Полный текст (874 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَوْ لَا أَوْ كَانَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَوْ) كَانَ الصَّيْدُ (سَبُعًا غَيْرَ صَائِلٍ وَلَا شَيْءَ فِي الصَّائِلِ أَوْ) كَانَ الصَّيْدُ (مُسْتَأْنَسًا أَوْ حَمَامًا مُسَرْوَلًا) وَهُوَ الَّذِي فِي رِجْلَيْهِ رِيشٌ كَالسَّرَاوِيلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ إنَّهُ أَلُوفٌ مُسْتَأْنَسٌ فَصَارَ كَالْبَطِّ قُلْنَا هُوَ صَيْدٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا لَا يَطِيرُ لِثِقَلِهِ (أَوْ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَى أَكْلِهِ) بِالْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ جَزَاؤُهُ (مَا قَوَّمَهُ عَدْلَانِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ) فِي (أَقْرَبِ مَكَان مِنْهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْآخِذِ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ أَوْ قَوْسًا أَوْ نَشَّابًا يَرْمِيهِ بِهِ وَمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَعِيرُ يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي السِّيَرِ بِأَنَّهُ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ الْجَزَاءُ، وَكَذَا إذَا دَلَّ عَلَى قَوْسٍ وَنَشَّابٍ مَنْ رَآهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ لِبُعْدِهِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُعِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ قُلْت وَلَعَلَّ وَجْهَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ أَعَارَهُ سِكِّينًا لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلَى قَتْلِهِ بِدُونِ سِكِّينٍ بِأَنْ يَخْنُقَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ سَبُعًا غَيْرَ صَائِلٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ أَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْفَوَاسِقِ السَّابِقَةِ وَالْحَشَرَاتِ سَوَاءٌ كَانَ سَبُعًا أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَ خِنْزِيرًا أَوْ قِرْدًا أَوْ فِيلًا وَالسَّبُعُ اسْمٌ لِكُلِّ مُخْتَطِفٍ مُنْتَهِبٍ جَارِحٍ قَاتِلٍ عَادٍ عَادَةً اهـ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَفِي شَرْحِهِ الْأَسَدُ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ مُتَوَحِّشٌ فَيُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ قَتْلِهِ كَالضَّبُعِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْأَسَدُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالذِّئْبِ اهـ لَفْظُ الْجَوْهَرَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي الْفَتَاوَى صَاحِبُ الْبَدَائِعِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْكَمَالُ فَقَالَ الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالْفَهْدُ يَحِلُّ قَتْلُهُ وَلَا شَيْءَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَصُلْ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، بَلْ ذَكَرَهُ حُكْمًا مَسْكُوتًا فِيهِ قَالَ الْكَمَالُ، ثُمَّ رَأَيْنَاهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَسَدُ بِمَنْزِلَةِ الذِّئْبِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ السِّبَاعُ كُلُّهَا صَيْدٌ إلَّا الْكَلْبَ وَالذِّئْبَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ فِي الصَّائِلِ) أَيْ سَبُعًا كَانَ أَوْ صَيْدًا غَيْرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَوْهَرَةِ وَالصَّوْلُ الْحَمْلُ أَيْ الْوَثْبُ لِإِيصَالِ الْأَذَى وَأَطْلَقَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ بِالصَّائِلِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَقَتَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَمَامًا مُسَرْوَلًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَمَامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ فِيهِ خِلَافَ مَالِكٍ وَلْيُفْهَمْ غَيْرُهُ بِالْأَوْلَى اهـ.
وَالْحَمَامَةُ الْمُصَوِّيَةُ فِي كَوْنِهَا صَيْدًا رِوَايَتَانِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَقَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَالْبَطِّ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي فَصَارَ كَالدَّجَاجِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ فِي الْحُكْمِ لِمَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ بِخِلَافِ الْبَطِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحِيَاضِ وَالْبُيُوتِ فَإِنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَطُّ الْكَسْكَرِيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إوَزُّ (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَى أَكْلِهِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا هُوَ، وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا، وَقَدْ اُضْطُرَّ فَالْمَيْتَةُ أَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ يَذْبَحُ الصَّيْدَ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَتَنَاوَلُ الصَّيْدَ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتَةِ أَغْلَظُ لِارْتِفَاعِ حُرْمَةِ الصَّيْدِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ فَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِهِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَيِّتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ أَخَفَّ الْحُرْمَتَيْنِ دُونَ أَغْلَظِهِمَا وَالصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَرْتَفِعُ الْحَظْرُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيِّ صَاحِبُ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ فِي نَظْمٍ لَهُ إنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ اهـ، وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ مَال الْغَيْرِ فَالصَّيْدُ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَعَنْ ابْن سِمَاعَةَ الْغَصْبُ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ وَخَيَّرَهُ الْكَرْخِيُّ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْ جَزَاؤُهُ مَا قَوَّمَهُ عَدْلَانِ) قَيْدُ الْمُثَنَّى لَيْسَ لَازِمًا لِمَا نَصَّ فِي الْهِدَايَةِ بِلَفْظِ قَالُوا الْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ مِنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى هُنَا بِالنَّصِّ اهـ، وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ وَالْعِنَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَيَّدَ أَيْ صَاحِبُ الْكَنْزِ بِالْعَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي لِظَاهِرِ النَّصِّ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ، ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ عَقِبَهُ وَقَلَّدَهُ أَخُوهُ صَاحِبُ النَّهْرِ فِي أَنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ صَحَّحَ لُزُومَ الْمُثَنَّى وَأَنْتَ تَرَى أَنْ لَا تَصْحِيحَ فِيهَا وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمَا اقْتِفَاءُ أَثَرِ الْكَمَالِ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْهِدَايَةِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى أَيْ فِي الْحُكْمِ الْمُقَوَّمِ وَاَلَّذِي لَمْ يُوجِبُوهُ أَيْ الْمُثَنَّى حَمَلُوا الْعَدَدَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زِيَادَةُ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ وَقَصْدُ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ لَا يُنَافِيهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَتَهُ وَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلْقَةِ لَا بِمَا زَادَهُ التَّعْلِيمُ فَلَوْ كَانَ بَازِيًا صَيُودًا أَوْ حَمَامًا يَجِيءُ مِنْ بَعِيدٍ قُوِّمَ لَا بِاعْتِبَارِ الصُّيُودِيَّةِ وَالْمَجِيءِ مِنْ بَعِيدٍ فَإِذَا كَانَ مَمْلُوكًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا يَزِيدُهُ التَّعْلِيمُ وَقِيمَتُهُ لِلْجِنَايَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ حَتَّى إذَا قَتَلَ بَازِيَ نَفْسِهِ الْمُعَلَّمَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ، وَإِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِأَمْرِ خِلْقِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ طَيْرًا يُصَوِّتُ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي شَيْءٍ وَفِي أُخْرَى يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالْحَمَامِ إذَا كَانَ مُطَوَّقًا (قَوْلُهُ: فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبَ مَكَان مِنْهُ) أَقُولُ كَلِمَةُ أَوْ لِلتَّوْزِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ يَعْنِي أَنَّهُ يَقُومُ فِي مَكَانِ قَتْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ لَهُ قِيمَةٌ فِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ زَمَانِ الْقَتْلِ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ
стр. 247
وَ) الْجَزَاءُ (فِي السَّبُعِ لَا يَزِيدُ عَلَى شَاةٍ) وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا (ثُمَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُحْرِمِ (أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيًا وَيَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ أَوْ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ لَا أَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وَإِنْ فَضَلَ عَنْ طَعَامِ مِسْكِينٍ) طَعَامُ الْمِسْكِينِ نِصْفُ صَاعٍ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ (تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ بِمَا فَضَلَ (أَوْ صَامَ يَوْمًا بَدَلَهُ وَيَجِبُ مَا نَقَصَ بِجَرْحِهِ وَنَتْفِ شَعْرِهِ وَقَطْعِ عُضْوِهِ) أَيْ وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (وَتَجِبُ الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةِ الصَّيْدِ كَامِلَةً (بِنَتْفِ رِيشِهِ وَقَطْعِ قَوَائِمِهِ) حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَيَضْمَنُ جَزَاءَهُ (وَكَسْرِ بَيْضِهِ) أَيْ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْقِيمَةِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَالْجَزَاءُ فِي السَّبُعِ لَا يَزِيدُ عَلَى شَاةٍ) هَذَا بِاعْتِبَارِ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى لِمَا قَالَ قَاضِي خَانْ الصَّيْدُ الْمَمْلُوكُ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنٌ يَعْنِي عَلَيْهِ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِمَالِكِهِ مُطْلَقًا وَقِيمَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا تُجَاوِزُ قِيمَةَ شَاةٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ لَهُ أَيْ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ. . . إلَخْ) إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِلْقَاتِلِ لَا لِمَنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ الْخِيَارُ إلَى الْحُكْمَيْنِ وَفِي مَالِهِ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ لَا خِيَارَ فِيهِ لِلْحُكْمَيْنِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِثْلُ الْمَقْتُولِ، فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ وَحِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَهَكَذَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَيَذْبَحُهُ بِمَكَّةَ) أَيْ بِالْحَرَمِ، وَإِذَا ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ لِوُجُودِ الْقُرْبَةِ بِالْإِرَاقَةِ فِي مَكَانِهَا، وَلَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعِ بُرٍّ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ فَبِهَا وَإِلَّا فَيُكْمِلُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيَجُوزُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْلِمُ أَحَبُّ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ الْجَزَاءِ غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ) وَالْإِبَاحَةُ تَكْفِي فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِطْعَامِ كَالتَّمْلِيكِ صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَا يَكْفِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَيَجُوزُ دَفْعُ قِيمَةِ نِصْفِ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ قِيَاسًا عَلَى الْفِطْرِ (قَوْلُهُ: لَا أَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ لَا يَجْزِيهِ لَوْ دَفَعَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا، وَكَذَا مَا أَعْطَاهُ زَائِدًا عَنْ نِصْفِ صَاعٍ لِفَقِيرٍ وَاحِدٍ وَيَقَعُ الزَّائِدُ تَطَوُّعًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنٌ بَعْدَ نَقْلِ مِثْلِهِ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ نِصْفَ الصَّاعِ عَلَى مَسَاكِينَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ الْكَرْخِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا خُصُوصًا وَالنَّصُّ هُنَا مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَضَلَ عَنْ طَعَامِ مِسْكِينٍ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلطَّعَامِ وَهُوَ فَاعِلُ فَضَلَ أَيْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ (قَوْلُهُ: نِصْفِ صَاعٍ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ طَعَامِ مِسْكِينٍ (قَوْلُهُ: أَوْ صَامَ يَوْمًا بَدَلَهُ) كَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الْجَزَاءُ لَا يَبْلُغُ نِصْفَ صَاعٍ تَخَيَّرَ إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا بَدَلَهُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَغَيْرِهَا وَيَجُوزُ الْجَمْعُ هُنَا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَصْلٌ كَالْإِطْعَامِ فِي الْجَزَاءِ، وَأَمَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَالصَّوْمُ بَدَلٌ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ لِلتَّنَافِي كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ مَا نَقَصَ بِجَرْحِهِ وَنَتْفِ شَعْرِهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا إذَا بَرِئَ وَبَقِيَ أَثَرُهُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ لَا يَضْمَنُ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ لِلْأَلَمِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَعَ سِنَّهُ أَوْ ضَرَبَ عَيْنَهُ فَابْيَضَّتْ فَنَبَتَ لَهُ سِنٌّ أَوْ زَالَ الْبَيَاضُ، وَذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ جَرْحِ الْآدَمِيِّ إذَا انْدَمَلَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِزَوَالِ الشَّيْنِ اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الظَّاهِرُ إطْلَاقُ لُزُومِ أَرْشِ النَّقْصِ. اهـ.
قُلْت يَعْنِي الظَّاهِرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِذَا قَالَ أَخُوهُ الشَّيْخُ عُمَرُ صَاحِبُ النَّهْرِ إنَّ كَلَامَ الْبَدَائِعِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْإِطْلَاقِ اهـ، وَلَوْ غَابَ لَمْ يَدْرِ مَاتَ أَوْ لَا لَزِمَ كُلُّ الْقِيمَةِ اسْتِحْسَانًا (قَوْلُهُ: وَقَطْعِ عُضْوِهِ) أَيْ يَجِبُ مَا نَقَصَ بِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ كُلُّ قِيمَتِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْإِصْلَاحَ فَإِنْ قَصَدَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا إذَا خَلَّصَ حَمَامَةً مِنْ سِنَّوْرٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ أَوْ خَيْطًا مِنْ رِجْلِهِ فَقُطِعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي كُلِّ فِعْلٍ قَصَدَ بِهِ الْإِصْلَاحَ كَمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الدِّرَايَةِ وَإِنْ جَرَحَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَجَبَ قِيمَتُهُ وَسَقَطَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ وَإِنْ كَفَّرَ أَوَّلًا كَفَّرَ ثَانِيًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ الْقِيمَةُ بِنَتْفِ رِيشِهِ) أَيْ إذَا كَانَ يَمْتَنِعُ بِهِ الطَّيَرَانُ فَلَوْ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ بِهِ كَالنَّعَامَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ النَّقْصَ بِنَتْفِ رِيشِهَا؛ لِأَنَّهَا تَمْتَنِعُ بِجَرْيِهَا مَعَ مُسَاعَدَةِ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا (قَوْلُهُ: وَقَطْعِ قَوَائِمِهِ) يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ كُلِّ الْقَوَائِمِ، بَلْ إذَا قَطَعَ بَعْضَهَا وَفَاتَ بِهِ الِامْتِنَاعُ وَجَبَ الْجَزَاءُ فَلْيُنْظَرْ اهـ، وَإِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ قَالَ فِي الْوَجِيزِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ) الْحَيِّزُ يُشَدَّدُ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ الْجِهَةُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: وَكَسْرِ بَيْضِهِ) كَذَا بِشَيِّهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا لَوْ أَلْقَاهُ
стр. 248
الْبَيْضِ بِكَسْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ وَلَهُ عَرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ احْتِيَاطًا مَا لَمْ يَفْسُدْ فَإِنْ فَسَدَ بِأَنْ صَارَ مَذِرَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَكَسْرِهِ وَخُرُوجِ فَرْخٍ مَيِّتٍ) يَعْنِي إذَا خَرَجَ بَعْدَ كَسْرِ الْبَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ يَجِبُ قِيمَةُ الْفَرْخِ حَيًّا، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَمَاتَ بِالْكَسْرِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْكَسْرِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْفَرْخِ حَيًّا؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا وَسَيَجِيءُ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْحَلَالِ (وَحَلْبِهِ) أَيْ يَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَبَ صَيْدَ الْحَرَمِ قِيمَةُ لَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ كُلَّهُ
(وَقَطْعِ حَشِيشِهِ وَشَجَرِهِ النَّابِتِ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِمَّا يُنْبَتُ) أَيْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الشَّجَرُ (مَمْلُوكًا) إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ غَيْرُ مَمْلُوكٍ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ شُرَّاحَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرَهُمْ قَالُوا إنَّ حَشِيشَ الْحَرَمِ وَشَجَرَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ شَجَرٌ أَنْبَتَهُ النَّاسُ وَشَجَرٌ نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ أَوْ لَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ فِي الثَّانِي مِنْهُ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ وَيَسْتَوِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ بِأَنْ نَبَتَ فِي مِلْكِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى قَالُوا فِي رَجُلٍ نَبَتَ فِي مِلْكِهِ أُمُّ غِيلَانٍ فَقَطَعَهَا إنْسَانٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي مَاءٍ أَوْ دَفَنَهُ فِي تُرَابٍ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ لِمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ لَوْ نَفَّرَ طَيْرًا عَنْ بَيْضِهِ حَتَّى فَسَدَ أَوْ وَضَعَ بَيْضَ الصَّيْدِ تَحْتَ الدَّجَاجِ فَفَسَدَ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَطَارَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ.
وَهَلْ قَوْلُهُ: وَطَارَ قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ أَوْ اتِّفَاقِيٌّ فَلْيُنْظَرْ (تَنْبِيهٌ) إذَا شَوَى الْبَيْضَ أَوْ الْجَرَادَ وَضَمِنَهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ بِأَكْلِهِ سَوَاءٌ أَكَلَهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الذَّكَاةِ فَلَا يَصِيرُ مَيْتَةً وَلِهَذَا يُبَاحُ أَكْلُ الْبَيْضِ قَبْلَ شَيِّهِ كَذَا فِي الْبَحْرِ. اهـ.
قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ مِنْ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَسَدَ بِأَنْ صَارَ مَذِرَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ) شَامِلٌ لِبَيْضِ النَّعَامَةِ فَإِذَا فَسَدَ لَا شَيْءَ بِكَسْرِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ فَانْتَفَى بِهَذَا مَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إذَا كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ مَذِرَةٍ وَجَبَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ لِقِشْرِهَا قِيمَةٌ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نَعَامَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْإِحْرَامِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْقِشْرِ، بَلْ لِلصَّيْدِ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْمِذَرَّةِ عَرْضِيَّةُ الصَّيْدِيَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَسْرِهِ وَخُرُوجِ فَرْخٍ مَيِّتٍ) لَا يَخْفَى مَا فِي إطْلَاقِ الْمَتْنِ مِنْ الْمُسَاهَلَةِ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ بِخُرُوجِ الْفَرْخِ مَيِّتًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي تَقْسِيمِ الْمَسْأَلَةِ شَرْحًا مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ (قَوْلُهُ: وَذَبَحَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ) أَقُولُ إنَّمَا خَصَّ لُزُومَ الْجَزَاءِ بِالْقَتْلِ لِيُخْرِجَ إشَارَةَ غَيْرِ الْمُحْرِمِ إلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَقَالَ زُفَرُ عَلَى الدَّالِّ أَيْضًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ لِرُجُوعِهِ إلَى الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ وَعَبَّرْنَا بِالْمَقْتُولِ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَبْحَ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَكُونُ مَيْتَةً كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْكَمَالُ فِي قَوْلِهِ لَوْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ صَيْدِ ذَبَحَهُ غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مَعَ ضَمَانِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَكَذَا فِي الْبُرْهَانِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ
(قَوْلُهُ: وَشَجَرِهِ النَّابِتِ بِنَفْسِهِ) أَقُولُ وَالشَّجَرَةُ الَّتِي بَعْضُ أَصْلِهَا فِي الْحَرَمِ فَهِيَ كَاَلَّتِي جَمِيعُ أَصْلِهَا فِي الْحَرَمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَتُعْتَبَرُ أَغْصَانُهَا فِي حَقِّ صَيْدٍ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى غُصْنٍ مِنْهَا فِي الْحِلِّ حَلَّ صَيْدُهُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَحَلِّ قِيَامِ الصَّيْدِ فَلَوْ كَانَ رَأْسُهُ فِي الْحِلِّ وَقَوَائِمُهُ فِي الْحَرَمِ فَضَرَبَ فِي رَأْسِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ بِعَكْسِهِ لَا كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَيَّدَ بِقَطْعِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ وَرَقِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَمْلُوكًا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ غَيْرُ مُفِيدٍ أَقُولُ مَنْعُ الْفَائِدَةِ مَمْنُوعٌ لِمَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ إنْ قَيَّدَ غَيْرَ الْمَمْلُوكَةِ لِإِفَادَةِ عَدَمِ تَعَدُّدِ الْقِيمَةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ بِسَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَرَمِ اهـ، ثُمَّ أَقُولُ فِي كُلٍّ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ ظَاهِرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مَتْنًا حُكْمُ الْمَمْلُوكَةِ هَلْ يَكُونُ الضَّمَانُ مُتَعَدِّدًا أَوْ لَا وَلَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الدُّرَرِ مَتْنًا إلَّا لُزُومُ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْطُوعُ مَمْلُوكًا أَوْ لَا وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ فِي الْمَمْلُوكِ كَمَا ذَكَرَهُ شَرْحًا.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي كَذَلِكَ) أَقُولُ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْأَمْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ الْتَحَقَ بِمَا يَنْبُتُ عَادَةً فَكَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقِّ الْأَمْنِ إلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْإِجْمَاعِ بِجَامِعِ انْقِطَاعِ كَمَالِ النِّسْبَةِ إلَى الْحَرَمِ عِنْدَ النِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ بِالْإِنْبَاتِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مُنْتَفِيًا فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْأَقْسَامِ لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهَا لِمَالِكِهَا لَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَبِهِ صَرَّحَ الْبُرْجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ (قَوْلُهُ: حَتَّى قَالُوا فِي رَجُلٍ نَبَتَ فِي مِلْكِهِ أُمُّ غِيلَانٍ. . . إلَخْ) كَذَا مِثْلُهُ
стр. 249
فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِمَالِكِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَةٌ أُخْرَى لِحَقِّ الشَّرْعِ (إلَّا مَا جَفَّ) حَيْثُ يَجُوزُ قَطْعُهُ بِلَا غُرْمٍ (وَلَا صَوْمَ فِي الْأَرْبَعَةِ) أَيْ لَا يَصُومُ فِي ذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ وَحَلْبِهِ وَقَطْعِ حَشِيشِهِ وَشَجَرِهِ بَدَلَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ هَاهُنَا مِنْ الْقِيمَةِ غَرَامَةٌ وَلَيْسَ بِكَفَّارَةٍ فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ فَلَا يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَبْحَ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ الذَّابِحَ لَوْ كَانَ مُحْرِمًا تَتَأَدَّى كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ (وَلَا يُرْعَى الْحَشِيشُ) مِنْ الْحَرَمِ (وَلَا يُقْطَعُ إلَّا الْإِذْخِرُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» ، وَأَمَّا الْإِذْخِرُ فَقَدْ اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَرَعْيُهُ (وَالْكَمْأَةُ) فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ النَّبَاتِ
(وَ) تَجِبُ (صَدَقَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ بِقَتْلِ قَمْلَةٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي الْهِدَايَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبَاتَ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ فَكَيْفَ تَجِبُ الْقِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَرَمَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ قَوْلُهُ: وَقِيمَةٌ أُخْرَى ضَمَانًا لِمَالِكِهِ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» مَحْمُولٌ عَلَى خَارِجِ الْحَرَمِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْحَرَمِ فَبِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامُ التَّعَرُّضِ بِالنَّصِّ كَصَيْدِهِ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَمَلُّكَ أَرْضِ الْحَرَمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُتَصَوَّرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ تَمَلُّكُ أَرْضِ الْحَرَمِ، بَلْ هِيَ سَوَائِبُ وَأَرَادَ بِالسَّوَائِبِ الْأَوْقَافَ وَإِلَّا فَلَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا إذَا قَطَعَ الْمَالِكُ أُمَّ غِيلَانٍ مِنْ أَرْضِهِ وَيَنْبَغِي عَلَى مَا ذُكِرَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلَّهِ إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أُمِّ غِيلَانٍ تَنْبُتُ فِي الْحَرَمِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَطْعُهُ وَلَا قَلْعُهُ، وَلَوْ قَلَعَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ اهـ، وَإِذَا لَزِمَ الْقَاطِعَ الْقِيمَةُ مَلَكَهُ وَكُرِهَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ لِتَطَرُّقِ النَّاسِ لِذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلَى اسْتِئْصَالِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَلَوْ بَاعَهُ جَازَ لِلْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ النَّمَاءِ بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَدَّى قِيمَتَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: إلَّا مَا جَفَّ) أَيْ مِنْ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ حَيْثُ يَجُوزُ قَطْعُهُ بِلَا غُرْمٍ وَصَرَّحْنَا بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ بِقَطْعِ الْجَافِّ مِنْ الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ وَحَرُمَ قَطْعُ مَا نَبَتَ فِي الْحَرَمِ مِنْ شَجَرٍ وَكَلَأٍ إلَّا الْإِذْخِرَ وَالْجَافَّ اهـ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ أَوْ شَجَرَهُ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا فِيمَا جَفَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ قَالَ ﵊ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» ، ثُمَّ قَالَ «وَمَا جَفَّ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ لَا ضَمَانَ فِيهِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَامٍ وَلَا يُرْعَى حَشِيشُ الْحَرَمِ وَلَا يُقْطَعُ إلَّا الْإِذْخِرُ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ فِي حَاصِلِ وُجُوهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّ النَّابِتَ فِي الْحَرَمِ إمَّا إذْخِرٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَقَدْ جَفَّ أَوْ انْكَسَرَ أَوْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا إلَى أَنْ قَالَ وَاَلَّذِي فِيهِ الْجَزَاءُ هُوَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ وَلَا مُنْكَسِرًا وَلَا جَافًّا وَلَا إذْخِرًا وَلَا بُدَّ فِي إخْرَاجِ مَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْجَزَاءِ مِنْ دَلِيلٍ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْإِذْخِرَ خَرَجَ بِالنَّصِّ وَمَا أَثْبَتُوهُ بِقِسْمَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْجَافُّ وَالْمُنْكَسِرُ فَفِي مَعْنَاهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْبَابِ الشَّجَرُ وَالشَّوْكُ وَالْخَلَا فَالْخَلَا الرَّطْبُ مِنْ الْكَلَإِ، وَكَذَا الشَّجَرُ اسْمٌ لِلْقَائِمِ الَّذِي بِحَيْثُ يَنْمُو فَإِذَا جَفَّ فَهُوَ حَطَبٌ وَالشَّوْكُ لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ يُقَالُ عَلَى الرَّطْبِ وَالْجَافِّ فَلْيَحْلِلْ عَلَى أَحَدِ نَوْعَيْهِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ اهـ، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا مُعَوَّلَ عَلَى مَا فَرَّقَ بِهِ الْبُرْجَنْدِيُّ بَيْنَ الشَّجَرِ وَالْكَلَإِ حَيْثُ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْكَلَأُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ أَوْ مُنْبَتًا أَوْ جَافًّا لَا يَكُونُ فِيهِ الْجَزَاءُ لِحَقِّ الْحَرَمِ لَكِنْ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ قَطْعَ الْكَلَإِ مُطْلَقًا يُوجِبُ الْجَزَاءَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّجَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُ عِبَارَةِ الْمَتْنِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ بِأَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْصَرِفًا إلَى الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ مَعًا اهـ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ أَيْ مَتْنِ الْوِقَايَةِ أَوْ قَطْعِ حَشِيشِهِ أَوْ شَجَرِهِ إلَّا مَمْلُوكًا أَوْ مُنْبَتًا أَوْ جَافًّا اهـ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ سَنَدَهُ قَوْلُهُ: إنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكُتُبِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِقَطْعِ الْكَلَإِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ تَقْيِيدِهِ فِي الْفَتْحِ وَمِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ وَالْبُرْهَانِ وَالْبَحْرِ، بَلْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْإِطْلَاقِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَدْلُولِ لَفْظِ الْحَشِيشِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ يُؤْخَذُ مِمَّا قَالَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْحَشِيشُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ الْحَشِيشَ عَلَى الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مَجَازًا وَسُمِّيَ الرَّطْبُ حَشِيشًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» ) قَالَ فِي الْبَحْرِ الْخَلَا بِالْقَصْرِ الْحَشِيشُ وَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعُهُ وَالْعَضَدُ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.
وَفِي الْفَتْحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ الْخَلَا هُوَ الرَّطْبُ مِنْ الْكَلَإِ (قَوْلُهُ: وَالْكَمْأَةَ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَلِأَنَّهَا لَا تَنْمُو وَلَا تَبْقَى فَأَشْبَهَتْ الْيَابِسَ مِنْ النَّبَاتِ اهـ فَفِيهِ نَصٌّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الْحَشِيشِ الْيَابِسِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ أَوْ شَجَرًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَّا مَا جَفَّ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ وَيَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَطَبٌ وَلَيْسَ بِنَامٍ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ لِمَا يَكُونُ نَامِيًا فِيهِ اهـ، وَلَوْ قَدَّرَ كَوْنَهَا أَيْ الْكَمْأَةِ نَبَاتًا كَانَتْ مِنْ الْجَافِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: وَصَدَقَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ بِقَتْلِ قَمْلَةٍ) يَعْنِي، وَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ فَيَتَصَدَّقُ لِقَضَاءِ
стр. 250
أَوْ جَرَادَةٍ وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ وَعَقْرَبٍ وَحَيَّةٍ وَفَأْرَةٍ وَكَلْبٍ عَقُورٍ) قَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ (وَبَعُوضٍ وَبُرْغُوثٍ وَقُرَادٍ وَسُلَحْفَاتٍ وَلَهُ ذَبْحُ الشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْبَعِيرِ وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ وَأَكْلُ مَا صَادَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
التَّفَثِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ اهـ حَتَّى لَوْ قَتَلَ قَمْلَةً سَاقِطَةً عَلَى الْأَرْضِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَلَوْ قَتَلَ قَمْلَةَ غَيْرِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْخُجَنْدِيِّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي غَيْرِهَا مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَيْدٍ وَلَيْسَ فِي قَتْلِ قَمْلَةِ الْغَيْرِ إزَالَةُ التَّفَثِ عَنْ الْقَاتِلِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ.
وَإِلْقَاءُ قَمْلِ نَفْسِهِ وَإِشَارَتُهُ إلَيْهِ مُوجِبٌ لِلصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَالْقَمْلَتَانِ وَالثَّلَاثُ كَالْوَاحِدَةِ فِي الْجَزَاءِ وَفِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّالِثِ بَالِغًا مَا بَلَغَ نِصْفُ صَاعٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ أَنَّ الْعَشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا كَثِيرٌ فَيَجِبُ بِهِ نِصْفُ صَاعٍ، وَهَذَا إذَا قَتَلَهَا قَصْدًا أَوْ أَلْقَى ثَوْبَهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ غَسَلَهَا لِقَصْدِ قَتْلِهَا، وَلَوْ أَلْقَاهُ لَا لِقَتْلِهَا فَمَاتَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ مِثْلُهُ، ثُمَّ نُقِلَ خِلَافُهُ عَنْ الْمَنْصُورِيَّةِ وَهُوَ نَفْيُ الْجَزَاءِ بِإِلْقَاءِ ثَوْبِهِ فِي الشَّمْسِ وَنَحْوِهَا لِقَتْلِ الْقَمْلِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَرَادَةٍ) قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَرَادِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ كَالْقَمْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَمْلِ فَفِي الثَّلَاثِ وَمَا دُونَهَا يَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ وَفِي الْأَرْبَعِ فَأَكْثَرَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ صَاعٍ (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ. . . إلَخْ) .
أَطْلَقَ نَفْيَ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الْمَذْكُورَاتِ فَأَفَادَ عَدَمَ اسْتِيعَابِ جَزَاءٍ بِقَتْلِهَا سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى، أَمَّا الْعَقْعَقُ فَغَيْرُ مُسْتَثْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَوْلُ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى قِيلَ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ، وَقِيلَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ فِي الْعَقْعَقِ وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْجَوَابُ عَنْ النَّظَرِ أَنَّ فِي الْعَقْعَقِ رِوَايَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الصَّيُودِ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْهِدَايَةِ وَغُرَابُ الزَّرْعِ لَا يُقْتَلُ وَيَرْمِيهِ الْمُحْرِمُ لِيُنَفِّرَهُ عَنْ الزَّرْعِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَحِدَأَةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ الْحِدَأُ اهـ، وَبِفَتْحِ الْحَاءِ فَأْسٌ يُنْقَرُ بِهَا الْحِجَارَةُ لَهَا رَأْسَانِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِ الدَّالِ بِلَا مَدٍّ طَائِرٌ يَصِيدُ الْفَأْرَ وَالْجَرَادَ.
(قَوْلُهُ: وَفَأْرَةٍ) بِالْهَمْزِ وَاحِدَةُ الْفَأْرِ وَجَمْعُهُ فِيرَانٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ فِيهَا التَّسْهِيلُ اهـ.
وَلَا شَيْءَ فِيهَا أَهْلِيَّةً أَوْ وَحْشِيَّةً وَالسِّنَّوْرُ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ مَا كَانَ مِنْهُ بَرِّيًّا فَهُوَ مُتَوَحِّشٌ كَالصَّيُودِ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْجَزَاءُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: قَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. . . إلَخْ) أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابَ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الذِّئْبَ فِي الْمَتْنِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْ وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فَاقْتَفَى أَثَرَ الَّتِي لَمْ تَذْكُرْهُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ فَهُوَ نَصٌّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الذِّئْبُ لَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْكَلْبِ نَصًّا فَيَلْحَقُ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَلَكِنْ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ صَرَّحَا بِعَدَمِ شَيْءٍ بِقَتْلِ الذِّئْبِ وَالْكَلْبِ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ يَكُونُ مُكَرَّرًا فِي كَلَامِهِمَا وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَدَمِ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ لَهُ مَتْنًا أَيْضًا، هَذَا وَقَدْ فَرَّقَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالذِّئْبِ فَلَمْ يُجْعَلْ الذِّئْبُ مِنْ الْفَوَاسِقِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ اهـ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ السِّبَاعَ كُلَّهَا صَيْدٌ إلَّا الذِّئْبَ وَالْكَلْبَ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَبَعُوضٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ الْبَعُوضُ صِغَارُ الْبَقِّ الْوَاحِدَةُ بَعُوضَةٌ بِالْهَاءِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا كَبَعْضِ الْبَقَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحَلُومِ اهـ وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالسُّلَحْفَاةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَاحِدَةُ السَّلَاحِفِ مِنْ خَلْقِ الْمَاءِ وَيُقَالُ أَيْضًا سُلَحْفِيَةٌ بِالْيَاءِ
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ النَّمْلَ وَنَصَّ فِي الْكَنْزِ كَمَا شَرَحَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِعَدَمِ شَيْءٍ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ الْمُرَادُ بِالنَّمْلِ السَّوْدَاءُ وَالصَّفْرَاءُ الَّتِي تُؤْذِي بِالْعَضِّ وَمَا لَا تُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهَا، وَلَكِنْ لَا تُضْمَنُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَيْدٍ وَلَا هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْبَدَنِ اهـ.
وَفِي الْغَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ لَيْسَ فِي الْقَنَافِذِ وَالْخَنَافِسِ وَالْوَزَغِ وَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْحَلَمَةِ وَصَيَّاحِ اللَّيْلِ وَالصَّرْصَرِ وَأُمِّ حَنِينٍ وَابْنِ عِرْسٍ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ وَحَشَرَاتِهِمَا وَلَيْسَتْ بِصَيُودٍ وَلَا هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْبَدَنِ اهـ، وَقَالَ الْكَمَالُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَتْلِ الْقُنْفُذِ رِوَايَتَانِ جَعَلَهُ نَوْعًا مِنْ الْفَأْرَةِ وَفِي أُخْرَى جَعَلَهُ كَالْيَرْبُوعِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ.
وَفِي الْفَتَاوَى لَا شَيْءَ فِي ابْنِ عِرْسٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ لُزُومَ الْجَزَاءِ فِي الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَالسَّمُّورِ وَالسِّنْجَابِ وَالدَّلَقِ وَالثَّعْلَبِ وَابْنِ عِرْسٍ وَالْأَرْنَبِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِي شَيْءٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْبَطِّ الْأَهْلِيِّ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُرَادُ بِالْبَطِّ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْحِيَاضِ وَلَا تَطِيرُ؛ لِأَنَّهَا أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالدَّجَاجِ، وَأَمَّا الَّتِي تَطِيرُ فَصَيْدٌ فَيَجِبُ بِقَتْلِهَا الْجَزَاءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَامِيسُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ وَحْشِيٌّ وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ اهـ، وَلَوْ نَزَا ظَبْيٌ عَلَى شَاةٍ يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِهَا كَذَا فِي الْبَحْرِ
стр. 251
حَلَالٌ وَذَبْحُهُ بِلَا دَلَالَةِ مُحْرِمٍ وَأُمِرَ بِهِ حَلَالٌ دَخَلَ الْحَرَمَ) .
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ إلَى آخِرِهِ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ فِي الْمُحْرِمِ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْإِرْسَالِ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ بِالِاتِّفَاقِ وَلِهَذَا قُلْت حَلَالٌ دَخَلَ الْحَرَمَ (بِصَيْدٍ فِي يَدِهِ) أَيْ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ حَتَّى إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ أَوْ قَفَصِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ (أَرْسَلَهُ) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ
(وَرَدَّ بَيْعَهُ) أَيْ الْبَيْعَ الَّذِي أَتَى بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الْمَحْرَمِ (إنْ بَقِيَ) فِي يَدِ الْمُشْتَرِي (وَإِلَّا جَزَى) أَيْ أَعْطَى قِيمَتَهُ (كَبَيْعِ الْمُحْرِمِ صَيْدَهُ) أَيْ يَرُدُّ الْمُحْرِمُ الْبَيْعَ إنْ كَانَ قَائِمًا وَتَجِبُ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ فَائِتًا سَوَاءٌ بَاعَهُ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ (لَا صَيْدًا) عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ أَرْسَلَهُ (فِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصٍ مَعَهُ إنْ أَحْرَمَ) أَيْ إنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ صَيْدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الصَّيْدِ وَمُحَافَظَتَهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنْ صِيدَ فِيهَا صَارَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَيَجِبُ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ
(أَرْسَلَ صَيْدًا فِي يَدِ مُحْرِمٍ إنْ أَخَذَهُ حَلَالٌ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا، قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ مِثْلِهِ يُجْزِي كُلٌّ) لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ وَالْقَاتِلُ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ وَالتَّقْرِيرُ كَالِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا (وَيَرْجِعُ آخِذُهُ عَلَى قَاتِلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةً، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ إلَيْهِ
(مَا بِهِ دَمٌ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَذَبْحُهُ بِلَا دَلَالَةٍ) شُرِطَ أَنْ لَا يَكُونَ دَالًّا عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ بِالدَّلَالَةِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ: حَتَّى إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ أَوْ فِي قَفَصِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ) أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَزْمُهُ بِعَدَمِ الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَفَصُ لَيْسَ فِي يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدَيْهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ الْجَارِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ صَيْدٌ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَفَادَ ضَعْفَ الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْإِرْسَالِ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدَيْهِ حَيْثُ قَالَ، وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصٍ مَعَهُ صَيْدٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ، وَقِيلَ إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ اهـ، وَكَذَلِكَ فِي التَّبْيِينِ وَجَعَلَ فِي الْبَحْرِ حُكْمَ دَاخِلِ الْحَرَمِ بِالصَّيْدِ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ أَحْرَمَ فَقَالَ قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْكَنْزِ، وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ أَرْسَلَهُ أَرَادَ بِهِ مَا إذَا دَخَلَ بِهِ وَهُوَ مُمْسِكٌ لَهُ بِيَدِهِ الْجَارِحَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يُرْسِلُهُ فَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَمَعَهُ صَيْدٌ فِي قَفَصِهِ لَا فِي يَدِهِ لَا يُرْسِلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إرْسَالِهِ تَسَيُّبَهُ؛ لِأَنَّ تَسَيُّبَ الدَّابَّةِ حَرَامٌ، بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْإِرْسَالِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ يَسْتَرِدُّهُ وَأَطْلَقَ فِي الصَّيْدِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مِنْ الْجَوَارِحِ أَوْ لَا فَلَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَمَعَهُ بَازِي فَأَرْسَلَهُ فَقَتَلَ حَمَامَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ
(قَوْلُهُ: وَرَدَّ بَيْعَهُ. . . إلَخْ) لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ رَدِّ الْبَيْعِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ مِنْهُ فَبَاعَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِدْخَالِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَا يَخْلُ إخْرَاجُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ إشَارَةٌ بِقَوْلِهِ رَدَّ الْبَيْعَ إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ. اهـ.
قُلْت وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي بِقَوْلِهِ فَإِنْ بَاعَ الصَّيْدَ بَعْدَمَا أَدْخَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَسَدَ الْبَيْعُ اهـ، وَكَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْبَيْعُ فَاسِدٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ
(قَوْلُهُ: أَرْسَلَ صَيْدًا فِي يَدِ مُحْرِمٍ إنْ أَخَذَهُ حَلَالٌ ضَمِنَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَلَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَفْوِيتِ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا مُطْلَقِ يَدِهِ، فَإِنْ ادَّعَيَا الثَّانِيَ مَنَعْنَاهُ أَوْ الْأَوَّلَ سَلَّمْنَاهُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِرْسَالِهِ، وَلَوْ فِي قَفَصٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ، وَهَذَا نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ أَتْلَفَ الْمَعَازِفَ اهـ.
وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، أَمَّا لَوْ أَرْسَلَهُ مِنْ الْحُكْمِيَّةِ فَهُوَ ضَامِنٌ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ أَخَذَهُ مُحْرِمٌ لَا يَضْمَنُ مُرْسِلُهُ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ الْيَدُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْحُكْمِيَّةُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بِالْأَخْذِ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مَا.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْجَبْرِيُّ فَيَمْلِكُهُ بِهِ كَمَا إذَا وَرِثَ الْمُحْرِمُ مِنْ قَرِيبِهِ صَيْدًا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ آخِذُهُ عَلَى قَاتِلِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ حَلَالًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُحْرِمُ بِمَا غَرِمَهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْقَاتِلَ شَيْءٌ بِالْقَتْلِ يَلْزَمُهُ مَا قَرَّرَهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمُحْرِمِ، ثُمَّ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ أَنْ لَوْ كَفَّرَ بِالْمَالِ، وَأَمَّا إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَاتِلِ صَبِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: مَا بِهِ دَمٌ عَلَى
стр. 252
الْمُفْرِدِ فَعَلَى الْقَارِنِ بِهِ دَمَانِ) دَمٌ لِحَجِّهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ (إلَّا بِجَوَازِ الْمِيقَاتِ غَيْرُ مُحْرِمٍ) فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الدَّمَيْنِ عَلَى الْقَارِنِ فِيمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَفِي الْجِمَاعِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمَانِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ دَمٌ وَاحِدٌ (يُثَنَّى جَزَاءُ صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمَانِ) فَإِنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ (وَيَتَّحِدُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ حَلَالَانِ) فَإِنَّ جَزَاءَ صَيْدِ الْحَرَمِ جَزَاءُ الْمَحِلِّ وَهُوَ وَاحِدٌ
(بَطَلَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا وَشِرَاؤُهُ وَحَرُمَ ذَبْحُهُ وَغَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ لَا مُحْرِمٌ لَمْ يَذْبَحْهُ) أَيْ لَوْ أَكَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ لَمْ يَغْرَمْ فَقَوْلُهُ لَا مُحْرِمٌ عَطْفٌ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْمُفْرِدِ فَعَلَى الْقَارِنِ بِهِ دَمَانِ) كَذَا الصَّدَقَةُ تَتَعَدَّدُ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ أَيْ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَيْضًا كَالْقَارِنِ فِي تَعَدُّدِ الْجَزَاءِ، وَهَذَا أَيْ التَّعَدُّدُ إنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ وَالتَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ، أَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا فَلَا كَتَرْكِ الرَّمْيِ وَطَوَافِ الصَّدْرِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَمِثْلُهُ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِمْدَادُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِجَوَازِ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَزِمَ الْمُفْرِدَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامِهِ وَبِالْمُجَاوَزَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا لِيَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ لَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ فِي كَلَامِهِمْ. اهـ.
قُلْت لَكِنْ ذَكَرَ لِبَيَانِ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ دَمَانِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي التَّبْيِينِ وَأَوْرَدَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَسَائِلَ عَلَى اقْتِصَارِهِمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذِهِ وَأَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ رَامَهُ (قَوْلُهُ: نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. . . إلَخْ) كَذَا نَقَلَهُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إنَّمَا بَقِيَ فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ لَا غَيْرُ. اهـ. قُلْت وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَفْتَرِقَ إجْمَاعٌ وَغَيْرُهُ فِي عَدَمِ تَعَدُّدِ الْجَزَاءِ اهـ، وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ زَيْنٌ بَعْدَ نَقْلِهِ وَقَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ إحْرَامِ عُمْرَةِ الْقَارِنِ بَعْدَ الْوُقُوفِ إلَى الْحَلْقِ فَلَا يَنْتَهِي إلَّا بِهِ وَمَا فِي الْأَجْنَاسِ كَمَا نَقَلَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْقَارِنَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ الْوُقُوفِ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ فَمُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِانْتِهَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ وَعَلِمْت ضَعْفَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: يُثَنَّى جَزَاءُ صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمَانِ) لَيْسَ الْمُثَنَّى قَيْدًا، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ التَّعَدُّدُ لِمَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ لَوْ كَانُوا عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَزَاءُ كَامِلًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ) كَذَا فِي صَحِيحِ النُّسَخِ وَفِي غَيْرِهَا الْقَتْلُ بِالْقَافِ وَالتَّاءِ وَلَيْسَ صَوَابًا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَعَدَّدُ بَلْ الْفِعْلُ (قَوْلُهُ: وَيَتَّحِدُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ حَلَالَانِ) هَذَا إذَا قَتَلَاهُ بِضَرْبَةٍ فَلَا شَكَّ فِي لُزُومِ نِصْفِ الْجَزَاءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا إذَا ضَرَبَهُ كُلٌّ ضَرْبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مَا تَقْتَضِيهِ ضَرْبَتُهُ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِضَرْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ اتِّحَادِ فِعْلِهِمَا جَمِيعُ الصَّيْدِ صَارَ مُتْلَفًا بِفِعْلِهِمَا فَضَمِنَ كُلٌّ نِصْفَ الْجَزَاءِ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ الْجَزَاءُ الَّذِي تَلِفَ بِضَرْبَةِ كُلٍّ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَالْبَاقِي مُتْلَفٌ بِفِعْلَيْهِمَا فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُهُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ تَفَارِيعُ لِهَذِهِ يَنْبَغِي عِلْمُهَا، وَلَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ وَمُحِلُّونَ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَجَبَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِهِمْ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُحْرِمٍ مَعَ مَا خَصَّهُ مِنْ ذَلِكَ جَزَاءٌ كَامِلٌ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَصَبِيٍّ وَكَافِرٍ يَجِبُ عَلَى الْحَلَالِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْقَسْمِ لَوْ قُسِمَتْ عَلَى الْكُلِّ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(تَنْبِيهٌ) لِحُدُودِ الْحَرَمِ عَلَامَاتٌ مَنْصُوبَةٌ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ نَصَّبَهَا إبْرَاهِيمُ ﵊ وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَجْدِيدِهَا، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ ﵃ وَهِيَ إلَى الْآنَ، وَقَدْ نَظَمَ حُدُودَ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النُّوَيْرِيُّ بِقَوْلِهِ
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيْبَهْ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ
وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كَمَلَتْ فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهْ
وَفِي الْبَيْتِ الْأَخِيرِ خِلَافٌ هَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ قُلْت يُغْنِي عَنْ الْبَيْتِ الثَّالِثِ مَا لَوْ جَعَلَ النِّصْفَ وَالْأَوَّلَ مِنْ الْبَيْتِ الثَّانِي هَكَذَا
وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ
وَلَيْسَ لِلْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ حَرَمٌ عِنْدَنَا فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ فِيهَا وَقَطْعُ حَشِيشِهَا وَرَعْيُهُ
(قَوْلُهُ: بَطَلَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا وَشِرَاؤُهُ) هَذَا إذَا اصْطَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَمَّا إذَا اصْطَادَهُ وَهُوَ حَلَالٌ وَبَاعَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَلَوْ اصْطَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِذَا اشْتَرَى حَلَالٌ مِنْ حَلَالٍ صَيْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْبَيْعُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ ذَبْحُهُ) أَيْ مَذْبُوحُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَغَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ) هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ أَدَاءِ ضَمَانِ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، أَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ فَلَا يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ لِدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لَا مُحْرِمٌ لَمْ يَذْبَحْهُ)
стр. 253
ضَمِيرِ غَرِمَ وَجَازَ لِلْفَصْلِ
(وَلَدَتْ ظَبْيَةٌ أُخْرِجَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَمَاتَا غَرِمَهُمَا) أَيْ الظَّبْيَةَ وَالْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحِقَّ الْأَمْنِ شَرْعًا وَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ كَمَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْوَلَدِ إذْ بَعْدَ أَدَاءِ جَزَاءِ الْأُمِّ لَمْ تَبْقَ آمِنَةً؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْخَلَفِ كَوُصُولِ الْأَصْلِ
(آفَاقِيّ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ) قَيَّدَ بِإِرَادَتِهِمَا إذْ لَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ (وَجَاوَزَ مِيقَاتَهُ لَزِمَهُ دَمٌ فَإِنْ عَادَ فَأَحْرَمَ أَوْ مُحْرِمًا) أَيْ إنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ حَالَ كَوْنِهِ مُحْرِمًا فِي الطَّرِيقِ (لَمْ يَشْرَعْ فِي نُسُكٍ) وَإِنَّمَا قَالَ (وَلَبَّى) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِهِمَا فَإِنَّ الْعَوْدَ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا كَافٍ لِسُقُوطِ الدَّمِ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَوْدِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا (سَقَطَ) أَيْ الدَّمُ اللَّازِمُ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ عَادَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَبَيْنَ الْمُحْرِمِ الَّذِي قَتَلَهُ أَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ جِهَتَيْنِ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً وَتَنَاوَلَهُ مَحْظُورُ إحْرَامِهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَذْبَحْهُ فَإِنَّمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ كَوْنُهُ مَيْتَةً فَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ سِوَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَذَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: غَرِمَهُمَا) أَيْ الْمُخْرِجُ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ) وَقَالَ الْكَمَالُ هَذِهِ أَيْ كَوْنُهَا مُسْتَحِقَّةَ الْأَمْنِ بِالرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَالتَّأْنِيثُ هُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ مِثْلُ زَيْدٍ هُوَ هَدِيَّةٌ إلَيْك وَلَا يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ اكْتِسَابِ الْكَوْنِ لِلتَّأْنِيثِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا مِمَّا لَا يَصِحُّ حَذْفُهُ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ الظَّبْيَةِ وَلَا يَصِحُّ الظَّبْيَةُ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِخِلَافِ نَحْوِ شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنْ الدَّمِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا فَوَلَدَتْ لَمْ يُجْزِهِ) كَذَلِكَ كُلُّ زِيَادَةٍ فِيهَا مِنْ سِمَنٍ أَوْ شَعْرٍ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ وَيَضْمَنُ الْأَصْلَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَا يَضْمَنُهَا، وَلَوْ ذَبَحَ الْأُمَّ أَوْ الْأَوْلَادَ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ الْحِلِّ لِلْحَلَالِ وَيُكْرَهُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: إذْ بَعْدَ جَزَاءِ الْأُمِّ لَمْ تَبْقَ أَمِنَةً) الضَّمِيرُ فِي تَبْقَ لِلْأُمِّ أَيْ انْتَفَى عَنْهَا اسْتِحْقَاقُ الْأَمْنِ بِأَدَاءِ ضَمَانِهَا؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْخَلَفِ وَهُوَ جَزَاؤُهَا إلَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ كَوُصُولِ الْأَصْلِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَذَكَرَ الْكَمَالُ بَحْثًا مِنْهُ، وَقَالَ هَذَا أَدْيَنُ لِلَّهِ بِهِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ إنْ أَعْطَى الْجَزَاءَ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى إعَادَتِهَا إلَى الْحَرَمِ لَا يَقَعُ كَفَّارَةً وَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ التَّعَرُّضُ لَهَا وَإِنْ كَانَ حَالَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِأَنْ هَرَبَتْ فِي الْحِلِّ بَعْدَمَا أَخْرَجَهَا إلَيْهِ خَرَجَ بِالْجَزَاءِ عَنْ عُهْدَتِهَا وَيُكْرَهُ اصْطِيَادُهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ وَالْهَرَبِ إذَا ظَفِرَ بِهَا لِشُبْهَةِ كَوْنِ دَوَامِ الْعَجْزِ شَرْطَ إجْزَاءِ الْكَفَّارَةِ إلَّا إذَا اصْطَادَهَا لِيَرُدَّهَا إلَى الْحَرَمِ اهـ، وَنَاقَشَهُ فِيهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: أَفَاقِيٌّ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ) لَيْسَ قَيْدُهُ مُعْتَبَرَ الْمَفْهُومِ لِمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِإِرَادَتِهِمَا) إذْ لَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا نَذْكُرُ، وَمَنْشَأُ ذَلِكَ مَا تُوُهِّمَ مِنْ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَيْ مِنْ لُزُومِ الدَّمِ بِالْمُجَاوَزَةِ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ فَإِنْ دَخَلَ الْبُسْتَانُ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ اهـ، وَهَذَا الْوَهْمُ مَدْفُوعٌ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَجَبَ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَتَلَافَاهُ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْكُوفِيُّ قَاصِدًا النُّسُكَ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ التِّجَارَةَ أَوْ السِّيَاحَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي قَاصِدِي مَكَّةَ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ قَصْدُ النُّسُكِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ إذَا أَرَادَ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ وَمُوجِبُ هَذَا الْحَمْلِ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ نَاطِقَةٌ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ سَوَاءٌ قَصَدَ النُّسُكَ أَمْ لَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ الْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ سِيَاقِهِ وَلَا أَصْرَحُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ قَصْدُ الْحَرَمِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْإِحْرَامِ لِقَصْدِهِ مَكَّةَ اهـ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ آفَاقِيٌّ مُسْلِمٌ بَالِغٌ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ وَجَاوَزَ مِيقَاتَهُ لَزِمَهُ دَمٌ. . . إلَخْ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْحُرِّ لِشُمُولِ الرَّقِيقِ فَإِذَا تَجَاوَزَ بِلَا إحْرَامٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَزِمَهُ دَمٌ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِنْ جَاوَزَهُ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ فَأَسْلَمَ وَبَلَغَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَادَ فَأَحْرَمَ) أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَسَوَاءٌ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي تَجَاوَزَهُ أَوْ عَادَ إلَى غَيْرِهِ أَقْرَبَ أَوْ أَبْعَدَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مُحَاذِيًا لِمَا فَاتَهُ أَوْ أَبْعَدَ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَشْرَعْ فِي نُسُكٍ) سَيُبَيِّنُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّوَافَ، وَلَوْ شَرْطًا (قَوْلُهُ: أَوْ مُحْرِمًا لَمْ يَشْرَعْ فِي نُسُكٍ وَلَبَّى) أَيْ عِنْدَهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِبَيَانِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَوْ حَصَلَتْ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَا عِنْدَهُ لَا تَكْفِي لِمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ أَيْ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ عَادَ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا أَيْ فِي الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ مُحْرِمًا وَلَمْ يُلَبِّ فِي الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ عَادَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يُلَبِّ فِيهِ لَكِنْ لَبَّى بَعْدَمَا جَاوَزَهُ، ثُمَّ رَجَعَ وَمَرَّ بِهِ سَاكِتًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ الْبَيْتِ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي الْعَوْدِ إنَّمَا تُسْقِطُ الدَّمَ إذَا حَصَلَتْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ أَوْ خَارِجَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ. . . إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمَتْنُ مِنْ تَصَوُّرِ الْعَوْدِ بِلَا إحْرَامٍ لِانْفِهَامِ
стр. 254
وَلَكِنْ بَعْدَمَا شَرَعَ فِي نُسُكٍ بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ أَوْ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ (كَمَكِّيٍّ يُرِيدُ الْحَجَّ وَمُتَمَتِّعٍ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ وَخَرَجَا مِنْ الْحَرَمِ وَأَحْرَمَا) تَشْبِيهٌ بِالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي لُزُومِ الدَّمِ فَإِنَّ إحْرَامَ الْمَكِّيِّ مِنْ الْحَرَمِ وَالْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ وَأَتَى بِالْعُمْرَةِ صَارَ مَكِّيًّا وَإِحْرَامُهُ مِنْ الْحَرَمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ
(دَخَلَ كُوفِيٌّ الْبُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ وَمِيقَاتُهُ الْبُسْتَانُ كَالْبُسْتَانِيِّ) بُسْتَانُ بَنِي عَامِرٍ مَوْضِعٌ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ خَارِجَ الْحَرَمِ فَإِذَا دَخَلَهُ لِحَاجَتِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ فَإِذَا دَخَلَهُ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ وَيَجُوزُ لِأَهْلِهِ دُخُولُ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَكِنْ إنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَمِيقَاتُهُ الْبُسْتَانُ أَيْ جَمِيعُ الْحِلِّ الَّذِي بَيْنَ الْبُسْتَانِ وَالْحَرَمِ كَالْبُسْتَانِيِّ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) أَيْ الْبُسْتَانِيِّ، وَمَنْ دَخَلَهُ (إنْ أَحْرَمَا مِنْ الْحِلِّ وَوَقَفَا بِعَرَفَاتٍ) لِأَنَّهُمَا أَحْرَمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا اهـ.
(دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ لَزِمَهُ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ وَصَحَّ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا لَزِمَهُ بِسَبَبِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ (لَوْ خَرَجَ) فِي عَامِهِ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ (وَحَجَّ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ لَا بَعْدَهُ) وَقَالَ فِي زُفَرَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ النَّذْرِ وَصَارَ كَمَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ وَلَنَا أَنَّهُ تَدَارَكَ الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ لَا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى التَّعْيِينِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْإِحْرَامِ مَقْصُودًا كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
حُكْمِهِ مِنْ لُزُومِ الدَّمِ بِمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ أَوْ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْعَطْفُ بِأَوْ فَيُفِيدُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ فَقَطْ يَمْنَعُ سُقُوطَ الدَّمِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ مَعَ الطَّوَافِ فَلَيْسَ احْتِرَازِيًّا، بَلْ الطَّوَافُ يُؤَكِّدُ الدَّمَ مِنْ غَيْرِ اسْتِلَامٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ اهـ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْكَمَالُ الِاسْتِلَامَ فَقَالَ، وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ الطَّوَافَ، وَلَوْ شَوْطًا لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى شَرَعَ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطُوفَ اهـ فَلْيُحَرَّرْ هَلْ مُجَرَّدُ الِاسْتِلَامِ مَانِعٌ لِلسُّقُوطِ أَوْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ طَوَافٍ (قَوْلُهُ: كَمَكِّيٍّ يُرِيدُ الْحَجَّ وَمُتَمَتِّعٍ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَمْ يُقَيَّدْ الْمُعْتَمِرَ بِكَوْنِهِ خَرَجَ يُرِيدُ الْحَجَّ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَمْ أَرَ تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَمَتِّعِ بِمَا إذَا خَرَجَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ وَأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ إلَى الْحِلِّ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْمَكِّيِّ وَيَسْقُطُ الدَّمُ بِالْعَوْدِ إلَى مِيقَاتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ ظَاهِرُهُ مَسْأَلَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْمَنَاسِكِ أَنَّ بِدُخُولِ أَرْضِ الْحَرَمِ يَصِيرُ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمِيقَاتِ وَهِيَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ بِعُمْرَةٍ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَدَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْحِلُّ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا دَخَلَهُ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ) يَعْنِي سَوَاءٌ نَوَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ أَوْ لَمْ يَنْوِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ شَرَطَ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا لَزِمَ بِسَبَبِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ يَعْنِي مَنْ أَخَّرَ دُخُولَهُ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَكَّةَ مِرَارًا غَيْرَ مُحْرِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَ فَأَحْرَمَ بِنُسُكٍ أَجْزَأَهُ عَنْ دُخُولِهِ الْأَخِيرِ لَا عَمَّا قَبْلَهُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَالَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَبْلَ الْأَخِيرِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالتَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ اهـ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ خَرَجَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ) كَذَا قَيَّدَ الْخُرُوجِ إلَى الْمِيقَاتِ مِنْ عَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمِيقَاتِ كَمَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ أَحْرَمَ يُرِيدُ قَضَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَجْزَأَهُ فِي ذَلِكَ مِيقَاتُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْحَجِّ بِالْحَرَمِ وَفِي الْعُمْرَةِ بِالْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ صَارَ فِي حُكْمِ أَهْلِهَا فَيُجْزِئُهُ إحْرَامُهُ مِنْ مِيقَاتِهِمْ اهـ.
وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ بِتَحْوِيلِ السَّنَةِ اهـ، وَلَوْ خَرَجَ وَأَهَلَّ مِنْ مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِمَّا جَاوَزَهُ أَجْزَأَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِخُرُوجِهِ إلَى الْمِيقَاتِ يُسْقِطُ الدَّمَ الَّذِي لَزِمَهُ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَرَّرَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ وَلُزُومُ نُسُكٍ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ، وَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ كُلٍّ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: وَحَجُّ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَيْهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ حَجَّةً مَنْذُورَةً، وَكَذَا إذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مَنْذُورَةٍ فَلَوْ قَالَ وَأَحْرَمَ عَمَّا عَلَيْهِ وَأَتَمَّهُ فِي عَامِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْعُمْرَةَ الْمَنْذُورَةَ (قَوْلُهُ: لَا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى التَّعْيِينِ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ وُجُوبَ تَعْيِينِ الْإِحْرَامِ لِدُخُولِ مَكَّةَ، بَلْ أَيُّ إحْرَامٍ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مُجْزِئٌ لِوُجُودِ تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ) أَيْ فَحَجَّ عَمَّا عَلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَنَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَسَنَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ إذَا دَخَلَهَا بِلَا إحْرَامٍ لَيْسَ إلَّا وُجُوبُ الْإِحْرَامِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَقَطْ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَ ذَلِكَ يَقَعُ أَدَاءً إذْ الدَّلِيلُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِيَصِيرَ بِفَوَاتِهَا
стр. 255
الْمَنْذُورِ فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِصَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دُونَ الْعَامِ الثَّانِي كَمَا مَرَّ
(جَاوَزَ مِيقَاتَهُ بِلَا إحْرَامٍ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَفْسَدَهَا مَضَى وَقَضَى وَلَا دَمَ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا حَقَّ الْمِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ (مَكِّيٌّ طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَهُ) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَ الْحَجَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ مَنْهِيٌّ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَجْلِ الرَّفْضِ (وَحَجٌّ وَعُمْرَةٌ) لِأَنَّهُ كَفَائِتِ الْحَجِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ بَعْدَ شُرُوعِهِ وَعَلَى فَائِتِهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ (وَلَوْ أَتَمَّهُمَا صَحَّ) لِأَنَّهُ أَدَّاهُمَا كَمَا الْتَزَمَهُمَا لَكِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالنَّهْيُ عَنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ يُحَقِّقُ الْمَشْرُوعِيَّةَ.
(وَ) لَكِنْ (ذَبَحَ) لِلنُّقْصَانِ، وَهَذَا دَمُ جَبْرٍ وَفِي الْآفَاقِيِّ دَمُ شُكْرٍ
(مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحَجَّ، ثُمَّ أَحْرَمَ يَوْمَ النَّحْرِ بِآخَرَ) أَيْ بِحَجٍّ آخَرَ (فَإِنْ حَلَقَ لِلْأَوَّلِ لَزِمَهُ الْآخَرُ) حَتَّى يَقْضِيَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ (بِلَا دَمٍ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ لِلْأَوَّلِ (فَبِهِ) أَيْ لَزِمَهُ الْآخَرُ بِالدَّمِ (قَصَّرَ) بَعْدَ الْإِحْرَامِ الثَّانِي (أَوَّلًا) أَصْلُ هَذَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدْعَةٌ فَإِذَا حَلَقَ فِي الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ انْتَهَى الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَصِرْ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجَّتَيْنِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْجَمْعِ فَإِذَا لَمْ يَحْلِقْ فِي الْأَوَّلِ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَبَعْدَ هَذَا إنْ حَلَقَ تَحَلَّلَ عَنْ الْأَوَّلِ وَجَنَى عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَلَزِمَهُ دَمٌ إجْمَاعًا وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى حَجَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ عَنْ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَبِهِ قَصَّرَ أَوَّلًا (أَتَى بِعُمْرَةٍ) أَيْ بِأَفْعَالِهَا (إلَّا الْحَلْقَ فَأَحْرَمَ بِأُخْرَى ذَبَحَ) ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْعُمْرَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ فَلَزِمَهُ دَمٌ
(آفَاقِيٌّ أَحْرَمَ بِهِ) أَيْ بِالْحَجِّ (ثُمَّ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ (لَزِمَاهُ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ لِلْآفَاقِيِّ كَالْقِرَانِ (وَبَطَلَتْ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
دَيْنًا يُقْضَى فَمَهْمَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِنُسُكٍ عَلَيْهِ تَأَدَّى هَذَا الْوَاجِبُ فِي ضِمْنِهِ وَعَلَى هَذَا إذَا تَكَرَّرَ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى التَّعْيِينِ وَإِنْ كَانَتْ أَسْبَابًا مُتَعَدِّدَةَ الْأَشْخَاصِ دُونَ النَّوْعِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَلَيْهِ يَوْمَانِ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَ يَنْوِي مُجَرَّدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْأَوَّلَ وَلَا غَيْرَهُ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ فَكَذَا نَقُولُ إذَا رَجَعَ مِرَارًا فَأَحْرَمَ كُلَّ مَرَّةٍ بِنُسُكٍ حَتَّى أَتَى عَلَى عَدَدِ دَخَلَاتِهِ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مَضَى وَقَضَى) أَيْ مِنْ أَحَدِ مَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ لَا مِنْ الْحَرَمِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ الْآتِي شَرْحًا (قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ) أَيْ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا) حَقَّ الْمِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ لَا يَخْفَى عَدَمُ فَهْمِهِ مِنْ الْمَتْنِ فَكَانَ يَنْبَغِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: مَكِّيٌّ. . . إلَخْ) قَدَّمْنَا فِي الْقِرَانِ مَا يُغْنِي عَنْ الْكَلَامِ هُنَا وَحَاصِلُهُ صِحَّةُ قِرَانٍ وَصِحَّةُ تَمَتُّعٍ لِلْمَكِّيِّ مَعَ الْإِسَاءَةِ وَدُفِعَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِمَا مِنْهُ (قَوْلُهُ: طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا. . . إلَخْ) كَذَلِكَ يَرْفُضُهَا لَوْ أَتَى بِأَقَلِّ أَشْوَاطِهَا، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا آفَاقِيٌّ كَانَ قَارِنًا فَإِنْ أَتَى الْمَكِّيُّ بِأَكْثَرِ أَشْوَاطِهَا رُفِضَ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا آفَاقِيٌّ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِذَا لَمْ يَطُفْ الْمَكِّيُّ لِلْعُمْرَةِ شَيْئًا يَرْفُضُهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَ الْحَجَّ) الرَّفْضُ التَّرْكُ مِنْ بَابَيْ طَلَبَ وَضَرَبَ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّفْضُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَحْلِقَ مَثَلًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لِقَصْدِ تَرْكِ الْحَجِّ وَإِنْ حَصَلَ بِهِ التَّحَلُّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَلَا يَكْتَفِي بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ يَرْفُضُ إحْدَاهُمَا بِشُرُوعِهِ فِي الْأَعْمَالِ كَمَا نَذْكُرُهُ
(قَوْلُهُ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحَجَّ. . . إلَخْ) قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَحَجَّ لِمَا أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَحْرَمَ بِآخَرَ يَرْفُضُهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ، وَحَاصِلُ تَقْسِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ إحْرَامَيْ حَجَّتَيْنِ فَصَاعِدًا مَذْكُورٌ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: أَصْلُ هَذَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدْعَةٌ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ بِدْعَةٌ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ بِدْعَةٌ لِصِدْقِهِ بِالْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ وَلَيْسَ الْمُقْسِمَ، وَقَدْ عَطَفَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَوْ فَقَالَ الْجَمْعُ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِدْعَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَحْلِقْ فِي الْأَوَّلِ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) صَوَابُهُ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجَّتَيْنِ لِمَا أَنَّهُ الْمُتَحَدِّثُ عَنْهُ لَا عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ: أَتَى بِعُمْرَةٍ إلَّا الْحَلْقَ فَأَحْرَمَ بِأُخْرَى ذَبَحَ) أَقُولُ وَهُوَ دَمُ جِنَايَةٍ وَنَصَّ عَلَى وُجُوبِ الدَّمِ بِإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا التَّقْصِيرُ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَنَاسِكِ الْمَبْسُوطِ وَعَدَمُ ذِكْرِ الدَّمِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَيْسَ نَفْيًا بَعْدَ وُجُودِ الْمُوجِبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ فِي الْعُمْرَتَيْنِ وَهُوَ عَدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةِ ثَابِتٌ فِي الْحَجَّتَيْنِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَا يَتِمُّ وَعَلَيْهِ جَعَلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ فِي لُزُومِ الدَّمِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ لِلْآفَاقِيِّ كَالْقِرَانِ) يَعْنِي كَالْقِرَانِ الِابْتِدَائِيِّ بِأَنْ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا، فَلَيْسَ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا قِرَانٌ بَقَاءً فَهُوَ كَالْقِرَانِ ابْتِدَاءً فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ
стр. 256
الْعُمْرَةُ (بِالْوُقُوفِ قَبْلَ أَفْعَالِهَا لَا بِالتَّوَجُّهِ إلَى عَرَفَاتٍ وَإِنْ طَافَ لَهُ) أَيْ لِلْحَجِّ يَعْنِي طَوَافَ الْقُدُومِ (ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ بِالْعُمْرَةِ (فَمَضَى عَلَيْهِمَا ذَبَحَ) ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ (وَنُدِبَ رَفْضُهَا) لِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ تَأَكَّدَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطُفْ لِلْحَجِّ (فَإِنْ رَفَضَ قَضَى) لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَذَبَحَ) لِرَفْضِهَا
(حَجَّ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ فِي ثَلَاثَةٍ تَلِيهِ لَزِمَتْهُ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ صَحِيحٌ (وَرُفِضَتْ) أَيْ يَلْزَمُهُ الرَّفْضُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى رُكْنَ الْحَجِّ وَهُوَ الْوُقُوفُ فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ (أَيْضًا وَقُضِيَتْ مَعَ دَمٍ) لِلرَّفْضِ (وَإِنْ مَضَى صَحَّ وَيَجِبُ دَمٌ) لِارْتِكَابِ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ (فَائِتُ الْحَجِّ أَهَلَّ بِهِ أَوْ بِهَا رَفَضَ وَقَضَى وَذَبَحَ) أَيْ فَائِتُ الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَجِبُ أَنْ يَرْفُضَ الْإِحْرَامَ وَيَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَجِبُ عَلَيْهِ هَذَا، ثُمَّ يَقْضِي مَا أَحْرَمَ بِهِ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ وَيَذْبَحُ وَإِنَّمَا يَرْفُضُ إحْرَامَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ فَيَرْفُضُ الثَّانِيَ وَإِنَّمَا يَرْفُضُ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ لِفَوَاتِ الْحَجِّ فَيَصِيرُ بِالْإِحْرَامِ جَامِعًا بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ فَيَرْفُضُ الثَّانِيَةَ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ بِالرَّفْضِ
﴿بَابُ مُحْرِمٍ أُحْصِرَ﴾
الْإِحْصَارُ لُغَةً الْمَنْعُ مُطْلَقًا يُقَالُ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ وَمَا حَصَرَهُ الْمَرَضُ وَفِي الشَّرْعِ مَنَعَ الْخَوْفُ أَوْ الْمَرَضُ مِنْ وُصُولِ الْمُحْرِمِ إلَى تَمَامِ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ فَإِذَا أُحْصِرَ (بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَبَطَلَتْ الْعُمْرَةُ بِالْوُقُوفِ. . . إلَخْ) هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ ذِكْرُهَا فِي الْقِرَانِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا (قَوْلُهُ: فَإِذَا طَافَ لَهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا أَيْ بِالْعُمْرَةِ فَمَضَى عَلَيْهِمَا ذَبَحَ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ) أَقُولُ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الدَّمَ دَمُ جَبْرٍ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَاضِي خَانْ وَالْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَّهُ دَمُ شُكْرٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَكْثَرَ إسَاءَةً مِنْ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَذَكَرَ الْكَمَالُ مَا يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّةَ قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطُفْ لِلْحَجِّ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ رَفْضُ الْعُمْرَةِ
(قَوْلُهُ: وَرُفِضَتْ) حَكَى فِيهِ خِلَافًا فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ إذَا حَلَقَ لِلْحَجِّ، ثُمَّ أَحْرَمَ لَا يَرْفُضُهَا عَلَى ظَاهِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، وَقِيلَ يَرْفُضُهَا احْتِرَازًا عَنْ الْمَنْهِيِّ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَشَايِخُنَا عَلَى هَذَا اهـ أَيْ عَلَى وُجُوبِ الرَّفْضِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَلْقِ وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ مِنْ الْحَجِّ كَالرَّمْيِ وَطَوَافِ الصَّدْرِ وَسُنَّةِ الْمَبِيتِ، وَقَدْ كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ بِلَا رَيْبٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ مَضَى صَحَّ وَيَجِبُ دَمٌ لِارْتِكَابِ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ) أَفَادَ أَنَّ الدَّمَ لِلْكَفَّارَةِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ مَا يُفِيدُ اخْتِلَافًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ بِصِيغَةِ قَالُوا، وَهَذَا دَمُ كَفَّارَةٍ (قَوْلُهُ: وَيَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقَلِبَ إحْرَامُهُ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ
[بَابُ الْإِحْصَارُ]
(بَابُ مُحْرِمٍ أُحْصِرَ)
(قَوْلُهُ: وَفِي الشَّرْعِ مَنْعُ الْخَوْفِ أَوْ الْمَرَضِ) أَقُولُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَيْنِ لِمَا نَذْكُرُهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الْمُحْرِمِ عَنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ. . . إلَخْ) مَثَّلَ بِهَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ إشَارَةً إلَى خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ حَيْثُ قَالَ لَا إحْصَارَ إلَّا بِعَدُوٍّ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ بِالْعَدُوِّ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الْإِحْصَارَ يَكُونُ بِالْمَرَضِ وَبِالْعَدُوِّ الْحَصْرُ لَا الْإِحْصَارُ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْهُمْ الْفَرَّاءُ وَابْنُ السِّكِّيتِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَالْعُتْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَأَئِمَّةُ اللُّغَةِ الْمُتْقِنُونَ لِهَذَا الْفَنِّ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلَئِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَيَتَنَاوَلُ الْمَرَضَ دَلَالَةً كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَمِنْ الْإِحْصَارِ هَلَاكُ النَّفَقَةِ وَمَوْتُ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ أَوْ زَوْجِهَا فِي الطَّرِيقِ وَفِي التَّجْنِيسِ إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ وَإِلَّا فَمُحْصَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ، وَلَوْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا مَحْرَمَ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ لَا تُحِلُّ إلَّا بِالدَّمِ؛ لِأَنَّهَا مُنِعَتْ شَرْعًا آكَدَ مِنْ الْمَنْعِ بِسَبَبِ الْعَدُوِّ، وَكَذَا فِي الْفَتْحِ، وَهَذَا الْمُحْصَرُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِالدَّمِ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِغَيْرِ ذَبْحِ الْهَدْيِ فَكُلُّ مُحْصَرٍ مُنِعَ عَنْ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الْإِحْرَامِ شَرْعًا لِحَقِّ الْعَبْدِ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَا يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ بِالْقَوْلِ وَيُكْرَهُ التَّحْلِيلُ لَوْ أَذِنَ بِالْإِحْرَامِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْعَثَ الْهَدْيَ أَوْ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ لِيُذْبَحَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَلَّلَتْ بِغَيْرِ طَوَافٍ وَعَلَيْهَا حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ كَالرَّجُلِ الْمُحْصَرِ إذَا تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ وَعَلَى الْعَبْدِ إذَا أَعْتَقَ هَدْيَ الْإِحْصَارِ وَقَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَإِذَا أُحْصِرَ، وَقَدْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى إنْفَاذُ هَدْيٍ عَنْهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ هَدْيًا فِي الْحَرَمِ
стр. 257
جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَحِينَئِذٍ (بَعَثَ الْمُفْرِدُ دَمًا وَالْقَارِنُ دَمَيْنِ) لِاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامَيْنِ (وَعَيَّنَ يَوْمَ الذَّبْحِ) أَيْ وَأَعَدَّ مَنْ يَبْعَثُهُ يَوْمًا بِعَيْنِهِ يَذْبَحُهُ فِيهِ (فِي الْحَرَمِ) لَا الْحِلِّ (وَلَوْ) كَانَ يَوْمُ الذَّبْحِ (قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مُحْصَرًا بِالْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْصَرًا بِالْحَجِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ الذَّبْحُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ (وَبِذَبْحِهِ يُحِلُّ بِلَا حَلْقٍ وَتَقْصِيرٍ) وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوِقَايَةِ يُقْبَلُ حَلْقٌ وَتَقْصِيرٌ (وَعَلَيْهِ إنْ حَلَّ مِنْ حَجٍّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ) لَزِمَهُ الْحَجُّ بِالشُّرُوعِ وَالْعُمْرَةُ لِلتَّحَلُّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ (وَمِنْ عُمْرَةٍ عُمْرَةٌ) هِيَ قَضَاؤُهَا (وَمِنْ قِرَانٍ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) أَمَّا الْحَجُّ وَإِحْدَاهُمَا فَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ كَمَا مَرَّ فِي الْمُفْرِدِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِخُرُوجِهِ مِنْهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ (وَإِذَا زَالَ إحْصَارُهُ) أَيْ الْقَارِنِ (وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ تَوَجَّهَ) أَيْ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ لِأَدَاءِ الْحَجِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْهَدْيِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْبَدَلِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْمُكَفِّرِ بِالصَّوْمِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْعِتْقِ إذَا قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ كَذَا هَذَا وَيَصْنَعُ بِالْهَدْيِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ كَانَ عَيَّنَهُ لِجِهَةٍ فَاسْتَغْنَى عَنْهَا (وَمَعَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ أَوْ بِدُونِهِمَا لَهُ أَنْ يُحِلَّ) فَإِنْ أَدْرَكَ الْهَدْيَ لَا الْحَجَّ فَيَتَحَلَّلُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْأَصْلِ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لَا الْهَدْيَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَحَلَّلْ يُضَيِّعُ مَالَهُ مَجَّانًا وَحُرْمَةُ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ فَيَتَحَلَّلُ كَمَا إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ (وَمَنْعُهُ) أَيْ مَنْعُ الْمُحْرِمِ (بِمَكَّةَ عَنْ رُكْنَيْ الْحَجِّ) يَعْنِي الطَّوَافَ وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَاتٍ (إحْصَارٌ لَهُ) إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْأَفْعَالِ فَكَانَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَبَعْضُهُ مِنْ قَاضِي خَانْ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّحَلُّلِ بِالْهَدْيِ أَوْ الْأَفْعَالِ إذَا قَدَرَ وَبِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَبْسُوطِ بِعَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بَعَثَ الْمُفْرِدُ دَمًا) أَقُولُ وَإِذَا بَعَثَ إنْ شَاءَ أَقَامَ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَعَثَ الشَّاةَ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فَلَهُ بَعْثُ قِيمَتِهَا لِتُشْتَرَى فَتُذْبَحَ فِي الْحَرَمِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُذْبَحُ لَا يَقُومُ الصَّوْمُ وَلَا الْإِطْعَامُ مَقَامَهُ، بَلْ يَبْقَى مُحْرِمًا إلَى الْوُجْدَانِ أَوْ التَّحَلُّلِ بِالْأَفْعَالِ وَيَكْفِيهِ سُبْعُ بَدَنَةٍ كَمَا فِي الْكَافِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يُقَوِّمُ الْهَدْيَ بِالطَّعَامِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَارِنُ دَمَيْنِ) أَقُولُ فَإِنْ بَعَثَ وَاحِدًا لِلْحَجِّ وَيَبْقَى فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَذَبَحَ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ إحْرَامَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهُمَا شُرِعَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَبِذَبْحِهِ يُحِلُّ بِلَا حَلْقٍ وَتَقْصِيرٍ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ فَهُوَ حَسَنٌ أَيْ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُمَا،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قَيْلَ الْحَلْقُ وَاجِبٌ، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا أَيْ كَمَا قَالَا، وَهَذَا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ، أَمَّا إذَا أُحْصِرَ بِالْحَرَمِ فَالْحَلْقُ وَاجِبٌ كَذَا فِي شَرْحِهِ، ثُمَّ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَأَرَادَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فَعَلَ أَدْنَى مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ لِيَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي عَلَى صِيغَةِ الْجَزْمِ، وَلَكِنْ نَقَلَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ عَنْ الْمُصَفَّى بِصِيغَةِ قِيلَ وَنَصُّهُ: وَقِيلَ إنَّمَا لَا يَجِبُ الْحَلْقُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا كَانَ الْإِحْصَارُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، أَمَّا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْحَلْقُ كَذَا فِي الْمُصَفَّى اهـ.
وَفِي التَّقْيِيدِ بِالذَّبْحِ فِي الْحَرَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَوْ بَقِيَ حَيًّا فَحَلَّ الْمُحْصَرُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْلَالِهِ وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ كَمَا كَانَ حَتَّى يَحْصُلَ مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ إنْ حَلَّ مِنْ حَجٍّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ) هَذَا إنْ قَضَاهُ مِنْ قَابِلٍ، أَمَّا إذَا قَضَاهُ مِنْ عَامِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ لَوْ قَضَى مِنْ عَامِهِ لَا تَلْزَمُهُ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالتَّبْيِينِ وَنِيَّةُ الْقَضَاءِ شَرْطٌ فِي غَيْرِ مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ فِي الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا زَالَ إحْصَارُهُ) أَيْ الْقَارِنِ فِيهِ قُصُورٌ لِتَفْسِيرِ الضَّمِيرِ بِالْقَارِنِ خَاصَّةً وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي إبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى عُمُومِهِ لِشُمُولِهِ الْمُفْرِدَ إذْ لَا يَخْتَصُّ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ مَعَ إمْكَانِ إدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ بِالْقَارِنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْهَدْيِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَلَعَلَّ صَوَابَهُ عَنْ إدْرَاكِ الْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْحَجِّ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِحُرُوفِهِ، وَكَذَا عِبَارَةُ الْكَافِي (قَوْلُهُ: وَمَعَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ أَوْ بِدُونِهِمَا لَهُ أَنْ يُحِلَّ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْ لَا يَتَوَجَّهَ وَيَتَحَلَّلَ بِذَبْحِ الْهَدْيِ إذْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ التَّحَلُّلَ قَبْلَهُ وَإِنْ فُهِمَ الْحُكْمُ مِمَّا سَبَقَ وَأَخْصَرُ وَأَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُ الْكَنْزِ فَإِنْ زَالَ الْإِحْصَارُ وَقَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ وَالْحَجِّ تَوَجَّهَ وَإِلَّا لَا (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لَا الْهَدْيَ) أَقُولُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إيفَاءً بِمَا الْتَزَمَ كَمَا الْتَزَمَ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ بَعَثَ الْمُحْصَرُ هَدْيًا، ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ وَحَدَثَ آخَرُ وَنَوَى أَنْ يَكُونَ عَنْ الثَّانِي جَازَ وَحَلَّ بِهِ، وَكَذَا لَوْ بَعَثَ جَزَاءَ صَيْدٍ، ثُمَّ أُحْصِرَ فَنَوَاهُ لِلْإِحْصَارِ أَوْ قَلَّدَ بَدَنَةً وَأَوْجَبَهَا، ثُمَّ أُحْصِرَ فَنَوَاهَا لَهُ جَازَ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مَكَانَ مَا أَوْجَبَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تُجْزِيهِ إلَّا عَنْ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْوَقْفِ وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ عِنْدَهُ فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَهَا إلَى غَيْرِ تِلْكَ
стр. 258
مُحْصَرًا كَمَا إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ (لَا عَنْ أَحَدِهِمَا) يَعْنِي إذَا قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مُحْصَرًا، أَمَّا عَلَى الطَّوَافِ فَلِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهِ وَالدَّمُ بَدَلٌ عَنْهُ فِي التَّحَلُّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْوُقُوفِ فَلِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْفَوَاتِ
(عَجَزَ) عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ (فَأَحَجَّ) أَيْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ (صَحَّ عَنْهُ إنْ مَاتَ مُسْتَمِرَّ الْعَجْزِ وَنَوَاهُ) أَيْ الْمَأْمُورُ الْحَجَّ (عَنْ الْعَاجِزِ) فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ صَحَّ الْإِحْجَاجُ وَإِلَّا فَلَا قَالَ قَاضِي خَانْ هَذَا إنْ كَانَ الْآمِرُ عَاجِزًا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالزَّمَانَةِ وَالْعَمَى جَازَ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْحَجِّ
(حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْأَمْرِ يَقَعُ عَنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (فِي الصَّحِيحِ) وَقِيلَ لَا يَقَعُ عَنْهُ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَيَذْكُرُهُ الْحَاجُّ فِي التَّلْبِيَةِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَمِنْ فُلَانٍ (وَإِذَا مَرِضَ) الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ (فِي الطَّرِيقِ لَيْسَ لَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْجِهَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا عَنْ أَحَدِهِمَا. . . إلَخْ) أَقُولُ اُسْتُغْنِيَ بِهَذَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ فِي الْكَنْزِ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَلَا إحْصَارَ بَعْدَمَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ إذَا دَامَ الْإِحْصَارُ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَعَلَيْهِ لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ دَمٌ وَلِتَرْكِ رَمْيِ الْجِمَارِ دَمٌ وَلِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا اهـ.
(قُلْت) وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا لِعُذْرٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحَلُّلِهِ فِي مَكَانِهِ فِي الْحِلِّ قِيلَ لَا يَتَحَلَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَلَّلَ فِي مَكَانِهِ يَقَعُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ لِيَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ يَقَعُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الزَّمَانِ أَهْوَنُ مِنْ تَأْخِيرِهِ عَنْ الْمَكَانِ، وَقِيلَ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمْتَدُّ الْإِحْصَارُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَيَفُوتُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ جَمِيعًا فَتَحَمُّلُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى قَالَ الْعَتَّابِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ
[عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ]
(قَوْلُهُ: عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ) الْمُرَادُ بِهِ حَجُّ الْفَرْضِ وَكَانَ يَنْبَغِي التَّصْرِيحُ بِهِ إذْ النَّفَلُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ وُجْدَانَ الْعَجْزِ قَبْلَ الْأَمْرِ شَرْطٌ فَلَوْ أَمَرَ الصَّحِيحُ رَجُلًا بِالْحَجِّ عَنْهُ، ثُمَّ عَجَزَ لَمْ يُجْزِهِ وَبِهِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ وَمِنْ شَرَائِطِ النِّيَابَةِ الرُّكُوبُ إذَا أَوْصَى بِالْحَجِّ رَاكِبًا فَيَضْمَنُ الْمَأْمُورُ النَّفَقَةَ لَوْ مَشَى وَمِنْهَا كَوْنُ أَكْثَرِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِمَا أَنْفَقَ إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ مِنْ غَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَلَا يَجُوزُ حَجُّ الْغَيْرِ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَّا الْوَارِثَ يَحُجُّ عَنْ مُوَرِّثِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً كَذَا فِي الْبَحْرِ وَبَاقِي الشُّرُوطِ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: قَالَ قَاضِي خَانْ هَذَا إذَا كَانَ الْآمِرُ عَاجِزًا. . . إلَخْ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ لَا يُفِيدُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ، وَلَكِنْ الْمُرَادُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِ قَاضِي خَانْ هَذَا رَاجِعٌ إلَى شَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ فَخَصَّصَهُ بِعَجْزٍ يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْحَبْسِ، أَمَّا مَنْ بِهِ عُذْرٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ يَعْنِي عَادَةً كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَمْرُهُ بِالْحَجِّ أَيْ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ دَوَامِ عَجْزِهِ حَتَّى إذَا زَالَ عَمَاهُ لَا يَبْطُلُ الْحَجُّ عَنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَاضِي خَانْ قَالَ قَبْلَ هَذَا لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بِالْحَجِّ إلَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ عَجْزًا يَدُومُ إلَى الْمَوْتِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ. . . إلَخْ فَبَيَّنَ الْعَجْزَ الَّذِي يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ فَحَاصِلُ الْحُكْمِ أَنَّ الْآمِرَ إذَا كَانَ عُذْرُهُ يُرْجَى زَوَالُهُ فَالْأَمْرُ مُرَاعًى فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى الْمَوْتِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْآمِرِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَمَى فَأَحَجَّ غَيْرَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ أَوْ زَالَ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَالْمَبْسُوطِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اهـ.
وَقَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ إنَّ دَوَامَ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ شَرْطٌ سَوَاءٌ كَانَ الْعَجْزُ بِمَعْنًى لَا يَزُولُ أَصْلًا كَالزَّمَانَةِ أَوْ بِعَارِضٍ يُتَوَهَّمُ زَوَالُهُ فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ إلَى الْمَوْتِ وَقَعَ جَائِزًا عَنْ الْآمِرِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ حَجُّ الْإِسْلَامِ وَالْمُؤَدِّي يَصِيرُ تَطَوُّعًا لِلْآمِرِ كَذَا فِي الْكَافِي اهـ مَا قَالَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ (قُلْت) إنْ أَرَادَ كَافِي النَّسَفِيِّ فَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي الشَّرْطُ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْعُمُرِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ عَجْزٌ مُسْتَوْعِبٌ لِبَقِيَّةِ الْعُمُرِ لِيَقَعَ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ فَقُلْنَا إنْ عَجَزَ لِمَعْنًى لَا يَزُولُ كَالزَّمَانَةِ صَحَّ الْأَدَاءُ بِالنَّائِبِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بِعَارِضٍ يُتَوَهَّمُ زَوَالُهُ بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَسْجُونًا كَانَ الْأَدَاءُ بِالنَّائِبِ مُرَاعًى فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ الْعُذْرُ إلَى الْمَوْتِ تَحَقَّقَ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ فَوَقَعَ الْمُؤَدِّي جَائِزًا وَإِلَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الْيَأْسَ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَالْمُؤَدِّي تَطَوَّعَ لَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْأَمْرِ يَقَعُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ) أَقُولُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَيِّتِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، وَذَكَرَ دَلِيلَهُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَقَعُ عَنْهُ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ) هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا فِي الْكَشْفِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَا ثَمَرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْ الْآمِرِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ الْآمِرِ وَهُوَ دَلِيلُ الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ النَّائِبِ لِصِحَّةِ الْأَفْعَالِ حَتَّى لَوْ أَمَرَ ذِمِّيًّا لَا يَجُوزُ وَهُوَ دَلِيلُ الضَّعْفِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالثَّمَرَةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا تَظْهَرُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ إذَا حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الضَّعِيفِ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعُرْفَ أَنَّهُ قَدْ حَجَّ وَإِنْ وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَحْنَثُ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُهُ الْحَاجُّ فِي التَّلْبِيَةِ) فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَمِنْ
стр. 259
دَفْعُ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ لِيَحُجَّ) ذَلِكَ الْغَيْرُ (عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا إذَا قِيلَ لَهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ (وَقْتَ الدَّفْعِ اصْنَعْ مَا شِئْت فَحِينَئِذٍ جَازَ) دَفْعُهُ (مَرِضَ أَوْ لَا) لِأَنَّهُ صَارَ وَكِيلًا مُطْلَقًا
(خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ إنْ فُسِّرَ شَيْءٌ فَالْأَمْرُ عَلَى مَا فُسِّرَ وَإِلَّا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ إنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَحُجُّ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ
(أَوْصَى بِالْحَجِّ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ لَمْ يُجْزِهِ) كَذَا فِي التَّجْرِيدِ
(وَمَنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ) يَعْنِي رَجُلًا أَمَرَهُ رَجُلَانِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُمَا فَحَجَّ لَمْ يَقَعْ عَنْهُمَا، بَلْ (يَقَعُ عَنْهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ (وَضَمِنَ مَالَهُمَا) إنْ أَنْفَقَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى حَجِّ نَفْسِهِ (وَلَا يَجْعَلُهُ) أَيْ لَا يَقْدِرُ الْمَأْمُورُ أَنْ يَجْعَلَ الْحَجَّ (عَنْ أَحَدِهِمَا) وَلَكِنْ (جَازَ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) فَإِنَّهُ إنْ حَجَّ عَنْهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا وَفِي الْأَوَّلِ يَفْعَلُ بِحُكْمِ الْآمِرِ، وَقَدْ خَالَفَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فُلَانٍ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّلْبِيَةِ لَمَّا فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ. . . إلَخْ وَأَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي عَنْ فُلَانٍ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فِي نِيَّةِ الْحَجِّ فَيَصِيرُ بِهِ مُخَالِفًا
[خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ]
(قَوْلُهُ: خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى. . . إلَخْ) أَقُولُ وَلَا تَكُونُ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ عَلَى مَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ إنَّمَا يَجِبُ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ عَلَى مَنْ قَدَرَ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحَجِّ حَتَّى مَاتَ فَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَخَرَجَ عَنْ عَامِهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ إنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثَهُ) قَالَ قَاضِي خَانْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَطَنَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِهِمَا إلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْصَى بِالْحَجِّ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ لَمْ يُجْزِهِ) أَطْلَقَ الرَّجُلَ الْمُتَطَوِّعَ فَشَمِلَ الْوَارِثَ وَبِهِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِقَوْلِهِ الْمَيِّتُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَجُوزُ. اهـ.
قُلْت يَعْنِي لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ الْحَجِّ اهـ.
وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ بِالْإِحْجَاجِ أَوْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَالدَّيْنِ إذَا قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ وَهُوَ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ قَاضِي خَانْ بَعْدَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ الْوَارِثُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ جَازَ لِلْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ فَقَدْ فَرَّقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ مَا إذَا حَجَّ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَجَّ غَيْرُهُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْفَرْقِ فَلْيُنْظَرْ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ. . . إلَخْ) أَيْ إذَا أَمَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْحَجِّ عَنْهُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَأَهَلَّ عَنْهُمَا فَهِيَ عَنْهُ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ لَهُمَا وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُمَا جَمِيعًا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ جَازَ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ مُعَيِّنًا وَمُبْهِمًا لَا نَصَّ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ قَطْعًا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْكَافِي (قَوْلُهُ: بَلْ وَقَعَ عَنْهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ قَالَ فِي الْبَحْرِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَقْلًا وَلَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ قَالَ وَلَا تَقَعُ الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ جَازَ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا أَمْرٌ بِالْحَجِّ عَنْهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَرْحًا وَإِنْ كَانَ الْمَتْنُ بِخِلَافِهِ ظَاهِرًا وَحُكْمُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ كَالْوَالِدَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ إنْ حَجَّ عَنْهُمَا. . . إلَخْ) يُفِيدُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قُلْت) وَتَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ يُفِيدُ وُقُوعَ الْحَجِّ عَنْ الْفَاعِلِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْهُ وَإِنْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو بِسَبَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابُ اهـ.
وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْوَلَدِ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ جِدًّا لِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ ﷺ «لِمَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقْبَلُ مِنْهُ وَمِنْهُمَا
стр. 260
فَيَقَعُ عَنْهُ (وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ وَفِي مَالِهِ لَوْ مَيِّتًا) لِأَنَّهُ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ (وَدَمُ الْقِرَانِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَاجِّ) أَمَّا دَمُ الْقِرَانِ فَلِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَالْمَأْمُورُ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مِنْهُ هَذَا إذَا أَذِنَ لَهُ الْآمِرُ بِالْقِرَانِ وَإِلَّا فَيَصِيرُ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَأَمَّا دَمُ الْجِنَايَةِ فَلِأَنَّهُ الْجَانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَتُهُ (وَضَمِنَ) الْحَاجُّ عَنْ الْغَيْرِ (النَّفَقَة) (إنْ جَامَعَ قَبْلَ وُقُوفِهِ) وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ
(وَإِنْ مَاتَ) الْحَاجُّ عَنْ الْغَيْرِ أَوْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ (يَحُجُّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) مِنْ مَالِهِ،.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْمُفْرَزِ لِلْحَجِّ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا لِقِسْمَةِ الْوَصِيِّ بِقِسْمَةِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ لَوْ أَفْرَزَ فِي حَيَاتِهِ مَالًا وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ وَمَاتَ فَهَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِ النَّائِبِ لَا يُؤْخَذُ غَيْرُهُ فَكَذَا إذَا أَفْرَزَ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَمَتَى بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفُذُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِسْمَةَ الْوَصِيِّ وَعَزْلَهُ الْمَالَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُوصِي وَلَمْ يُسَلِّمْ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ قَدْ ضَاعَ فَتُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ (لَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ) كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ وَوَجْهُهُ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَبْطُلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الْآيَةَ.
وَقَالَ ﵊ «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كُتِبَ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ اُعْتُبِرَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَوَجْهُ قَوْلِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ قَدْ بَطَلَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا قَالَ ﵊ إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، الْحَدِيثَ.
وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَبَقِيَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ وَطَنِهِ كَأَنَّ الْخُرُوجَ لَمْ يُوجَدْ
(الْهَدْيُ) وَهُوَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» اهـ.
(قَوْلُهُ: وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْحَاجِّ؛ لِأَنَّ دَفْعَ ضَرَرِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ رَاجِعٌ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِي مَالِهِ لَوْ مَيِّتًا) فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِمَا هَلْ هُوَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ كُلِّ الْمَالِ فَقِيلَ مِنْ الثُّلُثِ كَالزَّكَاةِ، وَقِيلَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ فَصَارَ دَيْنًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَدَمُ الْقِرَانِ. . . إلَخْ) كَذَا الْمُتْعَةُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيَصِيرُ مُخَالِفًا) أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْعُمْرَةَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا، وَلَكِنْ يَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ كَالْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ إذَا اشْتَرَاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَجْرِيدِ السَّفَرِ لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ وَتَنْقِيصُهَا يُنْقِصُ الثَّوَابَ بِقَدْرِهِ فَكَانَ الْخِلَافُ ضَرَرًا عَلَيْهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: يَحُجُّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ آمِرِهِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْمُوصِي بِالْحَجِّ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَكَانًا يَحُجُّ عَنْهُ مِنْهُ وَكَانَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ يَكْفِي لِذَلِكَ بِأَنْ عَيَّنَ مَكَانًا يَحُجُّ عَنْهُ مِنْهُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ لَا يَكْفِي مِنْ مَنْزِلِ الْمُوصِي يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ:.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ. . . إلَخْ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَمَاتَ وَكَانَ مِقْدَارُ الْحَجِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا الْوَصِيُّ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَسُرِقَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنْ سُرِقَ ثَانِيًا يُؤْخَذُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ مَرَّةً أُخْرَى هَكَذَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُؤْخَذُ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ الْمَالِ وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثٌ فَإِنْ سُرِقَ ثَانِيًا لَا يُؤْخَذُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ إذَا سُرِقَتْ الْأَلْفُ الَّتِي دَفَعَهَا أَوَّلًا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ يَحُجُّ بِهِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَوَجْهُ الْأَقْوَالِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى الْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ مَاتَ الْآمِرُ فِي الطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ) أَيْ وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. . . إلَخْ، وَقَدْ خَالَفَ الْمُصَنِّفُ صَنِيعَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ بِتَقْدِيمِ تَعْلِيلِ قَوْلِهِمَا وَكَانَ يَنْبَغِي مُتَابَعَتُهُ لَهُمَا لِمَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ، ثُمَّ تَأْخِيرُ تَعْلِيلِهِمَا عَنْ تَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا مُخْتَارَ الْمُصَنِّفِ أَيْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِمَا أَنَّ قَوْلَهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَقَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيَاسٌ وَالْمَأْخُوذُ بِهِ فِي عَامَّةِ الصُّوَرِ حُكْمُ الِاسْتِحْسَانِ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ ﵊ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» الْحَدِيثَ) تَمَامُهُ «إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَهُ الْكَمَالُ: ثُمَّ قَالَ وَمَا رَوَاهُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الْعَمَلِ وَالْكَلَامُ فِي بُطْلَانِ الْقَدْرِ الَّذِي وُجِدَ فِي حُكْمِ الْعِبَادَةِ وَالثَّوَابِ وَهُوَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ لَازِمِهِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْعَمَلِ لِفَقْدِ الْعَامِلِ لَا يَسْتَلْزِمُ مَا كَانَ قَدْ وُجِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] فِيمَا كَانَ مُعْتَدًّا بِهِ حِينَ وُجِدَ، ثُمَّ طَرَأَ الْمَنْعُ مِنْهُ وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ
стр. 261
مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ لِيُتَقَرَّبَ بِهِ فِيهِ (مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ) أَيْ الذَّهَابِ بِهِ إلَى عَرَفَاتٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الْإِعْلَامُ كَالتَّقْلِيدِ (وَلَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا جَائِزُ الْأُضْحِيَّةِ) وَسَيَجِيءُ بَيَانُهَا عَنْ قَرِيبٍ (وَجَازَ الْغَنَمُ) فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِي طَوَافِ فَرْضٍ جُنُبًا وَوَطْئِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ) حَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إلَّا الْبَدَنَةُ (أَكَلَ) أَيْ جَازَ الْأَكْلُ، بَلْ اُسْتُحِبَّ (مِنْ هَدْيِ تَطَوُّعٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَّةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْهَدَايَا؛ لِأَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ شُرِعَتْ جَزَاءً لِلْجِنَايَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْحِرْمَانُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا لِزِيَادَةِ الزَّجْرِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِهَا (وَيَذْبَحُ الْأَخِيرَيْنِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ يَتَعَيَّنُ يَوْمُ النَّحْرِ لِذَبْحِهِمَا.
(وَ) يَذْبَحُ (غَيْرَهُمَا مَتَى شَاءَ وَتَعَيَّنَ الْحَرَمُ لِلْكُلِّ) مِنْ الْهَدَايَا (لَا فَقِيرِهِ لِصَدَقَتِهِ) أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ فَقِيرُ الْحَرَمِ لِصَدَقَتِهِ قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَتَعَيَّنَ يَوْمُ النَّحْرِ لِذَبْحِ الْأَخِيرَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَتَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَالِانْقِطَاعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي مُوجِبُهُ هُنَاكَ كَمَنْ صَامَ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ حَضَرَهُ الْمَوْتُ يَجِبُ أَنْ يُوصِيَ بِفِدْيَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ إمْسَاكِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بَاقِيًا اهـ (تَتِمَّةٌ) يَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيُكْرَهُ.
وَقَالَ الْكَمَالُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ إنْ حَجَّ الصَّرُورَةَ عَنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالصِّحَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي أَوَّلِ سِنَى الْإِمْكَانِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا لَوْ تَنَفَّلَ لِنَفْسِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِعَيْنِ الْحَجِّ الْمَفْعُولِ، بَلْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْفَرْضَ إذْ الْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ يُكْرَهُ إحْجَاجُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَالصَّرُورَةَ وَالْأَفْضَلُ إحْجَاجُ الْحُرِّ الْعَالِمِ بِالْمَنَاسِكِ الَّذِي حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَإِلَّا قَالَ وَيَجِبُ إحْجَاجُ الْحُرِّ. . . إلَخْ وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ عَلَى الْآمِرِ تَحْرِيمِيَّةٌ عَلَى الصَّرُورَةِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ آثِمٌ بِالتَّأْخِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[أَحْكَام الْهُدَى]
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ) أَقُولُ: وَإِذَا لَمْ يَجِبْ تَعْرِيفُهُ فَمَا كَانَ دَمَ شُكْرٍ اُسْتُحِبَّ تَعْرِيفُهُ وَمَا كَانَ دَمَ كَفَّارَةٍ اُسْتُحِبَّ إخْفَاؤُهُ وَسَتْرُهُ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ إخْفَاؤُهَا، وَلَوْ قَلَّدَ دَمَ الْإِحْصَارِ وَدَمَ الْجِنَايَاتِ جَازَ وَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ اهـ.
وَوَقْتُ تَقْلِيدِهِ مِنْ بَلَدِهِ إنْ بَعَثَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَمِنْ حَيْثُ يَحْرُمُ هُوَ السُّنَّةُ كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي طَوَافِ فَرْضٍ جُنُبًا) أَيْ أَوْ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ (قَوْلُهُ: وَوَطِئَهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ) أَيْ قَبْلَ الْحَلْقِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: أَكْل) أَيْ جَازَ الْأَكْلُ وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ أَيْضًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: بَلْ اُسْتُحِبَّ) أَيْ لِلِاتِّبَاعِ الْفِعْلِيِّ الثَّابِتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ لُحُومِ كُلِّ هَدَايَاهُ» وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ مِنْ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُفْعَلَ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ التَّصَدُّقِ بِالثُّلُثِ وَطَعَامِ الثُّلُثِ وَادِّخَارِ الثُّلُثِ وَمَحَلُّ جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْ بِأَنْ عَطِبَ أَوْ ذَبَحَهُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ تَتِمُّ الْقُرْبَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ وَفِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَا يَحْصُلُ بِهِ، بَلْ بِالتَّصَدُّقِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ لِيَحْصُلَ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ: فَقَطْ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا وَالنُّذُورِ وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَيَذْبَحُ الْأَخِيرَيْنِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَرَادَ بِالْيَوْمِ زَمَانَ النَّحْرِ وَهُوَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ (قَوْلُهُ: أَيْ يَتَعَيَّنُ يَوْمُ النَّحْرِ لِذَبْحِهِمَا) أَيْ فَلَا يُجْزِئُهُ لَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَخَّرَهُ أَجْزَأَهُ إلَّا أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَاجِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِلسُّنَّةِ عِنْدَهُمَا فَيَلْزَمُهُ دَمٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَيَذْبَحُ غَيْرَهُمَا مَتَى شَاءَ) شَامِلٌ دَمَ التَّطَوُّعِ فَيَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَكِنْ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَوْلُهَا هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَعَيَّنَ الْحَرَمُ لِلْكُلِّ مِنْ الْهَدَايَا) أَيْ فَلَا تُجْزِيهِ لَوْ ذَبَحَهَا فِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ غَيْرَهُ يَعْنِي إلَّا مَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ فَيَذْبَحُهُ فِي مَحَلِّ عَطَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمِنًى وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِنًى وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ الْكَمَالِ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ التَّطَوُّعِ كَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ بِخِلَافِ الْبَدَنَةِ الْمَنْذُورَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِالْحَرَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ قِيَاسًا عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ كَذَا فِي الْبَحْرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ نَحْرَ الْمَنْذُورَةِ بِمَكَّةَ فَتَتَقَيَّدُ بِالْحَرَمِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْكَافِي وَتَحَصَّلَ أَنَّ الدِّمَاءَ قِسْمَانِ مَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ فَقَطْ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْمُرَادُ دِمَاءُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا حَمَلْت كَلَامَهُ عَلَى دِمَاءِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الدِّمَاءَ أَرْبَعَةٌ مَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنْ دِمَاءِ الْحَجِّ وَالْهَدَايَا الْمَنْذُورَةِ وَالْمُتَطَوَّعِ بِهَا إلَى مَا عَطِبَ مِنْ التَّطَوُّعِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ كَدَمِ الْأَضَاحِيِّ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان كَدَمِ الْعَقِيقَةِ وَالْوَكِيرَةِ (قَوْلُهُ: لَا يَتَعَيَّنُ فَقِيرُ الْحَرَمِ لِصَدَقَتِهِ) أَقُولُ إلَّا أَنَّ
стр. 262
شَاءَ كَمَا تَعَيَّنَ الْحَرَمُ لِلْكُلِّ لَا فَقِيرِهِ لِصَدَقَتِهِ أَقُولُ رَبْطُ غَيْرِهَا مَتَى شَاءَ إلَى مَا قَبْلَهُ مُحْتَاجٌ إلَى تَكَلُّفٍ وَاعْتِسَافٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ مَعْرِفَةٍ وَإِنْصَافٍ وَالْعِبَارَةُ الْمُخْتَارَةُ هَاهُنَا أَخْصَرُ وَأَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا (وَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ وَخِطَامِهِ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَ جَزَّارٍ مِنْهُ وَلَا يَرْكَبُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا يَحْلُبُ لَبَنَهُ وَيُعَالِجُ لِقَطْعِهِ) بِنَضْحِ ضَرْعِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ
(مَا عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ بِفَاحِشٍ فَفِي وَاجِبِهِ إبْدَالُهُ وَالْمَعِيبُ لَهُ وَفِي نَقْلِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَنَحَرَ بَدَنَةَ النَّفْلِ إنْ عَطِبَتْ) أَيْ قَرُبَتْ إلَى الْهَلَاكِ (فِي الطَّرِيقِ وَصَبَغَ نَعْلَهَا) أَيْ قِلَادَتَهَا (بِدَمِهَا وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهَا لِيَأْكُلَ الْفَقِيرُ فَلَوْ شَهِدُوا بِوُقُوفِهِمْ بَعْدَ وَقْتِهِ لَا تُقْبَلُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: رَبْطُ وَغَيْرَهُمَا مَتَى شَاءَ إلَى مَا قَبْلَهُ مُحْتَاجٌ إلَى تَكَلُّفٍ وَاعْتِسَافٍ) هَذَا إذَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي غَيْرِهِمَا تَعَيَّنَ فَلَا يُنَاسِبُهُ مَتَى شَاءَ، وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ لَهُ عَامِلٌ يُنَاسِبُهُ كَذَبْحٍ فَلَا اعْتِسَافَ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ
وَزَجَّجْنَا الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا
أَيْ كَحَّلْنَا
وَعَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
أَيْ سَقَيْتهَا (قَوْلُهُ: وَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ وَخِطَامِهِ) الْجُلُّ مَا يُلْبَسُ عَلَى الدَّابَّةِ اتِّقَاءَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخِطَامُ الزِّمَامُ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْبَدَنَةُ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا لِهَدْيِهِ ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَلَوْ بَاعَ الْوَلَدَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَإِنْ اشْتَرَى بِهَا هَدْيًا فَحَسَنٌ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا فَحَسَنٌ اعْتِبَارًا لِلْقِيمَةِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُذْبَحَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ فَكَذَلِكَ بِالْقِيمَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَ جَزَّارٍ مِنْهُ) فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ اللَّحْمِ أَوْ مُعَاوَضَةً، وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ جَازَ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرْكَبُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ رُكُوبَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ حَرَامٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ قَطْعِيًّا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ أَيْضًا وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ رَكِبَ أَوْ حَمَلَ فَنَقَصَتْ ضَمِنَ مَا نَقَصَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ وَأَطْلَقَهُ أَيْ الْهَدْيَ فَشَمِلَ مَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ لِمَا. رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مَرْفُوعًا «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا لَجَئْت إلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا إنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ.
(قُلْت) الْمُصَرَّحُ بِهِ خِلَافُهُ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَمَنْ سَاقَ بَدَنَةً فَاضْطُرَّ إلَى رُكُوبِهَا فَإِنْ رَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ وَنَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ ضَمِنَ النُّقْصَانَ وَتَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا لَمْ يَرْكَبْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَهَا بِالسَّوْقِ وَبِالرُّكُوبِ يَصِيرُ كَالْمُرْتَجِعِ لَهَا اهـ، وَكَذَا صَرَّحَ الْبُرْجَنْدِيُّ بِقَوْلِهِ وَلَا يَرْكَبُ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْمَشْيِ، وَإِذَا رَكِبَهَا وَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ اهـ، وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْكَبْهَا إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رُكُوبِهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَك» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا مُحْتَاجًا، وَلَوْ رَكِبَهَا فَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ كَافِي الْحَاكِمِ قَالَ فَإِنْ رَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ يَعْنِي إنْ نَقَصَهَا ذَلِكَ ضَمِنَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلُبُ لَبَنَهُ وَيُعَالِجُ لِقَطْعِهِ) هَذَا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَحْلُبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِلَبَنِهَا كَيْ لَا يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: يَنْضَحُ ضَرْعُهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ) النَّضْحُ الرَّشُّ وَنَضَحَ يَنْضِحُ بِكَسْرِ الضَّادِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ يَنْضَحُ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَنَفَعَ فَعَلَى هَذَا تُكْسَرُ ضَادُهُ وَتُفْتَحُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْكَنْزِ وَيَنْضِحُ ضَرْعَهَا بِالنُّقَاخِ بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ وَالْقَافِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَاءُ الْعَذْبُ الَّذِي يَنْفُخُ الْفُؤَادَ بِبَرْدِهِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ فَفِيهِ زِيَادَةٌ عَنْ لَفْظِ الْمَاءِ الْبَارِدِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَذْبًا
(قَوْلُهُ: أَوْ تَعَيَّبَ بِفَاحِشٍ) هُوَ مَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِيَأْكُلَ الْفَقِيرُ فَقَطْ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ (قَوْلُهُ: شَهِدُوا بِوُقُوفِهِمْ بَعْدَ وَقْتِهِ لَا تُقْبَلُ) كَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي هُمْ بِهَا فِي مِنًى مُتَوَجِّهِينَ إلَى عَرَفَاتٍ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجْنَا بِهِ مِنْ مَكَّةَ الْمُسَمَّى بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَانَ التَّاسِعَ لَا الثَّامِنَ وَلَا يُمْكِنُ لَلْإِمَامَ الْوُقُوفُ بِأَنْ يَسِيرَ إلَى عَرَفَاتٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَقِفَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِالنَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا وَيَقِفُ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ صَارَ كَشَهَادَتِهِمْ بَعْدَ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ فِي اللَّيْلِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَلَا يُدْرِكُهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ لَزِمَهُ الْوُقُوفُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ فَاتَ حَجُّهُ لِتَرْكِ الْوُقُوفِ فِي وَقْتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَلَا يَجُوزُ وُقُوفُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُمْ وَعَلَيْهِمْ إعَادَتُهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْوُقُوفَ لِمَعْنًى يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُ مَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَقْتُهُ شَرْعًا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ النَّاسُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ التَّاسِعُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» أَيْ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْيَوْمُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَرَأَى أَنَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ
стр. 263
وَلَوْ) شَهِدُوا بِوُقُوفِهِمْ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وَقْتِهِ (قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ) يَعْنِي أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي يَوْمٍ وَشَهِدَ قَوْمٌ بِأَنَّهُمْ وَقَفُوا بَعْدَ يَوْمِ الْوُقُوفِ أَيْ وَقَفُوا يَوْمَ النَّحْرِ لَا تُقْبَلُ وَيُجْزِيهِمْ حَجُّهُمْ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُجْزِيَهُمْ؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ عِبَادَةً مُخْتَصًّا بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةً بِدُونِهِمَا فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَوْ فِي غَيْرِ عَرَفَاتٍ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُمْ نَفْيُ حَجِّهِمْ فَلَا تُقْبَلُ؛ وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْخَطَإِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالتَّدَارُكُ مُتَعَذِّرٌ وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِعَادَةِ حَرَجٌ ظَاهِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَإِنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ
(رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَالثَّالِثَةَ) وَتَرَكَ الْأُولَى (فَإِنْ) قَصَدَ التَّكْمِيلَ وَ (رَمَى الْأُولَى) فَقَطْ (جَازَ) لِحُصُولِ الْكُلِّ، وَلَوْ بِلَا تَرْتِيبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ (أَوْ) رَمَى (الْكُلَّ بِالتَّرْتِيبِ حَسُنَ) لِرِعَايَةِ التَّرْتِيبِ الْمَسْنُونِ
(نَذَرَ حَجًّا مَشْيًا مَشَى حَتَّى يَطُوفَ الْفَرْضَ) يَعْنِي أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ
(اشْتَرَى جَارِيَةً أَحْرَمَتْ بِالْإِذْنِ) أَيْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدُوا بِوُقُوفِهِمْ قَبْلَهُ قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ) قَالَ الْكَمَالُ ﵀ الْكَلَامُ فِي تَصْوِيرِ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ وُقُوفَهُمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عَلَى أَنَّهُ التَّاسِعُ لَا يُعَارِضُهُ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ الثَّامِنُ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ الثَّامِنَ إنَّمَا يَكُونُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ ثَبَتَ بِإِكْمَالِ عِدَّةِ ذِي الْقَعْدَةِ وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ التَّاسِعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَهَذِهِ شَهَادَاتٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَالْقَائِلُونَ إنَّهُ الثَّامِنُ حَاصِلُ مَا عِنْدَهُمْ نَفْيٌ مَحْضٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَرَآهُ الَّذِينَ شَهِدُوا وَهِيَ شَهَادَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنٌ بَعْدَ نَقْلِهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَفَ النَّاسُ لَا يَثْبُتُ بِهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ انْحَصَرَ التَّصْوِيرُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَيْ الْكَمَالُ، بَلْ صُورَتُهُ لَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ بِالنَّاسِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَشَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُ الْيَوْمُ الثَّامِنُ فَقَدْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ وَالتَّدَارُكُ مُمْكِنٌ فَهِيَ شَهَادَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِمْ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَلَا بِدْعَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ اهـ.
(قُلْت) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ حَمْلُ الْإِمَامِ عَلَى الْوُقُوفِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ مُسْتَحِيلٌ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ وَقَالُوا غَلَبَةُ الظَّنِّ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ فِي هَذَا شَهَادَةَ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَسْمَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُ قَدْ تَمَّ حَجُّ النَّاسِ وَلَا رِفْقَ فِي شَهَادَتِكُمْ لَهُمْ، بَلْ فِيهِ تَهْيِيجُ الْفِتْنَةِ وَالْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا (قَوْلُهُ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ حَقِيقَةً وَهِيَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةٍ قَبْلَ رُؤْيَةِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَتَمَامِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَإِنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ) عَلِمْت مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ: لِرِعَايَةِ التَّرْتِيبِ الْمَسْنُونِ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يَتَعَلَّقُ الْجَوَازُ بِتَقْدِيمِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِخِلَافِ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلطَّوَافِ وَبِخِلَافِ الْمَرْوَةِ فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ مِنْ الصَّفَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْوَاقِعُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَمَرَاتِ فَمَحْمُولٌ عَلَى السُّنَّةِ إذْ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَخَيَّرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ بَعْدَ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا مَكْرُوهٌ وَرَاكِبًا أَفْضَلُ، وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا وَالْمَشْيُ فِي الْحَجِّ صِفَةٌ كَمَال قَالَ ﷺ «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا فَلَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ مَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ كُلُّ حَسَنَةٍ بِسَبْعِمِائَةٍ» وَالْمَشْيُ الْوَاجِبُ لَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ الْمَكِّيِّ الْفَقِيرُ إذَا أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ إلَى عَرَفَاتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مَاشِيًا، وَكَذَا الطَّوَافُ وَمَا كَرِهَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَشْيَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا كَرِهَهُ إذَا كَانَ مَظِنَّةَ سُوءِ الْخُلُقِ كَأَنْ يَكُونَ صَائِمًا مَعَ الْمَشْيِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْإِثْمِ فِي مُجَادَلَةِ الرَّفِيقِ وَالْخُصُومَةِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا كُفَّ بَصَرُهُ مَا أَسِفْت عَلَى شَيْءٍ كَأَسَفِي عَلَى أَنْ لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّمَ الْمُشَاةَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] مِنْ الْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ يُبْتَدَأُ بِالْمَشْيِ وَالْكَمَالُ قَالَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَحَلِّ وُجُوبِ ابْتِدَاءِ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهُ قِيلَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عُرْفًا اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا حُكْمَ مَا لَوْ رَكِبَ، وَقَالَ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ إنْ رَكِبَ فِي الْكُلِّ أَرَاقَ دَمًا، وَكَذَا إنْ رَكِبَ فِي الْأَكْثَرِ وَإِنْ رَكِبَ فِي الْأَقَلِّ تَصَدَّقَ بِقَدْرِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ إنَّمَا يَرْكَبُ إذَا
стр. 264
إذْنِ مَوْلَاهَا حَتَّى لَوْ أَحْرَمَتْ بِدُونِهِ لَا تَكُونُ مُحْرِمَةً (لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (أَنْ يُحَلِّلَهَا بِقَصِّ شَعْرٍ أَوْ قَلْمِ ظُفْرٍ فَيُجَامِعُهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِالْجِمَاعِ) تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ
﴿كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ . وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْكِتَابِ بِكِتَابِ الْحَجِّ وُقُوعُ الْأُضْحِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُضَحَّى بِهَا وَتُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيَّ عَلَى وَزْنِ أَفَاعِلَ مِنْ أَضْحَى يُضْحِي إذَا دَخَلَ فِي الضُّحَى وَيُسَمَّى مَا يُذْبَحُ أَيَّامَ النَّحْرِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُذْبَحُ وَقْتَ الضُّحَى تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ وَقْتِهِ وَفِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِحَيَوَانٍ مَخْصُوصٍ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ يُذْبَحُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهَا وَسَبَبِهَا، وَشَرَائِطُهَا الْإِسْلَامُ وَالْإِقَامَةُ وَالْيَسَارُ الَّذِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ وَشَقَّ الْمَشْيُ فَإِذَا قَرُبَتْ وَهُوَ مِمَّنْ يَعْتَادُ الْمَشْيَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْكَبَ
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ أَحْرَمَتْ بِدُونِهِ لَا تَكُونُ مُحْرِمَةً) سَهْوٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا تَكُونُ مُحْرِمَةً، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا الْمَوْلَى قَالَ فِي الْكَافِي إنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ لَا لِلِابْتِدَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ صَحَّ وَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا.
وَقَالَ الْكَمَالُ الْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ إذَا أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيُحَلِّلَهُ بِلَا هَدْيٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَصْنَعَ بِهِ أَدْنَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ كَقَلْمِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وَعَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ هَدْيُ الْإِحْصَارِ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجَّةٍ وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى كُرِهَ لَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ حَلَّلَهُ حَلَّ اهـ.
وَكَذَا مِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْإِحْصَارِ وَغَيْرِ مَا كِتَابٍ، وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ الْمَسْأَلَةَ كَمَا هِيَ فِي مَتْنِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهَا وَيُجَامِعَهَا.
وَقَالَ زُفَرُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ سَبَقَ مِلْكُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَنْكُوحَةً وَلَنَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلِّلَهَا فَكَذَا الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي اهـ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتُك، بَلْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهَا بِأَمْرِهِ كَالِامْتِشَاطِ بِأَمْرِهِ بِقَصْدِ التَّحْلِيلِ، وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ الَّتِي أَحْرَمَتْ بِنَفْلٍ أَوْ أَمَتَهُ الْمُحْرِمَةَ وَلَا يَعْلَمُ بِإِحْرَامِهَا أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّحْلِيلَ لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا، وَقَدْ فَسَدَ حَجُّهَا، وَلَوْ حَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ فَحَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ هَكَذَا مِرَارًا، ثُمَّ حَجَّتْ مِنْ عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنْ كُلِّ التَّحْلِيلَاتِ، وَلَوْ لَمْ تَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ كَانَ عَلَيْهَا لِكُلِّ تَحْلِيلٍ عُمْرَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَهَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي رُبْعِ الْعِبَادَاتِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْفَرِ مِنَّتِهِ وَالْهِبَاتِ وَاَللَّهَ أَسْأَلُ وَبِنَبِيِّهِ ﷺ أَتَوَسَّلُ أَنْ يَنْفَعَنِي وَالْمُسْلِمِينَ بِهِ النَّفْعَ الْعَمِيمَ وَأَنْ يَصُونَهُ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ أُعِيذُهُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ]
[شَرَائِطُ الْأُضْحِيَّة]
(كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ) (قَوْلُهُ: وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُضَحَّى بِهَا) كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْأُضْحِيَّةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى (قَوْلُهُ: وَتُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيَّ) يَعْنِي بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ تُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيَّ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى أَفَاعِلَ كَالْأَرَاوِيِّ جَمْعُ الْأَرْوِيَةِ وَيُقَالُ ضَحِيَّةٌ وَضَحَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا وَيُقَالُ أَضْحَاةٌ وَتُجْمَعُ عَلَى أَضْحَى كَأَرْطَاةٍ وَأَرْطَى اهـ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْأَضْحَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِيهَا ثَمَانِ لُغَاتٍ ضَمُّ الْهَمْزِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَمَعَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ لُغَتَانِ فَتْحُ الضَّادِ وَكَسْرُهَا وَأَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا اهـ نَقَلَهَا الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ الزِّيَادِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ (قَوْلُهُ: فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ) الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ لِيَشْمَلَ الذَّبْحَ لَيْلًا (قَوْلُهُ: عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهَا) يَقْتَضِي أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمُسَافِرَ إذَا ذَبَحَهَا لَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً شَرْعًا وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَأَيْضًا يَتَكَرَّرُ قَوْلُهُ: عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا بِقَوْلِهِ فِي وَقْتٍ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ هُوَ السَّبَبُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ ذَبْحِ حَيَوَانٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ اهـ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ (قَوْلُهُ: وَشَرَائِطُهَا الْإِسْلَامُ وَالْإِقَامَةُ) سَوَاءٌ الْإِقَامَةُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْأَحْضَارِ وَالْبَوَادِي لِأَهْلِهَا وَلَيْسَ الْمِصْرُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ عَلَى الْحَاجِّ وَأَرَادَ بِالْحَاجِّ الْمُسَافِرَ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأُضْحِيَّةُ وَإِنْ حَجُّوا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَفِي الْأَصْلِ قَالَ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ مَا خَلَا الْحَاجَّ وَأَرَادَ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ الْمُقِيمِينَ وَبِالْحَاجِّ الْمُسَافِرِينَ فَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَعَلَيْهِمْ الْأُضْحِيَّةُ وَإِنْ حَجُّوا اهـ قُلْت فَمَا نَقَلَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْخُجَنْدِيِّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ إذَا كَانَ مُحْرِمًا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ اهـ يُحْمَلُ عَلَى إطْلَاقِ الْأَصْلِ وَيُحْمَلُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الْمُسَافِرِ اهـ.
وَمَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ، أَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمُوسِرِ الْمُقِيمِ فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْمُسَافِرِ اهـ لَا يَكُونُ قَيْدًا مُخْرِجًا لِلْمُقِيمِ بِغَيْرِ الْأَمْصَارِ
(تَنْبِيهٌ) مَا ذُكِرَ مِنْ الشَّرَائِطِ شَرَائِطُ وُجُوبِهَا وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا تُعْلَمُ مِنْ بَاقِي كَلَامِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُرِّيَّةَ صَرِيحًا لِعِلْمِهَا مِنْ قَوْلِهِ وَالْيَسَارُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ، ثُمَّ إنَّهَا تَجِبُ فِي وَقْتِهَا مُوَسَّعًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ جُزْءٍ مِنْهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقَاوِيلِ حَتَّى إذَا صَارَ أَهْلًا فِي آخِرِهِ بِأَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَيْسَرَ أَوْ أَقَامَ فِي آخِرِهِ يَجِبُ وَبِعَكْسِهِ لَا كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ ضَحَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ فَقِيرٌ، ثُمَّ أَيْسَرَ فِي آخِرِهِ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا
стр. 265
يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَسَبَبُهَا الْوَقْتُ وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ وَرُكْنُهَا ذَبْحُ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا (هِيَ شَاةٌ مِنْ فَرْدٍ) أَيْ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ شَاةٍ (وَبَدَنَةٌ) هِيَ بَعِيرٌ (أَوْ بَقَرَةٌ) كَمَا مَرَّ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ وَاحِدٍ (إلَى سَبْعَةٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْبَدَنَةُ كُلُّهَا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ قُرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ لَا تَتَجَزَّأُ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ «جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وَلَا نَصَّ فِي الشَّاةِ فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَتَجُوزُ عَنْ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَنْ سَبْعَةٍ (إنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ أَقَلُّ مِنْ سُبْعٍ) حَتَّى إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنًا وَامْرَأَةً وَبَقَرَةً وَضَحَّيَا بِهَا لَمْ تَجُزْ فِي نَصِيبِ الِابْنِ أَيْضًا لِفَوَاتِ وَصْفِ الْقُرْبَةِ فِي الْبَعْضِ وَعَدَمِ تَجَزِّي هَذَا الْفِعْلُ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً كَذَا فِي الْكَافِي (وَصَحَّ) لِوَاحِدٍ (إشْرَاكُ سِتَّةٍ) أَيْ جَعْلُهُمْ شُرَكَاءَ لَهُ (فِي بَدَنَةٍ مَشْرِيَّةٍ) اشْتَرَاهَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ (لِأُضْحِيَّةٍ) اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ لَا يُعِيدُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُضَحِّ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ، ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا صَارَتْ قِيمَتُهَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ يَتَصَدَّقُ بِهَا مَتَى وَجَدَهَا، وَلَوْ مَاتَ الْمُوسِرُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يُضَحِّيَ سَقَطَتْ عَنْهُ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُوجَدْ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُوسِرَ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَمْ يُضَحِّ حَتَّى مَضَتْ، ثُمَّ افْتَقَرَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِعَيْنِهَا وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ فَلَوْ كَانَتْ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ لَكَانَ دَوَامُهَا شَرْطًا كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ حَيْثُ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ وَالْخَارِجِ وَاصْطِلَامُ الزَّرْعِ آفَةٌ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَسَبَبُهَا الْوَقْتُ) لَا نِزَاعَ فِي سَبَبِيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ) مِنْ إضَافَةِ السَّبَبِ إلَى حُكْمِهِ يُقَالُ يَوْمُ الْأَضْحَى كَقَوْلِهِمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْعِيدِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَرُكْنُهَا. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهَا وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ فِي الدُّنْيَا وَالْوُصُولُ إلَى الثَّوَابِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعُقْبَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: إلَى سَبْعَةٍ) أَيْ مُرِيدِينَ الْقُرْبَةَ وَسَوَاءٌ اتَّفَقَتْ جِهَاتُ الْقُرْبَةِ أَوْ اخْتَلَفَتْ كَأُضْحِيَّةٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَإِحْصَارٍ وَكَفَّارَةِ شَيْءٍ أَصَابَهُ فِي الْإِحْرَامِ وَتَطَوُّعٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ وَعَقِيقَةٍ عَنْ وَلَدٍ وُلِدَ لَهُ مِنْ قَبْلُ كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الضَّحَايَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ الْوَلِيمَةَ وَهِيَ ضِيَافَةُ التَّزْوِيجِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَجُوزُ وَرَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كُرِهَ الِاشْتِرَاكُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَهَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، (قُلْت) إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُرِيدُ الْعَقِيقَةَ بِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَهُ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الْأُضْحِيَّةِ نَسَخَ كُلَّ دَمٍ كَانَ قَبْلَهَا مِنْ الْعَقِيقَةِ وَالرَّجَبِيَّةِ وَالْعَتِيرَةِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْعَقِيقَةِ مَنْ شَاءَ فَعَلَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْإِبَاحَةِ فَيَمْنَعُ كَوْنَهُ سُنَّةً، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَا يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ وَلَا عَنْ الْجَارِيَةِ وَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ كَانَتْ فَضْلًا وَمَتَى نُسِخَ الْفَضْلُ لَا تَبْقَى إلَّا الْكَرَاهَةُ، ثُمَّ قَالَ فِي دَلِيلِنَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ مَنْ شَاءَ فَلْيَعُقَّ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةً» هَذَا يَنْفِي كَوْنَ الْعَقِيقَةِ سُنَّةً؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعَقَّ بِالْمَشِيئَةِ، وَهَذَا أَمَارَةُ الْإِبَاحَةِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: فِي الْبَدَائِعِ يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى الْوَلِيمَةَ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُبْتَغِي مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ حَيْثُ قَالَ الْوَلِيمَةُ طَعَامُ الْعُرْسِ وَالْخُرْسُ طَعَامُ الْوِلَادَةِ وَالْمَأْدُبَةُ طَعَامُ الْخِتَانِ وَالْوَكِيرَةُ طَعَامُ الْبِنَاءِ وَالْعَقِيقَةُ طَعَامُ الْحَلْقِ وَالنَّقِيعَةُ طَعَامُ الْقَادِمِ وَالْوَضِيمَةُ طَعَامُ التَّعْزِيَةِ وَكُلُّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ إلَّا طَعَامَ الْعُرْسِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ الْجِيرَانَ وَالْأَقْرِبَاءَ وَالْأَصْدِقَاءَ وَيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَيَذْبَحَ لَهُمْ وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُجِيبَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ آثِمٌ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا أَجَابَ وَدَعَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا أَكَلَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ عَنْ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ) أَقُولُ، وَكَذَا عَنْ الِاثْنَيْنِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ نِصْفَ السَّبْعِ يَكُونُ تَبَعًا لِثَلَاثَةِ الْأَسْبَاعِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَالْعِنَايَةِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ فِي نَصِيبِ الِابْنِ) اقْتَصَرَ فِي نُسْخَةٍ عَلَى بَيَانِهِ وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ الْأُمِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي نَصِيبِهَا بِالْأَوْلَى وَالتَّعْلِيلُ يُرْشِدُ إلَيْهِ وَفِي نُسْخَةٍ إثْبَاتُ لَفْظَةِ أَيْضًا فَهِيَ نَصٌّ فِي الْحُكْمِ وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى مِنْوَالِ هَذَا مَا إذَا اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِي خَمْسِ بَقَرَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ فَذَبَحُوهَا أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ بَقَرَةٍ سُبْعًا، وَلَوْ اشْتَرَكَ ثَمَانِيَةٌ فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ لَمْ تُجْزِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَقَرَةٍ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْقَصَ مِنْ السُّبْعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَكَ الثَّمَانِيَةُ فِي ثَمَانِيَةٍ مِنْ الْبَقَرِ لَا تُجْزِيهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَقَرَةٍ تَكُونُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ وَلَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّ لِوَاحِدٍ إشْرَاكُ سِتَّةٍ) مَحْمُولٌ عَلَى الْغِنَى؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ لِوُجُوبِ التَّضْحِيَةِ بِهَا وَمَعَ ذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْغِنَى إذَا اشْتَرَكَ بَعْدَ
стр. 266
سَمِينَةً وَلَا يَجِدُ الشَّرِيكَ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذَا (وَنُدِبَ كَوْنُهُ) أَيْ الْإِشْرَاكِ (قَبْلَ الشِّرَاءِ) لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الْخِلَافِ، وَعَنْ صُورَةِ الرُّجُوعُ فِي الْقُرْبَةِ (وَيُقْسَمُ اللَّحْمُ وَزْنًا لَا جُزَافًا إلَّا إذَا ضُمَّ مَعَهُ مِنْ أَكَارِعِهِ أَوْ جِلْدِهِ) أَيْ يَكُونُ فِي كُلِّ جَانِبٍ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَمِنْ الْأَكَارِعِ أَوْ يَكُونُ فِي كُلِّ جَانِبٍ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَبَعْضُ الْجِلْدِ أَوْ يَكُونُ فِي جَانِبٍ لَحْمٌ وَأَكَارِعُ وَفِي آخَرَ لَحْمٌ وَجِلْدٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ
(وَتَجِبُ) .
وَفِي الْجَوَامِعِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَوَجْهُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَمِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ لَا يَلْحَقُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ (عَلَى حُرٍّ) فَإِنَّهَا قُرْبَةٌ مَالِيَّةٌ فَلَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالْمِلْكِ وَالْمَالِكُ هُوَ الْحُرُّ (مُسْلِمٍ) فَإِنَّ الْقُرْبَةَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْمُسْلِمِ (مُقِيمٍ) فَإِنْ أَدَاءَهَا يَخْتَصُّ بِأَسْبَابٍ تَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ وَتَفُوتُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُ كَالْجُمُعَةِ (مُوسِرٍ يَسَارَ الْفِطْرَةِ) فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ وَهُوَ الْغَنِيُّ وَمِقْدَارُهُ مَا يَجِبُ بِهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ (لِنَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَجِبُ (لَا طِفْلِهِ) أَيْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَى أَحَدٍ بِسَبَبِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ، وَالسَّبَبُ فِيهَا رَأْسٌ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ تَجِبُ عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ (بَلْ يُضَحِّي أَبُوهُ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ) أَيْ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ (إنْ كَانَ) لَهُ مَالٌ (أَوْ) يُضَحِّي (وَصِيُّهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْأَبِ (وَأَكَلَ الطِّفْلُ وَبَاقِيهِ) بَعْدَ الْأَكْلِ (بِبَدَلٍ بِمَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ) مِنْ آلَاتِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهَا فِي الْهِدَايَةِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُضَحِّي مِنْ مَالِهِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ وَيَبْتَاعُ بِمَا بَقِيَ مَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ.
وَفِي الْكَافِي، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ مَالِهِ أَيْ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ
(لَا تُذْبَحُ) الْأُضْحِيَّةُ (فِي الْمِصْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مَا اشْتَرَاهَا لِلْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ لِقِصَّةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَكَذَلِكَ هُنَا فَأَمَّا إذَا كَانَ فَقِيرًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرَاءِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ لِلْوُجُوبِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ، وَلَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِكَرَاهَةِ اشْتِرَاكِ الْغَنِيِّ فِي الْهِدَايَةِ، بَلْ قَالَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاشْتِرَاكُ بَعْدَ الشِّرَاءِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ كَوْنُهُ أَيْ الْإِشْرَاكِ قَبْلَ الشِّرَاءِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْأَصْلِ، وَقَالَ فِيهِ أَسْتُحْسِنَ ذَلِكَ أَيْ جَوَازَ الْإِشْرَاكِ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَيْ الْإِشْرَاكَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا كَانَ أَحْسَنَ اهـ.
وَتَبِعَهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَلَا تُفِيدُهُ عِبَارَتُهُمْ (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ) أَقُولُ وَنَفَى جَوَازَ قَسْمِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ جُزَافًا بِمَعْنًى لَا يَصِحُّ لَا بِمَعْنًى لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا حَقِيقِيًّا فَيَقْتَضِي الْحُرْمَةَ بِالْفَضْلِ، بَلْ إنَّهُ كَهِبَةِ مَشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَلَا يَمْلِكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَيْنَ بِمُجَرَّدِ نَقْضِهِ فَلِلْمَالِكِ نَقْضُ الْقِسْمَةِ حَتَّى إذَا لَمْ أَلْهَبْهَا حَتَّى أَكَلَ اللَّحْمَ تَمَّ الْأَمْرُ وَلَا حُرْمَةَ وَلَا ضَمَانَ لِرِضَا الْمَالِكِ بِإِتْلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُهُ الْأَغْنِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي
(قَوْلُهُ: وَتَجِبُ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا عَرِيضَةٌ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: فِي الْجَوَامِعِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْجَوَامِعِ اسْمُ كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ صَنَّفَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) أَقُولُ وَيُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: فِي الْهِدَايَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَأَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ مِنْ التَّصْحِيحَيْنِ عَدَمُ الْوُجُوبِ قَالَ فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ لَا تَجِبُ عَلَى طِفْلِهِ الْفَقِيرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَا عَنْ الْغَنِيِّ مِنْ مَالِهِ فِي أَصَحِّ مَا يُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ) قَالَ قَاضِي خَانْ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تَجِبُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ لَيْسَ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ الْأَبُ لَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ فَإِنْ فَعَلَ الْوَصِيُّ يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَضْمَنُ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْأَبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَأْكُلُ لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا يَضْمَنُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ، أَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ. اهـ.
[وَقْت الْأُضْحِيَّة]
(قَوْلُهُ: لَا تُذْبَحُ الْأُضْحِيَّةُ فِي الْمِصْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ الْكَنْزِ لَا يَذْبَحُ مِصْرِيٌّ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ إذَا ذَبَحَ فِي الْمِصْرِ لَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ حِيلَةُ الْمِصْرِيِّ إذَا أَرَادَ التَّعْجِيلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى خَارِجِ الْمِصْرِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ فِيهِ فَيُضَحِّيَ فِيهِ كُلَّمَا طَلَعَ الْفَجْرُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ إلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْمِصْرِ كَيْ لَا يَشْتَغِلَ بِهَا عَنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ حَقِيقَةُ الْفَرَاغِ مِنْهَا عَلَى مَا قَالَ قَاضِي خَانْ فَإِنْ ضَحَّى بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَيَكُونُ مُسِيئًا، وَلَوْ ضَحَّى بَعْدَمَا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً جَازَتْ الْأُضْحِيَّةُ عِنْدَ الْكُلِّ اهـ
стр. 267
(وَتُذْبَحُ فِي غَيْرِهِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى غُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ) فَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ وَبَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَآخِرُهُ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (وَاعْتُبِرَ الْآخِرُ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَالْوِلَادَةِ وَالْمَوْتِ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ غَنِيًّا فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ فَقِيرًا فِي آخِرِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَفِي الْعَكْسِ تَجِبُ وَإِنْ وُلِدَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ لَا تَجِبُ
(وَكُرِهَ الذَّبْحُ لَيْلًا) وَإِنْ جَازَ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ (تُرِكَتْ) التَّضْحِيَةُ (وَمَضَتْ أَيَّامُهَا) اعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ وَالْكُلُّ يَمْضِي بِأَرْبَعَةٍ أَوَّلُهَا نَحْرٌ لَا غَيْرُ وَآخِرُهَا تَشْرِيقٌ لَا غَيْرُ وَالْمُتَوَسِّطَانِ نَحْرٌ وَتَشْرِيقٌ وَالتَّضْحِيَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً وَالتَّصَدُّقُ تَطَوُّعٌ مَحْضٌ، وَإِذَا تُرِكَتْ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّضْحِيَةِ (تَصَدَّقَ بِهَا) أَيْ بِالْأُضْحِيَّةِ نَفْسِهَا (حَيَّةً نَاذِرٌ لِمُعَيَّنَةٍ) أَيْ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ شَاةٌ، وَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ تَصَدَّقَ بِهَا أَيْضًا (فَقِيرٌ شَرَاهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةَ (لَهَا) أَيْ لِلتَّضْحِيَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ بِالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ عِنْدَنَا.
(وَ) تَصَدَّقَ (بِقِيمَتِهَا غَنِيٌّ شَرَاهَا أَوْ لَا) يَعْنِي إنْ كَانَ غَنِيًّا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ ذَبَحَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ قَالُوا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا فَإِنْ اشْتَغَلَ الْإِمَامُ فَلَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ فَاتَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الْأَدَاءِ لَا فِي الْقَضَاءِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ انْتَهَى كَلَامُ الْبَدَائِعِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُحِيطِ وَهُوَ نَقَلَهُ عَنْ الْقُدُورِيِّ فِي شَرْحِهِ وَنَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِمْ الْأُضْحِيَّةُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ الزَّوَالِ إلَّا إذَا كَانُوا لَا يَرْجُونَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ فَحِينَئِذٍ يُجْزِيهِمْ. اهـ. وَالْإِمَامُ إذَا صَلَّى الْعِيدَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَضَحَّى النَّاسُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَجْزَأَتْهُمْ الصَّلَاةُ وَالذَّبَائِحُ لِلضَّرُورَةِ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ صَلَاةُ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ مَشْغُولُونَ بِأَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ صَلَاةُ الْعِيدِ وَيَجُوزُ لَهُمْ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ كَمَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْقُرَى اهـ.
وَمِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ أَهْلَ مِنًى هُمْ مَنْ بِهَا مِنْ الْحَاجِّ وَأَهْلِ مَكَّةَ (قَوْلُهُ: وَتُذْبَحُ فِي غَيْرِهِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) شَامِلٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَقَدْ قَالَ قَاضِي خَانْ فَأَمَّا أَهْلُ السَّوَادِ وَالْقُرَى وَالرِّبَاطَاتِ عِنْدَنَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَوَادِي لَا يُضَحُّونَ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ اهـ.
وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّبْيِينِ وَمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنْ إطْلَاقِ جَوَازِ التَّضْحِيَةِ لِغَيْرِ الْمِصْرِيِّ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَشَمِلَ أَهْلُ الْبَوَادِيَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ وَبَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ) فِيهِ نَظَرٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ أَوَّلُ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا أَنَّ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ فَلَا تَصِحُّ قَبْلَهَا لِعَدَمِ الشَّرْطِ لَا لِعَدَمِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا جَازَتْ التَّضْحِيَةُ فِي الْقُرَى بَعْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ لَا يَخْتَلِفُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى اهـ.
وَقَدَّمْنَا مِثْلَهُ (قَوْلُهُ: اعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ) لَكِنْ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا وَأَدْوَنُهَا آخِرُهَا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: وَالتَّضْحِيَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ هَذَا الدَّلِيلُ يَشْمَلُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ اهـ.
(قُلْت) فِيهِ إيهَامُ جَوَازِ التَّصَدُّقِ بِالْقِيمَةِ عَنْ وَاجِبِ الْأُضْحِيَّةِ لِلْغَنِيِّ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا يُجْزِيهِ التَّصَدُّقُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بِالْقِيمَةِ لِمَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّهُ لَا إشْكَالَ أَنَّ الْمُوسِرَ لَا يُجْزِيهِ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَإِقَامَةُ الْمُتَقَوِّمِ مَقَامُ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ لَا يَجُوزُ وَإِرَاقَةُ الدَّمِ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ التَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَالتَّصَدُّقِ اهـ بِمَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَالتَّصَدُّقُ) أَيْ بِثَمَنِهَا تَطَوُّعٌ مَحْضٌ فَكَانَتْ هِيَ أَفْضَلُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: نَاذِرٌ لِمُعَيَّنَةٍ) شَامِلٌ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ إلَّا أَنَّ الْغَنِيَّ إذَا عَنَى بِالنَّذْرِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ الشَّارِعِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا هِيَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاتَيْنِ عِنْدَنَا شَاةٍ لِأَجْلِ النَّذْرِ وَشَاةٍ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ تَلْزَمُهُ شَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ مُعْسِرٌ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، ثُمَّ أَيْسَرَ فِيهَا فَعَلَيْهِ شَاتَانِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَفَقِيرٌ شَرَاهَا لَهَا) كَذَا لَوْ اشْتَرَاهَا غَنِيٌّ لَهَا وَافْتَقَرَ بَعْدَمَا مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَيْنِهَا أَوْ بِقِيمَتِهَا وَإِنْ افْتَقَرَ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَهَا قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ سَقَطَتْ عَنْهُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: وَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا غَنِيٌّ شَرَاهَا أَوَّلًا) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّصَدُّقِ بِعَيْنِهَا وَيُفِيدُهُ مَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ إنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْغَنِيِّ عَيَّنَهَا أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا
стр. 268
تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ الْأُضْحِيَّةِ اشْتَرَى أَوْ لَمْ يَشْتَرِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْغَنِيِّ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ الْعُهْدَةِ كَالْجُمُعَةِ تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِهَا ظُهْرًا وَالصَّوْمِ بَعْدَ الْعَجْزِ فِدْيَةٌ
(صَحَّ) لِلتَّضْحِيَةِ (الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) الضَّأْنُ مَا يَكُونُ لَهُ أَلْيَةٌ وَالْجَذَعُ شَاةٌ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ (وَ) صَحَّ (الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهُوَ) أَيْ الثَّنِيُّ (ابْنُ خَمْسٍ مِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِبِلِ (وَحَوْلَيْنِ مِنْ الثَّانِي) أَيْ الْبَقَرِ (وَحَوْلٍ مِنْ الثَّالِثِ) أَيْ الْغَنَمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الثَّنِيَّ فَصَاعِدًا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا الضَّأْنَ فَإِنَّ الْجَذَعَ مِنْهُ يُجْزِئُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ضَحُّوا بِالثَّنَايَا إلَّا أَنْ يَعْسَرَ عَلَى أَحَدِكُمْ فَلْيَذْبَحْ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» .
(وَ) صَحَّ (الْجَمَّاءُ) أَيْ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا (وَالْخَصِيُّ وَالثَّوْلَاءُ) أَيْ الْمَجْنُونَةُ (لَا الْعَمْيَاءُ وَالْعَوْرَاءُ) أَيْ ذَاتُ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ (وَالْعَجْفَاءُ) بِحَيْثُ لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا (وَعَرْجَاءُ لَا تَمْشِي إلَى الْمَنْسَكِ وَمَقْطُوعٌ يَدُهَا أَوْ رِجْلُهَا وَمَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ أُذُنِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ عَيْنِهَا أَوْ أَلْيَتِهَا) وَقِيلَ الثُّلُثُ، وَقِيلَ الرُّبْعُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَعَلَى الْفَقِيرِ بِالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ عِنْدَنَا فَإِذَا فَاتَ وَقْتُ التَّقَرُّبِ بِالْإِرَاقَةِ وَالْحَقُّ مُسْتَحَقٌّ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ الْعُهْدَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالْجُمُعَةِ تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِهَا ظُهْرًا) ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ الْوَقْتِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ هُوَ الظُّهْرُ
[مَا يَصِحّ لِلْأُضْحِيَّةِ]
(قَوْلُهُ: وَالْجَذَعُ شَاةٌ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مَعْزًا أَوْ ضَأْنًا وَجَذَعُ الضَّأْنِ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَظِيمًا سَمِينًا لَوْ رَآهُ إنْسَانٌ يَحْسَبُهُ ثَنِيًّا وَالثَّنِيُّ مِنْ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ جَذَعِهِ وَالْأُنْثَى مِنْ الْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ الْبَقَرِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّكَرِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْقِيمَةِ وَاللَّحْمِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَالذَّكَرُ مِنْ الْمَعْزِ أَفْضَلُ، وَكَذَا الذَّكَرُ مِنْ الضَّأْنِ إذَا كَانَ مَوْجُوءًا أَيْ خَصِيًّا وَاسْتَوَيَا وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّ الْبَدَنَةَ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ قَلْبُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ قِيمَةُ الشَّاةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ فَالشَّاةُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ﵀ الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الْكَبِيرُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ وَالْبَدَنَةِ سَوَاءً كَانَتْ الشَّاةُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْبَقَرَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ لَحْمًا وَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ سُبْعِ الْبَقَرَةِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْقِيمَةِ وَاللَّحْمِ؛ لِأَنَّ لَحْمَ الشَّاةِ أَطْيَبُ فَإِنْ كَانَ الْبَقَرَةُ أَكْثَرَ لَحْمًا فَسُبْعُ الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ وَالْبَقَرَةُ أَفْضَلُ مِنْ سِتِّ شِيَاهٍ إذَا اسْتَوَيَا قِيمَةً وَلَحْمًا وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَقَرَةٍ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ أَسْمَنَ وَأَحْسَنَ؛ لِأَنَّهَا مَطِيَّةُ الْآخِرَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ وَمَهْمَا كَانَتْ الْمَطِيَّةُ أَعْظَمَ وَأَسْمَنَ كَانَتْ عَلَى الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ أَقْدَرَ وَأَفْضَلُ الشَّاةِ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا أَمْلَحَ أَقْرَنَ مَوْجُوءًا» وَالْأَقْرَن الْعَظِيمُ وَالْأَمْلَحُ الْأَبْيَضُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «دَمُ الْغَبْرَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ دَمِ السَّوْدَاوَيْنِ وَإِنَّ أَحْسَنَ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ الْبَيَاضُ وَاَللَّهُ خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ وَخَلَقَ أَهْلَهَا بِيضًا» وَالْمَوْجُوءُ هُوَ مَدْقُوقُ الْخُصْيَتَيْنِ قِيلَ هُوَ الْخَصِيُّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْبِطَ الْأُضْحِيَّةَ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ وَأَنْ يُقَلِّدَهَا وَيُجَلِّلَهَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَقَلَائِدِهَا اعْتِبَارًا بِالْهَدَايَا وَالْجَامِعُ أَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] اهـ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ الْجَمَّاءُ) وَهِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ مَسْكُورًا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقَاضِي خَانْ وَالتَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ فَإِنْ بَلَغَ الْكَسْرُ الْمُشَاشَ لَا يُجْزِي وَالْمُشَاشُ رُءُوسُ الْعِظَامِ مِثْلُ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّوْلَاءُ) هَذَا إذَا كَانَتْ تُعْتَلَفُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تُعْتَلَفُ لَا يُجْزِيهِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَحَكَاهُ فِي الْهِدَايَةِ بِصِيغَةِ قِيلَ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ يُضَحَّى بِالثَّوْلَاءِ إذَا كَانَتْ تُعْتَلَفُ بِأَنْ كَانَتْ سَمِينَةً لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ السَّوْمِ وَالرَّعْيِ وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُهَا مِنْهُ لَا تُجْزِيهِ اهـ.
وَلَا بَأْسَ بِالْجَرْبَاءِ السَّمِينَةِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ: وَالْعَجْفَاءُ بِحَيْثُ لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا) وَيُقَالُ لِلْمُخِّ نَقِيٌّ، وَإِذَا اشْتَرَاهَا سَمِينَةً فَصَارَتْ عَجْفَاءَ لَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الطَّحَاوِيِّ يَجُوزُ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ: وَعَرْجَاءُ لَا تَمْشِي عَلَى الْمَنْسَكِ) أَيْ الْمَذْبَحِ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ أُذُنِهَا. . . إلَخْ) رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ الصَّحِيحُ أَنَّ الثُّلُثَ وَمَا دُونَهُ قَلِيلٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الثُّلُثُ) أَيْ مَانِعُ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ جَازَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَيْنُهَا) قَالُوا مَعْرِفَةُ الْمِقْدَارِ الذَّاهِبِ مِنْ الْعَيْنِ بِشَدِّ الْمَعِيبَةِ بَعْدَ إمْسَاكِ الْعَلَفِ عَنْهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَمَا جَاءَتْ، ثُمَّ يُقَرَّبُ الْعَلَفُ إلَيْهَا قَلِيلًا قَلِيلًا فَإِذَا رَأَتْهُ عُلِمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، ثُمَّ تُشَدُّ عَيْنُهَا الصَّحِيحَةُ وَيُقَرَّبُ إلَيْهَا قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى إذَا رَأَتْهُ عُلِمَ مِنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ ثُلُثًا فَالذَّاهِبُ هُوَ الثُّلُثُ أَوْ نِصْفًا فَنِصْفٌ، وَلَوْ تَعَيَّبَتْ فِي حَالَةِ الْإِضْجَاعِ بِنَحْوِ كَسْرِ وَذَهَابِ عَيْنٍ لَا يَضُرُّ، وَلَوْ انْفَلَتَتْ بَعْدَهُ وَأَخَذَهَا مِنْ فَوْرِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الرُّبْعُ) أَيْ مَانِعُ لَا مَا دُونَهُ، وَهَذَا رِوَايَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 269
وَعِنْدَهُمَا إنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَأَهُ
(مَاتَ أَحَدُ سَبْعَةٍ) اشْتَرَوْا بَقَرَةً لِلْأُضْحِيَّةِ (وَقَالَ وَرَثَتُهُ) لِلسِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ (اذْبَحُوهَا عَنْهُ وَعَنْكُمْ صَحَّ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْإِتْلَافِ فَلَا يَجُوزُ عَنْ الْغَيْرِ كَالْإِعْتَاقِ عَنْ الْمَيِّتِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقُرْبَةَ قَدْ تَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ كَالتَّصَدُّقِ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامَ الْوَلَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَيْضًا الْبَقَرَةُ تَجُوزُ عَنْ سَبْعَةٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ الْكُلُّ الْقُرْبَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَ جِهَاتُهَا (كَبَقَرَةٍ عَنْ أُضْحِيَّةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) فَإِنَّهَا تَجُوزُ عِنْدَنَا لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ (وَلَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمْ كَافِرًا أَوْ قَاصِدَ لَحْمٍ لَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقُرْبَةِ، وَكَذَا قَصْدُ اللَّحْمِ يُنَافِيهَا
(وَيَأْكُلُ) مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ (وَيُؤْكِلُ غَيْرَهُ) مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ وَلَا يُعْطِي أَجْرَ الْجَزَّارِ مِنْهَا) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَنُدِبَ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِهَا) لِأَنَّ الْجِهَاتِ ثَلَاثٌ الْأَكْلُ وَالِادِّخَارُ وَالْإِطْعَامُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا إنْ بَقِيَ الْأَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَأَهُ) اخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَقَوْلُهُمَا رِوَايَةُ رَابِعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْإِضَافِيَّةِ فَمَا كَانَ مُتَضَايِقَةً أَقَلَّ مِنْهُ يَكُونُ كَثِيرًا وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَكُونُ قَلِيلًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إذَا كَانَا سَوَاءً احْتِيَاطًا لِاجْتِمَاعِ جِهَةِ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْأَكْثَرِ لِلْجَوَازِ وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) يُكْرَهُ ذَبْحُ الشَّاةِ الْحَامِلِ إذَا كَانَتْ مُشْرِفَةً عَلَى الْوِلَادَةِ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَلَا تَجُوزُ الْهَتْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأَسْنَانِ الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ كَالْأُذُنِ وَالذَّنَبِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ مَا يُمْكِنُ الِاعْتِلَافُ بِهِ أَجْزَأَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَاَلَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا وَهِيَ تُعْتَلَفُ لَا تَجُوزُ وَإِنْ بَقِيَ لَهَا بَعْضُ الْأَسْنَانِ إنْ بَقِيَ مِنْ الْأَسْنَانِ قَدْرُ مَا تُعْتَلَفُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا الْهَتْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ تُرْعَى وَتُعْتَلَفُ جَازَتْ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَأَمَّا السَّكَّاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةً لَا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً تَجُوزُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ بَعْدَ أَنْ تُسَمَّى أُذُنًا قَالَهُ قَاضِي خَانْ وَلَا تَجُوزُ الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا تَأْكُلُ غَيْرَ الْعُذْرَةِ وَلَا الْحَذَّاءُ وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الضَّرْعِ وَلَا الْمُصَرَّمَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْضِعَ فَصِيلَهَا وَلَا الْجَدَّاءُ وَهِيَ الَّتِي يَبِسَ ضَرْعُهَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَلَا تُجْزِي الْجَدْعَاءُ وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الْأَطْبَاءِ وَهِيَ رُءُوسُ ضَرْعِهَا فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُهَا جَازَ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَيَجُوزُ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ قِبَلَ وَجْهِهَا وَهِيَ الْمُقَابَلَةُ، وَكَذَا الْمُدَابَرَةُ وَهِيَ عَلَى الْعَكْسِ، وَكَذَا الشَّرْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ وَسَطِ أُذُنِهَا فَنَفَذَ الْخَرْقُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْحُوَّةُ وَهِيَ الَّتِي فِي عَيْنِهَا حَوَلٌ وَالْمَجْزُوزَةُ الَّتِي جُزَّ صُوفُهَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ اهـ.
وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يُضَحَّى بِالشَّرْقَاءِ وَالْخَرْقَاءِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُدَابَرَةِ» فَالنَّهْيُ فِي الشَّرْقَاءِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُدَابَرَةِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَفِي الْخَرْقَاءِ عَلَى الْكَثِيرِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْحَمْلِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِوُرُودِ النَّهْيِ مُتَعَدِّدًا فَفِي مَرَّةٍ عَلَى النَّدْبِ وَأُخْرَى عَلَى الْمَنْعِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ كَافِرًا أَوْ قَاصِدَ لَحْمٍ لَا يَصِحُّ) أَيْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقُرْبَةِ) أَيْ فَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ فَإِذَا لَمْ تَقَعْ قُرْبَةً عَنْ الْبَعْضِ خَرَجَ الْكُلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً لِعَدَمِ تَجَزِّي الْإِرَاقَةِ
(قَوْلُهُ: وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَهَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ إذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةَ النَّذْرِ وَإِنْ وَجَبَتْ بِهِ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا إطْعَامُ الْأَغْنِيَاءِ سَوَاءٌ كَانَ النَّاذِرُ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا لِأَنَّ سَبِيلَهَا التَّصَدُّقُ وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ صَدَقَتِهِ وَلَا أَنْ يُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ اهـ وَسَوَاءٌ ذَبَحَهَا فِي أَيَّامِهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِ الشَّاةِ فَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا، وَلَكِنَّهُ ذَبَحَهَا يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا وَيُجْزِيهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُنْقِصْهَا الذَّبْحُ وَإِنْ نَقَصَهَا يَتَصَدَّقُ بِاللَّحْمِ وَفِيهِ النُّقْصَانُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا غَرِمَ قِيمَتَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ يُضَحِّي بِالْأُمِّ وَالْوَلَدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْوَلَدِ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَةِ مَا أَكَلَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِوَلَدِهَا حَيًّا وَإِنْ حَلَبَ اللَّبَنَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ جَزَّ صُوفَهَا يَتَصَدَّقُ بِهِمَا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَإِنْ انْتَفَعَ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ جَازَ فَإِنْ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَلَدًا يُذْبَحُ مَعَ الْأُمِّ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ.
وَقَالَ أَيْضًا وَإِنْ بَاعَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تَعَيَّنَتْ لِلْأُضْحِيَّةِ وَالْوَلَدُ يَحْدُثُ عَلَى وَصْفِ الْأُمِّ فِي الصِّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ الْمُوجَبَةِ بِالنَّذْرِ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ كَالْفَقِيرِ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَأَمَّا الْمُوسِرُ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَوَلَدَتْ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوُجُوبُ فِيهَا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ وَفِي الثَّانِي لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِغَيْرِهَا فَكَذَا وَلَدُهَا، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ، وَقَالَ كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ يَجِبُ ذَبْحُ الْوَلَدِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَسْرِ إلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَكَانَ كَجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا فَإِنْ ذَبَحَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ بَاعَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ
стр. 270
(وَ) نُدِبَ (تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ التَّصَدُّقِ (لِذِي عِيَالٍ) تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ
(وَالذَّبْحُ بِيَدِهِ أَحْسَنُ إنْ أَحْسَنَ وَإِلَّا أَمَرَ غَيْرَهُ وَكُرِهَ ذَبْحُ كِتَابِيٍّ) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَوْ أَمَرَهُ فَذَبَحَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَالْقُرْبَةُ حَصَلَتْ بِإِنَابَتِهِ وَنِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْمَجُوسِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا أَوْ يَجْعَلُهُ آلَةً كَجِرَابٍ وَخُفٍّ وَفَرْوٍ أَوْ يُبْدِلُهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَاقِيًا لَا مُسْتَهْلَكًا كَالْأَطْعِمَةِ) وَهُوَ يُنَافِي الْقُرْبَةَ (فَإِنْ بِيعَ اللَّحْمُ أَوْ الْجِلْدُ بِهِ) أَيْ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مُسْتَهْلَكًا (تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ) لِأَنَّ الْقُرْبَةَ انْتَقَلَتْ إلَى بَدَلِهِ
(غَلِطًا وَذَبَحَ كُلٌّ شَاةَ صَاحِبِهِ صَحَّ بِلَا غُرْمٍ) اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ وَيَغْرَمَ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ لِتَعَيُّنِهَا لِلْأُضْحِيَّةِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بِعَيْنِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَصَارَ الْمَالِكُ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلذَّبْحِ آذِنًا لَهُ دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ إقَامَتِهَا لِمَانِعٍ، وَإِذَا غَلِطَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْلُوخَتَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِيمَا فَعَلَ دَلَالَةً وَإِنْ كَانَا أَكَلَا، ثُمَّ عَلِمَا فَلْيُحْلِلْ كُلٌّ صَاحِبَهُ وَإِنْ تَشَاحَّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُضَمِّنَ صَاحِبَهُ قِيمَةَ لَحْمِهِ، ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ اللَّحْمِ
(وَصَحَّتْ) التَّضْحِيَةُ (بِشَاةِ الْغَصْبِ لَا الْوَدِيعَةِ وَضَمِنَهَا) وَجْهُ الصِّحَّةِ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْغَصْبِ ثَبَتَ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَفِي الْوَدِيعَةِ يَصِيرُ غَاصِبًا بِالذَّبْحِ فَيَقَعُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ هَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ يَصِيرُ غَاصِبًا بِمُقَدِّمَاتِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ذَبَحَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَأَكَلَ مِنْهُ كَالْأُمِّ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ ذَبْحُهُ فَصَارَ كَالشَّاةِ الْمَنْذُورَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى إذَا وَضَعَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَذَبَحَ الْوَلَدَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْأُمِّ أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَصَدَّقَ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الصِّغَارَ تَدْخُلُ فِي الْهَدَايَا وَيَجِبُ ذَبْحُهَا فَإِذَا وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ تَعَلَّقَ بِوَلَدِهَا مِنْ الْحُكْمِ مَا تَعَلَّقَ بِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ فَاتَ بِمُضِيِّ الْأَيَّامِ اهـ عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ: وَنُدِبَ تَرْكُهُ) أَيْ التَّصَدُّقِ لِذِي عِيَالٍ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ كَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَ لَحْمَهَا فَيَدَّخِرَ مِنْهَا كَمَا شَاءَ وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ ذَا عِيَالٍ فَيَدَعُهُ لِعِيَالِهِ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ الْأَفْضَلُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُبْتَغِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيَتَّخِذَ الضِّيَافَةَ بِالثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا عِيَالٍ فَلَهُ أَنْ يَدَعَهُ لِعِيَالِهِ وَيُوَسِّعَ بِهِ عَلَيْهِمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَمَرَ غَيْرَهُ) أَقُولُ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَهَا «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَك فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ وَقُولِي إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَا إنَّهُ يُجَاءُ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِك وَسَبْعُونَ ضِعْفًا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً أَمْ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً فَقَالَ ﷺ لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْمَبْسُوطِ وَالْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ بِيعَ اللَّحْمُ أَوْ الْجِلْدُ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّحْمَ كَالْجِلْدِ فَلَهُ تَبْدِيلُهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّحْمِ إلَّا الْأَكْلُ أَوْ الْإِطْعَامُ فَلَوْ بَاعَ بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ اللَّحْمَ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ إنْ بَاعَهُ بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ جَازَ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِاللَّحْمِ ثَوْبًا فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ اشْتَرَى بِلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ مَأْكُولًا فَأَكَلَهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِقِيمَةِ اللَّحْمِ اسْتِحْسَانًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: غَلِطَا وَذَبَحَ كُلٌّ شَاةً صَاحِبِهِ صَحَّ بِلَا غُرْمٍ) يَعْنِي شَاةَ الْأُضْحِيَّةِ وَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِهِ كَمَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ لِيُفِيدَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْأُضْحِيَّةِ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ اهـ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْأُضْحِيَّةِ وَضَمَّنَهُ مَالِكُهَا قِيمَتَهَا جَازَتْ عَنْ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْإِرَاقَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ أَخَذَهَا مَالِكُهَا مَذْبُوحَةً أَجْزَأَتْ مَالِكَهَا عَنْ التَّضْحِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَاهَا فَلَا يَضُرُّهُ ذَبْحُهَا غَيْرُهُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَإِذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ الْغَيْرِ نَاوِيًا عَنْ مَالِكِهَا بِغَيْرِ أَمَرَهُ جَازَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ لِتَعَيُّنِهَا لِلْأُضْحِيَّةِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بِعَيْنِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُضَحِّي فَقِيرًا وَيُكْرَهُ أَنْ يُبَدِّلَ بِهَا غَيْرَهَا أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ غَنِيًّا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ﵀ هَكَذَا وَجَدْت بِخَطِّ شَيْخِي ﵀ اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا عَيَّنَهَا لِجِهَةِ الذَّبْحِ صَارَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ وَاحِدٍ فِي التَّضْحِيَةِ دَلَالَةً وَصَرِيحًا سَوَاءٌ أَطْلَقَ فِي الْأَصْلِ وَقَيَّدَهَا فِي الْأَجْنَاسِ بِمَا إذَا أَضْجَعَهَا صَاحِبُهَا لِلتَّضْحِيَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ. . . إلَخْ) أَيْ قَالَهُ بَحْثًا وَمَا بَحَثَهُ نَقَلَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فَقَالَ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ لِلزَّاهِدِيِّ بِعَلَامَةِ صَدْرِ الدِّينِ حُسَامٍ، وَقِيلَ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا بِالْإِضْجَاعِ وَالشَّدِّ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَاةِ الْوَدِيعَةِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ يَكُونُ الْمَذْبُوحُ مَغْصُوبًا وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ ذَبْحِ الْوَدِيعَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْصَبَ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ الْوَدِيعَةِ كُلُّ شَاةٍ كَانَتْ أَمَانَةً كَمَا فِي الْفَيْضِ عَنْ نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيّ
стр. 271
الذَّبْحِ كَالْإِضْجَاعِ وَشَدِّ الرِّجْلِ، فَيَكُونُ غَاصِبًا قَبْلَ الذَّبْحِ أَقُولُ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَإِثْبَاتُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ فِي الْإِضْجَاعِ وَشَدِّ الرِّجْلِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالذَّبْحِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ
﴿كِتَابُ الصَّيْدِ أَوْرَدَهُ هَا هُنَا لِذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ (وَهُوَ) لُغَةً الِاصْطِيَادُ وَيُسَمَّى الْمِصْيَدُ صَيْدًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ كَضَرْبِ الْأَمِيرِ (يَحِلُّ بِكُلِّ ذِي نَابٍ) مِنْ السِّبَاعِ (وَمِخْلَبٍ) مِنْ الطُّيُورِ الْمِخْلَبُ ظُفْرُ الطَّائِرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الْمُرَادُ مِنْ ذِي نَابٍ الَّذِي يَصِيدُ بِنَابِهِ وَمِنْ ذِي مِخْلَبٍ الَّذِي يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ لَا كُلَّ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ فَإِنَّ الْحَمَامَةَ لَهَا مِخْلَبٌ وَالْبَعِيرَ لَهُ نَابٌ الْأَوَّلُ (كَكَلْبٍ وَفَهْدٍ وَ) الثَّانِي نَحْوُ (بَازٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ وَيُشْتَرَطُ لِمَا يُؤْكَلُ أَيْ لِجَوَازِ أَكْلِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ الصَّيْدِ أُمُورٌ بِخِلَافِ مَا لَا يُؤْكَلُ فَإِنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي جَوَازِ صَيْدِهِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْهَا (عَلَّمَهُمَا) أَيْ عَلَّمَ ذِي نَابٍ وَذِي مِخْلَبٍ كَيْفِيَّةَ الصَّيْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِثَعْلَبَةَ «مَا صِدْت بِكَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَمَا صِدْت بِكَلْبِك غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَكُلْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
(وَ) مِنْهَا (جَرْحُهُمَا أَيَّ مَوْضِعٍ مِنْهُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ خَنَقَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ وَلَمْ يَجْرَحْهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ (وَ) مِنْهَا (إرْسَالُ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ إيَّاهُمَا) أَيْ إرْسَالُ مَنْ لَهُ مِلَّةُ التَّوْحِيدِ دَعْوَى وَاعْتِقَادًا كَالْمُسْلِمِ أَوْ دَعْوَى لَا اعْتِقَادًا كَالْكِتَابِيِّ وَسَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ فَإِنْ انْبَعَثَ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازِي عَلَى أَثَرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ الصَّيْدِ]
ِ) (قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الِاصْطِيَادُ) قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى تَعْرِيفِهِ شَرْعًا وَلَهُ فِي الشَّرْعِ أَحْكَامٌ وَشَرَائِطُ وَهِيَ مَا يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَيُشْتَرَطُ لِمَا يُؤْكَلُ. . . إلَخْ وَالصَّيْدُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ إلَّا فِي الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ صَيْدُ الْبَرِّ وَالْحَرَمِ لِغَيْرِ الْفَوَاسِقِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا فَإِنَّهَا يَجُوزُ صَيْدُهَا فِي الْحَرَمِ اسْتِدْفَاعًا لِشَرِّهَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ اهـ.
وَهُوَ مُبَاحٌ إلَّا إذَا كَانَ لِلتَّلَهِّي أَوْ يَأْخُذُهُ حِرْفَةً كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الِاصْطِيَادُ عَلَى قَصْدِ اللَّهْوِ مَكْرُوهٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) أَيْ إلَّا الْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَسَدَ وَالدُّبَّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِغَيْرِهِمَا الْأَسَدُ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَالدُّبُّ لِخَسَاسَتِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ الذِّئْبَ بَدَلَ الدُّبِّ، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُعَلَّمَانِ عَادَةً؛ وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ يُعْرَفُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَهُمَا أَيْ الدُّبُّ وَالْأَسَدُ لَا يَأْكُلَانِ الصَّيْدَ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْأَكْلِ عَلَى التَّعَلُّمِ حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ التَّعَلُّمُ مِنْهُمَا وَعُرِفَ ذَلِكَ جَازَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْحِدَأَةَ بِهِمَا لِخَسَاسَتِهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَا يُؤْكَلُ فَإِنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي جَوَازِ صَيْدِهِ) إنْ أَرَادَ بِهِ جَوَازَ الِاصْطِيَادِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الصَّائِدُ مُحْرِمًا لِغَيْرِ الْفَوَاسِقِ وَإِنْ أَرَادَ بِالْجَوَازِ حِلَّ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ مَثَلًا فَيُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ وَالْجَرْحُ وَكَوْنُ الْجَارِحِ مُعَلَّمًا لِطَهَارَةِ جِلْدِهِ كَمَا يُفِيدُهُ آخِرَ الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: مُكَلِّبِينَ) أَيْ مُسَلِّطِينَ وَالتَّكْلِيبُ إغْرَاءُ السَّبُعِ عَلَى الصَّيْدِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ مَعْنَى مُكَلِّبِينَ مُعَلِّمِينَ الِاصْطِيَادَ تُعَلِّمُونَهُنَّ تُؤَدِّبُونَهُنَّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) . رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَدَلِيلُهُ فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: إرْسَالُ مُسْلِمٍ) أَيْ غَيْرِ مُحْرِمٍ وَهُوَ يُضْبَطُ عَلَى نَحْوِ مَا نَذْكُرُ فِي الذَّبَائِحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالصَّابِئ كَالْكِتَابِيِّ لِمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ لِلْعَيْنِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت ذَبِيحَةَ الصَّابِئِ وَصَيْدَهُ يَحِلُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ. اهـ. وَسَنَذْكُرُ فِي الذَّبَائِحِ تَمَامَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ بِعَمَلٍ آخَرَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَذُكِرَ لِحِلِّ الصَّيْدِ خَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا عَنْ النِّهَايَةِ وَكُلُّهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَّا هَذَا لَكِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَقْعُدُ عَنْ طَلَبِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْ بَصَرِهِ بَعْدَ إرْسَالِ الْجَارِحِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ، فَيَكُونُ فِي طَلَبِهِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِعَمَلٍ آخَرَ حَتَّى يَجِدَهُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَلْحَقَهُ الْمُرْسِلُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ وَالتَّوَارِي (قَوْلُهُ: أَوْ دَعْوَى لَا اعْتِقَادًا كَالْكِتَابِيِّ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لِلسَّرَخْسِيِّ شَرْطُنَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ وَأَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ تَوْحِيدُهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَوْ يَظْهَرُ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ يَدَّعِي الِاثْنَيْنِ لَا تَصِحُّ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ فَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ وَصَيْدُهُ وَيَحِلُّ مِنْ الْكِتَابِيِّ لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرًا وَإِنْ أَضْمَرَ غَيْرَهُ وَهُوَ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مَعْبُودًا لَهُمْ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا
стр. 272
الصَّيْدِ بِغَيْرِ إرْسَالٍ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ وَمِنْهَا التَّسْمِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (مُسَمِّيًا) أَيْ غَيْرَ تَارِكٍ لِلتَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ فَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا مُتَوَحِّشًا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (عَلَى مُمْتَنِعٍ مُتَوَحِّشٍ مَأْكُولٍ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤْكَلَ.
(وَ) مِنْهَا (عَدَمُ شَرِكَةِ كَلْبٍ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ) كَكَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ أَوْ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ كَلْبٍ لَمْ يُرْسَلْ لِلصَّيْدِ أَوْ أَرْسَلَ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا.
(وَ) مِنْهَا (عَدَمُ طُولِ وَقْفَتِهِ بَعْدَ إرْسَالِهِ) فَإِنَّهَا إنْ طَالَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ الِاصْطِيَادُ مُضَافًا إلَى الْإِرْسَالِ (إلَّا إذَا كَمَنَ الْفَهْدُ) فَإِنَّهَا حِيلَتُهُ فِي الِاصْطِيَادِ، فَيَكُونُ مُضَافًا إلَى الْإِرْسَالِ قَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ نَاقِلًا عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْفَهْدِ خِصَالٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْهَا أَنَّهُ يَكْمُنُ لِلصَّيْدِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ مِنْهُ لِلصَّيْدِ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُجَاهِرَ بِالْخِلَافِ فِي عَدُوِّهِ، وَلَكِنْ يَطْلُبُ الْفُرْصَةَ حَتَّى يَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ غَيْرِ إتْعَابِ نَفْسِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّمُ بِالضَّرْبِ، وَلَكِنْ يُضْرَبُ الْكَلْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَيَتَعَلَّمُ بِذَلِكَ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَّعِظَ بِغَيْرِهِ كَمَا قِيلَ السَّعِيدُ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْخَبِيثَ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِ اللَّحْمِ الطَّيِّبَ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَّا الطَّيِّبَ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَثْبُتُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَيَقُولُ لَا أَقْتُلُ نَفْسِي فِيمَا أَعْمَلُ لِغَيْرِي وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ
(وَيُعَلَّمُ الْمُعَلَّمُ بِتَرْكِ أَكْلِ الْكَلْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَرُجُوعِ الْبَازِي بِدُعَائِهِ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ وَلِأَنَّ بَدَنَ الْكَلْبِ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ فَيُمْكِنُ ضَرْبُهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ وَبَدَنُ الْبَازِي لَا يَحْتَمِلُهُ فَاكْتَفَى بِغَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيمِ فَإِنَّ فِي طَبْعِهِ نُفُورًا وَيَعْلَمُ زَوَالَهُ بِرُجُوعِهِ بِالدُّعَاءِ (وَالْفَهْدُ وَنَحْوُهُ بِهِمَا) يَعْنِي أَنَّ الْفَهْدَ وَنَحْوَهُ يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ وَعَادَتُهُ الِافْتِرَاسُ وَالنُّفُورُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالْإِجَابَةِ جَمِيعًا كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَلَا يُؤْكَلُ مِمَّا أَكَلَ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ) لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَنَّ تَعَلُّمَهُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا أَكَلَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ (بِخِلَافِ الْبَازِي) لِمَا عَرَفْت أَنَّ تَعَلُّمَهُ لَيْسَ بِهِ لِيَكُونَ ضِدُّهُ دَلِيلَ الْجَهْلِ (وَلَا) يُؤْكَلُ أَيْضًا (مَا أَكَلَ) أَيْ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ (مِنْهُ بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِأَنَّهُ عَلَامَةَ الْجَهْلِ (وَلَا) يُؤْكَلُ أَيْضًا (مَا صَادَ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَمَا أَكَلَ بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (حَتَّى يَتَعَلَّمَ أَوْ قَبْلَهُ) أَيْ لَا يُؤْكَلُ مَا صَادَهُ قَبْلَ مَا أَكَلَ بَعْدَ التَّرْكِ (لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ) فَإِنَّ مَا أَتْلَفَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْحُرْمَةُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ وَمَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ بِأَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَبِيرًا وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَجُوسِيِّ وَالْكِتَابِيِّ فَرْقٌ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ بِالرَّأْيِ سِوَى أَنَّ مَنْ يَدَّعِي التَّوْحِيدَ يَصِحُّ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، وَمَنْ يَدَّعِي الِاثْنَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ دُونَ مَا يُضْمِرُونَ فَلَوْ اعْتَبَرْنَا مَا يُضْمِرُونَ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُمْ وَلِذَلِكَ يُسْتَحْلَفُونَ فِي الْمَظَالِمِ بِاَللَّهِ اهـ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ: عَلَى مُمْتَنِعٍ مُتَوَحِّشٍ مَأْكُولٍ) قَيْدُ الْمَأْكُولِ مُسْتَدْرَكٌ بِمَا قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ وَيُشْتَرَطُ لِمَا يُؤْكَلُ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَمَنَ الْفَهْدُ) لَا يَخْتَصُّ بِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا الْكَلْبُ إذَا اعْتَادَ الِاخْتِفَاءَ لَا يَقْطَعُ فَوْرَ الْإِرْسَالِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَهْدِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِلْفَهْدِ خِصَالٌ. . . إلَخْ) بَقِيَ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَعْدُو خَلْفَ صَاحِبِهِ حَتَّى يُرْكِبَهُ خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيَّ فَلَا أَذِلُّ كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ (قُلْت) فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ لِمَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ ذَا عِلْمٍ فَلَا يَسْعَى لِمَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ لِتَعْلِيمِهِ اهـ لِمَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ فَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ فِيمَا يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِتَرْكِ أَكْلِ الْكَلْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كَذَا فِي الْكَنْزِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا قَوْلُهُمَا وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ،.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَثْبُتُ التَّعَلُّمُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ وَلَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تُعْرَفُ بِالنَّصِّ لَا بِالِاجْتِهَادِ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا فَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي مِثْلِهِ كَحَبْسِ الْغَرِيمِ، ثُمَّ إذَا تَرَكَ الْأَكْلَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالثَّلَاثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الثَّالِثُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ،.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَحِلُّ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ عِنْدَ الثَّالِثِ آيَةُ تَعَلُّمِهِ فَصَارَ صَيْدَ كَلْبٍ عَالِمٍ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي الثَّالِثِ رِوَايَتَانِ أَيْ عَنْهُمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحِلُّ اهـ (قَوْلُهُ: وَرُجُوعُ الْبَازِي بِدُعَائِهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَمْ يَذْكُرْ الْبَازِيَ بِكَمْ إجَابَةٍ يَصِيرُ مُعَلَّمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي الْكَلْبِ، وَلَوْ قِيلَ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِإِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ يُنَفِّرُهُ بِخِلَافِ الْكَلْبِ اهـ.
وَفِي الْبَازِي لُغَتَانِ تَشْدِيدُ الْيَاءِ وَتَخْفِيفُهَا وَجَمْعُهُ بُزَاةٌ وَالْبَازُ أَيْضًا لُغَةٌ فِيهِ وَجَمْعُهُ أَبْوَازٌ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: وَالْفَهْدُ وَنَحْوُهُ بِهِمَا. . . إلَخْ) يُوَافِقُ مَا فِي الِاخْتِيَارِ قَوْلُ الذَّخِيرَةِ عَلَامَةُ تَعَلُّمِ الْكَلْبِ، وَمَنْ بِمَعْنَاهُ الْإِمْسَاكُ عَلَى الْمَالِكِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ وَأَنْ يُجِيبَ إذَا دَعَاهُ. اهـ.؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِجَابَةَ شَرْطًا وَلَمْ تُشْتَرَطْ فِي الْكَلْبِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْكَلُ أَيْضًا مَا أَكَلَ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ مِنْهُ بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَفِيهِ اسْتِدْرَاكٌ
стр. 273
كَانَ فِي الْمَفَازَةِ بُعْدٌ يَثْبُتُ فِيهِ الْحُرْمَةُ اتِّفَاقًا وَالْمُحْرَزُ فِي بَيْتِهِ يَحْرُمُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا
(وَشُرِطَ لِلْحِلِّ بِالرَّمْيِ التَّسْمِيَةُ) وَعَدَمُ تَرْكِهَا عَمْدًا (وَالْجَرْحُ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ وَجَدْته قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُك» (وَعَدَمُ الْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ لَوْ غَابَ مُتَحَامِلًا سَهْمَهُ) أَيْ رَمَى فَغَابَ عَنْ بَصَرِهِ مُتَحَامِلًا سَهْمَهُ فَإِنْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا فَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ عَنْ طَلَبِهِ حَلَّ أَكْلُهُ لِبَذْلِهِ وُسْعَهُ وَإِنْ قَعَدَ عَنْهُ حَرُمَ إذَا كَانَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَطْلُبَهُ، وَقَدْ قَالَ ﵊ لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ
(فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّمْيُ حَيًّا بِحَيَاةٍ أَقْوَى مِمَّا لِلْمَذْبُوحِ حَلَّ بِالذَّكَاةِ، وَلَوْ مِثْلَهَا حَلَّ بِدُونِهَا) أَيْ لَوْ كَانَ حَيَاتُهُ مِثْلَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ لَا تَجِبُ تَذْكِيَتُهُ، بَلْ يَحِلُّ بِدُونِهَا وَلَا عِبْرَةَ بِتِلْكَ الْحَيَاةِ، وَأَمَّا الْمُتَرَدِّيَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا بَقَرَ ذِئْبٌ بَطْنَهُ وَبِهِ حَيَاةٌ وَالشَّاةُ الْمَرِيضَةُ فَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ وَإِنْ قَلَّتْ مُعْتَبَرَةٌ حَتَّى لَوْ ذَكَّاهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ قَلِيلَةٌ يَحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] (وَحَرُمَ) عَطْفٌ عَلَى حَلَّ بِالذَّكَاةِ أَيْ حَرُمَ الصَّيْدُ (إنْ تَرَكَهَا) أَيْ الذَّكَاةَ (عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَمَاتَ) لِأَنَّ حَيَاتَهُ لَمَّا كَانَتْ أَقْوَى مِمَّا لِلْمَذْبُوحِ كَانَ ذَكَاتُهُ وَاجِبَةً فَإِذَا تُرِكَتْ حَرُمَ (كَذَا) أَيْ يَحْرُمُ أَيْضًا (إذَا عَجَزَ) عَنْ التَّذْكِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ (وَقِيلَ حَلَّ) وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ (أَوْ أَرْسَلَ) عَطْفٌ عَلَى تَرَكَهَا (مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ) أَيْ أَغْرَاهُ بِالصِّيَاحِ فَاسْتَدَّ (أَوْ قَتَلَهُ مِعْرَاضٌ بِعَرْضِهِ) وَهُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ لَهُ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُصِيبُ الشَّيْءَ بِعَرْضِهِ فَإِذَا كَانَ فِي رَأْسِهِ حِدَّةٌ فَأَصَابَ بِحَدِّهِ يَحِلُّ (أَوْ بُنْدُقَةٌ ثَقِيلَةٌ ذَاتُ حِدَّةٍ) إنَّمَا حَرُمَ لِاحْتِمَالِ قَتْلِهَا بِثِقَلِهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ خَفِيفَةً بِهَا حِدَّةٌ يَحِلُّ لِتَيَقُّنِ الْمَوْتِ بِالْجَرْحِ (أَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ) لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (أَوْ) وَقَعَ (عَلَى سَطْحٍ) أَوْ جَبَلٍ (فَتَرَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ الْمُتَرَدِّيَةُ (وَأَكَلَ إنْ وَقَعَ ابْتِدَاءً عَلَى الْأَرْضِ) لِامْتِنَاعِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَكَذَا الْوَاقِعُ عَلَى السَّطْحِ أَوْ الْجَبَلِ أَوْ الصَّخْرَةِ إنْ لَمْ يَتَرَدَّ (أَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مَعَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُؤْكَلُ مَا أَكَلَ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ (قَوْلُهُ: وَالْمُحْرِزُ فِي بَيْتِهِ يَحْرُمُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا) أَطْلَقَ الْخِلَافَ فَشَمِلَ مَا لَوْ طَالَ زَمَنُ بَقَاءِ الصَّيْدِ أَوْ قَصُرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْخِلَافِ لِمَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالذَّخِيرَةِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّمَا تَحْرُمُ تِلْكَ الصَّيُودُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا، أَمَّا إذَا تَطَاوَلَ الْعَهْدُ بِأَنْ أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ فَأَكْثَرُ وَصَاحِبُهُ قَدَّدَ تِلْكَ الصَّيُودَ لَا تَحْرُمُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْفَصْلَيْنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ الْقُعُودِ عَنْ طَلَبِهِ) أَيْ فَيَطْلُبُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُتَرَدِّيَةُ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ هُوَ الْمُخْتَارُ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا) أَيْ يَحْرُمُ أَيْضًا إذَا عَجَزَ عَنْ التَّذْكِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ (قَوْلُهُ: أَوْ بُنْدُقَةٍ ثَقِيلَةٍ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَفِي الْمُسْتَصْفَى الْبُنْدُقَةُ طِينَةٌ مُدَوَّرَةٌ يَرْمِي بِهَا.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ الْبُنْدُقَةُ إذَا كَانَ لَهَا حِدَّةٌ تَجْرَحُ بِهَا أُكِلَ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْبُنْدُقَةِ وَالْحَجَرِ وَالْمِعْرَاضِ وَالْعَصَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنْ جَرَحَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرِقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدْ حَدَّهُ وَطُولُهُ كَالسَّهْمِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَخَرَقَهُ يَحُدُّهُ حَلَّ أَكْلُهُ فَأَمَّا الْجَرْحُ الَّذِي يُدَقُّ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَخْرُجُ فِي الظَّاهِرِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إنْهَارُ الدَّمِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ. . . إلَخْ) كَذَا أَطْلَقَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ كَمَالٍ بَاشَا.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُضَافُ إلَى غَيْرِ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ، وَقَالَ قَبْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَحْرُمُ كَمَا إذَا وَقَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الطَّيْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنْ بَرِّيًّا لَا يَحِلُّ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فَوْقَ الْمَاءِ أَوْ كَانَ مُنْغَمِسًا فِي الْمَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ بِحَالٍ لَا يُتَوَهَّمُ نَجَاةُ الصَّيْدِ كَمَا إذَا ذَكَّاهُ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ مَائِيًّا أَنَّ الْجِرَاحَةَ فَوْقَ الْمَاءِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ بِحَالٍ يُتَوَهَّمُ نَجَاةُ الصَّيْدِ مِنْهَا لَوْلَا الْوُقُوعُ لَا يَحِلُّ اهـ.
وَفِي قَاضِي خَانْ إنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَمَاتَ لَا يُؤْكَلُ لَعَلَّ أَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْمَاءِ قَتَلَهُ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ طَيْرُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ إنَّمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ غَيْرَ مَجْرُوحٍ اهـ.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ مَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ بَعْدَمَا ذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ فَلْيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى.
وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَ ظَهْرَهُ وَمَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يَحِلُّ.
وَفِي شَرْحِ بَكْرٍ خُوَاهَرْ زَادَهْ يَحِلُّ وَإِنْ أَصَابَ بَطْنَهُ أَوْ جَنْبَهُ لَا يَحِلُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَقَعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَى غَيْرِ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الصَّخْرَةِ إنْ لَمْ يَتَرَدَّ) وَاضِحٌ فِيمَا إذَا لَمْ تَنْشَقَّ بَطْنُهُ، وَأَمَّا إذَا
стр. 274
كَلْبَهُ فَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ فَأَخَذَ أَوْ لَمْ يُرْسِلْ الْكَلْبَ فَأَغْرَاهُ مُسْلِمٌ فَأَخَذَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْإِرْسَالُ وَالْإِغْرَاءُ فَالْعِبْرَةُ لِلْإِرْسَالِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَالْإِغْرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِ حَرُمَ كَمَا سَبَقَ وَفِي الْعَكْسِ حَلَّ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ الْإِرْسَالُ وَوُجِدَ الْإِغْرَاءُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِ حَلَّ، وَلَوْ مِنْ الْمَجُوسِيِّ حَرُمَ (أَوْ أَخَذَ) أَيْ أَكَلَ إنْ أَخَذَ الْكَلْبُ (غَيْرَ مَا أُرْسِلَ عَلَيْهِ) لِامْتِنَاعِ التَّعْظِيمِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ مَا عَيَّنَهُ وَإِنْ أَرْسَلَهُ فَقَتَلَ صَيْدًا، ثُمَّ آخَرَ أُكِلَا كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَأَصَابَ آخَرَ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ عَلَى صَيْدٍ كَثِيرٍ وَسَمَّى مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ ذَبْحِ الشَّاتَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ (كَذَا) يُؤْكَلُ (صَيْدٌ رُمِيَ فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ لَا الْعُضْوَ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» (وَكَذَا) يُؤْكَلُ (مَا قُطِعَ أَثْلَاثًا وَأَكْثَرُهُ مَعَ عَجُزِهِ) أَيْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ الثُّلُثُ فِي طَرَفِ الرَّأْسِ وَالثُّلُثَانِ فِي طَرَفِ الْعَجُزِ (أَوْ قَطَعَ نِصْفَ رَأْسِهِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ قَدْ بِنِصْفَيْنِ) فَإِنَّ كُلَّهُ يُؤْكَلُ إذْ لَا يُمْكِنُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَيَاةٌ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثُّلُثَانِ فِي طَرَفِ الرَّأْسِ وَالثُّلُثُ فِي طَرَفِ الْعَجُزِ لِإِمْكَانِ الْحَيَاةِ فِي الثُّلُثَيْنِ فَوْقَ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ لِلْإِمْكَانِ الْمَذْكُورِ
(رَمَى صَيْدًا وَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ) الْآخَرُ (فَإِنْ أَثْخَنَهُ الْأَوَّلُ) أَيْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ (فَهُوَ لَهُ) أَيْ مِلْكٌ لِلْأَوَّلِ (وَحَرُمَ) بِرَمْيِ الثَّانِي (وَضَمِنَ الثَّانِي لَهُ قِيمَتَهُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَجْرُوحًا) بِرَمْيِ الْأَوَّلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُثْخِنْهُ الْأَوَّلُ (فَلِلثَّانِي) لِأَنَّهُ صَادَهُ (وَحَلَّ) لِأَنَّ ذَكَاتَهُ اضْطِرَارِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي
(وَيُصَادُ) أَيْ يَجُوزُ صَيْدُ (مَا يُؤْكَلُ، وَ) يُصَادُ (غَيْرُهُ) لِأَنَّ صَيْدَهُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ رِيشِهِ أَوْ لِاسْتِدْفَاعِ شَرِّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ (وَبِهِ) أَيْ بِالصَّيْدِ (يَطْهُرُ لَحْمٌ غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ) لِأَنَّهُ ذَكَاةٌ حُكْمًا حَتَّى تَجُوزَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
انْشَقَّتْ فَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ وَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ لَمْ يَأْكُلْ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَحَمَلَ مُطْلَقَ الْمَرْوِيِّ فِي الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الِانْشِقَاقِ وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ عَلَى مَا أَصَابَهُ حَدُّ الصَّخْرَةِ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ لِذَلِكَ وَحَمَلَ الْمَرْوِيَّ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الْآجُرَّةِ إلَّا مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ عَفْوٌ، وَهَذَا أَصَحُّ اهـ.
وَلَفْظُ أَصَحَّ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَا مِنْ السَّرَخْسِيِّ يَعْنِي أَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ كِلَا التَّأْوِيلَيْنِ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْمِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا إذَا مَاتَ بِالرَّمْيِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى عَلَى مَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِهِ وَفِي لَفْظِ الْمُنْتَقَى إشَارَةٌ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ أَيْ غَيْرِ الرَّمْيِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى فَلَا يُبَالِي بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يُرْسِلْ الْكَلْبَ فَأَغْرَاهُ مُسْلِمٌ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْبَازِي كَالْكَلْبِ فِيمَا ذُكِرَ كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يَخْتَصُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ، بَلْ كَذَلِكَ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ لِمَنْ لَا يَحِلُّ ذَكَاتُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُحْرِمِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مَا أَرْسَلَ إلَيْهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَلَى سَنَنِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ يَحِلُّ مَا أَصَابَهُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَرْسَلَهُ فَقَتَلَ صَيْدًا، ثُمَّ آخَرَ أُكِلَا) كَذَا عَبَّرَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِثُمَّ وَمِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِعَدَمِ الْمُكْثِ طَوِيلًا حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ جَثَمَ عَلَى الْأَوَّلِ طَوِيلًا، ثُمَّ مَرَّ بِهِ صَيْدٌ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ الثَّانِي لِانْقِطَاعِ الْإِرْسَالِ بِمُكْثِهِ طَوِيلًا إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَةً مِنْهُ لِلْأَخْذِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِرَاحَةٌ اهـ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لَيْسَ قَيْدًا لِحِلِّ الثَّانِي، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى عَدَمِ انْقِطَاعِ الْإِرْسَالِ لِمَا قَالَ قَاضِي خَانْ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ صَيْدٌ آخَرُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ الصَّيْدُ فَرَجَعَ وَعَرَضَ لَهُ صَيْدٌ آخَرُ فِي رُجُوعِهِ فَقَتَلَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ بَطَلَ بِالرُّجُوعِ وَبِدُونِ الْإِرْسَالِ لَا يَحِلُّ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ ذَبْحِ الشَّاتَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ) يَعْنِي، وَقَدْ ذَبَحَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ، أَمَّا إذَا أَضْجَعَ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى فَذَبَحَهُمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ وَحَلَّا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا يُؤْكَلُ مَا قُطِعَ أَثْلَاثًا وَأَكْثَرُهُ مَعَ عَجُزِهِ) أَيْ فَيُؤْكَلُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ النِّصْفِ إلَى الْعُنُقِ مَذْبَحٌ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْأَوْدَاجَ مِنْ الْقَلْبِ إلَى الدِّمَاغِ كَذَا فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ وَقَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: أَوْ قُدِّرَ بِنِصْفَيْنِ) لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَنَصُّ الْمَبْسُوطِ وَإِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ أَكَلَ كُلَّهُ لِأَنَّ فِعْلَهُ أَتَمُّ مَا يَكُونُ مِنْ الذَّكَاةِ إذْ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَمَا قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ طُولًا. اهـ.
وَقَاضِي خَانْ وَإِنْ قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ طُولًا يُؤْكَلُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الصَّيْدِ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثُّلُثَانِ. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجُزْءُ الْمُبَانُ وَيَحِلُّ الْمُبَانُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ فَقَالَا إذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ فَخِذًا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ يَحْرُمُ الْمُبَانُ وَيَحِلُّ الْمُبَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِي الْبَاقِي اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَضَمِنَ الثَّانِي لَهُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا) نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي
(قَوْلُهُ: وَبِهِ أَيْ بِالصَّيْدِ يَطْهُرُ لَحْمٌ غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ) أَقُولُ أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ، بَلْ جِلْدُهُ فَقَطْ كَمَا فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ لِلطَّرَابُلُسِيِّ صَاحِبِ الْإِسْعَافِ
стр. 275
صَلَاةُ حَامِلِهِ وَلَا يُنَجِّسُ طَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ (وَ) يُطَهَّرُ (جِلْدُهُ) أَيْضًا حَتَّى تَجُوزَ الصَّلَاةُ بِهِ وَعَلَيْهِ
. ﴿كِتَابُ الذَّبَائِحِ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ وَهُوَ حَيَوَانٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُذْبَحَ فَيَخْرُجُ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ إذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذَّبْحُ فَيَحِلَّانِ بِلَا ذَكَاةٍ وَيَدْخُلُ الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَنَحْوُهُمَا فَلَا تَحِلُّ لِفَقْدِ الذَّكَاةِ (الذَّكَاةُ تُحِلُّ الْمَأْكُولَ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤْكَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ؛ وَلِأَنَّهَا الْمُمَيِّزَةُ لِلدَّمِ النَّجِسِ مِنْ اللَّحْمِ الطَّاهِرِ (وَتُطَهِّرُ غَيْرَ نَجِسِ الْعَيْنِ) فَإِنَّهَا كَمَا تُفِيدُ الْحِلَّ تُفِيدُ طَهَارَةَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ لِإِفَادَتِهَا التَّمْيِيزَ، ثُمَّ إنَّهَا نَوْعَانِ ضَرُورِيَّةٌ وَاخْتِيَارِيَّةٌ (وَضَرُورِيَّتُهَا جَرْحُ عُضْوٍ) وَسَيَأْتِي (وَالِاخْتِيَارِيَّة ذَبْحٌ فِي الْحَلْقِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَاللَّبَّةُ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ (وَلَوْ) كَانَ الذَّبْحُ (فَوْقَ الْعُقْدَةِ) الَّتِي فِي أَعْلَى الْحُلْقُومِ (وَقِيلَ لَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ فَوْقَهَا لَمْ يَكُنْ ذَكَاةً فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كِتَابُ الذَّبَائِحِ]
ِ) (قَوْلُهُ: وَهِيَ حَيَوَانٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُذْبَحَ) عَلَيْهِ يَكُونُ تَسْمِيَتُهَا ذَبِيحَةً بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الذَّبِيحَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمَذْبُوحِ، وَكَذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ، ثُمَّ قَالَ، وَكَذَلِكَ الذَّبْحُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَالذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحَ يَذْبَحُ وَهُوَ الذَّكَاةُ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ ذَبَحْتُمْ اهـ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ الذَّكَاةُ الذَّبْحُ وَأَصْلُ تَرْكِيبِ التَّذْكِيَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّمَامِ وَمِنْهُ ذَكَاءُ السِّنِّ بِالْمَدِّ لِنِهَايَةِ الشَّبَابِ وَذَكَا النَّارِ بِالْقَصْرِ لِتَمَامِ اشْتِغَالِهَا اهـ، وَهِيَ لُغَةً كَمَا قَالَ فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ الذَّكَاةُ لُغَةً التَّوَقُّدُ وَالتَّلَهُّبُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْحَيَوَانِ بِحِدَّةِ الْآلَةِ سُمِّيَتْ الشَّمْسُ ذَكَاءً لِشِدَّةِ الْحَرَارَةِ وَسُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي خَاطِرِهِ حِدَةٌ ذَكِيًّا، وَقِيلَ الذَّكَاةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْيِيلِ الدَّمِ النَّجِسِ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الْحَيَوَانِ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَكَانَتْ الذَّكَاةُ إزَالَةً لِلْخُبْثِ وَتَطَيُّبًا بِتَمْيِيزِ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجِسِ اهـ وَشَرْعًا كَمَا قَالَ فِي الْكَنْزِ الذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ. اهـ. وَرُكْنُهَا الْحَيَوَانُ وَشَرْطُهَا أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ وَعَدَمُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ بِمَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَشُرِطَتْ لِتَطْيِيبِ اللَّحْمِ فَإِنَّهَا نَوْعٌ نُضْجٍ لِتَمْيِيزِ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجِسِ وَحُكْمُهَا حِلُّ الْمَذْبُوحِ وَسَبَبُهَا حَاجَةُ الْعَبْدِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الذَّبْحَ مَحْظُورٌ عَقْلًا، وَلَكِنْ الشَّرْعُ أَحَلَّهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْحَيَوَانِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هَذَا عِنْدِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَاوَلُ اللَّحْمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ» وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ ذَبْحَ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَ بِأَسْمَاءِ الْأَصْنَامِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ وَيَصْطَادُ بِنَفْسِهِ وَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَقْلًا كَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالسَّفَهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ يَأْكُلُ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الذَّبْحُ كَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ؛ لِأَنَّ الْمَحْظُورَ الْعَقْلِيَّ ضَرْبَانِ مَا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ فَلَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَمَا فِيهِ نَوْعُ تَجْوِيزٍ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُ مَنْفَعَتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ نَظَرًا إلَى نَفْعِهِ كَالْحِجَامَةِ لِلْأَطْفَالِ وَتَدَاوِيهِمْ بِمَا فِيهِ أَلَمٌ لَهُمْ (قَوْلُهُ: وَتُطَهِّرُ غَيْرَ نَجِسِ الْعَيْنِ) قَدَّمْنَا أَنَّ الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ تُطَهِّرُ جِلْدَ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ دُونَ لَحْمِهِ عَلَى أَصَحِّ مَا يُفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ: وَالِاخْتِيَارِيَّة ذَبْحٌ فِي الْحَلْقِ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَمَا نَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ وَعِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ الذَّبْحُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ جَمَعَ بَيْنَ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَتَى بِلَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانًا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الذَّبْحَ بَيْنَ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَذْبَحٌ غَيْرُهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ مَعْنَى بَيْنَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَيْ الْقُدُورِيِّ بِمَعْنَى فِي أَيْ وَالذَّبْحُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْحَلْقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ فَوْقَ الْعُقْدَةِ، وَقِيلَ لَا) أَقُولُ مَشَى فِي الْمَوَاهِبِ عَلَى الثَّانِي فَقَالَ يَتَعَيَّنُ الذَّبْحُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ تَحْتَ الْعُقْدَةِ، وَقِيلَ مُطْلَقًا اهـ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا لَمْ يَجُزْ فَوْقَ الْعُقْدَةِ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْجَوَازِ اهـ.
وَمَالَ الزَّيْلَعِيُّ إلَى تَعَيُّنِ الذَّبْحِ تَحْتَ الْعُقْدَةِ حَيْثُ قَالَ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ ذَكَرَهُ فِي الْوَاقِعَاتِ.
وَفِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَا يُخَالِفُ هَذَا عَنْ الْإِمَامِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَبَقِيَتْ عُقْدَةُ الْحُلْقُومِ مِمَّا يَلِي الصَّدْرَ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا قَالَ هَذَا قَوْلُ الْعَوَامّ مِنْ النَّاسِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَبَرٍ وَيَجُوزُ أَكْلُهَا سَوَاءٌ بَقِيَتْ الْعُقْدَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أَوْ مِمَّا يَلِي الصَّدْرَ؛ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَنَا قَطْعُ أَكْثَرِ الْأَوْدَاجِ، وَقَدْ وُجِدَ، ثُمَّ حَكَى أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَلَا الْمَرِيءِ وَأَصْحَابُنَا ﵏ وَإِنْ اشْتَرَطُوا قَطْعَ الْأَكْثَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ عُقْدَةِ الْحُلْقُومِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ لَمْ يَحْصُلْ قَطْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُؤْكَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَوْ قَطَعَ الْأَعْلَى أَوْ الْأَسْفَلَ، ثُمَّ عَلِمَ فَقَطَعَ مَرَّةً أُخْرَى الْحُلْقُومَ قَبْلَ أَنْ
стр. 276
لَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ وَوَسَطِهِ وَأَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ» وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ الذَّبْحِ فَوْقَ الْحَلْقِ قَبْلَ الْعُقْدَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا فَهُوَ بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالْحِلِّ فِيمَا إذَا بَقِيَ عُقْدَةُ الْحُلْقُومِ مِمَّا يَلِي الصَّدْرَ وَرِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ أَيْضًا تُسَاعِدُهُ، وَلَكِنْ صَرَّحَ فِي ذَبَائِحِ الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الذَّبْحَ إذَا وَقَعَ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ لَا يَحِلُّ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ كَمَا تَرَى؛ وَلِأَنَّ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ وَالْمَجْرَى فَيَحْصُلُ بِالْفِعْلِ فِيهِ إنْهَارُ الدَّمِ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ فَكَانَ حُكْمُ الْكُلِّ سَوَاءً وَلَا عِبْرَةَ بِالْعُقْدَةِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَعُرُوقُهُ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ) فِي الْمُغْرِبِ الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الْعَلَفِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ بِالْعَكْسِ (وَحَلَّ بِقَطْعِ ثَلَاثٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ أَيْ ثَلَاثٍ كَانَ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مُقَامَ الْكُلِّ (بِكُلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَطَعَ (مَا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ وَأَسَالَ الدَّمَ) وَلَوْ قَشَّرَ الْقَصَبَ وَحَجَرًا فِيهِ حِدَّةٌ (الْأَسْنَانَ أَوْ ظُفْرًا قَائِمَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا خَلَا الظُّفْرَ وَالسِّنَّ فَإِنَّهُمَا مِنْ مُدَى الْحَبَشَةِ» (وَبِالْمَنْزُوعِينَ يُكْرَهُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْرُمُ لِمَا رَوَيْنَا وَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْزُوعَيْنِ فَإِنَّهُ الصَّادِرُ مِنْ الْحَبَشَةِ (وَنُدِبَ إحْدَادُ شَفْرَتِهِ قَبْلَ الْإِضْجَاعِ وَكُرِهَ بَعْدَهُ) لِوُرُودِ الْأَثَرِ فِيهِمَا وَإِرْفَاقًا لِلْمَذْبُوحِ
. (وَ) كُرِهَ (الْجَرُّ بِرِجْلِهَا إلَى الْمَذْبَحِ وَذَبْحُهَا مِنْ قَفَاهَا فَإِنْ بَقِيَتْ حَيَّةً يَقْطَعُ عُرُوقَهَا) لِوُجُودِ الْمَوْتِ بِمَا هُوَ ذَكَاةٌ فَتَحِلُّ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْأَلَمِ بِلَا حَاجَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا جَرَحَهَا، ثُمَّ قَطَعَ الْأَوْدَاجَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ حَيَّةً قَبْلَ قَطْعِ الْعُرُوقِ (حَرُمَتْ) لِوُجُودِ الْمَوْتِ بِمَا لَيْسَ بِذَكَاةٍ فِيهَا.
(وَ) كُرِهَ (النَّخْعُ) أَيْ الذَّبْحُ الشَّدِيدُ حَتَّى يَبْلُغَ النُّخَاعَ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ " حرام مغز " (وَالسَّلْخُ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ) أَيْ تَسْكُنَ مِنْ الِاضْطِرَابِ (وَ) كُرِهَ (تَرْكُ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَحَلَّتْ) أَيْ الذَّبِيحَةُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ
(وَشُرِطَ) فِي حِلِّ الْمَذْبُوحِ (كَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِمًا حَلَالًا خَارِجَ الْحَرَمِ) إنْ كَانَ صَيْدًا (أَوْ كِتَابِيًّا) لِأَنَّهُ يَدَّعِي التَّوْحِيدَ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَالْمُرَادُ بِهِ طَعَامٌ يَلْحَقُهُ الذَّكَاةُ مِنْ جِهَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ وَفِيمَا لَا يَلْحَقُهُ الذَّكَاةُ يَسْتَوِي الْكِتَابِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ كَالسَّمَكِ وَغَيْرِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
تَمُوتَ بِالْأَوَّلِ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ قَطَعَ تَمَامَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِالْأَوَّلِ أَسْرَعُ مِنْهُ بِالْقَطْعِ الثَّانِي وَإِلَّا حَلَّ، وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ فَصَابَ ذَبْحُ الشَّاةِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ يَحْرُمُ أَكْلُهَا اهـ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ:.
وَفِي الْهِدَايَةِ بِالْعَكْسِ) أَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ الْحُلْقُومُ يُخَالِفُ الْمَرِيءَ فَإِنَّ الْمَرِيءَ مَجْرَى الْعَلَفِ وَالْمَاءُ وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفْسِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ اهـ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ تَفْسِيرَ الْوَدَجَيْنِ، وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ الْوَدَجَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَهُمَا الْعِرْقَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ بِقَطْعِ ثَلَاثٍ مِنْهَا) هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عِرْقٍ كَذَا فِي الْمُخْتَارِ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَطْعُ الْأَكْثَرِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنْهُ أَيْضًا إذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَالْأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَحِلُّ وَمَا لَا فَلَا قَالَ مَشَايِخُنَا وَهُوَ أَصَحُّ الْجَوَابَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: الْأَسْنَانَ وَظُفْرًا قَائِمَيْنِ) أَقُولُ وَكَذَا الْقَرْنُ (قَوْلُهُ: وَبِالْمَنْزُوعِينَ يُكْرَهُ) أَيْ الذَّبْحُ، وَأَمَّا أَكْلُ الذَّبِيحِ بِهَا لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَالِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ: لِوُرُودِ الْأَثَرِ فِيهِمَا) أَيْ فِي نَدْبِ إحْدَادِ الشَّفْرَةِ قَبْلَ الْإِضْجَاعِ وَكَرَاهَتِهِ بَعْدَهُ دَلِيلُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» وَالثَّانِي مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ فَقَالَ لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ هَلَّا حَدَدْتهَا قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا» كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ حَتَّى هَرَبَ وَشَرَدَتْ الشَّاةُ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ الْجَرُّ بِرِجْلِهَا إلَى الْمَذْبَحِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا، وَقَدْ أَخَذَ شَاةً وَهُوَ يَجُرُّهَا إلَى الْمَذْبَحِ فَقَالَ قُدْهَا إلَى الْمَوْتِ قَوْدًا رَفِيقًا» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «خُذْ سَالِفَتَهَا فَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ «أُبْهِمَتْ الْبَهَائِمُ إلَّا عَنْ أَرْبَعَةٍ خَالِقِهَا وَرَازِقِهَا وَخَانِقِهَا وَسِفَادِهَا» كَذَا فِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ النُّخَاعَ) هُوَ خَيْطٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَطْعَ الرَّأْسِ مَكْرُوهٌ بِالْأَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكَنْزِ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ النُّخَاعِ أَنْ يَمُدَّ رَأْسَهَا حَتَّى يُظْهِرَ مَذْبَحَهَا، وَقِيلَ أَنْ يَكْسِرَ رَقَبَتَهَا قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِلَا فَائِدَةٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابِيًّا) نَقَلَ فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْكِتَابِيُّ لَا يَعْتَقِدُ الْمَسِيحَ إلَهًا، أَمَّا إذَا اعْتَقَدَهُ إلَهًا فَهُوَ كَالْمَجُوسِيِّ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ اهـ. (قُلْت) وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى بِصِيغَةِ قَالُوا هَذَا. . . إلَخْ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ
стр. 277
(ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا) وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ يَحِلُّ صَيْدُهُ وَذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا كَذَا فِي الْكَافِي (يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ) أَيْ يَعْلَمُ أَنَّ حِلَّ الذَّبِيحَةِ يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا (وَالذَّبْحَ) أَيْ يَعْلَمُ شَرَائِطَ الذَّبْحِ مِنْ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَنَحْوِهِ (وَيَقْدِرُ) عَلَى فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَيُحْسِنُ الْقِيَامَ بِهِ (وَلَوْ) كَانَ الذَّابِحُ (مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا) فَإِنَّهُمَا إذَا تَعَقَّلَا التَّسْمِيَةَ وَالذَّبْحَ وَقَدَرَا كَانَا كَالْعَاقِلِ الْبَالِغِ (أَوْ امْرَأَةً أَوْ أَقْلَفَ أَوْ أَخْرَسَ فَيَحْرُمُ ذَبِيحَةُ وَثَنِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُرْتَدٍّ) إذْ لَا مِلَّةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ إذَا تَحَوَّلَ إلَى غَيْرِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَيَعْتَبِرُ مَا هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ وَلَا ذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا فِي الْأَصْلِ وَإِنْ عَكَسَ يُؤْكَلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ كَذَا فِي الْكَافِي
. (وَ) يَحْرُمُ ذَبِيحَةُ (تَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَلَوْ) تَرَكَهَا (نَاسِيًا حَلَّتْ) ذَبِيحَتُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حَلَّتْ فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ حَرُمَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ (وَحَرُمَتْ إنْ ذَكَرَ) الذَّابِحُ (مَعَ اسْمِهِ تَعَالَى غَيْرَهُ عَطْفًا نَحْوَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ أَوْ وَفُلَانٍ) لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُوجَدْ التَّجْرِيدُ وَهُوَ شَرْطٌ (وَكُرِهَ وَصْلُهُ بِلَا عَطْفٍ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ لَا مَا يُضْمِرُونَ. اهـ. وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّ ذَبْحِ الْكِتَابِيِّ صَيْدًا أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ حَلَالٌ إذَا أَتَى بِهِ مَذْبُوحًا، وَأَمَّا إذَا ذَبَحَ بِالْحُضُورِ فَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَذْكُرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ اهـ فَإِنْ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْمَسِيحَ وَسَمِعَهُ الْمُسْلِمُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَهُوَ يَعْنِي الْمَسِيحَ يُؤْكَلُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ اهـ.
وَيُوَافِقُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: يَعْقِلُ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلذَّابِحِ فِي قَوْلِهِ وَشُرِطَ كَوْنُ الذَّابِحِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ حَلَالٌ وَتَحِلُّ إذَا كَانَ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَالذَّبِيحَةَ وَيَضْبِطُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَعْلَمُ أَنَّ حِلَّ الذَّبِيحَةِ يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا) هَذَا أَحَدُ مَا فُسِّرَ بِهِ عَقْلُ التَّسْمِيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قِيلَ يَعْنِي يَعْقِلُ لَفْظَ التَّسْمِيَةِ، وَقِيلَ يَعْقِلُ إنْ حَلَّ الذَّبِيحَةَ بِالتَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ هُوَ الَّذِي يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَيَضْبِطُ وَالضَّبْطُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ شَرَائِطَ الذَّبْحِ مِنْ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَالتَّسْمِيَةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ حَلَالٌ إذَا كَانَ يَعْقِلُ وَيَضْبِطُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَيَضْبِطُ أَنَّهُ يَضْبِطُ شَرَائِطَ الذَّبْحِ مِنْ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ، وَقَوْلُهُ: يَعْقِلُ تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَاهُ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مَعْنَاهُ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حِلَّ الذَّبِيحَةِ بِالتَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحِلَّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَجْنُونًا) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْتُوهُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ النِّهَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا قَصْدَ لَهُ وَلَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ بِالنَّصِّ وَهِيَ بِالْقَصْدِ وَصِحَّةُ الْقَصْدِ بِمَا ذَكَرْنَا يَعْنِي قَوْلَهُ إذَا كَانَ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَالذَّبِيحَةَ وَيَضْبِطُ اهـ.
وَلِذَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَخْرَسَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَعْذَرُ مِنْ النَّاسِي كَذَا فِي قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ: فَتَحْرُمُ ذَبِيحَةُ وَثَنِيٍّ) أَقُولُ، وَلَوْ شَارَكَهُ مُسْلِمٌ فِي الذَّبْحِ لَا تُؤْكَلُ، وَأَمَّا ذَبِيحَةُ الصَّابِئِ فَتُكْرَهُ إلَّا أَنَّهُ يَحِلُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا لَا تَحِلُّ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا؛ لِأَنَّهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ مِنْهُمْ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى ﵇ وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ وَهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى وَإِنَّمَا أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ بِحِلِّ ذَبِيحَةِ الصَّابِئِ إذَا كَانَ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ وَالْكُتُبَ أَصْلًا وَيَعْبُدُونَ الشَّمْسَ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُمْ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ فَإِنَّمَا أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِحُرْمَةِ الصَّيْدِ وَالذَّبْحِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ ﵀ عِنْدِي نَظَرٌ فَإِنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ لَا يَعْرِفُونَ فِي جُمْلَةِ الصَّابِئِينَ مَنْ يُقِرُّ بِعِيسَى ﵇ وَإِنَّمَا يُقِرُّونَ بِإِدْرِيسَ ﵇ وَيَدَّعُونَ لَهُ النُّبُوَّةَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ وَيُعَظِّمُونَ الْكَوَاكِبَ فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهَا تَعْظِيمَ الِاسْتِقْبَالِ لَا تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ لَهَا كَمَا يَسْتَقْبِلُ الْمُؤْمِنُونَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ يَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهَا تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ لَهَا فَأَلْحَقَاهُمْ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِكِتْمَانِ الِاعْتِقَادِ وَلَا يَسْتَحِبُّونَ إظْهَارَ الِاعْتِقَادِ أَلْبَتَّةَ وَمَا اخْتَارَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ يَغْلِبُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ اهـ لَفْظُ الْمَبْسُوطِ
[ذَبِيحَةُ تَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا]
(قَوْلُهُ: وَاسْمِ فُلَانٍ) أَيْ لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ لَا يَحِلُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ﵀ لَا يَصِيرُ مَيْتَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ مَيْتَةً يَصِيرُ الرَّجُلُ كَافِرًا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَفُلَانٍ) أَيْ لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَفُلَانٍ لَا يَحِلُّ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ الْهِدَايَةِ قَالَ لَوْ ذَكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ غَيْرَهُ مَوْصُولًا عَلَى وَجْهِ الْعَطْفِ وَالشَّرِكَةِ بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ أَوْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَفُلَانٍ أَوْ بِسْمِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ بِكَسْرِ الدَّالِ تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ اهـ
стр. 278
وَلَمْ يَحْرُمْ (نَحْوُ بِاسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تُوجَدْ لِعَدَمِ الْعَطْفِ فَلَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ وَاقِعًا لَهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْقِرَانِ صُورَةً فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْمُحْرِمِ هَذَا إذَا قُرِئَ مُحَمَّدٌ بِالرَّفْعِ، وَأَمَّا إذَا قُرِئَ بِالْجَرِّ أَوْ النَّصْبِ فَيَحْرُمُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (وَلَا بَأْسَ إذَا فَصَّلَ صُورَةً وَمَعْنًى كَالدُّعَاءِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَالْإِضْجَاعِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ فَوَجَّهَهُمَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَقَالَ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَبَحَ. وَقَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» (أَوْ بَعْدَ الذَّبْحِ نَحْوَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) وَهَذَا أَيْضًا لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الذَّبْحِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذِهِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِمَّا شَهِدَ لَك بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِي بِالْبَلَاغِ» (وَالشَّرْطُ) فِي التَّسْمِيَةِ (هُوَ الذِّكْرُ الْخَالِصُ) عَنْ شَوْبِ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ (فَبِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا تَحِلُّ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ دُعَاءٍ (بِخِلَافِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ بِقَصْدِ التَّسْمِيَةِ) فَإِنَّهُ ذِكْرٌ خَالِصٌ (فَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَحِلُّ) لِعَدَمِ قَصْدِ التَّسْمِيَةِ (وَالْمَشْهُورُ) الْمُتَدَاوَلُ فِي الْأَلْسِنَةِ (وَهُوَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
(نُدِبَ نَحْرُ الْإِبِلِ وَكُرِهَ ذَبْحُهَا عَكْسُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) أَمَّا النَّدْبِيَّةُ فِي الصُّورَتَيْنِ فَلِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ الْمُتَوَارَثَةِ وَلِاجْتِمَاعِ الْعُرُوقِ فِي الْمَنْحَرِ وَفِيهِمَا فِي الْمَذْبَحِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَهِيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَالْحِلَّ (يُذْبَحُ صَيْدٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: نَحْوُ بِاسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) قَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِكَسْرِ الدَّالِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الدَّالِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ غَيْرَ مَكْسُورٍ لَا يَحْرُمُ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ النَّحْوَ.
وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ إنْ خَفَضَهُ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَابِحًا بِهِمَا وَإِنْ رَفَعَهُ حَلَّ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَإِنْ نَصَبَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يَرَى الْخَطَأَ فِي النَّحْوِ مُعْتَبَرًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَا يَحْرُمُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ بِالْجَرِّ لَا يَحِلُّ وَبِالرَّفْعِ يَحِلُّ، وَالنَّصْبُ كَالْخَفْضِ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ قُلْتُمْ فِي بَابِ الطَّلَاقِ الْعَوَامُّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْإِعْرَابِ فَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَهُنَا تَرَكْتُمْ (قُلْت) ذَلِكَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْإِغْمَاضُ فِيهِ أَوْلَى وَالطَّلَاقُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ وَالذَّبْحُ يَقَعُ أَحْيَانًا فَلَمْ نَسْلُكْ فِيهِ طَرِيقَ الْعَفْوِ كَذَا عَنْ الْفُرُنْقَانِيِّ الْخُوَارِزْمِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَنْعِ كَوْنِ الذَّبْحِ أَقَلَّ وُقُوعًا مِنْ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مُنْشِئٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالْمَلَكَةُ فِيهِ مَعْدُومَةٌ فَمُكْنَةُ الْحِفْظِ عَلَى دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ عَسِيرٌ وَالذَّابِحُ حَاكٍ جُمْلَةً مَضْبُوطَةً فَمَلَكَةُ الرِّعَايَةِ وَمُكْنَةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ يَسِيرَةٌ وَالذَّابِحُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالدُّعَاءِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَالْإِضْجَاعِ) يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الذَّبْحِ بِالتَّقَبُّلِ وَغَيْرِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي أَوْ يَقُولُ مِنْ فُلَانٍ أَوْ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَجْرِيدُ التَّسْمِيَةِ وَلَمْ يُجَرِّدْهَا وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: فَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَحِلُّ) هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ قَصْدِ التَّسْمِيَةِ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْمِيدَ لِلْعُطَاسِ إذْ لَوْ أَرَادَهُ لِلذَّبِيحَةِ حَلَّتْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) خَبَرُ قَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا إنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ اهـ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ قَالَ الْبَقَّالِيُّ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرَحَ كِتَابِ الصَّيْدِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ بِدُونِ الْوَاوِ قَالَ وَمَعَ الْوَاوِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ فَوْرَ التَّسْمِيَةِ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ أَكَلَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحِ وَإِنَّمَا أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يُظْهِرْ الْهَاءَ إنْ قَصَدَ ذِكْرَ اللَّهِ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَتَرَكَ الْهَاءَ قَصْدًا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَصَدَ التَّسْمِيَةَ وَالْعَرَبُ قَدْ تَحْذِفُ حَرْفًا تَرْخِيمًا وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لَمْ يَقْصِدْ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبْحِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ وَالْبَزَّازِيَّةِ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ التَّرْخِيمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ نَحْرُ الْإِبِلِ) النَّحْرُ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَلِ الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَعْلَى الْعُنُقِ تَحْتَ اللَّحْيَيْنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَنُدِبَ تَبَعًا لِقَوْلِ الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْكَنْزِ وَسُنَّ نَحْرُ الْإِبِلِ اهـ.
وَلَعَلَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ السُّنَّةُ لَا الْمُسْتَحَبُّ الِاصْطِلَاحِيُّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: أَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَلِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ الْمُتَوَارَثَةِ اهـ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَنْزِ (قَوْلُهُ: أَمَّا النَّدْبِيَّةُ فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ ذَبْحِ الْبَقَرِ وَصُورَةِ نَحْرِ الْإِبِلِ (قَوْلُهُ: وَلِاجْتِمَاعِ الْعُرُوقِ فِي الْمَنْحَرِ) أَيْ مَنْحَرِ الْإِبِلِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِمَا) أَيْ
стр. 279
اُسْتُؤْنِسَ وَيَكْفِي جَرْحُ نَعَمٍ تَوَحَّشَ أَوْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَبَحَهُ) لِأَنَّ ذَكَاةَ الِاضْطِرَارِ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ كَمَا مَرَّ وَالْعَجْزُ مَوْجُودٌ فِي الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ (الشَّاةُ إذَا نَدَّتْ خَارِجَ الْمِصْرِ تَحِلُّ بِالْعُقْرِ، وَ) إذَا نَدَّتْ (فِي الْمِصْرِ لَا) تَحِلُّ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَيُمْكِنُ أَخْذُهَا فِي الْمِصْرِ عَادَةً فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ عَنْ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ بِخِلَافِ خَارِجِ الْمِصْرِ (وَالْمِصْرُ كَخَارِجِهِ فِي الْبَقَرِ وَالْبَعِيرِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَلَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهِمَا وَإِنْ نَدَّا فِي الْمِصْرِ فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ (وَالصِّيَالُ كَالنَّدِّ) إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى أَخْذِهِ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ مُرِيدًا لِلذَّكَاةِ حَلَّ أَكْلُهُ (لَا يَتَذَكَّى جَنِينٌ بِذَكَاةِ أُمِّهِ) حَتَّى لَوْ نَحَرَ نَاقَةً أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً أَوْ شَاةً فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ لَمْ يُؤْكَلْ
(لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ) مِنْ السِّبَاعِ (أَوْ مِخْلَبٍ) مِنْ الطُّيُورِ قَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا حَيَوَانٌ يَصِيدُ بِنَابِهِ وَحَيَوَانٌ يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ (وَالْحَشَرَاتُ) هِيَ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ (وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ) بِخِلَافِ الْوَحْشِيَّةِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ (وَالْبَغْلُ وَالْخَيْلُ وَعِنْدَهُمَا يَحِلُّ الْخَيْلُ) قِيلَ كَرَاهَةُ الْخَيْلِ عِنْدَهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّ كَرَاهَتَهُ لِمَعْنَى الْكَرَامَةِ كَيْ لَا يَحْصُلَ بِإِبَاحَتِهِ تَقْلِيلُ آلَةِ الْجِهَادِ وَلِهَذَا كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَأَبُو الْمُعِينِ فِي جَامِعَيْهِمَا، وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْكَرْمَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ كُنْت مُتَرَدِّدًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لِي كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهَةً فِي سُؤْرِهِ كَمَا فِي لَبَنِهِ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِلَبَنِهِ إذْ لَيْسَ فِي شُرْبِهِ تَقْلِيلُ آلَةِ الْجِهَادِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ (وَلَا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَالضَّبُّ) وَفِيهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ (وَالزُّنْبُورُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْأَبْقَعُ الْآكِلُ لِلْجِيَفِ وَالْغُدَافُ) كلاغ سياه بزرك (وَالْفِيلُ وَالْيَرْبُوعُ وَابْنُ عِرْسٍ وَالْحَيَوَانُ الْمَائِيُّ إلَّا سَمَكًا لَمْ يَطْفُ) السَّمَكُ الطَّافِي هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ بِلَا سَبَبٍ، ثُمَّ يَعْلُو فَيَظْهَرُ وَأَصْحَابُنَا كَرِهُوا الْحَيَوَانَ الْمَائِيَّ مُطْلَقًا إلَّا سَمَكًا لَمْ يَطْفُ وَأَبَاحَهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَلْبَ الْمَاءِ وَخِنْزِيرَهُ وَإِنْسَانَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فِي الْمَذْبَحِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ) أَيْ وَعُلِمَ مَوْتُهُ بِالْجَرْحِ أَوْ أَشْكَلَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ الْجَرْحِ لَا يُؤْكَلُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَا تَحِلُّ) أَيْ الشَّاةُ نَظِيرُهُ مَا قَالَ قَاضِي خَانْ دَجَاجَةٌ تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ وَصَاحِبُهَا لَا يَصِلُ إلَيْهَا فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا الْفَوْتَ وَالْمَوْتَ فَرَمَاهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ خَافَ الْفَوَاتَ فَرَمَاهَا تُؤْكَلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِمَا) كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي بَعِيرٌ أَوْ ثَوْرٌ نَدَّ فِي الْمِصْرِ إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرْمِيَهُ اهـ فَلَمْ يُشْتَرَطْ التَّعَذُّرُ، بَلْ التَّعَسُّرُ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا حَيَوَانٌ يَصِيدُ بِنَابِهِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ الْجَمَلِ وَالْحَمَامَةِ (قَوْلُهُ: وَالْبَغْلُ) أَيْ الَّتِي أُمُّهُ أَتَانٌ إذْ لَوْ كَانَتْ فَرَسًا كَانَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي لَحْمِ الْخَيْلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَالْخَيْلُ) كَذَا قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ وَمِثْلُهُ فِي الِاخْتِيَارِ وَعِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ وَالْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِ الْفَرَسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَالْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْحِلِّ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا تَحِلُّ الْخَيْلُ) أَيْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ (قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ، ثُمَّ قِيلَ الْكَرَاهَةُ عِنْدَهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ سَأَلَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا قُلْت فِي شَيْءٍ أَكْرَهُهُ فَمَا رَأْيُك فِيهِ قَالَ التَّحْرِيمُ وَمَبْنَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ رَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي لَحْمِ الْخَيْلِ فَأَمَّا أَنَا فَلَا يُعْجِبُنِي أَكْلُهُ، وَهَذَا يَلُوحُ إلَى التَّنْزِيهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَكْرَهُهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَالْأَبْقَعُ) أَيْ الْغُرَابُ الْآكِلُ لِلْجِيَفِ وَالْغُدَافُ غُرَابُ الْقَيْظِ أَيْ الْحَرِّ وَهُوَ ضَخْمٌ يَأْتِي الْجِيَفَ، وَكَذَا لَا يُؤْكَلُ الْخُفَّاشُ؛ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَقَالَ الْعَيْنِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِ الْخُفَّاشِ وَلَا يُؤْكَلُ الشِّقِرَّاقُ وَهُوَ طَائِرٌ أَخْضَرُ يُخَالِطُهُ قَلِيلُ حُمْرَةٍ يَصُولُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إذَا أُخِذَ فِرَاخُهُ (قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يَمُوتُ اهـ فِي الْبَحْرِ حَتْفَ أَنْفِهِ بِلَا سَبَبٍ) أَيْ بِلَا سَبَبٍ مَعْرُوفٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَعْلُو فَيَظْهَرُ) يَعْنِي وَبَطْنُهُ فَوْقَ الْمَاءِ كَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ نَقْلًا عَنْ الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ إذَا وُجِدَتْ السَّمَكَةُ مَيِّتَةً عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَبَطْنُهُ مِنْ فَوْقِ الْمَاءِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ طَافٍ وَإِنْ كَانَ ظَهْرُهُ مِنْ فَوْقُ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَافٍ وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي، ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَتْ السَّمَكَةُ اسْتَقَلَّتْ الْمَاءَ وَمَاتَتْ لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ طَفَتْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ سَبَبَ مَوْتِهَا مَعْلُومٌ وَالطَّافِي بِخِلَافِهِ
١ -
стр. 280
وَالْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ وَالْأَكْلِ وَاحِدٌ الْأَصْلُ فِي السَّمَكِ عِنْدَنَا أَنَّ مَا مَاتَ مِنْهُ بِسَبَبٍ فَهُوَ حَلَالٌ كَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَمَا مَاتَ مِنْهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَحِلُّ كَالطَّافِي وَإِنْ ضَرَبَ سَمَكَةً فَقَطَعَ بَعْضَهَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا أُبِينَ وَمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبٍ وَمَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ لِلْحَدِيثِ، وَكَذَا إنْ وُجِدَتْ فِي بَطْنِهَا سَمَكَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ ضِيقَ الْمَكَانِ سَبَبٌ لِمَوْتِهَا، وَكَذَا إنْ قَتَلَهَا شَيْءٌ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ أَوْ مَاتَتْ فِي جُبِّ مَاءٍ أَوْ جَمَعَهَا فِي حَظِيرَةٍ لَا تَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا بِغَيْرِ صَيْدٍ فَمَاتَتْ فِيهَا لِأَنَّ ضِيقَ الْمَكَانِ سَبَبٌ لِمَوْتِهَا، وَإِذَا مَاتَتْ فِي الشَّبَكَةِ وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا أَوْ أَكَلَ شَيْئًا أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لِتَأْكُلَهُ فَمَاتَتْ مِنْهُ أَوْ رَبَطَهَا فِي الْمَاءِ فَمَاتَتْ أَوْ تَجَمَّدَ الْمَاءُ فَبَقِيَتْ بَيْنَ الْجَمْدِ وَمَاتَتْ تُؤْكَلُ وَإِنْ مَاتَتْ بِحَرِّ الْمَاءِ أَوْ بَرْدِهِ تُؤْكَلُ فِي رِوَايَةٍ لِوُجُودِ السَّبَبِ لِمَوْتِهَا وَفِي أُخْرَى لَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَقْتُلُ السَّمَكَ حَارًّا كَانَ أَوْ بَارِدًا كَذَا فِي الْكَافِي وَالنِّهَايَةِ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّمَكِ الْمَأْكُولِ (الْجِرِّيثُ وَالْمَارْمَاهِيِّ) خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ إشَارَةً إلَى ضَعْفِ مَا نُقِلَ فِي الْمُغْرِبِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ جَمِيعَ السَّمَكِ حَلَالٌ غَيْرَ الْجِرِّيثِ وَالْمَارْمَاهِيِّ وَأَيْضًا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّ بَعْضَ الرَّوَافِضِ وَأَهْلَ الْكِتَابِ يَكْرَهُونَ أَكْلَ الْجِرِّيثِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ كَانَ دَيُّوثًا يَدْعُو النَّاسَ إلَى حَلِيلَتِهِ فَمُسِخَ بِهِ
(وَحَلَّ الْجَرَادُ وَأَنْوَاعُ السَّمَكِ بِلَا ذَكَاةٍ) لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ الْجَرَادَ يُؤْكَلُ وَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ السَّمَكِ سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ الْجَرَادِ يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْأَرْضِ وَفِيهَا الْمَيِّتُ وَغَيْرُهُ فَقَالَ كُلْهُ كُلَّهُ، وَهَذَا عُدَّ مِنْ فَصَاحَتِهِ (وَ) حَلَّ (غُرَابُ الزَّرْعِ وَالْأَرْنَبُ وَالْعَقْعَقُ بِهَا) أَيْ بِالذَّكَاةِ
(ذَبَحَ شَاةً لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهَا فَتَحَرَّكَتْ أَوْ خَرَجَ الدَّمُ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ عُلِمَتْ) حَيَاتُهَا (حَلَّتْ) الشَّاةُ (وَإِنْ عُدِمَا) أَيْ الْحَرَكَةُ وَخُرُوجُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْحَيَاةِ فَإِذَا عُلِمَتْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِمَا.
(كِتَابُ الْجِهَادِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ وَالْأَكْلِ وَاحِدٌ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ وُجِدَ فِي بَطْنِهَا سَمَكَةٌ أُخْرَى) أَيْ فَتُؤْكَلُ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِ السَّمَكَةِ فَلَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَالَتْ عَذِرَةً كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْلُ شَيْءٍ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لِيَأْكُلَهُ فَمَاتَ مِنْهُ) أَيْ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَتْ بِحَرِّ الْمَاءِ أَوْ بَرْدِهِ. . . إلَخْ) كَذَا ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْهِدَايَةِ مُطْلَقَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَطْلَقَ الْقُدُورِيُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَنْسُبْهُمَا إلَى أَحَدٍ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ (قُلْت) لَكِنْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ السَّمَكَةُ إذَا قَتَلَهَا حَرُّ الْمَاءِ أَوْ بَرْدُهُ قَالَ الْإِمَامُ لَا تُؤْكَلُ كَالطَّافِي.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُؤْكَلُ، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَرْفَقُ بِالنَّاسِ اهـ، فَقَدْ قَيَّدَ إطْلَاقَهُ فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُحَلُّ بِهِ وَيُفْتَى اهـ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ قَوْلُ الْمَشَايِخِ أَيْ الْقَائِلِينَ بِالْحُرْمَةِ أَعْجَبُ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِآفَةٍ فَصَارَ كَمَوْتِهَا بِتَجَمُّدِ الْمَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ إنَّهَا تُؤْكَلُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَوْ أُرْسِلَتْ السَّمَكَةُ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ فَكَبِرَتْ فِيهِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا لِلْحَالِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ اهـ.
وَيُنْظَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَلَّالَةِ
[أَكُلّ الْجَرَادُ وَأَنْوَاعُ السَّمَكِ بِلَا ذَكَاةٍ]
(قَوْلُهُ: سُئِلَ عَلِيٌّ. . . إلَخْ) دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ الْجَرَادِ مَيِّتًا وَسَنَدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» كَذَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَالْعَقْعَقُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا لَيْسَ لَهُ مِخْلَبٌ يَخْطَفُ بِهِ وَالْهُدْهُدُ وَالْخَطَّافُ وَالْقُمْرِيُّ وَالسُّودَانِيُّ وَالزُّرْزُورُ وَالْعَصَافِيرُ وَالْفَاخِتَةُ لَا بَأْسَ بِهِ وَمِثْلُهُ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْبُومُ يُؤْكَلُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ رَأَيْت هَذَا بِخَطِّ وَالِدِي ﵀. اهـ.
(قَوْلُهُ: ذَبَحَ شَاةً لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهَا فَتَحَرَّكَتْ أَوْ خَرَجَ الدَّمُ حَلَّتْ) كَذَا فِي الْكَنْزِ.
وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إنَّ خُرُوجَ الدَّمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ إلَّا إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْحَيِّ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ.
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
[حُكْم الْجِهَاد]
(كِتَابُ الْجِهَادِ) هُوَ أَعَمُّ وَغَلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَقِتَالُهُمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا وَكَذَلِكَ السِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ فِعْلَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ السِّيَرِ غَلَبَ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي غَزْوِ الْكُفَّارِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ كَوْنَهَا تَسْتَلْزِمُ السَّيْرَ وَقَطْعَ الْمَسَافَةِ وَفِي غَيْرِ كُتُبِ الْفِقْهِ يُقَالُ كِتَابُ الْمَغَازِي وَهُوَ أَيْضًا أَعَمُّ لِأَنَّهُ جَمْعُ مَغْزَاةٍ مَصْدَرُهُ سَمَاعِيٌّ لِغَزَا دَالٌّ عَلَى الْوَحْدَةِ وَالْقِيَاسِيُّ غَزْوٌ وَغَزْوَةٌ لِلْوَحْدَةِ كَضَرْبَةٍ وَهُوَ قَصْدُ الْعَدُوِّ لِلْقِتَالِ وَخُصَّ فِي عُرْفِهِمْ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ هَذَا وَفَضْلُ الْجِهَادِ عَظِيمٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَقَامُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمِنْ تَوَابِعِ الْجِهَادِ الرِّبَاطُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي مَكَان يُتَوَهَّمُ هُجُومُ الْعَدُوِّ فِيهِ لِقَصْدِ دَفْعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِنْ فَضْلِهِ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
стр. 281
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي آخِرَهَا الْحَجُّ وَمِمَّا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ شَرَعَ الْآنَ فِي خَامِسَةِ الْعِبَادَاتِ وَهِيَ الْجِهَادُ فَقَالَ (هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بَدْءًا) أَيْ ابْتِدَاءً يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُونَا فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ثُمَّ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُسْتَحْسَنَةِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ إذَا كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] أَيْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا فِي الْأَزْمَانِ كُلِّهَا وَالْأَمَاكِنِ بِأَسْرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وَ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ.
وَجْهُ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَإِفْسَادٌ فِي نَفْسِهِ بَلْ شُرِعَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْ الْعِبَادِ فَحِينَئِذٍ (إنْ قَامَ بِهِ الْبَعْضُ) فِي كُلِّ زَمَانٍ (سَقَطَ) الْفَرْضُ (عَنْ الْكُلِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَدَفْنِهَا وَرَدِّ السَّلَامِ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهَا إذَا حَصَلَ مِنْ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ بَاقِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْبَعْضُ بَلْ خَلَا عَنْ الْجِهَادِ وَالزَّمَانُ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ (أَثِمُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ لِتَرْكِهِمْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ كَمَا إذَا تَرَكَ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ أَوْ دَفْنَهَا أَوْ رَدَّ السَّلَامِ أَثِمُوا (إلَّا عَلَى صَبِيٍّ وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَأَقْطَعَ) ؛ لِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ وَالتَّكْلِيفُ بِالْقُدْرَةِ.
(وَ) فَرْضُ (عَيْنٍ إنْ هَجَمُوا) أَيْ هَجَمَ الْكُفَّارُ عَلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ.
نَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْجِهَادَ إذَا جَاءَ النَّفِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِبُعْدٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسَعَهُمْ تَرْكُهُ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِمْ، فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ بِأَنْ عَجَزَ مَنْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ عَنْ الْمُقَاوَمَةِ مَعَ الْعَدُوِّ أَوْ لَمْ يَعْجِزُوا عَنْهَا لَكِنَّهُمْ تَكَاسَلُوا وَلَمْ يُجَاهِدُوا فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَا يَسَعُهُمْ تَرْكُهُ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ، وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلْدَةِ فَعَلَى جِيرَانِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ أَنْ يَقُومُوا بِأَسْبَابِهِ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ كَانَ بِبُعْدٍ مِنْ الْمَيِّتِ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِبُعْدٍ مِنْ الْمَيِّتِ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ يُضَيِّعُونَ حُقُوقَهُ أَوْ يَعْجِزُونَ عَنْهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِهِ، كَذَا هُنَا.
(فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فَرْضِ الْعَيْنِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ النَّفِيرِ إذْ بِغَيْرِهِمْ كِفَايَةٌ فَلَا ضَرُورَةَ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمَا.
(وَكُرِهَ الْجُعْلُ) وَهُوَ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ وَالْمُرَادُ مَا يَجْعَلُ الْإِمَامُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ شَيْئًا بِلَا طِيبِ أَنْفُسِهِمْ يَتَقَوَّى بِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
«رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامُهُ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أَجْرَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ «وَبُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَمِنَ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ تَعْدِلُ خَمْسَ مِائَةِ صَلَاةٍ وَنَفَقَةَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعمِائَةِ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِهِ» كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمُوا) كَذَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي الِافْتِرَاضَ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُ مَحَلٍّ هَجَمَهُ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ صَرِيحُ مَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ الْخَبَرَ وَلَهُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ. اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ: إنْ وَقَعَ النَّفِيرُ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ أَنَّ الْعَدُوَّ جَاءَ إلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ النَّفِيرُ مِنْ قِبَلِ اللُّزُومِ فَعَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْغَزْوِ إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ إلَّا بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. اهـ.
فَالْمَتْنُ عَامٌّ وَقَدْ خَصَّهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدْ نَقَلَ الْكَمَالُ مَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا ذَكَرُوا وَكَانَ مَعْنَاهُ إذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، بِخِلَافِ إنْفَاذِ الْأَسِيرِ وُجُوبُهُ عَلَى الْكُلِّ مُتَّجَهٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّنْ عَلِمَ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْثَمَ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ وَقُعُودُهُ لِعَدَمِ خُرُوجِ النَّاسِ وَتَكَاسُلِهِمْ أَوْ قُعُودِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْعِهِ. اهـ.
(فَائِدَةٌ) عَالِمٌ لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ أَفْقَهَ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّيَاعِ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي.
стр. 282
الْغُزَاةُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ (مَعَ فَيْءٍ) أَيْ وُجُودِ شَيْءٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَبِدُونِهِ) أَيْ إذَا لَمْ يُوجَدْ فَيْءٌ (لَا) يُكْرَهُ الْجُعْلُ (فَإِنْ حَاصَرْنَاهُمْ دَعَوْنَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا) أَيْ امْتَنَعُوا عَنْ الْإِسْلَامِ (فَإِلَى) أَيْ فَنَدْعُوهُمْ إلَى (الْجِزْيَةِ فَإِنْ قَبِلُوا) الْجِزْيَةَ (فَلَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا) هَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّا كُنَّا نَتَعَرَّضُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ قَبُولِهِمْ الْجِزْيَةَ فَبَعْدَمَا قَبِلُوهَا إذَا تَعَرَّضْنَا لَهُمْ أَوْ تَعَرَّضُوا لَنَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْنَا، وَيَجِبُ لَنَا عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ لِبَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَرُّضِ، يُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا.
(وَلَا نُقَاتِلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) إلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَهَا أَثِمَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلَمْ يَغْرَمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ (وَنُدِبَ تَجْدِيدُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ فَإِنْ أَبَوْا حَارَبْنَاهُمْ بِمَنْجَنِيقٍ وَتَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ وَرَمْيٍ، وَلَوْ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ تَتَرَّسُوا بِهِ) أَيْ بِالْمُسْلِمِ (بِنِيَّتِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِالرَّمْيِ (لَا بِنِيَّتِهِ) لِيَلْزَمَ الْإِثْمُ، وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَة. .
(وَقَطْعِ شَجَرٍ وَإِفْسَادِ زَرْعٍ بِلَا غَدْرٍ وَغُلُولٍ) لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا وَكِلَاهُمَا خِيَانَةٌ لَكِنَّ الْغُلُولَ فِي الْمَغْنَمِ خَاصَّةً، وَالْغَدْرُ أَعَمُّ يَشْمَلُ نَقْضَ الْعَهْدِ (وَمُثْلَةً) اسْمٌ مِنْ مَثَّلَ بِهِ يُمَثِّلُ مَثَلًا كَقَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلًا أَيْ نَكَّلَ بِهِ يَعْنِي جَعَلَهُ نَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ كَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ.
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْمَثُلَةُ الْمَنْهِيَّةُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِهَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إذْلَالِهِمْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ وَنَظِيرُهُ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ (وَبِلَا قَتْلِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ (وَشَيْخٍ فَانٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَامْرَأَةٍ) لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّهَا فِي الْحَدِيثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُقَاتِلًا أَوْ ذَا مَالٍ يَحُثُّ بِهِ أَوْ) ذَا (رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ أَوْ مَلِكًا) فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ.
. (وَ) بِلَا قَتْلِ (أَبٍ كَافِرٍ بَدْءًا) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: مَعَ فَيْءٍ أَيْ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ) فَسَّرَ الْفَيْءَ بِالشَّيْءِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وُجُودُ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ.
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُوجَدْ فَيْءٌ لَا يُكْرَهُ الْجُعْلُ) هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يُكْرَهُ وَأَطْلَقَ الْإِبَاحَةَ فِي السِّيَرِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَغْزُو بِأَجْرٍ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا لِنَفْسِهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَكَانَتْ تَأْخُذُ مِنْ فِرْعَوْنَ دِينَارَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ» ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَوْا فَإِلَى الْجِزْيَةِ) هَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَأَهْلِ الْكِتَاب وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ كَالْمُرْتَدِّينَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَقَطْعِ شَجَرٍ وَإِفْسَادِ زَرْعٍ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَالْمَسْطُورُ فِي الزَّيْلَعِيِّ نَصُّهُ.
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ. . . إلَخْ وَظَاهِرُ هَذَا الْإِطْلَاقِ التَّمْثِيلُ سَوَاءٌ وَقَعَ قِتَالًا أَوْ بِأَسِيرٍ إلَّا أَنَّ الْكَمَالَ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ التَّمْثِيلُ قَبْلَ الظَّفَرِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالًا كَمُبَارِزٍ ضَرَبَ فَقَطَعَ أُذُنَهُ ثُمَّ ضُرِبَ فَقَأَ عَيْنَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَقَطَعَ أَنْفَهُ وَيَدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَيْخٍ فَانٍ) قَالَ الْكَمَالُ الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْفَانِي مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا الصِّيَاحِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَلَا عَلَى الْإِحْبَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْوَلَدُ فَيَكْثُرُ مُحَارِبُ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَزَادَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَامِلَ الْعَقْلِ فَقَتَلَهُ وَمِثْلُهُ نَقْتُلُهُ إذَا ارْتَدَّ، وَاَلَّذِي لَا نَقْتُلُهُ الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي خَرَّفَ وَزَالَ عَنْ حُدُودِ الْعُقَلَاءِ وَالْمُمَيِّزِينَ فَهَذَا حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ فَلَا نَقْتُلُهُ وَلَا إذَا ارْتَدَّ قَالَ، وَأَمَّا الزَّمْنَى فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّيُوخِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ كَمَا يُقْتَلُ سَائِرُ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا عُقَلَاءَ وَنَقْتُلُهُمْ أَيْضًا إذَا ارْتَدُّوا. اهـ.
وَلَا نَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْمَقْطُوعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَنَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. اهـ. مَا قَالَهُ الْكَمَالُ (قُلْت) وَفِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْأَقْطَعِ مِنْ خِلَافٍ نَظَرٌ لِمَا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ مَرْتَبَةِ الشَّيْخِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِحْبَالِ أَوْ الصِّيَاحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّهَا فِي الْحَدِيثِ) وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَغْرَمُ قَاتِلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حُرْمَةِ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُقَاتِلًا) لَكِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ يُقْتَلَانِ فِي حَالِ قِتَالِهِمَا، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ النِّسَاءِ وَالرُّهْبَانِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الْأَسْرِ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُقْتَلُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَالْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ تُقْتَلُ وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمَلِكُ وَالْمَعْتُوهُ؛ لِأَنَّ فِي قَتْلِ الْمَلِكِ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَبِلَا قَتْلِ أَبٍ كَافِرٍ) سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي الصَّفِّ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَقْتُلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ يَقْتُلُهُ غَيْرُ الِابْنِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الرُّجُوعِ حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُعَالِجُهُ بِنَحْوِ ضَرْبِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ وَإِلْجَائِهِ إلَى مَكَان حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ، وَكَذَا الْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ الْمُقَاتِلُونَ يُكْرَهُ لِفَرْعِهِمْ قَتْلُهُمْ وَمَنْ سِوَى الْأُصُولِ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْحَرْبِيِّينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْخَوَارِجِ فَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْأَبِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْفَتْحِ
стр. 283
يَقْتُلَ أَبَاهُ الْكَافِرَ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَتْ الْبُدَاءَةُ بِالْقَتْلِ مِنْ الْمَعْرُوفِ؛ وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي حَيَاتِهِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَدْءًا؛ لِأَنَّ الْأَبَ إنْ قَصَدَ قَتْلَ الِابْنِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ أَبَاهُ الْمُسْلِمَ إذَا قَصَدَ قَتْلَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُهُ فَالْكَافِرُ أَوْلَى (فَيَقْتُلُهُ غَيْرُ ابْنِهِ) وَابْنُهُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْهُ (وَبِلَا إخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ فِي سُرِّيَّةٍ يُخَافُ عَلَيْهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَضَائِحِ.
(وَيُصَالِحُهُمْ) أَيْ يُصَالِحُ الْإِمَامُ أَهْلَ الْحَرْبِ (إنْ) كَانَ الصُّلْحُ (خَيْرًا) لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى (وَلَوْ بِمَالٍ) يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ (مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بِلَا مَالٍ فَبِهِ أَوْلَى (إنْ احْتَجْنَا إلَيْهِ) ، وَإِنْ لَمْ نَحْتَجْ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَالِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ إلَّا إذَا نَزَلُوا بِدَارِهِمْ لِلْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَنِيمَةً لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا بِالْقَهْرِ وَحُكْمُهُ مَعْرُوفٌ، وَلَوْ حَاصَرَ الْكُفَّارُ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا الصُّلْحَ بِمَالٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْحَاقَ الْمَذَلَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي الْحَدِيثِ «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ» ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَاجِبٌ (وَيَنْبِذُ إنْ خَيْرًا) أَيْ لَوْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ ثُمَّ رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَصْلَحَ نَبَذَ إلَيْهِمْ أَيْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ خَبَرَ النَّقْضِ (فَيُقَاتِلُ وَقَبْلَ نَبْذٍ لَوْ خَانُوا بَدْءًا) أَيْ قُوتِلُوا قَبْلَ إرْسَالِ خَبَرِ النَّقْضِ إنْ بَدَءُوا بِالْخِيَانَةِ
. (وَ) يُصَالِحُ (الْمُرْتَدِّينَ وَالْبَاغِينَ) حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِتَالَ لِمَصْلَحَةٍ فَجَازَ كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ (بِلَا مَالٍ) ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُمْ تَقْرِيرٌ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَذَا لَا يَجُوزُ (وَلَا رَدَّ إنْ أَخَذْنَا) ؛ لِأَنَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَعُونَةً لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.
(لَا يُبَاعُ سِلَاحٌ وَخَيْلٌ وَحَدِيدٌ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ صُلْحٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعُونَتِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ (صَحَّ أَمَانُ حُرٍّ وَحُرَّةٍ) مِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فِي سَرِيَّةٍ) قَالَ الْكَمَالُ مَا نَصُّهُ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْعَسْكَرِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. اهـ.
وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ نَصُّهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. اهـ.
وَقَوْلُ ابْنِ زِيَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ نَصُّ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ بَعْدَمَا قَالَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ) هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْقُمِّيِّ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ النَّهْيَ عَنْ إخْرَاجِ الْمُصْحَفِ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَصَاحِفِ كَيْ لَا تَنْقَطِعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُكْرَهُ. اهـ.
وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ التَّأْوِيلِ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ رَاوِي الْحَدِيثِ قَالَ أَرَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ وَالْحَقُّ إنَّهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبِذُ إنْ خَيْرًا فَيُقَاتِلُ) أَقُولُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إعْلَامِهِمْ بِالنَّبْذِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ مَلِكُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إلْقَاءِ الْخَبَرِ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَارَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَفِي عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَرَّبُوا حُصُونَهُمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ فَحَتَّى يَعُودُوا كُلُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَيُعَمِّرُوا حُصُونَهُمْ مِثْلَ مَا كَانَتْ تَوَقِّيًا عَنْ الْغَدْرِ وَهَذَا وَاضِحٌ أَنَّهُ إذَا صَالَحَهُمْ مُدَّةً وَرَأَى نَقْضَهُ قَبْلَهَا، وَأَمَّا إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الصُّلْحُ بِمُضِيِّهَا فَلَا يُنْبَذُ إلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى جَعْلِ رَدِّ مَا يُخَصُّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بِالنَّبْذِ قَبْلَ مُضِيِّهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَ نَبْذٍ لَوْ خَانُوا بَدْءًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالنُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا وَتَنْوِينِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ قَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةِ قَاتِلِهِمْ وَلَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِهِ. اهـ.
وَكَذَا إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لَهُمْ مَنَعَةٌ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ مَلِكِهِمْ انْتَقَضَ الْعَهْدُ فِي حَقِّهِمْ لَا غَيْرُ حَتَّى يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَدُّوا بِأَنْفُسِهِمْ فَيَنْتَقِضُ الْعَهْدُ فِي حَقِّهِمْ وَلَا يَنْتَقِضُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ: وَحَدِيدٌ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلَ السِّلَاحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَيْثُ قَالَ وَهَذَا فِي السِّلَاحِ، وَأَمَّا فِيمَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ فَلَا بَأْسَ كَمَا كَرِهْنَا بَيْعَ الْمَزَامِيرِ وَأَبْطَلْنَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَلَمْ نَرَ بِبَيْعِ الْعِنَبِ بَأْسًا وَلَا بِبَيْعِ الْخَشَبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الصُّلْحِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ النَّقْضِ وَالِانْقِضَاءِ فَكَانُوا حَرْبًا عَلَيْنَا وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ وَالثَّوْبِ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ ثُمَامَةَ أَنْ يُمِيرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُمْ حَرْبٌ عَلَيْهِ» . اهـ.
(قَوْلُهُ: صَحَّ أَمَانُ حُرٍّ) أَقُولُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَمَانِ قَوْلُك لِلْحَرْبِيِّ لَا تَخَفْ وَلَا تَوْجَلْ أَوْ مِتْرَسٌ أَوْ لَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ تَعَالَى فَاسْمَعْ الْكَلَامَ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ النَّاطِفِيُّ فِي السِّيَرِ إمْلَاءً سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الرَّجُلِ
стр. 284
الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا أَوْ كُفَّارًا أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ حَتَّى لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ (فَإِنْ) كَانَ الصُّلْحُ (شَرًّا نُبِذَ) الْأَمَانُ (وَأُدِّبَ) مُعْطِي الْأَمَانِ.
(لَا) يَصِحُّ (أَمَانُ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِهِمْ وَكَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ بِأَنْ يُؤَمِّنَهُمْ فَحِينَئِذٍ جَازَ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَ) لَا أَمَانُ (أَسِيرٍ مُسْلِمٍ) مَعَهُمْ (وَتَاجِرٍ) مُسْلِمٍ (مَعَهُمْ) لِأَنَّهُمَا مَقْهُورَانِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَخَافُونَهُمَا وَالْأَمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ.
(وَ) لَا أَمَانُ (مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ) إلَيْنَا لِمَا ذَكَرْنَا (وَصَبِيٍّ وَعَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ وَمَجْنُونٍ) أَمَّا الصَّبِيُّ فَإِذَا لَمْ يَعْقِلْ بَطَلَ أَمَانُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ عَقَلَ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِتَالِ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِذَا حُجِرَ عَنْ الْقِتَالِ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ صَحَّ أَمَانُهُ.
[بَابُ الْمَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ]
(إذَا فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً صُلْحًا يَجْرِي) أَيْ الْإِمَامُ (عَلَى مُوجَبِهِ) لَا بِغَيْرِهِ هُوَ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ (وَأَرْضُهَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِهِمْ، وَلَوْ) فَتَحَهَا (عَنْوَةً) أَيْ قَهْرًا فَهُوَ فِي حَقِّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ خُمُسَهَا، ثُمَّ (قُسِمَا بَيْنَنَا) يَعْنِي الْغَانِمِينَ فَتَكُونُ مِلْكًا لَنَا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ وَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ إذْ لَا يَجُوزُ وَضْعُ الْخَرَاجِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا) أَيْ إنْ شَاءَ وَمَنْ بِهِ عَلَى أَهْلِهَا وَتَرَكَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَالْأَرَاضِي مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ (بِجِزْيَةٍ) أَيْ بِوَضْعِ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ.
(وَ) وَضْعِ (خَرَاجٍ) عَلَى أَرَاضِيِهِمْ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ حِينَ فَتَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ حَيْثُ مَنَّ عَلَى أَهْلِهَا وَتَرَكَ دُورَهُمْ وَعَقَارَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَلَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، قَالُوا الْأَوَّلُ أَوْلَى عِنْدَ حَاجَةِ الْغَانِمِينَ وَالثَّانِي عِنْدَ عَدَمِهَا لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَهُمْ فِي الثَّانِي مِنْ الزَّمَانِ (أَوْ نَفَاهُمْ) مِنْهَا (وَأَنْزَلَ) بِهَا قَوْمًا (آخَرِينَ وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ لَوْ) كَانُوا (كُفَّارًا) كَذَا فِي التُّحْفَةِ، يَعْنِي وَضَعَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْأَرْضِ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ الْجِزْيَةَ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانُوا كُفَّارًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَوْمَ الْآخَرِينَ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَا يُوضَعُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءً وُضِعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
. (وَ) الْإِمَامُ فِي حَقِّ أَهْلِ مَا فُتِحَ مُخَيَّرٌ أَيْضًا إنْ شَاءَ (قَتَلَ الْأَسْرَى) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَتَلَهُمْ وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الشِّرْكِ (أَوْ اسْتَرَقَّهُمْ) تَوْفِيرًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (أَوْ تَرَكَهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً لَنَا) إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ إذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ (وَحَرُمَ مَنُّهُمْ) وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَفِدَاؤُهُمْ) وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي مُقَابَلَتِهِ وَفِي الْمَنِّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إلَى السَّمَاءِ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِأَمَانٍ وَأَبِي يُوسُفَ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَكُونَ أَمَانًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ نَقْلًا عَنْ الْيَنَابِيعِ إذَا قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْأَمَانُ الْأَمَانُ فَقَالَ رَجُلٌ حُرٌّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ لَا تَخَافُوا وَلَا تَذْهَلُوا أَوْ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّتُهُ أَوْ تَعَالَوْا وَاسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ فَهَذَا كُلُّهُ أَمَانٌ صَحِيحٌ. اهـ.
[أمان الذِّمِّيّ وَالْأَسِير الْمُسْلِم]
(بَابُ الْمَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ) .
(قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ خُمُسَهَا) أَيْ جَعَلَهَا أَخْمَاسًا خُمُسٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَسَمَهَا بَيْنَنَا) يَعْنِي قَسَمَ بَاقِيَهَا وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِقَوْلِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَسَيَذْكُرُ قِسْمَةَ الْخُمُسِ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَقَرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا. . . إلَخْ) نَصٌّ عَلَى الْمَنِّ بِإِبْقَائِهِمْ ذِمَّةً وَتَمَلُّكِهِمْ الْأَرَاضِيَ فَخَرَجَ مَا يُنْقَلُ إذْ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَأَنَّهُ لَا يَدُومُ وَالْجَوَازُ بِاعْتِبَارِ الدَّوَامِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِالرِّقَابِ وَحْدَهَا بِدُونِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَرَاضِيِ، وَإِذَا مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالرِّقَابِ وَالْأَرَاضِي يَدْفَعُ لَهُمْ مِنْ الْمَنْقُولِ قَدْرَ مَا يَتَأَتَّى لَهُمْ بِهِ الْعَمَلُ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ وَقَسَمَ الْجَمِيعَ لِلْغَانِمِينَ جَازَ وَكُرِهَ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ بِلَا آلَتِهَا كَمَا فِي الْكَافِي وَلِي رِسَالَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَمَّيْتهَا الدُّرَّةُ الْيَتِيمَةُ فِي الْغَنِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْأَسْرَى) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا وَمَنْ أَسْلَمَ لَا يُقْتَلُ وَقُيِّدَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ قَتْلُ أَسِيرٍ بِنَفْسِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ بِلَا مُلْجِئٍ بِأَنْ خَافَ الْقَاتِلُ شَرًّا لِأَسِيرٍ كَانَ لِلْإِمَامِ تَعْزِيرُهُ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ الْأَسْرَى لَا يَنْبَغِي تَعْذِيبُهُمْ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْذِيبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَرَقَّهُمْ) وَلَا يُنَافِي اسْتِرْقَاقُهُمْ إسْلَامَهُمْ بَعْدَ الْأَسْرِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ سَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الْأَسْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَخْذِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ مَالًا) هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالْفَتْحِ وَآيَةُ السَّيْفِ نَسَخَتْ الْمُفَادَاةَ وَعُوتِبَ عَلَى الْفِدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ (قَوْلُهُ أَوْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي مُقَابَلَتِهِ) هَذَا عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهَا مَشَى الْقُدُورِيُّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ فِدَاءُ أَسْرَانَا بِأَسْرَاهُمْ كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالتَّبْيِينِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ
стр. 285
خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَرْبِ جَازَ بِالْمَالِ لَا بِالْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ بِالْمَالِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَلَا بِالنَّفْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مُطْلَقًا (وَرَدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
. (وَ) حَرُمَ (عَقْرُ دَابَّةٍ شَقَّ نَقْلُهَا) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ مَوَاشٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَقْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَعْقِرُهَا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَا يَتْرُكُهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ) أَمَّا الذَّبْحُ فَلِأَنَّهُ جَازَ لِمَصْلَحَةٍ وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ مِنْ أَقْوَى الْمَصَالِحِ، وَأَمَّا الْحَرْقُ فَلِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهَا الْكُفَّارُ فَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ وَلَا تُحْرَقُ قَبْلَ الذَّبْحِ إذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا، وَيُحْرَقُ الْأَسْلِحَةُ أَيْضًا وَمَا لَا يُحْرَقُ كَالْحَدِيدِ يُدْفَنُ.
. (وَ) حَرُمَ (قِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّةَ) أَيْ قِسْمَةُ غَنِيمَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ (إلَّا بِالْإِيدَاعِ) فَيُرَدُّ هَاهُنَا وَيُقْسَمُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُوَافَقَةُ لِقَوْلِ الْعَامَّةِ أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ الْكَافِرِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنَا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظَاهِرًا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ وَاحِدٌ مِثْلُهُ ظَاهِرًا فَيَتَكَافَآ ثُمَّ تَبْقَى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ وَتَمْكِينِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي زِيَادَةُ تَرْجِيحٍ وَثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ» اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنْ الْحَقَائِقِ إنَّ مُفَادَاةَ أَسِيرِهِمْ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ يَجُوزُ اتِّفَاقًا. اهـ. فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَرْبِ جَازَ بِالْمَالِ) أَيْ لِقِيَامِ الْحَاجَةِ فَيَكُونُ مَحْمَلُ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ، وَأَمَّا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ وَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ جَازَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ بِالْمَالِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا) أَيْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ فَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ الْمَجْمَعِ إنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ غَيْرُ جَائِزَةٍ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَلَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمَجْمَعِ عَلَى عُمُومِهِ خَالَفَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ بِجَوَازِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ عِنْدَ قِيَامِ الْحَرْبِ لَا بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: وَرَدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ) لَمْ يَزِدْ حُكْمًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَرُمَ مَنُّهُمْ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَكَذَا جَمَعَ فِي الْكَنْزِ بَيْنَ الْمَنِّ وَالرَّدِّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ، وَأَمَّا الْمَنُّ فَقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا أَنْعَمَ وَاصْطَنَعَ عِنْدَهُ صَنِيعَةً. اهـ. وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي الْمُرَادِ بِهِ هُنَا فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُوَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ هُوَ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَتْرُكَهُمْ مَجَّانًا بِدُونِ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ تَرْكِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَلَا يَصِحُّ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ وَحَرُمَ رَدُّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَفِي حُكْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَعَقْرُ دَابَّةٍ. . . إلَخْ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ شَقَّ إخْرَاجُهُمْ فَيُتْرَكُونَ فِي أَرْضٍ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا كَيْ لَا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا لِأَنَّ النِّسَاءَ يَقَعُ بِهِنَّ النَّسْلُ وَالصِّبْيَانَ يَبْلُغُونَ، وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا بِدَارِ الْحَرْبِ فِي رِحَالِهِمْ يَنْزِعُونَ ذَنَبَ الْعَقْرَبِ وَأَنْيَابَ الْحَيَّةِ قَطْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ وَلَا يَقْتُلُونَهَا إبْقَاءً لِمَا يَضُرُّ بِالْكُفَّارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
[قِسْمَة الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب قَبْل إخْرَاجهَا إلَى دَار الْإِسْلَام]
(قَوْلُهُ وَحَرُمَ قِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّةَ) لَا يُنَاسِبُ مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا عِنْدَنَا وَالْحُرْمَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْمِلْكِ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ كَالْقُدُورِيِّ هَكَذَا وَلَا يَقْسِمُ غَنِيمَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
وَالْمَسَائِلُ الْإِفْرَادِيَّةُ الْمَوْضُوعَةُ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ مِثْلَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْغَانِمِينَ لَا يُورَثُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَهُ الْكَمَالُ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا لَا تَصِحُّ إذَا قَسَمَ بِلَا اجْتِهَادٍ أَوْ اجْتَهَدَ فَوَقَعَ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَمَّا إذَا قَسَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُجْتَهِدًا فَلَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ لِلْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهَا قَسَمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ) قَالَ فِي الْكَافِي النَّسَفِيِّ مِنْهَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْغَانِمِينَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ عِنْدَهُ وَصَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ وَعِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَيَجِبُ الْعُقْرُ وَيُقْسَمُ الْوَلَدُ وَالْأَمَةُ وَالْعُقْرُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. اهـ.
وَتَبِعْهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْجِهَادِ مِنْ الْكَافِي خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا فَنَفَى لُزُومَ الْعُقْرِ بِوَطْئِهَا فَتَنَاقَضَ حَيْثُ قَالَ وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا عُقْرَ فِي الْوَطْءِ لِأَنَّ الثَّابِتَ مُجَرَّدُ الْحَقِّ إذْ الْمِلْكُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ كَالْجُزْءِ وَإِتْلَافُ الْكُلِّ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَإِتْلَافُ الْجُزْءِ أَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ يُقْتَصُّ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ الْغُرْمُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرْمُ. اهـ.
وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ الْأَخِيرِ مِنْ كَلَامِ الْكَافِي وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ حَيْثُ نَفَى الْعُقْرَ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ مَنَافِعِ بَعْضِهَا وَلَوْ أَتْلَفَهَا لَا يَضْمَنُ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ أَصْلًا لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا مِنْ وَجْهٍ
следующие страницы →