Полный текст (215 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٢٣ - أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة؛ سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها.
٢٤ - أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد؛ بأن يُدعَيا في وقت أو حالة تضرهما، وكما أنه نهيٌ لأهل الحقوق والمتعاملين أن يُضاروا الشهود والكُتَّاب فإنه -أيضًا- نهيٌ للكاتب والشهيد أن يُضار المتعاملين أو أحدهما، وفي هذا -أيضًا- أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.
٢٥ - وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يَحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يُطيقون؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفًا أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.
٢٦ - أنه لا يجوز أخذُ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت؛ لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.
٢٧ - التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وهذه مصالح ضرورية للعباد.
стр. 37
٢٨ - أن تَعَلُّم الكتابة من الأمور الدينية؛ لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.
٢٩ - أن مَنْ خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بهاحاجاتهم؛ لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.
٣٠ - أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل: فأنتم فُسَّاق أو فاسقون، بل قال: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: علمًا تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل.
٣١ - أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات؛ فمنه -أيضًا- تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تِبيان كل شيء.
٣٢ - مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه؛ سواء عَامَل برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا؛ فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات.
стр. 38
٣٣ - أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضًا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضًا يدل على أنه قد يكون مقبوضًا تحصل به الثقة التامة، وقد لا يكون مقبوضًا؛ فيكون ناقصًا.
٣٤ - أنه يستدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدَّيْن الذي به الرهن: أن القول قول المرتهن صاحب الحق؛ لأن الله جعل الرهن وثيقة به، فلولا أنه يُقبل قولُه في ذلك لم تحصل به الوثيقة؛ لعدم الكتابة والشهود.
٣٥ - أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال مَنْ عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته.
٣٦ - أن مَنْ ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفًا عظيمًا ورضي بدينه وأمانته؛ فيتأكد على مَنْ له عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين:
أ- أداء لحق الله وامتثالًا لأمره.
ب- ووفاءً بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به.
٣٧ - تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أَثِم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها -كالشهادة بالباطل والزُّور- فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق.
стр. 39
وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضرًا وسفرًا، فللحاجة إليه؛ لعدم الكاتب والشهيد.
وختم الآية بأنه عليمٌ بكل ما يعمله العباد؛ كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة. [١/ ٢٠٠ - ٢٠٥].
• • •
стр. 40
الدرس ١٨
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [سورة آل عمران].
قال ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفِكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصرُه:
١ - منها أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.
٢ - أن فيها تسميحًا لخواطرهم وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإنَّ مَنْ له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل وشَاوَرَهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس يَستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع؛ فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته؛ لعلمهم بِسعيه في مصالح العموم، بخلاف مَنْ ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يُحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
٣ - أن في الاستشارة تنور الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.
стр. 41
٤ - ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعل، هـ وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب فليس بمَلوم.
فإذا كان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ وهو مِنْ أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا وأفضلهم رأيًا-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ فكيف بغيره؟!
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾، أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه -إن كان يحتاج إلى استشارة- ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: اعتمد على حول الله وقوته مُتبرئًا من حولك وقوتك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ عليه اللاجئين إليه. [١/ ٢٥٥ - ٢٥٦].
• • •
стр. 42
الدرس ١٩
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَّرِيئا (٤)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللَّاتي تحت حجوركم وولايتكم، وخفتم ألَّا تقوموا بحقهن؛ لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن وانكحوا ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، أي: ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدِّينِ والمال والجمال والحسب والنسب وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن؛ فاختاروا على نظركم.
ومِن أحسن ما يُختار من ذلك صفةُ الدِّين؛ كما قال النبي ﷺ : «تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها؛ فاظفر بذات الدِّينِ، تَرِبَت يمينُك».
وفي هذه الآية:
١ - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل قد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها؛ ليكون على بصيرة من أمره.
٢ - ﴿ذَلِكَ﴾، أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين، ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾، أي: تظلموا، وفي هذا أنَّ تعرض العبد للأمر الذي يُخاف منه
стр. 43
الجور والظلم وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحًا- أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أُعطي العبد.
٣ - أن المهر يُدفَع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد؛ لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك.
٤ - فيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها ولو بالتبرع إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حُكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء غير ما طابت به.
٥ - وفي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ دليل على أن نكاح الخبيثه غير مأمور به، بل منهيٌ عنه كالمشركة وكالفاجرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. [١/ ٢٧٥ - ٢٧٦].
• • •
стр. 44
الدرس ٢٠
قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
أي: ينبغي لكم أيها -الأزواج- أن تُمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.
من ذلك:
١ - امتثال أمر الله وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.
٢ - أن إجباره نفسه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس والتخلق بالأخلاق الجميلة.
٣ - وربما أن الكراهة تزول وتَخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك.
٤ - وربما رُزق منها ولدًا صالحًا؛ فنفع والديه في الدنيا والآخرة.
وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق وليس للإمساك مَحِل، فليس الإمساك بلازم … [١/ ٢٩٣].
• • •
стр. 45
الدرس ٢١
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾، أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين:
١ - بتيسير ما أمرهم به وتسهيله غاية التسهيل؛ بحيث لا يشق على العبد امتثاله، فيُحرج بذلك.
٢ - ومن عفوة ومغفرته: أن رحم هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء عند تعذُّر استعماله.
٣ - ومن عفوه ومغفرته: أن فَتَحَ للمذنبين باب التوبة والإنابة، ودعاهم إليه ووعدهم بمغفرة ذنوبهم.
٤ - ومن عفوه ومغفرته: أن المؤمن لو أتاه بِقُراب الأرض خطايا، ثم لَقِيَه لا يشرك به شيئًا لأتاه بقرابها مغفرة. [١/ ٣١٠].
• • •
стр. 46
الدرس ٢٢
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
ثم رَتَّب ما يحصل لهم على فعل ما يُوعظون به، وهو أربعة أمور:
١ - الخيرية في قوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفه الأشرار؛ لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده.
٢ - حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يُثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان الذي هو القيام بما وُعظوا به؛ فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يُوفقون به لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين عند الموت وفي القبر، وأيضًا فإن العبد القائم بما أمر به لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها؛ فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.
стр. 47
٣ - قوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾، أي: في العاجل والآجل الذي يكون للرُّوح والقلب والبدن، ومِن النعيم المقيم؛ مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر.
٤ - الهداية إلى صراط مستقيم.
وهذا عموم بعد خصوص؛ لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم من كونها متضمنة للعلم بالحق ومحبته وإيثاره به والعمل به وتوَقُّف السعادة والفلاح على ذلك؛ فمن هُدي إلى صراط مستقيم فقد وُفِّق لكل خير واندفع عنه كلُّ شَرٍّ وضَيْرٍ. [١/ ٣٢٠ - ٣٢١].
• • •
стр. 48
الدرس ٢٣
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾؛ الذي هو الشيطان.
في ضمن ذلك عدة فوائد منها:
١ - أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته، فالجهاد في سبيل الله مِنْ آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت مِنْ شُعَب الكفر ومقتضياته.
٢ - أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويَحْسُن منه من الصبر والجَلَد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك؛ كما قال تعالى في هذا المعنى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ الآية [النساء: ١٠٤].
٣ - أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمدًا على ركن وثيق، وهو الحق والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يُطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يُطلب ممن يقاتل عن الباطل الذي لا حقيقة له ولا
стр. 49
عاقبة حميدة؛ فلهذا قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.
والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُه مهما بلغ؛ فإنه في غاية الضعف الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين. [١/ ٣٢٤ - ٣٢٥].
• • •
стр. 50
الدرس ٢٤
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النُّصُب والشروط؛ فإنها لم تُفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء؛ لعدة فوائد:
١ - منها أن من حكمة الباري تعالى: أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم والأسهل فالأسهل.
٢ - أنه لو فُرض عليهم القتال مع قلة عَددهم وعُددهم وكثرة أعدائهم لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام؛ فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحِكَم. [١/ ٣٢٥].
• • •
стр. 51
الدرس ٢٥
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه وتحديق الفِكر فيه وفي مبادئه وعواقبه ولوازم ذلك:
١ - فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كلُّ خير وتُستخرج منه جميع العلوم.
٢ - وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه:
أ- يُعَرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال وما يُنَزَّه عنه من سمات النقص.
ب- ويُعَرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها وما لهم عند القدوم عليه.
ج- ويُعَرِّف العدو؛ الذي هو العدو على الحقيقه والطريق الموصلة إلى العذاب وصفة أهلها وما لهم عند وجود أسباب العقاب.
٣ - وكلما ازداد العبد تأملًا فيه ازداد علمًا وعملًا وبصيرةً؛ لذلك أمر الله بذلك وحَثَّ عليه، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
стр. 52
٤ - ومن فوائد التدبر لكتاب الله تعالى: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله؛ لأنه يراه يُصَدِّق بعضه بعضًا ويُوافق بعضه بعضًا.
فترى الحِكَم والقصة والإخبارات تُعاد في القرآن في عدة مواضع كلها متوافقة متصادقة لا يَنقض بعضها بعضًا؛ فبذلك يُعلم كمال القرآن وأنه مِنْ عند مَنْ أحاط علمه بجميع الأمور؛ فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلًا. [١/ ٣٢٩ - ٣٣٠].
• • •
стр. 53
الدرس ٢٦
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾، أي: كامل العلم كامل الحكمة لا يَخفى عليه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في أيِّ وقت كان وأيِّ محل كان، ولا يَخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيءٌ، بل كل ما خَلَقَه وشَرَعَه فهو متضمن لغاية الحكمة.
١ - ومن علمه وحكمته: أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسَبَّب لإعدام نفس محترمة وأخرجها من الوجود إلى العدم؛ فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رقِّ العبودية للخلق إلى الحرية التامة.
٢ - فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربًا إلى الله، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذه المواضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار.
стр. 54
٣ - ومن حكمته: أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ؛ لتكون رادعةً وكافةً عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
٤ - ومن حكمته: أن أُوجبت على العاقلة في قتل الخطأ بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يُذنب فيَشق عليه أن يَحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك مَنْ بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذار تحميلهم، ويَخف عليهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخُفِّفت -أيضًا- بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
٥ - ومن حكمته وعلمه: أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل. [١/ ٣٣٧].
• • •
стр. 55
الدرس ٢٧
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
وفي الآية دليل على:
١ - أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر.
٢ - أن كل من تُوُفِّي فقد استكمل واستوفى ما قُدِّر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ «التوفي»، فإنه يدل على ذلك؛ لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.
٣ - الإيمان بالملائكة ومدحهم؛ لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم وموافقته لمحله، ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه، فقال: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾، فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ و ﴿عَسَى﴾ ونحوها واجبٌ وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه.
стр. 56
٤ - وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة: وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب، والله أعلم.
٥ - وفي الآية الكريمة دليل على أنَّ من عجز عن المأمور من واجب وغيره، فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقال في عموم الأوامر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتُكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم»، ولكن لا يُعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾.
٦ - وفي الآية تنبيهٌ على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما -مما يحتاج إلى سَفَر- من شروط الاستطاعة. [١/ ٣٢٤ - ٣٤٣].
стр. 57
الدرس ٢٨
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
أي: فإذا فرغتم من صلاتكم -صلاة الخوف وغيرها- فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم، ولكن خُصَّت صلاة الخوف بذلك لفوائد:
١ - منها أن القلب صلاحه وفلاحه وسعادته بالإنابة إلى الله تعالى في المحبة وامتلاء القلب من ذِكره والثناء عليه، وأعظم ما يحصل به هذا المقصود: الصلاة؛ التي حقيقتها أنها صلة بين العبد وبين ربه.
٢ - أن فيها من حقائق الإيمان ومعارف الإيقان ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة، ومن المعلوم أن صلاة الخوف لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب والبدن والخوف، فأمر بجبرها بالذكر بعدها.
٣ - أن الخوف يوجب من قلق القلب وخوفه ما هو مظنة لضعفه، وإذا ضعف القلب ضعف البدن عن مقاومة العدو، والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب.
٤ - أن الذكر لله تعالى مع الصبر والثبات سبب للفلاح والظفر بالأعداء،
стр. 58
كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]؛ فأمر بالإكثار منه في هذه الحال .. إلى غير ذلك من الحِكَم. [١/ ٣٤٨].
• • •
стр. 59
الدرس ٢٩
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [سورة النساء].
قال ﵀:
يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله ﷺ من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء ﵈، وفي هذا عدة فوائد:
١ - منها أن محمدًا ﷺ ليس ببدعٍ من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العددَ الكثير والجَمَّ الغفير؛ فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل أو العناد.
٢ - أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يُصدق بعضًا ويوافق بعضهم بعضًا.
٣ - أنه من جنس هؤلاء الرسل؛ فليعتبره المُعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم وأخلاقهم متفقة ومصدرهم واحد وغايتهم واحدة؛ فلم يقرنه بالمجهولين ولا بالكذابين ولا بالملوك الظالمين.
٤ - أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم والثناء الصادق عليهم وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانًا بهم ومحبةً لهم واقتداءً بهديهم واستنانًا بسنتهم ومعرفةً بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقًا لقوله
стр. 60
تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]، و ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩]، و ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]، و ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)﴾ [الصافات: ١٣٠ - ١٣١]؛ فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه، والرسل -خصوصًا هؤلاء المُسَمَّوْن- في المرتبة العليا من الإحسان. [١/ ٣٨٢].
• • •
стр. 61
الدرس ٣٠
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، أي: وأُحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية.
دلت هذه الآية على أمور:
١ - لطف الله بعباده ورحمته لهم؛ حيث وَسَّعَ عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يُذَكُّوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب والفُهود والصَّقر ونحو ذلك مما يَصيد بنابه أو بمخلبه.
٢ - أنه يشترط أن تكون مُعَلَّمَة بما يُعد في العرف تعليمًا؛ بأن يسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.
وما أكل منه الجارح؛ فإنه لا يُعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.
٣ - اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما؛ لقوله: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، مع ما تقدم من تحريم المنخنقة، فلو خنقه الكلب أو غيره أو قتله
стр. 62
بثقله لم يُبح هذا؛ بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب؛ أي: المحصلات للصيد والمدركات له، فلا يكون فيها على هذا دلالة، والله أعلم.
٤ - جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم؛ لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جوازَ اقتنائه.
٥ - طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد؛ لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلًا؛ فدل على طهارته.
٦ - فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المُعَلَّم بسبب العلم يُباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.
٧ - أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير ونحوهما ليس مذمومًا، وليس من العبث والباطل، بل هو أمر مقصود؛ لأنه وسيلة لحِلِّ صيده والانتفاع به.
٨ - فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد؛ قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.
٩ - فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يُسَمِّ الله متعمدًا لم يبح ما قتل الجارح.
١٠ - أنه يجوز أكل ما صاده الجارح؛ سواءً قتله الجارح أم لا، وأنه إن أدركه صاحبه وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها. [١/ ٣٩٥ - ٣٩٦].
• • •
стр. 63
الدرس ٣١
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة؛ نذكر منها ما يَسَّره الله وسَهَّله.
«ثم ذكر ﵀ ٥١ حكمًا».
١ - أن هذه المذكورات فيها: امتثالُها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به؛ لأنه صدَّرها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ إلى آخرها، أي: يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
٢ - الأمر بالقيام بالصلاة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
٣ - الأمر بالنية للصلاة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، أي: بقصدها ونيتها.
٤ - اشتراط الطهارة لصحة الصلاة؛ لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
٥ - أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما عند إرادة الصلاة.
стр. 64
٦ - أن كل ما يُطلق عليه اسم الصلاة من الفرض والنفل وفرض الكفاية وصلاة الجنازة- تُشترط له الطهارة حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء؛ كسجود التلاوة والشكر.
٧ - الأمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحية والذقن طولًا، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضًا، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق بالسُّنَّة، ويدخل فيه الشعور التي فيه؛ لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
٨ - الأمر بغسل اليدين، وأن حَدَّهُما إلى المرفقين، و ﴿إِلَى﴾ كما قال جمهور المفسرين بمعنى: (مع)؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولأن الواجب لا يتمُّ إلا بغسل جميع المرفق.
٩ - الأمر بمسح الرأس.
١٠ - أنه يجب مسح جميعه؛ لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعمُّ المسح بجميع الرأس.
١١ - أنه يكفي المسح كيفما كان؛ بيديه أو أحدهما أو خرقة أو خشبة أو نحوهما؛ لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
١٢ - أن الواجب المسح فلو غسل رأسه ولم يُمر يده لم يكف؛ لأنه لم يأت بما أمر الله به.
стр. 65
١٣ - الأمر بغسل الرِّجْلَيْن إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
١٤ - فيها الرد على الرافضة على قراءة الجمهور بالنصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
١٥ - فيه الإشارة إلى مسح الخفين على قراءة الجر في: (وأرجلِكم)، وتكون كل من القراءتين محمولة على معنى؛ فعلى قراءة (النصب) فيها غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة (الجر) فيها مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
١٦ - الأمر بالترتيب في الوضوء؛ لأن الله تعالى ذكرها مرتبة، ولأنه أدخل ممسوحًا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يُعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
١٧ - أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية، وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
١٨ - الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لتوجد صورة المأمور به.
١٩ - الأمر بالغسل من الجنابة.
٢٠ - أنه يجب تعميم الغسل للبدن؛ لأن الله أضاف التطهر للبدن ولم يخصصه بشيء دون شيء.
٢١ - الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
стр. 66
٢٢ - أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي مَنْ هما عليه أن ينوي ثم يعمم بدنه؛ لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
٢٣ - أن الجنب يَصْدُق على من أنزل المني يقظةً أو منامًا أو جَامَعَ ولو لم يُنزل.
٢٤ - أن من ذَكر أنه احتلم ولم يجد بَلَلًا فإنه لا غسل عليه؛ لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
٢٥ - ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد بمشروعية التيمم.
٢٦ - أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء؛ فيجوز له التيمم.
٢٧ - أن من جملة أسباب جوازه: السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يُجَوِّزُ التيمم مع وجود الماء؛ لحصول التضرر به، وباقيها يُجَوِّزُه العدم للماء ولو كان في الحَضَر.
٢٨ - أن الخارج من السبيلين من بول وغائط ينقض الوضوء.
٢٩ - استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلَّا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
٣٠ - استحباب التكنية عما يُستقذر التلفظ به؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
стр. 67
٣١ - أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
٣٢ - اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
٣٣ - أنه مع وجود الماء -ولو في الصلاة- يبطل التيمم؛ لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
٣٤ - أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء فإنه يلزمه طلبه في رَحله وفيما قرب منه؛ لأنه لا يقال: لم يجد، لمن لم يطلب.
٣٥ - أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
٣٦ - أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم؛ أي: يكون طهورًا؛ لأن الماء المتغير ماء فيدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
٣٧ - أنه لا بد من نية التيمم؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، أي: اقصدوا.
٣٨ - أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره، فيكون على هذا قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾؛ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادًا للأفضل؛ إذا أمكن التراب الذي فيه غبار منه فهو أولى.
٣٩ - أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس؛ لأنه لا يكون طيبًا، بل خبيثًا.
٤٠ - أنه يُمسح في التيمم الوجه واليدان فقط دون بقية الأعضاء.
стр. 68
٤١ - أن قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ شامل لجميع الوجه وأنه يعمه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور ولو خفيفة.
٤٢ - أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليدين عند الإطلاق كذلك، فلو كان يُشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
٤٣ - أن الآية عامة في جواز التيمم لجميع الأحداث كلها؛ الحدث الأكبر والأصغر، بل ونجاسة البدن؛ لأن الله جعلها بدلًا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد، وقد يقال: إن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم؛ لأن السياق في الأحداث، وهو قول جمهور العلماء.
٤٤ - أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
٤٥ - أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما فإنه يجزئ؛ أخذًا من عموم الآية وإطلاقها.
٤٦ - أنه يكفي المسح بأي شيء كان بيده أو غيرها؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا﴾، ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
٤٧ - اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
стр. 69
٤٨ - أن الله تعالى فيما شرعه لنا من الأحكام لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده؛ ليطهرهم وليتم نعمته عليهم.
٤٩ - أن طهارة الظاهر بالماء والتراب تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد والتوبة النصوح.
٥٠ - أن طهارة التيمم وإن لم يكن فيها نظافة وطهاره تُدرك بالحس والمشاهدة- فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
٥١ - أنه ينبغي للعبد أن يَتدبر الحِكم والأسرار في شرائع الله في الطهارة وغيرها؛ ليزداد معرفةً وعلمًا، ويزداد شكرًا لله ومحبةً له على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة. [١/ ٣٩٨ - ٤٠٣].
• • •
стр. 70
الدرس ٣٢
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات.
١ - أنَّا ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾، أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا؛ حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أُخذ عليهم الذي هو سببها الأعظم.
٢ - قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، أي: غليظة لا تُجدي فيها المواعظ ولا تنفعها الآيات والنذر؛ فلا يرغبهم تشويق ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد؛ أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده معها الهدى والخير إلا شرًّا.
٣ - أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه؛ أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراد الله ولا رسوله ﷺ .
٤ - أنهم ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ فإنهم ذُكروا بالتوراة وبما أنزل الله على موسى فنسوا حظًّا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثيرٌ مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم وشامل لنسيان
стр. 71
العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم أو وقع في زمانهم أنه مما نسوه.
٥ - الخيانة المستمرة التي ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين، ومن أعظم الخيانة منهم: كتمهم الحق عمَّن يعظهم ويُحسن فيهم الظن الحق وإبقاؤهم على كفرهم؛ فهذه خيانة عظيمة.
وهذه الخصال الذميمة حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم؛ فكل من لم يقم بما أمر الله به وأُخذ به عليه الالتزام- كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة؛ نسأل الله العافية.
وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظًّا؛ لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية؛ كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ [القصص: ٧٩]، وقال في الحظ النافع: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. [١/ ٤٠٦ - ٤٠٧].
• • •
стр. 72
الدرس ٣٣
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [سورة المائدة].
قال ﵀:
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: بشهادتهما وإقرارهما بأن الحجة قد قامت عليهم وعاندوها، ﴿ذَلِكَ﴾ الكفر واللعن ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾، أي: بعصيانهم لله وظلمهم لعباد الله صار سببًا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات، ومن معاصيهم التي أَحَلَّت بهم المَثُلات وأوقعت بهم العقوبات: أنهم ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، أي: كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضهم بعضًا؛ فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم؛ فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة؛ منها:
١ - أن مجرد السكوت فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية فإنه يجب الإنكار على مَنْ فعل المعصية.
٢ - أنه يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها.
стр. 73
٣ - أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يُردعوا عنها؛ فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيويه، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر؛ حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولًا.
٤ - أن في ترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكرارها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟!
٥ - أن بالسكوت على معصية العاصين ربما تزينت المعصية في صدور الناس واقتدى بعضهم ببعض؛ فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه.
فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة نَصَّ الله تعالى أن بني إسرائيل -الكفار منهم- لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾. [١/ ٤٣٩ - ٤٤٠].
• • •
стр. 74
الدرس ٣٤
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، أي: اتركوه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾، فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي:
الخمر: وهو كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه بسكره.
والميسر: وهو جميع المغالبات التي فيها عِوَض من الجانبين؛ كالمراهنة ونحوها.
والأنصاب: وهي الأصنام والأنداد ونحوها مما يُنصب ويعُبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها.
فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها؛ فمنها:
١ - أنها رجس، أي: نجس خبث معنى، وإن لم تكن نجسة حسًّا، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.
стр. 75
٢ - أنها من عمل الشيطان الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم أن العدو يُحذر منه وتحذر مصايده وأعماله؛ خصوصًا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها.
٣ - أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومُعوقة له.
٤ - أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بَثِّها خصوصًا الخمر والميسر؛ ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ فإن في الخمر من انقلاب العقل وذهاب حجاه ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر -من غلبة أحدهما للآخر وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة- ما هو أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.
٥ - أن هذه الأشياء تصد القلب -ويتبعه البدن- عن ذكر الله وعن الصلاة اللَّذَيْن خُلِق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر يصدان عن ذلك أعظم صد ويشتغل قلبه ويذهل لُبُّه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة ولا يدري أين هو؟! [١/ ٤٤٣ - ٤٤٤].
• • •
следующие страницы →