون مكرهم وخداعهم على إغواء الخلق بما يَقدرون عليه. [١/ ١٢٤ - ١٢٥].
• • •
стр. 19
الدرس ٩
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀: يخبر تعالى بما منَّ به على عباده؛ بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة؛ بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصيتم بها.
ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام؛ فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾، فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن فيه امتثالَ أمر الله واجتنابَ نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى:
١ - أن الصائم يترك ما حَرَّم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه؛ متقربًا بذلك إلى الله، راجيًا بتركها ثوابه؛ فهذا من التقوى.
٢ - أن الصائم يُدَرِّبُ نفسه على مراقبة الله تعالى؛ فيترك ما تَهوى نفسه مع قدرته عليه؛ لعلمه باطِّلاع الله عليه.
٣ - أن الصيام يُضَيِّق مجاري الشيطان؛ فإنه يَجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي.
стр. 20
٤ - أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.
٥ - أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المُعْدَمِين، وهذا من خصال التقوى. [١/ ١٣٥ - ١٣٦].
• • •
стр. 21
الدرس ١٠
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀: أي: ولا تأخذوا أموالكم، أي: أموال غيركم.
أضافه إليهم؛ لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأن أكله لمال غيره يُجَرِّئ غيره على أكل ماله عنده القدرة.
ولما كان أكلها نوعين: نوعًا بحق، ونوعًا بباطل، وكان المُحَرَّم إنما هو أكلها بالباطل قَيَّدَه تعالى بذلك.
١ - ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك.
٢ - ويدخل فيه -أيضًا- أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة؛ كعقود الربا والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة عِوَض مباح.
٣ - ويدخل في ذلك أخذها بسبب غشٍّ في البيع والشراء والإجارة ونحوها.
٤ - ويدخل في ذلك استعمال الأُجراء وأكل أُجرتهم.
٥ - وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه.
٦ - ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تَصح حتى يُقصد بها وجهُ الله تعالى.
стр. 22
٧ - ويدخل في ذلك الأخذ من الزَّكَوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها أو فوق حقه؛ فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه. [١/ ١٤٠].
• • •
стр. 23
الدرس ١١
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀: وأَمَرَهَم أن يأتوا البيوت من أبوابها؛ لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد الشرع.
ويستفاد من إشارة الآية أنه:
١ - ينبغي في كل أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السَّهل القريب الذي قد جعل له مُوصلًا.
أ- فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن ينظُر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه.
ب- والمتعلم والمُعَلِّم ينبغي أن يَسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده.
جـ- وهكذا كلُّ مَنْ حاول أمرًا من الأمور وأتاه من أبوابه وثَابَر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود. [١/ ١٤١].
• • •
стр. 24
الدرس ١٢
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
«يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق المُوصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير؛ من صدقة على مسكين أو قريب، أو إنفاق على من تجب مُؤنته.
وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك: الإنفاق في الجهاد في سبيل الله؛ فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن.
وفيها من المصالح العظيمة: الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه؛ فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة؛ فالنفقة له كالرُّوح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد وتسليط للأعداء وشدة تكالُبهم؛ فيكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ كالتعليل لذلك.
والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين:
أ- تَرْك ما أمر به العبد إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الرُّوح.
ب- وفِعل ما هو سبب مُوصل إلى تلف النفس أو الرُّوح؛ فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة:
стр. 25
١ - فمَن ذلك تَرْكُ الجهاد في سبيل الله أو النفقة فيه الموجب لتَسَلُّط الأعداء.
٢ - ومن ذلك تَغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سَفَر مَخوف أو مَحل مُسْبِعَة أو حيَّات، أو يصعد شجرًا أو بُنيانًا خطرًا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه مِمَّنْ ألقى بيده إلى التهلكة.
٣ - ومن ذلك: الإقامة على معاصي الله واليأس من التوبة.
٤ - ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض التي تَرْكُهَا هلاكٌ للرُّوح والدِّين. [١/ ١٤٤].
• • •
стр. 26
الدرس ١٣
قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
«ولمَّا كانت النفقة في سبيل الله نوعًا من أنواع الإحسان أَمَر بالإحسان عمومًا؛ فقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾، وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان؛ لأنه لم يُقَيِّده بشيء دون شيء».
فيدخل فيه:
١ - الإحسان بالمال، كما تقدم.
٢ - الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك.
٣ - ويدخل في ذلك: الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم النافع.
٤ - ويدخل في ذلك: قضاء حوائج الناس؛ من تفريج كرباتهم وإزالة شدائدهم وعيادة مَرْضاهم وتشييع جنائزهم وإرشاد ضَالِّهم وإعانة مَنْ يعمل عملًا، والعمل لِمَنْ لا يُحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به.
٥ - ويدخل في الإحسان -أيضًا-: الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي ﷺ : «أن تَعبد اللهَ كأنَّك تَرَاه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
стр. 27
فمَن اتَّصف بهذه الصفات كان مِنْ الذين قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وكان الله معه يُسَدِّده ويُرشده ويُعينه على كل أموره. [١/ ١٤٤ - ١٤٥].
• • •
стр. 28
الدرس ١٤
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على أمور:
١ - الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفًا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف.
٢ - الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك -أيضًا- معروف، يكون ليلةَ النحر بائتًا بها، وبعد صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعيًا حتى يُسْفِر جدًّا، ويدخل في ذكر الله عنده إيقاع الفرائض والنوافل فيه.
٣ - أن الوقوف بمزدلفة مُتأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه الفاء والترتيب.
٤، ٥ - أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فِعْلُها وإظهارها
٦ - أن مزدلفة في الحَرَم، كما قَيَّدَه بالحرام.
٧ - أن عرفة في الحِلِّ، كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة. [١/ ١٤٩].
стр. 29
الدرس ١٥
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [سورة البقرة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
ويدخل في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾:
١ - تكميل الصلوات.
٢ - الإكثار من ذكر الله؛ شكرًا له على نعمة الأمن وعلى نعمة التعليم؛ لما فيه سعادة العبد.
٣ - وفي الآية الكريمة فضيلة العلم، وأنَّ على مَنْ عَلَّمه اللهُ ما لم يكن يعلم الإكثارَ مِنْ ذكر الله.
٤ - وفيه الإشعار -أيضًا- أن الإكثار من ذكره سبب لتعليم علوم أُخر؛ لأن الشكر مقرون بالمزيد. [١/ ١٧٨].
• • •
стр. 30
الدرس ١٦
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [سورة البقرة].
قال ﵀:
وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرة للأمة:
١ - منها فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأن المجاهدين -ولو شَقَّت عليهم الأمور- فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين -ولو استراحوا قليلًا- فإنهم سيتعبون طويلًا.
٢ - ومنها الانتداب لرياسة مَنْ فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين:
أ- إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير.
ب- وإلى القوة التي ينفذ بها الحق.
стр. 31
وأن مَنْ اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره.
٣ - ومنها الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء: أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل ورِكاب؛ لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر مَحض على الناس.
٤ - ومنها أنه ينبغي عنده حضور البأس تقويةُ المجاهدين وتشجيعهم وحثُّهم على القوة الإيمانية، والاتكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء.
٥ - ومنها أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته؛ فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تَنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي ﷺ : «أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمةَ على الرشد».
فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأَتَوْا بكلام يدل على العزم المُصمم لما جاء الوقتُ نكص أكثرُهم.
ويشبه هذا قوله ﷺ : «وأسألك الرِّضا بعد القضاء»؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي. [١/ ١٨٣ - ١٨٤].
• • •
стр. 32
الدرس ١٧
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [سورة البقرة].
هذه الآيةُ -آية الدَّيْنِ- أطولُ آية في كتاب الله، وقد استنبط الشيخ ابن سعدي ﵀ منها ومن الآية التي تليها ٣٧ فائدة.
قال ﵀: احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عبادَه في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح على العقلاء أعلى ولا أكمل منها؛ فإن فيها فوائدَ كثيرةً منها:
١ - جواز المعاملات في الدُّيون؛ سواءً كانت ديون سَلَم أو شراء مُؤَجَّلًا ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقَرَّهم عليه الملكُ الدَّيَّان.
٢ - وجوب تسمية الأجل في جميع المُدَايَنات وحلول الإجارات.
٣ - إذا كان الأجل مجهولًا فإنه لا يَحِل؛ لأنه غَرَر وخَطر، فيَدخل في المَيْسِر.
٤ - أمره تعالى بكتابه الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق؛ كالذي للعبد عليه ولاية، وكأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد
стр. 33
يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضًا للعبد؛ فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تُحفظ به هذه المعاملات المؤجلة؛ لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخشون الله تعالى.
٥ - أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل؛ فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها.
٦ - أن الكتابه بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذِمَمهما، كما أمره الله بذلك، فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليَحظى بثوابها.
٧ - أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًّا لم تكن كتابته مُعتبرة ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق.
٨ - أن من تمام الكتابة والعدل فيها: أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بِحَسَبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم.
٩ - أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من عَلَّمَه الله الكتابة فقد تَفَضَّل عليه بفضل عظيم.
فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى: أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
стр. 34
١٠ - أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف مَنْ عليه الحق إذا كان يُحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خَرَسه أو عدم استطاعته أملى عنه وليُّه، وقام وليه في ذلك مقامه.
١١ - أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تَثبت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه مَنْ عليه الحق.
١٢ - ثبوت الولاية على القاصرين مِنْ الصِّغار والمجانين والسفهاء ونحوهم.
١٣ - أن الولي يقوم مقام مُوليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه.
١٤ - أن من أَمنته في معاملة وفَوَّضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك؛ لأنه إذا كان الولي على القاصرين يَنوب منابهم، فالذي ولَّيتَه باختيارك وفَوَّضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف.
١٥ - أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يَبخس الحق الذي عليه؛ فلا يُنقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق، كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المُطَفِّفين الباخسين.
١٦ - وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها.
стр. 35
١٧ - الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم؛ لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعًا حاضرًا فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه.
١٨ - الإرشاد إلى شهادة رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تَعَذَّر أو تَعَسَّر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات؛ بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها.
١٩ - أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية، وأما في الأمور الدينية؛ كالرواية والفتوى، فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين.
٢٠ - الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبًا وقوة حافظة الرجل.
٢١ - أن الشاهد لو نسي شهادته فَذَكَّرَه الشاهد الآخر فَذَكَرَ؛ أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير؛ لقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين.
٢٢ - أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شك، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يَحل له أن يشهد إلا بما يعلم.
стр. 36
٢٣ - أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة؛ سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها.
٢٤ - أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد؛ بأن يُدعَيا في وقت أو حالة تضرهما، وكما أنه نهيٌ لأهل الحقوق والمتعاملين أن يُضاروا الشهود والكُتَّاب فإنه -أيضًا- نهيٌ للكاتب والشهيد أن يُضار المتعاملين أو أحدهما، وفي هذا -أيضًا- أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.
٢٥ - وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يَحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يُطيقون؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفًا أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.
٢٦ - أنه لا يجوز أخذُ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت؛ لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.
٢٧ - التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وهذه مصالح ضرورية للعباد.
стр. 37
٢٨ - أن تَعَلُّم الكتابة من الأمور الدينية؛ لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.
٢٩ - أن مَنْ خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بهاحاجاتهم؛ لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.
٣٠ - أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل: فأنتم فُسَّاق أو فاسقون، بل قال: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: علمًا تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل.
٣١ - أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات؛ فمنه -أيضًا- تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تِبيان كل شيء.
٣٢ - مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه؛ سواء عَامَل برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا؛ فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات.
стр. 38
٣٣ - أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضًا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضًا يدل على أنه قد يكون مقبوضًا تحصل به الثقة التامة، وقد لا يكون مقبوضًا؛ فيكون ناقصًا.
٣٤ - أنه يستدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدَّيْن الذي به الرهن: أن القول قول المرتهن صاحب الحق؛ لأن الله جعل الرهن وثيقة به، فلولا أنه يُقبل قولُه في ذلك لم تحصل به الوثيقة؛ لعدم الكتابة والشهود.
٣٥ - أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال مَنْ عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته.
٣٦ - أن مَنْ ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفًا عظيمًا ورضي بدينه وأمانته؛ فيتأكد على مَنْ له عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين:
أ- أداء لحق الله وامتثالًا لأمره.
ب- ووفاءً بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به.
٣٧ - تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أَثِم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها -كالشهادة بالباطل والزُّور- فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق.
стр. 39
وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضرًا وسفرًا، فللحاجة إليه؛ لعدم الكاتب والشهيد.
وختم الآية بأنه عليمٌ بكل ما يعمله العباد؛ كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة. [١/ ٢٠٠ - ٢٠٥].
• • •
стр. 40
الدرس ١٨
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [سورة آل عمران].
قال ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفِكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصرُه:
١ - منها أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.
٢ - أن فيها تسميحًا لخواطرهم وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإنَّ مَنْ له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل وشَاوَرَهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس يَستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع؛ فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته؛ لعلمهم بِسعيه في مصالح العموم، بخلاف مَنْ ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يُحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
٣ - أن في الاستشارة تنور الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.