Полный текст (874 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا (وَفِيهَا ضِعْفُ مَا فِي ثَلَاثِينَ) أَيْ فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ
(ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) فَفِي سَبْعِينَ تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ ثُمَّ فِي مِائَةٍ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرَةٍ تَبِيعٌ وَمُسِنَّتَانِ وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثُ مُسِنَّاتٍ هَكَذَا إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ
(وَ نِصَابُ الْغَنَمِ ضَأْنًا أَوْ مَعْزًا أَرْبَعُونَ وَفِيهَا شَاةٌ وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ) كَذَا وَرَدَ الْبَيَانُ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي كِتَاب أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ (وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعٌ ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَيُؤْخَذُ فِيهَا الثَّنْيُ) وَهُوَ مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ (لَا الْجَذَعُ) وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْوَسَطُ وَهَذَا مِنْ الصِّغَارِ
(وَ نِصَابُ الْخَيْلِ خَمْسَةٌ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ) قَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ نِصَابُهَا خَمْسَةٌ، فَإِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ لَا تَجِبُ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعِيَاضِيُّ نِصَابُهَا ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا لَا تَجِبُ
(وَفِي كُلِّ فَرَسٍ مِنْ الْعِرَابِ اخْتَلَطَ بِهِ الذُّكُورُ دِينَارٌ أَوْ رُبُعُ عُشْرِ قِيمَتِهِ نِصَابًا) قَالَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ هَذَا التَّخْيِيرُ مُخْتَصٌّ بِالْأَفْرَاسِ الْعِرَابِ حَيْثُ كَانَ قِيمَةُ كُلِّ فَرَسٍ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الدِّينَارِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَيَكُونُ عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَأَمَّا الْأَفْرَاسُ الَّتِي تَتَفَاوَتُ قِيمَتُهَا، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ (لَا ذُكُورُ الْخَيْلِ) مُنْفَرِدَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَنَاسَلُ كَإِنَاثِهَا فِي (رِوَايَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا بِانْفِرَادِهَا أَيْضًا لَا تَتَنَاسَلُ وَتَجِبُ فِيهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاسَلُ بِالْفَحْلِ الْمُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الذُّكُورِ
(لَا شَيْءَ فِي حَوَامِلَ) هِيَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِحَمْلِ الْأَثْقَالِ (وَعَوَامِلَ) هِيَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْعَمَلِ كَإِثَارَةِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ إحْدَى رِوَايَاتٍ ثَلَاثٍ ثَانِيهَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ أَنَّ مَا زَادَ عَفْوٌ إلَى خَمْسِينَ فَيَجِبُ مُسِنَّةٌ وَرُبُعُهَا وَثَالِثُهَا أَنَّ الزَّائِدَ عَفْوٌ إلَى سِتِّينَ وَهِيَ رِوَايَةُ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو وَبِهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ لِلْقُدُورِيِّ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ
[نِصَابُ الْغَنَمِ]
(قَوْلُهُ: وَنِصَابُ الْغَنَمِ) الْغَنَمُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا آلَةُ الدِّفَاعِ فَكَانَتْ غَنِيمَةً لِكُلِّ طَالِبٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: ضَأْنًا أَوْ مَعْزًا) مُفِيدُ شُمُولِ الْغَنَمِ لِلضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالضَّأْنُ جَمْعُ ضَائِنٍ كَرَكْبٍ جَمْعُ رَاكِبٍ مِنْ ذَوَاتِ الصُّوفِ وَالضَّأْنُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالنَّعْجَةُ لِلْأُنْثَى وَالْمَعْزُ ذَوَاتُ الشَّعْرِ اسْمٌ لِلْأُنْثَى وَاسْمُ الذَّكَرِ التَّيْسُ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَقَالَ الْمَقْدِسِيُّ فِي شَرْحِهِ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الضَّأْنُ مُؤَنَّثَةٌ وَالْجَمْعُ أَضْئُونٌ كَفَلْسٍ وَأَفْلُسٍ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ ضَئِينٌ كَكَرِيمٍ اهـ.
وَالْمَعْزُ اسْمُ جِنْسٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَهِيَ ذَوَاتُ الشَّعْرِ مِنْ الْغَنَمِ الْوَاحِدَةُ شَاةٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُفْتَحُ الْعَيْنُ وَتُسَكَّنُ وَجَمْعُ السَّاكِنِ أَمْعُزُ وَمَعِيزٌ مِثْلَ عَبْدٍ وَأَعْبُدُ وَعَبِيدٌ وَأَلِفُ الْمِعْزَى لِلْإِلْحَاقِ لَا لِلتَّأْنِيثِ وَلِهَذَا تُنَوَّنُ فِي النَّكِرَةِ وَتُصَغَّرُ عَلَى مُعَيْزٍ وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّأْنِيثِ لَمْ تُحْذَفْ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا الْجَذَعُ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ جَذَعَ الضَّأْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْجَذَعُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُهَا) هَذَا تَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ وَعَنْ الْأَزْهَرِيِّ الْجَذَعُ مِنْ الْمَعْزِ لِسَنَةٍ وَمِنْ الضَّأْنِ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
[نِصَابُ الْخَيْلِ]
(قَوْلُهُ وَنِصَابُ الْخَيْلِ) الْخَيْلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ لَا وَاحِدَ لَهُ كَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ ثُمَّ قَالَ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا النِّصَابُ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اعْتِبَارِ النِّصَابِ اهـ عِنْدَ الْإِمَامِ
(قَوْلُهُ لَا ذُكُورِ الْخَيْلِ مُنْفَرِدَةً كَإِنَاثِهَا فِي رِوَايَةٍ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُنْفَرِدِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْمُنْفَرِدُ مِنْ الْإِنَاثِ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ فِيهَا فِي أُخْرَى) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْإِنَاثِ الْمُنْفَرِدَاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عِبَارَتِهِ وَفِيهَا إيهَامٌ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافُ رِوَايَةٍ إلَّا فِي الْإِنَاثِ وَقَدْ وَرَدَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي كُلٍّ مِنْ الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدَةِ وَالْإِنَاثِ الْمُنْفَرِدَةِ رِوَايَتَانِ وَالْأَرْجَحُ فِي الذُّكُورِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَفِي الْإِنَاثِ الْوُجُوبُ اهـ قُلْت وَقَدْ مَشَى الْمُصَنِّفُ ﵀ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِوُجُوبِ زَكَاةِ الْخَيْلِ كَمَا تَرَى تَبَعًا لِمَا رَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ التُّحْفَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَقَالَا: إنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ مُطْلَقًا مُنْفَرِدَةً كَانَتْ أَوْ مُخْتَلِطَةً قَالَ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ وَهُوَ أَيْ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ وَرَجَّحَ قَوْلَهُمَا صَاحِبُ الْأَسْرَارِ وَالْيَنَابِيعِ وَقَاضِي خَانْ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ سِيَاقِ اخْتِلَافِ التَّرْجِيحِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْخُذُ صَدَقَةَ الْخَيْلِ جَبْرًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا شَيْءَ فِي حَوَامِلَ وَعَوَامِلَ) تَبِعَ فِيهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَيْسَ فِي الْحَوَامِلِ وَالْعَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ صَدَقَةٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَعَلُوفَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ إلَخْ) .
أَقُولُ وَالْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ
стр. 177
(وَعَلُوفَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ هِيَ الَّتِي تُعْطَى الْعَلَفُ فَلَا تَكُونُ سَائِمَةً (وَلَا بَغْلٍ، وَ) لَا (حِمَارٍ لَيْسَا لِلتِّجَارَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِمَا شَيْءٌ وَالْمَقَادِيرُ تَثْبُتُ سَمَاعًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ.
(وَ) لَا (حَمَلِ فَصِيلٍ وَعِجْلٍ إلَّا تَبَعًا) فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ بِلَا مُضِيِّ الْحَوْلِ وَبَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يَبْقَ اسْمُ الْحَمَلِ وَالْفَصِيلِ وَالْعِجْلِ فَقِيلَ فِي صُورَتِهَا رَجُلٌ اشْتَرَى خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنْ الْفُصْلَانِ أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْعَجَاجِيلِ أَوْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْحُمْلَانِ أَوْ وُهِبَ لَهُ ذَلِكَ هَلْ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ أَوْ لَا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَنْعَقِدُ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا يَنْعَقِدُ حَتَّى لَوْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ مَلَكَهَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَقِيلَ إذَا كَانَ لَهُ نِصَابُ سَائِمَةٍ فَمَضَى عَلَيْهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَتَوَالَدَتْ عَلَى عَدَدِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ الْأُصُولُ وَبَقِيَتْ الْأَوْلَادُ هَلْ يَبْقَى حَوْلُ الْأُصُولِ عَلَى الْأَوْلَادِ عِنْدَهُمَا لَا يَبْقَى وَعِنْدَ الْبَاقِينَ يَبْقَى
. (وَ) لَا (فِي مَالِ الصَّبِيِّ التَّغْلِبِيِّ وَعَلَى الْمَرْأَةِ مَا عَلَى الرَّجُلِ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ قَدْ جَرَى عَلَى ضِعْفِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا صِبْيَانِهِمْ (جَازَ دَفْعُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ وَكَفَّارَةٍ غَيْرَ الْإِعْتَاقِ وَالْعُشْرِ وَالنَّذْرِ) يَعْنِي أَنَّ أَدَاءَ الْقِيمَةِ مَكَانَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ جَائِزٌ لَا عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَلَى الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ، وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مَعَ وُجُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ جَائِزٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَنَا أَحَدُهُمَا إمَّا الْعَيْنُ أَوْ الْقِيمَةُ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ فِي الْأُصُولِ (لَا يُؤْخَذُ إلَّا الْوَسَطُ) رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ (بِلَا جَبْرٍ) أَيْ إذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَا يَأْخُذُهَا كَرْهًا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا تُؤَدَّى إلَّا بِالِاخْتِيَارِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَالْعُلُوفَةُ بِالضَّمِّ جَمْعُ عَلَفٍ يُقَالُ عَلَفْت الدَّابَّةَ وَلَا يُقَالُ أَعَلَفْتهَا وَالدَّابَّةُ مَعْلُوفَةٌ وَعَلِيفٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَغْلٍ وَلَا حِمَارٍ. . . إلَخْ) هَذَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: وَلَا حَمَلٍ) هُوَ بِالتَّحْرِيكِ وَلَدُ الشَّاةِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَالْجَمْعُ حُمْلَانٌ بِضَمِّ الْحَاءِ.
وَفِي الدِّيوَانِ بِكَسْرِهَا وَالْفَصِيلُ وَلَدُ النَّاقَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ابْنَ مَخَاضٍ وَالْجَمْعُ فُصْلَانٌ وَالْعِجْلُ وَالْعُجُولُ مِثْلُهُ وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرِ حِينَ تَضَعُهُ أُمُّهُ إلَى شَهْرٍ وَالْأُنْثَى عِجْلَةٌ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: قِيلَ إذَا كَانَ لَهُ نِصَابُ سَائِمَةٍ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ الْأَصَحُّ أَيْ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَا تُعْتَبَرُ الصِّغَارُ الْمُنْفَرِدَةُ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا كِبَارٌ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ الْوَاجِبُ فِي الْكِبَارِ مَوْجُودًا وَتَمَامُهُ فِي الزِّيَادَاتِ لِقَاضِي خَانْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: جَازَ دَفْعُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) أَقُولُ حَتَّى لَوْ أَدَّى ثَلَاثَ شِيَاهٍ سِمَانٍ عَنْ أَرْبَعَ وَسَطٍ أَوْ بَعْضَ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ جَازَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِثْلِيًّا بِأَنْ أَدَّى أَرْبَعَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةٍ عَنْ خَمْسَةٍ وَسَطٍ وَهِيَ تُسَاوِيهَا لَا يَجُوزُ أَوْ كِسْوَةً بِأَنْ أَدَّى ثَوْبًا يَعْدِلُ ثَوْبَيْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي الضَّحَايَا وَالْعِتْقِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَيَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُضْحِيَّةِ اهـ.
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْقِيمَةُ فِي الْهَدَايَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَسَنَذْكُرُ مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الْقِيعَةِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةٍ غَيْرَ الْإِعْتَاقِ) أَقُولُ قَدْ أَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَالتَّبْيِينِ وَالْكَافِي وَذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُعَلَّلًا بِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ إتْلَافُ الْمِلْكِ وَنَفْيُ الرِّقِّ وَذَلِكَ لَا يَتَقَوَّمُ (قَوْلُهُ: وَالْعُشْرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الزَّكَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ كَذَا فَتَجُوزُ فِيهِ الْقِيمَةُ (قَوْلُهُ: وَالنَّذْرِ) هُوَ بِأَنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهَذَا الدِّينَارِ فَتَصَدَّقَ بِعِدْلِهِ دَرَاهِمَ أَوْ بِهَذَا الْخُبْزِ فَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ جَازَ عِنْدَنَا أَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِشَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ فَتَصَدَّقَ بِشَاةٍ تَعْدِلُهُمَا جَازَ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ وَسَطَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُسَاوِي كُلٌّ مِنْهُمَا وَسَطَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ إرَاقَتَيْنِ وَتَحْرِيرَيْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدٍ بِخِلَافِ التَّصَدُّقِ بِشَاةٍ تَعْدِلُ شَاتَيْنِ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: لَا يُؤْخَذُ إلَّا الْوَسَطُ) هُوَ أَعْلَى الْأَدْوَنِ وَأَدْوَنُ الْأَعْلَى وَقِيلَ: إذَا كَانُوا مِنْ الضَّأْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ الْمَعْزِ يَأْخُذُ الْوَسَطَ وَمَعْرِفَتُهُ أَنْ يَقُومَ الْوَسَطُ مِنْ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ فَتُؤْخَذُ شَاةٌ تُسَاوِي نِصْفَ الْقِيمَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَثَلًا الْوَسَطُ مِنْ الْمَعْزِ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَالْوَسَطُ مِنْ الضَّأْنِ عِشْرِينَ فَتُؤْخَذُ شَاةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: بِلَا جَبْرٍ) شَامِلٌ لِصَدَقَةِ السَّوَائِمِ وَأَخْذِ زَكَاتِهَا لِلْإِمَامِ كَرْهًا عَلَى صَاحِبِهَا وَيُخَالِفُ مَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْعَاشِرِ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ زَكَاةَ الْمَالِ مِنْ الْمَارِّ بِهِ عَلَيْهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ إذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ كَرْهًا) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ زَكَاةَ السَّائِمَةِ كَرْهًا وَيَجْبُرُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَكَيْفِيَّةُ جَبْرِهِ مَا قَالَهُ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ
وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالْحَبْسِ لَا غَيْرُ يُجْبَرُ
أَيْ عَلَى دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَقَالَ شَارِحُهَا وَقَدْ يَقَعُ الْقَهْرُ بِدُونِ الْحَبْسِ كَالْإِخَافَةِ وَالتَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ
стр. 178
يَأْخُذُهَا كَرْهًا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ الْفَقِيرِ فَصَارَ كَدَيْنٍ وَجَبَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْعَبْدِ (لَا مِنْ تَرِكَتِهِ) أَيْ لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَا تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ (إلَّا أَنْ يُوصِيَ) فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَعِنْدَهُ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ (لَمْ يُوجَدْ سِنٌّ وَاجِبٌ) السِّنُّ مَعْرُوفَةٌ سُمِّيَ بِهَا صَاحِبُهَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الدَّوَابِّ دُونَ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالسِّنِّ
(دَفَعَ) الْمَالِكُ (الْأَدْنَى مَعَ الْفَضْلِ أَوْ الْأَعْلَى وَرَدَّ الْفَضْلَ أَوْ دَفَعَ الْقِيمَةَ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ أَعْلَى مِنْهَا وَرَدَّ الْفَضْلَ أَوْ أَخَذَ دُونَهَا وَأَخَذَ الْفَضْلَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُصَدِّقِ وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ وَالرِّفْقُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَخْيِيرِهِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا سَمَحَتْ بِهِ نَفْسُ مَنْ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ يَخْتَارُ مَا هُوَ أَرْفَقُ بِحَالِ الْفَقِيرِ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْكَافِي وَلِذَا قُلْتُ دَفَعَ مَكَانَ أَخَذَ
(الْمُسْتَفَادُ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ يُضَمُّ إلَيْهِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاسْتَفَادَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ مِنْ جِنْسِهِ ضَمَّهُ إلَيْهِ وَزَكَّاهُ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَقَدْ حَصَلَ فِي وَسَطِهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ يَضُمُّ الْمِائَةَ إلَى الْمِائَتَيْنِ وَيُعْطِي زَكَاةَ الْكُلِّ
(وَالزَّكَاةُ فِي النِّصَابِ لَا الْعَفْوِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ إذَا مَلَكَ مِائَةَ شَاةٍ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ شَاةٌ إنَّمَا هُوَ فِي أَرْبَعِينَ لَا الْمَجْمُوعِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ سِتُّونَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَالْوَاجِبُ عَلَى حَالِهِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ تَسْقُطُ بِقَدْرِهِ (وَهَلَاكُهُ) أَيْ النِّصَابُ (بَعْدَ الْحَوْلِ يُسْقِطُ الْوَاجِبَ وَهَلَاكُ الْبَعْضِ حِصَّتَهُ وَيَصْرِفُ الْهَلَاكَ إلَى الْعَفْوِ أَوَّلًا) ، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْهَلَاكُ الْعَفْوَ فَالْوَاجِبُ عَلَى حَالِهِ كَمَا إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْحَوْلِ عِشْرُونَ مِنْ سِتِّينَ شَاةً أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْ سِتٍّ مِنْ الْإِبِلِ حَيْثُ يَبْقَى وُجُوبُ شَاةٍ (ثُمَّ إلَى نِصَابٍ يَلِيهِ) يَعْنِي إنْ جَاوَزَ الْهَلَاكُ الْعَفْوَ صُرِفَ إلَى نِصَابٍ يَلِيهِ كَمَا إذَا هَلَكَ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَعِيرًا فَالْأَرْبَعَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَفْوِ ثُمَّ أَحَدَ عَشْرَ إلَى النِّصَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ مَا بَيْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى سِتٍّ وَثَلَاثِينَ حَتَّى تَجِبَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَا نَقُولُ الْهَلَاكُ يُصْرَفُ إلَى النِّصَابِ وَالْعَفْوِ حَتَّى نَقُولَ، الْوَاجِبُ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَقَدْ هَلَكَ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَبَقِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَجِبُ نِصْفٌ وَثُمُنٌ مِنْ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا نَقُولُ أَيْضًا أَنَّ الْهَلَاكَ الَّذِي جَاوَزَ الْعَفْوَ يُصْرَفُ إلَى مَجْمُوعِ النُّصُبِ حَتَّى نَقُولَ يُصْرَفُ أَرْبَعَةٌ إلَى الْعَفْوِ ثُمَّ يُصْرَفُ أَحَدَ عَشْرَ إلَى مَجْمُوعِ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَيْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَقَدْ هَلَكَ أَحَدَ عَشَرَ وَبَقِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَالْوَاجِبُ ثُلُثَا بِنْتِ لَبُونٍ وَرُبُعُ تُسْعِ بِنْتِ لَبُونٍ (ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ) كَمَا لَوْ هَلَكَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَرْهًا وَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا أَوْ لَمْ يَضَعْهَا وَفِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَأَمَّا إذَا أَخَذَ مِنْهُ السُّلْطَانُ أَمْوَالًا مُصَادَرَةً وَنَوَى أَدَاءَ الزَّكَاةِ إلَيْهِ فَعَلَى قَوْلِ الْمَشَايِخِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَبِهِ يُفْتَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلظَّالِمِ وِلَايَةُ أَخْذِ الزَّكَاةِ عَنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مُطَالَبَةَ الْفَقِيرِ بِهَا وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةٌ بِهَا وَأَخْذُهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُزَكِّي، وَإِنْ أَخَّرَهَا وَيَضْمَنُ مَا يَأْخُذُهُ إنْ هَلَكَ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ لَوْ بَقِيَ أَشَارَ فِي الْقُنْيَةِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ قَضَاءٌ وَدِيَانَةٌ أَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَبِيلَةِ الْغَنِيِّ أَوْ قَرَابَتِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْآخِذِ فَيُرْجَى لَهُ حِلُّ الْأَخْذِ بِغَيْرِ عِلْمٍ دِيَانَةً كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُوجَدْ سِنٌّ. . . إلَخْ) هَذَا الْقَيْدُ اتِّفَاقِيٌّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ الْعَيْنُ الْوَاجِبَةُ أَوْ قِيمَتُهَا فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ مَعَ وُجُودِ السِّنِّ (قَوْلُهُ: سَمَّى بِهَا صَاحِبَهَا) مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ
(قَوْلُهُ: أَوْ الْأَعْلَى وَرَدَّ الْفَضْلَ) الْأَنْسَبُ أَنْ يُقَالَ وَاسْتَرَدَّ الْفَضْلَ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِلْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمَالِكُ لَا لِغَيْرِ مَذْكُورٍ وَهُوَ السَّاعِي (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ. . . إلَخْ) حَاصِلُهُ اخْتِيَارُ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ دُونَ السَّاعِي خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْأَصْلِ وَرَدَّهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَقَالَ إنَّ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ مُطْلَقًا وَمَا قِيلَ إلَّا فِي صُورَةِ دَفْعِ الْمَالِكِ الْأَعْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إجْبَارِ السَّاعِي عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شِرَاءً حَقِيقًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِجْبَارِ ضَرَرٌ بِالسَّاعِي؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَامْتِنَاعُهُ مِنْ قَبُولِ الْأَعْلَى يُلْزِمُ الْعُسْرَ وَفِي ذَلِكَ الْعَوْدُ عَلَى مَوْضُوعِ الزَّكَاةِ بِالنَّقْضِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الْيُسْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لِلْمُصَدِّقِ وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) قَالَ فِي الْغَايَةِ الْمُصَدِّقُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ آخِذُ الصَّدَقَةُ وَهُوَ السَّاعِي، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ تَشْدِيدُهُمَا وَكَسْرُ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ تَخْفِيفُ الصَّادِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ) الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ) أَقُولُ سَوَاءٌ كَانَ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ وَصِيَّةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: يُضَمُّ إلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالضَّمِّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْمُسْتَفَادِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأَصْلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَيَذْكُرُ أَنَّ الضَّمَّ فِي النَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ بِالْقِيمَةِ وَلَا يُضَمُّ إلَى النَّقْدَيْنِ ثَمَنُ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَمِّ ثَمَنِ طَعَامٍ أَدَّى عُشْرَهُ ثُمَّ بَاعَهُ وَثَمَنِ أَرْضٍ مَعْشُورَةٍ وَثَمَنِ عَبْدٍ أَدَّى صَدَقَةَ فِطْرِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَصَّلَ فِي وَسَطِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ) لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا عَنْ غَيْرِ الْوَسَطِ، فَإِنَّهُ
стр. 179
مِنْ أَرْبَعِينَ بَعِيرًا عِشْرُونَ فَأَرْبَعَةٌ تُصْرَفُ إلَى الْعَفْوِ وَأَحَدَ عَشْرَ إلَى نِصَابٍ يَلِي الْعَفْوَ وَخَمْسَةٌ إلَى نِصَابٍ يَلِي هَذَا النِّصَابَ حَتَّى يَبْقَى أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَقِسْ عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ أَوْ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ
(أَخَذَ الْبُغَاةُ زَكَاةَ السَّوَائِمِ وَالْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ وَيُعَادُ غَيْرُ الْخَرَاجِ إنْ لَمْ يُصْرَفْ فِي حَقِّهِ) ، فَإِنَّ وِلَايَةَ أَخْذِ الْخَرَاجِ لِلْإِمَامِ وَكَذَا أَخْذُ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَهِيَ عُشْرُ الْخَارِجِ (وَزَكَاةُ السَّوَائِمِ وَزَكَاةُ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ مَا دَامَتْ تَحْتَ حِمَايَةِ الْعَاشِرِ) ، فَإِنْ أَخَذَ الْبُغَاةُ أَوْ سَلَاطِينُ زَمَانِنَا الْخَرَاجَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ الْمُقَاتِلَةُ وَهُمْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُحَارِبُونَ الْكُفَّارَ وَإِنْ أَخَذُوا الزَّكَوَاتِ الْمَذْكُورَةَ، فَإِنْ صَرَفُوهَا إلَى مَصَارِفِهَا الْآتِي ذِكْرُهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ إلَى مُسْتَحِقِّهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
(غَصَبَ سُلْطَانٌ مَالًا وَخَلَطَهُ بِمَالِهِ صَارَ مِلْكًا لَهُ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَوُرِثَ عَنْهُ) كَذَا فِي الْكَافِي (عَجَّلَ ذُو نِصَابٍ لِسِنِينَ أَوْ لِنُصُبٍ جَازَ) قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ الْمَالُ النَّامِي، وَالْحَوْلَانِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ السَّبَبَ إذَا وُجِدَ صَحَّ الْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ، فَإِذَا وُجِدَ النِّصَابُ صَحَّ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ وَاحِدٌ كَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَدَّى لِسِنِينَ جَازَ حَتَّى إذَا مَلَكَ فِي كُلٍّ مِنْهَا نِصَابًا أَجْزَأَهُ مَا أَدَّى مِنْ قَبْلُ وَكَذَا إذَا كَانَ نِصَابٌ وَاحِدٌ فَأَدَّى لِنُصُبٍ جَازَ حَتَّى إذَا مَلَكَ النُّصُبَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ فَبَعْدَ مَا تَمَّ الْحَوْلُ أَجْزَأَهُ مَا أَدَّى
(لَا يَضْمَنُ مُفْرِطٌ غَيْرُ مُتْلِفٍ) أَيْ إنْ قَصَّرَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي الْأَدَاءِ حَتَّى هَلَكَ النِّصَابُ سَقَطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَلَا يَضْمَنُ قَدْرَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَسْقُطُ وَيَضْمَنُ وَلَوْ اسْتَهْلَكَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ صَارَ فِي حَقِّ الْوَاجِبِ حَقًّا لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَصَارَ الْمُسْتَهْلِكُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ
(بَابُ زَكَاةِ الْمَالِ)
الْمُرَادُ بِالْمَالِ غَيْرُ السَّوَائِمِ وَاللَّامُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «هَاتُوا رُبُعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ السَّوَائِمَة إذْ زَكَاةُ السَّائِمَةِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِرُبُعِ الْعُشْرِ (نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَالْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَزْنُ سَبْعَةٍ) أَيْ يَكُونُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَالْمِثْقَالُ عِشْرُونَ قِيرَاطًا وَالدِّرْهَمُ أَرْبَعَةَ عَشْرَ قِيرَاطًا وَالْقِيرَاطُ خَمْسُ شَعِيرَاتٍ اعْلَمْ أَنَّ الدَّرَاهِمَ قَدْ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إذَا كَانَ لَهُ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَزَادَتْ وَاحِدَةٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَلَوْ فِي آخِرِهِ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ
(قَوْلُهُ: أَخَذَ الْبُغَاةُ) الْأَخْذُ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ وَغَيْرَهُ سِنِينَ وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ أَيْضًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: يُعَادُ غَيْرُ الْخَرَاجِ إنْ لَمْ يُصْرَفْ فِي حَقِّهِ) يَعْنِي دِيَانَةً بِأَنْ يُفْتِيَ بِالْإِعَادَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُفْتِي بِإِعَادَةِ الْخَرَاجِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مَا يُفِيدُ ضَعْفَهُ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ إذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ ثَانِيًا نُفْتِيهِمْ بِأَنْ يُعِيدُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ لَا نُفْتِيهِمْ بِإِعَادَةِ الْخَرَاجِ
(قَوْلُهُ: غَصَبَ سُلْطَانٌ مَالًا. . . إلَخْ) كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْكَافِي وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ الْمَخْلُوطُ عَنْ مَالِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُ الْكَافِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَفِي الْفَتْحِ مَا يُفِيدُ الْخِلَافَ لِنَقْلِهِ بِصِيغَةٍ قَالُوا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَيُورَثُ عَنْهُ اهـ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ صِيغَةَ قَالُوا تُذْكَرُ فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ بِمَا إذَا كَانَ الْفَاضِلُ بَعْدَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لِأَرْبَابِهِ نِصَابًا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَغَصَبَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَخَلَطَهَا بِبَعْضِهَا وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَفْرِيغُ ذِمَّةٍ بِرَدِّهِ إلَى أَرْبَابِهِ إنْ عَلَمُوا وَإِلَّا إلَى الْفُقَرَاءِ (فَرْعٌ) لَوْ زَكَّى الْمَالَ الْحَلَالَ بِالْحَرَامِ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ
(قَوْلُهُ لَا يَضْمَنُ مُفَرِّطٌ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْكَافِي ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ طَالَبَهُ السَّاعِي فَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا طَالَبَهُ فَقِيرٌ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ مُتَعَيَّنٌ لِلْأَخْذِ فَلَزِمَهُ الْأَدَاءُ عِنْدَ طَلَبِهِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالْمَنْعِ كَالْمُودَعِ إذَا مَنَعَ الْوَدِيعَةَ وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا يَضْمَنَ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَسْتَدْعِي تَفْوِيتَ يَدٍ أَوْ مِلْكٍ وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ أَيْ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ اهـ.
وَقُلْت إلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِمَا أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِدَلِيلِهِ عَنْ الْقَوْلِ بِلُزُومِ الضَّمَانِ وَلَكِنَّهُ فِي الْعِنَايَةِ بَعْدَ مَا حَكَى الْقَوْلَيْنِ قَالَ عَقِبَ الثَّانِي قِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ.
[بَابُ زَكَاةِ الْمَالِ]
[نِصَابُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة]
(بَابُ زَكَاةِ الْمَالِ)
(قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْمَالِ. . . إلَخْ) يَعْنِي فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مُطْلَقًا هُوَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِقَوْلِهِ: الْمَالُ كُلُّ مَا يَتَمَلَّكُهُ النَّاسُ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ اهـ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ مَا تَقَدَّمَ أَيْ مِنْ صَدَقَةِ السَّائِمَةِ زَكَاةُ الْمَالِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِي عُرْفِنَا يَتَبَادَرُ مِنْ اسْمِ الْمَالِ النَّقْدَ وَالْعُرُوضَ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَاللَّامُ فِيهِ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ: وَالْقِيرَاطُ خَمْسُ شَعِيرَاتٍ) تَمَامُهُ فِي تَصْنِيفِ الْجَسَاوَنْدِيِّ صَاحِبِ السِّرَاجِيَّةِ
стр. 180
مُخْتَلِفَةً فَمِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَلَى وَزْنِ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ وَعَشَرَةٌ عَلَى سِتَّةِ مَثَاقِيلَ وَعَشَرَةٌ عَلَى خَمْسَةِ مَثَاقِيلَ فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ثُلُثًا كَيْ لَا تَظْهَرَ الْخُصُومَةُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَثُلُثُ عَشَرَةٍ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَثُلُثُ سِتَّةٍ اثْنَانِ وَثُلُثُ خَمْسَةٍ دِرْهَمٌ وَثُلُثَانِ فَالْمَجْمُوعُ سَبْعَةٌ وَإِنْ شِئْت فَاجْمَعْ الْمَجْمُوعَ فَيَكُونُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ فَثُلُثُ الْمَجْمُوعِ سَبْعَةٌ وَلِذَا سُمِّيَ الدِّرْهَمُ وَزْنَ سَبْعَةٍ
(وَفِي مَضْرُوبِ كُلٍّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ هُوَ قَوْلُهُ الْآتِي رُبُعُ عُشْرٍ (وَمَعْمُولُهُ وَلَوْ حُلِيًّا) وَهُوَ مَا يُتَحَلَّى بِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُبَاحَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ لَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجِبُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الِاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ فِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ قَالَتَا لَا فَقَالَ ﵊ أَدِّيَا زَكَاتَهُ»
(وَتِبْرِهِ وَعَرْضِ تِجَارَةٍ قِيمَتُهُ) هُوَ مَعَ مَا بَعْدَهُ صِفَةُ عَرْضٍ وَهُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ مَتَاعٌ لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا يَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَأَمَّا الْعَرَضُ بِفَتْحِهَا فَمَتَاعُ الدُّنْيَا وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ فَلَا وَجْهَ لَهُ هَاهُنَا لِجَعْلِهِ مُقَابِلًا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (نِصَابٌ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلُهُ فِي عَرْضِ التِّجَارَةِ لَيْسَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ وَنَوَى التِّجَارَةَ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ وَاجِبٌ فِيهَا وَكَذَا إذَا اشْتَرَى أَرْضَ عُشْرٍ وَزَرَعَهَا أَوْ اشْتَرَى بَذْرًا لِلتِّجَارَةِ وَزَرَعَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَقُولُ، هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ فِي غَايَةِ الِاسْتِبْعَادِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِمَا عَرَفْت أَنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ الْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَقَارِ وَالْعَرْضُ يُقَابِلُ الْعَقَارَ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَذْرِ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الْخِدْمَةِ إذَا أَسْقَطَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ كَمَا مَرَّ فَلَأَنْ يُسْقِطَ التَّصَرُّفَ الْأَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ أَوْلَى
(مُقَوَّمًا بِالْأَنْفَعِ لِلْفَقِيرِ رُبُعُ عُشْرٍ) أَيْ إنْ كَانَ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ أَنْفَعَ لِلْفَقِيرِ قُوِّمَ عَرْضُ التِّجَارَةِ بِهَا وَإِنْ كَانَ بِالدَّنَانِيرِ أَنْفَعَ قُوِّمَ بِهَا
(ثُمَّ فِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي الْفَرَائِضِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ حُلِيًّا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حِلْيَةَ نِسَاءٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ مُنْطِقَةٍ أَوْ لِجَامًا أَوْ سِرَاجًا وَالْكَوَاكِبُ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرُهَا إذَا كَانَتْ تَخْلُصُ عَنْ الْإِذَابَةِ يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ) أَقُولُ وَتُحَرَّكُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ: كَذَا فِي الصِّحَاحِ) أَقُولُ لَكِنَّهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ اللُّغَةِ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الصِّحَاحِ نَصُّهَا الْعَرْضُ الْمَتَاعُ وَكُلُّ شَيْءٍ فَهُوَ عَرْضٌ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنَّهُمَا عَيْنٌ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعُرُوض الْأَمْتِعَةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا تَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَرَضُ بِفَتْحِهَا فَمَتَاعُ الدُّنْيَا) أَقُولُ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ التَّفْسِيرِ السَّابِقِ وَعَلِمْت مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّهُ يُحَرَّكُ. اهـ.
وَأَمَّا الْعُرْضُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَهُوَ الْجَانِبُ وَبِالْكَسْرِ مَا يُحْمَدُ الرَّجُلُ بِهِ وَيُذَمُّ كَمَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ اهـ وَفِي الْمُغْرِبِ الْعُرْضُ بِسُكُونِ الرَّاءِ خِلَافُ الطُّولِ اهـ يَعْنِي مَعَ ضَمِّ الْعَيْنِ (قَوْلُهُ: أَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ فِي غَايَةِ الِاسْتِبْعَادِ. . . إلَخْ) الِاسْتِبْعَادُ بَعِيدٌ عَنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ جَعْلَ الْأَرْضِ غَيْرَ الْعَرْضِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْعُرُوضَ هُنَا جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى تَفْسِيرِ الصِّحَاحِ فَتَخْرُجُ النُّقُودُ فَقَطْ لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ وَبِذَا رَدَّ صَاحِبُ الْبَحْرِ كَلَامَ صَاحِبِ الدُّرَرِ. اهـ. وَإِنْ عَمَّ كَلَامُ الصِّحَاحِ السَّوَائِمَ فَقَدْ خَرَجَتْ بِمَا عُلِمَ مِنْ حُكْمِهَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيُّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا ثَانِيًا. . . إلَخْ) مُتَّجَهٌ فِي رَدِّ اعْتِرَاضِ الزَّيْلَعِيِّ بِمَنْ اشْتَرَى بَذْرًا لِلتِّجَارَةِ فَزَرَعَهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا اُشْتُرِيَ لِلتِّجَارَةِ أَرَادَ مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَّةُ كَمَا قَدَّمْنَا لَا عُمُومَ الْأَشْيَاءِ
(قَوْلُهُ: مُقَوَّمًا بِالْأَنْفَعِ لِلْفَقِيرِ) قَدَّمْنَا الْوَعْدَ بِبَيَانِ وَقْتِ الْقِيمَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْإِبِلِ ثُمَّ الْوَاجِبُ هُنَا الْعَيْنُ وَلَهُ نَقْلُهَا إلَى الْقِيمَةِ وَقْتَ الْأَدَاءِ اهـ.
وَالْإِشَارَةُ بِهِنَا فِي كَلَامِ الْجَوْهَرَةِ إلَى بَابِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ فِي السَّائِمَةِ يَوْمَ الْأَدَاءِ بِالِاتِّفَاقِ وَالْخِلَافُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ فَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْأَدَاءِ فِي زَكَاةِ الْمَالِ عَلَى قَوْلِهِمَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَوْمَ الْوُجُوبِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمَا جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ وَلَهُ وِلَايَةُ مَنْعِهَا إلَى الْقِيمَةِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمَ الْمَنْعِ كَمَا فِي مَنْعِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَعِنْدَهُ، الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءً وَلِذَا يُجْبَرُ الْمُصَدِّقُ عَلَى قَبُولِهَا اهـ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْعَيْنُ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَدَاءَ الْقِيمَةِ بَدَلٌ عَنْ الْوَاجِبِ حَتَّى لَقَّبَ الْمَسْأَلَةَ بِالْإِبْدَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مَعَ وُجُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ جَائِزٌ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ أَيْ إنْ كَانَ التَّقْوِيمُ. . . إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِالْمَضْرُوبِ بِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْعِبْرَةُ بِالْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الْمَالُ وَلَوْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي أَقْرَبِ الْأَمْصَارِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ أَوْلَى مِمَّا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ يُقَوَّمُ فِي الْمِصْرِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ. اهـ.
стр. 181
كُلِّ خُمُسٍ زَادَ عَلَى النِّصَابِ رُبُعُ عُشْرٍ بِحِسَابِهِ) ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي الْكُسُورِ لَا تَجِبُ عِنْدَنَا إلَّا إذَا بَلَغَ خُمُسَ النِّصَابِ، فَإِذَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا زَادَ فِي الزَّكَاةِ دِرْهَمٌ وَفِي ثَمَانِينَ دِرْهَمَانِ وَلَا شَيْءَ فِي الْأَقَلِّ (مَا غَلَبَ خَالِصُهُ خَالِصٌ) أَيْ فِي حُكْمِ الْخَالِصِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً (وَمَا غَلَبَ غِشُّهُ يُقَوَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ (وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسَاوِي) يَعْنِي إذَا كَانَ الْغِشُّ وَالْفِضَّةُ سَوَاءً ذَكَرَ أَبُو النَّصْرِ أَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ احْتِيَاطًا وَقِيلَ لَا تَجِبُ وَقِيلَ يَجِبُ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ
(نُقْصَانُ النِّصَابِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا عَلَى النِّصَابِ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا فِي النِّصَابِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَلَا عِبْرَةَ لِمَا بَيْنَهُمَا إذْ قَلَّمَا يَبْقَى الْحَالُ حَوْلًا عَلَى حَالِهِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ النِّصَابِ لِيُضَمَّ الْمُسْتَفَادُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْكُلِّ يُبْطِلُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ إذْ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِلَا مَالٍ (تُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إلَى الثَّمَنَيْنِ) يَعْنِي إذَا مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ عَشْرَ دَنَانِيرَ وَمَلَكَ عَرْضًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لِلتِّجَارَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَ جِهَةُ الْإِعْدَادِ إذْ الثَّمَنَانِ لِلتِّجَارَةِ وَضْعًا وَالْعُرُوضِ جَعْلًا.
(وَ) يُضَمُّ (الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ قِيمَةً لَا أَجْزَاءً) وَعِنْدَهُمَا أَجْزَاءً حَتَّى لَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةَ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ تَجِبُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا وَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ أَوْ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةَ دَنَانِيرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا يُضَمُّ إجْمَاعًا وَلَا يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ عِنْدَ تَكَامُلِ الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مَتَى انْتَقَصَتْ تَزْدَادُ قِيمَةُ الْآخَرِ فَيُمْكِنُ تَكْمِيلُ مَا انْتَقَصَ قِيمَتُهُ بِمَا ازْدَادَ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ حَالَ نُقْصَانِ الْأَجْزَاءِ
(بَابُ الْعَاشِرِ)
(هُوَ مَنْ نُصِّبَ) أَيْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ (لِأَخْذِ صَدَقَةِ التُّجَّارِ) لِيَأْمَنُوا مِنْ اللُّصُوصِ وَكَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ الْبَاطِنَةِ الَّتِي مَعَ التُّجَّارِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي الْكُسُورِ لَا تَجِبُ عِنْدَنَا إلَّا إذَا بَلَغَ خُمُسَ النِّصَابِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بُلُوغُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا لِمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ لَا يَضُمُّ إحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لِيُتِمَّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْكُسُورِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمْ يَضُمُّ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْكُسُورِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمَا غَلَبَ غِشُّهُ يُقَوَّمُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ) أَقُولُ لَمْ يُبَيِّنْ بِمَاذَا يُقَوَّمُ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنْ غَلَبَ الْغِشُّ كَالسَّتُّوقَةِ يَنْظُرُ إنْ كَانَتْ رَائِجَةً أَوْ نَوَى التِّجَارَةَ اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهَا، فَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا مِنْ أَدْنَى الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهِيَ الَّتِي غَلَبَتْ فِضَّتُهَا وَجَبَ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا رَائِجَةً وَلَا مَنْوِيَّةً لِلتِّجَارَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِأَنْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَتَتَخَلَّصُ مِنْ الْغِشِّ، فَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا لَا يَتَخَلَّصُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ فِيهَا قَدْ هَلَكَتْ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ الظَّاهِرُ أَنَّ خُلُوصَ الْفِضَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّرَاهِمِ فِضَّةٌ بِقَدْرِ النِّصَابِ. اهـ.
(فَرْعٌ) الْفُلُوسُ إنْ كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً أَوْ سِلَعًا لِلتِّجَارَةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: ذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ أَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ احْتِيَاطًا) اخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا تَجِبُ) قَالَ مَوْلَانَا الْبُرْهَانُ الطَّرَابُلُسِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَذَا الْمَقْدِسِيُّ فِي شَرْحِهِ اهـ قُلْت وَعَلَّلَهُ الْبُرْهَانُ بِعَدَمِ الْغَلَبَةِ الْمَشْرُوطَةِ لِلْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجِبُ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ) عَلَّلَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهَيْ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ
[نُقْصَانُ النِّصَابِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ]
(قَوْلُهُ: نُقْصَانُ النِّصَابِ. . . إلَخْ) مِنْ صُوَرِهِ مَا إذَا مَاتَ غَنَمُ التِّجَارَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَدَبَغَ جِلْدَهَا وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا زَكَّاهُ بِخِلَافِ عَصِيرٍ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ لِانْعِدَامِ النِّصَابِ بِالتَّخَمُّرِ وَبَقَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ وَهُوَ الصُّفُوفُ فِي الْأَوَّلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَنَصَّ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَوْلِ لَا يَنْقَطِعُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَصِيرِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا.
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مَتَى انْتَقَضَتْ. . . إلَخْ) مِثَالُهُ إذَا كَانَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَدْنَى مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ تُضَمُّ الدَّرَاهِمُ إلَى الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ قِيمَةً عَنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَيَكْمُلُ بِهَا نِصَابُ الذَّهَبِ قِيمَةً
[بَابُ الْعَاشِرِ]
أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا قَبْلَهُ لِتَمَحُّضِ مَا قَبْلَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَهَذَا يَشْمَلُ غَيْرَ الزَّكَاةِ كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ وَلَمَّا كَانَ فِي عِبَادَةٍ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ قَدَّمَهُ عَلَى الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَازِ وَالْعَاشِرُ فَاعِلٌ مِنْ عَشَرْت الْقَوْمَ أَعْشُرُهُمْ عُشْرًا بِالضَّمِّ فِيهِمَا إذَا أَخَذْت عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ وَبِالْكَسْرِ صِرْت عَاشِرَهُمْ عَدَدًا ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيُّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَدُورُ اسْمُ الْعُشْرِ فِي مُتَعَلِّقِ أَخْذِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْعُشْرَ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: هُوَ مَنْ نَصَّبَهُ. . . إلَخْ) عَرَّفَهُ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي نَصْبِهِ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ إعَانَةً لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَمَا عَدَاهَا مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْكَافِرِ تَابِعٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَنْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَغَلَبَ الصَّدَقَاتُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَأْخُوذَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَوْلُهُ: لِيَأْمَنُوا مِنْ اللُّصُوصِ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ وَيَحْمِيَهُمْ مِنْهُمْ قَالَ فِي الْبَحْرِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى
стр. 182
كَمَا سَيَأْتِي (صُدِّقَ بِالْيَمِينِ مَنْ قَالَ لَمْ يَتِمَّ الْحَوْلُ) أَيْ صَدَّقَ الْعَاشِرُ مَنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْلِ وَحَلَفَ (أَوْ) قَالَ (عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ أَدَّيْته إلَى عَاشِرٍ آخَرَ إنْ كَانَ) أَوْ عَاشِرٍ آخَرَ (فِي تِلْكَ السَّنَةِ) ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى وَضْعَ الْأَمَانَةِ مَوْضِعَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يُصَدَّقْ لِكَذِبِهِ يَقِينًا (كَذَا) أَيْ يُصَدَّقُ بِالْيَمِينِ قَوْلُهُ أَدَّيْت إلَى فَقِيرٍ إلَّا فِي السَّوَائِمِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ مِنْهَا لِلسُّلْطَانِ كَمَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ الْخَرَاجُ إذَا صَرَفَهَا إلَى الْمُقَاتِلَةِ بِنَفْسِهِ وَكَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِأَنْ يَصْرِفَهُ إلَيْهِمْ فَصَرَفَهُ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ إلَيْهِمْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِتَاجِ الشَّرِيعَةِ
(الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ كَالظَّاهِرَةِ) حَتَّى لَوْ قَالَ أَنَا أَدَّيْتُ زَكَاتَهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتهَا مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهَا بِالْإِخْرَاجِ الْتَحَقَتْ بِالْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ فَكَانَ الْأَخْذُ مِنْهَا إلَى الْإِمَامِ (فِيمَا صُدِّقَ الْمُسْلِمُ صُدِّقَ الذِّمِّيُّ) ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنَّا وَالْحَقُّ مَتَى وَجَبَ تَضْعِيفُهُ لَا يَتَبَدَّلُ شَيْءٌ مِنْهُ فِيمَا وَرَاءَ التَّضْعِيفِ كَمَا فِي التَّضْعِيفِ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ (إلَّا فِي قَوْلِهِ أَدَّيْت إلَى فَقِيرٍ) ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ جِزْيَةٌ وَفِيهَا لَا يُصَدَّقُ إذَا قَالَ أَدَّيْتُهَا أَنَا؛ لِأَنَّ فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَيْسُوا بِمَصَارِفَ لِهَذَا الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الصَّرْفِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهُوَ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُتُونُ خَالِيَةٌ عَنْهُ (لَا الْحَرْبِيِّ) أَيْ لَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (إلَّا فِي أُمِّ وَلَدِهِ) أَيْ جَارِيَةٍ يَقُولُ هِيَ أُمُّ وَلَدِي فَيُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا لَا يُنَافِي الِاسْتِيلَادَ وَإِقْرَارُهُ بِنَسَبِ مَنْ فِي يَدِهِ صَحِيحٌ فَكَذَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْحِمَايَةِ اهـ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَلَا كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا هَاشِمِيًّا؛ لِأَنَّ فِيمَا يَأْخُذُهُ شُبْهَةَ الزَّكَاةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ السَّاعِي وَهُوَ مَنْ يَسْعَى فِي الْقَبَائِلِ لِأَخْذِ صَدَقَةِ الْمَوَاشِي وَالْمُصَدِّقُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ جِنْسٍ لَهُمَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَظْلِمُ كَزَمَانِنَا وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ حُرْمَةُ تَوْلِيَةِ الْفَسَقَةِ فَضْلًا عَنْ الْيَهُودِ وَالْكَفَرَةِ (قَوْلُهُ: صُدِّقَ بِالْيَمِينِ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَالْعِبَادَاتُ وَإِنْ كَانَ لَا تَحْلِيفَ فِيهَا لَكِنْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَبْدِ هُنَا وَهُوَ الْعَاشِرُ فِي الْأَخْذِ فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَيَحْلِفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَا يُشْتَرَطُ إخْرَاجُ الْبَرَاءَةِ لِاشْتِبَاهِ الْخَطِّ حَتَّى لَوْ خَالَفَ مَا فِيهَا اسْمُ الْمُصَدِّقِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ كَخَطَأِ الْحَدِّ الرَّابِعِ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَكَرَهُ الْمَقْدِسِيُّ وَالْقَوْلُ قَوْلُ التَّاجِرِ بِيَمِينِهِ فِي صِفَةِ مَتَاعِهِ إذَا اتَّهَمَهُ الْعَاشِرُ أَنَّهُ خِلَافُ مَا قَالَ وَلَيْسَ لَهُ إضْرَارُهُ بِتَفْتِيشِهِ كَمَا تَفْعَلُهُ ظَلَمَةُ زَمَانِنَا (قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ) أَطْلَقَ الدَّيْنَ وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ قَوْلَهُ أَوْ عَلَى دَيْنٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَاشِرَ يَسْأَلُهُ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ يُصَدِّقُهُ وَإِلَّا لَا يُصَدِّقُهُ كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيمَا يَنْتَقِصُ بِهِ النِّصَابُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ زَكَاةً حَتَّى شُرِطَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الزَّكَاةِ كَذَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ لِلْقُدُورِيِّ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّيْنِ فَشَمَلَ الْمُسْتَغْرِقَ لِلْمَالِ وَالْمُنَقِّصَ لِلنِّصَابِ وَهُوَ الْحَقُّ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمُحِيطِ بِمَالِهِ وَانْدَفَعَ مَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ مُعَارَضَةِ الْمَنْطُوقِ بِالْمَفْهُومِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ أَدَّيْتَ إلَى عَاشِرٍ) أَقُولُ: فَإِنْ ظَهَرَ كَذِبُهُ بَعْدَ سِنِينَ أَخَذَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَغَلَ الْعَاشِرُ عَنْ الْحَرْبِيِّ حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَا يَأْخُذُ لِمَا مَضَى كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي السَّوَائِمِ أَطْلَقَهُ) فَشَمَلَ مَا لَوْ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهَا فِي الْمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ إذَا لَمْ يُجِزْ الْإِمَامُ دَفْعَهُ قِيلَ الزَّكَاةُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ وَقِيلَ هُوَ الثَّانِي وَالْأُولَى تَنْقَلِبُ نَفْلًا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَنْقَلِبُ نَفْلًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الْإِمَامُ لِعِلْمِهِ بِأَدَائِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ دِيَانَةً وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ، وَإِنْ أَجَازَ فِعْلَهُ الْإِمَامُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ جَامِعِ أَبِي الْيُسْرِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ جِزْيَةٌ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُهَا فِي كَوْنِهِ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا لَا أَنَّهُ جِزْيَةٌ حَتَّى لَا يُسْقِطُ جِزْيَةَ رَأْسِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَاسْتَثْنَى فِي الْبَدَائِعِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ صَالَحَهُمْ مِنْ الْجِزْيَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الْعَاشِرُ مِنْهُمْ ذَلِكَ سَقَطَتْ الْجِزْيَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ) نَقَلَ مِثْلَ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ جَامِعِ الْكَرْدَرِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ الْعِبَارَةُ الْجَيِّدَةُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَلْتَفِتُ أَوْ لَا يَتْرُكُ الْأَخْذَ مِنْهُ لَا وَلَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صُدِّقَ بِأَنْ ثَبَتَ صِدْقُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَافِرِينَ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَخَذَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي أُمِّ وَلَدِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ) يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الصُّوَرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فِيمَا إذَا قَالَ أَدَّيْتُ أَنَا إلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ عَاشِرٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ عَاشِرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَدَّقْ يُؤَدِّي إلَى الِاسْتِئْصَالِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْغَايَةِ قُلْت وَيَكُونُ بِالْأَوْلَى مَا إذَا ثَبَتَ إعْطَاؤُهُ لِعَاشِرٍ آخَرَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ
стр. 183
بِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ يُؤْخَذُ مِنَّا رُبُعُ الْعُشْرِ وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفُهُ
(وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرُ) هَكَذَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ سُعَاتَهُ (إنْ بَلَغَ مَالُهُ نِصَابًا وَلَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ مَا أَخَذُوا) أَيْ أَهْلُ الْحَرْبِ (مِنَّا وَإِنْ عُلِمَ نَأْخُذُ مِثْلَهُ لَوْ) كَانَ مَا أَخَذُوا مِنَّا (بَعْضًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ) أَيْ مَالُهُ نِصَابًا (لَا) يُؤْخَذُ مِنْ شَيْءٍ (وَإِنْ أَقَرَّ بِبَاقِي النِّصَابِ فِي بَيْتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا فِي يَدِهِ (وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْهُ) أَيْ الْحَرْبِيِّ (إنْ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنَّا) لِيَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ وَلِأَنَّا أَحَقُّ مِنْهُمْ بِالْمَكَارِمِ (عُشْرٌ) أَيْ أُخِذَ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرُ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ الْعُشْرُ عُشْرُ سَتَدُنَّ (ثُمَّ مَرَّ قَبْلَ الْحَوْلِ) وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ دَارِهِ (لَمْ يُعَشَّرْ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتِئْصَالٌ لِلْمَالِ وَحَقُّ الْأَخْذِ لِحِفْظِهِ (وَعَشَّرَ ثَانِيًا إنْ جَاءَ مِنْ دَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ وَأَيْضًا الْأَخْذُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بَعْدَهُ لَا يَقْضِي إلَى الِاسْتِئْصَالِ
(يُعَشَّرُ الْخَمْرُ) أَيْ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ قِيمَتِهَا (لَا الْخِنْزِيرُ) إذَا مَرَّ بِهِمَا ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ لَهَا حُكْمُ الْعَيْنِ وَالْخِنْزِيرُ مِنْهَا بِخِلَافِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَالْخَمْرُ مِنْهَا (وَلَا بِضَاعَةٌ) وَهِيَ مَالٌ مَعَ تَاجِرٍ يَكُونُ رِبْحُهُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُعَشَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْ الْمَالِكِ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ (وَمُضَارَبَةٌ) أَيْ إذَا مَرَّ الْمُضَارِبُ بِمَا لَهَا لَمْ يُعَشَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ (وَكَسْبِ مَأْذُونٍ مَدْيُونٍ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ مَوْلَاهُ) أَيْ مَرَّ عَبْدٌ مَأْذُونٌ فَلَوْ مَدْيُونًا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِلَّا فَكَسْبُهُ لِمَوْلَاهُ فَلَوْ مَعَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا
(وَثَنَّى إنْ عَشَّرَ الْخَوَارِجُ) يَعْنِي إذَا مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْبُغَاةِ فَعَشَّرُوهُ ثُمَّ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْعَدْلِ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ حَيْثُ مَرَّ بِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا غَلَبُوا عَلَى بِلَادِنَا فَأَخَذُوا الزَّكَاةَ وَغَيْرَهَا حَيْثُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ثَانِيًا إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ الْإِمَامِ
[بَابُ الرِّكَازِ]
(هُوَ مَالٌ تَحْتَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ بِدَفْنِ الْعِبَادِ، وَالْمَعْدِنُ خِلْقِيٌّ وَالْكَنْزُ مَدْفُونٌ (خُمِّسَ مَعْدِنُ نَقْدٍ) وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (وَحَدِيدٌ وَنَحْوُهُ) كَالصُّفْرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفُهُ) أَيْ مَعَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ مِنْ الْحَوْلِ وَالنِّصَابِ وَالْفَرَاغِ عَنْ الدَّيْنِ وَكَوْنِهِ لِلتِّجَارَةِ كَافِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عُلِمَ نَأْخُذُ مِثْلَهُ لَوْ بَعْضًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكُلَّ إذَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ لَكِنْ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ قَدْرُ مَا نَأْخُذُ وَالصَّحِيحُ أَنْ نُبْقِيَ لَهُ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مَأْمَنِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُبَلِّغْهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ) أَقُولُ كَذَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْوَافِي وَقَالَ فِي شَرْحِهِ الْكَافِي حَتَّى لَوْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوا مِنَّا مِثْلَهَا تَحْقِيقًا لِلْمُجَازَاةِ وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لَا نَأْخُذُ مِنْ الْقَلِيلِ، وَإِنْ أَخَذُوا مِنَّا؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ عُرْفًا وَشَرْعًا وَأَخْذُهُمْ مِنْ الْقَلِيلِ ظُلْمٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ قِيمَتِهَا) فِي الْغَايَةِ تُعَرَّفُ بِقَوْلِهِ فَاسِقَيْنِ تَابَا أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَسْلَمَا.
وَفِي الْكَافِي تُعَرَّفُ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إذَا مَرَّ بِهِمَا ذِمِّيٌّ) أَقُولُ أَوْ حَرْبِيٌّ لِلتِّجَارَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُعَشَّرُ خَمْرُ الْمُسْلِمِ إذَا مَرَّ بِهِ وَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَوَائِدِ (قَوْلُهُ: وَلَا بِضَاعَةٌ وَمُضَارَبَةٌ وَكَسْبُ مَأْذُونٍ) أَقُولُ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ حَرْبِيٍّ وَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ لَا فَلْيُنْظَرْ.
(تَتِمَّةٌ) الْعَاشِرُ مَمْنُوعٌ عَنْ تَعْشِيرِ الْعِنَبِ وَالْبِطِّيخِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهَا مِنْ الرِّطَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِنِصَابٍ قَرُبَ مُضِيُّ الْحَوْلِ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْخَضْرَاوَاتِ لِلتِّجَارَةِ فَيَتِمُّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَعِنْدَهُ لَا يَأْخُذُ الْعَاشِرُ الزَّكَاةَ لَكِنَّهُ يَأْمُرُ الْمَالِكَ بِأَدَائِهَا بِنَفْسِهِ وَقَالَا يَأْخُذُ مِنْ جِنْسِهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ حِمَايَةِ الْإِمَامِ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْكَمَالُ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَفْسُدُ بِالِاسْتِيقَاءِ وَلَيْسَ عِنْدَ الْعَامِلِ فُقَرَاءُ الْبِرِّ لِيَدْفَعَ لَهُمْ، فَإِذَا بَقِيَتْ لِيَجِدَهُمْ فَسَدَتْ فَيَفُوتَ الْمَقْصُودُ فَلَوْ كَانُوا عِنْدَهُ أَوْ أَخَذَ لِيَصْرِفَ إلَى عِمَالَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. اهـ.
(بَابُ الرِّكَازِ)
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَالٌ تَحْتَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا. . . إلَخْ) أَقُولُ فَيَعُمُّ لَفْظُ الرِّكَازِ الْكَنْزَ وَالْمَعْدِنَ وَيُطْلَقُ الرِّكَازُ عَلَيْهِمَا إطْلَاقًا حَقِيقَةً مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَلَيْسَ خَاصًّا بِالدَّفِينِ وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مَجَازًا فِيهِ أَوْ مُتَوَاطِئًا إذْ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْدِنِ كَانَ الْمُتَوَاطِئُ مُتَعَيَّنًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الرِّكَازَ حَقِيقَةً فِي الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ فِيهَا مُرَكَّبًا وَفِي الْكَنْزِ مَجَازًا بِالْمُجَاوَرَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَعْدِنُ) هُوَ مِنْ الْعَدْنِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ يُقَالُ عَدَنَ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ بِهِ وَمِنْهُ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَرْكَزُ كُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَة فَأَصْلُ الْمَعْدِنِ الْمَكَانُ بِقَيْدِ الِاسْتِقْرَارِ فِيهِ ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي نَفْسِ الْأَجْزَاءِ الْمُسْتَقِرَّةِ الَّتِي رَكَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَهَا حَتَّى صَارَ الِانْتِقَالُ مِنْ اللَّفْظِ إلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا قَرِينَةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: خُمُسٌ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ خَمَسَ الْقَوْمَ إذَا أَخَذَ خُمُسَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَاسْتُشْهِدَ لَهُ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ بِقَوْلِ عَدِيٍّ رَبَعْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَمَسْت فِي الْإِسْلَامِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ خَمُسَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فَجَازَ بِنَاءُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَرَأَهُ خَمَّسَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمُخَفَّفَ لَازِمٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُخَفَّفَ مُتَعَدٍّ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ طَلَبَ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَحَدِيدٌ وَنَحْوُهُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْحَدِيدِ
стр. 184
وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِمَا (فِي أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا (وَبَاقِيهِ لِمَالِكِهَا) أَيْ الْأَرْضِ (إنْ مُلِّكَتْ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُمَلَّكْ (فَلِلْوَاجِدِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ الْمَعْدِنِ
(إنْ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ وَفِي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ وَلَا فِي يَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ وَفَيْرُوزَجِ وُجِدَتْ فِي جَبَلٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» وَكَذَا لَا يَجِبُ فِي جَمِيعِ الْجَوَاهِرِ وَالْفُصُوصِ مِنْ الْحِجَارَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ فَفِيهِ الْخُمُسُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْكَنْزِ إلَّا الْمَالِيَّةُ لِكَوْنِهِ غَنِيمَةً كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ (وَلُؤْلُؤٍ وَعَنْبَرٍ) وَكَذَا فِي جَمِيعِ حِلْيَةٍ تُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ حَتَّى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِأَنْ كَانَا كَنْزًا فِي قَعْرِ الْبَحْرِ (كَنْزٍ فِيهِ سِمَةُ الْإِسْلَامِ) كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ (كَاللُّقَطَةِ) وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهَا
(وَمَا فِيهِ سِمَةُ الْكُفْرِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ خُمُسٌ وَبَاقِيهِ لِلْمَالِكِ أَوَّلَ الْفَتْحِ) ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا أَخَذَهُ وَإِلَّا فَوَارِثُهُ لَوْ حَيًّا وَإِلَّا فَبَيْتُ الْمَالِ (إنْ مُلِكَتْ) أَيْ أَرْضَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُمْلَكْ كَالْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ (فَلِلْوَاجِدِ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ غَيْرَ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّ الْوَاجِدَ إذَا كَانَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا أَخَذَ (إلَّا إذَا عَمِلَ فِي الْمَفَاوِزِ بِالْإِذْنِ) مِنْ الْإِمَامِ (عَلَى شَرْطِهِ) فَلَهُ الْمَشْرُوطُ (وَإِنْ خَلَا عَنْهَا) أَيْ الْعَلَامَةِ (قِيلَ يُعْتَبَرُ جَاهِلِيًّا) ؛ لِأَنَّ الْكَنْزَ غَالِبًا مِنْ الْكَفَرَةِ (وَقِيلَ) فِي زَمَانِنَا هُوَ (كَاللُّقَطَةِ) إذْ قَدْ طَالَ عَهْدُ الْإِسْلَامِ
(رَجُلٌ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَوَجَدَ رِكَازًا فِي صَحْرَاءَ دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ وَلَا خُمُسَ) سَوَاءٌ دَخَلَ بِأَمَانٍ أَوْ لَا وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ لِسَبْقِ يَدِهِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْخُمُسُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مُتَلَصِّصًا غَيْرَ مُجَاهِرٍ (وَلَوْ) دَخَلَ (جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعُونَ) أَيْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَغَلَبَةٌ (وَظَفَرُوا) عَلَى كُنُوزِهِمْ (يَخْمِسُ وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ الرِّكَازَ
(مُسْتَأْمَنٌ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ) لِأَهْلِ الْحَرْبِ (رَدَّهُ إلَى مَالِكِهَا) حَذَرًا عَنْ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ (وَلَوْ) لَمْ يَرُدَّهُ وَ (أَخْرَجَهُ مِنْهَا) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (مَلَكُهُ مِلْكًا غَيْرَ طَيِّبٍ) كَالْمَمْلُوكِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ (أَوْ) وَجَدَ الرِّكَازَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ (لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا وَلَا يُخْمَسُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مُتَلَصِّصًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
(وَجَدَ مَتَاعَهُمْ فِي أَرْضِنَا غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ خُمِسَ وَبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ) قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَإِنْ وَجَدَ رِكَازَ مَتَاعِهِمْ فِي أَرْضٍ مِنْهَا لَمْ تُمْلَكْ خُمِسَ وَبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ نَقْلُ مَسْأَلَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْهِدَايَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا فَهُوَ لِلَّذِي وَجَدَهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ. . . إلَخْ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَجَامِدٌ لَا يَنْطَبِعُ كَالْجِصِّ وَالتَّوْرَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَسَائِرِ الْأَحْجَارِ كَالْيَاقُوتِ وَالْمِلْحِ، وَالثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِجَامِدٍ كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَلَا يَجِبُ الْخُمُسُ إلَّا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَمَنْ أَصَابَ رِكَازًا وَسِعَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا اطَّلَعَ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ أَمْضَى مَا صَنَعَ وَيَجُوزُ دَفْعُ الْخُمُسِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْمُوَلَّدِينَ الْفُقَرَاءِ كَمَا فِي الْغَنَائِمِ وَيَجُوزُ لِلْوَاجِدِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَلَا تُغْنِيهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ بِأَنْ كَانَ دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَمَّا إذَا بَلَغَ الْمِائَتَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ الْخُمُسِ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ فَلِلْوَاجِدِ) أَقُولُ سَوَاءٌ وَجَدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجَرَائِهِ قَالَ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ تَقَبَّلَ مِنْ الْإِمَامِ مَعْدِنًا وَاسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَاسْتَخْرَجُوا مَا لَا يَخْمِسُ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ فِيهِ إنْ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ) أَيْ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ لَا خُمُسَ فِي الدَّارِ وَالْبَيْتِ وَالْمَنْزِلِ وَالْحَانُوتِ وَقَالَا يَجِبُ الْخُمُسُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: وَفِي أَرْضِهِ رِوَايَتَانِ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَجِبُ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُمْلَكْ خَالِيَةً عَنْ الْمُؤَنِ بَلْ فِيهَا الْخَرَاجُ أَوْ الْعُشْرُ وَالْخُمُسُ مِنْ الْمُؤَنِ بِخِلَافِ الدَّارِ، فَإِنَّهَا تُمْلَكُ خَالِيَةً عَنْهَا قَالُوا لَوْ كَانَ فِي دَارِهِ نَخْلَةٌ تَغُلُّ أَكْرَارًا مِنْ الثِّمَارِ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وُجِدَتْ فِي جَبَلٍ) أَيْ بِأَصْلِ خِلْقَتِهَا فِي مَعْدِنِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَفَادَ بِالْأَلْوِيَةِ عَدَمَ الْوُجُوبِ إذَا وُجِدَتْ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمَوْجُودَيْنِ فِيهِ وَلَوْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ خَلَا عَنْهَا) أَيْ الْعَلَامَةِ يَعْنِي الْمُمَيِّزَةَ لِيَشْمَلَ مَا إذَا اشْتَبَهَ الضَّرْبُ، وَإِذَا اشْتَبَهَ فَهُوَ جَاهِلِيٌّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ يُجْعَلُ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْكَافِي (قَوْلُهُ: قِيلَ يُعْتَبَرُ جَاهِلِيًّا) وَقِيلَ كَاللُّقَطَةِ لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ جَعْلُهُ جَاهِلِيًّا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ وُجِدَ مَتَاعُهُمْ) الْمُرَادُ بِالْمَتَاعِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِمَا نَذْكُرُهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ: فِي أَرْضِنَا) لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ إطْلَاقُ الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِدُ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ذَا مَنَعَةٍ (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ نَقْلُ مَسْأَلَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْهِدَايَةِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ مَبْنَى تَخْطِئَةِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ التَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَا نُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ لِحَمْلِ كَلَامِ الْوِقَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَاجِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ ذَا مَنَعَةٍ غَيْرَ الْمُسْتَأْمَنِ وَيَكُونُ قَوْلُ الْوِقَايَةِ: وَإِنْ وُجِدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَلَا يَرْجِعُ ضَمِيرُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْهُ وَحُذِفَ فَاعِلُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ
стр. 185
لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لَفْظَ وَجَدَ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَضَمِيرُهُ رَاجِعٌ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَضَمِيرُ مِنْهَا رَاجِعٌ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالْمَعْنَى إنْ وَجَدَ الْمُسْتَأْمَنُ رِكَازَ مَتَاعِهِمْ فِي أَرْضٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ خُمِسَ وَبَاقِيهِ لِلْوَاجِدِ وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمَّا صَرَّحَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ وَهُوَ فِيمَا كَانَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْوِقَايَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَالْمُتَلَصِّصِ وَالْأَرْضُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تَقَعْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقْطَعَ عَمَّا وُجِدَ قَبْلَهُ وَيُقْرَأَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَيُتْرَكَ لَفْظُ مِنْهَا وَتُضَافَ الْأَرْضُ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا غُيِّرَتْ الْعِبَارَةُ إلَى مَا تَرَى
(بَابُ الْعُشْرِ)
(يَجِبُ الْعُشْرُ فِي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ (أَوْ) عَسَلِ (جَبَلٍ) وَإِنْ قَلَّ الْعَسَلُ (وَثَمَرِهِ) وَفِي التُّمُرْتَاشِيِّ مَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ وَالْبَرَارِيِّ وَالْمَوَاتُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْفَاكِهَةِ إنْ لَمْ يَحْمِهِ الْإِمَامُ فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَإِنْ حَمَاهُ فَفِيهِ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْصُودٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا عُشْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ
. (وَ) فِي (مَسْقَى مَطَرٍ أَوْ سَيْحٍ) أَيْ مَاءِ أَوْدِيَةٍ (بِلَا شَرْطِ نِصَابٍ) وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَالرَّطْلُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
(وَ) لَا شَرْطِ (بَقَاءٍ) يَعْنِي سَنَةً حَتَّى يَجِبَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ وَقَالَا لَا يَجِبُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ تَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (إلَّا فِي نَحْوِ الْحَطَبِ) كَالْحَشِيشِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
خَمَسَ وَبَاقِيهِ لَهُ إذْ لَا يَخْمِسُ إلَّا مَا وَجَدَهُ ذُو مَنَعَةٍ (قَوْلُهُ: فَالصَّوَابُ أَنْ يَقْطَعَ وُجِدَ عَمَّا قَبْلَهُ وَيُقْرَأُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ) قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَذَلِكَ عَلَى مَا وَجَّهْنَاهُ ثُمَّ أَقُولُ: السِّرُّ فِي تَقْيِيدِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ بِكَوْنِ الْأَرْضِ لَمْ تُمْلَكْ لِيُفِيدَ الْحُكْمَ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ غَنِيمَةً اهـ.
وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْ فِي الْهِدَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الرِّكَازِ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِخِلَافِ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فِي الْمَتَاعِ إلَّا لِلتِّجَارَةِ لِمَا أَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ بِاعْتِبَارِ الْغَنِيمَةِ وَفِي ذَلِكَ كُلُّ الْمَالِ سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ الِانْتِقَالُ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ إلَى أَيْدِينَا غَلَبَةً حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَذَا قِيلَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُتْرَكُ لَفْظُ مِنْهَا) أَقُولُ نَعَمْ يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظِ مِنْهَا لِيَشْمَلَ مَا إذَا وُجِدَ مَتَاعُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا رِكَازًا وَلَكِنْ قَدْ أَبْدَلَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِي أَرْضِنَا حَتَّى لَا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَأْمَنِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَوَهُّمُ التَّخْصِيصِ بِدَارِنَا وَالْحُكْمُ أَعَمُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْوَاجِدِ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْمَنَعَةُ
[بَابُ الْعُشْرِ]
(قَوْلُهُ: فِي عَسَلِ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَيَّدَ بِأَرْضِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لَا عُشْرَ وَلَا خَرَاجَ كَمَا يُبَيِّنُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَسَلِ وَلَكِنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِنْزَالِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ. اهـ.
وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَمْلِكُ الْعَسَلَ الَّذِي فِي أَرْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهَا لِذَلِكَ حَتَّى أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضِهِ بِخِلَافِ الطَّيْرِ إذَا فَرَّخَ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَسَلِ جَبَلٍ وَثَمَرِهِ) كَذَا نَصَّ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ هِيَ رِوَايَةُ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِمَا. اهـ. إلَّا أَنَّ الأتقاني قَالَ عِنْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ مَا نَصُّهُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْكُهُوفِ وَالْجِبَالِ وَعَلَى الْأَشْجَارِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَكُونُ فِي الْجِبَالِ. اهـ.
فَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا فِي غَيْرِ الْعُشْرِيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) أَيْ النِّصَابُ الْمُعْتَبَرُ هُنَا مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَالْوَسْقُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا حِمْلُ الْبَعِيرِ وَالْوَقْرُ حِمْلُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ
(قَوْلُهُ: سِتُّونَ صَاعًا) تَقْدِيرُ الْوَسْقِ بِسِتِّينَ صَاعًا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَقَالَا لَا يَجِبُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ) حَدُّ الْبَقَاءِ أَنْ يَبْقَى سَنَةً فِي الْغَالِبِ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ كَبِيرَةٍ بِخِلَافِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَالْعِنَبِ فِي بِلَادِهِمْ وَالْبِطِّيخِ الصَّيْفِيِّ فِي بِلَادِنَا أَيْ بِلَادِ الْمِصْرِ وَعِلَاجُهُ الْحَاجَةُ إلَى تَقْلِيبِهِ وَتَعْلِيقُ الْعِنَبِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي نَحْوِ الْحَطَبِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَكَذَا لَا يَجِبُ فِي نَحْوِ سَعَفٍ وَتِبْنٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِمَّا يُقْصَدُ إنْبَاتُهُ حَتَّى لَوْ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مُقَصَّبَةً أَوْ مُشَجَّرَةً أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ وَأَرَادَ بِهِ الِاسْتِنْمَاءَ بِقَطْعِ ذَلِكَ وَبَيْعِهِ كَانَ فِيهِ الْعُشْرِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَبَيْعُ مَا يَقْطَعُهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ وَلِذَا أَطْلَقَهُ قَاضِي خَانْ عَنْهُ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا قَصْدُ الِاسْتِغْلَالِ فَخَرَجَ نَحْوُ بَزْرِ الْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرِ كَالصَّمْغِ وَالْقَطِرَانِ وَيَجِبُ فِي الْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ وَبَزْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَلَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا كَانَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ كَاللَّوْزِ وَالْهَلِيلَجِ وَلَا فِي الْكُنْدُرِ. اهـ. .
وَفِي الْجَوْهَرَةِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ يَجِبُ
стр. 186
وَالْقَصَبِ (وَنِصْفُهُ) عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ يَجِبُ وَجَازَ لِلْفَصْلِ أَيْ وَيَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ
(فِي مَسْقَى غَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ بِلَا رَفْعِ الْمُؤَنِ) أَيْ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْأَوَّلِ وَنِصْفُهُ فِي الثَّانِي بِلَا رَفْعِ أُجْرَةِ الْعُمَّالِ وَنَفَقَةِ الْبَقَرِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَأُجْرَةِ الْحَافِظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) بِلَا (إخْرَاجِ الْبَذْرِ) ، فَإِنَّ شُرَّاحَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الْعُشْرِ فِي كُلِّ الْخَارِجِ
. (وَ) يَجِبُ (ضِعْفُهُ فِي عُشْرِيَّةِ تَغْلِبِيٍّ وَلَوْ طِفْلًا أَوْ أُنْثَى أَوْ أَسْلَمَ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ) ، فَإِنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ أَرَاضِي أَطْفَالِنَا فَيُؤْخَذُ ضِعْفُهُ مِنْ أَرَاضِي أَطْفَالِهِمْ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْعُشْرُ الْمُضَاعَفُ بِالْإِسْلَامِ
. (وَ) يَجِبُ (الْخَرَاجُ فِي عُشْرِيَّةِ مُسْلِمٍ شَرَاهَا ذِمِّيٌّ وَقَبَضَ) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ الْقَبْضَ وَشُرِطَ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَذَلِكَ بِالْقَبْضِ.
(وَ) يَجِبُ (الْعُشْرُ عَلَى مُسْلِمٍ أَخَذَهَا مِنْهُ بِشُفْعَةٍ أَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ الرُّؤْيَةِ أَوْ الْعَيْبِ بِقَضَاءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رُدَّتْ يَعْنِي إذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ عُشْرِيَّةً ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ بِخِيَارٍ مَا عَادَتْ عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ
(وَعَلَى ذِمِّيٍّ جَعَلَ دَارِهِ بُسْتَانًا خَرَاجٌ كَذَا الْمُسْلِمُ إنْ سَقَاهَا بِمَائِهِ وَلَوْ) سَقَاهَا (بِمَاءِ الْعُشْرِ) وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْمِيَاهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْعُشْرُ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَصَلِ وَالثُّومِ فِي الصَّحِيحِ وَلَا عُشْرَ فِي الْأَدْوِيَةِ كَالسَّعْتَرِ وَالشُّونِيزِ وَالْحَلِفِ وَالْحُلْبَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَصَبِ) هُوَ كُلُّ نَبَاتٍ سَاقُهُ يَكُونُ أَنَابِيبَ وَكُعُوبًا وَالْكَعْبُ الْعَقْدُ وَالْأُنْبُوبُ مَا بَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ؛ لِأَنَّ الْقَصَبَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ الْفَارِسِيُّ وَلَا عُشْرَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ وَهُوَ قَصَبُ السُّنْبُلِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَسُمِّيَ بِالذَّرِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُجْعَلُ ذَرَّةً ذَرَّةً وَتُلْقَى فِي الدَّوَاءِ كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِي وَكَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ وَفِيهَا وَقِيلَ يَدْفَعُ بِهَا الْهَوَامَّ وَقِيلَ مَا يُزَرُّ عَلَى الْمَيِّتِ أَيْ يُنْثَرُ وَيُلْقَى كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَأَجْوَدُهُ الْيَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ. اهـ.
وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَدْوِيَةِ لِحَرْقِ النَّارِ مَعَ دُهْنِ وَرْدٍ وَخَلٍّ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ مَعَ الْعَسَلِ وَمِنْ الِاسْتِسْقَاءِ ضِمَادًا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ وَالثَّالِثُ قَصَبُ السُّكَّرِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ قَصَبُ السُّكَّرِ وَالذَّرِيرَةِ فِيهِمَا الْعُشْرُ وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ. اهـ. قَلْبٌ وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ عَسَلِ قَصَبِ السُّكَّرِ لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَصَبُ الْعَسَلِ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي عَسَلِهِ دُونَ خَشَبِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: غَرْبٍ) الْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ وَالدَّالِيَةُ دُولَابٌ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الدَّالِيَةَ جِذْعٌ طَوِيلٌ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأَزْرَقِ فِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ يَسْتَقِي بِهَا وَالسَّانِيَةُ النَّاقَةُ الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا، فَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ فَالْمُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ كَمَا مَرَّ فِي السَّائِمَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ اسْتَوَيَا يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ كَمَا فِي السَّائِمَةِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَهُوَ بَحْثُ الزَّيْلَعِيِّ وَظَاهِرُ الْغَايَةِ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الْخَرَاجُ فِي عُشْرِيَّةِ مُسْلِمٍ شَرَاهَا ذِمِّيٌّ) أَطْلَقَ الذِّمِّيَّ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ التَّغْلِبِيِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْ يَجِبُ الْخَرَاجُ إنْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ غَيْرُ تَغْلِبِيٍّ أَرْضًا عُشْرِيَّةً مِنْ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَى تَغْلِبِيٌّ أَرْضًا عُشْرِيَّةً مِنْ مُسْلِمٍ يُضَاعَفُ الْعُشْرُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ لِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ وَضُعِّفَ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ لِتَغْلِبِيٍّ. اهـ.
وَفِيهِ إفَادَةُ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ كَذَا نَقَلَهُ الْأَتْقَانِيُّ عَنْ الْقُدُورِيِّ (قَوْلُهُ أَوْ الْعَيْبِ بِقَضَاءٍ) إنَّمَا كَانَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَسْخًا إذَا كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ الْفَسْخِ، فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَانَ إقَالَةً وَهُوَ بَيْعٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَصَارَ شِرَاءً مِنْ الذِّمِّيِّ فَتَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِمَا فِيهَا مِنْ الْوَظِيفَةِ وَقِيلَ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ بِصَيْرُورَتِهَا خَرَاجِيَّةً وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ يَرْتَفِعُ بِالْفَسْخِ فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رُدَّتْ) أَقُولُ جَعْلُهُ بِقَضَاءٍ مُتَعَلِّقًا بِرُدَّتْ يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ الْقَضَاءِ فِي الرَّدِّ لِلْفَسَادِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ إلَّا فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ الْعَيْبِ
(قَوْلُهُ: وَعَلَى ذِمِّيٍّ جَعَلَ دَارِهِ بُسْتَانًا خَرَاجٌ) أَيْ سَوَاءٌ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَوْ الْعُشْرِ وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهَا بُسْتَانًا بَلْ أَبْقَاهَا دَارًا كَمَا كَانَتْ، وَلَوْ بِهَا نَخِيلٌ تَغُلُّ أَكْرَارًا لَا شَيْءَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا (قَوْلُهُ: كَذَا الْمُسْلِمُ لَوْ سَقَاهَا) أَيْ الْمُسْلِمُ بِمَائِهِ أَيْ الْخَرَاجِ وَلَوْ سَقَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ عَشَّرَ وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ سَقَاهُ مَرَّةً بِمَاءِ الْعُشْرِ وَمَرَّةً بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالْعُشْرِ وَالذِّمِّيُّ بِالْخَرَاجِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَاسْتَشْكَلَ الْعَتَّابِيُّ وُجُوبَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فِيمَا إذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ حَتَّى نَقَلَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْعُشْرِ مِنْ الْخَرَاجِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ جَبْرًا إمَّا بِاخْتِيَارِهِ فَيَجُوزُ وَقَدْ اخْتَارَهُ هُنَا حَيْثُ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَهِيَ كَمَا إذَا أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْمِيَاهِ) بَيَانُهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مَاءَ السَّمَاءِ أَوْ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ عُشْرِيٌّ وَمَاءَ أَنْهَارٍ حَفَرَهَا الْعَجَمُ وَبِئْرٍ وَعَيْنٍ فِي خَرَاجِيَّةٍ
стр. 187
(وَلَا شَيْءَ فِي عَيْنِ قِيرٍ وَنَفْطٍ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءً كَانَتْ الْعَيْنُ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ.
(وَفِي حَرِيمِهَا الصَّالِحِ لِلزِّرَاعَةِ خَرَاجٌ لَوْ) كَانَ حَرِيمُهَا (خَرَاجِيًّا وَوَقْتُهُ) أَيْ وَقْتُ أَخْذِ الْعُشْرِ (عِنْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَوَقْتُهُ وَقْتُ إدْرَاكِهِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عِنْدَ حُصُولِهِ فِي الْحَظِيرَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ
(بَابُ الْمَصَارِفِ)
(هُمْ الْفَقِيرُ) هُوَ مَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ النِّصَابِ (وَالْمِسْكِينُ) هُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ (وَالْعَامِلُ) أَيْ عَامِلُ الصَّدَقَةِ فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَهُوَ مَا يَكْفِيهِ وَأَعْوَانَهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّمَنِ وَإِنْ اسْتَغْرَقَتْ كِفَايَتُهُ الزَّكَاةَ لَا يُزَادُ عَلَى النِّصْفِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَالْمُكَاتَبُ) لِفَكِّهِ (وَالْغَارِمُ) مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَلَا يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى النَّاسِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
خِرَاجِي كَذَا سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعُشْرِيٌّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. اهـ. قُلْتُ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكَذَا النِّيلُ خَرَاجِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْحِمَايَةِ بِاِتِّخَاذِ الْقَنْطَرَةِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاَلَّتِي حَفَرَتْهَا الْأَعَاجِمُ كَنَهْرِ الْمَلِكِ وَيَزْدَجْرِدَ وَمَرْوَرُوزَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» ذَكَرَهُ الْأَتْقَانِيُّ
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ فِي عَيْنِ قِيرٍ) الْقِيرُ وَالْقَارُ الزِّفْتُ وَالنَّفْطُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَهُوَ أَفْصَحُ دُهْنٌ يَعْلُو الْمَاءَ وَقَدْ مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ مَسْحِ مَوْضِعِ الْقِيرِ وَالنَّفْطِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ﵀ اخْتَارَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ ﵀. اهـ.
وَفِي رَاوِيَةٍ تُمْسَحُ الْعَيْنُ تَبَعًا إذَا كَانَ حَرِيمُهَا يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ (قَوْلُهُ: وَفِي حَرِيمِهَا الصَّالِحِ لِلزِّرَاعَةِ خَرَاجٌ لَوْ خَرَاجِيًّا) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَرِيمُ عُشْرِيًّا وَزَرَعَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَوَقْتُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَوُجُوبُ الْعُشْرِ بِاشْتِدَادِ الْحَبِّ وَبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بَلَغَ حَدًّا يُنْتَفَعُ بِهِ وَأَبُو يُوسُفَ يَرَى الْوُجُوبَ بِالْحَصَادِ وَالْجِدَادِ لَا وَقْتَ جَمْعِ الْخَارِجِ فِي الْجُرْنِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ. اهـ. فَفِيهِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ
[بَابُ مَصَارِفِ الزَّكَاةُ]
(بَابُ الْمَصَارِفِ)
(قَوْلُهُ: الْفَقِيرُ هُوَ مَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ النِّصَابِ) أَقُولُ وَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. اهـ. لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لِلْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الدَّفْعِ جَوَازُ الْأَخْذِ كَظَنِّ الْغَنِيِّ فَقِيرًا. اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهَا لِمَنْ مَلَكَ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ كَمَا يَجُوزُ دَفْعُهَا، نَعَمْ، الْأَوْلَى عَدَمُ الْأَخْذِ لِمَنْ لَهُ سَدَادٌ مِنْ عَيْشٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَالْمِسْكِينُ) عَطَفَهُ عَلَى الْفَقِيرِ فَاقْتَضَى مُغَايَرَتَهُ لَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَتَظْهَرُ الثَّمَرُ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ: هُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ هُوَ الْأَصَحُّ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَفْسِيرُهُمَا عَلَى عَكْسِهِ كَمَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ: وَالْعَامِلُ) عَبَّرَ بِهِ دُونَ الْعَاشِرِ لِيَشْمَلَ السَّاعِيَ وَلَوْ غَنِيًّا لَا هَاشِمِيًّا لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الصَّدَقَةِ وَالْأُجْرَةِ وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ فِيهَا الْهَاشِمِيُّ وَرُزِقَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ رُزِقَ مِنْهَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ عَلَى مَوَالِيهِمْ إذْ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى وَجَوَّزَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ الْهَاشِمِيُّ عَامِلًا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ: فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) أَيْ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَكَانَ الْمَالُ بَاقِيًا حَتَّى لَوْ حَمَلَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ الزَّكَاةَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ هَلَكَ مَا جَمَعَهُ مِنْ الْمَالِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَجْزَتْ الزَّكَاةُ عَنْ الْمُؤَدِّينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي الْقَبْضِ أَوْ نَائِبٍ عَنْ الْفَقِيرِ فِيهِ، فَإِذَا تَمَّ الْقَبْضُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ وَكَذَا حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ عِمَالَةٌ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ وَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، فَإِذَا هَلَكَ سَقَطَتْ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَكْفِيهِ وَأَعْوَانَهُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوَسَطِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ شَهْوَتَهُ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ لِكَوْنِهَا إسْرَافًا مَحْضًا وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَرْضَى بِالْوَسَطِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالثَّمَنِ) أَشَارَ بِهِ إلَى تَقْدِيرِ الشَّافِعِيِّ لَهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ ثَامِنُ ثَمَانِيَةٍ ذُكِرَتْ بِالنَّصِّ وَسَقَطَتْ مِنْهُمْ الْمُؤَلَّفَةُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُكَاتَبُ) يَعْنِي إذَا كَانَ سَيِّدُهُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ قَدْ قَالُوا إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُكَاتَبٍ هَاشِمِيٍّ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَوْلَى اهـ. قُلْت: وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِمَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ قَالُوا لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مُكَاتَبٍ هَاشِمِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ لَا تُدْفَعُ إلَى مُكَاتَبٍ غَنِيٍّ وَإِطْلَاقُ النَّصِّ يَقْتَضِي الْكُلَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
(وَقَوْلُهُ وَالْغَارِمُ) أَقُولُ وَالدَّفْعُ لَهُ أَوْلَى مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْفَقِيرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ) أَفَادَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ نِصَابًا غَيْرَ فَاضِلٍ جَازَ لَهُ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالدَّيْنِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى النَّاسِ لَا
стр. 188
لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ.
(وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) هُوَ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيْ الْفُقَرَاءُ مِنْهُمْ وَمُنْقَطِعُ الْحَاجِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْ الْفُقَرَاءُ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الْفَقِيرِ أَوْ الْمِسْكِينِ لِزِيَادَةِ حَاجَتِهِ بِسَبَبِ الِانْقِطَاعِ (وَابْنُ السَّبِيلِ) هُوَ الْمُسَافِرُ سُمِّيَ بِهِ لِلُزُومِهِ الطَّرِيقَ فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي بَلَدِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ فَأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَنْ غَابَ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ (وَتُصْرَفُ إلَى كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ تَمْلِيكًا) أَيْ لَا بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُصْرَفَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ
(لَا إلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ بِالزَّكَاةِ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ شَرْطٌ فِيهَا وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا بِنَاءُ الْقَنَاطِيرِ وَإِصْلَاحُ الطُّرُقَاتِ وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَكُلُّ مَا لَا تَمْلِيكَ فِيهِ (وَكَفَنِ مَيِّتٍ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ) وَلَوْ قَضَى دَيْنَ حَيٍّ وَالْمَدْيُونُ فَقِيرٌ، فَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ أَمَرَهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَا يُجْزِئُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَلَوْ قَضَى بِأَمْرِهِ جَازَ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَى الْغَرِيمِ فَيَكُونُ الْقَابِضُ كَالْوَكِيلِ فِي قَبْضِ الصَّدَقَةِ (وَثَمَنِ مَا يُعْتَقُ) أَيْ لَا يَشْتَرِي بِهَا رَقَبَةً تُعْتَقُ لِانْعِدَامِ التَّمْلِيكِ فِيهَا
(وَلَا) إلَى (مَنْ بَيْنَهُمَا وِلَادٌ) أَيْ أَصْلُهُ وَإِنْ عَلَا وَفَرْعُهُ وَإِنْ سَفَلَ (أَوْ زَوْجِيَّةٌ) أَيْ لَا يُعْطِي زَوْجٌ زَوْجَتَهُ وَلَا زَوْجَةٌ زَوْجَهَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنَافِعِ عَادَةً
(وَمَمْلُوكِ الْمُزَكِّي) أَيْ مُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ (وَعَبْدٍ أَعْتَقَ) الْمُزَكِّي (بَعْضَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبِهِ (وَعَبْدٍ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْمُعْسِرُ حِصَّتَهُ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ نَصِيبَهُ لَمْ يَجُزْ لَلشَّرِيك الْآخَرِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى لَهُ فَصَارَ كَمُكَاتَبِهِ وَقَالَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ عِنْدَهُمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا إلَى عَبْدٍ قَدْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَقَالَا: يَدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ وَاتَّفَقَ شُرَّاحُهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ قَدْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَيَرْجِعُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ) يَعْنِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ الْآنَ كَمَا إذَا كَانَ نِصَابًا مُؤَجَّلًا أَوْ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ وَالْمَدْيُونُ مُعْسِرٌ أَوْ مُوسِرٌ جَاحِدٌ وَلَا بَيِّنَةَ عَادِلَةً وَحَلَّفَهُ الْقَاضِي أَمَّا لَوْ كَانَ مُوسِرًا مُقِرًّا أَوْ جَاحِدًا وَثَمَّةَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَى الْقَاضِي فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَقُولُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ اللَّامِ إلَى فِي كَمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَذَلِكَ فِي بَاقِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ لَمَّا قَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ اللَّامِ إلَى فِي فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُمْ أَرْسَخُ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ فِي لِلْوِعَاءِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمْ أَحِقَّاءٌ بِأَنْ تُوضَعَ فِيهِمْ الصَّدَقَاتُ (قَوْلُهُ: هُوَ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ وَكَذَا فِي الْمَرْغِينَانِيِّ وَقَالَ السُّرُوجِيُّ قُلْتُ بَعِيدٌ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ وَلَيْسَ هُنَاكَ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمْ طَلَبَةُ عِلْمٍ. اهـ. قُلْتُ وَاسْتِبْعَادُهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ لَيْسَ إلَّا اسْتِفَادَةَ الْأَحْكَامِ وَهَلْ يَبْلُغُ طَالِبُ عِلْمٍ رُتْبَةَ مَنْ لَازَمَ صُحْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِتَلَقِّي الْأَحْكَامِ عَنْهُ كَأَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَالتَّفْسِيرُ بِطَالِبِ الْعِلْمِ وَجِيهٌ خُصُوصًا قَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعُ الْقُرَبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ سَعَى فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَسَبِيلِ الْخَيْرَاتِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّفْسِيرِ وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تُعْطَى الْأَصْنَافُ كُلُّهُمْ بِشَرْطِ الْفَقْرِ إلَّا فِي الْعَامِلِ فَمُنْقَطِعُ الْحَاجِّ الْفَقِيرِ يُعْطَى بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الْمُسَافِرُ. . . إلَخْ) كَذَا فِي التَّبْيِينِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ عَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَالِهِ كَالْفَقِيرِ إذَا اسْتَغْنَى وَالْمُكَاتَبِ إذَا عَجَزَ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ تَمْلِيكًا) أَيْ لَا بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ كِتَابِ الزَّكَاةِ
[بِنَاء الْمَسَاجِد مِنْ مَال الزَّكَاة]
(قَوْلُهُ: لَا إلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ. . . إلَخْ) الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ مِثْلِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِقْدَارِ زَكَاتِهِ عَلَى فَقِيرٍ ثُمَّ يَأْمُرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالصَّرْفِ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَالِ ثَوَابُ الزَّكَاةِ وَلِلْفَقِيرِ ثَوَابُ هَذَا التَّقَرُّبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَفَرْعُهُ) أَقُولُ وَلَوْ مِنْ زِنًا وَكَذَا لَا يَدْفَعُ إلَى وَلَدِهِ الَّذِي نَفَاهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ أَوْ زَوْجِيَّةٌ) أَقُولُ وَكَمَا لَا يَدْفَعُ إلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ وِلَادٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ كَذَلِكَ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِمْ صَدَقَةَ فِطْرِهِ وَكَفَّارَتِهِ وَعُشْرِهِ بِخِلَافِ خُمُسِ الرِّكَازِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ لَهُمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا الْفَقْرُ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: وَمَمْلُوكِ الْمُزَكِّي) أَقُولُ وَكَذَا مَمْلُوكُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ وِلَادٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ لِمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَأَنَّ الدَّفْعَ لِمُكَاتَبِ الْوَلَدِ غَيْرُ جَائِزٍ كَالدَّفْعِ لِابْنِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ مُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ) أَقُولُ جَعْلُهُ الْمَمْلُوكَ شَامِلًا لِلْمُكَاتَبِ صَرِيحًا كَمَا هُوَ مَفْهُومُ إطْلَاقِ ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ فِي بَابِ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ يَدًا. اهـ.
وَلَمَّا كَانَ مُغَايِرًا لَهُ قَالَ فِي الْكَنْزِ وَعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ (قَوْلُهُ: وَاتَّفَقَ شُرَّاحُهُ. . . إلَخْ) .
أَيْ مُعْظَمُ شُرَّاحِهِ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الْكَمَالُ تَوْجِيهًا فَقَالَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ أَعْتَقَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلْمَفْعُولِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ لَهُمَا بِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ إذْ هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ بِلَا دَيْنٍ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا فَإِعْتَاقُ بَعْضِهِ إعْتَاقُ كُلِّهِ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ عَدَمَ الْإِعْطَاءِ بِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ
стр. 189
ضَمِيرُهُ إلَى الْمُزَكِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَقَالَا يَدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ عِنْدَهُمَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ كُلُّهُ لَهُ فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ كَانَ كُلُّهُ حُرًّا بِلَا دَيْنٍ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَيُصَوِّرُ الْمَسْأَلَةَ فِي عَبْدَيْنِ اثْنَيْنِ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ حَتَّى يَتَأَتَّى هَذَا التَّعْلِيلُ وَلَمَّا كَانَ كَوْنُ أَعْتَقَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيلُ وَكَانَ دَلَالَةُ قَوْلِهِ أَعْتَقَ بَعْضَهُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى ذَكَرْتُ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى فِي الْمَتْنِ وَدَلِيلًا لَهَا فِي الشَّرْحِ غَيْرِ مَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَالثَّانِيَةَ بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى الْمَذْكُورَةِ وَدَلِيلًا لَهَا مِثْلُ الْمَذْكُورَةِ فِي الْهِدَايَةِ (وَغَنِيٍّ وَمَمْلُوكِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَاقِعٌ لِمَوْلَاهُ (وَطِفْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ أَبِيهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مُكَاتَبُ الْغَيْرِ وَهُوَ مَصْرِفٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَعْرَى عَنْ الْإِشْكَالِ وَيَحْتَاجُ فِي دَفْعِهِ إلَى تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ قُرِئَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فَالْمُرَادُ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ لِلِابْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَمُكَاتَبِ ابْنِهِ وَكَمَا لَا يَدْفَعُ إلَى ابْنِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ إلَى مُكَاتَبِهِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ لِلِابْنِ، وَإِنْ قُرِئَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَالْمُرَادُ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَيَسْتَسْعِيهِ السَّاكِتُ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّاكِتِ الدَّفْعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَمُكَاتَبِ نَفْسِهِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَدْيُونٌ وَهُوَ حُرٌّ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الْإِنْسَانُ إلَى مَدْيُونِهِ أَمَّا لَوْ اخْتَارَ السَّاكِتُ التَّضْمِينَ كَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْعَبْدِ فَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ كَمُكَاتَبِ الْغَيْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَغَنِيٍّ) أَقُولُ أَيْ يَمْلِكُ نِصَابَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ يَمْلِكُ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ نِصَابِ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ بِلَا شَرْطِ النَّمَاءِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ كَخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَا تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ جَازَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَمَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ خِلَافُ هَذَا فَهُوَ وَهْمٌ حَيْثُ قَالَ وَدَخَلَ تَحْتَ النِّصَابِ الْخَمْسُ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ، فَإِنْ مَلَكَهَا أَوْ نِصَابًا مِنْ السَّوَائِمِ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ لَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ. اهـ.
فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ وَقَدْ ذَكَرَ خِلَافَهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي فَنِّ الْمُعَايَاةِ فَقَدْ نَاقَضَ نَفْسَهُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ صَرَّحَ بِمَا ادَّعَاهُ مِمَّنْ اطَّلَعْت عَلَيْهِ بَلْ عِبَارَتُهُمْ مُفِيدَةٌ جَوَازَ الدَّفْعِ لِمَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النُّقُودِ أَوْ السَّوَائِمِ أَوْ الْعَرْضِ. اهـ.
فَأَوْهَمَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْعِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ. . . إلَخْ مُقَيَّدٌ تَقْدِيرُ النِّصَابِ بِالْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَرْضِ أَوْ السَّوَائِمِ لِمَا أَنَّ الْعُرُوضَ لَيْسَ نِصَابُهَا إلَّا مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِقْدَارُ النِّصَابِ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْكَافِي بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ فَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ إلْحَافًا قِيلَ وَمَا الَّذِي يُغْنِيهِ قَالَ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَوْ عَدْلُهَا. اهـ.
فَقَدْ شَمَلَ الْحَدِيثُ اعْتِبَارَ السَّائِمَةِ بِالْقِيمَةِ لِإِطْلَاقِهِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ الْغَنِيُّ الَّذِي يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ وَيُوجِبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ هُوَ أَنْ يَمْلِكَ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ مِائَتِي دِرْهَمٍ مِنْ الْأَمْوَالِ الْفَاضِلَةِ عَنْ حَاجَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ قِيلَ وَمَا الْغَنِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ» . اهـ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى اعْتِبَارِ قِيمَةِ السَّوَائِمِ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ مِنْ غَيْرٍ (وَإِنْ) ذُكِرَ خِلَافٌ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ كَمَا ذَكَرْنَا وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَنَظْمِ ابْنُ وَهْبَانَ وَشَرْحِهِ لَهُ وَفِي شَرْحِهِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ.
وَفِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ إذَا كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِصَابُ النَّقْدِ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ بَلَغَ نِصَابًا أَيْ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ. اهـ. مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ
(تَنْبِيهٌ) : قَيَّدْنَا بِكَوْنِ النِّصَابِ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَةِ تَبَعًا لِلْكَمَالِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَةِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ لَيْسَ نَامِيًا وَهُوَ مُسْتَغْرَقٌ بِحَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا فِيمَنْ يَمْلِكُ كُتُبًا تُسَاوِي نُصُبًا وَهُوَ عَالِمٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَوْ هُوَ جَاهِلٌ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا. اهـ. قُلْت إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَوْ هُوَ جَاهِلٌ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لَكِنَّهُ لَمَّا أَحَالَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُفِيدٌ أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يَكُونُ مُصَرِّفًا بِمِلْكِهِ كُتُبًا عُلِمَ حُكْمُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا تَسَامُحٌ (قَوْلُهُ وَمَمْلُوكِهِ) أَقُولُ الْمُرَادُ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى تَصْرِيحِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ شُمُولَ الْمُكَاتَبِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمِلْكَ وَاقِعٌ لِمَوْلَاهُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الدَّفْعِ لَهُ إذَا كَانَ مَأْذُونًا مَدْيُونًا بِمَا يُحِيطُ بِكَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ إكْسَابَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَمْلِكُ فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ زَمِنًا وَلَيْسَ فِي عِيَالِ مَوْلَاهُ وَلَا يَجِدُ شَيْئًا يَجُوزُ وَكَذَا إذَا كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَطِفْلِهِ) لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي عِيَالِ الْأَبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْكَبِيرِ) أَقُولُ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَّاحِ وَكَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَقَالَ وَهَكَذَا حُكْمُ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ إلَّا أَنَّهُ عَقَّبَهُ فِيهَا بِقَوْلِهِ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا دَفَعَ إلَى ابْنَةِ الْغَنِيِّ الْكَبِيرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ
стр. 190
وَإِنْ كَانَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَذَا امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا تُعَدُّ غَنِيَّةً بِيَسَارِ الزَّوْجِ وَبِقَدْرِ النَّفَقَةِ لَا تَصِيرُ مُوسِرَةً
(وَبَنِي هَاشِمٍ) وَهُمْ آلُ عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِقَوْلِهِ ﷺ «يَا بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ غُسَالَةَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَوْسَاخَهُمْ» (وَمَوَالِيهِمْ) أَيْ مُعْتَقِي بَنِي هَاشِمٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ (وَإِنْ جَازَ التَّطَوُّعَاتُ) مِنْ الصَّدَقَةِ (وَالْأَوْقَافِ لَهُمْ) أَيْ لِبَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهمْ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الزَّكَاةِ فِيهَا
. (وَ) لَا (ذِمِّيٍّ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁ خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا إلَى فُقَرَائِهِمْ» يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ جَازَ غَيْرُهَا) أَيْ صَدَقَةٌ غَيْرَ الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ لِلذِّمِّيِّ وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ لَا يَجُوزُ لَهُ (دَفْعٌ بِتَحَرٍّ) أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَصْرِفٌ (فَظَهَرَ كَوْنُهُ عَبْدَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ يُعِيدُهَا) ؛ لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ إلَى عَبْدِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ مِلْكِهِ وَالتَّمْلِيكُ رُكْنٌ وَلَهُ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ حَقٌّ فَلَمْ يَتِمَّ التَّمْلِيكُ (وَلَوْ) ظَهَرَ (غِنَاهُ أَوْ كُفْرُهُ أَوْ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ هَاشِمِيٌّ لَا) يُعِيدُهَا؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالِاجْتِهَادِ لَا الْقَطْعِ فَيُبْنَى الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقَعُ عِنْدَهُ كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَوْ أَمَرَ بِالْإِعَادَةِ لَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ أَيْضًا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ دَفْعٌ بِتَحَرٍّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا دَفَعَ بِلَا تَحَرٍّ وَأَخْطَأَ لَا يُجْزِئُهُ
(وَكُرِهَ الْإِغْنَاءُ) أَيْ جَازَ إعْطَاءُ مِائَتَيْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
غَنِيَّةً بِغِنَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَذَا امْرَأَتُهُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَسَوَاءٌ فَرَضَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ لَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ لَهَا كَابْنِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ نَفَقَتَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ مُسَبَّبَةٌ عَنْ الْجُزْئِيَّةِ فَكَانَ كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ
(قَوْلُهُ: وَهُمْ آلُ عَلِيٍّ. . . إلَخْ) تَبِعَ فِيهِ الْقُدُورِيَّ حَيْثُ عَدَّهُمْ مُرَتَّبِينَ كَمَا ذَكَرَهُ وَالْعَبَّاسُ وَالْحَارِثُ ابْنَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَعَقِيلٌ أَوْلَادُ أَبِي طَالِبٍ ﵃ وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِهَؤُلَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَذُرِّيَّةِ أَبِي لَهَبٍ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَانٍ وَلَا شَخْصٍ إشَارَةً لِرَدِّ رِوَايَةِ أَبِي عِصْمَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ لِبَنِي هَاشِمٍ فِي زَمَانِهِ؛ لِأَنَّ فِي عِوَضِهَا خُمُسُ الْخُمُسِ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ وَلِرَدِّ رِوَايَةِ أَنَّ الْهَاشِمِيَّ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى هَاشِمِيٍّ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّدَقَاتِ كُلَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَالْحُرْمَةُ كَانَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِوُصُولِ خُمُسِ الْخُمُسِ إلَيْهِمْ فَلَمَّا حَصَلَ مَنْعُهُمْ ظُلْمًا عَنْ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ﷺ حَلَّتْ لَهُمْ الصَّدَقَةُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَبِالْجَوَازِ نَأْخُذُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ (قَوْلُهُ وَمَوَالِيهِمْ) أَيْ مُعْتَقِي بَنِي هَاشِمٍ مُقَيَّدٌ بِالْأَوْلَوِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ الدَّفْعِ إلَى أَرِقَّائِهِمْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ التَّطَوُّعَاتُ وَالْأَوْقَافُ لَهُمْ) نَقَلَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْعَتَّابِيِّ أَنَّ النَّفَلَ جَائِزٌ لَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ كَالنَّفْلِ لِلْغَنِيِّ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَعَزَاهُ إلَى النَّوَادِرِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْأَقْطَعُ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَاخْتَارَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَثْبَتَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ الْخِلَافَ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِالْحُرْمَةِ وَقَوَّاهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإِطْلَاقِهِ وَقَدْ سَوَّى فِي الْكَافِي بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْوَقْفِ كَمَا سَمِعْتَ وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحِلَّ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا سَمَّاهُمْ أَيْ الْوَاقِفُ أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّهِمْ فَلَا؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ صَدَقَةَ الْوَقْفِ كَالنَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ بِالْوَقْفِ إذَا لَا إيقَافَ وَاجِبٌ وَانْظُرْ صَاحِبَ الْبَحْرِ فِيهِ بِأَنَّ الْإِيقَافَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا إذَا قَالَ: إنْ قَدِمَ أَبِي فَعَلَيَّ أَنْ أَقِفَ هَذِهِ الدَّارَ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُ نَفْسُهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ سُؤَالًا كَيْفَ يَلْزَمُ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مَا يُوجِبُ الْوَفَاءَ بِنَذْرِ الْوَقْفِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ غَيْرُهَا لَهُ) هُوَ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ جَائِزٌ دَفْعُهُ لِلذِّمِّيِّ وَقَيَّدَ بِالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ فَرْضًا وَنَفْلًا لَا تَجُوزُ لِلْحَرْبِيِّ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ (قَوْلُهُ: دَفْعٌ بِتَحَرٍّ أَيْ بِظَنِّ أَنَّهُ مَصْرِفٌ) فَسَّرَ التَّحَرِّيَ بِالظَّنِّ لِيَخْرُجَ الِاجْتِهَادُ يَعْنِي الْمُجَرَّدَ عَنْ الظَّنِّ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ظَهَرَ كُفْرُهُ) الْمُرَادُ بِهِ بِأَنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَمَّا لَوْ ظَهَرَ حَرْبِيًّا وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ دَفْعٌ بِتَحَرٍّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا دَفَعَ بِلَا تَحَرٍّ وَأَخْطَأَ لَا يُجْزِئُهُ) أَقُولُ وَكَذَا إذَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَصْرِفًا لَا تُجْزِئُهُ وَكَذَا إذَا تَحَرَّى وَغَلَبَهُ ظَنُّهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَصْرِفًا لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إذَا عَلِمَ مَحَلِّيَّتَهُ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْكَمَالُ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ حَالَ الِاشْتِبَاهِ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ صَوَابُهُ وَأُلْحِقَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَوَازِ هُنَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ مُتَعَيِّنَةٌ لِتَعَمُّدِهِ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ إذْ هِيَ جِهَةُ التَّحَرِّي حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرَ فَلَا تَنْقَلِبُ طَاعَةً وَهُنَا نَفْسُ الْإِعْطَاءِ لَا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا فَصَلَحَ وُقُوعُهُ مُسْقِطًا إذَا ظَهَرَ صَوَابُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ الْإِغْنَاءُ) أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ
стр. 191
دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يُلَاقِي الْفَقْرَ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَتِمُّ بِالتَّمْلِيكِ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فِي حَالَةِ التَّمْلِيكِ فَقِيرٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ غَنِيًّا بَعْدَ تَمَامِ التَّمْلِيكِ فَيَتَأَخَّرُ الْغَنِيُّ عَنْ التَّمْلِيكِ ضَرُورَةً لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِقُرْبِ الْغَنِيِّ مِنْهُ كَمَنْ صَلَّى وَبِقُرْبِهِ نَجَاسَةٌ
(وَنَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ الْجِوَارِ (لِغَيْرِ قَرِيبٍ وَأَحْوَجَ) يَعْنِي لَا يُكْرَهُ إذَا نَقَلَهَا إلَى قَرِيبِهِ وَإِلَى قَوْمٍ هُمْ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ أَوْ زِيَادَةِ دَفْعِ الْحَاجَةِ وَلَوْ نَقَلَ إلَى غَيْرِهِمْ جَازَ وَإِنْ كُرِهَ؛ لِأَنَّ الْمَصْرِفَ مُطْلَقُ الْفُقَرَاءِ (وَنُدِبَ دَفْعُ مُغَنِّيهِ) عَنْ سُؤَالِ يَوْمٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْإِغْنَاءَ الْمُحَرِّمَ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَيَشْمَلُ الْمُوجِبَ لَهَا وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فَيُكْرَهُ دَفْعُ عَرْضٍ يُسَاوِي نِصَابًا وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْغِنَى الْمُوجِبَ لِلزَّكَاةِ لَا الْمُحَرِّمَ لِأَخْذِهَا فَلَا يُكْرَهُ وَإِلَّا دَفَعَ غَيْرَ الْعَرْضِ مِنْ النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِمِلْكِهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ أَدَائِهَا إلَى انْتِهَاءِ الْحَوْلِ وَهُوَ مَفْهُومُ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَاحِدٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، وَإِنْ جَازَ. اهـ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَدْيُونًا أَوْ ذَا عِيَالٍ فَلَوْ كَانَ ذَا عِيَالٍ بِحَيْثُ لَوْ وَزَّعَ عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُ كُلًّا نِصَابٌ أَوْ لَا يَفْضُلُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ نِصَابٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَصِيرُ غَنِيًّا بَعْدَ تَمَامِ التَّمْلِيكِ فَيَتَأَخَّرُ الْغِنَى عَنْ التَّمْلِيكِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْحَقِيقَةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهَا بَلْ هُمَا كَالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ يَقْتَرِنَانِ وَأَجَابَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْأَدَاءِ أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ عِلَّةُ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ عِلَّةُ الْغِنَى فَكَانَ الْغِنَى مُضَافًا إلَى الْأَدَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ كَالْإِعْتَاقِ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ فَكَانَ الْأَدَاءُ شُبْهَةَ السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ وَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحُكْمِ حَقِيقَةً وَمَا يُشْبِهُ السَّبَبَ مِنْ الْعِلَلِ لَهُ شُبْهَةُ التَّقَدُّمِ. اهـ. كَذَا فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَقُولُ الْحُكْمُ يَتَعَقَّبُ الْعِلَّةَ فِي الْعَقْلِ وَيُقَارِنُهَا فِي الْوُجُودِ فَبِالنَّظَرِ إلَى التَّأَخُّرِ الْعَقْلِيِّ جَازَ وَبِالنَّظَرِ إلَى التَّقَارُنِ الْخَارِجِيِّ يُكْرَهُ
[نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ]
(قَوْلُهُ: وَنَقْلُهَا) أَيْ مِنْ مَكَانِ الْمَالِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزَّكَاةِ مَكَانُ الْمَالِ وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَكَانُ الرَّأْسِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مُرَاعَاةً لَا يُجَابُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ وُجُودِ سَبَبِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبُ أَدَائِهَا أَيْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ هُوَ أَيْ الْمَوْلَى كَمَا اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ وَيَرْجِعُ أَبُو يُوسُفَ إلَى وُجُوبِهَا حَيْثُ هُمْ كَالزَّكَاةِ. اهـ.
فَقَدْ اُعْتُبِرَ مَكَانُ الْمَوْلَى وَهُوَ تَصْحِيحُ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَتَصْحِيحِ الْكَمَالِ خِلَافُهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى فَوَجَبَ الْفَحْصُ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالرُّجُوعُ إلَيْهَا وَالْمَنْقُولُ مِنْ النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَكَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِمَكَانِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ مُوَافِقًا لِتَصْحِيحِ الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. اهـ. قُلْت قَدْ ظَفَرْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى نَصِّ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْعِنَايَةِ فَوَضَحَ بِهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَحْرِ قَالَ الْأَكْمَلُ ﵀ وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي أَنَّهُ اعْتَبَرَ هَاهُنَا مَكَانَ الْمَالِ وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَوْلَى فِي ذِمَّتِهِ عَنْ رَأْسِهِ فَحَيْثُ كَانَ رَأْسُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَرَأْسُ مَمَالِيكِهِ فِي حَقِّهِ كَرَأْسِهِ فِي وُجُوبِ الْمُؤْنَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الصَّدَقَةِ فَتَجِبُ حَيْثُمَا كَانَتْ رُءُوسُهُمْ وَالزَّكَاةُ، فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي الْمَالِ فَلِهَذَا إذَا هَلَكَ سَقَطَتْ فَاعْتُبِرَ بِمَكَانِهِ. اهـ.
وَكَذَا نَصَّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي النِّهَايَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَقَالَ: وَأَمَّا مَكَانُ الْأَدَاءِ فَهُوَ مَكَانُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهَا بِمَكَانِ الْمَالِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِغَيْرِ قَرِيبٍ وَأَحْوَجَ) أَقُولُ عَدَمُ كَرَاهَةِ النَّقْلِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ بِدَارِ الْحَرْبِ يُفْتَى بِالْأَدَاءِ إلَى فُقَرَاءِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ وُجِدَ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا يُكْرَهُ أَيْضًا نَقْلُهَا لِمَنْ هُوَ أَوْرَعُ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَعْلِيمٍ مِنْ فُقَرَاءِ بَلَدِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَكَذَا لَا يُكْرَهُ نَقْلُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ لِبَلَدٍ آخَرَ مُطْلَقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ
(تَنْبِيهٌ) : قَالُوا الْأَفْضَلُ فِي صَرْفِهَا أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى إخْوَتِهِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَعْمَامِهِ ثُمَّ أَخْوَالِهِ ثُمَّ ذَوِي أَرْحَامِهِ ثُمَّ جِيرَانِهِ ثُمَّ أَهْلِ سَكَنِهِ ثُمَّ أَهْلِ مِصْرِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْإِخْوَةِ شُمُولَ الْأَخَوَاتِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الزَّكَاةِ وَالْفِطْرَةِ وَالنَّذْرِ الصَّرْفُ أَوَّلًا إلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ إلَى الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ إلَى الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ إلَى الْجِيرَانِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ حِرْفَتِهِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ مِصْرِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ. اهـ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الْكَمَالِ ثُمَّ ذَوِي أَرْحَامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَخْوَالِهِ ذُو رَحِمٍ أَبْعَدَ مِمَّا ذَكَرَ قَبْلَهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَوْهَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ بَعْدِهِمْ. اهـ. هَذَا وَذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ لَا تُقْبَلُ صَدَقَةُ الرَّجُلِ وَقَرَابَتُهُ مَحَاوِيجُ حَتَّى يَبْدَأَ بِهِمْ فَيَسُدَّ حَاجَتَهُمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ دَفْعُ مُغْنِيَةٍ عَنْ سُؤَالِ يَوْمٍ) ظَاهِرُهُ تَعَلُّقُ الْإِغْنَاءِ بِسُؤَالِ الْقُوتِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ فِي كُلِّ فَقِيرٍ مِنْ عِيَالٍ وَحَاجَةٍ أُخْرَى كَدُهْنٍ وَثَوْبٍ وَكِرَاءِ مَنْزِلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ إنَّمَا صَارَ هَذَا أَحَبَّ؛ لِأَنَّ
стр. 192
وَلَا يَسْأَلُ مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ
(بَابُ الْفِطْرَةِ) أَيْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ (تَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ) وَلَوْ صَغِيرًا (لَهُ نِصَابُ الزَّكَاةِ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْمِ) وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا النِّصَابِ (تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ) وَقَدْ سَبَقَ (لِنَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَجِبُ (وَطِفْلِهِ الْفَقِيرِ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ وَطِفْلِهِ الْغَنِيِّ بَلْ مِنْ مَالِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِيهِ صِيَانَةَ الْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ مَعَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِهِ فُلُوسًا فَفَرَّقَهَا فَقَدْ قَصَّرَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَةِ. اهـ. قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا تَصَدَّقْتُمْ فَأَغْنُوهُمْ وَلِأَنَّ دَفْعَ الْكَثِيرِ أَشْبَهُ بِعَمَلِ الْكِرَامِ فَكَانَ أَوْلَى قَالَ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَبْغُضُ سَفْسَافَهَا» وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إعْطَاءِ الْقَلِيلِ فِي قَوْلِهِ أَفَرَأَيْت الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَسْأَلُ مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ) يَعْنِي لَا يَسْأَلُ الْقُوتَ أَمَّا سُؤَالُ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ غَيْرَ الْقُوتِ فَجَائِزٌ كَثَوْبٍ وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ قُوتُهُ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ كَمَا إذَا كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا لِقُدْرَتِهِ بِصِحَّتِهِ وَاكْتِسَابِهِ عَلَى قُوتِ الْيَوْمِ فَكَأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْغَازِيَ، فَإِنَّ طَلَبَ الصَّدَقَةِ جَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مُكْتَسِبًا لِاشْتِغَالِهِ بِالْجِهَادِ عَنْ الْكَسْبِ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ طَالِبُ الْعِلْمِ لِاشْتِغَالِهِ عَنْ الْكَسْبِ بِالْعِلْمِ، وَإِذَا حَرُمَ السُّؤَالُ هَلْ يَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ لَهُ إذَا عُلِمَ حَالُهُ مَا حُكْمُهُ، فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَأْثَمَ بِذَلِكَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ لَكِنْ يُجْعَلُ هِبَةً وَبِالْهِبَةِ لِلْغَنِيِّ أَوْ لِمَنْ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَا يَكُونُ آثِمًا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ. اهـ. لَكِنْ قَالَ قَاضِي خَانْ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ لِمَنْ كَانَ كَسُوبًا أَوْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. اهـ.
فَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ حُرْمَةِ سُؤَالِ الْكَسُوبِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. اهـ.
[بَابُ الْفِطْرَةِ]
[عَلَى مِنْ تجب زَكَاة الْفِطْر]
(بَابُ الْفِطْرَةِ)
أَيْ صَدَقَةُ الْفِطْرَةِ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَمُنَاسَبَتِهَا لِلزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ إلَّا أَنَّ الزَّكَاةَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْهَا لِثُبُوتِهَا بِالْقُرْآنِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ هَذَا الْبَابَ عَقِيبَ الصَّوْمِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ إذْ هِيَ بَعْدَ الصَّوْمِ طَبْعًا كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْكَلَامُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنْ وُجُوهٍ سَنَذْكُرُ مِنْهَا بَيَانَ كَيْفِيَّتِهَا وَكَمْيَّتِهَا وَشَرْطِهَا وَسَبَبِهَا وَوَقْتِهَا وُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا وَمَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ وَرُكْنُهَا وَهُوَ أَدَاءُ قَدْرِ الْوَاجِبِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَحُكْمُهَا وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولُ الثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى وَمَكَانُ الْأَدَاءِ وَهُوَ مَكَانُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: تَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ شَغْلَ الذِّمَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ وَأَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِتَفْرِيغِ الذِّمَّةِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِقَوْلِهِ ﷺ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ» الْحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْوَاجِبُ هَا هُنَا عَلَى مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيِّ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَغِيرًا) يَعْنِي يَجِبُ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهَا مِنْهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ: لَهُ نِصَابُ الزَّكَاةِ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَمْلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بَلْ مَا يُسَاوِي نِصَابًا وَلَوْ عَرْضًا لَمْ يُنْوَ لِلتِّجَارَةِ فَارِغًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ) أَقُولُ وَمِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ حَوَائِجُ عِيَالِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ عِيَالِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ إشَارَةً إلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَيُعْتَبَرُ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ وَبِهِ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ) أَيْ وَتَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ كَالْفِطْرَةِ وَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ وَثَانِي النُّصُبِ مَا يَجِبُ زَكَاتُهُ وَهُوَ النِّصَابُ النَّامِي وَتَقَدَّمَ وَالثَّالِثُ مَا يُحَرِّمُ السُّؤَالَ وَتَقَدَّمَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَتَسْمِيَةُ الشَّارِحِينَ لَهُ نِصَابًا مَجَازٌ. اهـ. أَيْ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ (قَوْلُهُ: وَطِفْلِهِ الْفَقِيرِ) أَقُولُ وَلَوْ كَانَ لَهُ آبَاءٌ فَعَلَى كُلٍّ فِطْرَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْآبَاءِ مُوسِرًا دُونَ الْبَاقِينَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ تَامَّةٌ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَا تَجِبُ فِطْرَةُ أُمِّهِ عَلَى أَحَدٍ لِعَدَمِ الْمِلْكِ التَّامِّ
(تَنْبِيهٌ) : الْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ فَقْرِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ وَلَدِ وَلَدِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الِاخْتِيَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا، فَإِنَّ صَدَقَةَ فِطْرِهِ عَلَى أَبِيهِ سَوَاءٌ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ جُنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ خِلَافًا لِمَا عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الثَّانِي وَتَجِبُ فِطْرَةُ الْأَبِ الْفَقِيرِ الْمَجْنُونِ عَلَى ابْنِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَطِفْلِهِ الْغَنِيِّ بَلْ مِنْ مَالِهِ) أَقُولُ وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْوَلِيُّ عَنْهُ وَجَبَ الْأَدَاءُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَيُخْرِجُهَا وَصِيُّ الْمَجْنُونِ وَوَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ
(تَنْبِيهٌ) : ذَكَرُوا فِي الْأُضْحِيَّةِ عَنْهُ الْخِلَافَ وَأَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ أَنَّهُ لَا يُضَحِّي عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَمَّا مَمْلُوكُ ابْنِهِ فَقَالَ فِي الْمُحِيطِ لَا تَجِبُ عَنْ مَمْلُوكِ ابْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ مَالٌ أَيْ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمُونُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ عَبِيدِ ابْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَعَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الصَّغِيرِ. اهـ.
وَالْخِلَافُ الَّذِي أَرَادَهُ
стр. 193
(وَمَمْلُوكِهِ الْخَادِمِ) احْتِرَازٌ عَنْ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَهُمْ
(وَلَوْ) كَانَ (مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ كَافِرًا لَا لِزَوْجَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى لِنَفْسِهِ (وَعَبْدِهِ الْآبِقِ إلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْعَبْدُ آبِقًا وَقْتَ الْفِطْرَةِ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ مَادَامَ آبِقًا، فَإِذَا عَادَ يُؤَدِّي لِمَا مَضَى (وَلَا لِمُكَاتَبِهِ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ (وَلَا) تَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (لِنَفْسِهِ) لِفَقْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ
(وَلَا لِمَمْلُوكٍ) مُشْتَرَكٍ (بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا) لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا وَكَذَا الْعَبِيدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَإِنْ بِيعَ) الْمَمْلُوكُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ اثْنَيْنِ (بِخِيَارِ أَحَدِهِمَا) مَعْنَاهُ إذَا مَضَى يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ (فَعَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ، فَإِنَّهُ لَوْ رُدَّ يَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَوْ أُجِيزَ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ (مِنْ بُرٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَجِبُ (أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبُرِّ أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ فَكَالشَّعِيرِ (أَوْ زَبِيبٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
هُوَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِطْرَةُ الصَّغِيرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لِاشْتِرَاطِهِمَا الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ (قَوْلُهُ: وَمَمْلُوكِهِ الْخَادِمِ) أَيْ الْمُعَدِّ لِلْخِدْمَةِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الْمَدْيُونَ الْمُسْتَغْرَقَ وَالْمُؤَجَّرَ وَالْمَرْهُونَ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَلِمَوْلَاهُ نِصَابٌ غَيْرُهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَالْعَبْدَ الْجَانِيَ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً وَالْعَبْدَ الْمَنْذُورَ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ وَالْمُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمَجِيءِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ فِطْرَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْكَمَالُ وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِإِنْسَانٍ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ مِنْ سَهْوِ الْقَلَمِ (قَوْلُهُ: احْتِرَازٌ عَنْ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ لِلتِّجَارَةِ) شَامِلٌ لِمَا كَانَ لِمَأْذُونِهِ إمَاءٌ لَوْ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَعَلَى الْمَوْلَى فِطْرَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ بِنَاءً عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى لِإِكْسَابِهِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَعَبْدِهِ الْآبِقِ إلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ) أَقُولُ وَكَذَا الْمَغْصُوبُ وَالْمَأْسُورُ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبِهِمْ وَالْمَرْهُونُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ وَفِطْرَةُ مَوْلَاهُ إنْ فَضَلَ لَهُ نِصَابٌ بَعْدَ الدَّيْنِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمُرَادُ نِصَابُ غَيْرِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ حَيْثُ كَانَ لِلْخِدْمَةِ (قَوْلُهُ: لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ قَالَ الْكَمَالُ وَإِعْطَاءُ الضَّابِطِ أَيْ الْمَذْكُورِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ فِي الْجَدِّ إذَا كَانَتْ لَهُ نَوَافِلُ صِغَارًا فِي عِيَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ دَفْعِهِ فَهُوَ غَيْرُ قَوِيٍّ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ عَلَى الْجَدِّ صَدَقَةَ فِطْرِهِمْ. اهـ.
قُلْتُ وَقَدَّمْنَا عَنْ الِاخْتِيَارِ اخْتِيَارَهَا. اهـ. وَهَذِهِ مَسَائِلُ يُخَالِفُ فِيهَا الْجَدُّ الْأَبَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا يُخَالِفُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ هَذِهِ وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ وَجَرُّ الْوَلَاءِ وَالْوَصِيَّةُ لِقَرَابَةِ فُلَانٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْعَبِيدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ مُطْلَقًا وَأَوْجَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ الصِّحَاحِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ أَوْ خَمْسَةٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ عَبْدٍ أَوْ عَبْدَيْنِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بِيعَ الْمَمْلُوكُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ الصَّوَابُ حَذْفُ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِمَا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ عَلَى بَائِعِهِ إذَا رَدَّ الْبَيْعَ بِالْخِيَارِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ وَالشَّرْطُ الْمِلْكُ التَّامُّ لِلرَّقَبَةِ (قَوْلُهُ: بِخِيَارِ أَحَدِهِمَا) أَقُولُ وَكَذَا بِخِيَارِهِمَا عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ وَقَالَ زُفَرُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ كَيْفَمَا كَانَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ كَالنَّفَقَةِ وَزَكَاةِ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَتَمَّ الْحَوْلُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عِنْدَنَا بِضَمٍّ إلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فَيُزْكِيهِ مَعَهُ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ، فَإِنْ قَبَضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِيَارِ عَيْبٍ أَوْ رُؤْيَةٍ بِقَضَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى الْبَائِعِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ اشْتَرَاهُ فَاسِدًا وَقَبَضَهُ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَبَاعَهُ بَعْدَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَعَلَيْهِ صَدَقَتُهُ وَلَوْ قَبَضَهُ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ فَعَلَى بَائِعِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ الْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا أَيْ فِي الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ جَمِيعًا احْتِيَاطًا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى الدَّقِيقِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سِيَاقِ الْخَبَرِ فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ بِأَنْ يُعْطِيَ نِصْفَ صَاعِ دَقِيقٍ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعَ دَقِيقٍ شَعِيرٍ يُسَاوَيَانِ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ وَصَاعَ شَعِيرٍ لَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفٍ يُسَاوِي نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ أَوْ أَقَلَّ مِنْ صَاعٍ يُسَاوِي صَاعَ شَعِيرٍ وَلَا نِصْفَ لَا يُسَاوِي نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ لَا يُسَاوِي صَاعَ شَعِيرٍ. اهـ.
وَأَمَّا الْخُبْزُ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: أَوْ زَبِيبٍ) جَعَلَ الزَّبِيبَ كَالْبُرِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّبِيبَ كَالشَّعِيرِ وَصَحَّحَهَا أَبُو الْيُسْرِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ الزَّبِيبُ كَالتَّمْرِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
стр. 194
نِصْفُ صَاعٍ) فَاعِلُ تَجِبُ (وَمِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ صَاعٌ مِمَّا) أَيْ مِنْ صَاعٍ (يَسَعُ أَلْفًا وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) ، فَإِنَّهُ الصَّاعُ الْمُعْتَبَرُ (مِنْ مَجٍّ) وَهُوَ الْمَاشُّ (أَوْ عَدَسٍ) وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِهِمَا لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَبَّاتِهِمَا عِظَمًا وَصِغَرًا وَتَخَلْخُلًا وَاكْتِنَازًا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحُبُوبِ، فَإِنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ
(بِطُلُوعِ فَجْرِ الْفِطْرِ) مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِتَجِبُ (فَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ الْفِطْرِ (أَوْ وُلِدَ بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ بِالنَّظَرِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (وَصَحَّ) أَدَاءُ الْفِطْرَةِ
(لَوْ قَدَّمَ) الْأَدَاءَ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ وَهُوَ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ التَّعْجِيلَ فِي الزَّكَاةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ (أَوْ أَخَّرَ) عَنْ وَقْتِهِ وَلَمْ تَسْقُطْ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْقُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ وَهُوَ سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ فَلَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنَّ الْقُرْبَةَ فِيهَا إرَاقَةُ الدَّمِ وَهِيَ لَمْ تُعْقَلْ قُرْبَةً فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ
(وَنُدِبَ تَعْجِيلُهَا) وَالْمُرَادُ أَدَاؤُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى لِقَوْلِهِ ﷺ أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِإِشَارَتِهِ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَدَاؤُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فَاعِلُ يَجِبُ) أَقُولُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي يَجِبُ أَيْ يَجِبُ الْفِطْرُ أَيْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ (قَوْلُهُ مِمَّا أَيْ مِنْ صَاعٍ يَسَعُ أَلْفًا. . . إلَخْ) هَذَا تَقْدِيرُ الطَّحَاوِيِّ الصَّاعُ بِمَا يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قِيلَ: إنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيرُ أَبِي يُوسُفَ الصَّاعَ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ عِرَاقِيَّةٍ وَتَقْدِيرُهُمَا بِثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ لِزِيَادَةِ الصَّاعِ فِي عَصْرِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الرَّطْلَ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ عِشْرِينَ إسْتَارًا وَفِي زَمَنِ أَبِي يُوسُفَ ثَلَاثِينَ إسْتَارًا وَالْإِسْتَارُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهَذَا الْقِيلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةً وَلَوْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ لَذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ اعْتَبَرَ الرَّطْلَ الْعِرَاقِيَّ. اهـ. قُلْتُ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْيَنَابِيعِ لَا يَتِمُّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَدَمُ زِيَادَةِ الصَّاعِ فِي زَمَنِ أَبِي يُوسُفَ وَبَعْدَ ثُبُوتِ عَدَمِ الزِّيَادَةِ يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى نَفْيِ مَا وَرَدَ أَنَّ أَبِي يُوسُفَ حَرَّرَهُ بِرَطْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ رَطْلِ بَغْدَادَ؛ لِأَنَّهُ ثَلَاثُونَ إسْتَارًا وَالْبَغْدَادِيُّ عِشْرُونَ فَلْيُحَرَّرْ
(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَخَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ وَنُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، فَإِنَّ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا أَصْلًا كَالْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ خَلَفٌ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ وَقَالَ نُوحٌ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَعَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ أَدَّى عَنْ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ زَيْنٌ فِي بَحْرِهِ تَصْحِيحَ قَوْلِ خَلَفٍ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَعَنْ الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى ثُمَّ قَالَ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ تَرَى لَكِنَّ تَأْيِيدَ التَّقْيِيدِ بِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ الْعَمَلُ عَلَيْهِ. اهـ.
وَخَالَفَهُ أَخُوهُ الشَّيْخُ عُمَرُ فَقَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِ مَا تَقَدَّمَ وَاتِّبَاعُ الْهِدَايَةِ أَوْلَى. اهـ. قُلْتُ وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا عَلَيْهِ الشُّرُوحُ وَالْمُتُونُ وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَفِي الْبُرْهَانِ وَابْنِ كَمَالٍ بَاشَا.
وَفِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ الصَّحِيحُ جَوَازُ تَعْجِيلِ الْفِطْرَةِ لِسِنِينَ كَمَا يَجُوزُ لِسَنَةٍ رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ. اهـ. وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ صَدَقَةِ فِطْرَةٍ لِسَنَةٍ أَوْ سِنِينَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ وَالْوَقْتُ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَالتَّعْجِيلُ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ وَلَمْ تَسْقُطْ) أَقُولُ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ افْتَقَرَ وَعَنْ الْحَسَنِ إنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ يَوْمِ الْفِطْرِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
[تَعْجِيلُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ]
(قَوْلُهُ: لَهُ وَنُدِبَ تَعْجِيلُهَا. . . إلَخْ) قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ هُنَا اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِ ثَمَّةَ وَلَمَّا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي هُنَا أَيْضًا قَالَ وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْعِيدَيْنِ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْكِتَابِ لِوَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي كَافِيهِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي وَفَضِيلَةُ التَّعْجِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ ﵄ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَجْرُوحٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِأَفْضَلِيَّةِ مَا يُدْفَعُ لِلْفَقِيرِ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ الدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ الْبُرِّ وَالدَّرَاهِمُ أَوْلَى مِنْ الدَّقِيقِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ لِأَنَّهَا أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ وَأَعْجَلُ بِهِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ تَفْضِيلُ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ إذْ فِي الدَّقِيقِ وَالْقِيمَةِ خِلَافٌ لِلشَّافِعِيِّ. اهـ.
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ خِلَافَ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ دَفْعُ الْحِنْطَةِ أَفْضَلُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ وَإِظْهَارُ الشَّرِيعَةِ. اهـ. .
وَفِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إنْ كَانَ فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ فَالْأَدَاءُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ دَقِيقِهِ أَفْضَلُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَفِي زَمَنِ السَّعَةِ الدَّرَاهِمُ أَفْضَلُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
стр. 195
إلَى الْمُصَلَّى لِيَسْتَغْنِيَ الْفَقِيرُ عَنْ السُّؤَالِ وَيَحْضُرَ الْمُصَلَّى فَارِغَ الْبَالِ مِنْ نَفَقَةِ الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ
(وَوَجَبَ دَفْعُ كُلِّ شَخْصٍ فِطْرَتَهُ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ) حَتَّى لَوْ فَرَّقَهُ إلَى فَقِيرَيْنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْإِغْنَاءُ لِمَا مَرَّ وَلَا يُسْتَغْنَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ (وَقِيلَ) الْقَائِلُ الْكَرْخِيُّ (جَازَ) دَفْعُهَا (إلَى فَقِيرَيْنِ) لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَوْلَى (وَيَجُوزُ دَفْعُ مَا يَجِبُ عَلَى جَمَاعَةٍ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
(كِتَابُ الصَّوْمِ) عَقَّبَ الزَّكَاةَ بِالصَّوْمِ اقْتِدَاءً بِالْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (هُوَ) لُغَةً: الْإِمْسَاكُ وَشَرْعًا (تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْمَغْرِبِ) لَمْ يَقُلْ نَهَارًا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا كَمَا قَالَ ﷺ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» (بِنِيَّةٍ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ وَاخْتَارَ فِي الْخَانِيَّةِ الْعَيْنَ إذَا كَانُوا فِي مَوْضِعٍ يَشْتَرُونَ الْأَشْيَاءَ بِالْحِنْطَةِ كَالدَّرَاهِمِ. اهـ. قُلْت خِلَافٌ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا نَظَرَا لِمَا هُوَ أَكْثَرُ نَفْعًا وَأَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ دَفْعُ كُلِّ شَخْصٍ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللُّزُومُ لِمُقَابِلَتِهِ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ فَرَّقَ إلَى فَقِيرَيْنِ لَمْ يَجُزْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَوْلَى هُوَ الْأَوَّلُ) يَعْنِي عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ لِمَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَيَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمْعٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ لِوُجُودِ الدَّفْعِ إلَى الْمَصْرِفِ عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ صَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْفِطْرَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى مَسَاكِينَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ كَجَوَازِ تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْإِغْنَاءِ فَيُفِيدُ الْأَوْلَوِيَّةَ وَقَدْ نَقَلَ فِي التَّبْيِينِ الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي بَابِ الظِّهَارِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ دَفْعُ مَا يَجِبُ عَلَى جَمَاعَةٍ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ دَافِعٍ مَصْرِفٌ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
[أَنْوَاع الصِّيَام]
(كِتَابُ الصَّوْمِ) (قَوْلُهُ قَالَ ﵊ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) إنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الشَّاهِدِ وَسَكَتَ عَنْ الْخَامِسِ، وَهُوَ الْحَجُّ، وَلَا يُقَالُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ خَامِسُهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَا تُقْبَلُ إحْدَاهُمَا بِدُونِ الْأُخْرَى فَالْخَامِسُ الْحَجُّ ثُمَّ إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَشْيَاءَ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الصَّوْمَ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا إيجَابُهُ شَيْئَيْنِ يَنْشَأُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ سُكُونُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرُ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ، وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا؛ وَلِذَا قِيلَ: إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ فَإِذَا شَبِعَتْ النَّفْسُ جَاعَتْ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا وَمِنْ فَوَائِدِهِ اقْتِضَاؤُهُ الرَّحْمَةَ وَالْعَطْفَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِذَوْقِ أَلَمِ الْجُوعِ فَإِذَا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَذَكَّرَ بِهِ مَنْ هُوَ ذَائِقُهُ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ فَيُسَارِعُ إلَى رَحْمَتِهِ وَالرَّحْمَةُ حَقِيقَتُهَا فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ نَوْعُ أَلَمٍ بَاطِنٍ فَيَتَدَارَكُ مَنْ حَالُهُ هَذِهِ دَائِمًا بِإِيصَالِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَيَنَالُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا: تَرْكُ الْأَكْلِ. . . إلَخْ) هَذَا الْحَدُّ صَادِقٌ بِمَنْ أَدْخَلَ شَيْئًا إلَى دِمَاغِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَائِمًا وَخَرَجَ بِهِ (فَإِنْ) مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَأَنَّهُ صَائِمٌ وَالْحَدُّ الصَّحِيحُ إمْسَاكٌ عَنْ إدْخَالِ شَيْءٍ عَمْدًا بَطْنًا أَوْ مَا لَهُ حُكْمُ الْبَاطِنِ، وَعَنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ بِنِيَّةٍ فِي وَقْتِهَا مِنْ أَهْلِهِ هَذَا وَسَبَبُ وُجُوبِ رَمَضَانَ شُهُودُ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبُ وُجُوبِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ مُتَفَرِّقَةٌ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ بَلْ أَشَدُّ لِتَخَلُّلِ زَمَانٍ لَا يَصِحُّ لِلصَّوْمِ أَصْلًا وَهُوَ اللَّيْلُ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ جَمْعِ السَّبَبَيْنِ فَشُهُودُ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ سَبَبٌ لِكُلِّهِ وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ؛ وَالْقَضَاءُ يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ. وَسَبَبُ صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ: الْحِنْثُ وَالْقَتْلُ؛ وَسَبَبُ الْمَنْذُورِ وَالنَّذْرُ؛ وَلِذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَصَامَ شَهْرًا قَبْلَهُ عَنْهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ بَعْدَ وُجُوبِ السَّبَبِ وَيَلْغُو التَّعْيِينُ وَشَرْطُ وُجُوبِ الصَّوْمِ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَشَرْطُ وُجُوبِ أَدَائِهِ الصِّحَّةُ وَالْإِقَامَةُ وَشَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهِ النِّيَّةُ وَالْخُلُوُّ عَمَّا يُنَافِيهِ أَوْ يُفْسِدُهُ وَحُكْمُهُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ وَنَيْلُ ثَوَابِهِ إنْ كَانَ صَوْمًا لَازِمًا وَإِلَّا فَالثَّانِي قَالَ الْكَمَالُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي الشُّرُوطِ: الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ أَوْ الْكَوْنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَيُرَادُ بِالْعِلْمِ الْإِدْرَاكُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمَ رَمَضَانَ ثُمَّ عَلِمَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْمُوجِبُ بِإِخْبَارِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ، وَلَا الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَلِمَ بِالْوُجُوبِ أَوْ لَا اهـ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَقُلْ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا) أَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَدْ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ أَوْ لِسَانِ الْفُقَهَاءِ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ فِي
стр. 196
فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ (مِنْ أَهْلِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْكَافِرِ (وَهُوَ) إمَّا (فَرْضٌ) وَهُوَ نَوْعَانِ مُعَيَّنٌ (كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَدَاءً وَقَضَاءً) وَفَرْضِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
(وَ) غَيْرُ مُعَيَّنٍ نَحْوُ (الْكَفَّارَاتِ) أَيْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى فِي الْإِحْرَامِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى (وَ) إمَّا (وَاجِبٌ كَالنَّذْرِ) الْمُعَيَّنِ وَالْمُطْلَقِ.
(وَ) إمَّا (نَفْلٌ كَغَيْرِهَا) ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِهَذَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَالْمَنْذُورُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ أَيْضًا فَرْضًا لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْكِتَابَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْمَنْذُورَ إذَا كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلُزُومُهُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ، وَإِنْ كَانَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا وَهُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ هَاهُنَا الْفَرْضُ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي يَكْفُرُ جَاحِدُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَالْفَرْضِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تَثْبُتُ بِمُطْلَقِ الْإِجْمَاعِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ الْمَنْقُولِ بِالتَّوَاتُرِ كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَنْذُورِ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ بِالتَّوَاتُرِ بَقِيَ فِي مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ أَوْ الْآحَادِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
(صَحَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالنَّفَلِ بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى لَا عِنْدَهَا) فَإِنَّ النَّهَارَ الشَّرْعِيَّ مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالضَّحْوَةُ الْكُبْرَى مُنْتَصِفَهُ فَوَجَبَ أَنْ تُوجَدَ النِّيَّةُ قَبْلَهَا لِتَكُونَ مَوْجُودَةً فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ فَتُوجَدُ فِي كُلِّهِ حُكْمًا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لَا مَا قِيلَ إلَى الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَصَفُ نَهَارٍ اُعْتُبِرَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا.
(وَ) صَحَّ الصَّوْمُ (بِمُطْلَقِهَا) أَيْ النِّيَّةِ (وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ وَبِخَطَإِ الْوَصْفِ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ) لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لِسَانِ الْفُقَهَاءِ خَاصَّةً حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ مِنْ النَّهَارِ الْيَوْمُ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ اهـ.
وَلَكِنْ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَا هُوَ أَعَمُّ حَيْثُ قَالَ النَّهَارُ عِبَارَةٌ عَنْ زَمَانٍ مُمْتَدٍّ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ دِيوَانِ الْأَدَبِ النَّهَارُ ضِدُّ اللَّيْلِ وَيَنْتَهِي اللَّيْلُ بِطُلُوعِ الصُّبْحِ الصَّادِقِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ إمَّا فَرْضٌ وَهُوَ نَوْعَانِ مُعَيَّنٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَدَاءً وَقَضَاءً) أَقُولُ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُعَيَّنًا فَنَاقَضَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ الْآتِي وَشَرْطٌ لِلْبَاقِي وَهُوَ قَضَاءُ رَمَضَانَ إلَى أَنْ قَالَ إذْ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، اهـ. وَالصَّوَابُ عَدَمُ التَّعْيِينِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ الْكَفَّارَاتِ) لَا يَظْهَرُ لِلَفْظَةِ نَحْوُ فَائِدَةٌ غَيْرُ الْإِقْحَامِ (قَوْلُهُ وَإِمَّا وَاجِبٌ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُطْلَقِ) هَذَا غَيْرُ الْأَظْهَرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ صَوْمَ الْمَنْذُورِ فَرْضٌ كَالْكَفَّارَاتِ لِمَا سَنَذْكُرُ (قَوْلُهُ وَنَفْلٌ كَغَيْرِهَا) صَادِقٌ بِصَوْمِ الْمَسْنُونِ وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّ أَقْسَامَ الصَّوْمِ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَمَسْنُونٌ وَمَنْدُوبٌ وَنَفْلٌ وَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَتَحْرِيمًا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَسْنُونُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ مَعَ التَّاسِعِ وَالْمَنْدُوبُ ثَلَاثَةٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا الْأَيَّامَ الْبِيضَ يَعْنِي الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ وَكُلُّ صَوْمٍ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ طَلَبُهُ وَالْوَعْدُ عَلَيْهِ كَصَوْمِ دَاوُد ﵊ وَنَحْوِهِ، وَالنَّفَلُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ تَثْبُتْ كَرَاهَتُهُ وَالْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا عَاشُورَاءُ مُفْرَدًا عَنْ التَّاسِعِ وَنَحْوُ يَوْمِ الْمِهْرَجَانِ، وَالْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَالْعِيدَيْنِ اهـ لَكِنْ رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي عَنْ أُسْتَاذِهِ نَقْلًا عَنْ الْوَاقِعَاتِ يَجُوزُ صَوْمُ الْمِهْرَجَانِ بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ. .
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَاضِي خَانْ إنْ وَافَقَ يَوْمُ النَّيْرُوزِ مُعْتَادَهُ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ. .
وَفِي الْمُجْتَبَى يُكْرَهُ صَوْمُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ إنْ تَعَمَّدَهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَصُومُ قَبْلَهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصُومَ اهـ.
فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ مَا عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَالْوَلْوالِجِيَّة عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ فَوَجَبَ. . . إلَخْ) لَيْسَ مِنْ الْهِدَايَةِ بَلْ مِنْ الْمُحَشَّيْ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَنْذُورِ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ بِالتَّوَاتُرِ بَقِيَ فِي مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ) أَقُولُ هَذَا عَلَى غَيْرِ الْأَظْهَرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَيْ صَوْمُ النَّذْرِ فَرْضٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى لُزُومِهِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ نُقِلَ إلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَنَصَّ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمَجْمَعِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْمَنْذُورِ، وَقَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: وَفُرِضَ صَوْمُ الْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا فُرِضَ الْمَنْذُورُ فِي الْأَظْهَرِ وَقِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ. . . إلَخْ) لَيْسَ الْمُدَّعَى مِمَّا ثَبَتَ بِهَذَا الطَّرِيقِ بَلْ بِتَوَاتُرِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ فَإِنَّ النَّهَارَ الشَّرْعِيَّ مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْغُرُوبِ) أَقُولُ، وَكَذَا اللُّغَوِيَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ دِيوَانِ الْأَدَبِ (قَوْلُهُ فَوَجَبَ أَنْ تُوجَدَ النِّيَّةُ) أَيْ لَزِمَ إيجَادُ النِّيَّةِ قَبْلَهَا لِتَكُونَ مَوْجُودَةً فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالصَّوْمِ لِكَوْنِهِ رُكْنًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ بِنِيَّةٍ فِي أَكْثَرِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اقْتِرَانِهَا بِالْعَقْدِ عَلَى أَدَائِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَرْكَانٌ فَإِذَا لَمْ تُقَارِنْ الْعَقْدَ خَلَا بَعْضُ الْأَرْكَانِ عَنْهَا فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الرُّكْنُ عِبَادَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَهَذَا عَلَى
стр. 197
الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْإِطْلَاقُ فِي الْمُتَعَيِّنِ تَعْيِينٌ وَالْخَطَأُ فِي الْوَصْفِ لَمَّا بَطَلَ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمُطْلَقِ نَظِيرُهُ الْمُتَوَحِّدُ فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ إذَا نُودِيَ بِيَا رَجُلُ أَوْ بِاسْمٍ غَيْرِ اسْمِهِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَيْثُ لَا تَعْيِينَ فِي وَقْتِهِ (إلَّا) إذَا وَقَعَ النِّيَّةُ (مِنْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ) حَيْثُ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى التَّعْيِينِ، وَلَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ (بَلْ يَقَعُ عَمَّا نَوَى) لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِي الْوَقْتِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا (وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ) يَقَعُ (عَنْ وَاجِبٍ نَوَاهُ مُطْلَقًا) أَيْ إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَنَوَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاجِبًا آخَرَ يَقَعُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا (وَشُرِطَ لِلْبَاقِي) وَهُوَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَالْكَفَّارَةُ (التَّبْيِيتُ) مِنْ الْبَيْتُوتَةِ وَالْمُرَادُ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ (وَالتَّعْيِينُ) إذْ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ.
(وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ إلَّا تَطَوُّعًا) وَهُوَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا كُرِهَ غَيْرُ التَّطَوُّعِ لِمَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَمَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَمِنْ قَوْلِهِ «لَا يُصَامُ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ إلَّا تَطَوُّعًا» لَا أَصْلَ لَهُ.
(وَكُرِهَ فِيهِ الْوَاجِبُ) لِمَا رَوَيْنَاهُ (وَيَقَعُ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ) وَقِيلَ يَقَعُ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْوَاجِبِ (فَإِنْ صَامَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا وَظَهَرَ رَمَضَانِيَّتُهُ فَهُمَا) أَيْ التَّطَوُّعُ وَالْوَاجِبُ (يَقَعَانِ عَنْهُ) أَيْ رَمَضَانَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ (فَعَمَّا نَوَى) أَيْ يَقَعُ عَمَّا نَوَى مِنْ التَّطَوُّعِ وَالْوَاجِبِ.
(وَنُدِبَ النَّفَلُ إنْ وَافَقَ مُعْتَادَهُ) بِأَنْ يَعْتَادَ صِيَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَهُ يَوْمُ الشَّكِّ، وَكَذَا إذَا صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ أَوْ عَشْرَةً مِنْ آخِرِهِ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْ تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَيْثُ لَا تَعْيِينَ فِي وَقْتِهِ) رُجُوعٌ إلَى مَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا وَقَعَ النِّيَّةُ مِنْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى نَفْلًا وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ وَفِي رِوَايَةٍ عَمَّا نَوَاهُ مِنْ النَّفْلِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَإِذَا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَاهُ مِنْ الْوَاجِبِ رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا فِي الْفَتْحِ: أَمَّا إذَا نَوَى الْمَرِيضُ نَفْلًا فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْبُرْهَانِ وَأَمَّا إنْ نَوَى الْمَرِيضُ وَاجِبًا آخَرَ فَقَدْ اخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْإِيضَاحِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَقَاضِي خَانْ أَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَاهُ مِنْ الْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ حَيْثُ قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا صَامَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ اهـ.
وَقَالَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ فِي التَّحْقِيقِ فَخْرَ الْإِسْلَامِ وَشَمْسَ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمَا قَالَا: إذَا نَوَى الْمَرِيضُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ وَذَكَرَ وَجْهَهُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ قُلْت: وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا (قَوْلُهُ فَنَوَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) يَعْنِي فِي لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا لِيَصِحَّ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْوِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُشْتَرَطُ لَهُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ مَتْنًا وَشُرِطَ لِلْبَاقِي التَّبْيِيتُ) شَامِلٌ لِقَضَاءِ نَفْلٍ شَرَعَ فِيهِ فَأَفْسَدَهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخُصَّ الْمَتْنَ بِمَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ) أَقُولُ الشَّرْطُ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَتَصِحُّ مُقَارَنَةً لِطُلُوعِهِ وَمِنْ فُرُوعِ لُزُومِ التَّبْيِيتِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ مِنْ النَّهَارِ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا هَلْ يَقَعُ نَفْلًا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ نَعَمْ، وَلَوْ أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ قِيلَ: هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ صَوْمَهُ عَنْ الْقَضَاءِ لَمْ يَصِحَّ نِيَّتُهُ مِنْ النَّهَارِ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ كَمَا فِي الْمَظْنُونِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمَظْنُونُ صَوْمُ الشَّكِّ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ فَإِذَا أَفْطَرَ فِيهِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ مِنْ شَعْبَانَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
[صوم يَوْم الشَّكّ]
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ. . . إلَخْ) أَقُولُ الْمُرَادُ (وَيَصُومُ) أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ فَالنِّيَّةُ يَوْمُ الشَّكِّ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ شَامِلٌ لِلْمَقَادِيرِ اهـ.
وَإِذَا أَفْرَدَهُ بِالصَّوْمِ قِيلَ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَقِيلَ الصَّوْمُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كُرِهَ غَيْرُ التَّطَوُّعِ لِمَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا إلَّا بِمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ وَقَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صَوْمُ أَخِي دَاوُد» وَهُوَ مُطْلَقٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ ثُمَّ قَالَ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ فِيهِ الْوَاجِبُ) أَيْ تَنْزِيهًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَيَقَعُ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ) قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ
(قَوْلُهُ بِأَنْ يَعْتَادَ صِيَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أَقُولُ صَوْمُ الْجُمُعَةِ مُفْرَدًا، وَكَذَا السَّبْتُ مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُرْهَانِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْتَادُهُ الْمَكْرُوهَ (قَوْلُهُ أَوْ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ) أَقُولُ: وَصَوْمُ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ مُسْتَحَبٌّ قَالَهُ فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ آخِرِ أَخِيرِهِ كَذَا فِي
стр. 198
(وَيَصُومُ فِيهِ الْخَوَاصُّ) كَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ (وَيُفْطِرُ غَيْرُهُمْ بَعْدَ الزَّوَالِ) نَفْيًا لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ
(لَا صَوْمَ إنْ نَوَى أَنَا صَائِمٌ إنْ كَانَ الْغَدُ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَا) لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِي الْعَزْمِ فَلَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ (كَذَا) إنْ نَوَى (إنْ لَمْ أَجِدْ غَدَاءً فَأَنَا صَائِمٌ وَإِلَّا فَمُفْطِرٌ وَكُرِهَ إنْ قَالَ أَنَا صَائِمٌ إنْ كَانَ الْغَدُ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَكْرُوهَيْنِ: نِيَّةِ الْفَرْضِ وَنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ (أَوْ) قَالَ (أَنَا صَائِمٌ إنْ كَانَ الْغَدُ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَعَنْ نَفْلٍ) ، وَإِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ نَاوٍ لِلْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ (فَإِنْ ظَهَرَ رَمَضَانِيَّتُهُ فَعَنْهُ) لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّيَّةِ (وَإِلَّا فَنَفْلٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّفَلِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي الْوَاجِبِ الْآخَرِ فَلَا يَقَعُ عَنْهُ فَبَقِيَ مُطْلَقُ النِّيَّةِ فَيَقَعُ عَنْ النَّفْلِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّيَّةِ أَيْضًا (غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ) بِالْقَضَاءِ لِعَدَمِ الشُّرُوعِ فِي النَّفْلِ قَصْدًا بَلْ مُسْقِطًا لِلْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ.
(لَا يُبْطِلُ النِّيَّةَ ضَمُّ إنْ شَاءَ اللَّه) يَعْنِي إذَا قَالَ نَوَيْت أَنْ أَصُومَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ أَوْ) هِلَالَ (الْفِطْرِ وَحْدَهُ وَرُدَّ قَوْلُهُ) أَيْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ لِانْفِرَادِهِ (صَامَ) فِي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وَقَدْ رَآهُ ظَاهِرًا وَأَمَّا الثَّانِي فَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ أَنْ يَصُومَ، وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ» (وَإِنْ أَفْطَرَ) فِي الْوَقْتَيْنِ (قَضَى فَقَطْ) بِلَا كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ رَدَّ شَهَادَتَهُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ تُهْمَةُ الْغَلَطِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَوْ أَفْطَرَ قَبْلَ رَدِّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أَكْمَلَ رَائِي هِلَالِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يُفْطِرْ إلَّا مَعَ الْقَاضِي، وَلَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
(وَقُبِلَ بِلَا دَعْوَى وَلَفْظُ أَشْهَدُ لِلصَّوْمِ بِعِلَّةٍ) أَيْ إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ كَغَيْمٍ وَغُبَارٍ (خَبَرُ عَدْلٍ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
التَّبْيِينِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ قِيلَ: لِكَرَاهَتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ التُّحْفَةِ اهـ. لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ وَقَوْلِهِ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ» اهـ. قَالَ فِي الْفَوَائِدِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ لَا تَقَدَّمُوا. . . إلَخْ التَّقْدِيمُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ بِالشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ إنْ نَوَى بِهِ قَبْلَ حِينِهِ وَأَوَانِهِ وَوَقْتِهِ وَزَمَانِهِ، وَشَعْبَانُ وَقْتُ التَّطَوُّعِ فَإِذَا صَامَ عَنْ شَعْبَانَ لَمْ يَأْتِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ قَبْلَ زَمَانِهِ وَأَوَانِهِ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَقَدُّمًا عَلَيْهِ اهـ. كَذَا بِخَطِّ أُسْتَاذِي ﵀ وَبِهَذَا يَنْتَفِي كَرَاهَةُ صَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا (قَوْلُهُ كَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي) الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْخَوَاصِّ وَهُوَ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الْإِضْجَاعِ فِي النِّيَّةِ أَيْ التَّرْدِيدِ، وَمُلَاحَظَةُ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدٌ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَيُفْطِرُ غَيْرُهُمْ بَعْدَ الزَّوَالِ) يَعْنِي يَأْمُرُ الْمُفْتِي الْعَامَّةَ بِالتَّلَوُّمِ ثُمَّ بِالْإِفْطَارِ إذَا ذَهَبَ وَقْتُ النِّيَّةِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ
(قَوْلُهُ كَذَا إنْ نَوَى إنْ لَمْ أَجِدْ غَدَاءً. . . إلَخْ) مِثْلُهُ إنْ لَمْ أَجِدْ سُحُورًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ لَا يُبْطِلُ النِّيَّةَ ضَمُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. . . إلَخْ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا يُذْكَرُ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ صَائِمًا لِبُطْلَانِهَا بِالثُّنْيَا كَالتَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَرُدَّ قَوْلُهُ. . . إلَخْ) لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِ السَّمَاءِ بِعِلَّةٍ فَلَمْ يُقْبَلْ لِفِسْقِهِ أَوْ رُدَّتْ لِصَحْوِهَا وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ لُزُومَ صِيَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ هَذَا الرَّائِي مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَوْ كَانَ الْإِمَامَ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا رَآهُ وَحْدَهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ، وَكَذَا فِي الْفِطْرِ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ قَالَهُ الْكَمَالُ اهـ.
وَسَوَّى بَيْنَ الْفِطْرِ وَرَمَضَانَ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ لَوْ رَآهُ أَيْ هِلَالَ رَمَضَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ الْقَاضِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُنَصِّبَ مَنْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ الْقَاضِي وَحْدَهُ هِلَالَ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ، وَلَا يُفْطِرُ لَا سِرًّا، وَلَا جَهْرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَيَقَّنَ أَفْطَرَ سِرًّا اهـ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ قَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ إنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفْطِرُ أَيْ لَا يَأْكُلُ، وَلَا يَشْرَبُ وَلَكِنْ لَا يَنْوِي الصَّوْمَ، وَلَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ عِنْدَهُ اهـ.
وَإِلَى رَدِّ قَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ بِالرُّؤْيَةِ أَفْطَرَ سِرًّا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ وَالْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَقُبِلَ بِلَا دَعْوَى) أَقُولُ جَزَمَ بِمَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ قَالَ قَاضِي خَانْ بَعْدَمَا جَزَمَ بِهِ أَمَّا الدَّعْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ كَمَا فِي عِتْقِ الْأَمَةِ وَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ فِي هِلَالِ الْفِطْرِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ كَمَا فِي عِتْقِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ خَبَرُ عَدْلٌ) حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ مَلَكَةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْعَدْلِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ شَهِدَ عَبْدٌ عَلَى شَهَادَةِ مِثْلِهِ وَيَلْزَمُ الْعَدْلَ أَنْ يَشْهَدَ بِالرُّؤْيَةِ لَيْلَتَهُ وَالْفَاسِقُ يَشْهَدُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ رُبَّمَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَرُدُّهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْقَبُولَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ اخْتَارَ الْفَضْلِيُّ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا فَسَّرَهُ وَقَالَ انْقَشَعَ الْغَيْمُ
стр. 199
فَاعِلُ قُبِلَ (وَلَوْ) كَانَ (قِنًّا أَوْ أُنْثَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تَابَ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَأَشْبَهَ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَيُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ لَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ (وَشُرِطَ لِلْفِطْرِ) إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ (نِصَابُ الشَّهَادَةِ) وَهُوَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (وَلَفْظُ أَشْهَدُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ الْعَبْدِ وَهُوَ الْفِطْرُ فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ (لَا الدَّعْوَى) ؛ لِأَنَّهُ كَعِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْحُرَّةِ وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ تَابَ لِكَوْنِهِ شَهَادَةً (وَبِلَا عِلَّةٍ) بِالسَّمَاءِ (شُرِطَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ (جَمْعٌ عَظِيمٌ) يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ وَيَحْكُمُ الْعَقْلُ بِعَدَمِ تَوَاطُئُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ (وَبَعْدَ صَوْمِ ثَلَاثِينَ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ حَلَّ الْفِطْرُ) لِوُجُودِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ (لَا) بِقَوْلِ (عَدْلٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (وَالْأَضْحَى كَالْفِطْرِ) فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ.
(اُخْتُلِفَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَأَبْصَرْت الْهِلَالَ يُقْبَلُ أَمَّا بِلَا تَفْسِيرٍ فَلَا تُقْبَلُ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ ثُبُوتَ رَمَضَانَ بَعْدَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ: وَيَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ بَعْدَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ اهـ.
وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِقَوْلِ الْمُوَقِّتِينَ، وَلَا يَجِبُ بِقَوْلِهِمْ الصِّيَامُ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ وَهْبَانَ فَقَالَ وَقَوْلُ أُولِي التَّوْقِيتِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ وَقِيلَ نَعَمْ، وَالْبَعْضُ إنْ كَانَ يُكْثِرُ وَقَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْخِلَافَ: فَإِذَنْ اتَّفَقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا النَّادِرَ وَالشَّافِعِيَّ أَنَّهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ فِي هَذَا وَلِمُتَأَخِّرِ الشَّافِعِيَّةِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفٌ مَالَ فِيهِ إلَى اعْتِمَادِ قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ قَطْعِيٌّ اهـ.
وَإِنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ فِي الرُّسْتَاقِ وَلَيْسَ هُنَاكَ وَالٍ وَقَاضٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ثِقَةً يَصُومُ النَّاسُ بِقَوْلِهِ وَفِي الْفِطْرِ إنْ أَخْبَرَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَيْ وَبِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْطِرُوا قَالَهُ قَاضِي خَانْ وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ فَاعِلُ قُبِلَ) هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّجَوُّزِ وَوَقَعَ مِثْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تَابَ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ عَدْلٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ لَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ) أَقُولُ وَأَمَّا الْمَسْتُورُ فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَشَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ إنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ مَسْتُورِ الْحَالِ فِي الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ لَا لِلدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ كَعِتْقِ الْأَمَةِ) كَذَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَشَرْحِ الْمَنْظُومَةِ عَنْ الدِّرَايَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الدَّعْوَى وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ فِيهِ الدَّعْوَى كَعِتْقِ الْأَمَةِ وَقَدَّمْنَا عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ الدَّعْوَى عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي عِتْقِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ فَيُحَرَّرُ (قَوْلُهُ وَبِلَا عِلَّةٍ شُرِطَ فِيهِمَا جَمْعٌ عَظِيمٌ) هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا فِي الْمُغْنِي مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ أَوْ لَا وَإِلَى رَدِّ مَا ذَكَرَ الْبَعْضُ مِنْ تَقْيِيدِ رَدِّ شَهَادَتِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَجِئْ مِنْ الْخَارِجِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْبَلْدَةِ، وَإِنْ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَبَعْدَ صَوْمِ ثَلَاثِينَ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ حَلَّ الْفِطْرُ) أَيْ وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ وَصَحَّحَ هَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ لَا يُفْطِرُونَ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ السَّيِّدُ الْأَجَلُّ نَاصِرُ الدِّينِ ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَقَالَ الْكَمَالُ لَمْ يُبْعِدْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ إنْ قَبِلَهُمَا فِي الصَّحْوِ لَا يُفْطِرُونَ أَوْ فِي غَيْمٍ أَفْطَرَ، وَالتَّحْقِيقُ زِيَادَةُ الْقُوَّةِ فِي الثُّبُوتِ فِي الثَّانِي وَالِاشْتِرَاكُ فِي عَدَمِ الثُّبُوتِ أَصْلًا فِي الْأَوَّلِ فَصَارَ كَالْوَاحِدِ (قَوْلُهُ لَا بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ) هَذَا فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاحْتِيَاطِ وَقَالَ الْكَمَالُ سَوَاءٌ قَبِلَهُ لِغَيْمٍ أَوْ فِي صَحْوٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ الشَّاهِدُ لَوْ تَمَّ الْعَدَدُ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَلَمْ يُرَى الْهِلَالُ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ مِنْهُمْ مَنْ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أَيْ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ فِي قَبُولِهِ فِي صَحْوٍ وَفِي قَبُولِهِ لِغَيْمٍ أَخَذَ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ بِلَا خِلَافٍ نَقَلَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا عَنْ الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ وَالْأَضْحَى كَالْفِطْرِ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَالتَّبْيِينِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَرَمَضَانَ وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنْ تَأَيَّدَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ بَقِيَّةِ الْأَهِلَّةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولٍ أَحْرَارٍ غَيْرِ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ اهـ. يَعْنِي إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةٌ فَبِجَمْعٍ عَظِيمٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُوهِمُ الْغَلَطَ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ جَمْعًا كَثِيرًا لِلْكُلِّ أَيْ لِلْأَهِلَّةِ الثَّلَاثَةِ اهـ.
وَكَانَ
стр. 200
يَعْنِي قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُعْتَبَرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُعْتَبَرُ مَعْنَاهُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلْدَةٍ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلُ أُخْرَى يَجِبُ أَنْ يَصُومُوا بِرُؤْيَةِ أُولَئِكَ كَيْفَمَا كَانَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَخْتَلِفُ لَا يَجِبُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُعْتَبَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَوْمٍ مُخَاطَبُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ وَانْفِصَالُ الْهِلَالِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْطَارِ كَمَا أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَخُرُوجَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا أَقُولُ يُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ لَا تَجِبُ لِفَاقِدِ وَقْتِهِمَا.
(بَابُ مُوجِبِ الْإِفْسَادِ)
أَيْ مَا يُوجِبُ الْإِفْسَادَ مِنْ الْأَسْبَابِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا (وَمُوجَبُهُ) أَيْ مَا يُوجِبُهُ الْإِفْسَادُ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ أَوْ الْقَضَاءِ فَقَطْ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنْ الصَّائِمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ - مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ لَهُ وَلَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَالثَّانِي - مَا يُفْسِدُهُ، وَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَالثَّالِثُ - مَا يُفْسِدُهُ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْأَقْسَامَ بِالتَّرْتِيبِ وَذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ (إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا) قَيْدٌ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ أَوْ ادَّهَنَ أَوْ اكْتَحَلَ أَوْ احْتَجَمَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يَنْبَغِي لَهُ إجْرَاءُ الْمَتْنِ عَلَى عُمُومِ الْكُلِّ فِي الشُّهُورِ جَمِيعًا لِصِدْقِهِ ثُمَّ قِيلَ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ: أَهْلُ الْمَحَلَّةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خَمْسُونَ رَجُلًا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ حَتَّى يَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ خَمْسُمِائَةٍ بِبَلْخِيِ قَلِيلٌ، وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ شَرَطَ الْوَفَا وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَالْأَصَحُّ تَفْوِيضُهُ أَيْ حَدُّ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ إلَى رَأْي الْإِمَامِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ صِدْقًا
(قَوْلُهُ يَعْنِي قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُعْتَبَرُ) اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ مَعْنَاهُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلْدَةٍ وَلَمْ يَرَوْهُ أَهْلُ أُخْرَى يَجِبُ أَنْ يَصُومُوا) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِطَرِيقٍ مُوجِبٍ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عِنْدَ قَاضٍ لَمْ يَرَ أَهْلَ بَلَدِهِ عَلَى أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ كَذَا، وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا جَازَ لِهَذَا الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي حُجَّةٌ، وَقَدْ شَهِدَا بِهِ أَمَّا لَوْ شَهِدَا أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةِ كَذَا رَأَوْا الْهِلَالَ قَبْلَكُمْ بِيَوْمٍ، وَهَذَا يَوْمُ الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ غَدًا، وَلَا يُتْرَكُ التَّرَاوِيحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَشْهَدُوا بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا حَكَوْا رُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَقَاضِي خَانْ.
وَفِي الْمُغْنِي قَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْخَبَرَ إذَا اسْتَفَاضَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَتَحَقَّقَ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ) هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ عَلَى الْخُلَاصَةِ وَقَالَ فِي الْكَافِي ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَبِنَحْوِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إذَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ اهـ. وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ مَجْرَاهُ أَمَامَ الشَّمْسِ، وَهِيَ تَتْلُوهُ فَهُوَ لِلْمَاضِيَةِ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا فَلِلْمُسْتَقْبِلَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادَ: إنْ غَابَ قَبْلَ الشَّفَقِ فَلِلْمَاضِيَةِ، وَإِنْ غَابَ بَعْدَهُ فَلِلرَّاهِنَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ
[بَابُ مُوجِبِ الْإِفْسَادِ فِي الِصَوْمِ]
(بَابُ مُوجِبِ الْإِفْسَادِ)
يَجُوزُ كَسْرُ الْجِيمِ بِمَعْنَى الْأَسْبَابِ لِلْفِطْرِ وَفَتْحُهَا بِمَعْنَى الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْإِفْسَادِ (قَوْلُهُ إنْ أَكَلَ) الضَّمِيرُ فِي أَكَلَ لِلصَّائِمِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَصَرَّحَ بِهِ الْقُدُورِيُّ فَقَالَ إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ قَيَّدَ بِهِ إذْ لَوْ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ نَاسِيًا ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ لَمْ يُجْزِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ نَاسِيًا) أَيْ لَمْ يُفْطِرْ قَالَ الْكَمَالُ إلَّا فِيمَا إذَا أَكَلَ نَاسِيًا فَقِيلَ لَهُ أَنْتَ صَائِمٌ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ وَاسْتَمَرَّ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّ الْأَكْلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الدِّيَانَاتِ فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى تَأَمُّلِ الْحَالِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ نَاسٍ اهـ.
قُلْتُ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ اهـ.
وَإِذَا رَآهُ أَحَدٌ يَأْكُلُ نَاسِيًا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُذَكِّرَهُ إنْ كَانَ شَيْخًا؛ لِأَنَّ الشَّيْخُوخَةَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، وَإِنْ كَانَ شَابًّا يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ يُكْرَهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْوَلْوَالِجِيَّ قَالَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: يُخْبِرُهُ إنْ كَانَ قَوِيًّا وَإِلَّا فَلَا اهـ.
فَلَمْ يَنْظُرْ لِلشَّيْخُوخَةِ بِذَاتِهَا، وَلَا لِلشُّبُوبَةِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إنْ رَأَى فِيهِ قُوَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ ذَكَّرَهُ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُذَكِّرُهُ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَنْزَلَ بِنَظَرٍ) أَقُولُ أَوْ فِكْرٍ، وَإِنْ أَدَامَ النَّظَرَ وَالْفِكْرَ حَتَّى أَنْزَلَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ أَنْزَلَ بِلَمْسٍ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ أَوْ اكْتَحَلَ) أَيْ لَمْ يُفْطِرْ وَسَوَاءً وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَا، وَلَوْ بَزَقَ فَوَجَدَ لَوْنَ الدَّمِ فِيهِ، وَقَدْ بَلَغَ شَيْئًا مِنْ بُزَاقِهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَقِيلَ يُفْطِرُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَالَ
стр. 201
أَوْ اغْتَابَ) مِنْ الْغِيبَةِ (أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ أَوْ ذُبَابٌ، وَلَوْ) كَانَ (ذَاكِرًا) لِلصَّوْمِ (أَوْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَوْ صَبَّ فِي إحْلِيلِهِ مَاءً أَوْ دُهْنًا) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (أَوْ) فِي (أُذُنِهِ مَاءً) احْتَرَزَ عَنْ الدُّهْنِ فَإِنَّ صَبَّهُ فِيهَا يُفْطِرُ نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ (أَوْ دَخَلَ أَنْفَهُ مُخَاطٌ فَاسْتَشَمَّهُ فَأَدْخَلَهُ حَلْقَهُ، وَلَوْ عَمْدًا) كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ) جَزَاءً لِقَوْلِهِ إنْ أَكَلَ. . . إلَخْ.
وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ أَفْطَرَ خَطَأً) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ كَمَا إذَا تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ (أَوْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَاضِي خَانْ إذَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ، وَالْبُزَاقُ غَالِبٌ فَابْتَلَعَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلدَّمِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَسَدَ احْتِيَاطًا اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ) أَيْ، وَلَوْ غُبَارَ الطَّاحُونِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: لَا يُفْطِرُ لَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ أَثَرُ طَعْمِ الْأَدْوِيَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا اهـ. لِدُخُولِهِ مِنْ الْأَنْفِ إذَا أَطْبَقَ الْفَمَ كَمَا فِي الْفَتْحِ قُلْت فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ بُدًّا مِنْ تَعَاطِي مَا يَدْخُلُ غُبَارُهُ فِي حَلْقِهِ أَفْسَدَ لَوْ فَعَلَ (قَوْلُهُ أَوْ دُخَانٌ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ إذَا دَخَلَ حَلْقَهُ غُبَارٌ أَوْ ذُبَابٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ لِوُصُولِ الْمُفْطِرِ إلَى جَوْفِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَذَّى بِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ فَصَارَ كَبَلَلٍ يَبْقَى فِي فِيهِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ اهـ. .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الدُّخَانُ وَالْغُبَارُ إذَا دَخَلَ الْحَلْقَ لَا يُفْسِدُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْ دُخُولِهِمَا مِنْ الْأَنْفِ إذَا طُبِّقَ الْفَمُ اهـ.
قُلْتُ فَعَلَى هَذَا إذَا أَدْخَلَ الدُّخَانَ حَلْقَهُ فَسَدَ صَوْمُهُ أَيَّ دُخَانٍ كَانَ حَتَّى إنَّ مَنْ تَبَخَّرَ بِبَخُورٍ فَآوَاهُ إلَى نَفْسِهِ وَاشْتَمَّ دُخَانَهُ فَأَدْخَلَهُ حَلْقَهُ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ أَفْطَرَ، سَوَاءٌ كَانَ عُودًا أَوْ عَنْبَرًا أَوْ غَيْرَهُمَا لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ إدْخَالِ الْمُفْطِرِ جَوْفَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَشَمِّ الْوَرْدِ وَمَائِهِ وَالْمِسْكِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَوَاءٍ تَطَيَّبَ بِرِيحِ الْمِسْكِ وَشِبْهِهِ وَبَيْنَ جَوْهَرِ دُخَانٍ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ (قَوْلُهُ أَوْ صَبَّ فِي إحْلِيلِهِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُفْطِرُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذُ أَوْ لَا؟ وَهُوَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَنْفَذَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ الْبَوْلُ فِيهَا بِالتَّرَشُّحِ كَذَا تَقُولُ الْأَطِبَّاءُ. اهـ. وَالْإِقْطَارُ فِي أَقْبَالِ النِّسَاءِ قَالُوا أَيْضًا هُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْسِدُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْحُقْنَةِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ أَوْ فِي أُذُنِهِ مَاءً. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ قَالَ لَوْ صَبَّ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ فِي أُذُنِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِانْعِدَامِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ إصْلَاحُ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بِالدِّمَاغِ اهـ.
وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ مُعَلِّلًا بِمَا فِي الْمُحِيطِ اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ لَوْ خَاضَ نَهْرًا فَدَخَلَ الْمَاءُ أُذُنَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ فِي أُذُنِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَيَظْهَر أَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْمَاءِ التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي ﵀ اهـ.
وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ قَاضِي خَانْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ حَكَّ أُذُنَهُ بِعُودٍ فَأَخْرَجَ الْعُودَ وَعَلَى رَأْسِهِ دَرَنٌ ثُمَّ أَدْخَلَهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ دَخَلَ أَنْفَهُ مُخَاطٌ. . . إلَخْ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا لَوْ ظَهَرَ الْمُخَاطُ عَلَى رَأْسِ أَنْفِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ مِنْ عَدَمِ الْفِطْرِ بِبُزَاقٍ امْتَدَّ وَلَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ فَمِهِ إلَى ذَقَنِهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ بِجَذْبِهِ. اهـ.
وَكَذَا قَالَ الْكَمَالُ لَوْ اسْتَشَمَّ الْمُخَاطَ مِنْ أَنْفِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ إلَى فَمِهِ وَابْتَلَعَهُ عَمْدًا لَا يُفْطِرُ، وَلَوْ خَرَجَ رِيقُهُ مِنْ فِيهِ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ فِيهِ بَلْ مُتَّصِلٌ بِمَا فِي فِيهِ كَالْخَيْطِ فَاسْتَشْرَبَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْقَطَعَ فَأَخَذَهُ وَأَعَادَ أَفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ اهـ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْكَنْزِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى لَوْ بَلَعَ بُزَاقَ صَدِيقِهِ كَفَّرَ اهـ. إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْكَمَالِ عَلَى غَيْرِ الصَّدِيقِ ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ أَيْ الْبُزَاقُ فِي فِيهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ يُكْرَهُ، وَلَا يُفْطِرُ اهـ.
وَكَذَا مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ بِقَوْلِهِ الصَّائِمُ إذَا دَخَلَ الْمُخَاطُ أَنْفَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ اسْتَشَمَّهُ وَدَخَلَ حَلْقَهُ عَلَى تَعَمُّدٍ مِنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي كَفِّهِ فَيَبْلَعَهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا الْمُخَاطُ وَالْبُزَاقُ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفِهِ فَاسْتَشَمَّهُ وَاسْتَنْشَقَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمَهُ اهـ.
قُلْتُ لَكِنْ يُخَالِفُهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الظُّهُورِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ الْقُنْيَةِ بِقَوْلِهِ نَزَلَ الْمُخَاطُ إلَى رَأْسِ أَنْفِهِ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ ثُمَّ جَذَبَهُ فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ لَمْ يَفْسُدْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَذَكَر فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَسْأَلَةَ الْمُخَاطِ وَعَقَّبَهَا بِكَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ بِجَرْيِ النُّخَامَةِ مِنْ فَضَاءِ الْفَمِ فِي جَوْفِهِ، وَإِنْ جَرَتْ فِيهِ مِنْ مَجْرَاهَا وَقَدَرَ عَلَى مَجِّهَا أَفْطَرَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ فِي النُّخَامَةِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ عَلَى قَوْلِ مُجْتَهِدٍ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَحْبَبْت التَّنَبُّهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ اهـ.
وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْبَلْغَمِ إذَا ابْتَلَعَهُ بَعْدَ مَا تَخَلَّصَ بِالتَّنَحْنُحِ مِنْ حَلْقِهِ إلَى فَمِهِ وَلَعَلَّهُ كَالْمُخَاطِ فَلْيُنْظَرْ ثُمَّ وَجَدْتهَا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ إبْرَاهِيمُ عَمَّنْ ابْتَلَعَ الْبَلْغَمَ قَالَ: إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ لَا يُنْقَضُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ مِلْءَ فِيهِ يَنْتَقِضُ صَوْمُهُ عِنْدَ
стр. 202
مُكْرَهًا) وَفِي لَفْظِ أَفْطَرَ إشَارَةً إلَى فَسَادِ صَوْمِهِ (أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ فِطْرُهُ فَأَكَلَ عَمْدًا أَوْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ) أَيْ صَبَّ الدَّوَاءَ فِي أَنْفِهِ فَوَصَلَ إلَى قَصَبَتِهِ (أَوْ أَفْطَرَ فِي أُذُنِهِ) أَيْ دُهْنًا (أَوْ دَاوَى جَائِفَةً) أَيْ جِرَاحَةً بَلَغَتْ الْجَوْفَ (أَوْ آمَّةً) هِيَ شَجَّةٌ بَلَغَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ (فَوَصَلَ) أَيْ الدَّوَاءُ (إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ لَمْ يَنْوِ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ صَوْمًا، وَلَا فِطْرًا أَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ فَأَكَلَ أَوْ دَخَلَ فِي حَلْقِهِ مَطَرٌ أَوْ ثَلْجٌ أَوْ وَطِئَ) امْرَأَةً (مَيِّتَةً أَوْ بَهِيمَةً أَوْ فَخِذًا) أَيْ أَمْنَى فِي الْفَخِذِ (أَوْ بَطْنًا) أَيْ أَمْنَى فِي الْبَطْنِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ) قَيْدٌ لِقَوْلِهِ وَطِئَ إلَى آخِرِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ (أَوْ أَفْسَدَ غَيْرَ) صَوْمِ (رَمَضَانَ) يَعْنِي أَدَاءَهُ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَ قَضَاءَهُ أَوْ أَدَاءَ غَيْرِ رَمَضَانَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي هَتْكِ حُرْمَةِ رَمَضَانَ إذْ لَا يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الصَّوْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الزَّمَانِ (أَوْ وُطِئَتْ مَجْنُونَةٌ) بِأَنْ نَوَتْ الصَّوْمَ لَيْلًا ثُمَّ جُنَّتْ فِي النَّهَارِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَجَامَعَهَا رَجُلٌ وَإِلَّا فَكَيْفَ تَكُونُ صَائِمَةً
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَبِي يُوسُفَ،.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُنْتَقَضُ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا. . . إلَخْ) أَقُولُ وَسَوَاءً بَلَغَهُ الْخَبَرُ أَوْ لَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ وَالْخَبَرُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ نَاسِيًا فَظَنَّ الْفِطْرَ ثُمَّ جَامَعَ عَامِدًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَصْبَحَ مُسَافِرًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فَأَكَلَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ إذَا لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ فَإِنْ نَوَاهُ لَيْلًا وَأَصْبَحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ عَزِيمَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلَا يَحِلُّ فِطْرُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَكِنْ لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَكَذَا لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ لَوْ كَانَ أَوَّلَ الْيَوْمِ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ لَكِنَّهُ إذَا أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الْمُبِيحِ (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَعَطَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَلَا يُقَالُ بِضَمِّهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ أَيْ صَبَّ الدَّوَاءَ فِي أَنْفِهِ) هَذَا تَفْسِيرُ السَّعُوطِ، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي إقْطَارِ الْمَاءِ فِي الْأُذُنِ لَا يَخْتَصُّ السَّعُوطُ بِالدَّوَاءِ فِي الْحُكْمِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ أَوْ اسْتَعَطَ شَيْئًا فَدَخَلَ دِمَاغَهُ أَفْطَرَ اهـ. .
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ اسْتَنْشَقَ فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى دِمَاغِهِ أَفْطَرَ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ قَاضِي خَانْ: الْحُقْنَةُ تُوجِبُ الْقَضَاءَ، وَكَذَا السُّعُوطُ وَالْوُجُورُ وَالْقُطُورُ فِي الْأُذُنِ أَمَّا الْحُقْنَةُ وَالْوُجُورُ؛ فَلِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ وَفِي الْقُطُورِ وَالسُّعُوطِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الرَّأْسِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي السُّعُوطِ وَالْوُجُورِ وَالْحُقْنَةِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَكْلِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْإِفْطَارِ صُورَةً وَمَعْنًى وَلَمْ يُوجَدْ اهـ. كَمَا فِي الْكَافِي أَيْ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ الْإِفْطَارِ صُورَةً وَهُوَ الِابْتِلَاعُ مَعَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ نَفْعُ الْجَسَدِ بَلْ أَحَدُهُمَا وَهُوَ النَّفْعُ وَبِهِ لَا يَجِبُ إلَّا الْفِطْرُ دُونَ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ أَيْ دُهْنًا) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ دَاوَى جَائِفَةً) هِيَ مَا تَكُونُ فِي اللَّبَّةِ وَالْعَانَةِ وَلَا تَكُونُ فِي الْعُنُقِ وَالْحَلْقِ قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ (قَوْلُهُ فَوَصَلَ أَيْ الدَّوَاءُ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْيَابِسَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالرَّطْبِ كَالْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ لَا لِكَوْنِهِ يَابِسًا أَوْ رَطْبًا، وَإِنَّمَا شَرَطَهُ الْقُدُورِيُّ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَقُولُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ إنَّمَا يُقَيَّدُ بِالرَّطْبِ؛ لِأَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَرْقًا بَيْنَ الدَّوَاءِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ اهـ.
وَيُعَلَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ بِمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ الرَّطْبَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ عَادَةً ثُمَّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْوُصُولِ حَتَّى إذَا عَلِمَ أَنَّ الدَّوَاءَ الْيَابِسَ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّطْبَ لَمْ يَصِلْ لَا يَفْسُدُ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْمُصَفَّى (قَوْلُهُ أَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى هَذَا كُلُّ مَا لَا يُتَغَذَّى وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ عَادَةً كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَفِي الدَّقِيقِ وَالْأُرْزِ وَالْعَجِينِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ فُرُوعًا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا، وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ أَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ فَأَكَلَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَوَاءً أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَالَ إنْ أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ كَذَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ أَوْ دَخَلَ فِي حَلْقِهِ مَطَرٌ أَوْ ثَلْجٌ) وَفَسَادُ الصَّوْمِ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْكَافِي، وَهَذَا إذَا لَمْ يَبْتَلِعْهُ بِأَنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ أَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَطَرُ فَابْتَلَعَهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ أَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً) أَقُولُ أَمَّا إذَا وَطْءُ صَغِيرَةٍ لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا وَلَمْ يَفُضَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ. اهـ.
وَلَوْ أَدْخَلَ الْأُصْبُعَ فِي دُبُرِهِ أَوْ فَرْجِهَا الدَّاخِلِ لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَبْلُولَةً بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَالْقَضَاءُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ ثُمَّ جُنَّتْ فِي النَّهَارِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ فَجَامَعَهَا رَجُلٌ) أَيْ ثُمَّ أَفَاقَتْ وَعَلِمَتْ بِمَا فُعِلَ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالَ فِي الْكَافِي تَأْوِيلُ الْمَجْنُونَةِ بِأَنْ تُفِيقَ فَلَا يَسْتَوْعِبُ جُنُونُهَا الشَّهْرَ فَصَارَ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ قُلْت لِمُحَمَّدٍ ﵀ هَذِهِ الْمَجْنُونَةُ فَقَالَ: لَا بَلْ الْمَجْبُورَةُ أَيْ الْمُكْرَهَةُ فَقُلْت: أَلَا تَجْعَلُهَا مَجْبُورَةً فَقَالَ بَلَى ثُمَّ قَالَ كَيْفَ، وَقَدْ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّأْوِيلِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَجْبُورَةِ بِمَعْنَى الْمُجْبَرَةِ ضَعِيفٌ اهـ. أَيْ ضَعِيفٌ لَفْظًا صَحِيحٌ حُكْمًا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ وَإِلَّا)
стр. 203
وَهِيَ مَجْنُونَةٌ (أَوْ نَائِمَةٌ أَوْ تَسَحَّرَ) أَيْ أَكَلَ السَّحُورَ (أَوْ أَفْطَرَ) فِي آخِرِ النَّهَارِ (يَظُنُّ الْيَوْمَ لَيْلًا) أَيْ فَعَلَ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ يَظُنُّ الْوَقْتَ لَيْلًا وَالْفَجْرُ طَالِعٌ فِي الْأَوَّلِ وَالشَّمْسُ لَمْ تَغْرُبْ فِي الثَّانِي (قَضَى فَقَطْ) جَزَاءً لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَفْطَرَ خَطَأً إلَى آخِرِهِ (وَالْأَخِيرَانِ) أَيْ مَنْ تَسَحَّرَ وَمَنْ أَفْطَرَ يَظُنُّ الْيَوْمَ لَيْلًا (يُمْسِكَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا كَمُسَافِرٍ أَقَامَ وَحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتْ وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ وَمَرِيضٍ صَحَّ وَصَبِيٍّ بَلَغَ وَكَافِرٍ أَسْلَمَ وَكُلُّهُمْ يَقْضُونَ إلَّا الْأَخِيرَيْنِ) يَعْنِي صَبِيًّا وَكَافِرًا أَسْلَمَ الْأَصْلُ أَنَّ مَنْ صَارَ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِهَذَا لَمْ يَسْتَقِمْ ظَاهِرُهُ؛ لِأَنَّهَا كَيْفَ تَكُونُ صَائِمَةً، وَهِيَ مَجْنُونَةٌ أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ إنَّمَا يُنَافِي شَرْطَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَالَ الْإِفَاقَةِ ثُمَّ جُنَّتْ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مُفْسِدٌ لَا تَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي نَوَتْهُ كَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَوَى (قَوْلُهُ أَوْ تَسَحَّرَ) أَيْ أَكَلَ السَّحُورَ بِفَتْحِ السِّينِ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ السُّحُورَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الثَّانِي إلَى الْفَجْرِ وَقَالَ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّحَرِ فَأُطْلِقَ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهُ اهـ. ثُمَّ السُّحُورُ مُسْتَحَبُّ لِمَا رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ حُصُولُ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ أَوْ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الثَّوَابِ قَالَ الْكَمَالُ، وَلَا مُنَافَاةَ فَلْيَكُنْ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ فِي أَكْلِ السُّحُورِ بَرَكَةٌ بِنَاءً عَلَى ضَبْطِهِ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحَرٍ فَأَمَّا عَلَى فَتْحِهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ اسْمُ الْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ كَالْوَضُوءِ بِالْفَتْحِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ وَنَيْلَ الثَّوَابِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِنَفْسِ الْمَأْكُولِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ إلَى مَا لَمْ يَشُكَّ فِي الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ: ﷺ «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ وَالسِّوَاكُ» (قَوْلُهُ يَظُنُّ الْيَوْمَ لَيْلًا) الظَّنُّ قَيْدٌ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ إذْ لَا يَكْفِي فِيهِ الشَّكُّ وَلَيْسَ الظَّنُّ قَيْدًا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ بَلْ الشَّكُّ كَافٍ لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ أَيْ فَعَلَ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ) أَيْ الْفِطْرَ وَالسُّحُورَ يَظُنُّ الْوَقْتَ لَيْلًا وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ قَضَى فَقَطْ أَيْ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ يَحْتَاجُ إلَى بَسْطِ الْقَوْلِ لِيَتَّضِحَ أَمَّا فِي السُّحُورِ فَحَلَّ الْقَضَاءُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ كَمَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُ السَّحُورِ، وَلَوْ أَكَلَ فَصَوْمُهُ تَامٌّ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الطُّلُوعَ وَقْتَ أَكْلِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَاءَ بِالْأَكْلِ مَعَ الشَّكِّ إذَا كَانَ بِبَصَرِهِ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً أَوْ مُتَغَيِّمَةً أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْفَجْرَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَا يَأْكُلُ فَإِنْ أَكَلَ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ قِيلَ: يَقْضِيهِ احْتِيَاطًا وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَمَا نَقَلَهُ بِصِيغَةِ قِيلَ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَكَلَ، وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ وَالْفَجْرُ طَالِعٌ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَمَلًا بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْعَمْدِيَّةُ اهـ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ بِصِيغَةِ قِيلَ: وَإِنْ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمُصَحَّحَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَقَلَ تَصْحِيحَهَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْفَتْحِ عَنْ الْإِيضَاحِ، وَتَحْقِيقُ الدَّلِيلِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ النَّهَارُ، وَلَوْ أَكَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَمُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لُزُومُهَا قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ رِوَايَةً وَاحِدَةً إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِيهِمَا وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَمْسَةَ أَحْكَامٍ: فَسَادَ الصَّوْمِ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَوُجُوبَ الْإِمْسَاكِ وَعَدَمَ الْإِثْمِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَوْلُهُ وَالْكَفَّارَةُ أَيْ لُزُومًا وَعَدَمًا لِتَكْمُلَ الْخَمْسَةُ (قَوْلُهُ كَمُسَافِرٍ) أَيْ فِي رَمَضَانَ أَقَامَ أَيْ بَعْدَ فَوَاتِ النِّيَّةِ أَوْ بَعْدَمَا أَكَلَ أَمَّا لَوْ قَدِمَ قَبْلَهُمَا فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَمَا نَوَى لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ فَنَوَتْ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً لَا فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا لِوُجُودِ الْمُنَافِي أَوَّلَ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ كَذَا فِي الْجَوْهَرِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النُّفَسَاءَ مِثْلُ الْحَائِضِ (قَوْلُهُ وَمَجْنُونٌ أَفَاقَ) يَعْنِي بَعْدَ فَوَاتِ النِّيَّةِ أَمَّا لَوْ أَفَاقَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ النِّيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ تَعَاطَى مُفْطِرًا فَنَوَى الصَّوْمَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فَكَانَ وُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَكْثَرِ الْيَوْمِ كَوُجُودِهَا فِي الْكُلِّ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ وَالْمُبْتَغَى (قَوْلُهُ وَصَبِيٌّ بَلَغَ) أَقُولُ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي وَقْتِهِ كَانَ نَفْلًا لَا فَرْضًا وَفُرِّقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ وَعَدَمِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ وَكَافِرٌ أَسْلَمَ) أَقُولُ، وَهُوَ كَالصَّبِيِّ عَلَى الظَّاهِرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا زَالَ الْكُفْرُ وَالصِّبَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَزِمَ الْقَضَاءُ وَلِإِدْرَاكِ وَقْتِ النِّيَّةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقْتَ النِّيَّةِ وَنَوَى النَّفَلَ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ
стр. 204
حَالَةٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ وَتَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ كَمَا لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْضِ الْأَخِيرَانِ، وَإِنْ أَفْطَرَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الصَّوْمِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْيَوْمِ وَالْأَهْلِيَّةُ مَعْدُومَةٌ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ السَّبَبَ فِيهَا هُوَ الْجُزْءُ الْمُقَارَنُ بِالْأَدَاءِ أَوْ جُزْءٌ يَسَعُ مَا بَعْدَهُ الطَّهَارَةَ وَالتَّحْرِيمَةَ.
وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ جَامَعَ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ) احْتِرَازٌ عَنْ قَضَائِهِ (أَوْ جُومِعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ غِذَاءً أَوْ دَوَاءً) احْتِرَازٌ عَنْ نَحْوِ التُّرَابِ وَالْحَجَرِ (عَمْدًا) قَيْدٌ لِمَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ جَامَعَ إلَى هُنَا (أَوْ احْتَجَمَ فَظَنَّ أَنَّهُ فَطَّرَهُ فَأَكَلَ عَمْدًا قَضَى وَكَفَّرَ) جَزَاءً لِقَوْلِهِ، وَإِنْ جَامَعَ. . . إلَخْ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي صُورَةِ الِاحْتِجَامِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ بِوُصُولِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ» وَلَمْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ مَا قِيلَ: الزَّوَالُ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فَكَذَا فِي حُكْمِ الْأَهْلِيَّةِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ) هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْجَوْهَرَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّشَبُّهُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى لُزُومِ التَّشَبُّهِ لِمَنْ أَفْطَرَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ جَامَعَ) أَيْ عَمْدًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ فَإِنْ بَدَأَ بِهِ نَاسِيًا فَتَذَكَّرَ إنْ نَزَعَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ثُمَّ قِيلَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُحَرِّكْ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّذَكُّرِ حَتَّى أَنْزَلَ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَدْخَلَ، وَلَوْ جَامَعَ عَمْدًا قَبْلَ الْفَجْرِ وَطَلَعَ وَجَبَ النَّزْعُ فِي الْحَالِ فَإِنْ حَرَّكَ نَفْسَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا خَشِيَ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَنَزَعَ ثُمَّ أَنْزَلَ بَعْدَ الطُّلُوعِ لَا يَفْسُدُ كَالِاحْتِلَامِ اهـ.
وَمَحَلُّ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِيمَا إذَا نَوَى الصَّوْمَ لَيْلًا وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْجِمَاعِ وَلَمْ يَطْرَأْ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ فَإِذَا نَوَاهُ نَهَارًا ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَذَا فِي الْمُبْتَغَى وَالْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ، وَلَوْ أَكْرَهَتْهُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ، وَقَدْ طَاوَعَتْ زَوْجَهَا أَوْ غَيْرَهُ سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا تَسْقُطُ لَوْ مَرِضَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ بَعْدَ الْجِمَاعِ، وَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمُبْتَغَى، وَلَوْ سَافَرَ أَوْ سُوفِرَ بِهِ كَرْهًا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَسْقَطَهَا زُفَرُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) تَنَازَعَ فِيهِ جَامَعَ وَجُومِعَ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْكَافِي وَإِنْ وَطِئَ فِي الدُّبُرِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَامِلَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ غِذَاءً) أَيْ مَا يُتَغَذَّى بِهِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى التَّغَذِّي قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَمِيلَ الطَّبْعُ إلَى أَكْلِهِ وَتَنْقَضِيَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ بِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى صَلَاحِ الْبَدَنِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا مَضَغَ لُقْمَةً ثُمَّ أَخْرَجَهَا ثُمَّ ابْتَلَعَهَا فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَجِبُ وَعَلَى هَذَا الْوَرَقُ الْحَبَشِيُّ وَالْحَشِيشَةُ وَالْقِطَاطُ إذَا أَكَلَهُ فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْبَدَنِ وَرُبَّمَا يَضُرُّهُ وَيُنْقِصُ عَقْلَهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَجِبُ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَمِيلُ إلَيْهِ وَتَنْقَضِي بِهِ شَهْوَةُ الْبَطْنِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ إذَا مَضَغَ لُقْمَةً بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَابْتَلَعَهَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ بَعْدَمَا تَذَكَّرَ ثُمَّ أَعَادَهَا فَابْتَلَعَهَا فَلَا كَفَّارَةَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ؛ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ فِي فَمِهِ يَتَلَذَّذُ بِهَا، وَإِذَا أَخْرَجَهَا صَارَتْ بِحَالٍ تُعَافُ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَمَسْأَلَةُ بُزَاقِ الصَّدِيقِ لَا تَتَمَشَّى عَلَى تَفْسِيرِ التَّغَذِّي الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ احْتِرَازٌ عَنْ نَحْوِ التُّرَابِ وَالْحَجَرِ) أَقُولُ وَذَلِكَ كَالسَّفَرْجَلِ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ وَهُوَ غَيْرُ مَطْبُوخٍ وَالْجَوْزَةُ الرَّطْبَةُ وَالطِّينُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ فَإِنْ كَانَ يُعْتَادُ أَكْلُ هَذَا الطِّينِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَدْ أَكْلُهُ لَا كَفَّارَةَ بِهِ وَفِي الطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ لِلدَّوَاءِ وَفِي الْمِلْحِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُخْتَارِ كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَالَ فِي الْمُبْتَغَى: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِأَكْلِ الْمِلْحِ الْقَلِيلِ لَا الْكَثِيرِ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا تَنَاوَلَ الْكَثِيرَ دُفْعَةً فَأَمَّا إذَا تَنَاوَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا رُبَّمَا يُقَالُ إنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَى انْتِهَاءِ الْفِعْلِ فَيَكُونُ التَّنَاوُلُ كَأَنَّهُ حَصَلَ بِمَرَّةٍ فَلْيُنْظَرْ (قَوْلُهُ أَوْ احْتَجَمَ. . . إلَخْ) أَقُولُ، وَكَذَا إذَا أَكَلَ بَعْدَ مَا اغْتَابَ مُتَعَمِّدًا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ كَيْفَمَا كَانَ أَيْ سَوَاءً بَلَغَهُ الْحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ عَرَفَ تَأْوِيلَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَفْتَاهُ مُفْتٍ أَوْ لَمْ يُفْتَ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِالْغِيبَةِ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْحَدِيثَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ» مُؤَوَّلٌ بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَهَابُ الثَّوَابِ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْحِجَامَةِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَخَذَ
стр. 205
يُوجَدْ إلَّا إذَا أَفْتَاهُ مُفْتٍ بِفَسَادِ صَوْمِهِ فَحِينَئِذٍ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي فَتَصِيرُ الْفَتْوَى شُبْهَةً فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» وَاعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ لَا يَكُونُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ قَوْلِ الْمُفْتِي، وَهُوَ إذَا صَلَحَ عُذْرًا فَقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ أَوْلَى وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ أَوَّلُوهُ بِأَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ آخَرَ فَقَالَ ﷺ ذَلِكَ أَيْ ذَهَبَ ثَوَابُ صَوْمِهِمَا بِالْغِيبَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﵊ سَوَّى بَيْنَ الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُ الْحَاجِمِ (كَالْمُظَاهِرِ) وَكَفَّارَتُهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
(ذَرَعَهُ) أَيْ غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ (قَيْءٌ طَعَامٌ أَوْ مَاءٌ أَوْ مَرَّةً وَخَرَجَ لَمْ يُفْطِرْ مُلَاءُ الْفَمِ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ وَيَسْتَوِي فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ وَمَا دُونَهُ (فَإِنْ مَلَأَهُ) أَيْ الْفَمِ (وَعَادَ وَهُوَ ذَاكِرٌ) أَنَّهُ صَائِمٌ (لَمْ يُفْطِرْ فِي الصَّحِيحِ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ إذْ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْإِفْطَارِ وَهُوَ الِابْتِلَاعُ، وَلَا مَعْنَاهُ إذْ لَا يُتَغَذَّى بِهِ عَادَةً (أَوْ أَعَادَ أَفْطَرَ بِالْإِجْمَاعِ) لِوُجُودِ الْإِدْخَالِ بَعْدَ الْخُرُوجِ فَيَتَحَقَّقُ صُورَةُ الْإِفْطَارِ (وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ فَاهُ لَمْ يُفْطِرْ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِنْ أَعَادَ فِي الصَّحِيحِ) فَإِنَّهُ إذَا أَعَادَ الْقَلِيلَ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الصُّنْعِ، وَلَا يَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (اسْتَقَاءَ مِلْءَ الْفَمِ أَفْطَرَ بِالْإِجْمَاعِ) لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَفْرِيعُ الْعَوْدِ وَالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِالْقَيْءِ (أَوْ أَقَلَّ) مِنْ مِلْءِ فَمِهِ أَفْطَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا فَلَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِ التَّفْرِيعُ الْمَذْكُورُ (وَلَا) يُفْطِرُ (فِي الصَّحِيحِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ؛ وَلِذَا قَالَ (فَإِنْ عَادَ) الْقَيْءُ بِفِيهِ (لَمْ يُفْطِرْ) لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ أَعَادَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَفِي أُخْرَى يُفْطِرُ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ (وَأَمَّا الْبَلْغَمُ فَلَا يُفْطِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُفْطِرُ إذَا كَانَ مِلَاءَ الْفَمِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بِظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ مِثْلِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْفَتْحِ، وَلَوْ لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ أَوْ ضَاجَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا تَأَوَّلَ حَدِيثًا أَوْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ دَهَنَ شَارِبَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ نَقَلَهُ الْكَمَالُ عَنْ الْبَدَائِعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ احْتَلَمَ أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَظَنَّ أَنَّهُ فَطَّرَهُ فَأَكَلَ عَمْدًا فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَكْلَ نَاسِيًا لَا يُفَطِّرُهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا أَفْتَاهُ مُفْتٍ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْمُرَادُ بِهِ فَقِيهٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفِقْهُ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ فِي الْبَلْدَةِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ كَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَاعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ) يَعْنِي وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَأْوِيلِهِ وَهُوَ عَامِّيٌّ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ. . . إلَخْ قَالَ مِثْلَهُ الْكَمَالُ ثُمَّ قَالَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُسْقِطُهَا؛ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِّيِّ الِاقْتِدَاءَ بِالْفُقَهَاءِ، وَإِنْ عَرَفَ تَأْوِيلَهُ ثُمَّ أَكَلَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ) أَقُولُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ لَمْ يُفْطِرْ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ يُفْطِرْ مِلَاءُ الْفَمِ أَوْ لَا لَكِنَّهُ أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وَإِنْ أَعَادَ فِي الصَّحِيحِ فَلَوْ أَنَّهُ قَالَ وَإِنْ أَعَادَ مَا ذَرَعَهُ وَلَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ لَمْ يُفْطِرْ فِي الصَّحِيحِ لَكَانَ أَوْلَى اهـ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ عَادَ الْقَلِيلُ بِلَا صُنْعِهِ، وَلَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالصُّنْعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ وَيَسْتَوِي فِيهِ مَلْءُ الْفَمِ وَدُونَهُ) أَقُولُ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ الْفَسَادِ فِيمَا لَوْ اسْتَقَاءَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ إنَّمَا تَصْحِيحُ بَعْضِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ أَوْ أَقَلّ مِنْ مِلْءِ فَمِهِ) أَيْ إذَا اسْتَقَاءَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فَمِهِ أَفْطَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَفِي الْكَافِي هُوَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُفْطِرُ فِي الصَّحِيحِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ الْكَمَالُ وَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَيْضًا فَقَالَ قَوْلُهُ أَيْ فِي الْهِدَايَةِ،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَفْسُدُ صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَعَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ فِيهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ عَادَ) أَيْ مَا اسْتَقَاءَهُ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ مِلْءِ فَمِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ
стр. 206
بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ.
(أَكَلَ لَحْمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلَ حِمَّصَةٍ قَضَى) ، وَلَا كَفَّارَةَ (وَفِي الْأَقَلِّ لَا إلَّا إذَا أَخْرَجَهُ فَأَكَلَ، أَكَلَ مِثْلَ سِمْسِمَةٍ يُفْطِرُ إلَّا إذَا مَضَغَهُ) بِحَيْثُ تَلَاشَتْ.
(كُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) أَمَّا كَرَاهَةُ الذَّوْقِ فَلِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِإِفْسَادِ صَوْمِهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ لَا بَأْسَ بِذَوْقِهَا بِلِسَانِهَا، قَالُوا هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْمَضْغِ فَلِمَا فِيهِ أَيْضًا مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْإِفْسَادِ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغُ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِمَّنْ لَا يَصُومُ، وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَمْضُوغُ (عِلْكًا) فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا تَعْرِيضًا لَهُ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ فَإِنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ) كَذَا قَالَ مِثْلَهُ الْكَمَالُ ثُمَّ قَالَ وَيَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمَا بِخِلَافِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ أَيْ فَقَوْلُهُمَا هُنَاكَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ إنَّمَا أُنِيطَ بِمَا يَدْخُلُ وَبِالْقَيْءِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَلَا فَرْقَ بِخِلَافِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ اهـ.
قُلْتُ وَالْخِلَافُ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِالْبَلْغَمِ فِيمَا إذَا صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ لَا فِي النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ فَكَذَلِكَ هُنَا فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ
(قَوْلُهُ أَوْ أَكَلَ لَحْمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِثْلَ حِمَّصَةٍ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةُ الْفَاصِلُ مِقْدَارُ الْحِمَّصَةِ فَهُوَ كَثِيرٌ وَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ بِخِلَافِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَوْضِعُ الِاسْتِنْجَاءِ وَذَلِكَ الْقَدْرُ مَعْفُوٌّ بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مَعْفُوًّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْرُ الْحِمَّصَةِ لَا يَبْقَى فِي فُرَجِ الْأَسْنَانِ غَالِبًا فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالرِّيقِ فَصَارَ كَثِيرًا اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْفَاصِلُ فِي مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ بَيْنَ أَسْنَانِهِ قَدْرُ الْحِمَّصَةِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ مَا ذَكَرُوهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّقْدِيرِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ الِابْتِلَاعُ بِلَا اسْتِعَانَةِ الْبُزَاقِ فَهُوَ عَلَامَةُ الْكَثِيرِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بِلَا اسْتِعَانَةِ الْبُزَاقِ فَهُوَ عَلَامَةُ الْقَلِيلِ اهـ. قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ حَسَنٌ وَذَكَرَ وَجْهَهُ (قَوْلُهُ قَضَى، وَلَا كَفَّارَةَ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ فَصَارَ نَظِيرَ التُّرَابِ وَزُفَرُ يَقُولُ بَلْ نَظِيرَ اللَّحْمِ الْمُنْتِنِ وَفِيهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ قَالَ الْكَمَالُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُفْتِيَ فِي الْوَقَائِعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَرْبِ اجْتِهَادٍ فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ فَيُنْظَرُ فِي صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَعَافُ طَبْعُهُ ذَلِكَ أُخِذَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ عِنْدَهُ أُخِذَ بِقَوْلِ زُفَرَ اهـ. وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَمَالِ عَدَمَ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِبَلْعِ بُزَاقِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَشَمِلَ بُزَاقَ حَبِيبِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ رَمَزَ لَهُ فِي الْقُنْيَةِ وَقَالَ ابْتَلَعَ بُزَاقَ حَبِيبِهِ لَا كَفَّارَةَ ثُمَّ رَمَزَ لِلْمُحِيطِ وَقَالَ كَفَّرَ اهـ.
وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِبُزَاقِ الْحَبِيبِ قَوْلُ الْإِمَامِ الْحَلْوَانِيِّ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ شَارِحُهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي مَسَائِلَ شَتَّى (قَوْلُهُ وَفِي الْأَقَلِّ لَا) أَيْ لَا قَضَاءَ إلَّا إذَا أَخْرَجَهُ فَأَكَلَ فَيَقْضِي بِلَا كَفَّارَةٍ، وَكَذَا لَا كَفَّارَةَ بِإِعَادَةِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ أَكَلَ مِثْلَ سِمْسِمَةٍ) الْمُرَادُ بِهِ مِثْلُهَا فِي الصِّفَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَغَذَّى بِهِ وَبِالْأَكْلِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْقَضْمِ وَالْهَشِمِ لِيَشْمَلَ الِابْتِلَاعَ إلَّا أَنَّهُ إذَا ابْتَلَعَ السِّمْسِمَةَ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ خَارِجٍ فَالْمُخْتَارُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُتَغَذَّى بِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِنَحْوِهَا مَا دُونَ الْحِمَّصَةِ لِمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَإِنْ أَدْخَلَهُ مِنْ خَارِجٍ وَمَضَغَهُ إنْ كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَطَّرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يُفَطِّرُهُ اهـ.
وَلَا يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ بَعْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَتَجِبُ أَيْ الْكَفَّارَةُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ وَقَضْمِهَا لَا إنْ مَضَغَ قَمْحَةً لِلتَّلَاشِي. اهـ.؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفِطْرُ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا مَضَغَهُ بِحَيْثُ تَلَاشَتْ) أَقُولُ أَيْ فَلَا قَضَاءَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهَا طَعْمًا فِي حَلْقِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَافِي فَقَالَ، وَإِنْ مَضَغَهَا أَيْ السِّمْسِمَةَ لَا يَفْسُدُ إلَّا أَنْ يَجِدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ نَقْلِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ جِدًّا فَلْيَكُنْ الْأَصْلَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ مَضَغَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ. . . إلَخْ) كَذَا الْأَمَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ اهـ.
وَهَلْ الْأَجِيرُ كَذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضَغُ. . . إلَخْ) بَيَانٌ لِلْعُذْرِ فَلَيْسَ غَيْرُهُ عُذْرًا وَلَكِنْ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَذُوقَ الْعَسَلَ أَوْ الدُّهْنَ يَعْرِفُ الْجَيِّدَ مِنْ الرَّدِيءِ عِنْدَ الشِّرَاءِ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَا بَأْسَ بِهِ كَيْ لَا يُغْبَنَ فِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَمْضُوغُ عِلْكًا) الْعِلْكُ هُوَ الْمُصْطَكَا: وَقِيلَ: اللِّبَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْكُنْدُرُ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا) هَذَا وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ إنَّمَا يُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ أَيْ لِلصَّائِمِ؛ لِأَنَّ مَضْغَهُ يَدْبَغُ الْمَعِدَةَ وَيُشَهِّي الطَّعَامَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَأْنِ وَقْتُ الِاشْتِهَاءِ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ اهـ.
وَأَمَّا مَضْغُهُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ فَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً لِقِيَامِهِ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ عَلَى مَا قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِلَّةٍ، وَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ قَالَ الْكَمَالُ: أَيْ وَلَا يُكْرَهُ فَهُوَ مُبَاحٌ بِخِلَافِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ ثُمَّ قَالَ
стр. 207
بَعِيدٍ يَظُنُّهُ آكِلًا قِيلَ: هَذَا إذَا كَانَ مَمْضُوغًا إذْ لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْضُوغٍ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ وَيَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ.
. (وَ) كُرِهَ (الْقُبْلَةُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ لَا دَهْنُ الشَّارِبِ وَالسِّوَاكُ، وَلَوْ) كَانَ السِّوَاكُ (عَشِيًّا) ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ عَشِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ خُلُوفَ الْفَمِ.
(فَصْلٌ) (حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَوَلَدهَا وَمَرِيضٌ خَافَ الزِّيَادَةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَالْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ لِلرِّجَالِ إلَّا لِحَاجَةٍ اهـ. .
وَفِي الْمِعْرَاجِ كُرِهَ لِلرِّجَالِ إلَّا فِي الْخَلْوَةِ بِعُذْرٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَزْدَوِيُّ وَالْمَحْبُوبِيُّ وَمَضْغُهُ يُورِثُ هُزَالَ الْجَنِينِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قِيلَ: هَذَا إذَا كَانَ مَمْضُوغًا) جَزَمَ بِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ فَقَالَ، وَهَذَا إذَا كَانَ أَبْيَضَ مُلْتَئِمًا لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ أَمَّا إذَا كَانَ أَسْوَدَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا لَا يَتَفَتَّتُ اهـ.
وَفِي الْكَافِي قَالُوا: هَذَا إذَا كَانَ الْعِلْكُ مُلْتَئِمًا ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ أَبْيَضَ فَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَذُوبُ بِالْمَضْغِ بِخِلَافِ الْأَبْيَضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِلُ رَائِحَةً اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ فَإِذَا فُرِضَ فِي بَعْضِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةُ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقَّنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ الْقُبْلَةُ. . . إلَخْ) كَذَا الْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ لَا دَهْنُ الشَّارِبِ) الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ، وَكَذَا الْكُحْلُ حُكْمًا وَضَبْطًا وَيُسَنُّ دَهْنُ شَعْرِ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الزِّينَةَ بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ، وَلَا يُفْعَلُ لِتَطْوِيلِ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْقُبْضَةُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْقُبْضَةُ بِضَمِّ الْقَافِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَجِبُ قَطْعُهُ هَكَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ اللِّحْيَةِ، وَهِيَ دُونَ الْقُبْضَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ وَأَخْذُ كُلِّهَا فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ وَالْيَهُودِ وَالْهُنُودِ وَبَعْضِ أَجْنَاسِ الْإِفْرِنْجِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَالسِّوَاكُ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ أَوْ بِالْمَاءِ) وَكَذَا لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ، وَلَا التَّلَفُّفُ بِالثَّوْبِ الْمُبْتَلِّ وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ لِغَيْرِ وُضُوءٍ وَالِاغْتِسَالُ لِلتَّبَرُّدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ
[فَصْلٌ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَوَلَدهَا مِنْ الصَّوْم]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ حَامِلٌ) هِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا حَمْلٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ وَلَدٌ وَالْحَامِلَةُ هِيَ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ رَأْسِهَا حِمْلٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ (قَوْلُهُ أَوْ مُرْضِعٌ) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُرْضِعَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لَا الْحَادِثَةِ إلَّا إذَا أُرِيدَ الْحُدُوثُ بِأَنْ يُقَالَ مُرْضِعَةٌ الْآنَ (قَوْلُهُ خَافَتْ) الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِتَجْرِبَةٍ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، وَقِيلَ عَدَالَتُهُ شَرْطٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُرْهَانِ فَقَالَ: وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الِاجْتِهَادُ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَفْطَرَ، وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ حَاذِقٌ عَدْلٌ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ الْخَوْفِ لِيَشْمَلَ غَيْرَ الْهَلَاكِ لِمَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ خَافَتْ الْحَامِلُ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ وَلَدِهَا نُقْصَانَ الْعَقْلِ أَوْ الْهَلَاكَ أَفْطَرَتْ (قَوْلُهُ أَوْ وَلَدِهَا) أَيْ سَوَاءً كَانَ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا لِإِطْلَاقِ قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ» وَمَا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرْضِعِ الظِّئْرُ فَمَرْدُودٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى اسْتِئْجَارِ ظِئْرٍ فَالْأُمُّ كَالظِّئْرِ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ بِالْخَوْفِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَلِحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَافَتَا عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْوَلَدِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ خَوْفَهَا عَلَى وَلَدِهَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ تَعَيُّنِهَا لِلْإِرْضَاعِ لِفَقْدِ الظِّئْرِ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الزَّوْجِ عَلَى اسْتِئْجَارِهَا أَوْ لِعَدَمِ أَخْذِ الْوَلَدِ ثَدْيَ غَيْرِهَا فَسَقَطَ مَا قِيلَ: حِلُّ الْإِفْطَارِ يَخْتَصُّ بِمُرْضِعَةٍ آجَرَتْ نَفْسَهَا لِلْإِرْضَاعِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْوَالِدَةِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إرْضَاعٌ وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الظِّئْرُ الْمُسْتَأْجَرَةُ كَالْأُمِّ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ وَمَرِيضٌ خَافَ الزِّيَادَةَ) وَكَذَا لَوْ خَافَ بُطْءَ الْبُرْءِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُرُّ مَرِيضًا لَكِنَّهُ أَجْهَدَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ حَتَّى مَرِضَ فَأَفْطَرَ قِيلَ: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَقِيلَ لَا تَلْزَمُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ وَقَالَ فِي الْمُبْتَغَى الْعَطَشُ الشَّدِيدُ وَالْجُوعُ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَمَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ أَوْ عَمَلٍ حَتَّى أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ فَأَفْطَرَ كَفَّرَ وَقِيلَ لَا اهـ. .
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ رَضِيعٌ مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُرْبِ الدَّوَاءِ وَزَعَمَ الطَّبِيبُ أَنَّ أُمَّهُ تَشْرَبُ ذَلِكَ لَهَا الْفِطْرُ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي يُخْشَى أَنْ يَمْرَضَ بِالصَّوْمِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، وَكَذَا الْأَمَةُ الَّتِي تَخْدُمُ إذَا خَافَتْ الضَّعْفَ جَازَ أَنْ تُفْطِرَ ثُمَّ تَقْضِيَ اهـ.
وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ الِائْتِمَارِ بِأَمْرٍ الْمَوْلَى إذَا كَانَ يُعْجِزُهَا عَنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ وَالْعَبْدُ كَالْأَمَةِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ بَرِئَ مِنْ الْمَرَضِ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ هُوَ الْمَرَضُ لَا الضَّعْفُ، وَكَذَا لَوْ خَافَ مِنْ الْمَرَضِ لَا يُفْطِرُ اهـ.
فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلزَّيْلَعِيِّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخَوْفِ فِي كَلَامِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ وَفِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَلَا مُخَالَفَةَ حِينَئِذٍ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْبَحْرِ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْته، وَكَذَا يُفْطِرُ مَنْ ذَهَبَ بِهِ مُتَوَكِّلُ السُّلْطَانِ إلَى الْعِمَارَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ وَالْعَمَلِ الْحَثِيثِ إذَا خَشِيَ الْهَلَاكَ وَنُقْصَانَ الْعَقْلِ، وَلَوْ أَفْطَرَ فِي يَوْمِ نَوْبَةِ الْحُمَّى أَوْ أَفْطَرَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ عَادَةِ حَيْضِهَا
стр. 208
وَالْمُسَافِرُ أَفْطَرُوا) هَذَا خَبَرٌ لِقَوْلِهِ حَامِلٌ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْإِفْطَارُ لِوُجُودِ الْعُذْرِ (وَقَضَوْا مَا قَدَرُوا) أَيْ لَزِمَ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ صَوْمِ أَيَّامٍ مَضَتْ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكُوا مِنْ أَيَّامِ زَوَالِ الْعُذْرِ، وَفَائِدَةُ لُزُومِ الْقَضَاءِ وُجُوبُ الْوَصِيَّةِ بِالْإِطْعَامِ عِنْدَ فَقْدِ الْقَضَاءِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ بِعُذْرٍ (وَلَا فِدْيَةَ) ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْفِدْيَةُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ (وَنُدِبَ صَوْمُ مُسَافِرٍ لَا يَضُرُّهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْمَشَقَّةِ (فَإِنْ مَاتُوا فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْعُذْرِ (فَلَا فِدْيَةَ) أَيْ لَا يَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِالْفِدْيَةِ (وَلَوْ) مَاتُوا (بَعْدَ زَوَالِهِ) أَيْ الْعُذْرِ (فَدَى عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَيِّتِ (وَلِيُّهُ بِقَدْرِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ) الْمَيِّتُ (وَفَاتَ عَنْهُ) فَإِنَّ الْفَائِتَ إذَا كَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ رَمَضَانَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي أَيَّامِ الْإِقَامَةِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةُ تِلْكَ الْأَيَّامِ دُونَ مَا سِوَاهَا (إنْ أَوْصَى) الْمَيِّتُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَدَى عَنْهُ (فَيَكُونُ) أَيْ مَا فَدَاهُ الْوَلِيُّ (مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ وَلِيُّهُ بِهِ) أَيْ بِمَا فَدَاهُ (جَازَ، وَإِنْ صَامَ أَوْ صَلَّى عَنْهُ لَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (كَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ) يَعْنِي إذَا تَبَرَّعَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ جَازَ وَلَمْ يَجُزْ التَّبَرُّعُ بِالْإِعْتَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
(يَقْضِي رَمَضَانَ، وَلَوْ بِفَصْلٍ) يَعْنِي يَجُوزُ فِيهِ الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْوَصْلُ مُسَارَعَةً إلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ (وَإِنْ جَاءَ) رَمَضَانُ (آخَرُ صَامَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُهُ (ثُمَّ قَضَى الْأَوَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ (بِلَا فِدْيَةٍ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ الْفِدْيَةُ (وَفِدْيَةُ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى الْوِتْرُ كَصَوْمِ يَوْمٍ) هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ فِدْيَةُ صَلَاةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَفِدْيَةِ صَوْمِ يَوْمٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فَلَمْ يُحَمَّ وَلَمْ تَحِضْ الْأَصَحُّ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ فِيهِمَا وَالْغَازِي إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يُقَاتِلُ فِي رَمَضَانَ وَخَافَ الضَّعْفَ حَالَ الْقِتَالِ حَلَّ لَهُ الْفِطْرُ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا، وَكَذَا لَوْ لَسَعَتْهُ حَيَّةٌ فَأَفْطَرَ لِشُرْبِ الدَّوَاءِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ وَالْمُسَافِرُ) عَرَّفَهُ وَنَكَّرَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا إذَا اتَّصَفَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذْ لَا يَحْتَاجُ فِي حِلِّ إفْطَارِهِ إلَى زِيَادَةِ وَصْفٍ عَلَى السَّفَرِ وَمَحَلُّ جَوَازِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ أَمَّا لَوْ سَافَرَ فِي يَوْمٍ أَنْشَأَ فِيهِ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الْفِطْرُ لَكِنْ لَوْ أَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَتَذَكَّرَ شَيْئًا قَدْ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ مِصْرَهُ فَأَفْطَرَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ قَاضِي خَانْ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ قَضَوْا مَا قَدَرُوا) أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ مَا قِيلَ: بِوُجُوبِ قَضَاءِ جَمِيعِ الشَّهْرِ بِصِحَّةِ يَوْمٍ أَوْ إقَامَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِقَدْرِ الْقُدْرَةِ اتِّفَاقِيٌّ. وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي النَّذْرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ فَصَحَّ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا كَالصَّحِيحِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا فَمَاتَ،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوصِيَ بِقَدْرِ مَا صَحَّ كَرَمَضَانَ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْمَنْذُورَ سَبَبُهُ النَّذْرُ، وَقَدْ وُجِدَ وَسَبَبُ الْقَضَاءِ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَلَا إثْمَ بِالتَّأْخِيرِ وَيَتَضَيَّقُ الْوُجُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يُبَاحُ التَّأْخِيرُ إلَّا لِعُذْرٍ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ (قَوْلُهُ وَنُدِبَ صَوْمُ مُسَافِرٍ لَا يَضُرُّهُ) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ رُفْقَتُهُ أَوْ عَامَّتُهُمْ مُفْطِرِينَ أَمَّا إذَا كَانُوا مُفْطِرِينَ أَوْ كَانَتْ النَّفَقَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ فَدَى عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَرَادَ بِهِ مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ فَشَمِلَ الْوَصِيَّ (قَوْلُهُ إنْ أَوْصَى) أَقُولُ وَيُجْزِئُهُ فِي إيصَائِهِ بِهِ عَنْ الصَّوْمِ جَزْمًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَبَرَّعَ وَلِيُّهُ بِهِ جَازَ) هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي تَبَرُّعِ الْوَارِثِ عَنْهُ يُجْزِئُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَا فِي الْفَتْحِ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا وَوَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ أَوْ لِعُذْرٍ مَا، وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ كَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْقَتْلُ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ) أَقُولُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا ابْتِدَاءً عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْوَارِثِ عَنْهُ (كَمَا ذَكَرَهُ) وَالصَّوْمُ فِيهَا بَدَلٌ عَنْ الْإِعْتَاقِ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ حَتَّى إذَا تَبَرَّعَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ جَازَ) أَقُولُ: كَفَّارَةُ الْقَتْلِ لَيْسَ فِيهَا إطْعَامٌ، وَلَا كِسْوَةٌ فَجَعْلُهَا مُشَارِكَةً لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهَا سَهْوٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَوْلُهُ وَفِدْيَةُ كُلِّ صَلَاةٍ. . . إلَخْ) هَذَا اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ (قَوْلُهُ حَتَّى الْوِتْرُ) هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا الْوِتْرُ مِثْلُ السُّنَنِ لَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ ثُمَّ نَقَلَ فِيهَا عَنْ الْفَتَاوَى أَنَّ إعْطَاءَ فِدْيَةِ صَلَوَاتٍ لِوَاحِدٍ جُمْلَةً جَائِزٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ اهـ.
وَلَا تَجُوزُ الْفِدْيَةُ إلَّا عَنْ صَوْمٍ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى صَارَ شَيْخًا فَانِيًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ جَازَ لَهُ الْفِدْيَةُ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ
стр. 209
(وَالشَّيْخُ الْفَانِي) الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ (أَفْطَرَ وَفَدَى) أَيْ أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكَيْنَا كَمَا يُطْعِمُ فِي الْكَفَّارَاتِ (وَقَضَى إنْ قَدَرَ) عَلَى الصَّوْمِ إذْ يَبْطُلُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلْفِيَّةِ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ (يَلْزَمُ نَفْلٌ شَرَعَ فِيهِ قَصْدًا) قَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ (أَدَاءً وَقَضَاءً) أَيْ يَجِبُ إتْمَامُهُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَفْسَدَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (إلَّا فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ) فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِيهَا غَيْرُ مُلْزِمٍ وَهِيَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ: عِيدُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مَعَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْأَضْحَى
(وَلَا يُفْطِرُ) الشَّارِعُ فِي النَّفْلِ (بِلَا عُذْرٍ فِي رِوَايَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالُ الْعَمَلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ خَلَفُهُ فَلَا إبْطَالَ (وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ) يَعْنِي عَلَى الْأَظْهَرِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الْمُضِيفَ وَالضَّيْفَ.
(نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ وَأَقَامَ فَنَوَى الصَّوْمَ فِي وَقْتِهَا) أَيْ وَقْتِ النِّيَّةِ وَهُوَ إلَى الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى لَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْمُرَادُ بِالصَّوْمِ أَعَمُّ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلِهَذَا قَالَ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ.
(وَ) إذَا كَانَ ذَلِكَ (فِي رَمَضَانَ يَجِبُ الصَّوْمُ) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الصَّوْمِ (كَمَا يَجِبُ عَلَى مُقِيمٍ إتْمَامُ) صَوْمِ (يَوْمٍ مِنْهُ) أَيْ رَمَضَانَ (سَافَرَ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا) أَيْ فِي إقَامَةِ الْمُسَافِرِ وَسَفَرِ الْمُقِيمِ (بِالْإِفْطَارِ) لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ السَّفَرُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لِلشُّبْهَةِ
(يَقْضِي أَيَّامَ الْإِغْمَاءِ، وَلَوْ) كَانَتْ (كُلَّ الشَّهْرِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضٍ يُضْعِفُ الْقَوِيَّ، وَلَا يُزِيلُ الْعَقْلَ فَلَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَلَا الْأَدَاءَ (إلَّا يَوْمًا حَدَثَ الْإِغْمَاءُ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَقْضِيهِ لِوُجُودِ الصَّوْمِ فِيهِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْوِي مِنْ اللَّيْلِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَهَتِّكًا يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي رَمَضَانَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
صَوْمَ الْأَبَدِ فَضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ لَهُ الْفِطْرُ وَيُطْعِمُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَيْقَنَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى قَضَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِطْعَامِ لِعُسْرَتِهِ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَيَسْتَقِيلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لِشِدَّةِ الْحَرِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْضِيَهُ فِي الشِّتَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ نَذَرَ الْأَبَدَ، وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ فَانِيًا جَازَ لَهُ الْفِدْيَةُ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ شَيْخٌ فَانٍ أَوْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى صَارَ فَانِيًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ هُنَا بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي. . . إلَخْ) هَذَا، وَلَوْ كَانَ الشَّيْخُ الْفَانِي مُسَافِرًا فَمَاتَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي التَّخْفِيفِ لَا التَّغْلِيظِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَفْسَدَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إذَا فَسَدَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلْمُتَطَوِّعَةِ بِالصَّوْمِ اهـ.
وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ وَفِي رَاوِيَةٍ أُخْرَى يَجُوزُ) أَيْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَصَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ الْكَمَالُ وَرِوَايَةُ الْمُبْتَغَى يُبَاحُ أَيْ الْفِطْرُ بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ قَالَ: وَاعْتِقَادِي أَنَّ رِوَايَةَ الْمُبْتَغَى أَوْجَهُ أَيْ مِنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا دَعَاهُ وَاحِدٌ مِنْ إخْوَانِهِ إلَى الطَّعَامِ يُفْطِرُ وَيَقْضِي لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَفْطَرَ لِحَقِّ أَخِيهِ يَكُونُ لَهُ ثَوَابُ صَوْمِ أَلْفِ يَوْمٍ وَمَتَى قَضَى يَوْمًا يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ صَوْمِ أَلْفَيْ يَوْمٍ» اهـ.
(قَوْلُهُ الضِّيَافَةُ عُذْرٌ) يَعْنِي عَلَى الْأَظْهَرِ كَذَا قِيلَ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا وَقِيلَ عُذْرٌ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ إلَّا إذْ كَانَ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ بَعْدَهُ عُقُوقٌ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيُفْطِرَنَّ لَا يُفْطِرُ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَا يُحَنِّثُهُ سَوَاءٌ كَانَ نَفْلًا أَوْ قَضَاءً اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقِيلَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ رَضِيَ بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ اهـ. قَالَ فِي الْمُبْتَغَى، وَهَذَا أَيْ التَّفْصِيلُ فِي صَاحِبِ الطَّعَامِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ) الْأَوْلَى تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِرُجُوعِهِ لِلضِّيَافَةِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الضَّيْفَ وَالْمُضِيفَ) كَذَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِمَا إذَا تَأَذَّى وَاحِدٌ مِنْهُمَا
(قَوْلُهُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا أَيْ فِي إقَامَةِ الْمُسَافِرِ وَسَفَرِ الْمُقِيمِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْفَتْحِ وَالْكَافِي، وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا
(قَوْلُهُ يَقْضِي أَيَّامَ الْإِغْمَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ كُلَّ الشَّهْرِ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ لَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا إذَا اسْتَوْعَبَهُ فَلَا يَقْضِي كَمَا فِي الْجُنُونِ (قَوْلُهُ إلَّا يَوْمًا حَدَثَ الْإِغْمَاءُ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ) يَعْنِي وَالْحَالُ أَنَّهُ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَوَى أَوَّلًا أَمَّا إذَا عُلِمَ حَالُهُ فَظَاهِرٌ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ شَرْحِ النُّقَايَةِ (قَوْلُهُ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ) أَيْ عَلَى الْأَفْضَلِ لِخُرُوجِهِ مِنْ الْخِلَافِ بِالتَّبْيِيتِ لِلنِّيَّةِ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَهَتِّكًا يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي شَعْبَانَ) صَوَابُهُ فِي رَمَضَانَ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَإِنَّهُ يَقْضِي جَمِيعَ أَيَّامِ إغْمَائِهِ
стр. 210
قَضَى رَمَضَانَ كُلَّهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَوُجُودِ السَّبَبِ.
. (وَ) يَقْضِي (أَيَّامَ جُنُونٍ أَفَاقَ بَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الشَّهْرُ قَدْ وُجِدَ وَأَهْلِيَّةُ نَفْسِ الْوُجُوبِ بِالذِّمَّةِ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ بِلَا مَانِعٍ وَإِذَا تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ بِلَا مَانِعٍ تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ (، وَلَا) يَقْضِي (كُلَّ الشَّهْرِ الْمُسْتَوْعَبِ بِهِ) أَيْ بِالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ عَادَةً وَالْجُنُونُ يَسْتَوْعِبُهُ كَثِيرًا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ.
(نَذَرَ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ أَوْ السَّنَةِ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ، وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِحُّ نَذْرُهُ.
(وَ) لَكِنَّهُ (أَفْطَرَهَا) احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ (وَقَضَاهَا) إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ (وَإِنْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ وَخَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا) أَيْ بِقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوْ السَّنَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ سِتَّةٍ: إمَّا أَنْ لَا يَنْوِيَ شَيْئًا (أَوْ نَوَى النَّذْرَ فَقَطْ) دُونَ الْيَمِينِ (أَوْ النُّذُورَ) نَوَى (أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا كَانَ نَذْرًا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ، وَقَدْ قَرَّرَ بِعَزِيمَتِهِ (وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَأَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا كَانَ يَمِينًا) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، وَقَدْ عَيَّنَهُ وَنَفَى غَيْرَهُ (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ أَفْطَرَ) كَمَا هُوَ حُكْمُ الْيَمِينِ (وَإِنْ نَوَاهُمَا أَوْ الْيَمِينَ) بِلَا نَفْيِ النَّذْرِ (كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا) حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ يَجِبُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَيَقْضِي أَيَّامَ جُنُونٍ أَفَاقَ بَعْدَهَا) خَاصٌّ بِالْعَارِضِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ فِي الْوَقْتِ) قَيَّدَ بِهِ لُزُومَ قَضَاءِ أَيَّامِ الْجُنُونِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ النِّيَّةِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ كَمَا نَذْكُرُهُ فِي الْقَوْلَةِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يَقْضِي كُلَّ الشَّهْرِ الْمُسْتَوْعَبِ بِهِ) أَقُولُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ فِي الدِّرَايَةِ قَوْلُهُ: وَمَنْ جُنَّ رَمَضَانَ كُلَّهُ أَيْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ اللَّيْلَةِ ثُمَّ جُنَّ وَأَصْبَحَ مَجْنُونًا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ قَضَى صَوْمَ الشَّهْرِ كُلِّهِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِهِ.
وَفِي جَمْعِ النَّوَازِلِ إذَا أَفَاقَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا وَاسْتَوْعَبَ الشَّهْرَ اخْتَلَفَ فِيهِ أَئِمَّةُ بُخَارَى وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَا يُصَامُ فِيهَا، وَكَذَا لَوْ أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ كُلُّهُ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ ابْتِدَاءُ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ فِيهِ كَاللَّيْلِ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) صَرَّحَ بِالْإِطْلَاقِ لِيَشْمَلَ وَأَفَادَ مَفْهُومُهُ قَضَاءَ كُلِّ الشَّهْرِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَوْعَبِ فِيهِمَا أَيْ الْعَارِضِ وَالْأَصْلِيِّ قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَخَصَّ الْقَضَاءَ بِالْعَارِضِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَعَلَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا.
وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الثَّانِي أَنَّ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ قِيَاسٌ وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَدَمُ الْقَضَاءِ يَعْنِي لِمَا مَضَى فِي الْأَصْلِيِّ، وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ الْإِمَامِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْمَاضِي مِنْ رَمَضَانَ كَذَا فِي النَّهْرِ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَالْعِنَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ الْأَصْلِيِّ قَضَاءُ مَا مَضَى فِي الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ نَذَرَ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ) هَذَا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ صِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِهَا وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمَهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ أَوْ السَّنَةِ صَحَّ) أَقُولُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الْحَاضِرَةَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ السَّنَةُ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ نَكَّرَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فَإِذَا عَرَّفَهَا وَأَشَارَ إلَيْهَا فَقَالَ هَذِهِ السَّنَةَ لَزِمَهُ سَوَاءً أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: صَوْمَ يَوْمٍ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَنَةٍ أَوْ أَرَادَ كَلَامًا غَيْرَهُ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ النَّذْرُ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ هَزْلَ النَّذْرِ كَالْجِدِّ وَيُفْطِرُ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّةِ وَيَقْضِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَالَتْهُ قَضَتْ مَعَ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامَ حَيْضِهَا، وَهَذَا إذَا نَذَرَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ فَإِنْ قَالَهُ فِي شَوَّالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَلْ صِيَامُ مَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْغَايَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ تَسْهِيَةِ الْغَايَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَدَّهُ الْكَمَالُ وَأَمَّا إذَا نَكَّرَ السَّنَةَ وَذَكَرَ التَّتَابُعَ فَهِيَ كَالْمُعَرَّفَةِ فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ لَا يُجْزِئُهُ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيَقْضِي خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُنَكَّرَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ اسْمٌ لِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ قَدْرِ السَّنَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ الْأَيَّامُ الْمَنْهِيَّةُ، وَلَا رَمَضَانُ بَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِهَا قَدْرُ السَّنَةِ فَإِنْ أَدَّاهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَقَدْ أَدَّاهَا نَاقِصَةً فَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْكَامِلَةِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رَمَضَانَ فَيَقْضِي قَدْرَهُ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي النَّذْرِ وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ أَفْطَرَهَا) أَيْ وَجَبَ فِطْرُ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ) أَيْ مَعَ ارْتِكَابِ الْحُرْمَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ كَانَ نَذْرًا فَقَطْ) أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لَوْ أَفْطَرَ بَلْ الْقَضَاءُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَاهُمَا) كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ نَذْرًا (قَوْلُهُ أَوْ الْيَمِينُ بِلَا نَفْيِ النَّذْرِ. . . إلَخْ) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
стр. 211
الْقَضَاءُ لِلنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةُ لِلْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ وَيَمِينٌ بِمُوجِبِهِ وَهَاهُنَا إشْكَالٌ مَشْهُورٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لَا حَاجَةَ إلَى إيرَادِهِ هَاهُنَا.
(نُدِبَ تَفْرِيقُ صَوْمِ السِّتَّةِ فِي شَوَّالٍ) يَعْنِي أَنَّ صَوْمَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ بَعْدَ الْإِفْطَارِ مُتَتَابِعَةً مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَهُوَ مَالِكٌ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ، وَإِنْ فَرَّقَهَا فِي شَوَّالٍ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ
(نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مُتَتَابِعًا فَأَفْطَرَ يَوْمًا يَسْتَقْبِلُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالْوَصْفِ (لَا فِي مُعَيَّنٍ) أَيْ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَأَفْطَرَ يَوْمًا لَا يَسْتَقْبِلُ وَيَقْضِي حَتَّى لَا يَقَعَ كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ كَذَا فِي الْكَافِي
(لَا يَخْتَصُّ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَدِرْهَمٍ وَفَقِيرٍ) أَمَّا الزَّمَانُ فَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبًا أَوْ أَعْتَكِفَ رَجَبًا فَصَامَ أَوْ اعْتَكَفَ شَهْرًا قَبْلَهُ أَوْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا غَدًا فَتَصَدَّقَ بِهِ الْيَوْمَ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَمَّا الْمَكَانُ فَإِنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَعْتَكِفَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِمَكَّةَ فَفَعَلَ فِي غَيْرِهَا جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَمَّا الدِّرْهَمُ وَالْفَقِيرُ فَأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ أَوْ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ (بِخِلَافِ) النَّذْرِ (الْمُعَلَّقِ) يَعْنِي لَوْ قَالَ إنْ جَاءَ فُلَانٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ أَوْ أَصُومَ أَوْ أُصَلِّيَ أَوْ أَعْتَكِفَ فَفَعَلَ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ فِي الْحَالِ وَالدَّاخِلُ تَحْتَ النَّذْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ أَصْلُ التَّصَدُّقِ دُونَ التَّعْيِينِ فَبَطَلَ التَّعْيِينُ وَلَزِمَتْهُ الْقُرْبَةُ بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَمْنَعُ كَوْنَهُ سَبَبًا فَلَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ.
(نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ فَدَخَلَ) رَجَبٌ (وَهُوَ مَرِيضٌ لَا يَسْتَطِيعُهُ) أَيْ الصَّوْمَ (إلَّا بِضَرَرٍ أَفْطَرَ وَقَضَى كَرَمَضَانَ) أَيْ بِوَصْلٍ أَوْ بِفَصْلٍ.
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
[أَقَلّ الِاعْتِكَاف]
(بَابُ الِاعْتِكَافِ)
(هُوَ) لُغَةً اللُّبْثُ وَالدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ وَشَرْعًا (لُبْثُ رَجُلٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا بِنِيَّتِهِ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَنْذُورِ وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشَرَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يَكُونُ يَمِينًا وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْبُرْهَانِ وَالتَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. . . إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّنَةِ الْمُنَكَّرَةِ الْمَشْرُوطِ تَتَابُعُهَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ بُطْلَانِ تَتَابُعِهَا بِإِفْطَارِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ وَبُطْلَانُ تَتَابُعِ الشَّهْرِ الْمُنَكَّرِ بِإِفْطَارِهَا لِإِمْكَانِ صَوْمِ شَهْرٍ خَالٍ عَنْ أَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ بِخِلَافِ السَّنَةِ
(بَابُ الِاعْتِكَافِ)
(قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً: اللُّبْثُ وَالدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ) أَقُولُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَكَفَ مُتَعَدٍّ فَمَصْدَرُهُ الْعَكْفُ وَلَازِمٌ وَمَصْدَرُهُ الْعُكُوفُ فَالْمُتَعَدِّي بِمَعْنَى الْحَبْسِ وَالْمَنْعِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] وَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ وَمَنْعُهُ، وَاللَّازِمُ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ بِطَرِيقِ الْمُوَاظَبَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا لُبْثُ رَجُلٍ. . . إلَخْ) اللُّبْثُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الرَّجُلَ بِالْمَسْجِدِ وَالْمَرْأَةَ بِالْبَيْتِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اعْتَكَفَتْ فِي الْمَسْجِدِ صَحَّ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْفَتْحِ وَمَسْجِدُ الْبَيْتِ الْمَحَلُّ الَّذِي أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) أَيْ هُوَ شَرْطٌ لِاعْتِكَافِ الرِّجَالِ، وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِجَمَاعَةٍ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ بِجَمَاعَةٍ كَمَسَاجِدِ الْأَسْوَاقِ وَجْهُ الْمُخْتَارَةِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِمَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَقَالَا يَجُوزُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ صَحَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ صِحَّةَ الِاعْتِكَافِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَقِيلَ أَرَادَ الْإِمَامُ بِاشْتِرَاطِ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ غَيْرَ الْجَامِعِ أَمَّا فِي الْجَامِعِ فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ الْخَمْسُ كُلُّهَا بِجَمَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَالنَّفَلُ يَجُوزُ ثُمَّ أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ثُمَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ الْجَامِعِ ثُمَّ كُلِّ مَكَان أَيْ مَسْجِدٍ أَهْلُهُ أَكْثَرُ وَأَوْفَرُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْجَامِعُ قِيلَ: إنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ يُصَلَّى فِيهِ الْخَمْسُ بِجَمَاعَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي مَسْجِدِهِ كَيْ لَا يَحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَنْذُورِ) أَقُولُ وَالنَّذْرُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ، وَلَوْ نَذَرَ بِقَلْبِهِ لَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ عَمَلُ اللِّسَانِ وَالنِّيَّةُ الْمَشْرُوعَةُ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ عَلَى شَأْنٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ) أَيْ سُنَّةُ كِفَايَةٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ مَلَامَةِ بَعْضِ أَهْلِ بَلَدٍ إذَا أَتَى بِهِ بَعْضٌ مِنْهُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَأَمَّا اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَهُ فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَاعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأُخَرَ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ
стр. 212
الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ وَمُسْتَحَبٌّ فِيمَا سِوَاهُ) أَيْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ (وَالصَّوْمُ شَرْطُ الصِّحَّةِ الْأَوَّلُ) يَعْنِي الْوَاجِبَ (لَا لِلثَّالِثِ) يَعْنِي الْمُسْتَحَبُّ (فَأَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ الِاعْتِكَافِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَمُخْتَارُهُمَا (سَاعَةٌ) وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَنَوَى الِاعْتِكَافَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ (وَقِيلَ) الصَّوْمُ (شَرْطٌ فِيهِ أَيْضًا) ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (فَأَقَلُّهُ يَوْمٌ فَمَنْ قَطَعَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْيَوْمِ (يَقْضِي) ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ قَصْدًا وَأَبْطَلَهُ (لَا يَخْرُجُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (أَوْ جُمُعَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ حَاجَاتِهِ فَيُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهَا ضَرُورَةً (وَقْتَ الزَّوَالِ) إنْ كَانَ مُعْتَكَفُهُ قَرِيبًا مِنْ الْجَامِعِ بِحَيْثُ لَوْ انْتَظَرَ زَوَالَ الشَّمْسِ لَا تَفُوتُهُ الْخُطْبَةُ (وَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ فَوَقْتَ يُدْرِكُهَا) أَيْ الْجُمُعَةَ يَعْنِي لَا يَنْتَظِرُ زَوَالَ الشَّمْسِ بَلْ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ إلَى الْجَامِعِ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ سُنَّةً (وَ) بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا (يُصَلِّي السُّنَنَ عَلَى الْخِلَافِ) أَيْ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَسِتًّا عِنْدَهُمَا وَلَا يَمْكُثُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا (وَلَا يَفْسُدُ بِمُكْثِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ) وَلَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
«الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ» ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ فَلَا يُدْرَى أَيَّةُ لَيْلَةٍ هِيَ وَقَدْ تَقَدَّمُ، وَقَدْ تَتَأَخَّرُ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَقَدَّمُ، وَلَا تَتَأَخَّرُ هَذَا النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالشُّرُوحِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهَا تَدُورُ فِي السَّنَةِ تَكُونُ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ رِوَايَةً وَثَمَرَةَ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ عَتَقَ وَطَلُقَتْ إذَا انْسَلَخَ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنْهُ فَصَاعِدًا لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ الْعَامَ الْقَابِلَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا إذَا جَاءَ مِثْلُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ رَمَضَانَ الْآتِي، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إغْفَالُهَا مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ لِشُهْرَتِهَا فَأَوْرَدْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ تَتْمِيمًا لِأَمْرِ الْكِتَابِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ قِيلَ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ سَبْعَةَ عَشَرَ وَقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا أَنَّهَا بَلْجَةٌ سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ، وَلَا قَارَّةٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بِلَا شُعَاعٍ كَأَنَّهَا طَسْتٌ كَذَا قَالُوا، وَإِنَّمَا أُخْفِيَتْ لِيُجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ فِيمَا سِوَاهُ) أَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَقْسِيمِهِ الِاعْتِكَافَ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ هُوَ الْحَقُّ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَبِعَهُ الْكَمَالُ وَابْنُ الْمَلِكِ لَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْقُدُورِيُّ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّ فِيهِ تَفْرِيغَ الْقَلْبِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَتَسْلِيمَ النَّفْسِ إلَى الْمَوْلَى وَمُلَازَمَةَ عِبَادَتِهِ وَبَيْتِهِ وَالتَّحَصُّنَ بِحِصْنِهِ قَالَ عَطَاءٌ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ: مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ مَثَلُ رَجُلٍ يَخْتَلِفُ عَلَى بَابِ عَظِيمٍ لِحَاجَةٍ فَالْمُعْتَكِفُ يَقُولُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى يُغْفَرَ لِي فَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ إذَا كَانَ عَنْ إخْلَاصٍ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ وَالصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْأَوَّلِ) أَقُولُ وَذَلِكَ رِوَايَةً وَاحِدَةً كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْمُرَادُ بِالصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلِاعْتِكَافِ مِنْ ابْتِدَائِهِ فَإِذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ هَذَا الْيَوْمِ لَا اعْتِكَافَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالصَّوْمِ وَإِذَا وَجَبَ الِاعْتِكَافُ وَجَبَ الصَّوْمُ وَالصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ انْعَقَدَ تَطَوُّعًا فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ وَاجِبًا، وَهَذَا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ نَذَرَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَظَاهِرُ صَنِيعِ ابْنِ وَهْبَانَ رُجْحَانُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالظَّاهِرُ رُجْحَانُ قَوْلِ الْإِمَامِ وَالْوَجْهُ لَهُ اهـ. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ النِّيَّةُ وَالْمَسْجِدُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَخْتَصَّانِ بِالْوَاجِبِ وَأَمَّا الْمُكْثُ فَهُوَ الرُّكْنُ وَالطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَا لِلصِّحَّةِ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَيَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) وَالِاغْتِسَالِ لِلْجَنَابَةِ إذَا احْتَلَمَ كَمَا فِي النَّهْرِ فَإِنْ كَانَ لَهُ بَيْتَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْبَعِيدِ فَإِنْ مَضَى بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ بَيْتُ صَدِيقٍ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ سُنَّةً) اقْتِصَارُهُ عَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَاهُ إلَى الْكَافِي وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَفُوتُهُ أَيْ الْخُطْبَةُ لَمْ يَنْتَظِرْ زَوَالَ الشَّمْسِ وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ الْجَامِعَ فَيُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْأَذَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ سِتُّ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَأَرْبَعٌ سُنَّةٌ اهـ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنْهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ إدْرَاكُهَا أَيْ الْخُطْبَةُ وَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِتًّا الْأَرْبَعُ سُنَّةٌ وَرَكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ وَالرَّكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ
стр. 213
الْمُفْسِدَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا الْمُكْثُ فِيهِ لَكِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتِمَّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (سَاعَةً بِلَا عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ يُنَافِي اللُّبْثَ وَمَا يُنَافِي الشَّيْءَ يَسْتَوِي فِيهِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَدَثِ لِلطَّهَارَةِ وَقَالَ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ
(وَخُصَّ بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ فِيهِ) يَعْنِي يَفْعَلُ الْمُعْتَكِفُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ.
(وَ) لَكِنَّ (كُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ فِيهِ) إذْ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ (وَالصَّمْتُ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ فَقَالَ: أَنْ تَصُومَ، وَلَا تُكَلِّمَ أَحَدًا قَالَ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ هَذَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّمْتَ قُرْبَةٌ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ (وَالتَّكَلُّمُ إلَّا بِخَيْرٍ) فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ غَيْرُ الْمُعْتَكِفِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا بِخَيْرٍ فَمَا ظَنُّكَ بِالْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَيُبْطِلُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافَ (الْوَطْءُ فِي فَرْجٍ) فِي الْمَسْجِدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إذَا شَرَعَ فِي الْفَرِيضَةِ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهَا فِي تَحْقِيقِهَا، وَكَذَا السُّنَّةُ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ إمَّا ضَعِيفَةٌ أَوْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ كَوْنِ الْوَقْتِ مِمَّا يَسَعُ فِيهِ السُّنَّةَ وَأَدَاءُ الْفَرْضِ بَعْدَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ كَمَا يُعْرَفُ تَخْمِينًا لَا قَطْعًا فَقَدْ يَدْخُلُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ ظَنِّهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسُّنَّةِ فَيَبْدَأُ بِالتَّحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَصْدُقُ الْحِرْزُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتِمَّهَا) تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ.
وَفِي الْكَافِي بِتَذْكِيرِهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلِاعْتِكَافِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْإِتْمَامُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ وَنَصَّ فِي الْمُبْتَغَى وَالْمُحِيطِ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. . . إلَخْ) شَامِلٌ لِمَسْجِدِ الْبَيْتِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ إلَى نَفْسِ بَيْتِهَا فَسَدَ، وَهَذَا فِي النَّذْرِ أَمَّا النَّفَلُ فَيَنْتَهِي بِالْخُرُوجِ (قَوْلُهُ سَاعَةً) أَيْ، وَلَوْ نَاسِيًا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعُذْرِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ نَحْوِ الْجُمُعَةِ وَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَقِيَ أَعْذَارٌ أُخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَحْبَبْت ذِكْرَهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ مَا إذَا خَرَجَ لِانْهِدَامِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ كَرْهًا فَدَخَلَ آخَرَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ اسْتِحْسَانًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْمُبْتَغَى وَالْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَوْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ أَوْ تَفَرَّقَ أَهْلُهُ لِعَدَمِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ أَخْرَجَهُ ظَالِمٌ كَرْهًا أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ الْمُكَايِرِينَ فَخَرَجَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ اهـ.
وَنَقَلَ الْكَمَالُ خِلَافَهُ حَتَّى فِي الْخُرُوجِ لِلْجِنَازَةِ إنْ تَعَيَّنَتْ، وَكَذَا لِإِنْقَاذِ حَرِيقٍ أَوْ غَرِيقٍ أَوْ جِهَادٍ عُمِّمَ نَفِيرُهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ، وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُ أَيْ فِي الْوَاجِبِ وَبِالْأَوْلَى فِي غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ وَفِي شَرْحِ الصَّوْمِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ الْمُعْتَكِفُ يَخْرُجُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَتَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ شَاهِدٌ آخَرُ فَيَتَوَلَّى حَقَّهُ اهـ.
أَقُولُ وَبِمِثْلِهِ صَرَّحَ فِي الْجَوْهَرَةِ فَحَكَمَ بِعَدَمِ الْفَسَادِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ وَعَلَى هَذَا الْجِنَازَةُ إذَا تَعَيَّنَتْ (قَوْلُهُ وَقَالَا لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ) أَقُولُ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ أَوْسَعُ وَقَوْلُهُ أَيْ الْإِمَامِ أَقْيَسُ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُ الْإِمَامِ الْقِيَاسُ وَقَوْلُهُمَا الِاسْتِحْسَانُ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَعْدُودَةِ الَّتِي رُجِّحَ فِيهَا الْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ ثُمَّ قَالَ وَأَنَا لَا أَشُكُّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى السُّوقِ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ أَوْ الْقِمَارِ مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَنَّهُ يَفْسُدُ، وَلَا يَتِمُّ مَبْنَى هَذَا الِاسْتِحْسَانُ وَذَكَرَ وَجْهَهُ (قَوْلُهُ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ هَذَا فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا يُفْسِدُهُ الْخُرُوجُ، وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ يَعْنِي فَيَنْتَهِي بِالْخُرُوجِ
(قَوْلُهُ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ) ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ مَتْجَرًا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ لَا بَأْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ أَرَادَ بِهِ الطَّعَامَ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَهُ مَتْجَرًا فَيُكْرَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَكُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ» أَقُولُ وَقَالُوا: إنَّ صَوْمَ الصَّمْتِ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ لَعَنَهُمْ اللَّهُ (قَوْلُهُ هَذَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّمْتَ قُرْبَةً. . . إلَخْ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الصَّمْتِ لَمْ يَبْقَ قُرْبَةً فِي شَرِيعَتِنَا لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ كَذَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ وَالتَّكَلُّمُ إلَّا بِخَيْرٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا مَا لَا إثْمَ فِيهِ فَشَمِلَ الْمُبَاحَ وَبِغَيْرِ الْخَيْرِ مَا فِيهِ إثْمٌ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي يَتَحَدَّثُ أَيْ الْمُعْتَكِفُ بِمَا بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْثَمًا؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ فِي اعْتِكَافِهِ اهـ. .
وَفِي النَّهْرِ
стр. 214
أَوْ خَارِجَهُ (وَلَوْ لَيْلًا) ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ (أَوْ نَاسِيًا) ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْعَاكِفِينَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ.
(وَ) يَبْطُلُ بِالْوَطْءِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْفَرْجِ (إنْ أَنْزَلَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ حَتَّى يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ كَمَا لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ (كَذَا الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ) يَعْنِي أَنَّهُ إنْ أَنْزَلَ بِهِمَا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُمَا أَيْضًا فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ حَرُمَ الْكُلُّ) لِلْمُعْتَكِفِ يَعْنِي الْوَطْءَ وَالْقُبْلَةَ وَاللَّمْسَ بِلَا إنْزَالٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ.
(نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ بِلَيَالِيِهَا) ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ اللَّيَالِيَ يُقَالُ مَا رَأَيْتُك مُنْذُ أَيَّامٍ، وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا (وِلَاءً) أَيْ مُتَتَابِعَةً (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) التَّتَابُعَ.
(وَفِي) نَذْرِ اعْتِكَافِ (يَوْمَيْنِ) لَزِمَهُ (بِلَيْلَتَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ فَيُلْحَقُ بِهِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ (وَصَحَّ) فِي الصُّورَتَيْنِ (نِيَّةُ النَّهَارِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَقِيقَةَ.
(نَذَرَ اعْتِكَافَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ) أَيْ رَمَضَانَ (بِدُونِهِ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (وَجَبَ قَضَاؤُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (بِصَوْمٍ قَصْدِيٍّ) حَتَّى لَوْ تَرَكَهُمَا مَعًا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالِاعْتِكَافِ فِي قَضَاءِ هَذَا الصَّوْمِ لِبَقَاءِ الِاتِّصَالِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ حُكْمًا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ لِعَوْدِ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» إلَى الْكَمَالِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَجِبَ مُسْتَقِلًّا مَقْصُودًا بِالنَّذْرِ الْمُوجِبِ لِلِاعْتِكَافِ.
(كِتَابُ الْحَجِّ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِمَا لَا إثْمَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ لَا عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ قُبَيْلَ الْوِتْرِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ اهـ. قُلْت: وَإِلَيْهِ يُشِيرُ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلْعِبَادِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا جَلَسَ ابْتِدَاءً لِلْحَدِيثِ
[مُبْطِلَات الِاعْتِكَاف]
(قَوْلُهُ أَوْ نَاسِيًا) هُوَ الْأَصَحُّ وَيُفْسِدُهُ الشَّافِعِيُّ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا؛ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَصْحَابِنَا اعْتِبَارًا لَهُ بِالصَّوْمِ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَ نَهَارًا نَاسِيًا فَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ لِبَقَاءِ الصَّوْمِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ مَانِعٌ عَنْهُ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ لَا لِأَجْلِ الصَّوْمِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْجِمَاعِ وَالْخُرُوجِ وَمَا كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ وَهُوَ مَا مُنِعَ عَنْهُ لِأَجْلِ الصَّوْمِ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ كَذَا الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ إنْ أَنْزَلَ بِهِمَا) أَقُولُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْزَلَ بِإِدَامَةِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ خِلَافًا لِمَالِكٍ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ، وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِالسِّبَابِ وَالْجِدَالِ وَالسُّكْرِ لَيْلًا وَيُفْسِدُهُ الرِّدَّةُ وَالْإِغْمَاءُ إذَا دَامَ أَيَّامًا، وَكَذَا الْجُنُونُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَرُمَ الْكُلُّ) أَقُولُ، وَكَذَا يَحْرُمُ دَوَاعِي الْوَطْءِ مِنْ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ قُلْت فَلِمَ لَمْ تَحْرُمْ الدَّوَاعِي فِي الصَّوْمِ وَحَالَةِ الْحَيْضِ كَمَا حَرُمَ الْوَطْءُ قُلْت؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَيْضَ يَكْثُرُ وُجُودُهُمَا فَلَوْ حَرُمَ الدَّوَاعِي فِيهِمَا لَوَقَعُوا فِي الْحَرَجِ وَذَلِكَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(قَوْلُهُ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ بِلَيَالِيِهَا) أَقُولُ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيَالٍ لَزِمَتْهُ بِأَيَّامِهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ يَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ لِقِصَّةِ زَكَرِيَّا ﵊ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَأَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ وَبِهَا قَالَ زُفَرُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَصَحَّ فِي الصُّورَتَيْنِ نِيَّةُ النَّهَارِ خَاصَّةً) قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى بِالْأَيَّامِ اللَّيَالِيَ خَاصَّةً حَيْثُ لَمْ تَعْمَلْ نِيَّتُهُ وَلَزِمَهُ اللَّيَالِي وَالنُّهُرُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ كَمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا وَنَوَى الشَّهْرَ خَاصَّةً أَوْ اللَّيَالِيَ خَاصَّةً لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُقَدَّرٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي فَلَا يَحْتَمِلُ مَا دُونَهُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ وَيَقُولَ شَهْرًا بِالنُّهُرِ أَوْ يَسْتَثْنِيَ وَيَقُولَ إلَّا اللَّيَالِيَ فَيَخْتَصُّ بِالنُّهُرِ
(قَوْلُهُ نَذَرَ اعْتِكَافَ رَمَضَانَ. . . إلَخْ) ظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا فِي رَمَضَانَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ أَطْلَقَهُ فَعَلَيْهِ فِي أَيِّ رَمَضَانَ شَاءَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَجَبَ قَضَاؤُهُ بِصَوْمٍ قَصْدِيٍّ) أَقُولُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَ عَنْهُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ بِاتِّفَاقِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(تَتِمَّةٌ) لَوْ كَانَ مَرِيضًا وَقْتَ الْإِيجَابِ وَلَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ يُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ إنْ أَوْصَى؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ أَدَائِهِ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِطْعَامِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ عَيَّنَ شَهْرًا لِلِاعْتِكَافِ فَعَجَّلَ قَبْلَهُ صَحَّ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فِي يَوْمٍ فَصَلَّاهَا قَبْلَهُ، وَكَذَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ سَنَةَ كَذَا فَحَجَّ سَنَةً قَبْلَهَا صَحَّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
[كِتَابُ الْحَجِّ]
(كِتَابُ الْحَجِّ) الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي التَّنْزِيلِ
стр. 215
أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ رَابِعُ الْعِبَادَاتِ الْجَامِعُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ (وَهُوَ) لُغَةً: الْقَصْدُ وَشَرْعًا (زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ) وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فُرِضَ مَرَّةً) ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَمَّا نَزَلَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَيُّهَا النَّاسُ حُجُّوا فَقَالُوا أَنَحُجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ لَا بَلْ مَرَّةً» وَلِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ الْبَيْتُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَلَا تَعَدُّدَ لَهُ (بِالْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْعُمُرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَقْتُ الْحَجِّ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ يُسَمَّى مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ فِيهِ جِهَةَ الْمِعْيَارِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ فَمَنْ قَالَ بِالْفَوْرِ لَا يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ يَكُونُ فِعْلُهُ قَضَاءً، وَمَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي لَا يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ لَا يَأْثَمُ أَصْلًا كَمَا إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ بَلْ جِهَةُ الْمِعْيَارِيَّةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْفَوْرِ حَتَّى أَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَكِنْ إذَا حَجَّ بِالْآخِرَةِ كَانَ أَدَاءً لَا قَضَاءً، وَجِهَةُ الظَّرْفِيَّةِ رَاجِحَةٌ عِنْدَ الْقَائِلِ بِخِلَافِهِ حَتَّى إذَا أَدَّاهُ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لَكِنْ لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ عِنْدَهُ أَيْضًا (عَلَى حُرٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فُرِضَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ رَابِعُ الْعِبَادَاتِ) أَيْ مِنْ الْفُرُوعِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَهُوَ إنْ كَانَ خَامِسًا كَمَا عُدَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ أَسْقَطُوهُ فَعُدَّ الْحَجُّ رَابِعًا (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ كَمَا ظَنَّهُ الشَّارِحُ أَيْ الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ مَفْهُومُهُ اللُّغَوِيُّ الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا الْقَصْدُ الْمُطْلَقُ اهـ.
وَعَنْ الْخَلِيلِ هُوَ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَى مَنْ يُعَظِّمُهُ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا: زِيَارَةُ مَكَان. . . إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ قَصْدُ مَكَان. . . إلَخْ لِيَتَضَمَّنَ الشَّرْعِيُّ اللُّغَوِيَّ مَعَ زِيَادَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الزِّيَارَةُ تَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ وَأَرَادَ بِالْمَكَانِ جِنْسَهُ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا هُوَ زِيَارَةُ بِقَاعٍ مَخْصُوصَةٍ اهـ فَعَمَّ الرُّكْنَيْنِ وَغَيْرَهُمَا كَمُزْدَلِفَةَ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ الْبَيْتُ) الْمُرَادُ السَّبَبُ الظَّاهِرِيُّ وَهُوَ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ وَأَمَّا سَبَبُهُ الْخَفِيُّ فَهُوَ خِطَابُ الْأَزَلِيِّ أَوْ تَرَادُفُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ مَوْلَاهُ وَلُزُومُ حَضْرَةِ بَابِهِ فَلَمَّا أَضَافَ الْبَيْتَ إلَى نَفْسِهِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَإِعْظَامًا لِقَدْرِهِ وَجَبَ عَلَى عَبِيدِهِ زِيَارَتُهُ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ فِنَائِهِ وَسَبَبُ التَّفْرِيعِ عَنْ الذِّمَّةِ الْأَمْرُ (قَوْلُهُ بِالْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ وَفِي الْعُمُرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ بِالْمَوْتِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ فَمَنْ قَالَ بِالْفَوْرِ لَا يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ يَكُونُ فِعْلُهُ قَضَاءً) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَمَنْ قَالَ بِالْفَوْرِ يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ يَكُونُ آثِمًا لِمُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ وَمَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي لَا يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ يَكُونُ آثِمًا وَأَيْضًا لَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَهُ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ فِعْلَهُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ يَكُونُ قَضَاءً كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ إنَّ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي لَا يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ زِيَادَةُ لَامِ الْأَلْفِ مِنْ لَا يَقُولُ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِثْمِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَاتَّفَقَ عَلَى زَوَالِهِ بِالْحَجِّ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً وَذَكَرَ فِي الْمُبْتَغَى أَنَّ مَنْ فَرَّطَ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَتْلَفَ مَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَحُجَّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى قَضَائِهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ قَضَائِهِ قَالُوا يُرْجَى أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ آثِمًا اهـ.
وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا قَدَرَ اهـ.
(قَوْلُهُ عَلَى حُرٍّ. . . إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْحَجِّ، وَهِيَ شَرَائِطُ أَدَاءً وَشَرَائِطُ صِحَّةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهَا فَنَقُولُ: شَرَائِطُ الْوُجُوبِ ثَمَانِيَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْوَقْتُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ، وَلَوْ بِمَكَّةَ بِنَفَقَةٍ وَسَطٍ وَالْقُدْرَةُ عَلَى رَاحِلَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ أَوْ عَلَى شِقِّ مَحْمَلٍ بِالْمِلْكِ أَوْ الْإِجَارَةِ لَا الْإِبَاحَةِ وَالْإِعَارَةِ لِغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ قَوِيًّا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ بِالْقَدَمِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِدُونِ الرَّاحِلَةِ كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ وَآلَاتِ الْمُحْتَرِفِينَ كَالْكُتُبِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْمَسْكَنِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهُ بِبَعْضِ ثَمَنِهِ وَالْحَجُّ بِالْبَاقِي لَكِنْ إنْ فَعَلَ وَحَجَّ كَانَ أَفْضَلَ، وَالثَّامِنُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْحَجِّ فَرْضًا كَذَا ذَكَرَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّ مِنْ شَرَطِ فَرْضِيَّتِهِ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ لِمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْكَوْنِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا شَرَائِطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَخَمْسَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَزَوَالُ الْمَوَانِعِ الْحِسِّيَّةِ عَنْ الذَّهَابِ لِلْحَجِّ وَأَمْنُ الطَّرِيقِ وَعَدَمُ قِيَامِ الْعِدَّةِ وَخُرُوجُ مَحْرَمٍ، وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ أَوْ رَقِيقٍ مَأْمُونٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ غَيْرِ مَجُوسِيٍّ أَوْ زَوْجٍ لِامْرَأَةٍ فِي سَفَرٍ وَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ السَّلَامَةِ فِي الطَّرِيقِ بَرًّا وَبَحْرًا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ لَمْ أَرَ فِي الزَّوْجِ شُرُوطَ الْمَحْرَمِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمَحْرَمِ الْحِفْظُ وَالصِّيَانَةُ فَكَذَا فِي الزَّوْجِ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا مَأْمُونًا اهـ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْمَحْرَمِ وَرَاحِلَتُهُ إذَا أَبَى أَنْ يَحُجَّ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَخْرُجْ
следующие страницы →