Полный текст (874 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي آخِرَهَا الْحَجُّ وَمِمَّا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ شَرَعَ الْآنَ فِي خَامِسَةِ الْعِبَادَاتِ وَهِيَ الْجِهَادُ فَقَالَ (هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بَدْءًا) أَيْ ابْتِدَاءً يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُونَا فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ثُمَّ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُسْتَحْسَنَةِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ إذَا كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] أَيْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا فِي الْأَزْمَانِ كُلِّهَا وَالْأَمَاكِنِ بِأَسْرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وَ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ.
وَجْهُ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَإِفْسَادٌ فِي نَفْسِهِ بَلْ شُرِعَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْ الْعِبَادِ فَحِينَئِذٍ (إنْ قَامَ بِهِ الْبَعْضُ) فِي كُلِّ زَمَانٍ (سَقَطَ) الْفَرْضُ (عَنْ الْكُلِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَدَفْنِهَا وَرَدِّ السَّلَامِ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهَا إذَا حَصَلَ مِنْ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ بَاقِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْبَعْضُ بَلْ خَلَا عَنْ الْجِهَادِ وَالزَّمَانُ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ (أَثِمُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ لِتَرْكِهِمْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ كَمَا إذَا تَرَكَ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ أَوْ دَفْنَهَا أَوْ رَدَّ السَّلَامِ أَثِمُوا (إلَّا عَلَى صَبِيٍّ وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَأَقْطَعَ) ؛ لِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ وَالتَّكْلِيفُ بِالْقُدْرَةِ.
(وَ) فَرْضُ (عَيْنٍ إنْ هَجَمُوا) أَيْ هَجَمَ الْكُفَّارُ عَلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ.
نَقَلَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْجِهَادَ إذَا جَاءَ النَّفِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِبُعْدٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسَعَهُمْ تَرْكُهُ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِمْ، فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ بِأَنْ عَجَزَ مَنْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ عَنْ الْمُقَاوَمَةِ مَعَ الْعَدُوِّ أَوْ لَمْ يَعْجِزُوا عَنْهَا لَكِنَّهُمْ تَكَاسَلُوا وَلَمْ يُجَاهِدُوا فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَا يَسَعُهُمْ تَرْكُهُ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ، وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلْدَةِ فَعَلَى جِيرَانِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ أَنْ يَقُومُوا بِأَسْبَابِهِ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ كَانَ بِبُعْدٍ مِنْ الْمَيِّتِ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِبُعْدٍ مِنْ الْمَيِّتِ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ يُضَيِّعُونَ حُقُوقَهُ أَوْ يَعْجِزُونَ عَنْهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِهِ، كَذَا هُنَا.
(فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فَرْضِ الْعَيْنِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ النَّفِيرِ إذْ بِغَيْرِهِمْ كِفَايَةٌ فَلَا ضَرُورَةَ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمَا.
(وَكُرِهَ الْجُعْلُ) وَهُوَ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ وَالْمُرَادُ مَا يَجْعَلُ الْإِمَامُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ شَيْئًا بِلَا طِيبِ أَنْفُسِهِمْ يَتَقَوَّى بِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
«رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامُهُ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أَجْرَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ «وَبُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَمِنَ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ تَعْدِلُ خَمْسَ مِائَةِ صَلَاةٍ وَنَفَقَةَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعمِائَةِ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِهِ» كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمُوا) كَذَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي الِافْتِرَاضَ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُ مَحَلٍّ هَجَمَهُ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ صَرِيحُ مَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ الْخَبَرَ وَلَهُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ. اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ: إنْ وَقَعَ النَّفِيرُ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ أَنَّ الْعَدُوَّ جَاءَ إلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ النَّفِيرُ مِنْ قِبَلِ اللُّزُومِ فَعَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْغَزْوِ إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ إلَّا بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. اهـ.
فَالْمَتْنُ عَامٌّ وَقَدْ خَصَّهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدْ نَقَلَ الْكَمَالُ مَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا ذَكَرُوا وَكَانَ مَعْنَاهُ إذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، بِخِلَافِ إنْفَاذِ الْأَسِيرِ وُجُوبُهُ عَلَى الْكُلِّ مُتَّجَهٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّنْ عَلِمَ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْثَمَ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ وَقُعُودُهُ لِعَدَمِ خُرُوجِ النَّاسِ وَتَكَاسُلِهِمْ أَوْ قُعُودِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْعِهِ. اهـ.
(فَائِدَةٌ) عَالِمٌ لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ أَفْقَهَ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّيَاعِ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي.
стр. 282
الْغُزَاةُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ (مَعَ فَيْءٍ) أَيْ وُجُودِ شَيْءٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَبِدُونِهِ) أَيْ إذَا لَمْ يُوجَدْ فَيْءٌ (لَا) يُكْرَهُ الْجُعْلُ (فَإِنْ حَاصَرْنَاهُمْ دَعَوْنَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا) أَيْ امْتَنَعُوا عَنْ الْإِسْلَامِ (فَإِلَى) أَيْ فَنَدْعُوهُمْ إلَى (الْجِزْيَةِ فَإِنْ قَبِلُوا) الْجِزْيَةَ (فَلَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا) هَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّا كُنَّا نَتَعَرَّضُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ قَبُولِهِمْ الْجِزْيَةَ فَبَعْدَمَا قَبِلُوهَا إذَا تَعَرَّضْنَا لَهُمْ أَوْ تَعَرَّضُوا لَنَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْنَا، وَيَجِبُ لَنَا عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ لِبَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَرُّضِ، يُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا.
(وَلَا نُقَاتِلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) إلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَهَا أَثِمَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلَمْ يَغْرَمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ (وَنُدِبَ تَجْدِيدُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ فَإِنْ أَبَوْا حَارَبْنَاهُمْ بِمَنْجَنِيقٍ وَتَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ وَرَمْيٍ، وَلَوْ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ تَتَرَّسُوا بِهِ) أَيْ بِالْمُسْلِمِ (بِنِيَّتِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِالرَّمْيِ (لَا بِنِيَّتِهِ) لِيَلْزَمَ الْإِثْمُ، وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَة. .
(وَقَطْعِ شَجَرٍ وَإِفْسَادِ زَرْعٍ بِلَا غَدْرٍ وَغُلُولٍ) لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا وَكِلَاهُمَا خِيَانَةٌ لَكِنَّ الْغُلُولَ فِي الْمَغْنَمِ خَاصَّةً، وَالْغَدْرُ أَعَمُّ يَشْمَلُ نَقْضَ الْعَهْدِ (وَمُثْلَةً) اسْمٌ مِنْ مَثَّلَ بِهِ يُمَثِّلُ مَثَلًا كَقَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلًا أَيْ نَكَّلَ بِهِ يَعْنِي جَعَلَهُ نَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ كَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ.
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْمَثُلَةُ الْمَنْهِيَّةُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِهَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إذْلَالِهِمْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ وَنَظِيرُهُ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ (وَبِلَا قَتْلِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ (وَشَيْخٍ فَانٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَامْرَأَةٍ) لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّهَا فِي الْحَدِيثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُقَاتِلًا أَوْ ذَا مَالٍ يَحُثُّ بِهِ أَوْ) ذَا (رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ أَوْ مَلِكًا) فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ.
. (وَ) بِلَا قَتْلِ (أَبٍ كَافِرٍ بَدْءًا) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: مَعَ فَيْءٍ أَيْ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ) فَسَّرَ الْفَيْءَ بِالشَّيْءِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وُجُودُ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ.
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُوجَدْ فَيْءٌ لَا يُكْرَهُ الْجُعْلُ) هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يُكْرَهُ وَأَطْلَقَ الْإِبَاحَةَ فِي السِّيَرِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَغْزُو بِأَجْرٍ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا لِنَفْسِهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَكَانَتْ تَأْخُذُ مِنْ فِرْعَوْنَ دِينَارَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ» ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَوْا فَإِلَى الْجِزْيَةِ) هَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَأَهْلِ الْكِتَاب وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ كَالْمُرْتَدِّينَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَقَطْعِ شَجَرٍ وَإِفْسَادِ زَرْعٍ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَالْمَسْطُورُ فِي الزَّيْلَعِيِّ نَصُّهُ.
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ. . . إلَخْ وَظَاهِرُ هَذَا الْإِطْلَاقِ التَّمْثِيلُ سَوَاءٌ وَقَعَ قِتَالًا أَوْ بِأَسِيرٍ إلَّا أَنَّ الْكَمَالَ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ التَّمْثِيلُ قَبْلَ الظَّفَرِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالًا كَمُبَارِزٍ ضَرَبَ فَقَطَعَ أُذُنَهُ ثُمَّ ضُرِبَ فَقَأَ عَيْنَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَقَطَعَ أَنْفَهُ وَيَدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَيْخٍ فَانٍ) قَالَ الْكَمَالُ الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْفَانِي مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا الصِّيَاحِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَلَا عَلَى الْإِحْبَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْوَلَدُ فَيَكْثُرُ مُحَارِبُ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَزَادَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَامِلَ الْعَقْلِ فَقَتَلَهُ وَمِثْلُهُ نَقْتُلُهُ إذَا ارْتَدَّ، وَاَلَّذِي لَا نَقْتُلُهُ الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي خَرَّفَ وَزَالَ عَنْ حُدُودِ الْعُقَلَاءِ وَالْمُمَيِّزِينَ فَهَذَا حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ فَلَا نَقْتُلُهُ وَلَا إذَا ارْتَدَّ قَالَ، وَأَمَّا الزَّمْنَى فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّيُوخِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ إذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ كَمَا يُقْتَلُ سَائِرُ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا عُقَلَاءَ وَنَقْتُلُهُمْ أَيْضًا إذَا ارْتَدُّوا. اهـ.
وَلَا نَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْمَقْطُوعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَنَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. اهـ. مَا قَالَهُ الْكَمَالُ (قُلْت) وَفِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْأَقْطَعِ مِنْ خِلَافٍ نَظَرٌ لِمَا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ مَرْتَبَةِ الشَّيْخِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِحْبَالِ أَوْ الصِّيَاحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّهَا فِي الْحَدِيثِ) وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَغْرَمُ قَاتِلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حُرْمَةِ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُقَاتِلًا) لَكِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ يُقْتَلَانِ فِي حَالِ قِتَالِهِمَا، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ النِّسَاءِ وَالرُّهْبَانِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الْأَسْرِ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُقْتَلُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَالْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ تُقْتَلُ وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمَلِكُ وَالْمَعْتُوهُ؛ لِأَنَّ فِي قَتْلِ الْمَلِكِ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَبِلَا قَتْلِ أَبٍ كَافِرٍ) سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي الصَّفِّ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَقْتُلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ يَقْتُلُهُ غَيْرُ الِابْنِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الرُّجُوعِ حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُعَالِجُهُ بِنَحْوِ ضَرْبِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ وَإِلْجَائِهِ إلَى مَكَان حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ، وَكَذَا الْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ الْمُقَاتِلُونَ يُكْرَهُ لِفَرْعِهِمْ قَتْلُهُمْ وَمَنْ سِوَى الْأُصُولِ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْحَرْبِيِّينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْخَوَارِجِ فَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْأَبِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْفَتْحِ
стр. 283
يَقْتُلَ أَبَاهُ الْكَافِرَ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَتْ الْبُدَاءَةُ بِالْقَتْلِ مِنْ الْمَعْرُوفِ؛ وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي حَيَاتِهِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَدْءًا؛ لِأَنَّ الْأَبَ إنْ قَصَدَ قَتْلَ الِابْنِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ أَبَاهُ الْمُسْلِمَ إذَا قَصَدَ قَتْلَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُهُ فَالْكَافِرُ أَوْلَى (فَيَقْتُلُهُ غَيْرُ ابْنِهِ) وَابْنُهُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْهُ (وَبِلَا إخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ فِي سُرِّيَّةٍ يُخَافُ عَلَيْهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَضَائِحِ.
(وَيُصَالِحُهُمْ) أَيْ يُصَالِحُ الْإِمَامُ أَهْلَ الْحَرْبِ (إنْ) كَانَ الصُّلْحُ (خَيْرًا) لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى (وَلَوْ بِمَالٍ) يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ (مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بِلَا مَالٍ فَبِهِ أَوْلَى (إنْ احْتَجْنَا إلَيْهِ) ، وَإِنْ لَمْ نَحْتَجْ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَالِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ إلَّا إذَا نَزَلُوا بِدَارِهِمْ لِلْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَنِيمَةً لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا بِالْقَهْرِ وَحُكْمُهُ مَعْرُوفٌ، وَلَوْ حَاصَرَ الْكُفَّارُ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا الصُّلْحَ بِمَالٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْحَاقَ الْمَذَلَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي الْحَدِيثِ «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ إلَّا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ» ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَاجِبٌ (وَيَنْبِذُ إنْ خَيْرًا) أَيْ لَوْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ ثُمَّ رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَصْلَحَ نَبَذَ إلَيْهِمْ أَيْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ خَبَرَ النَّقْضِ (فَيُقَاتِلُ وَقَبْلَ نَبْذٍ لَوْ خَانُوا بَدْءًا) أَيْ قُوتِلُوا قَبْلَ إرْسَالِ خَبَرِ النَّقْضِ إنْ بَدَءُوا بِالْخِيَانَةِ
. (وَ) يُصَالِحُ (الْمُرْتَدِّينَ وَالْبَاغِينَ) حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِتَالَ لِمَصْلَحَةٍ فَجَازَ كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ (بِلَا مَالٍ) ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُمْ تَقْرِيرٌ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَذَا لَا يَجُوزُ (وَلَا رَدَّ إنْ أَخَذْنَا) ؛ لِأَنَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَعُونَةً لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.
(لَا يُبَاعُ سِلَاحٌ وَخَيْلٌ وَحَدِيدٌ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ صُلْحٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعُونَتِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ (صَحَّ أَمَانُ حُرٍّ وَحُرَّةٍ) مِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: فِي سَرِيَّةٍ) قَالَ الْكَمَالُ مَا نَصُّهُ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْعَسْكَرِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. اهـ.
وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ نَصُّهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. اهـ.
وَقَوْلُ ابْنِ زِيَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ نَصُّ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ بَعْدَمَا قَالَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ) هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْقُمِّيِّ وَالصَّدْرِ الشَّهِيدِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ النَّهْيَ عَنْ إخْرَاجِ الْمُصْحَفِ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَصَاحِفِ كَيْ لَا تَنْقَطِعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُكْرَهُ. اهـ.
وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ التَّأْوِيلِ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ رَاوِي الْحَدِيثِ قَالَ أَرَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ وَالْحَقُّ إنَّهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبِذُ إنْ خَيْرًا فَيُقَاتِلُ) أَقُولُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إعْلَامِهِمْ بِالنَّبْذِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ مَلِكُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إلْقَاءِ الْخَبَرِ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَارَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَفِي عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ خَرَّبُوا حُصُونَهُمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ فَحَتَّى يَعُودُوا كُلُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَيُعَمِّرُوا حُصُونَهُمْ مِثْلَ مَا كَانَتْ تَوَقِّيًا عَنْ الْغَدْرِ وَهَذَا وَاضِحٌ أَنَّهُ إذَا صَالَحَهُمْ مُدَّةً وَرَأَى نَقْضَهُ قَبْلَهَا، وَأَمَّا إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الصُّلْحُ بِمُضِيِّهَا فَلَا يُنْبَذُ إلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى جَعْلِ رَدِّ مَا يُخَصُّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بِالنَّبْذِ قَبْلَ مُضِيِّهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَ نَبْذٍ لَوْ خَانُوا بَدْءًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالنُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا وَتَنْوِينِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ قَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةِ قَاتِلِهِمْ وَلَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِهِ. اهـ.
وَكَذَا إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لَهُمْ مَنَعَةٌ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ مَلِكِهِمْ انْتَقَضَ الْعَهْدُ فِي حَقِّهِمْ لَا غَيْرُ حَتَّى يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَدُّوا بِأَنْفُسِهِمْ فَيَنْتَقِضُ الْعَهْدُ فِي حَقِّهِمْ وَلَا يَنْتَقِضُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
(قَوْلُهُ: وَحَدِيدٌ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلَ السِّلَاحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَيْثُ قَالَ وَهَذَا فِي السِّلَاحِ، وَأَمَّا فِيمَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ فَلَا بَأْسَ كَمَا كَرِهْنَا بَيْعَ الْمَزَامِيرِ وَأَبْطَلْنَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَلَمْ نَرَ بِبَيْعِ الْعِنَبِ بَأْسًا وَلَا بِبَيْعِ الْخَشَبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الصُّلْحِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ عَلَى شَرَفِ النَّقْضِ وَالِانْقِضَاءِ فَكَانُوا حَرْبًا عَلَيْنَا وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ وَالثَّوْبِ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ ثُمَامَةَ أَنْ يُمِيرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُمْ حَرْبٌ عَلَيْهِ» . اهـ.
(قَوْلُهُ: صَحَّ أَمَانُ حُرٍّ) أَقُولُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَمَانِ قَوْلُك لِلْحَرْبِيِّ لَا تَخَفْ وَلَا تَوْجَلْ أَوْ مِتْرَسٌ أَوْ لَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ تَعَالَى فَاسْمَعْ الْكَلَامَ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ النَّاطِفِيُّ فِي السِّيَرِ إمْلَاءً سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الرَّجُلِ
стр. 284
الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا أَوْ كُفَّارًا أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ حَتَّى لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ (فَإِنْ) كَانَ الصُّلْحُ (شَرًّا نُبِذَ) الْأَمَانُ (وَأُدِّبَ) مُعْطِي الْأَمَانِ.
(لَا) يَصِحُّ (أَمَانُ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِهِمْ وَكَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ بِأَنْ يُؤَمِّنَهُمْ فَحِينَئِذٍ جَازَ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَ) لَا أَمَانُ (أَسِيرٍ مُسْلِمٍ) مَعَهُمْ (وَتَاجِرٍ) مُسْلِمٍ (مَعَهُمْ) لِأَنَّهُمَا مَقْهُورَانِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَخَافُونَهُمَا وَالْأَمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ.
(وَ) لَا أَمَانُ (مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ) إلَيْنَا لِمَا ذَكَرْنَا (وَصَبِيٍّ وَعَبْدٍ مَحْجُورَيْنِ وَمَجْنُونٍ) أَمَّا الصَّبِيُّ فَإِذَا لَمْ يَعْقِلْ بَطَلَ أَمَانُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ عَقَلَ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِتَالِ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِذَا حُجِرَ عَنْ الْقِتَالِ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ صَحَّ أَمَانُهُ.
[بَابُ الْمَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ]
(إذَا فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً صُلْحًا يَجْرِي) أَيْ الْإِمَامُ (عَلَى مُوجَبِهِ) لَا بِغَيْرِهِ هُوَ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ (وَأَرْضُهَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِهِمْ، وَلَوْ) فَتَحَهَا (عَنْوَةً) أَيْ قَهْرًا فَهُوَ فِي حَقِّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ خُمُسَهَا، ثُمَّ (قُسِمَا بَيْنَنَا) يَعْنِي الْغَانِمِينَ فَتَكُونُ مِلْكًا لَنَا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ وَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ إذْ لَا يَجُوزُ وَضْعُ الْخَرَاجِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا) أَيْ إنْ شَاءَ وَمَنْ بِهِ عَلَى أَهْلِهَا وَتَرَكَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَالْأَرَاضِي مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ (بِجِزْيَةٍ) أَيْ بِوَضْعِ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ.
(وَ) وَضْعِ (خَرَاجٍ) عَلَى أَرَاضِيِهِمْ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ حِينَ فَتَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ حَيْثُ مَنَّ عَلَى أَهْلِهَا وَتَرَكَ دُورَهُمْ وَعَقَارَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَلَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، قَالُوا الْأَوَّلُ أَوْلَى عِنْدَ حَاجَةِ الْغَانِمِينَ وَالثَّانِي عِنْدَ عَدَمِهَا لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَهُمْ فِي الثَّانِي مِنْ الزَّمَانِ (أَوْ نَفَاهُمْ) مِنْهَا (وَأَنْزَلَ) بِهَا قَوْمًا (آخَرِينَ وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ لَوْ) كَانُوا (كُفَّارًا) كَذَا فِي التُّحْفَةِ، يَعْنِي وَضَعَ عَلَيْهِمْ خَرَاجَ الْأَرْضِ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ الْجِزْيَةَ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانُوا كُفَّارًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَوْمَ الْآخَرِينَ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَا يُوضَعُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءً وُضِعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
. (وَ) الْإِمَامُ فِي حَقِّ أَهْلِ مَا فُتِحَ مُخَيَّرٌ أَيْضًا إنْ شَاءَ (قَتَلَ الْأَسْرَى) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَتَلَهُمْ وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الشِّرْكِ (أَوْ اسْتَرَقَّهُمْ) تَوْفِيرًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (أَوْ تَرَكَهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً لَنَا) إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ إذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ (وَحَرُمَ مَنُّهُمْ) وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَفِدَاؤُهُمْ) وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي مُقَابَلَتِهِ وَفِي الْمَنِّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إلَى السَّمَاءِ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِأَمَانٍ وَأَبِي يُوسُفَ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَكُونَ أَمَانًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ نَقْلًا عَنْ الْيَنَابِيعِ إذَا قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْأَمَانُ الْأَمَانُ فَقَالَ رَجُلٌ حُرٌّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ لَا تَخَافُوا وَلَا تَذْهَلُوا أَوْ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّتُهُ أَوْ تَعَالَوْا وَاسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ فَهَذَا كُلُّهُ أَمَانٌ صَحِيحٌ. اهـ.
[أمان الذِّمِّيّ وَالْأَسِير الْمُسْلِم]
(بَابُ الْمَغْنَمِ وَقِسْمَتِهِ) .
(قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ خُمُسَهَا) أَيْ جَعَلَهَا أَخْمَاسًا خُمُسٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَسَمَهَا بَيْنَنَا) يَعْنِي قَسَمَ بَاقِيَهَا وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِقَوْلِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَسَيَذْكُرُ قِسْمَةَ الْخُمُسِ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَقَرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا. . . إلَخْ) نَصٌّ عَلَى الْمَنِّ بِإِبْقَائِهِمْ ذِمَّةً وَتَمَلُّكِهِمْ الْأَرَاضِيَ فَخَرَجَ مَا يُنْقَلُ إذْ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَأَنَّهُ لَا يَدُومُ وَالْجَوَازُ بِاعْتِبَارِ الدَّوَامِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِالرِّقَابِ وَحْدَهَا بِدُونِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَرَاضِيِ، وَإِذَا مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالرِّقَابِ وَالْأَرَاضِي يَدْفَعُ لَهُمْ مِنْ الْمَنْقُولِ قَدْرَ مَا يَتَأَتَّى لَهُمْ بِهِ الْعَمَلُ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ وَقَسَمَ الْجَمِيعَ لِلْغَانِمِينَ جَازَ وَكُرِهَ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ بِلَا آلَتِهَا كَمَا فِي الْكَافِي وَلِي رِسَالَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَمَّيْتهَا الدُّرَّةُ الْيَتِيمَةُ فِي الْغَنِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْأَسْرَى) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا وَمَنْ أَسْلَمَ لَا يُقْتَلُ وَقُيِّدَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ قَتْلُ أَسِيرٍ بِنَفْسِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ بِلَا مُلْجِئٍ بِأَنْ خَافَ الْقَاتِلُ شَرًّا لِأَسِيرٍ كَانَ لِلْإِمَامِ تَعْزِيرُهُ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ الْأَسْرَى لَا يَنْبَغِي تَعْذِيبُهُمْ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْذِيبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَرَقَّهُمْ) وَلَا يُنَافِي اسْتِرْقَاقُهُمْ إسْلَامَهُمْ بَعْدَ الْأَسْرِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ سَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الْأَسْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَخْذِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ مَالًا) هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالْفَتْحِ وَآيَةُ السَّيْفِ نَسَخَتْ الْمُفَادَاةَ وَعُوتِبَ عَلَى الْفِدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ (قَوْلُهُ أَوْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي مُقَابَلَتِهِ) هَذَا عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهَا مَشَى الْقُدُورِيُّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ فِدَاءُ أَسْرَانَا بِأَسْرَاهُمْ كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالتَّبْيِينِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ
стр. 285
خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَرْبِ جَازَ بِالْمَالِ لَا بِالْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ بِالْمَالِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَلَا بِالنَّفْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مُطْلَقًا (وَرَدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
. (وَ) حَرُمَ (عَقْرُ دَابَّةٍ شَقَّ نَقْلُهَا) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ مَوَاشٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَقْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَعْقِرُهَا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَا يَتْرُكُهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ) أَمَّا الذَّبْحُ فَلِأَنَّهُ جَازَ لِمَصْلَحَةٍ وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ مِنْ أَقْوَى الْمَصَالِحِ، وَأَمَّا الْحَرْقُ فَلِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهَا الْكُفَّارُ فَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ وَلَا تُحْرَقُ قَبْلَ الذَّبْحِ إذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا، وَيُحْرَقُ الْأَسْلِحَةُ أَيْضًا وَمَا لَا يُحْرَقُ كَالْحَدِيدِ يُدْفَنُ.
. (وَ) حَرُمَ (قِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّةَ) أَيْ قِسْمَةُ غَنِيمَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ (إلَّا بِالْإِيدَاعِ) فَيُرَدُّ هَاهُنَا وَيُقْسَمُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُوَافَقَةُ لِقَوْلِ الْعَامَّةِ أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ الْكَافِرِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنَا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظَاهِرًا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ وَاحِدٌ مِثْلُهُ ظَاهِرًا فَيَتَكَافَآ ثُمَّ تَبْقَى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ وَتَمْكِينِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي زِيَادَةُ تَرْجِيحٍ وَثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ» اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنْ الْحَقَائِقِ إنَّ مُفَادَاةَ أَسِيرِهِمْ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ يَجُوزُ اتِّفَاقًا. اهـ. فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَرْبِ جَازَ بِالْمَالِ) أَيْ لِقِيَامِ الْحَاجَةِ فَيَكُونُ مَحْمَلُ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ، وَأَمَّا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ وَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ جَازَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ بِالْمَالِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا) أَيْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ فَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ الْمَجْمَعِ إنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ غَيْرُ جَائِزَةٍ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَلَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمَجْمَعِ عَلَى عُمُومِهِ خَالَفَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ بِجَوَازِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ عِنْدَ قِيَامِ الْحَرْبِ لَا بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: وَرَدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ) لَمْ يَزِدْ حُكْمًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَرُمَ مَنُّهُمْ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرَ الْأَسِيرَ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَكَذَا جَمَعَ فِي الْكَنْزِ بَيْنَ الْمَنِّ وَالرَّدِّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ، وَأَمَّا الْمَنُّ فَقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا أَنْعَمَ وَاصْطَنَعَ عِنْدَهُ صَنِيعَةً. اهـ. وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي الْمُرَادِ بِهِ هُنَا فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُوَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ هُوَ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَتْرُكَهُمْ مَجَّانًا بِدُونِ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ تَرْكِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَلَا يَصِحُّ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ وَحَرُمَ رَدُّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. اهـ. قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَفِي حُكْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَعَقْرُ دَابَّةٍ. . . إلَخْ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ شَقَّ إخْرَاجُهُمْ فَيُتْرَكُونَ فِي أَرْضٍ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا كَيْ لَا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا لِأَنَّ النِّسَاءَ يَقَعُ بِهِنَّ النَّسْلُ وَالصِّبْيَانَ يَبْلُغُونَ، وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا بِدَارِ الْحَرْبِ فِي رِحَالِهِمْ يَنْزِعُونَ ذَنَبَ الْعَقْرَبِ وَأَنْيَابَ الْحَيَّةِ قَطْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ وَلَا يَقْتُلُونَهَا إبْقَاءً لِمَا يَضُرُّ بِالْكُفَّارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
[قِسْمَة الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب قَبْل إخْرَاجهَا إلَى دَار الْإِسْلَام]
(قَوْلُهُ وَحَرُمَ قِسْمَةُ مَغْنَمٍ ثَمَّةَ) لَا يُنَاسِبُ مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا عِنْدَنَا وَالْحُرْمَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْمِلْكِ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ كَالْقُدُورِيِّ هَكَذَا وَلَا يَقْسِمُ غَنِيمَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
وَالْمَسَائِلُ الْإِفْرَادِيَّةُ الْمَوْضُوعَةُ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ مِثْلَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْغَانِمِينَ لَا يُورَثُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَهُ الْكَمَالُ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا لَا تَصِحُّ إذَا قَسَمَ بِلَا اجْتِهَادٍ أَوْ اجْتَهَدَ فَوَقَعَ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَمَّا إذَا قَسَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُجْتَهِدًا فَلَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ لِلْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهَا قَسَمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ) قَالَ فِي الْكَافِي النَّسَفِيِّ مِنْهَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْغَانِمِينَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ عِنْدَهُ وَصَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ وَعِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَيَجِبُ الْعُقْرُ وَيُقْسَمُ الْوَلَدُ وَالْأَمَةُ وَالْعُقْرُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. اهـ.
وَتَبِعْهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْجِهَادِ مِنْ الْكَافِي خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا فَنَفَى لُزُومَ الْعُقْرِ بِوَطْئِهَا فَتَنَاقَضَ حَيْثُ قَالَ وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا عُقْرَ فِي الْوَطْءِ لِأَنَّ الثَّابِتَ مُجَرَّدُ الْحَقِّ إذْ الْمِلْكُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ كَالْجُزْءِ وَإِتْلَافُ الْكُلِّ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَإِتْلَافُ الْجُزْءِ أَوْلَى وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ يُقْتَصُّ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ الْغُرْمُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرْمُ. اهـ.
وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ الْأَخِيرِ مِنْ كَلَامِ الْكَافِي وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ حَيْثُ نَفَى الْعُقْرَ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ مَنَافِعِ بَعْضِهَا وَلَوْ أَتْلَفَهَا لَا يَضْمَنُ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ أَصْلًا لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا مِنْ وَجْهٍ
стр. 286
وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ فِي بَيْتِ الْمَالِ حُمُولَةٌ يَحْمِلُ عَلَيْهَا الْغَنَائِمَ فَيَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ قِسْمَةَ إيدَاعٍ لِيَحْمِلُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُحَمِّلُوهَا أَجِيرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فِي رِوَايَةِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٍّ بِتَحْمِيلِ ضَرَرٍ خَاصٍّ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً شَهْرًا فَمَضَتْ الْمُدَّةُ فِي الْمَفَازَةِ أَوْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً فَمَضَتْ الْمُدَّةُ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا إجَارَةٌ أُخْرَى بِأَجْرِ الْمِثْلِ وَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى رِوَايَةِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ إذْ لَا يُجْبَرُ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ ابْتِدَاءً كَمَا إذَا نَفَقَتْ دَابَّتُهُ فِي الْمَفَازَةِ وَمَعَ رَفِيقِهِ دَابَّةٌ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِجَارَةِ، بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ فَإِنَّهُ بِنَاءٌ وَلَيْسَ بِابْتِدَاءٍ وَهُوَ أَسْهَلُ مِنْهُ.
. (وَ) حَرُمَ (بَيْعُهُ) أَيْ الْمَغْنَمِ (قَبْلَهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لَمْ يَمْلِكْ كَمَا مَرَّ وَبَعْدَهُ نَصِيبُهُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَهُ (وَالرِّدْءُ) أَيْ الْعَوْنُ (وَمَدَدٌ يَلْحَقُهُمْ ثَمَّةَ كَمُقَاتِلٍ) فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ (لَا سُوقِيٌّ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا مَنْ مَاتَ ثَمَّةَ) لِعَدَمِ التَّمَلُّكِ.
(وَيُورَثُ قِسْطُ مَنْ مَاتَ هُنَا) لِحُصُولِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ مُشَاعًا (وَحَلَّ فِيهَا) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (طَعَامٌ وَعَلَفٌ وَحَطَبٌ وَدُهْنٌ وَسِلَاحٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِلَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَلَكِنْ انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ الْمِلْكِ عَلَى أَنْ تَصِيرَ مِلْكًا عِنْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا ثُمَّ قَالَ، وَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ وَادَّعَى الْوَلَدَ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ اسْتِحْسَانًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ثَبَاتَ النَّسَبِ وَأُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ يَقِفُ عَلَى مِلْكٍ خَاصٍّ وَذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ أَوْ حَقٍّ خَاصٍّ وَيَلْزَمُهُ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الْعَامَّ أَوْ الْحَقَّ الْمُتَأَكِّدَ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْإِتْلَافِ. اهـ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً لَا يُحَدُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُقْرُ إنْ وَطِئَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ دُونَ دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنَافِعَ بُضْعِهَا. اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُحِيطِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ، وَقَدْ نَقَلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِصِيغَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ قَالَ وَكَذَا إذَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنْ السَّبْيِ أَوْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَهْلِكُ مِنْ الْغَانِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ. اهـ.
وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ كَمَالِ الدِّينِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّنْبِيهِ وَقَوْلُ الْبَدَائِعِ وَأُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ تَقِفُ عَلَى مِلْكٍ خَاصٍّ يُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ الْكَمَالُ أَنَّهُ إذَا قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ عَلَى الرَّايَاتِ أَوْ الْعَرَّافَةِ فَوَقَعَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ أَهْلِ رَايَةٍ صَحَّ اسْتِيلَادُ أَحَدِهِمْ لَهَا وَعِتْقُهُ إذَا كَانُوا قَلِيلًا وَالْقَلِيلُ مِائَةٌ فَمَا دُونَهَا وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَقَّتَ وَيُوكَلَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. اهـ.
[بَيْعُ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَة]
(قَوْلُهُ وَحَرُمَ بَيْعُهُ) أَيْ الْمَغْنَمِ قَبْلَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الشَّرْحِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي بَيْعِ الْغُزَاةِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْإِمَامِ لَهَا فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّهُ تَخْفِيفُ إكْرَاهِ الْحَمْلِ عَنْ النَّاسِ أَوْ عَنْ الْبَهَائِمِ وَنَحْوِهِ وَتَخْفِيفُ مُؤْنَتِهِ عَنْهُمْ فَيَقَعُ عَنْ اجْتِهَادٍ فِي الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَقَعُ جُزَافًا فَيَنْعَقِدُ بِلَا كَرَاهَةٍ مُطْلَقًا، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ) كَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْكَمَالُ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ» فَغَرِيبٌ جِدًّا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالرِّدْءُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ. (قَوْلُهُ: وَمَدَدٌ يَلْحَقُهُمْ ثَمَّةَ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْقِتَالِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْمَدَدُ الْجَمَاعَةُ النَّاصِرُونَ لِلْجُنْدِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ إنَّمَا يَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ إمَّا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَيْعِ الْإِمَامِ الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ انْقَطَعَتْ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَسْتَقِرُّ بِهِ وَاسْتِقْرَارُ الْمِلْكِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ. اهـ.
وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لُحُوقَ الْمَدَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ الْعَسْكَرُ بَلَدًا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ اسْتَظْهَرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ لَمْ يُشَارِكْهُمْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِدَارِ إسْلَامٍ فَصَارَتْ الْغَنِيمَةُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ مَاتَ ثَمَّةَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمْ تُقْسَمْ فَلَوْ قُسِمَتْ ثَمَّةَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ فَيُورَثُ نَصِيبُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْحَقَائِقِ (قُلْت) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إذَا بَاعَهَا الْإِمَامُ بِدَارِ الْحَرْبِ لِحُصُولِ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ فِيهَا طَعَامٌ) أَيْ حَلَّ لِمَنْ لَهُ سَهْمٌ أَوْ رَضْخٌ فِي الْغَنِيمَةِ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَالْمَمَالِيكِ وَلَا يُطْعَمُ التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَزَ الْحِنْطَةَ أَوْ طَبَخَ اللَّحْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَلَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ الْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ وَغَيْرِهِ حَتَّى جَازَ ذَبْحُ الْمَوَاشِي وَأَكْلُهَا وَتُرَدُّ جُلُودُهَا فِي الْغَنِيمَةِ وَكَذَا تُؤْكَلُ الْفَاكِهَةُ الرَّطْبَةُ وَغَيْرُهَا وَالسُّكَّرُ وَالسَّمْنُ وَالزَّيْتُ وَكُلُّ مَأْكُولٍ عَادَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَحَطَبٌ) أَيْ جَازَ لِلطَّبْخِ وَلِلِاصْطِلَاءِ لِلْبَرْدِ إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلْوَقُودِ وَإِنْ مُعَدًّا لِاِتِّخَاذِ الْقِصَاعِ وَالْأَقْدَاحِ وَلَهُ قِيمَةٌ لَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَفٌ) أَيْ وَلَوْ بِالْحِنْطَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّعِيرُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ وَدُهْنٌ) يَعْنِي كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ فَيَدْهُنُ وَيَسْتَصْبِحُ وَيُوقِحُ دَابَّتَهُ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْهِدَايَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ لَهُ لِمَرَضٍ يَحُوجُهُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ كَلُبْسِ الثَّوْبِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَسِلَاحٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ) التَّقْيِيدُ بِالْحَاجَةِ رَاجِعٌ لِلسِّلَاحِ خَاصَّةً عَلَى اتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ الِانْتِفَاعُ
стр. 287
قِسْمَةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَدْفَعُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ (لَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا) لِزَوَالِ الْمُبِيحِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ حَتَّى يُورَثَ نَصِيبُهُ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِلَا رِضَاهُمْ (وَلَا بَيْعُهَا وَتَمَوُّلُهَا) أَيْ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَمْ تُمْلَكْ بِالْأَخْذِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّنَاوُلُ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمْ رُدَّ الثَّمَنُ إلَى الْمَغْنَمِ (وَرُدَّ الْفَضْلُ) أَيْ مَا بَقِيَ مِمَّا أَخَذَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ (إلَى الْمَغْنَمِ) بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِزَوَالِ حَاجَتِهِ هَذَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا إنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ لَوْ قَائِمًا وَبِقِيمَتِهِ لَوْ هَالِكًا، وَالْفَقِيرُ يَنْتَفِعُ بِالْعَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ هَلَكَ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ) مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (عَصَمَ نَفْسَهُ وَطِفْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا تَبَعًا فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.
(وَ) عَصَمَ (مَالًا مَعَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ مَعْصُومًا) أَيْ وَضَعَهُ أَمَانَةً عِنْدَ مَعْصُومٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا (لَا وَلَدَهُ الْكَبِيرَ وَعُرْسَهُ وَحَمْلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْأُمِّ (وَعَقَارَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ فِي يَدِ أَهْلِ الدَّارِ (وَعَبْدَهُ مُقَاتِلًا وَمَالَهُ مَعَ حَرْبِيٍّ بِغَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ) لِسَهْمِ الْفَارِسِ أَوْ الرَّاجِلِ (وَقْتَ الْمُجَاوَزَةِ) أَيْ مُجَاوَزَةِ مَدْخَلِ دَارِ الْحَرْبِ.
(فَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ فَارِسًا فَنَفَقَ فَرَسُهُ) أَيْ مَاتَ فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ رَاجِلًا (فَلَهُ سَهْمَانِ سَهْمُ فَارِسٍ وَمَنْ دَخَلَهَا رَاجِلًا فَشَرَى فَرَسًا) فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ فَارِسًا (فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ وَلَا يُسْهَمُ لِغَيْرِ فَرَسٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَا يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَلَا لِرَاحِلَةٍ وَبَغْلٍ.
(وَ) لَا (عَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَذِمِّيٍّ وَرَضَخَ لَهُمْ) الرَّضْخُ إعْطَاءُ شَيْءٍ قَلِيلٍ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا قَدْرُ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَإِنَّمَا يَرْضَخُ لَهُمْ إذَا بَاشَرُوا الْقِتَالَ أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ فَيَكُونُ جِهَادًا بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهَا أَوْ دَلَّ الذِّمِّيُّ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ فِي دَلَالَتِهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يَبْلُغُ الرَّضْخُ السَّهْمَ لِأَنَّهُمْ لَا يُسَاوُونَ الْجَيْشَ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ إلَّا فِي دَلَالَةِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُزَادُ عَلَى السَّهْمِ إذَا كَانَتْ فِي دَلَالَتِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بِالسِّلَاحِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ اسْتِعْمَالُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ كَالْفَرَسِ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ بِأَنْ مَاتَ فَرَسُهُ أَوْ انْكَسَرَ سَيْفُهُ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ سَيْفَهُ أَوْ فَرَسَهُ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ تَلِفَ. اهـ.
وَأَمَّا غَيْرُ السِّلَاحِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالطَّعَامِ وَالدُّهْنِ فَشَرَطَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ الْحَاجَةَ إلَى التَّنَاوُلِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ تَنَاوُلُهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْهَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ الِانْتِفَاعِ فَإِذَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُبَاحُ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَيْعُهَا وَتَمَوُّلُهَا) شَامِلٌ لِمَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ عَسَلٍ فِي جَبَلٍ وَيَاقُوتٍ وَفَيْرُوزَجَ وَزُمُرُّدٍ وَفِضَّةٍ وَذَهَبٍ مِنْ مَعْدِنِهِ فَإِنَّ جَمِيعَهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِدِ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ فَإِنْ بَاعَهُ نَظَرَ الْإِمَامُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَنْفَعَ قَسَمَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَنْفَعَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَاسْتَرَدَّ الْمَبِيعَ وَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَبِيعُ قَائِمًا يُجِيزُ بَيْعَهُ وَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَوْ حَشَّ حَشِيشًا أَوْ اسْتَقَى مَاءً وَبَاعَهُ مِنْ الْعَسْكَرِ طَابَ لَهُ ثَمَنُهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ. . . إلَخْ) هُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ بِدَارِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا حَتَّى ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ وَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثَانِيهَا خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ فَجَمِيعُ مَالِهِ هُنَاكَ فَيْءٌ إلَّا أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ لِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُ وَإِلَّا مَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لِصِحَّةِ يَدِهِمَا ثَالِثُهَا أَسْلَمَ مُسْتَأْمَنٌ بِدَارِنَا ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى دَارِهِ فَجَمِيعُ مَا خَلَفَهُ حَتَّى صِغَارِ أَوْلَادِهِ فَيْءٌ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ وَعَدَمِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ رَابِعُهَا دَخَلَ دَارَهُمْ تَاجِرٌ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ فَالْكُلُّ لَهُ إلَّا الدُّورَ وَالْأَرَاضِيَ فَإِنَّهَا فَيْءٌ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فَارِسًا) أَيْ وَفَرَسُهُ صَالِحٌ لِلْقِتَالِ بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا كَبِيرًا فَلَوْ كَانَ مُهْرًا أَوْ كَبِيرًا مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالِاخْتِيَارِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْبَرِّ أَوْ سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ اسْتَعَارَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِتَالِ فَحَضَرَ بِهِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ غَصَبَهُ وَحَضَرَ بِهِ اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ مِنْ وَجْهٍ مَحْظُورٍ فَيُتَصَدَّقُ بِهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ: فَنَفَقَ فَرَسُهُ) أَيْ مَاتَ فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ رَاجِلًا (فَلَهُ سَهْمَانِ سَهْمُ فَارِسٍ) وَكَذَا إذَا قَاتَلَ رَاجِلًا لِضِيقِ الْمَكَانِ وَلَوْ غُصِبَ فَرَسُهُ قُبَيْلَ الدُّخُولِ فَدَخَلَ رَاجِلًا ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ فِيهَا فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ نَفَرَ أَوْ ضَلَّ الْفَرَسُ فَاتَّبَعَهُ وَدَخَلَ رَاجِلًا ثُمَّ وَجَدَهُ فِيهَا اسْتَحَقَّ سَهْمَ فَارِسٍ وَلَا سَهْمَ لِفَرَسٍ مُشْتَرَكٍ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ إلَّا إذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّةَ الْآخَرِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالسَّهْمُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِمَوْتِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ وَلَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ عَلَى الْأَصَحِّ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ وَهَبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ فَارِسٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْمُجَاوَزَةُ لِلْقِتَالِ فَارِسًا إلَّا إذَا بَاعَهُ مُكْرَهًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة اهـ.
(قُلْت) كَذَلِكَ
стр. 288
لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِهَادِ إذْ مَا يَأْخُذُهُ فِي الدَّلَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ فَيُعْطَى بَالِغًا مَا بَلَغَ.
(الْخُمُسُ لِلْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَقُدِّمَ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى عَلَيْهِمْ وَلَا شَيْءَ لِغَنِيِّهِمْ وَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِي قَوْلِهِ ﷻ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] (لِلتَّبَرُّكِ) أَيْ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ تَبَرُّكًا بِاسْمِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شَيْءٍ (وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ سَقَطَ بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ كَالصَّفِيِّ وَهُوَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ (مَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ فَأَغَارَ خُمُسٌ إلَّا مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُ وَلَا إذْنَ) فَإِنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْكُفَّارِ قَهْرًا وَهُوَ إمَّا بِالْمَنَعَةِ أَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنَعَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ الْتَزَمَ نُصْرَتَهُ (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ) التَّنْفِيلُ إعْطَاءُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ (وَقْتَ الْقِتَالِ حَثًّا) . أَيْ إغْرَاءً (فَيَقُولُ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» ) وَسَيَأْتِي مَعْنَى السَّلَبِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (أَوْ) يَقُولُ (مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَيَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ) النَّفَلَ اسْتِحْسَانًا فِي قَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (إذَا قَتَلَ) الْإِمَامُ (قَتِيلًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ سَهْمًا أَوْ رَضْخًا فَلَا يُتَّهَمُ بِهِ (لَا مَنْ) أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ النَّفَلَ إذَا قَالَ مَنْ (قَتَلْته أَنَا فَلِي سَلَبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ نَفْسَهُ فَصَارَ مُتَّهَمًا (وَلَا) أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ النَّفَلَ أَيْضًا إذَا قَالَ (مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ) لِأَنَّهُ مَيَّزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ (وَذَا) أَيْ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ إنَّمَا يَكُونُ (إذَا كَانَ الْقَتِيلُ مُبَاحَ الْقَتْلِ) حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّهُ بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَقَاتِلِ حَتَّى لَوْ قَاتَلَ الصَّبِيُّ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ اُسْتُحِقَّ سَلَبُهُ لِكَوْنِهِ بِالْقِتَالِ مُبَاحَ الدَّمِ وَيُسْتَحَقُّ السَّلَبُ بِقَتْلِ الْمَرِيضِ وَالْأَجِيرِ مِنْهُمْ وَالتَّاجِرِ فِي عَسْكَرِهِمْ وَالذِّمِّيِّ الَّذِي نَقَضَ الْعَهْدَ وَخَرَجَ؛ لِأَنَّ بُنْيَتَهُمْ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ أَوْ هُمْ مُقَاتِلُونَ بِرَأْيِهِمْ.
(أَوْ يَقُولُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيَقُولُ أَيْ يَقُولُ الْإِمَامُ (لِسَرِيَّةٍ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَيْرِ الْبَيْعِ مِنْ الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ فَارِسٍ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْعِلَّةِ. اهـ. وَإِذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ لَمْ يَسْقُطْ سَهْمُ الْفَارِسِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالتَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ الْخُمُسُ لِلْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) مُفِيدٌ أَنَّهُ يُقْسَمُ الْخُمُسُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ إنْ صَرْفَ الْخُمُسِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ جَازَ عِنْدَنَا. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَّلَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ لِبَيَانِ الْمَصَارِفِ لَا لِإِيجَابِ الصَّرْفِ إلَى كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئًا بَلْ لِتَعْيِينِ الْمَصْرِفِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ كَمَا فِي الصَّدَقَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقُدِّمَ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى) إشَارَةٌ إلَى دُخُولِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ فِي الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ لَكِنَّهُ يُبْدَأُ بِهِمْ وَثُبُوتُ اسْتِحْقَاقِهِمْ هُوَ الْأَصَحُّ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِسُقُوطِهِ كَمَا فِي الْكَافِي لِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْفَقْرِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَيَكُونُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ. اهـ. .
وَفِي الْبَدَائِعِ تُعْطَى الْقَرَابَةُ كِفَايَتَهُمْ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ لِغَنِيِّهِمْ) فَإِنْ قِيلَ فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي ذِكْرِ اسْمِ الْيَتِيمِ حَيْثُ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ لَا بِالْيُتْمِ، أُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ الْيَتِيمَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا بِالْجِهَادِ وَالْيَتِيمُ صَغِيرٌ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا، كَذَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: كَالصَّفِيِّ) قَالَ فِي طُلْبَةِ الطَّلَبَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْتَأْثِرُ بِالصَّفِيِّ زِيَادَةً عَلَى سَهْمِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُسْتَأْذِنِ مَنَعَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُخْمَسُ وَالْبَاقِي لِمَنْ أَصَابَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ فَقَدْ الْتَزَمَ نُصْرَتَهُمْ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ أَيْ نُدِبَ لَهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِذَا نَفَلَ) فَلَا خُمُسَ فِيمَا أَصَابَهُ أَحَدٌ وَيُورَثُ عَنْهُ وَلَوْ مَاتَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا مَعَ اسْتِبْرَائِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ كَانَتْ أَمَةً نَفَلَ بِهَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَقُولُ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ) يَدْخُلُ فِيهِ الْإِمَامُ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ النَّفَلَ إذَا قَالَ مَنْ قَتَلْته أَنَا) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إلَّا إذَا عُمِّمَ بَعْدَهُ وَيَقَعُ التَّنْفِيلُ عَلَى كُلِّ قِتَالٍ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَا لَمْ يَرْجِعُوا وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَالِي وَعَزْلِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ الثَّانِي، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ يَقُولُ لِسَرِيَّةٍ. . . إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَتْنًا مُسْتَنَدُهُ مَا نَقَلَهُ عَنْ السِّيَرِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْعَسْكَرِ فَاقْتَضَى صِحَّتَهُ لِلسَّرِيَّةِ دُونَ الْعَسْكَرِ، وَقَدْ نُقِلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَمَالِ عَنْ السِّيَرِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ لِلْعَسْكَرِ كُلُّ مَا أَخَذْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ أَوْ لِلسَّرِيَّةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ السَّهْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَهُمَا الشَّرْعُ إذْ فِيهِ تَسْوِيَةُ الْفَارِسِ بِالرَّاجِلِ وَكَذَا لَوْ قَالَ مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ
стр. 289
وَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ (لَا عَسْكَرٍ جَعَلْت لَكُمْ الْكُلَّ أَوْ قَدْرًا مِنْهُ) نُقِلَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعًا مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ نَفْلًا بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ السَّرِيَّةِ جَازَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِشَيْءٍ وَفِي التَّعْمِيمِ إبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ أَوْ إبْطَالُ الْخُمُسِ أَيْضًا إذَا لَمْ يُسْتَثْنَ (لَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ هُنَا إلَّا مِنْ الْخُمُسِ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ إذَا دَخَلَهَا الْكُفَّارُ لِلْقِتَالِ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَلِهَذَا يُورَثُ مِنْهُ لَوْ مَاتَ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِمْ (وَسَلْبُهُ مَا مَعَهُ) مِنْ ثِيَابِهِ وَسِلَاحِهِ وَمَالِهِ عَلَى وَسَطِهِ (حَتَّى مَرْكَبِهِ وَمَا عَلَيْهِ) مِنْ السَّرْجِ وَإِلَّا لَهُ وَحَقِيقَتُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مَالِهِ (وَهُوَ) أَيْ السَّلَبُ (لِلْكُلِّ) أَيْ لِجَمِيعِ الْجُنْدِ (إنْ لَمْ يَنْفُلْ) الْإِمَامُ وَالْقَاتِلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ.
(بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ)
(أَهْلُ الْحَرْبِ إذَا سَبَوْا أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ دَارِنَا لَا يَمْلِكُونَهُمْ) لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كَذَا فِي وَاقِعَاتِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ (وَإِذَا سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ أَوْ بَعِيرًا نَدَّ إلَيْهِمْ أَوْ غَلَبُوا عَلَى مَالِنَا وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ مَلَكُوهُ وَلَوْ) كَانَ مَالُنَا (عَبْدًا مُؤْمِنًا) أَوْ أَمَةً مُؤْمِنَةً ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا ابْتَاعَ مُسْتَأْمَنٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُمْ. . . إلَخْ، وَإِنَّمَا قَالَ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِهَا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَّا حَتَّى إذَا اشْتَرَى مِنْهُمْ تَاجِرٌ شَيْئًا مِمَّا أَخَذُوهُ قَبْلَ إحْرَازِهِمْ بِهَا وَوَجَدَهُ مَالِكُهُ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ بِلَا شَيْءٍ (لَا حُرَّنَا) الْمَحْضَ (وَمُدَبَّرَنَا وَأُمَّ وَلَدِنَا وَمُكَاتَبَنَا) حَتَّى لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَخَذُوهُمْ مِنْ دَارِنَا وَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَهُمْ لِمَالِكِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِلَا شَيْءٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ إذَا لَاقَى مَحَلًّا قَابِلًا لِلْمِلْكِ وَهُوَ الْمَالُ الْمُبَاحُ وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ لِحُرِّيَّتِهِمْ مِنْ وَجْهٍ (وَعَبْدَنَا) أَيْ عَبْدًا مِنْ دَارِنَا سَوَاءً كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ (آبِقًا دَخَلَ إلَيْهِمْ) احْتِرَازٌ عَنْ آبِقٍ مُتَرَدِّدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَإِنْ أَخَذُوهُ) إشَارَةً إلَى خِلَافِ الْإِمَامَيْنِ فَإِنَّهُمْ إذَا أَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ مَلَكُوهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. لَهُمَا أَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَالِكِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَتْ وَلِهَذَا لَوْ أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ كَمَا مَرَّ وَلَهُ أَنَّ يَدَهُ ظَهَرَتْ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ لِيَتَحَقَّقَ يَدُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ زَالَتْ وَظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَصَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ لِاتِّحَادِ اللَّازِمِ فِيهِمَا وَهُوَ بُطْلَانُ السَّهْمَيْنِ الْمَنْصُوصَةِ بِالسَّوِيَّةِ بَلْ وَزِيَادَةُ حِرْمَانِ مَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا أَصْلًا بِانْتِهَائِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَالْفَرْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْحَوَاشِي وَبِهِ أَيْضًا يَنْتَفِي مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ نَفَلَ بِجَمِيعِ الْمَأْخُوذِ جَازَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ وَفِيهِ زِيَادَةُ إيحَاشِ الْبَاقِينَ وَزِيَادَةُ الْفِتْنَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ هُنَا إلَّا مِنْ الْخُمُسِ) ظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا فِيمَا غَنِمَهُ وَصَارَ بِيَدِهِ أَمَّا التَّنْفِيلُ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ دَخَلُوا دَارَنَا فَكَالْحُكْمِ حَالَ قِتَالِهِمْ بِدَارِهِمْ. اهـ.
[بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ]
(بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ) (قَوْلُهُ: وَإِذَا سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. . . إلَخْ)
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ الْحَرْبِيُّ إذْ قَهَرَ حَرْبِيًّا إنَّمَا يَمْلِكُهُ إذَا كَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَقَاوِيلُ الْمَشَايِخِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِ الْقَهْرِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَمْلِكُ حَرْبِيًّا آخَرَ بِالْقَهْرِ. اهـ. وَنَمْلِكُ مَا مَلَكُوهُ بِالظَّفَرِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرُّومِ الْمَأْخُوذِينَ مُوَادَعَةٌ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الظَّفَرِ فَلَا سَبِيلَ لِأَصْحَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (قَوْلُهُ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ) قَيْدٌ لِغَلَبْتُمْ عَلَى مَالِنَا خَاصَّةً دُونَ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ مَسْأَلَةَ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى أَمْوَالِنَا مُقَيَّدَةً بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ وَأَطْلَقَ غَيْرَهَا عَنْهُ (قَوْلُهُ وَمُدَبَّرَنَا) ظَاهِرٌ فِي الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهَلْ يَمْلِكُونَهُ أَوْ لَا يَمْلِكُونَهُ وَفِي تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ إذَا لَاقَى مَحَلًّا قَابِلًا لِلْمِلْكِ إشَارَةً إلَى مِلْكِهِمْ الْمُقَيَّدِ فَلْيُنْظَرْ حُكْمُهُ.
(قَوْلُهُ: فَهُمْ لِمَالِكِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِلَا شَيْءٍ) أَقُولُ وَيُعَوِّضُ الْإِمَامُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قِيمَتَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَعَبْدَنَا آبِقًا) هَذَا إذَا لَمْ يَرْتَدَّ فَإِنْ ارْتَدَّ وَأَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ وَفِي الْعَبْدِ الذِّمِّيِّ إذَا أَبَقَ قَوْلَانِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ إذَا أَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ مَلَكُوهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ) مُفِيدٌ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَأْخُذُوهُ قَهْرًا لَا يَمْلِكُونَهُ اتِّفَاقًا وَبِهِ صُرِّحَ فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الْوِقَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ) أَيْ فَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِلَا شَيْءٍ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 290
الْمُتَرَدِّدِ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ عَلَيْهِ فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ تَمَلُّكُهُمْ وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَلَكَهُ، وَلَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُهُ.
(وَنَمْلِكُ بِالْغَلَبَةِ) عَلَيْهِمْ (حُرَّهُمْ وَمُدَبَّرَهُمْ وَأُمَّ وَلَدِهِمْ وَمُكَاتَبَهُمْ وَمَلِكَهُمْ) فَإِنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُمْ جَزَاءً عَلَى جِنَايَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَنْكَفُوا عَنْ عِبَادَتِهِ جَازَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِأَنْ جَعَلَهُمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ وَتَبِعَ مَالُهُمْ رِقَابَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْكُفَّارَ بَعْدَمَا غُلِبُوا عَلَيْنَا وَأَخَذُوا مَالَنَا إذَا غَلَبْنَا عَلَيْهِمْ وَأَخَذَ الْغَانِمُونَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا مِنَّا (فَمَنْ وَجَدَ مِنَّا مَالَهُ فِي الْغَانِمِينَ أَخَذَهُ مَجَّانًا قَبْلَ قِسْمَتِنَا) الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (وَ) أَخَذَهُ (بِالْقِيمَةِ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَارِهِمْ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي الْغَنِيمَةِ فَخَاصَمَ فِيهَا الْمَالِكَ الْقَدِيمَ فَقَالَ ﷺ إنْ وَجَدْتهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذْتهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْتهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذْتهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شِئْت» ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ يَتَضَرَّرُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِلَا رِضَاهُ وَمَنْ وَقَعَ الْعَيْنُ فِي نَصِيبِهِ يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ مَجَّانًا لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ عِوَضًا عَنْ سَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ فَقُلْنَا بِحَقِّ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا لِلضَّرَرَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْعَامَّةِ فَلَا يُصِيبُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ مَا يُبَالَى بِفَوْتِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ، وَإِنَّمَا قُلْت قَبْلَ قِسْمَتِنَا لِرَدِّ مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ لِلْمُصَنِّفِ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ وَإِذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَلَّتْ لِأَرْبَابِهَا أَوْ بَعْدَهَا أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا، وَفِي الشَّرْحِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْكُفَّارِ فَوَجَدُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوهَا فَهِيَ لِأَرْبَابِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ أَنْ اقْتَسَمُوهَا أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ اخْتَارُوا، فَإِنَّ حَمْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى قِسْمَةِ الْكُفَّارِ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ الْكُتُبِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَبْصَارِ.
(وَ) أَخَذَهُ (بِالثَّمَنِ إنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ) فِي دَارِ الْحَرْبِ (تَاجِرٌ) وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا، فَإِنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ إنْ وَجَدَ مَالَهُ فِي مِلْكٍ خَاصٍّ، فَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ مَلَكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ صَحِيحَةٍ أَخَذَهُ بِمِثْلِ الْعِوَضِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا؛ لِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ مَجَّانًا يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِهِ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعِوَضَ بِمُقَابَلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِأَنْ وَهَبُوهُ لِمُسْلِمٍ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ مَالِهِ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا لَا يَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ فَلَا يُفِيدُ.
(وَإِنْ أَخَذَ أَرْشَ عَيْنِهِ مَفْقُوءَةً) يَعْنِي إذَا أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأَخَذَ الْمُسْلِمُ أَرْشَهَا فَالْمَوْلَى الْقَدِيمُ أَخَذَ الْعَبْدَ بِثَمَنِ أَخْذِهِ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ لِمَا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ وَلَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَلَمْ يَرِدْ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْأَرْشِ وَلَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ الْعَيْنِ.
(تَكَرَّرَ الْأَسْرُ وَالشِّرَاءُ) بِأَنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسَرُوهُ ثَانِيًا فَأَدْخَلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ آخَرُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَخْذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لِأَنَّ الْأَسْرَ لَمْ يَرِدْ عَلَى مِلْكِهِ بَلْ (أَخَذَ) الْمُشْتَرِي (الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي بِثَمَنِهِ) لِوُرُودِ الْأَسْرِ عَلَى مِلْكِهِ (ثُمَّ) أَخَذَهُ (الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالثَّمَنَيْنِ إنْ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالثَّمَنَيْنِ فَلَمْ يُحَطَّ مِنْهُ شَيْءٌ صِيَانَةً لِحَقِّهِ (وَقَبْلَ أَخْذِ الْأَوَّلِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَأَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَهَا) مُفِيدٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ بِالْمِثْلِ لَوْ مِثْلِيًّا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ وَبَطَلَ حَقُّ الْمَالِكِ وَإِنْ بَاعَهُ أَخَذَهُ مَالِكُهُ بِالثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْكَافِرِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لَمَا ثَبَتَ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ مِنْ الْغَازِي الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَوْ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِدُونِ رِضًى (أُجِيبَ) بِأَنَّ بَقَاءَ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ لِحَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ، أَلَا يُرَى أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ وَالْإِعَادَةَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِدُونِ رِضَى الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ زَوَالِ مِلْكِ الْوَاهِبِ فِي الْحَالِ وَكَذَا الشَّفِيعُ يَأْخُذُ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِحَقِّ الشُّفْعَةِ بِدُونِ رِضَى الْمُشْتَرِي مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ. اهـ. كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: بِقِيمَةِ مَالِهِ) أَيْ مَالِيَّةِ ذَاتِ الْمَأْخُوذِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ كَذَا لَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ لِمُسْلِمٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا إذْ مِلْكُهُ فِيهِ ثَابِتٌ فَلَا يُزَالُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: فَالْمَوْلَى الْقَدِيمُ أَخَذَ الْعَبْدَ بِثَمَنٍ أَخَذَهُ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ) مُفِيدٌ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِتَعَيُّبِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا بِتَعْيِيبِهِ لَهُ وَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِيَمِينِهِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ. . . إلَخْ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ النَّظَرِ أَيْ لِلْجَانِبَيْنِ
стр. 291
مِنْ الثَّانِي (لَا) يَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مِنْ الثَّانِي وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الثَّانِي غَائِبًا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَخْذُهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ حَضْرَتِهِ، وَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ لَا يَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنَيْنِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي ضِمْنِ عَوْدِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُتَضَمَّنُ لَا يَثْبُتُ مَا فِي الضِّمْنِ.
(أَبَقَ عَبْدٌ بِمَتَاعٍ) فَأَخَذَهُمَا الْكُفَّارُ (فَشَرَاهُمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ أَخَذَ الْعَبْدَ مَجَّانًا) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لِمَا مَرَّ (وَغَيْرُهُ بِالثَّمَنِ) لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ لِمَا مَرَّ.
(ابْتَاعَ مُسْتَأْمَنٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُمْ) فَأَبَقَ مِنْهُمْ وَخَرَجَ إلَى دَار الْإِسْلَام هَاهُنَا خَمْسُ مَسَائِلَ يُعْتَقُ الْعَبْدُ فِي كُلِّهَا بِلَا إعْتَاقِ إحْدَاهَا هَذِهِ، فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ يُعْتَقُ إقَامَةً لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ مَقَامَ الْإِعْتَاقِ وَذَكَرَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ (أَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ وَأَدْخَلُوهُ فِيهَا) أَيْ دَارِ الْحَرْبِ (فَأَبَقَ) مِنْهُمْ وَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَذَكَرَ الثَّالِثَةَ بِقَوْلِهِ (أَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ ثَمَّةَ وَجَاءَنَا) وَذَكَرَ الرَّابِعَةَ بِقَوْلِهِ (أَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ) وَذَكَرَ الْخَامِسَةَ بِقَوْلِهِ (أَوْ خَرَجَ) أَيْ الْعَبْدُ (إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ) مُسْلِمًا (عَتَقَ) الْعَبْدُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ حُكْمِيٌّ ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ)
هُوَ مَنْ يَدْخُلُ غَيْرَ دَارِهِ بِأَمَانٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا (لَا يَتَعَرَّضُ تَاجِرُنَا ثَمَّةَ لِدَمِهِمْ وَمَالِهِمْ) لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ وَقَدْ شُرِطَ بِالِاسْتِئْمَانِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَهُ غَدْرٌ (فَمَا أَخْرَجَهُ مِلْكُهُ حَرَامًا) أَمَّا الْمِلْكُ فَلِوُرُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ فَلِحُصُولِهِ بِسَبَبِ الْغَدْرِ الْحَرَامِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ تَفْرِيغًا لِذِمَّتِهِ عَنْهُ (إلَّا إذَا أَخَذَ مَلِكُهُمْ مَالَهُ) اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ لَا يَتَعَرَّضُ (أَوْ حَبَسَهُ هُوَ أَوْ) فَعَلَ ذَلِكَ (غَيْرُهُ بِعِلْمِهِ) وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّهُمْ بَدَءُوا بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَالِالْتِزَامُ يَكُونُ مُقَيَّدًا بِهَذَا الشَّرْطِ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ وَلَا يَكُونُ غَدْرًا، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الِالْتِزَامُ (وَلَا يَسْتَبِيحُ فُرُوجَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْمِلْكِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الثَّانِي غَائِبًا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَخْذُهُ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَبِالْأَوَّلِ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ وَلِذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ غَائِبًا وَهُوَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ ثَانِيًا اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُتَضَمَّنُ) أَيْ عَوْدُ مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ لَمْ يَعُدْ مَا فِي الضِّمْنِ وَهُوَ حَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: أَخَذَ الْعَبْدَ مَجَّانًا) أَيْ سَيِّدُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا يَأْخُذُ الْعَبْدَ أَيْضًا بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(قَوْلُهُ: ابْتَاعَ مُسْتَأْمَنٌ عَبْدًا مُسْلِمًا) كَذَا لَوْ كَانَ عَبْدًا ذِمِّيًّا يُعْتَقُ بِإِدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا فِيهِمَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ أَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ ثَمَّةَ وَجَاءَنَا) خُرُوجُهُ مُؤْمِنًا لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا إذْ لَوْ خَرَجَ كَافِرًا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَأَمِنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ بِأَمْرِهِ لِحَاجَةٍ فَأَسْلَمَ بِدَارِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ وَلَمْ يَهْرُبْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِيِّ يُعْتَقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا يُعْتَقُ إذَا عَرَضَهُ مَوْلَاهُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ أُخْرَى فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ يُعْتَقُ فِيهَا الْعَبْدُ بِلَا إعْتَاقٍ وَصُورَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ وَهِيَ لَوْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يُخَلِّهِ أَيْ قَالَ لَهُ آخِذًا بِيَدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ وَالْعَبْدُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِلْكُهُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُعْتَقُ لِصُدُورِ رُكْنِ الْعِتْقِ مِنْ أَهْلِهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إعْتَاقِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مَحَلِّهِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ مُعْتَقٌ بِبَيَانِهِ مُسْتَرَقٌّ بِبَيَانِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَمَا يَزُولُ يَثْبُتُ بِاسْتِيلَاءٍ جَدِيدٍ وَهُوَ آخِذٌ لَهُ بِيَدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ عَبْدًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِيلَاءِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْكَافِي.
[بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ]
(قَوْلُهُ: لَا يَتَعَرَّضُ تَاجِرُنَا ثَمَّةَ لِدِمَائِهِمْ) لَمْ يُنَصَّ مَتْنًا عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ بِأَمَانٍ لِمَا أَنَّ التَّاجِرَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِأَمَانٍ حِفْظًا لِمَالِهِ وَكَذَلِكَ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَهْلِ حَرْبٍ أَغَارُوا عَلَى الدَّارِ الَّتِي هُوَ بِهَا إلَّا إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَمَّا كَانَ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْهَلَاكِ لَا يَحِلُّ إلَّا لِذَلِكَ أَوْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَهُوَ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ إلَّا إعْلَاءَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ فَمَا أَخْرَجَهُ مِلْكُهُ حَرَامًا) أَفَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ لِوُجُوبِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِي فَاسِدًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ وَلَكِنَّهُ بَاعَهُ صَحَّ بَيْعُهُ وَلَا يَطِيبُ لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي كَمَا لَا يَطِيبُ لِلْأَوَّلِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَخَذَ مَلِكُهُمْ مَالَهُ) كَذَلِكَ لَوْ أَغَارَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ فِيهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ عَلَى ذَرَارِيِّ مُسْلِمِينَ فَأَسَرَهُمْ وَمَرُّوا عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ نَقْضُ الْعَهْدِ وَقِتَالُهُمْ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ وَلَمْ يَضْمَنُوا لَهُمْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ كَذَا فِي الْبَحْرِ
стр. 292
وَلَا مِلْكَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ كَمَا مَرَّ (إلَّا إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ الْمَأْسُورَةَ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرَتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوهُنَّ وَلَمْ يَطَأْهُنَّ الْحَرْبِيُّ) إذْ لَوْ كَانُوا وَطِئُوهُنَّ وَوَطِئَهُنَّ الْمَالِكُ لَزِمَ اشْتِبَاهُ النَّسَبِ (لَا أَمَتَهُ الْمَأْسُورَةَ مُطْلَقًا) أَيْ لَا يَطَؤُهَا، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا الْحَرْبِيُّ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا.
(أَدَانَهُ حَرْبِيٌّ) أَيْ جَعَلَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنَ مَدْيُونًا بِتَصَرُّفٍ مَا (أَوْ عُكِسَ) أَيْ أَدَانَ الْمُسْتَأْمَنُ الْحَرْبِيَّ (أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مَالًا وَجَاءَا هَاهُنَا) وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ (لَمْ يُقْضَ لِأَحَدٍ) مِنْهُمَا (بِشَيْءٍ) أَمَّا الْإِدَانَةُ فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ لِمُصَادَفَتِهِ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ كَمَا مَرَّ (كَذَا حَرْبِيَّانِ فَعَلَا ذَلِكَ وَجَاءَا مُسْتَأْمَنَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ جَاءَا مُسْلِمَيْنِ قُضِيَ بَيْنَهُمَا بِالدَّيْنِ لَا الْغَصْبِ) أَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا لِوُقُوعِهِ بِالتَّرَاضِي وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ حَالَ الْقَضَاءِ لِالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلَمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا خُبْثَ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ لِيُؤْمَرَ بِالرَّدِّ.
(قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْتَأْمَنٌ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (مِثْلَهُ) أَيْ مُسْتَأْمَنًا (عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَدَى) أَيْ يُعْطِي الدِّيَةَ (مِنْ مَالِهِ فِيهِمَا) أَيْ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ (وَكَفَّرَ لِلْخَطَإِ) أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] بِلَا تَقْيِيدٍ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُهَا بِالْخَطَإِ فَلِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ عِنْدَنَا، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِنَا لَمْ تَبْطُلْ بِعَارِضِ الِاسْتِئْمَانِ، وَأَمَّا عَدَمُ الْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّ الْقَوَدَ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِمَنَعَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُقَاوِمُ الْوَاحِدَ غَالِبًا وَلَا مَنَعَةَ إلَّا بِالْإِمَامِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوجَدَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ فَلَا يَجِبُ كَالْحَدِّ، وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ فَلِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تُعَلِّقُ الْعَمْدَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ وَفِي الْخَطَإِ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّيَانَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ تَرْكِهَا.
(وَفِي الْأَسِيرَيْنِ) إذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (كَفَّرَ فَقَطْ فِي الْخَطَإِ) أَيْ لَا يَدِي فِي الْخَطَإِ وَلَا شَيْءَ فِي الْعَمْدِ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا إذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ تَاجِرًا أَسِيرًا ثَمَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَإِ عِنْدَهُ وَقَالَا فِي الْأَسِيرَيْنِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الْأَسْرِ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الِاسْتِئْمَانِ وَامْتِنَاعِ الْقِصَاصِ لِعَدَمِ الْمَنَعَةِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِمَا مَرَّ وَلَهُ أَنَّ بِالْأَسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ أَصْلًا وَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا وَخُصَّ الْخَطَأُ بِالْكَفَّارَةِ لِمَا مَرَّ (كَقَتْلِ مُسْلِمٍ مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ) حَيْثُ لَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ فَقَطْ. .
(لَا يُمَكَّنُ حَرْبِيٌّ) دَخَلَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا هُنَا (سَنَةً وَيُقَالُ لَهُ إنْ أَقَمْت هُنَا سَنَةً أَوْ شَهْرًا نَضَعُ عَلَيْك الْجِزْيَةَ، فَإِنْ رَجَعَ) إلَى دَارِهِ (قَبْلَ ذَلِكَ) الْقَدْرِ مِنْ السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ فَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ (فَهُوَ ذِمِّيٌّ) اعْلَمْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ فِي دَارِنَا إلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ أَوْ جِزْيَةٍ لِئَلَّا يَصِيرَ عَيْنًا لَهُمْ وَعَوْنًا عَلَيْنَا وَيُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ؛ لِأَنَّ فِي مَنْعِهَا قَطْعَ جَلْبِ الْحَوَائِجِ وَسَدَّ بَابِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ إلَّا إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ الْمَأْسُورَةَ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُهُ إلَى التَّاجِرِ وَالْأَسِيرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ سَوَاءٌ سُبِيَتْ الزَّوْجَةُ قَبْلَ زَوْجِهَا أَوْ بَعْدَهُ وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ مَا يُخَالِفُ هَذَا مِنْ أَنَّ الْمَأْسُورَةَ تَبِينُ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُفْتَى الْمُسْلِمُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَعَلَيْهِ نُصَّ فِي التَّبْيِينِ وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: لِمُصَادَفَتِهِ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ) ظَاهِرٌ فِي مَالِ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا مَالُ الْمُسْلِمِ فَلَعَلَّهُ بِحَسْبِ اعْتِقَادِ الْحَرْبِيِّ عَدَمَ عِصْمَتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَصِيرَ عَيْنًا لَهُمْ وَعَوْنًا عَلَيْنَا) الْعَيْنُ جَاسُوسُ الْقَوْمِ وَالْعَوْنُ الظَّهِيرُ عَلَى الْأَمْرِ
стр. 293
التِّجَارَةِ فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ فَتَكُونُ الْإِقَامَةُ لِمَصْلَحَةِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ إلَى وَطَنِهِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَكَثَ سَنَةً فَهُوَ ذِمِّيٌّ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا لِلْجِزْيَةِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَقِّتَ مَا دُونَ السَّنَةِ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ وَإِذَا أَقَامَ تِلْكَ الْمُدَّةَ بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا لِمَا ذُكِرَ (لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْقَضُ لِأَنَّهُ خَلْفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامُ لَا يُنْقَضُ فَكَذَا خَلْفُهُ (كَذَا) أَيْ يَصِيرُ أَيْضًا ذِمِّيًّا لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ (إذَا أَقَامَ هُنَا سَنَةً قَبْلَ التَّقْدِيرِ) أَيْ تَقْدِيرِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ لِإِيلَاءِ الْعُذْرِ وَالْحَوْلُ حَسَنٌ لِذَلِكَ كَمَا فِي تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ (لَكِنَّهَا) أَيْ الْجِزْيَةَ (تُوضَعُ بَعْدَ السَّنَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ بَعْدَ التَّقْدِيرِ وَقَبْلَهُ (إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَخْذُهَا) أَيْ الْجِزْيَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ (فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى) أَيْ بَعْدَ التَّقْدِيرِ، وَيُقَالُ وَنَأْخُذُ بَعْدَ السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ فَحِينَئِذٍ نَأْخُذُهَا مِنْهُ كَمَا تَمَّتْ السَّنَةُ الْأُولَى.
(وَكَذَا) يَصِيرُ ذِمِّيًّا (إذَا شَرَى أَرْضًا فَوُضِعَ عَلَيْهِ خَرَاجُهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ أَرْضِ الْخَرَاجِ حَتَّى يُوضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لَزِمَ عَلَيْهِ (جِزْيَةُ سَنَةٍ مِنْ وَقْتِ الْوَضْعِ) فَتَكُونُ لِسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ (أَوْ نَكَحَتْ) عَطْفٌ عَلَى شَرَى أَرْضًا أَيْ تَكُونُ الْحَرْبِيَّةُ ذِمِّيَّةً إذَا نَكَحَتْ (ذِمِّيًّا هُنَا) لِكَوْنِهَا تَابِعَةً لِزَوْجِهَا (بِلَا عَكْسٍ) إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ فَيَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ (مُسْتَأْمَنٌ) مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (رَجَعَ إلَيْهِمْ حِلُّ دَمِهِ) بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ أَمَانَهُ وَمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالِهِ عَلَى خَطَرٍ.
(فَإِنْ أُسِرَ) الْمُسْتَأْمَنُ (أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْحَرْبِ (فَقُتِلَ سَقَطَ دَيْنٌ) كَانَ (لَهُ عَلَى مَعْصُومٍ) مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ وَيَدُ مَنْ عَلَيْهِ أَسْبَقُ مِنْ يَدِ الْعَامَّةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ فَيَسْقُطُ (وَأُفِيءَ) أَيْ صَارَ فَيْئًا (وَدِيعَةً لَهُ عِنْدَهُ) أَيْ مَعْصُومٍ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ تَقْدِيرًا لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِهِ فَيَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لِنَفْسِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ تَصِيرُ لِلْمُودَعِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ بِهَا أَسْبَقُ فَهُوَ بِهَا أَحَقُّ (وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنَهُ بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيُبَاعُ وَيُوفَى بِثَمَنِهِ الدَّيْنُ وَالْفَاضِلُ لِبَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بِلَا غَلَبَةٍ عَلَيْهِمْ فَالدَّيْنُ الْوَدِيعَةُ لِوَرَثَتِهِ) لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَاقٍ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ فَيُرَدُّ عَلَى وَرَثَتِهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ. .
(حَرْبِيٌّ هُنَا لَهُ ثَمَّةَ عُرْسٌ وَأَوْلَادٌ وَوَدِيعَةٌ مَعَ مَعْصُومٍ وَغَيْرِهِ فَأَسْلَمَ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَكُلُّهُ فَيْءٌ) أَمَّا عُرْسُهُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ وَمَا فِي بَطْنِهَا وَعَقَارُهُ فَلِمَا ذُكِرَ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَتْبَعُ أَبَاهُ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ وَأَمْوَالُهُ لَمْ تَصِرْ مُحْرَزَةً بِإِحْرَازِ نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَيَبْقَى الْكُلُّ فَيْئًا وَغَنِيمَةً، وَلَوْ سُبِيَ الصَّبِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجَاءَ دَارَ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ إخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، ثُمَّ هُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ لِمَا ذُكِرَ وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا لَا يُنَافِي الرِّقَّ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ (وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَجَاءَ) هُنَا وَ (ظَهَرَ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ) صَرَّحَ الْعَتَّابِيُّ، بِخِلَافِهِ فَقَالَ لَوْ أَقَامَ سِنِينَ قَبْلَ مَقَالِ الْإِمَامِ لَهُ لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ فَوُضِعَ عَلَيْهِ خَرَاجُهَا) الْمُرَادُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ الْتِزَامُهُ بِمُبَاشَرَةِ الزِّرَاعَةِ أَوْ تَعْطِيلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ حَتَّى إذَا أَصَابَ زَرْعَهُ آفَةٌ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا لِعَدَمِ وُجُوبِ الْخَرَاجِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ أَرْضِ الْخَرَاجِ حَتَّى يُوضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ) أَيْ بِمَا قُلْنَا مِنْ مُبَاشَرَةِ الزِّرَاعَةِ أَوْ تَعْطِيلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الشِّرَاءَ قَدْ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَكَحَتْ ذِمِّيًّا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ صَارَ زَوْجُهَا ذِمِّيًّا أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَمَا دَخَلَا بِأَمَانٍ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْبَحْرِ
стр. 294
(عَلَيْهِمْ فَطِفْلُهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَبِعَهُ طِفْلُهُ لِاتِّحَادِ الدَّارَيْنِ (وَوَدِيعَتُهُ مَعَ مَعْصُومٍ) مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ (يَكُونُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ صَحِيحَةٍ مُحْتَرَمَةٍ فَكَأَنَّهُ فِي يَدِهِ (وَغَيْرُهُ فَيْءٌ) وَهُوَ أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ وَعُرْسُهُ وَعَقَارُهُ وَوَدِيعَتُهُ مَعَ حَرْبِيٍّ.
(أَسْلَمَ) حَرْبِيٌّ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (وَلَهُ وَرَثَةٌ) مُسْلِمُونَ (فِيهَا فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ) وَلَا شَيْءَ فِي الْعَمْدِ وَقَدْ عُلِمَ وَجْهُهُ (يَأْخُذُ الْإِمَامُ دِيَةَ مُسْلِمٍ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَ) دِيَةَ (مُسْتَأْمَنٍ أَسْلَمَ هُنَا) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (مِنْ عَاقِلَةِ قَاتِلِهِ خَطَأً) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً فَتَنَاوُلُهُ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْأَخْذَ لَهُ لِيَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ نَصَبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ النَّظَرِ (وَيَقْتُلُ الْإِمَامُ أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ فِي عَمْدِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَوِلَايَةُ الْإِمَامِ نَظَرِيَّةٌ يَنْظُرُ فِيهِ فَأَيُّهُمَا رَأَى أَصْلَحَ فَعَلَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الدِّيَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْفَعُ مِنْ الْقَوَدِ. (وَ) لِهَذَا (لَا يَعْفُو) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْعَامَّةِ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ بِلَا عِوَضٍ.
. (تَتِمَّةٌ)
لِهَذَا الْبَحْثِ يُبَيِّنُ فِيهَا كَوْنَ دَارِ الْحَرْبِ دَارَ الْإِسْلَامِ وَعَكْسَهُ (دَارُ الْحَرْبِ تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا كَإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا كَافِرًا صَلَّى وَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ مِصْرٌ آخَرُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ (وَيُعْكَسُ) أَيْ يَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ الْحَرْبِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ (بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الشِّرْكِ فِيهَا) وَالثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (وَاتِّصَالِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِصْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ) وَالثَّالِثَ بِقَوْلِهِ (وَأَنْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ عَلَى نَفْسِهِ) ، كَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَعِنْدَهُمَا إذَا أَجْرَوْا فِيهَا أَحْكَامَ الشِّرْكِ صَارَتْ دَارَ الْحَرْبِ) سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا وَبَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا.
(بَابُ الْوَظَائِفِ)
جَمْعُ وَظِيفَةٍ وَهِيَ مَا يُقَدَّرُ لِلْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ رِزْقٍ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ قَبِيلِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ.
(الْأَرَاضِي الْعَشْرِيَّةُ أَرْضُ الْعَرَبِ) وَهِيَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالْيَمَنِ بِمَهْرَةَ طُولًا، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمَا بَيْنَ يَبْرِينَ وَرُمَلٍ عَالِجٍ إلَى حَدِّ الشَّامِ (وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ طَوْعًا) فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَبْدَأُ بِالْخَرَاجِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الذُّلِّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْجِزْيَةِ وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ (أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ بَيْنَ الْغُزَاةِ) وَلَوْ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تُسْقَى بِمَاءِ الْخَرَاجِ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْعَتَّابِيِّ (وَالْبَصْرَةِ) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهَا عَشْرِيَّةٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَرَاضِيِ الْعِرَاقِ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِهِمْ (وَبُسْتَانُ مُسْلِمٍ أَوْ كَرْمٌ لَهُ كَانَ دَارِهِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ أَلْيَقُ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ إذْ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْخَارِجِ.
(وَ) الْأَرَاضِي (الْخَرَاجِيَّةُ سَوَادُ الْعِرَاقِ) أَيْ عِرَاقِ الْعَرَبِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى عَقَبَةَ حُلْوَانَ عَرْضًا وَمِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ فَيْءٌ) شَامِلٌ لِمَا غَصَبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِعَدَمِ النِّيَابَةِ عَنْهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ ثَمَّةَ. . . إلَخْ) مُسْتَدْرَكٌ بِقَوْلِهِ سَابِقًا كَقَتْلِ مُسْلِمٍ مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ (قَوْلُهُ أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ فِي عَمْدِهِ) يَعْنِي بِرِضَى الْقَاتِلِ وَهَلْ إذَا طَلَبَ الْإِمَامُ الدِّيَةَ يَنْقَلِبُ الْقِصَاصُ مَالًا كَمَا فِي الْوَلِيِّ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ: تَتِمَّةٌ لِهَذَا الْبَحْثِ. . . إلَخْ) مِنْ الْكَافِي وَفُصُولِ الْعِمَادِيِّ وَسُئِلَ قَارِئُ الْهِدَايَةِ عَنْ الْبَحْرِ الْمِلْحِ أَمِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْإِسْلَامِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَارِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَهْرَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. اهـ.
[بَابُ الْوَظَائِفِ]
(قَوْلُهُ: الْعُذَيْبُ هِيَ) قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَسَنَذْكُرُ مَا يُخَالِفُهُ.
(قَوْلُهُ: حَجَرٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ وَاحِدُ الْأَحْجَارِ وَمَهْرَةُ بِالْيَمَنِ مُسَمَّاةٌ بِمَهْرَةَ ابْنِ حَيْدَانَ أَبُو قَبِيلَةٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْإِبِلُ الْمَهْرِيَّةُ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمَا بَيْنَ يَبْرِينَ وَرُمَلٍ عَالِجٍ إلَى حَدِّ الشَّامِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ حَدُّهَا عَرْضًا مِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا فِي السَّاحِلِ إلَى حَدِّ الشَّامِ. اهـ.
وَحَدُّ الشَّامِ مُنْقَطِعُ السَّمَاوَةِ فَجُمْلَةُ أَرْضُ الْعَرَبِ أَرْضُ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ الْيَمَنِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْبَرِّيَّةِ أَيْ الْبَادِيَةِ كَمَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ وَلَوْ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَوَضَعَ الْخَرَاجَ يَجُوزُ. . . إلَخْ) يُخَالِفُهُ مَا قَالَ الْكَمَالُ إذَا قُسِمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَظَّفُ إلَّا الْعُشْرُ وَإِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْأَنْهَارِ (قَوْلُهُ وَبُسْتَانُ مُسْلِمٍ أَوْ كَرْمٌ لَهُ كَانَ دَارِهِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُشْرِ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مُطْلَقٌ وَإِنْ كَانَ تَقْيِيدُهُ يُعْلَمُ بِقَوْلِهِ الْآتِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجِيَّةِ إنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْعُذَيْبُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَاءٌ لِتَمِيمٍ وَحُلْوَانَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُ بَلَدٍ وَالْعَلْثُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَرْيَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعَلَوِيَّةِ عَلَى شَرْقِيِّ دِجْلَةَ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِرَاقِ وَعَبَّادَانُ حِصْنٌ صَغِيرٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ
стр. 295
الثَّعْلَبِيَّةِ وَيُقَالُ مِنْ الْعَلْثِ إلَى عَبَّادَانَ طُولًا (وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ أَوْ صَالَحَهُمْ) الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجِ أَلْيَقُ بِهِ (أَوْ أَجَلَاهُمْ) الْإِمَامُ مِنْ أَرْضِهِمْ (وَنَقَلَ إلَيْهَا قَوْمًا آخَرِينَ) يَعْنِي كُفَّارًا لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا يُوضَعُ عَلَى الْقَوْمِ الْمَنْقُولِينَ إذَا كَانُوا كُفَّارًا، وَأَمَّا إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فَيُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ (وَمَوَاتٌ) عَطْفٌ عَلَى مَا فُتِحَ عَنْوَةً (أَحْيَاهُ الذِّمِّيُّ بِالْإِذْنِ) أَيْ إذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا خَرَاجِيٌّ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَضْعِ عَلَى الْكَافِرِ (أَوْ رَضْخٌ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا قَاتَلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا خَرَاجِيٌّ لِمَا مَرَّ (وَمَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ يُعْتَبَرُ بِقُرْبِهِ) فَإِنْ قَرُبَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَخَرَاجِيٌّ أَوْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَعُشْرِيٌّ.
(وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجِيَّةِ (إنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ إلَّا أَرْضَ كَافِرٍ تُسْقَى بِمَاءِ الْعُشْرِ) حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ (وَإِنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ مُتَعَلِّقَانِ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: مُرَادُهُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ. أَمَّا الْكَافِرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مِنْ أَيِّ مَاءٍ يُسْقَى؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُبْتَدَأُ بِالْعُشْرِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ حَالَةَ الْبَقَاءِ فِيمَا إذَا مَلَكَ عُشْرِيَّةً هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَوْ الْعُشْرُ اهـ.
ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْمَاءَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ فَقَالَ (مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ بِئْرٍ وَعَيْنٍ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ عُشْرِيٌّ وَمَاءُ أَنْهَارٍ حَفَرَهَا الْعَجَمُ وَ) مَاءُ (بِئْرٍ وَعَيْنٍ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ خَرَاجِيٌّ) كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ سَقَاهُ مَرَّةً بِمَاءِ الْعُشْرِ وَمَرَّةً بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالْعُشْرِ وَالْكَافِرُ بِالْخَرَاجِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (كَذَا) أَيْ خَرَاجِيٌّ (سَيْحُونُ) نَهْرُ خُجَنْدَةَ (وَجَيْحُونُ) نَهْرُ تِرْمِذَ (وَدِجْلَةَ) نَهْرُ بَغْدَادَ (وَالْفُرَاتُ) نَهْرُ الْكُوفَةِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعُشْرِيٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) .
(وَهُوَ) أَيْ الْخَرَاجُ (نَوْعَانِ) أَحَدُهُمَا (خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ بَعْضَ الْخَارِجِ كَالْخُمُسِ وَنَحْوِهِ وَ) الثَّانِي (خَرَاجُ وَظِيفَةٍ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ كَمَا وَضَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِكُلِّ جَرِيبٍ) وَهُوَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ بِذِرَاعِ كِسْرَى وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ وَذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ وَأُصْبُعٌ قَائِمَةٌ وَعِنْدَ الْحِسَابِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مَضْمُومَةٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَقِيلَ مَا ذُكِرَ جَرِيبُ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَفِي غَيْرِهِمْ يُعْتَبَرُ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ (يَبْلُغُهُ الْمَاءُ) صِفَةُ جَرِيبٍ (صَاعًا) مَفْعُولُ وَضَعَ (مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ وَدِرْهَمًا) عَطْفٌ عَلَى صَاعًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً وَأُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ) خُصَّ مِنْهُ مَكَّةَ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا وَلَمْ يُوَظِّفْ الْخَرَاجَ. اهـ.
وَوَضَعَ عُمَرُ الْخَرَاجَ عَلَى مِصْرَ حِينَ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ الْمَأْخُوذُ الْآنَ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ إنَّمَا هُوَ بَدَلُ إجَارَةٍ لَا خَرَاجٍ أَلَا يُرَى أَنَّ الْأَرَاضِيَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ وَهَذَا بَعْدَمَا قُلْنَا إنَّ أَرْضَ مِصْرَ خَرَاجِيَّةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَأَنَّهُ لِمَوْتِ الْمَالِكِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافِ وَرَثَةٍ فَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ. اهـ. وَلِصَاحِبِ الْبَحْرِ رِسَالَةٌ فِي الْأَرَاضِي الْمِصْرِيَّةِ مُفِيدَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ أَجْلَاهُمْ الْإِمَامُ مِنْ أَرَاضِيِهِمْ) أَيْ قَبْلَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْدَهُ بِعُذْرٍ. قَالَ فِي الْكَافِي نَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ أَرَاضِيِهِمْ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى صَحَّ بِعُذْرٍ لَا بِدُونِهِ وَالْعُذْرُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ فَيُخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ يُخَافُ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بِأَنْ يُخْبِرُوهُمْ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُمْ قِيمَةُ أَرَاضِيِهَا أَوْ مِثْلُهَا مِسَاحَةً مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى وَعَلَيْهِمْ خَرَاجُ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي انْتَقِلُوا إلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ خَرَاجُ الْمَنْقُولِ عَنْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فَيُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ) يُخَالِفُهُ مَا قَالَ فِي الْكَافِي وَأَرَاضِيُهُمْ أَيْ الَّتِي انْتَقَلُوا عَنْهَا خَرَاجِيَّةٌ فَلَوْ تَوَطَّنَهَا مُسْلِمٌ عَلَيْهِ خَرَاجُهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْخَرَاجِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ يُعْتَبَرُ بِقُرْبِهِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ الْمَاءَ فَإِنْ أَحْيَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَإِلَّا فَعُشْرِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهُمَا إنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ. . . إلَخْ) فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَمَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ يُعْتَبَرُ بِقُرْبِهِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْحَيِّزَ ثَمَّةَ وَهُنَا اعْتَبَرَ الْمَاءَ وَعَلِمْت أَنَّ ذَاكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا أَيْ اعْتِبَارُ الْمَاءِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَوْ الْعُشْرُ) تَتِمَّتُهُ أَوْ الْعُشْرَانِ كَمَا هُوَ نَصُّ الزَّيْلَعِيِّ.
[أَنْوَاع الخراج]
(قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ) حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُشْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ لَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَتَّى إذَا عَطَّلَ الْأَرْضَ مِنْ التَّمَكُّنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا فِي الْعُشْرِ وَيُوضَعُ ذَلِكَ فِي الْخَرَاجِ أَيْ يُصْرَفُ مَصْرِفَهُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: كَالْخُمُسِ وَنَحْوِهِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ الْخُمُسِ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ) أَيْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي إعْطَاءِ الصَّاعِ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ الْبُرِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِمَّا يُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ: وَدِرْهَمًا) أَيْ مِنْ أَجْوَدِ النُّقُودِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ مَعْنَاهُ يَكُونُ الدِّرْهَمُ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ
стр. 296
(وَلِجَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلِجَرِيبِ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ مُتَّصِلَةً ضِعْفُهَا وَلِمَا سِوَاهُ كَزَعْفَرَانٍ وَبُسْتَانٍ) وَهُوَ أَرْضٌ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ وَأَعْنَابٌ وَيُمْكِنُ زِرَاعَةُ مَا بَيْنَ الْأَشْجَارِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُلْتَفَّةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهِيَ كَرْمٌ (مَا يُطِيقُ) إذْ لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ اعْتَبَرَ الطَّاقَةَ فِي ذَلِكَ فَنَعْتَبِرُهَا فِيمَا لَا تَوْظِيفَ فِيهِ قَالُوا (وَنِصْفُ الْخَارِجِ غَايَةُ الطَّاقَةِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ التَّنْصِيفَ غَايَةُ الْإِنْصَافِ (وَنَقْصٌ إنْ لَمْ تُطَقْ وَظِيفَتُهَا) بِالْإِجْمَاعِ (وَلَا يُزَادُ إنْ أَطَاقَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَيُزَادُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ خَرَاجَ التَّوْظِيفِ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ فِيهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ إلَّا تَوْقِيفًا وَالتَّقْدِيرُ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَجُوزُ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ مَنْعُ الزِّيَادَةِ لِئَلَّا يَخْلُوَ التَّقْدِيرُ عَنْ الْفَائِدَةِ.
(وَلَا خَرَاجَ لَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ أَرْضِهِ أَوْ غَلَبَ) لِانْتِفَاءِ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ الْمُعْتَبَرِ فِي الْخَرَاجِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ (أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا هَلَكَ بَطَلَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ وَقَالُوا إنَّمَا يَسْقُطُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ ثَانِيًا، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ فَلَا يَسْقُطُ.
(وَيَجِبُ) الْخَرَاجُ (إنْ عَطَّلَهَا) أَيْ الْأَرْضَ (مَالِكُهَا) لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا وَقَدْ فَوَّتَهُ (وَيَبْقَى) الْخَرَاجُ (إنْ أَسْلَمَ الْمَالِكُ) لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَيُعْتَبَرُ مُؤْنَتُهُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَأَمْكَنَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ (أَوْ شَرَاهَا) مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ (مُسْلِمٌ) لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا.
(وَلَا عُشْرَ فِي خَارِجِ أَرْضِهِ) أَيْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُجْمَعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً.
(وَيَتَكَرَّرُ الْعُشْرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ) ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ لَا يَتَحَقَّقُ عُشْرًا إلَّا بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ الْخَارِجِ (لَا الْخَرَاجُ الْمُوَظَّفُ) ، فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْخَرَاجُ بِالْمُوَظَّفِ؛ لِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ. .
(يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ وَأَرَاضِيِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْمَدْيُونِ لَوْ) كَانَتْ (عُشْرِيَّةً وَالْخَرَاجُ لَوْ) كَانَتْ (خَرَاجِيَّةً) لِأَنَّ سَبَبَ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ وَسَبَبَ الْخَرَاجِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِالتَّمَكُّنِ وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّاحِبِ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قِيرَاطًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِجَرِيبِ الرَّطْبَةِ) بِالْفَتْحِ وَالْجَمْعُ الرِّطَابُ وَهِيَ الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَالْبَاذِنْجَان وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ وَالْبُقُولُ غَيْرُ الرِّطَابِ مِثْلُ الْكُرَّاثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُزَادُ إنْ أَطَاقَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ: وَيُزَادُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي الْأَرَاضِيُ الَّتِي صَدَرَ التَّوْظِيفُ فِيهَا مِنْ عُمَرَ أَوْ مِنْ إمَامٍ بِمِثْلِ وَظِيفَةِ عُمَرَ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ إجْمَاعًا، وَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْظِيفَ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضٍ ابْتِدَاءً وَزَادَ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا خَرَاجَ لَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ أَرْضِهِ أَوْ غَلَبَ) كَذَا حُكْمُ الْأُجْرَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (قَوْلُهُ أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) أَيْ سَمَاوِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا كَالْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ وَعَدَمِ لُزُومِ الْخَرَاجِ بِالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي ذَهَابِ كُلِّ الزَّرْعِ، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ بَعْضُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْخَرَاجِ وَمِثْلُهُ بِأَنْ بَقِيَ مِقْدَارُ دِرْهَمَيْنِ وَقَفِيزَيْنِ يَجِبُ الْخَرَاجُ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ مِقْدَارِ الْخَرَاجِ يَجِبُ نِصْفُهُ قَالَ مَشَايِخُنَا وَالصَّوَابُ فِي هَذَا أَنْ يُنْظَرَ أَوَّلًا إلَى مَا أَنْفَقَ هَذَا الرَّجُلُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ثُمَّ يُنْظَرَ إلَى الْخَارِجِ فَيَجِبَ مَا أَنْفَقَ أَوَّلًا مِنْ الْخَارِجِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا بَيَّنَّا. اهـ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْآفَةُ غَيْرَ سَمَاوِيَّةٍ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا كَأَكْلِ الْقِرَدَةِ وَالسِّبَاعِ وَالْأَفْعَى وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ هَلَاكَ الْخَارِجِ قَبْلَ الْحَصَادِ يُسْقِطُ الْخَرَاجَ، وَأَمَّا إذَا أَصَابَ زَرْعَ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ فَمَا وَجَبَ مِنْ الْأَجْرِ قَبْلَ الِاصْطِلَامِ لَا يَسْقُطُ وَمَا وَجَبَ بَعْدَ الِاصْطِلَامِ يَسْقُطُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الْخَرَاجُ إذَا عَطَّلَهَا أَيْ الْأَرْضَ مَالِكُهَا) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ هَذَا إذَا كَانَ الْخَرَاجُ مُوَظَّفًا أَمَّا إذَا كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ. اهـ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ إذَا مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِصْرَ الْآنَ لَيْسَتْ خَرَاجِيَّةً بَلْ بِالْأُجْرَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَمْ يَزْرَعْ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَأْجِرًا وَلَا جَبْرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا فَمَا يَفْعَلُهُ الظُّلْمَةُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ حَرَامٌ خُصُوصًا إذَا أَرَادَ الِاشْتِغَالَ بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَيَبْقَى الْخَرَاجُ إنْ أَسْلَمَ الْمَالِكُ) ذِكْرُهُ هُنَا كَغَيْرِهِ مِثْلَ الْهِدَايَةِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُشْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عُشْرَ فِي خَارِجِ أَرْضِهِ) كَذَا لَا زَكَاةَ مَعَ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ وَلَا يَجْتَمِعُ حَدٌّ وَعَقْرٌ وَجَلْدٌ وَنَفْيٌ وَجَلْدٌ وَرَجْمٌ وَزَكَاةُ تِجَارَةٍ وَصَدَقَةُ فِطْرٍ وَقَطْعٌ وَضَمَانٌ وَتَيَمُّمٌ وَوُضُوءٌ وَحَبَلٌ وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَةِ) لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَاةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا وَقَفَهَا مُشْتَرِيهَا لَا عُشْرَ فِيهَا وَلَا خَرَاجَ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَأَفْرَدَهُ بِرِسَالَةٍ. .
стр. 297
(فَصْلٌ فِي) (الْجِزْيَةِ) وَهِيَ نَوْعَانِ جِزْيَةٌ وُضِعَتْ بِالصُّلْحِ وَالتَّرَاضِي فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ وَجِزْيَةٌ يَضَعُهَا الْإِمَامُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ (مَا وُضِعَ) مِنْ الْجِزْيَةِ (بِالصُّلْحِ لَا يُقَدَّرُ) أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ تَقْدِيرٌ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ كُلُّ مَا يَقَعُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ (وَلَا يُغَيَّرُ) بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ (وَمَا وُضِعَ بَعْدَمَا غُلِبُوا وَأُقِرُّوا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ يَكُونُ أَمْلَاكًا لَهُمْ بَعْدَمَا أَقَرُّوا عَلَيْهَا (يُقَدَّرُ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ ظَهَرَ غِنَاهُ) بِأَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، وَاللَّامُ فِي (لِكُلِّ سَنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُقَدَّرُ وَقَوْلُهُ (ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) فَاعِلُ يُقَدَّرُ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَزْنَ سَبْعَةٍ.
(وَ) يُقَدَّرُ (عَلَى مُتَوَسِّطِ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةِ آلَافٍ نِصْفُهَا) أَيْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ يُؤْخَذُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ (وَعَلَى فَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ الْمِائَتَيْنِ، وَ) لَكِنْ (يَكْسِبُ) أَيْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَسْبِ (رُبْعَهَا) أَيْ اثْنَيْ عَشَرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ (لَا) عَلَى (وَثَنِيٍّ عَرَبِيٍّ) فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَعُرْسُهُ وَطِفْلُهُ فَيْءٌ (وَلَا) عَلَى (مُرْتَدٍّ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ) ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلُّظَ أَمَّا وَثَنِيُّ الْعَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَمَا هُدِيَ إلَى الْإِسْلَامِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ (وَلَا) عَلَى (رَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ) وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ (وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَمَمْلُوكٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ وَفَقِيرٍ لَا يَكْتَسِبُ) .
(وَتَسْقُطُ) الْجِزْيَةُ (بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ) ؛ لِأَنَّ شَرْعَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ] [أَنْوَاع الْجِزْيَةَ]
(فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ) الْجِزْيَةُ اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْجَمْعُ جِزًى كَاللِّحْيَةِ وَلِحًى لِأَنَّهَا تَجْزِي عَنْ الْقَتْلِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَأُقِرُّوا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ) مِنْ أَرْضٍ وَعَقَارٍ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ) هَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ لَنَا مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْعَقَارِ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا يَبْقَى لَهُمْ مِنْ الْمَنْقُولِ قَدْرُ مَا يَتَأَتَّى لَهُمْ بِهِ الْعَمَلُ وَعَدَمُ جَوَازِ الْمَنِّ بِهِ لِأَنَّهُ لِمَنْ نَصَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . . . إلَخْ فَهَذِهِ الْإِشَارَةُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ.
(قَوْلُهُ: عَلَى كِتَابِيٍّ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْعَجَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: ظَهَرَ غِنَاهُ. . . إلَخْ) هَذَا مَا اخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إلَى حَالِ أَهْلِهِ وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ وَيَجِبُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ وَتُقَسَّطُ عَلَى الْأَشْهُرِ تَخْفِيفًا وَلِيُمْكِنَهُ الْأَدَاءُ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى وَثَنِيٍّ عَرَبِيٍّ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَعُرْسُهُ وَطِفْلُهُ فَيْءٌ) كَذَا فِي التَّبْيِينِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَرِقُّ ذَرَارِيَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ» وَأَبُو بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانَهُمْ. اهـ.
وَإِذَا ظَهَرَ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ إلَّا أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُرْتَدِّينَ وَنِسَاءَهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنِسَائِهِمْ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. . . إلَخْ) اُسْتُدِلَّ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ «بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَوْ كَانَ يَجْرِي عَلَى عَرَبِيٍّ رِقٌّ لَكَانَ الْيَوْمَ وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ» اهـ.
(قُلْت) فَيُرَادُ بِالْعَرَبِيِّ الرَّجُلُ الْبَالِغُ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِرْقَاقِ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَذَرَارِيِّهِمْ. اهـ. .
وَفِي الْعِنَايَةِ وَتُرِكَ الْقِيَاسُ فِي الْكِتَابِيِّ الْعَرَبِيِّ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَصِّ الْآيَةِ وَلَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ لَوْ كَانَ يَجْرِي عَلَى عَرَبِيٍّ رِقٌّ الْحَدِيثَ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا وَثَنِيُّ الْعَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) هُوَ وَإِنْ شَمِلَ الْكِتَابِيَّ فَقَدْ خُصَّ بِالْكِتَابِيِّ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَالْوَثَنُ مَا لَهُ جُثَّةٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ يُنْحَتُ وَالْجَمْعُ أَوْثَانٌ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ،.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَثَنُ مَا كَانَ مَنْقُوشًا فِي حَائِطٍ وَلَا شَخْصَ لَهُ وَالصَّنَمُ اسْمٌ لِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالصَّلِيبُ مَا لَا نَقْشَ فِيهِ وَلَا صُورَةَ تُعْبَدُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ) جَزَمَ بِهِ فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ وَلَا عَلَى الرُّهْبَانِ الْمُعْتَزِلِينَ وَالْمُرَادُ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ السَّيَّاحِينَ وَنَحْوِهِمْ أَمَّا إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ انْعَزَلُوا وَتَرَكُوا الْعَمَلَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ فَصَارُوا كَالْمُعْتَمِلِينَ إذَا تَرَكُوا الْعَمَلَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَتَعْطِيلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَزَمِنٍ) الزَّمَانَةُ عَدَمُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَوْ تَعْطِيلُ قُوَاهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَفَقِيرٍ لَا يَكْتَسِبُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْمُعْتَمِلُ الْمُكْتَسِبُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً وَيَكْتَفِي بِصِحَّتِهِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ. اهـ. فَإِذَا تَرَكَ الْعَمَلَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَتَعْطِيلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَغَيْرُ مُطِيقِ الْعَمَلِ مُعْتَبَرٌ بِالْأَرْضِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ اعْتِبَارًا لِخَرَاجِ الرُّءُوسِ بِخَرَاجِ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
[مَا تَسْقُط بِهِ الْجِزْيَةَ]
(قَوْلُهُ: وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ) كَذَا تَسْقُطُ إذَا عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَوْ أُقْعِدَ أَوْ صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ أَوْ افْتَقَرَ
стр. 298
يَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَقَدْ انْدَفَعَ بِهِمَا.
(وَتَتَدَاخَلُ) الْجِزْيَةُ (بِالتَّكْرَارِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ تَسْقُطُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (لَا يُحْدِثُ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَبَيْتَ نَارٍ) يُقَالُ: كَنِيسَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمُتَعَبَّدِهِمْ وَكَذَلِكَ الْبَيْعَةُ مُطْلَقًا فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْكَنِيسَةِ لِمُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ وَالْبَيْعَةِ لِمُتَعَبَّدِ النَّصَارَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالصَّوْمَعَةُ الْمُتَخَلَّى فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعَةِ، بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ تَبَعُ السُّكْنَى (هَاهُنَا) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (وَلَهُمْ إعَادَةُ الْمُنْهَدِمِ) أَيْ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى قَدْرِ الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ بَلْ مِنْ نَقْلِهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ.
(الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا (فِي الْمِصْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ فَلَوْ اشْتَرَى يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ) وَقِيلَ يَجُوزُ الشِّرَاءُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ إلَّا إذَا كَثُرَ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ يُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ فِي زِيِّهِ وَمَرْكَبِهِ وَسَرْجِهِ وَسِلَاحِهِ فَلَا يَرْكَبُ خَيْلًا وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ (وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ) هُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ عَلَى وَسَطِهِ وَهُوَ غَيْرُ الزُّنَّارِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ (وَيَرْكَبُ عَلَى سَرْجٍ كَإِكَافٍ وَمُيِّزَتْ نِسَاؤُهُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْحَمَّامِ وَيُعَلَّمُ عَلَى دُورِهِمْ لِئَلَّا يُسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَنُقِضَ عَهْدُهُ) حَتَّى اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ (إنْ غَلَبَ عَلَى مَوْضِعٍ لِحَرْبِنَا أَوْ لَحِقَ بِدَارِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا فَيُعَرَّى عَقْدُ الذِّمَّةِ عَنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الْحَرْبِ (وَصَارَ كَمُرْتَدٍّ فِي الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بِلِحَاقَةِ لَكِنْ لَوْ أُسِرَ يُسْتَرَقُّ وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ) لِمَا مَرَّ وَسَيَأْتِي إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَيُسْلِمَ (لَا) أَيْ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ.
(إنْ امْتَنَعَ عَنْ الْجِزْيَةِ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ يَنْقُضُ الْعَهْدَ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلْفٌ عَنْ الْإِيمَانِ فِي إفَادَةِ الْأَمَانِ فَمَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ الْأَقْوَى يَنْقُضُ الْخَلْفَ الْأَدْنَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَنَا أَنَّ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ وَقَبُولُهَا لَا أَدَاؤُهَا وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ فَسَقَطَ الْقِتَالُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي أَقُولُ فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ عَنْ الْجِزْيَةِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ أَدَائِهَا كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُعْطِي الْجِزْيَةَ بَعْدَ هَذَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُنَافِي بَقَاءَ الِالْتِزَامِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالِامْتِنَاعِ تَأْخِيرُهَا وَالتَّعَلُّلُ فِي أَدَائِهَا وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ وَسَبُّ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لَا يَمْنَعُ عُقْدَةَ الذِّمَّةِ فَالطَّارِئُ كَيْفَ يَرْفَعُهُ مَعَ أَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَأَيْضًا «قَالَ يَهُودِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّامُّ عَلَيْك فَقَالَ أَصْحَابُهُ نَقْتُلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ هَذَا إذَا سَبَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا إذَا سَبَّهُ أَوْ وَاحِدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَالزِّنْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ خِلَافٌ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَلَا فَرْقَ فِي الْمُسْقَطِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَتَسْقُطُ جِزْيَةُ سَنَةٍ مَرِضَ نِصْفَهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَتَتَدَاخَلُ بِالتَّكْرَارِ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى التَّكْرَارِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ سَقَطَتْ جِزْيَةُ السَّنَةِ الْأُولَى وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ.
وَهَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الِاخْتِيَارِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَلَى الْأَشْهَرِ. اهـ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ قُيِّدَ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ وَالْأُجْرَةَ وَالْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمَوْتِ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ الْخَرَاجِ بِالتَّدَاخُلِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ يَسْقُطُ وَعِنْدَهُمَا لَا وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ كَالْعُشْرِ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَقْبَلُ الْجِزْيَةَ لَوْ بَعَثَهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ فَيُعْطِي قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ لَهُ أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ أَوْ يَقُولُ لَهُ: يَا يَهُودِيُّ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَا يُقَالُ لَهُ: يَا كَافِرُ. وَيَأْثَمُ الْقَائِلُ إذَا آذَاهُ بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يُصْفَعُ فِي عُنُقِهِ حِينَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: لَا تُحْدِثُ بَيْعَةً وَكَنِيسَةً وَبَيْتَ نَارٍ هُنَا أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) لَمْ يُقَيِّدْهُ فَشَمِلَ الْقُرَى كَالْأَمْصَارِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: الذِّمِّيُّ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ سُكْنَاهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فِي الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهَذَا فِي غَيْرِ أَرْضِ الْعَرَبِ لَمَّا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ يُمْنَعُ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا أَرْضَ الْعَرَبِ سَكَنًا وَوَطَنًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ» وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الْفَوَاحِشِ وَالرِّبَا وَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ وَالْغِنَاءِ وَكُلِّ لَهْوٍ مُحَرَّمٍ فِي دِينِهِمْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَبَائِرُ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَإِنْ حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ لَا يُخْرِجُونَ فِيهِ صُلْبَانَهُمْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَرْكَبُ عَلَى سَرْجٍ كَإِكَافٍ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ مُطْلَقًا وَإِنْ رَكِبَ لِضَرُورَةٍ نَزَلَ فِي الْمَجَامِعِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ.
(قَوْلُهُ: لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ إنْ امْتَنَعَ عَنْ الْجِزْيَةِ) كَذَا لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ بِالْقَوْلِ، بِخِلَافِ أَمَانِ الْحَرْبِيِّ
стр. 299
كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَكَحَدِّ الْقَذْفِ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ تَابَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَرٌ وَالْبَشَرُ جِنْسٌ تَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ إلَّا مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْبَارِي تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَايِبِ وَبِخِلَافِ الِارْتِدَادِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُرْتَدُّ وَلِكَوْنِهِ حَقَّ الْغَيْرِ قُلْنَا إذَا شَتَمَهُ سَكْرَانُ لَا يُعْفَى وَيُقْتَلُ أَيْضًا حَدًّا وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونَ الْمَالِكِيُّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ إنْ شَاتَمَهُ كَافِرٌ وَحُكْمُهُ الْقَتْلُ وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكَفَّرَهُ كَفَرَ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ وَقَدْ اُسْتُوْفِيَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ.
(يُؤْخَذُ مِنْ بَالِغِي تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلِبِيَّةٍ ضِعْفُ زَكَاتِنَا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ صَالَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَطْفَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ وَالصَّدَقَةُ لَا تَجِبُ عَلَى الْأَطْفَالِ فَكَذَا الْمُضَاعَفُ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا أَهْلُ الْوُجُوبِ.
(وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ مَوْلَاهُ الْجِزْيَةُ) لِنَفْسِهِ (وَالْخَرَاجُ) لِأَرْضِهِ بِمَنْزِلَةِ مَوْلَى الْقُرَشِيِّ حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ وَقَوْلُهُ ﷺ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الصَّدَقَةِ فَيُجْعَلُ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ كَالْهَاشِمِيِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ ثَبَتَتْ بِالشُّبُهَاتِ.
(وَهُمَا) أَيْ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ (وَمَالُ التَّغْلِبِيِّ وَهَدِيَّةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِنَا كَسَدِّ ثَغْرٍ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ) وَهِيَ مَا يَكُونُ مَرْكَبًا (وَجِسْرٍ) وَهُوَ خِلَافُهُمَا مِثْلَ أَنْ يَشُدَّ السُّفُنَ (وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) وَ (مَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ) ، فَإِنَّهُ صِلَةٌ لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ ذُكِرَ فِي الْعُمْدَةِ إمَامُ الْمَسْجِدِ إذَا رَفَعَ الْغَلَّةَ وَذَهَبَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ غَلَّةُ بَعْضِ السَّنَةِ وَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الْحَصَادِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وَقْتَ الْحَصَادِ يَؤُمُّ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَحِقُّ فَصَارَ كَالْجِزْيَةِ وَمَوْتُ الْقَاضِي فِي خِلَالِ السَّنَةِ.
وَفِي فَوَائِدِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ طَاهِرِ بْنِ مَحْمُودٍ قَرْيَةٌ فِيهَا أَرَاضِي الْوَقْفِ عَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ يُصْرَفُ إلَيْهِ غَلَّتُهَا وَقْتَ الْإِدْرَاكِ فَأَخَذَ الْإِمَامُ الْغَلَّةَ وَقْتَ الْإِدْرَاكِ وَذَهَبَ عَنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ حِصَّةُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَهُوَ نَظِيرُ مَوْتِ الْقَاضِي وَأَخْذِ الرِّزْقِ وَيَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَكْلُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي الْمَدَارِسِ وَفِي فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا وَقْفٌ وَلَمْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْقَوْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَطْفَالِهِمْ كَذَا فُقَرَاؤُهُمْ) أَيْ بَنِي تَغْلِبَ لِصُلْحِهِمْ عَلَى ضَعْفِ زَكَاتِنَا وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا أَيْ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ. . . إلَخْ) بَيَانُ الْمَصْرِفِ أَحَدُ بُيُوتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ لِكُلٍّ خِزَانَةٌ وَمَصْرِفٌ: الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا النَّوْعِ مَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا مَرُّوا عَلَيْهِ وَمَالُ أَهْلِ نَجْرَانَ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّانِي: الرِّكَازُ وَالْعُشْرُ وَمَصْرِفُهُمَا مَنْ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ. الثَّالِثُ: خُمُسُ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ وَمَصْرِفُهُ مَا ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ. الرَّابِعُ: اللُّقَطَاتُ وَالتَّرِكَاتُ الَّتِي لَا وَارِثَ لَهَا وَدِيَةُ مَقْتُولٍ لَا وَلِيَّ لَهُ وَمَصْرِفُهُ اللَّقِيطُ الْفَقِيرُ وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ يُعْطَى مِنْهُ نَفَقَتُهُمْ وَأَدْوِيَتُهُمْ وَكَفَنُهُمْ وَعَقْلُ جِنَايَتِهِمْ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَا يَخْلِطُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَيَسْتَقْرِضُ مِنْ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إذَا حَصَلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ أَوْ خُمُسِ الْغَنَائِمِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ لِلصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكَادَ يَهْلِكُ فَيُعْطِيَهُ الْإِمَامُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ. اهـ. وَكَذَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) عِمَارَةُ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَنَفَقَتُهَا مِنْ جُمْلَةِ مَصْرِفِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ بُيُوتِ الْمَالِ وَهُوَ مَالُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَهَدِيَّةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ بِحَقٍّ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِ إذَا مَرُّوا عَلَيْهِ وَمَالُ أَهْلِ نَجْرَانَ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ لِتَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ مُعْظَمِهَا عِمَارَةُ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ يَجُوزُ صَرْفُ الْخَرَاجِ إلَى نَفَقَةِ الْكَعْبَةِ. اهـ. وَقَدْ أَفْرَدْته بِرِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا إسْعَادُ آلِ عُثْمَانَ الْمُكَرَّمِ بِبِنَاءِ بَيْتِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ.
(قَوْلُهُ: وَذَرَارِيِّهِمْ) ضَمِيرُهُ يَعُودُ إلَى الْكُلِّ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ كَمَا ذَكَرَهُ مُنْلَا مِسْكِينٍ فِي شَرْحِهِ لِلْكَنْزِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ مَا يُوهِمُ التَّخْصِيصَ كَشَرْحِ الْمَجْمَعِ حَيْثُ قَالَ وَذَرَارِيِّهِمْ أَيْ ذَرَارِيِّ الْمُقَاتِلَةِ. اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَوْتِ الْقَاضِي فِي خِلَالِ السَّنَةِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ اسْتَوْفَى
стр. 300
يَسْتَوْفِيَا حَتَّى مَاتَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصِّلَةِ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ كَالْأُجْرَةِ.
(بَابُ الْمُرْتَدِّ)
(مَنْ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَكُشِفَ شُبْهَتُهُ وَحُبِسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ اُسْتُمْهِلَ وَقِيلَ مُطْلَقًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسْتَمْهَلْ (فَإِنْ تَابَ بِالتَّبَرِّي عَنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا. (وَيُكْرَهُ) أَيْ قَتْلُهُ (قَبْلَ الْعَرْضِ) مَعْنَى الْكَرَاهَةِ هَاهُنَا تَرْكُ النَّدْبِ (بِلَا ضَمَانٍ) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ وَالْعَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَى غَيْرُ لَازِمٍ (وَلَا يُسْتَرَقُّ، وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) إذْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وَكَذَا الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَلِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدِّ لَا يَقَعُ وَسِيلَةً لِمَا مَرَّ (بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ) إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ إذْ لَمْ يُشْرَعْ قَتْلُهَا وَلَا يَجُوزُ إبْقَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ إلَّا مَعَ الْجِزْيَةِ أَوْ الرِّقِّ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ فَكَانَ إبْقَاؤُهَا عَلَى الْكُفْرِ مَعَ الرِّقِّ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ إبْقَائِهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (الْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (فَلَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ أَوْ عُكِسَ تُرِكَ) عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَوْدِ.
(رِدَّةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا طَلَاقَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رِدَّةُ الزَّوْجِ طَلَاقٌ قِيَاسًا عَلَى إبَاءِ الزَّوْجِ.
(وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ مَوْقُوفًا، فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
رِزْقَ سَنَةٍ وَعُزِلَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ. اهـ. أَيْ رَدُّ رِزْقِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْكَافِي. اهـ. فَعَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ إذَا مَاتَ مَا بَقِيَ بِعَيْنِهِ مِنْ الرِّزْقِ لِبَاقِي السَّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ) جُزِمَ فِي الْبُغْيَةِ تَلْخِيصِ الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ يُورَثُ، بِخِلَافِ رِزْقِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ.
[بَابُ الْمُرْتَدِّ]
(قَوْلُهُ: عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ) هُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَا قَالُوا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَحُبِسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ اسْتَمْهَلَ) هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْفَوَائِدِ وَلَا يَجُوزُ الْإِمْهَالُ بِدُونِ الِاسْتِمْهَالِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَمْهِلْ قُتِلَ مِنْ سَاعَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرْجُو إسْلَامَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ مُطْلَقًا) أَيْ قِيلَ يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَلَمْ يُذْكَرْ الْإِمْهَالُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَمْهِلْ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَإِذَا اسْتَمْهَلَ فَظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ وُجُوبُ إمْهَالِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا طَلَبَ التَّأْجِيلَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُمْهِلَهُ وَعَنْ الْإِمَامِ الِاسْتِحْبَابُ مُطْلَقًا، كَذَا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالْمُرْتَدِّ ثَانِيًا إلَّا أَنَّهُ إذَا تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَإِنْ ارْتَدَّ ثَالِثًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ التَّوْبَةِ، وَيَرَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَإِنْ عَادَ فَعَلَ بِهِ هَكَذَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَابَ بِالتَّبَرِّي. . . إلَخْ) أَيْ مَعَ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ سُئِلَ أَبِي يُوسُفَ كَيْفَ يُسْلِمُ فَقَالَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه وَيُقِرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الَّذِي انْتَحَلَهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَصُرِّحَ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ التَّبَرِّي بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ مَا لَمْ تَكُنْ رِدَّتُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ أَوْ بُغْضِهِ ﷺ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ كَانَ بِهِ قُتِلَ حَدًّا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ جَاءَ تَائِبًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ فَإِنَّ الْإِنْكَارَ فِيهَا تَوْبَةٌ لَكِنَّهُ يُجَدِّدُ نِكَاحَهُ إنْ شُهِدَ عَلَيْهِ مَعَ إنْكَارِهِ وَكَذَا يُقْتَلُ حَدًّا بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ الطَّعْنِ فِيهِمَا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ) يَصْلُحُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَا يُسْتَرَقُّ وَالْمُصَنِّفُ قَصَرَهُ عَلَى الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ مَتْنًا لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ وَتُحْبَسُ وَكَانَ يُغْنِيهِ هَذَا عَنْ بَعْضِهِ.
(قَوْلُهُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ) قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَرَقُّ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا قِيلَ وَلَوْ أَفْتَى بِهَذِهِ لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئْ بِالرِّدَّةِ مِنْ إثْبَاتِ الْفُرْقَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا الزَّوْجُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَهَبَهَا لَهُ إذَا كَانَ مُصْرِفًا لِأَنَّهَا صَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا الزَّوْجُ فَيَمْلِكُهَا وَيَتَوَلَّى حِينَئِذٍ حَبْسَهَا وَجَبْرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَرْتَدُّ ضَرَرُ قَصْدِهَا عَلَيْهَا، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: رِدَّةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَسْخٌ) سَيَذْكُرُهُ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ أَفْتَى الدَّبُوسِيُّ وَالصَّفَّارُ وَبَعْضُ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ رَدًّا عَلَيْهَا وَغَيْرُهُمْ مَشَوْا عَلَى الظَّاهِرِ لَكِنْ حَكَمُوا بِجَبْرِهَا عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ الزَّوْجِ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ لِلْفَتْوَى، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
стр. 301
لَحِقَ بِدَارِهِهِمْ وَحُكِمَ بِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَحَلَّ دَيْنٌ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ يَصِيرُ حَالًّا بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ (وَكَسْبُ إسْلَامِهِ لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ فَكَيْفَ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ قُلْنَا: إنَّ مِلْكَهُ فِي كَسْبِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ لَمَّا عَرَفْت أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَيَنْتَقِلُ كَسْبُهُ فِي الْإِسْلَامِ إلَى وَارِثِهِ لِإِمْكَانِ اسْتِنَادِهِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ قَبْلَهَا وَمِنْ شَرْطِ الِاسْتِنَادِ وُجُودُ الْكَسْبِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَيَكُونُ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ (وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْءٌ، وَقُضِيَ دَيْنُ كُلِّ حَالٍّ مِنْ كَسْبِهَا) أَيْ دَيْنُ حَالِّ الْإِسْلَامِ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ حَالِّهِ وَدَيْنُ حَالِّ الرِّدَّةِ مِنْ كَسْبِ حَالِّهَا.
(وَصَحَّ طَلَاقُهُ) ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَمَّا انْفَسَخَ بِالرِّدَّةِ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا يَقَعُ وَكَذَا إذَا ارْتَدَّا مَعًا فَطَلَّقَهَا فَأَسْلَمَا مَعًا، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَنْفَسِخْ فَيَقَعْ الطَّلَاقُ (وَ) صَحَّ (اسْتِيلَادُهُ) ، فَإِنَّ أَمَتَهُ إذَا وَلَدَتْ فَادَّعَى ثَبَتَ نَسَبُهُ وَيَرِثُ مَعَ وَرَثَتِهِ وَتَكُونُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ (لَا ذَبْحُهُ) إذْ لَا دِينَ لَهُ (وَتُوقَفُ مُفَاوَضَتُهُ) لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الدِّينِ وَلَا دِينَ لَهُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ (وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَكِتَابَتُهُ وَوَصِيَّتُهُ) لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ الْمُقَرَّرَ (إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ هَلَكَ) أَيْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ (أَوْ لَحِقَ) بِدَارِ الْحَرْبِ (وَحُكِمَ بِهِ) أَيْ بِلُحُوقِهِ (بَطَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْحُكْمِ (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) حَتَّى لَا يُعْتَقَ مُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَيَضْمَنُ الْوَارِثُ مَا أَتْلَفَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي شَرْطٌ لِبُطْلَانِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُرْتَدِّ مَيِّتًا بِاللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ إذْ الشَّافِعِيُّ مُخَالِفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ لِيَتَأَكَّدَ بِهِ (وَإِنْ جَاءَ) أَيْ مُسْلِمًا (بَعْدَهُ وَمَالُهُ مَعَ وَارِثِهِ أَخَذَهُ) لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ لِكَوْنِهِ كَالْمَيِّتِ وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا احْتَاجَ إلَيْهِ (وَإِنْ أَزَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَأْخُذُهُ) أَيْ قِيمَتَهُ إذْ لَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُبَاحٍ.
(وَيَقْضِي عِبَادَاتٍ تَرَكَهَا فِي الْإِسْلَامِ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ. ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ (وَمَا أَدَّى مِنْهَا) أَيْ الْعِبَادَاتِ (فِيهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ (يَبْطُلُ وَلَا يَقْضِي إلَّا الْحَجَّ) ، فَإِنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(مُسْلِمٌ أَصَابَ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْحَدُّ أَوْ الدِّيَةُ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَ) وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ زَمَانًا (ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا أُخِذَ بِكُلِّهِ، وَلَوْ أَصَابَهُ بَعْدَمَا لَحِقَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ لَا) أَيْ لَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ ذَلِكَ وَهُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْحَرْبِيُّ لَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ. .
(أَخْبَرَتْ) امْرَأَةٌ (بِارْتِدَادِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: عِتْقُ مُدَبَّرِهِ) كَذَا مُدَبَّرِهَا إذَا لَحِقَتْ وَتَحِلُّ دُيُونُهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ (لَهُ وَكَسْبُ إسْلَامِهِ لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) الْعِبْرَةُ لِكَوْنِهِ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ أَوْ قَتْلِهِ أَوْ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِاللِّحَاقِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَارًّا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَقُضِيَ دَيْنُ كُلِّ حَالٍّ مِنْ كَسْبِهَا) الْكَسْبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ أَيْ دَيْنَهُ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ بِهِ فَيُقْضَى الْبَاقِي مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْإِنْسَانِ يُقْضَى مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ وَكَذَا دَيْنُ الْمَيِّتِ يُقْضَى مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ وَارِثِهِ وَمَالُهُ كَسْبُ إسْلَامِهِ فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَمَالُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِذَا لَمْ يَفِ بِهِ كَسْبُ الْإِسْلَامِ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ فَيُقْضَى الْبَاقِي مِنْهُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَهَكَذَا صَحَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ طَلَاقُهُ وَاسْتِيلَادُهُ) هَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا قَبُولُهُ الْهِبَةَ وَتَسْلِيمُهُ الشُّفْعَةَ وَحَجْرُهُ عَلَى مَأْذُونِهِ.
(قَوْلُهُ: وَتُوقَفُ مُفَاوَضَتُهُ) كَذَا تَصَرُّفُهُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَتَدْبِيرُهُ) كَذَا عِتْقُهُ مَوْقُوفٌ كَمَا فِي الْكَنْزِ.
(قَوْلُهُ: وَوَصِيَّتُهُ) أَيْ الَّتِي فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَمَّا وَصِيَّتُهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ فَالْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا قُرْبَةً أَوْ غَيْرَ قُرْبَةٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ الْإِطْلَاقَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا بِعَدَمِ بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ قُرْبَةٍ، قِيلَ أَرَادَ بِغَيْرِ الْقُرْبَةِ الْوَصِيَّةَ لِلنَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَهُ وَمَالُهُ مَعَ وَارِثِهِ أَخَذَهُ) يَعْنِي بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَمَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ رِضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ وَارِثَ الْمُرْتَدِّ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَالِ الَّذِي وَرِثَهُ بَعْدَمَا عَادَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ. اهـ.
وَبِهِ جَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِطَرِيقَةٍ. اهـ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ اسْتِرْدَادِهِ مِنْ الْإِمَامِ كَسْبَ رِدَّتِهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ اسْتِرْدَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بَلْ لِكَوْنِهِ مَالَ حَرْبِيٍّ كَالْحَرْبِيِّ الْحَقِيقِيِّ لَا يَسْتَرِدُّ مَالَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ. . اهـ. .
(قَوْلُهُ: أَخْبَرَتْ امْرَأَةٌ بِارْتِدَادِ
стр. 302
زَوْجِهَا فَلَهَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ) كَمَا فِي الْإِخْبَارِ بِمَوْتِهِ وَتَطْلِيقِهِ.
(لَا تُقْتَلُ مُرْتَدَّةٌ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ قَتَلَهَا أَحَدٌ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً قَالَ فِي النِّهَايَةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (وَتُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ) ؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ عَنْ إيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَتُجْبَرُ عَلَى إيفَائِهِ بِالْحَبْسِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا وَيُرْوَى تُضْرَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ (وَصَحَّ تَصَرُّفُهَا وَكَسْبَاهَا لِوَرَثَتِهَا) أَيْ كَسْبُ الْإِسْلَامِ وَكَسْبُ الرِّدَّةِ.
(وَلَدَتْ أَمَتُهُ) مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ نَصْرَانِيَّةً (فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ حُرًّا يَرِثُهُ فِي الْمُسْلِمَةِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الِارْتِدَادِ وَالْوِلَادَةِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فَيَتْبَعُ الْأُمَّ فَكَانَ مُسْلِمًا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ (إنْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ) بِدَارِ الْحَرْبِ (كَذَا) أَمَتُهُ (النَّصْرَانِيَّةُ) يَعْنِي إذَا وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ حُرًّا يَرِثُهُ (إلَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مُنْذُ ارْتَدَّ) فَإِنَّهُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ الْعُلُوقُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ، وَإِنْ جَاءَتْ لِأَكْثَرَ مِنْهُ كَانَ الْعُلُوقُ مِنْ مَاءِ الْمُرْتَدِّ فَيَتْبَعُ الْمُرْتَدَّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنْ يُسْلِمَ فَإِذَا كَانَ مُرْتَدًّا لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ.
(لَحِقَ) بِدَارِ الْحَرْبِ (بِمَالِهِ) أَيْ مَعَ مَالِهِ (وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ) أَيْ لَا نَفْسُهُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَيْئًا دُونَ النَّفْسِ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ (وَلَحِقَ بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ مَالِهِ (وَحَكَمَ الْقَاضِي) بِلَحَاقِهِ (فَرَجَعَ) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (فَلَحِقَ) بِدَارِ الْحَرْبِ ثَانِيًا (بِهِ) أَيْ مَعَ مَالِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ لِوَارِثِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
زَوْجِهَا) لَمْ يُبَيِّنْ شَرْطَ الْمُخْبِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ إخْبَارَ الزَّوْجِ بِارْتِدَادِهَا.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى غَابَ فَأَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ أَنَّهَا قَدْ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَالْمُخْبِرُ ثِقَةٌ عِنْدَهُ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ أَوْ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ وَسِعَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَهُوَ حَلَّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ لَهُ وَهَذَا أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ وَكَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ يَتَأَيَّدُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ يَسْقُطُ بِمُعَارَضَةِ أَكْبَرِ الرَّأْيِ بِخِلَافِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ أَخْبَرَ الْمَرْأَةَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ ارْتَدَّ فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا،.
وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ يَقُولُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهَا بِذَلِكَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ قَالَ؛ لِأَنَّ رِدَّةَ الزَّوْجِ أَغْلَظُ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ وَمَا ذُكِرَ هُنَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ لَا إثْبَاتُ الرِّدَّةِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِخْبَارِ بِمَوْتِهِ وَتَطْلِيقِهِ) وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ لَوْ أَخْبَرَهَا ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ وَمَعَهُ كِتَابٌ بِطَلَاقِهَا وَلَمْ تَدْرِ أَنَّهُ مِنْهُ إلَّا أَنَّهَا تَحَرَّتْ فَتَرَجَّحَ صِدْقُهُ جَازَ لَهَا الِاعْتِدَادُ وَالتَّزَوُّجُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا تُقْتَلُ مُرْتَدَّةٌ) قَالَ فِي الْبَحْرِ إلَّا إذَا كَانَتْ سَاحِرَةً تَعْتَقِدُ أَنَّهَا هِيَ الْخَالِقَةُ لِذَلِكَ فَتُقْتَلُ فِي الْأَصَحِّ. اهـ. أَيْ مَا لَمْ تَتُبْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَتَلَهَا أَحَدٌ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً. . . إلَخْ) يُخَالِفُهُ فِي ضَمَانِ الْأَمَةِ مَا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْغِيَاثِيَّةِ يَضْمَنُ لِمَوْلَاهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا) أَيْ تُدْفَعُ لِمَوْلَاهَا فَيُجْعَلُ حَبْسُهَا فِي بَيْتِ السَّيِّدِ سَوَاءٌ طَلَبَ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي الصَّحِيحِ جَمْعًا بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ السَّيِّدِ فِي الِاسْتِخْدَامِ لَكِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَيُرْوَى تُضْرَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ) إنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ضَرْبَهَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَلَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَة وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُضْرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ وَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ تُضْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا إلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تُسْلِمَ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِحُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ وَهَذَا قَتْلٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مُوَالَاةَ الضَّرْبِ تُفْضِي إلَيْهِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: تُضْرَبُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ اهـ فَقَدْ مَشَى عَلَى مَا قَدَّرَهُ الْبَعْضُ جَازَ مَا بِهِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ لِعَدَمِ حِكَايَةِ غَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْكَمَالِ عَدَمُ ارْتِضَاعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَسْبَاهَا لِوَرَثَتِهَا) وَلَا يَرِثُ الزَّوْجُ إذَا ارْتَدَّتْ فِي صِحَّتِهَا، وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَرِثَ الزَّوْجُ مِنْهَا لِأَنَّهَا قَصَدَتْ الْفِرَارَ وَالزَّوْجُ إذَا ارْتَدَّ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ أَشْبَهَ الطَّلَاقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: كَذَا أَمَتُهُ النَّصْرَانِيَّةُ) أَرَادَ بِهِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ الْكِتَابِيَّاتِ.
(قَوْلُهُ: فَظُهِرَ عَلَيْهِ) أَيْ غُلِبَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ ظَهَرَ غَلَبَ وَظَهَرَ عَلَى اللِّصِّ غَلَبَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ ظَهَرَ فَلِأَنَّ السَّطْحَ إذَا عَلَاهُ وَحَقِيقَتُهُ صَارَ عَلَى ظَهْرِهِ. اهـ. كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَحَكَمَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ) قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِحُكْمِ الْقَاضِي وَلَيْسَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَدْ أَطْلَقَهَا فِي الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ عَنْهُ تَبَعًا لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ لِوَارِثِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَهَا أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ
стр. 303
الْأَوَّلَ لَمْ يَجْرِ فِيهِ الْإِرْثُ وَالثَّانِيَ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا.
(قُضِيَ بِعَبْدٍ لِمُرْتَدٍّ) صِفَةُ عَبْدٍ (لَحِقَ) صِفَةُ مُرْتَدٍّ (لِابْنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " قُضِيَ " يَعْنِي إذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ فَقُضِيَ بِهِ لِابْنِهِ (فَكَاتَبَهُ) ابْنُهُ (فَجَاءَ) الْمُرْتَدُّ (مُسْلِمًا فَبَدَلُهَا) أَيْ بَدَلُ الْكِتَابَةِ (وَالْوَلَاءُ لِلْأَبِ) إذْ لَا وَجْهَ لِبُطْلَانِ الْكِتَابَةِ لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنْفِذٍ فَجُعِلَ الْوَارِثُ الَّذِي هُوَ خَلْفَهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ وَحُقُوقُ الْعَهْدِ فِيهِ تَرْجِعُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْوَلَاءِ لِمَنْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْهُ.
(قَتَلَ) مُرْتَدٌّ رَجُلًا (خَطَأً وَلَحِقَ أَوْ قُتِلَ) عَلَى رِدَّتِهِ (فَدِيَتُهُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمُرْتَدَّ لِانْعِدَامِ النُّصْرَةِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِ الْمُكْتَسَبِ فِي الْإِسْلَامِ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ دُونَ الْمُكْتَسَبِ فِي الرِّدَّةِ لِتَوَقُّفِ تَصَرُّفِهِ.
(قُطِعَ يَدُهُ) أَيْ يَدُ الْمُسْلِمِ (عَمْدًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَاتَ) عَلَى رِدَّتِهِ (مِنْهُ) أَيْ الْقَطْعِ (أَوْ لَحِقَ) فَقُضِيَ بِهِ (فَجَاءَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مِنْهُ ضَمِنَ الْقَاطِعُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ مَالِهِ لِوَارِثِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَلَّ مَحَلًّا مَعْصُومًا وَالسِّرَايَةُ حَلَّتْ مَحَلًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَاعْتُبِرَ الْقَطْعُ لَا السِّرَايَةُ فَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ الْعَمْدَ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِشُبْهَةِ الِارْتِدَادِ (وَإِنْ) لَمْ يَلْحَقْ الْمَقْطُوعُ بِيَدِ الْمُرْتَدِّ بَلْ (أَسْلَمَ هُنَا فَمَاتَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَطْعِ (ضَمِنَ) الْقَاطِعُ (كُلَّهَا) أَيْ كُلَّ الدِّيَةِ لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا وَقْتَ الْقَطْعِ وَوَقْتَ السِّرَايَةِ.
(مُكَاتَبٌ ارْتَدَّ فَلَحِقَ) وَاكْتَسَبَ مَالًا (فَأُخِذَ بِمَالِهِ) وَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ (فَقُتِلَ فَبَدَلُهَا) أَيْ بَدَلُ الْكِتَابَةِ (لِسَيِّدِهِ وَالْبَاقِي لِوَارِثِهِ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ اكْتِسَابَهُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْكِتَابَةِ فَكَذَا اكْتِسَابُهُ.
(زَوْجَانِ ارْتَدَّا فَلَحِقَا) فَحَبِلَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَوَلَدَتْ هِيَ) وَلَدًا (ثُمَّ وَلَدَ الْوَلَدُ فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ جَمِيعًا (فَالْوَلَدَانِ) أَيْ وَلَدُهُمَا وَوَلَدُ وَلَدِهِمَا (فَيْءٌ) أَيْ يَكُونَانِ رَقِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْتَرَقُّ وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ وَكَذَا وَلَدُ الْوَلَدِ.
(وَ) الْوَلَدُ (الْأَوَّلُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا وَلَدُهُ) ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ وَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا) هَذَا التَّوْجِيهُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِاللِّحَاقِ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلْقَضَاءِ وَيَأْخُذُ الْوَارِثُ مَا أَخَذَهُ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ عَوْدِهِ وَرَجَعَ بِهِ ثَانِيًا يُوَجَّهُ بِأَنَّ عَوْدَهُ وَأَخْذَهُ وَلِحَاقَهُ ثَانِيًا يُرَجِّحُ جَانِبَ عَدَمِ الْعَوْدِ وَيُؤَكِّدُهُ فَتَقَرَّرَ مَوْتُهُ حُكْمًا وَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْقَضَاءِ بِاللِّحَاقِ لِصَيْرُورَتِهِ مِيرَاثًا إلَّا لِيُرَجَّحَ عَدَمُ عَوْدِهِ فَتَقَرَّرَ إقَامَتُهُ ثَمَّةَ فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ فَكَانَ رُجُوعُهُ وَأَخْذُهُ ثُمَّ عَوْدُهُ ثَانِيًا بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ جَعَلَهُ فَيْئًا لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ اللِّحَاقِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ وَالْوَجْهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَقَدْ تَسَاهَلَ صَاحِبُ الْبَحْرِ لِتَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكَمَالِ.
(قَوْلُهُ: فَجَاءَ مُسْلِمًا) يَعْنِي قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ لِلِابْنِ إذْ لَوْ كَانَ بَعْدَهُ يَكُونُ الْوَلَاءُ لِلِابْنِ وَقُيِّدَ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ إذَا دَبَّرَهُ ثُمَّ جَاءَ الْأَبُ مُسْلِمًا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة. (قَوْلُهُ: بِدَلِيلٍ مُنْفِذٍ) هُوَ الْقَضَاءُ بِالْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: فَدِيَتُهُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا إذَا غَصَبَ مَالًا فَأَفْسَدَهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَهُمَا فِي الْكُلِّ كَذَا فِي الْفَتْحِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ. اهـ. وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ دَيْنَ كُلِّ حَالٍّ يُقْضَى مِنْ كَسْبِهَا وَوَاضِحٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ لَا يَفِيَ فَفِي كَسْبِ الرِّدَّةِ. اهـ. وَقَدْ فَصَّلَ فِيهِ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فَقَالَ مَا غُصِبَ مِنْ شَيْءٍ وَاسْتَهْلَكَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ الْبَيِّنَةِ فَضَمَانُ ذَلِكَ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ يُؤَدَّى مِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَتِّبَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ فَعِنْدَهُمَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْكَسْبَيْنِ جَمِيعًا،.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فَيَصِحُّ فِي مَالِهِ وَكَسْبُ الرِّدَّةِ مَا لَهُ عِنْدَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ. . . إلَخْ) كَذَا الْحُكْمُ لَوْ لَحِقَ وَلَمْ يُقْضَ بِلَحَاقِهِ وَعَادَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مِنْ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الْقَاطِعِ عَلَى قَوْلِهِمَا وَنِصْفُ دِيَةٍ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَا نَصَّ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا. قَالَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: مُكَاتَبًا ارْتَدَّ فَلَحِقَ فَاكْتَسَبَ مَالًا. . . إلَخْ) إنَّمَا قُيِّدَ بِكَسْبِ الْمَالِ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِيُفِيدَ أَنَّ حُكْمَ مَا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى ثُمَّ إنَّ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الرِّدَّةِ مِلْكُهُ إذَا كَانَ حُرًّا فَكَذَا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا إذْ الْكِتَابَةُ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَالرِّدَّةُ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَتْ مِلْكَهُ قَضَى مِنْهَا مُكَاتَبَتَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيُشْكِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَلِّكُهُ كَسْبَ الرِّدَّةِ إذَا كَانَ حُرًّا وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ مُكَاتَبًا وَوَجْهُهُ مَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالرِّدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْكِتَابَةِ أَيْ لَا تُبْطِلُهَا كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَكَذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي اكْتِسَابِهَا.
(قَوْلُهُ زَوْجَانِ ارْتَدَّا فَلَحِقَا. . . إلَخْ) قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ فَارْتَدَّتْ الزَّوْجَةُ وَلَحِقَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ هُنَاكَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يُسْتَرَقُّ وَيَرِثُ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ فَإِنْ سُبِيَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ مَرْقُوقٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ
стр. 304
الْأَوْلَادَ يَتْبَعُونَ الْآبَاءَ فِي الدِّينِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا يُجْبَرُ أَبُوهُ عَلَيْهِ (وَقِيلَ يُجْبَرَانِ) أَيْ وَلَدُهُمَا وَوَلَدُ وَلَدِهِمَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْبَرُ تَبَعًا لِلْجَدِّ.
(صَحَّ ارْتِدَادُ صَبِيٍّ يَعْقِلُ وَإِسْلَامُهُ فَلَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِسْلَامِ (بِلَا قَتْلٍ إنْ أَبَى) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ارْتِدَادُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَإِسْلَامُهُ مُعْتَبَرٌ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: كِلَاهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَسَلَمَ فِي صِبَاهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ صَحَّحَ إسْلَامَهُ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ مُفْتَخِرًا بِهِ حَتَّى قَالَ
سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طَرًّا ... غُلَامًا مَا بَلَغْت أَوَانَ الْحُلُمِ.
(بَابُ الْبُغَاةِ)
(هُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ فَيَدْعُوهُمْ إلَى الْعَوْدِ وَيَكْشِفُ شُبْهَتَهُمْ، فَإِنْ تَحَيَّزُوا) أَيْ اتَّخَذُوا حَيِّزًا أَيْ مَكَانًا (مُجْتَمِعِينَ فِيهِ حَلَّ لَنَا قِتَالُهُمْ بَدْءًا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ تَعَسْكُرُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ، فَإِنْ صَبَرَ الْإِمَامُ إلَى بَدْئِهِمْ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُ شَرِّهِمْ (وَيُقْتَلُ جَرِيحُهُمْ) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا (وَيُتْبَعُ مُولِيهِمْ) أَيْ مُعْرِضُهُمْ (لَوْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ) أَيْ جَمْعِيَّةٌ وَفِيهِ أَيْضًا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يُفْعَلْ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْقَتْلِ كَانَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ وَإِذْ لَا خَوْفَ لِعَدَمِ الْفِئَةِ فَلَا قَتْلَ لِكَوْنِهِ مُسْلِمًا (وَلَا تُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ وَحُبِسَ مَالُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَالْحَبْسُ كَانَ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ (وَاسْتَعْمَلَ) أَيْ الْإِمَامُ (سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ) لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى.
(لَا شَيْءَ بِقَتْلِ الْبَاغِي مِثْلُهُ إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ) لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهُمْ (غَلَبُوا عَلَى مِصْرٍ فَقَتَلَ مِصْرِيٌّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَلَا يَرِثُ أَبَاهُ لِحِرْمَانِهِ بِالرِّقِّ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ بِلَا قَتْلٍ إنْ أَبَى) أَحَدُ مَسَائِلَ: لَا يُقْتَلُ فِيهَا الْمُرْتَدُّ. الثَّانِيَةُ: الْمُسْلِمُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا. الثَّالِثَةُ: إذَا أَسْلَمَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ مُرْتَدًّا. الرَّابِعَةُ: الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ اسْتِحْسَانًا فِي الْجَمِيعِ وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. الْخَامِسَةُ: اللَّقِيطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ بَلَغَ كَافِرًا أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ كَافِرًا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
[بَابُ الْبُغَاةِ]
(قَوْلُهُ: قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ بِتَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ: أَحَدُهَا: الْخَارِجُونَ بِلَا تَأْوِيلٍ بِمَنَعَةٍ وَبِلَا مَنَعَةٍ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقْتُلُونَهُمْ وَيُخِيفُونَ الطَّرِيقَ وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَسَيَذْكُرُهُمْ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهُمْ هُنَا لِكَوْنِ قِتَالِهِمْ مِنْ الْجِهَادِ. وَالثَّانِي: قَوْمٌ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَكِنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَالثَّالِثُ: قَوْمٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَحَمِيَّةٌ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ كُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ يُوجِبُ قِتَالَهُ بِتَأْوِيلِهِمْ وَهَؤُلَاءِ يَسْمَعُونَ بِالْخَوَارِجِ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونَ نِسَاءَهُمْ وَيُكَفِّرُونَ الصَّحَابَةَ وَحُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حُكْمُ الْبُغَاةِ. وَالرَّابِعُ: قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَسْتَبِيحُوا مَا اسْتَبَاحَهُ الْخَوَارِجُ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ وَهُمْ الْبُغَاةُ وَحُكْمُهُمْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ فَيَدْعُوهُمْ إلَى الْعَوْدِ وَيَكْشِفُ شُبْهَتَهُمْ) لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ (قَوْلُهُ فَإِنْ تَحَيَّزُوا مُجْتَمَعِينَ حَلَّ لَنَا قِتَالُهُمْ بَدْءًا) هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْمَعْرُوفُ بخواهر زاده وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لَا يَبْدَؤُهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَ مَا تَحَيَّزُوا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَا يُقَاتِلُهُمْ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِأَهْوَنَ مِنْهُ وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ وَاجِبٌ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ شَرُّهُمْ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ لُزُومِ الْبَيْتِ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا إعَانَةُ الْإِمَامِ فَمِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ. اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَطَاقَ الدَّفْعَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ الْإِمَامِ إلَّا إنْ أَبْدَوْا مَا يُجَوِّزُ لَهُمْ الْقِتَالَ كَأَنْ ظَلَمَهُمْ أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُمْ ظُلْمًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُعِينُوهُمْ حَتَّى يُنْصِفَهُمْ وَيَرْجِعَ عَنْ جَوْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَالُ مُشْتَبَهًا أَنَّهُ ظُلْمٌ مِثْلَ تَحْمِيلِ الْجِبَايَاتِ الَّتِي لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَعَمَّ مِنْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْتُلُ جَرِيحَهُمْ) كَذَا أَسِيرُهُمْ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ فَعَلَ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ إذَا أَخَذَ أَسِيرًا اسْتَحْلَفَهُ أَنْ لَا يُعِينَ عَلَيْهِ وَخَلَّاهُ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ شَرُّهُ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ. اهـ. وَإِذَا أُخِذَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَكَانَتْ تُقَاتِلُ حُبِسَتْ وَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا دَفْعًا وَإِنَّمَا تُحْبَسُ لِلْمَعْصِيَةِ وَلِمَنْعِهَا مِنْ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَحُبِسَ مَالُهُمْ) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الْكُرَاعَ وَيَحْبِسُ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْظَرَ وَأَيْسَرَ لِأَنَّ الْكُرَاعَ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، وَقَدْ تَأَتَّى عَلَى قِيمَتِهِ فَكَانَ بَيْعُهُ أَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ وَاسْتَعْمَلَ سِلَاحَهُمْ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ. اهـ. وَلَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: لَا شَيْءَ بِقَتْلِ بَاغٍ مِثْلِهِ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) الْأَوْلَى مِنْهُ عِبَارَةُ الْكَافِي
стр. 305
مِثْلَهُ فَظُهِرَ عَلَى الْمِصْرِيِّ قُتِلَ) الْقَاتِلُ (بِهِ) أَيْ بِقَتْلِهِ مِثْلَهُ (إذَا لَمْ يَجْرُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (فِيهِ) أَيْ الْمِصْرِ (أَحْكَامَهُمْ) إذْ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ مُنْقَطِعَةً عَنْ الْمِصْرِ فَتَجْرِي أَحْكَامُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَجْرَوْا فِيهِ أَحْكَامَهُمْ.
(قَتَلَ عَادِلٌ بَاغِيًا أَوْ قَتَلَهُ) أَيْ الْعَادِلَ (بَاغٍ مُدَّعِيًا) ذَلِكَ الْبَاغِي (حَقِّيَّتَهُ وِرْثُهُ) الْقَاتِلَ عَادِلًا كَانَ أَوْ بَاغِيًا يَدَّعِي الْحَقِّيَّةَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ الْبَاغِيَ أَوْ مَالَهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ وَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ تُبْطِلُ الْعِصْمَةَ وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُقَاتَلَتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] فَصَارَ قَتْلُهُمْ بِحَقٍّ كَقَتْلِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ كَمَا لَوْ قَتَلَ مُورِثَهُ بِقَوَدٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ جَزَاءُ قَتْلٍ مَحْظُورٍ فَلَا يُنَاطُ بِقَتْلٍ مُبَاحٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْبَاغِيَ إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ يَأْثَمُ وَلَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَالتَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الصَّحِيحِ فِي حَقِّ دَفْعِ الضَّمَانِ إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ كَتَأْوِيلِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِهِ الضَّمَانُ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحِرْمَانُ وَالْإِرْثُ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ.
(وَ) إذَا قَتَلَهُ الْبَاغِي (مُقِرًّا بِبُطْلَانِهِ لَا) أَيْ لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْبُطْلَانِ يَجِبُ الضَّمَانُ فَيَلْزَمُ الْحِرْمَانُ.
(كُرِهَ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَإِنْ لَمْ يُدْرَ أَنَّهُ مِنْهُمْ لَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا صَارِفَ عَنْهُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إمَامٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ آمِنُونَ وَالسُّبُلُ آمِنَةٌ فَخَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِمَامِ الْجَمَاعَةُ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُ إنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ.
(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ أَبْوَابِهِ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ عَقَبَهُ بِهِ وَالْمَوَاتُ لُغَةً حَيَوَانٌ مَاتَ وَهَاهُنَا مُسْتَعَارٌ وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ (أَرْضٌ لَمْ تُمْلَكْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ مُلِكَتْ) فِيهِ (وَلَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهَا وَتَعَذَّرَ زَرْعُهَا بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ) عَنْهَا (أَوْ غَلَبَتِهِ) عَلَيْهَا (أَوْ نَحْوِهِمَا) كَمَا إذَا نَزَّتْ أَوْ صَارَتْ سَبِخَةً (وَبَعُدَتْ مِنْ الْعَامِرِ) بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ صَوْتٌ مِنْ أَقْصَاهُ (مَلَكَهَا) أَيْ تِلْكَ الْأَرْضَ (مُحْيِيهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا بِلَا إذْنِهِ (وَلَوْ) كَانَ مُحْيِيهَا (ذِمِّيًّا) وَ (لَا) يَمْلِكُهَا (مُحْجِرُهَا) التَّحْجِيرُ مِنْ الْحَجَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَوْ الْحَجْرِ بِسُكُونِهَا سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَهَا بِوَضْعِ الْأَحْجَارِ حَوْلَهَا أَوْ يُعَلِّمُونَهَا بِحَجَرِ غَيْرِهِمْ عَنْ إحْيَائِهَا فَتَبْقَى غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ كَمَا كَانَتْ هُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الْحَجَرِ بِأَنْ غَرَزَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةً أَوْ نَقَّى الْأَرْضَ وَأَحْرَقَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّوْكِ أَوْ حَصَدَ مَا فِيهَا مِنْ الْحَشِيشِ أَوْ الشَّوْكِ وَجَعَلَهُ حَوْلَهَا وَجَعَلَ التُّرَابَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّ الْمُسْنَاةَ (فَلَوْ حَجَرَهَا) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ التَّحْجِيرَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُحْجِرُ لَوْ حَجَرَهَا (وَتَرَكَ ثَلَاثَ سِنِينَ دَفَعَهَا) الْإِمَامُ (إلَى غَيْرِهِ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَيْسَ لِمُحْجِرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ قَالُوا هَذَا دِيَانَةٌ، فَأَمَّا إذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ الْإِحْيَاءِ مِنْهُ دُونَ الْأَوَّلِ (وَمَا عَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ) أَيْ مَوْضِعُ مَا زَالَ عَنْهُ الْمَاءُ وَانْكَشَفَ الْمَوْضِعُ (وَامْتَنَعَ عَوْدُهُ) إلَيْهِ (فَمَوَاتٌ إنْ لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَغَيْرِهِ قَتَلَ بَاغٍ مِثْلَهُ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَجْرَوْا فِيهِ أَحْكَامَهُمْ) أَيْ فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ وَلَكِنْ يُسْتَحَقُّ عَذَابُ الْآخِرَةِ، كَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ مُدَّعِيًا ذَلِكَ الْبَاغِي حَقِيقَتَهُ) أَيْ حَالَ الْقَتْلِ وَحَالَ طَلَبِ الْمِيرَاثِ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ وَإِنْ قَتَلَ الْبَاغِي الْعَادِلَ، وَقَالَ كُنْت عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ. اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاغِي، وَقَالَ كُنْت عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي.
[بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ]
(قَوْلُهُ: كُرِهَ بَيْعُ السِّلَاحِ) خَرَجَ بِهِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ وَهُمْ لَا يَتَفَرَّغُونَ لَهَا، بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى) قَدَّمْنَا أَوَّلَ الْبَابِ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
(قَوْلُهُ: وَالْمَوَاتُ لُغَةً. . . إلَخْ) كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَالْإِحْيَاءُ لُغَةً بَلْ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ بَيَانِ الْإِحْيَاءِ لُغَةً وَشَرِيعَةً وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْأَرْضِ وَتَفْسِيرُ الْإِحْيَاءِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ إحْيَاءَ الْأَرْضِ لَا يَكُونُ بِالسَّقْيِ وَالْكِرَابِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْبَذْرِ وَالزِّرَاعَةِ حَتَّى لَوْ كَرِيهًا وَلَمْ يَسْقِ أَوْ سَقَى وَلَمْ يَكْرُبْ لَمْ يَكُنْ إحْيَاءٌ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذَا حَفَرَ لَهَا النَّهْرَ وَسَقَاهَا يَكُونُ إحْيَاءٌ وَكَذَا إذَا حَوَّطَهَا أَوْ سَنَّمَهَا بِحَيْثُ يَنْعَصِمُ الْمَاءُ يَكُونُ إحْيَاءٌ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ﵀ (قَوْلُهُ وَبَعُدَتْ مِنْ الْعَامِرِ) هُوَ الْمُخْتَارُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَنْ لَا يَرْتَفِقَ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا وَجْهُ الْمُخْتَارِ تَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِهِ حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةً فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُحْتَطِبًا لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: مَلَكَهَا مُحْيِيهَا) أَيْ وَيَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْخَرَاجُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ وَضْعٍ فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَلِيقُ بِهِ وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ اُعْتُبِرَ بِهِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: قَالُوا هَذَا دِيَانَةٌ) يَقْتَضِي الْخِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ
стр. 306
لِمَعْمُورٍ) ، فَإِنْ جَازَ عَوْدُهُ لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَائِمٌ فِيهِ.
(أَحْيَا مَوَاتًا ثُمَّ أَحَاطَ الْأَحْيَاءَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ بِالتَّعَاقُبِ فَطَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي) الْأَرْضِ (الرَّابِعَةِ) عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ صَارَ الْبَاقِي طَرِيقًا لَهُ فَإِذَا أَحْيَاهُ الرَّابِعُ فَقَدْ أَحْيَا طَرِيقَهُ بِحَسْبِ الْمَعْنَى فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ طَرِيقٌ.
(حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ بِالْإِذْنِ فَلَهُ حَرِيمُهَا لِلْعَطِنِ) وَهُوَ بِئْرٌ يُنَاخُ الْإِبِلُ حَوْلَهَا وَتُسْقَى (وَالنَّاضِحُ) وَهُوَ بِئْرٌ يُسْتَخْرَجُ مَاؤُهَا بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِ (أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) إنَّمَا قَالَ (فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ أَرْبَعُونَ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ (وَلِلْعَيْنِ خَمْسُمِائَةٍ كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ» وَلِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَمِنْ حَوْضٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي مِنْهُ إلَى الْمَزْرَعَةِ فَلِهَذَا يُقَدَّرُ بِالزِّيَادَةِ وَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسِمِائَةٍ بِالتَّوْقِيفِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (وَمُنِعَ غَيْرُهُ مِنْ الْحَفْرِ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَرِيمِ لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْبِئْرِ ضَرُورَةَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَإِنْ حَفَرَ فَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَسُدَّهُ وَلَا يَضْمَنُهُ النُّقْصَانَ وَأَنْ يَأْخُذَ بِكَبْسِ مَا احْتَفَرَهُ لِأَنَّ إزَالَةَ جِنَايَةِ حَفْرِهِ بِهِ كَمَا فِي كُنَاسَةٍ يُلْقِيهَا فِي دَارِ غَيْرِهِ يُؤْخَذُ بِرَفْعِهَا وَقِيلَ يَضْمَنُهُ النُّقْصَانَ ثُمَّ يَكْسِبُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا إذَا هَدَمَ جِدَارَ غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (وَإِنْ حَفَرَ الثَّانِي) بِئْرًا بِأَمْرِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ حَرِيمِ الْأَوَّلِ قَرِيبَةً مِنْهُ فَذَهَبَ مَاءُ بِئْرِ الْأُولَى وَعُرِفَ أَنَّ ذَهَابَهُ مِنْ حَفْرِ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ وَالْمَاءُ تَحْتَ الْأَرْضِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِي تَحْوِيلِ مَاءِ بِئْرِهِ إلَى بِئْرِ الثَّانِي كَالتَّاجِرِ إذَا كَانَ لَهُ حَانُوتٌ فَاِتَّخَذَ آخَرُ بِجَنْبِهِ حَانُوتًا لِمِثْلِ تِلْكَ التِّجَارَةِ فَكَسَدَتْ تِجَارَةُ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الثَّانِيَ، كَذَا فِي الْكَافِي (وَلَهُ) أَيْ لِلَّذِي حَفَرَ بِئْرًا فِيمَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ مُتَّصِلًا بِحَرِيمِ الْبِئْرِ الْأُولَى (الْحَرِيمُ مِنْ ثَلَاثِ جَوَانِبَ سِوَى جَانِبِ الْأَوَّلِ) لِسَبْقِ مِلْكِ الْحَافِرِ الْأَوَّلِ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِ حَفَرَ بَعِيدًا مِنْ حَرِيمِ الْبِئْرِ الْأُولَى.
(وَلِلْقَنَاةِ حَرِيمٌ قَدْرَ مَا يُصْلِحُهَا) الْقَنَاةُ مَجْرَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَمْ يُقَدَّرْ حَرِيمُهُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ وَقِيلَ هَذَا عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا حَرِيمَ لَهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (وَلَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ إلَّا بِحُجَّةٍ) يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَقَالَا لَهُ مُسْنَاةٌ لِلنَّهْرِ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَرِيمٌ إلَّا بِحُجَّةٍ (فَمُسْنَاةٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ (بَيْنَ نَهْرِ رَجُلٍ) صِفَةُ مُسْنَاةٍ (وَأَرْضٍ لِآخَرَ وَلَيْسَتْ) تِلْكَ الْمُسْنَاةُ (فِي يَدِ أَحَدٍ) أَيْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا غَرْسٌ أَوْ طِينٌ مُلْقًى تَكُونُ تِلْكَ الْمُسَنَّاةُ (لِصَاحِبِ الْأَرْضِ) أَمَّا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَصَاحِبُ الشُّغْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ.
(فَصْلٌ)
اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا الشِّرْبُ وَالثَّانِي الشَّفَةُ وَقَدْ خُلِطَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُتُبِ وَمُيِّزَ هَاهُنَا فَبَيَّنَ أَوَّلًا الشِّرْبَ وَأَحْكَامَهُ ثُمَّ الشَّفَةَ وَأَحْكَامَهَا حَيْثُ قَالَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
جَزَمَ بِهِ فِي الِاخْتِيَارِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ
[أَحْيَا مَوَاتًا ثُمَّ أَحَاطَ الْأَحْيَاءَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ بِالتَّعَاقُبِ]
(قَوْلُهُ: أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ إذَا كَانَ عُمْقُ الْبِئْرِ زَائِدًا عَلَى أَرْبَعِينَ يُزَادُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ إلَّا بِحُجَّةٍ. . . إلَخْ) أُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ النَّهْرِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنْ الْكِفَايَةِ الِاخْتِلَافُ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ لَا يُحْتَاجُ إلَى كَرْيِهِ فِي كُلِّ حِينٍ أَمَّا الْأَنْهَارُ الصِّغَارُ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى كَرْيِهَا فِي كُلِّ حِينٍ فَلَهَا حَرِيمٌ بِالِاتِّفَاقِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَا لَهُ مُسْنَاةٌ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ثُمَّ عَقَبَهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَّلَهُ الشَّارِحُ بِمَا نَصُّهُ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ لِلنَّهْرِ حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ لِضَرُورَةِ الِاحْتِيَاجِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الِاخْتِيَارِ. اهـ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ لَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الْحَرِيمِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي رِوَايَةٍ يُقَدِّرُ أَبُو يُوسُفَ الْحَرِيمَ بِنِصْفِ عَرْضِ النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ؛ لِأَنَّ طِينَهُ يُلْقَى مِنْ جَانِبَيْهِ فَيُقْسَمُ عَرْضُهُ عَلَيْهِمَا وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ عَرْضِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ إلْقَاءُ الطِّينِ مِنْ جَانِبَيْهِ جَمِيعًا فَيُقَدَّرُ بِعَرْضِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. اهـ. .
[فَصْلٌ الْمَاءَ نَوْعَانِ]
(فَصْلٌ)
стр. 307
(الشِّرْبُ نَصِيبُ الْمَاءِ يَشْتَرِكُ الْكُلُّ فِي مَاءِ أَوْدِيَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَدِجْلَةَ) وَنَحْوِهَا (فِي عُمُومِ الْمَنَافِعِ كَكَرْيِ نَهْرٍ وَنَصْبِ رَحًى) إذَا كَانَ فِي أَرْضِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ (بِلَا ضَرَرِ الْعَامَّةِ) فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي الْأَصْلِ لَكِنْ إنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَمِيلَ الْمَاءُ إلَى هَذَا الْجَانِبِ إذَا انْكَسَرَ طَرَفُ النَّهْرِ فَيُغْرِقَ الْقُرَى وَالْأَرَاضِيَ (صَحَّ دَعْوَاهُ) أَيْ شِرْبُ الْمُجَرَّدِ (بِلَا أَرْضٍ) اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ قَدْ يُمْلَكُ بِدُونِهَا إرْثًا وَقَدْ تُبَاعُ الْأَرْضُ وَيَبْقَى الشِّرْبُ لَهُ وَهُوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ (وَقَسَمَ) الشِّرْبَ (بِقَدْرِ الْأَرَاضِيِ قَوْمٌ اخْتَصَمُوا فِيهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَاخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ أَصْلُ الشِّرْبِ بَيْنَهُمْ كَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِفَاعُ بِسَقْيِهَا فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطَرُّقُ وَهُوَ فِي الدَّارِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ (وَمُنِعَ الْأَعْلَى مِنْهُمْ مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ) أَيْ سَدِّهِ (بِلَا رِضَاهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَبْ مِنْهُ) أَيْ النَّهْرِ (بِدُونِهِ) أَيْ السَّكْرِ يَعْنِي إنْ كَانَ الْأَعْلَى مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَسْكُرَ النَّهْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْبَاقِينَ، فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ الْأَعْلَى حَتَّى يَشْرَبَ بِحِصَّتِهِ أَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ (وَكُلٌّ مِنْهُمْ) عَطْفٌ عَلَى الْأَعْلَى أَيْ مُنِعَ كُلٌّ مِنْهُمْ (مِنْ شَقِّ نَهْرٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَصْلِ النَّهْرِ (وَنَصْبِ رَحًى أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ جِسْرٍ عَلَيْهِ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ طَرَفِ النَّهْرِ وَشَغْلَ مَوْضِعٍ مُشْتَرَكٍ بِالْبِنَاءِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ (رَحًى نُصِبَ فِي مِلْكِهِ غَيْرُ مُضِرٍّ بِالنَّهْرِ وَالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَلَا ضَرَرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
. (وَ) مُنِعَ (مِنْ تَوْسِيعِ فَمِ النَّهْرِ) أَيْ نَهْرِهِ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ طَرَفَ أَصْلِ النَّهْرِ وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ الْمَاءِ.
(وَ) مُنِعَ أَيْضًا (مِنْ الْقِسْمَةِ بِالْأَيَّامِ وَقَدْ كَانَتْ بِالْكِوَى) بِكَسْرِ الْكَافِ جَمْعُ كَوَّةٍ بِفَتْحِهَا وَقَدْ يُضَمُّ الْكَافُ فِي الْمُفْرَدِ فَالْجَمْعُ كُوًى كَعُرْوَةٍ وَعُرًى وَهِيَ رَوَازِنُ الْبَيْتِ اُسْتُعِيرَتْ لِلثُّقَبِ الَّتِي تُثْقَبُ فِي الْخَشَبِ لِيَجْرِيَ الْمَاءُ فِيهِ إلَى الْمَزَارِعِ أَوْ الْجَدَاوِلِ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْقَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ.
. (وَ) مُنِعَ أَيْضًا (مِنْ سَوْقِ شِرْبِهِ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى لَيْسَ لَهَا مِنْهُ شِرْبٌ) لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَقُّهُ.
(وَيُورَثُ وَيُوصَى بِنَفْعِهِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُؤَجَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ وَلَا يُجْعَلُ مَهْرًا وَبَدَلَ خُلْعٍ وَصُلْحٍ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَرَثَةَ خُلَفَاءُ الْمَيِّتِ فَيَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي حُقُوقِ الْمَيِّتِ وَأَمْلَاكِهِ وَجَازَ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ كَالدَّيْنِ وَالْقِصَاصِ وَالْخَمْرِ، فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْإِرْثِ وَكَذَا الشِّرْبُ وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِنَفْسِ الشِّرْبِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ أَوْ لِلْجَهَالَةِ أَوْ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْحَالِ أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَ عَلَى شِرْبٍ بِغَيْرِ أَرْضٍ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَا شِرْبَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ بِدُونِ الْأَرْضِ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً فَلَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ.
(وَلَا يَضْمَنُ مَنْ مَلَأَ أَرْضَهُ فَنَزَلَتْ أَرْضَ جَارِهِ أَوْ غَرِقَتْ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ، فَإِنَّ فِعْلَهُ فِي أَرْضِهِ مُبَاحٌ فَلَا يَضْمَنُ قَالُوا هَذَا إذَا سَقَى أَرْضَهُ سَقْيًا مُعْتَادًا تَحْتَمِلُهُ أَرْضُهُ عَادَةً، وَأَمَّا إذَا سَقَى سَقْيًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: كَدِجْلَةَ) الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّمْثِيلِ
стр. 308
لَا تَحْتَمِلُهُ فَيَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَجْرَى الْمَاءَ إلَى أَرْضِ جَارِهِ تَقْدِيرًا، كَذَا فِي الْكَافِي (وَلَا) يَضْمَنُ أَيْضًا (مَنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ فِي رِوَايَةٍ) وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ. (وَفِي) رِوَايَةٍ (أُخْرَى يَضْمَنُ) وَهُوَ مُخْتَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي (كُرِيَ نَهْرٌ لَمْ يُمْلَكْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَةِ الْعَامَّةِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ (فَعَلَى الْعَامَّةِ) وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ لِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا وَفِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ (وَكُرِيَ) النَّهْرُ (الْمَمْلُوكُ عَلَى أَهْلِهِ) النَّهْرُ الْمَمْلُوكُ الَّذِي دَخَلَ مَاؤُهُ تَحْتَ الْقِسْمَةِ إمَّا عَامٌّ وَإِمَّا خَاصٌّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِهِ الشُّفْعَةَ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا فَهُوَ خَاصٌّ وَمَا لَا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ فَعَامٌّ وَكَرْيُهُمَا عَلَى أَهْلِهِمَا لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَعُودُ إلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ فَيَكُونُ مُؤْنَةُ الْكِرَى عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغَنْمِ.
[الشَّفَةِ وَأَحْكَامِهَا]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الشِّرْبِ وَأَحْكَامِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الشَّفَةِ وَأَحْكَامِهَا فَقَالَ (وَالشَّفَةُ شِرْبُ بَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ وَلِكُلٍّ) مِنْ بَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ (حَقُّهَا) أَيْ حَقُّ الشَّفَةِ (فِي كُلِّ مَاءٍ لَمْ يُحْرَزْ بِطَرَفٍ فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا) أَيْ الشَّفَةِ (فَقَطْ) أَيْ بِلَا اشْتِرَاكٍ لَهُمْ فِي الشِّرْبِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الشِّرْبَ وَالشَّفَةَ ثُمَّ خُصَّ مِنْهُ الشِّرْبُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَاءِ فِي الْمُقَاسِمِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الشَّفَةُ وَلِأَنَّ الْبِئْرَ وَنَحْوَهَا لَمْ تُوضَعْ لِلْإِحْرَازِ وَالْمُبَاحُ لَا يُمْلَكُ بِدُونِهِ كَالظَّبْيِ إذَا تَكَنَّسَ فِي أَرْضِهِ (فِي أَنْهَارٍ مَمْلُوكَةٍ بِئْرٍ وَحَوْضٍ وَقَنَاةٍ) وَلَمَّا كَانَتْ الشَّفَةُ مُتَنَاوِلَةً لِشُرْبِ الدَّوَابِّ وَكَانَ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهَا مُقْتَضِيًا لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ سَقْيِ الدَّوَابِّ مِنْ هَذِهِ الْمِيَاهِ اسْتَدْرَكَهُ بِقَوْلِهِ (لَكِنْ لَا يَسْقِي دَوَابَّهُ مِنْ نَهْرِ غَيْرِهِ إنْ خِيفَ تَخْرِيبُهُ لِكَثْرَتِهَا) أَيْ الدَّوَابِّ (وَلَا) يَسْقِي (أَرْضَهُ وَشَجَرَهُ مِنْهُ وَمِنْ قَنَاتِهِ وَبِئْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَيَسْقِي شَجَرًا أَوْ خُضَرًا فِي دَارِهِ حَمْلًا بِجِرَارِهِ) فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ بَلْخِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ النَّهْرِ (طَالِبُ الشَّفَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي مِلْكِ شَخْصٍ خَلَاهُ) أَيْ أَذِنَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الطَّالِبَ لِيَأْخُذَهُ (أَوْ أَخْرَجَهُ إلَيْهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْبِئْرُ أَوْ الْعَيْنُ أَوْ الْحَوْضُ أَوْ النَّهْرُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنْ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ إذَا كَانَ يَجِدُ مَاءً آخَرَ يَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قِيلَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ: إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الشَّفَةَ أَوْ تَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ. وَإِنَّمَا قَالَ فِي مِلْكِ شَخْصٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا احْتَفَرَ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ كَانَ مُشْتَرَكًا وَالْحَفْرُ لِإِحْيَاءِ حَقٍّ مُشْتَرَكٍ فَلَا يُقْطَعُ الشَّرِكَةُ فِي الشَّفَةِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) صَاحِبُ الْمَاءِ (عَنْهُمَا) أَيْ التَّخْلِيَةِ وَالْإِخْرَاجِ وَطَالِبُ الْمَاءِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ (قَاتَلَهُ بِالسِّلَاحِ) لِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَهُ بِمَنْعِهِ حَقَّهُ وَهُوَ الشَّفَةُ وَالْمَاءُ فِي الْبِئْرِ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
(وَفِي مَاءٍ مُحْرَزٍ) فِي الْإِنَاءِ وَنَحْوِهِ قَاتَلَهُ (بِلَا سِلَاحٍ) بَلْ بِعَصًا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ التَّعْزِيرِ لَهُ (كَطَعَامٍ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ) ، فَإِنَّ لِطَالِبِهِ أَنْ يُخَاصِمَ بِلَا سِلَاحٍ. .
[كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَقَبَهَا بِهَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّ مَسَائِلَهُ تُنَاسِبُهَا بَعْضُهَا تَنَاسُبَ التَّضَادِّ وَبَعْضُهَا تَنَاسُبَ التَّجَانُسِ (مَا كُرِهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ) فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْكَرَاهَةَ فِي كُتُبِهِ أَرَادَ بِهِ الْحَرَامَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ) جَمَعَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بَيْنَ هَاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ لِلْكِتَابِ وَغَيْرُهُ أَفْرَدَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهُ كِتَابَ الْحَظْرِ وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهُ كِتَابَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، أَمَّا التَّسْمِيَةُ بِالْكَرَاهِيَةِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَمَا لَا يُكْرَهُ وَبَيَانُ الْمَكْرُوهِ أَهَمُّ لِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ بِالْحَظْرِ فَلِأَنَّ فِيهِ مَا مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا وَالْحَظْرُ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أَيْ مَا كَانَ رِزْقُ رَبِّكَ مَحْبُوسًا عَنْ الْبِرِّ وَالْفَاجِرُ وَالْمَحْظُورُ ضِدُّ الْمُبَاحِ وَالْمُبَاحُ مَا خُيِّرَ الْمُكَلَّفُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِالِاسْتِحْسَانِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَقَبَّحَهُ وَلَفْظَةُ الِاسْتِحْسَانِ أَحْسَنُ أَوْ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَسَائِلِهِ اسْتِحْسَانٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ فَلِأَنَّ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ أَطْلَقَهَا الشَّرْعُ وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ تَرَكَهَا، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَالْجَوْهَرَةِ.
стр. 309
(وَعِنْدَهُمَا إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ) فَنِسْبَتُهُ إلَى الْحَرَامِ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَرْضِ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فَإِلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ
(فَصْلٌ) . (فُرِضَ الْأَكْلُ بِقَدْرِ دَفْعِ الْهَلَاكِ وَاسْتُحِبَّ بِقَدْرِ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا وَصَوْمِهِ وَأُبِيحَ إلَى الشِّبَعِ لِيَزِيدَ قُوتُهُ وَحَرُمَ مَا فَوْقَهُ إلَّا لِقَصْدِ قُوَّةِ صَوْمِ الْغَدِ أَوْ دَفْعِ اسْتِحْيَاءِ ضَيْفِهِ وَكُرِهَ لَحْمُ الْأَتَانِ وَلَبَنُهَا) وَهِيَ أُنْثَى الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَصَارَ مِثْلَهُ، بِخِلَافِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ، فَإِنَّهُ وَلَبَنَهُ حَلَالٌ وَلَمْ يَقُلْ حَرُمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافَ مَالِكٍ (كَذَا لَحْمُ الْخَيْلِ وَلَبَنُهُ) مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (خِلَافًا لَهُمَا وَحَرُمَ بَوْلُ الْإِبِلِ وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ وَإِدْهَانٌ وَتَطَيُّبٌ مِنْ إنَاءٍ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) قِيلَ: صُورَةُ الْإِدْهَانِ أَنْ يَأْخُذَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَصُبَّ الدُّهْنَ عَلَى الرَّأْسِ أَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا وَأَخَذَ الدُّهْنَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ فَلَا يُكْرَهُ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْرَهَ إذَا أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِمِلْعَقَةٍ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وَكَذَا لَوْ أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَكَلَهُ مِنْهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ ثُمَّ قِيلَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ بَابُ اسْتِعْمَالِهَا أَقُولُ مَنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ مَعْنَى عِبَارَةِ الْمَشَايِخِ وَعَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِهِمْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مِنْ فِي قَوْلِهِمْ مِنْ إنَاءٍ ذَهَبٍ ابْتِدَائِيَّةٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْأَوَانِيَ الْمَصْنُوعَةَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا صُنِعَتْ لَهُ بِحَسْبِ مُتَعَارَفِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْأَوَانِيَ الْكَبِيرَةَ الْمَصْنُوعَةَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَجْلِ أَكْلِ الطَّعَامِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا أُكِلَ الطَّعَامُ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوْ الْمِلْعَقَةِ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِأَجْلِ ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوْ الْمِلْعَقَةِ فِي الْعُرْفِ، وَأَمَّا إذَا أُخِذَ مِنْهَا وَوُضِعَ فِي مَوْضِعٍ مُبَاحٍ فَأُكِلَ مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ لِانْتِفَاءِ ابْتِدَاءِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهَا وَكَذَا فِي الْأَوَانِي الصَّغِيرَةِ الْمَصْنُوعَةِ لِأَجْلِ الْإِدْهَانِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا إذَا أُخِذَتْ وَصُبَّ مِنْهَا الدُّهْنُ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا صُنِعَتْ لِأَجْلِ الْإِدْهَانِ مِنْهَا بِذَلِكَ الْوَجْهِ، وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا وَأَخَذَ الدُّهْنَ وَصَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاعِ ابْتِدَاءِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهَا فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَعَارَفِ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ وَالسَّرِيرِ الْمُفَضَّضِ مَعَ مُلَاحَظَةِ قَوْلِهِمْ مُتَّقِيًا مَوْضِعَ الْفِضَّةِ فَتَدَبَّرْ (كَذَا الْأَكْلُ بِمِلْعَقَتِهِمَا وَالِاكْتِحَالُ بِمَيْلِهِمَا وَنَحْوُهُمَا) مِنْ الِاسْتِعْمَالَاتِ.
(وَحَلَّ) الْأَكْلُ (مِنْ إنَاءٍ رَصَاصٍ وَزُجَاجٍ وَبِلَّوْرٍ وَعَقِيقٍ، وَ) إنَاءٍ (مُفَضَّضٍ، وَ) حَلَّ (جُلُوسُهُ عَلَى) سَرِيرٍ وَسَرْجٍ (مُفَضَّضٍ مُتَّقِيًا مَوْضِعَ الْفِضَّةِ) ، فَإِنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ وَالْجُلُوسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَوْ السَّرِيرِ أَوْ السَّرْجِ أَوْ نَحْوِهِ مُفَضَّضًا إنَّمَا يَحِلُّ إذَا اتَّقَى مَوْضِعَ الْفِضَّةِ بِأَنْ لَا تَكُونَ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الْفَمِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَفِي مَوْضِعِ الْيَدِ عِنْدَ الْأَخْذِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[فَصْلٌ الْأَكْلُ بِقَدْرِ دَفْعِ الْهَلَاكِ]
(فَصْلٌ) .
(قَوْلُهُ: فُرِضَ الْأَكْلُ بِقَدْرِ دَفْعِ الْهَلَاكِ) أَيْ وَكَذَا الشُّرْبُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَمَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَفِي إطْلَاقِ الْأَكْلِ إشَارَةٌ إلَى فَرْضِيَّةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمَالِ الْغَيْرِ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ وَإِنْ ضَمِنَ مَالَ الْغَيْرِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِي الِاخْتِيَارِ قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فِيهِ فَإِنْ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ بِقَدْرِ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا وَصَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» وَلِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِمَا يَقْوَى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ وَسُئِلَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ الصَّلَاةُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ إشَارَةً إلَى مَا قُلْنَا كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ وَأُبِيحَ إلَى الشِّبَعِ) أَيْ مِنْ حِلٍّ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُبَاحَ لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ فِيهِ وَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ حِسَابًا يَسِيرًا كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَالِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ مَا فَوْقَهُ إلَّا. . . إلَخْ) كَذَا لَا بَأْسَ بِالزَّائِدِ لِيَتَقَيَّأَ بِهِ كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ يَأْكُلُ أَلْوَانَ الطَّعَامِ وَيَتَقَيَّأُ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَاضِي خَانْ فَلَا حَصْرَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِذَا أَكَلَتْ الْمَرْأَةُ الْفَتِيتَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السِّمَنِ قَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ تَأْكُلْ فَوْقَ الشِّبَعِ، كَذَا فِي قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ بَوْلُ الْإِبِلِ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَكُرِهَ كَمَا قَالَ فِي لَحْمِ الْأَتَانِ لِلْخِلَافِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: كَذَا الْأَكْلُ بِمِلْعَقَتِهِمَا) مُسْتَفَادٌ حُكْمُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ وَإِدْهَانٌ وَتَطَيُّبٌ مِنْ إنَاءٍ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ ﷺ مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءِ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ فَكَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وَالنَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي الشُّرْبِ فَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ لِاسْتِوَاءِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْجَامِعُ أَنَّهُ زِيُّ الْمُتَكَبِّرِينَ وَتَنَعُّمُ الْمُتْرَفِينَ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَعُمُّ الْكُلَّ وَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِعُمُومِ النَّهْيِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ
[الْأَكْلُ مِنْ إنَاءٍ رَصَاصٍ وَزُجَاجٍ وَبِلَّوْرٍ وَعَقِيقٍ وَإِنَاءٍ مُفَضَّضٍ]
(قَوْلُهُ بِأَنْ لَا تَكُونَ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الْفَمِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَفِي مَوْضِعِ الْيَدِ عِنْدَ الْأَخْذِ) الْقَوْلُ بِحُرْمَةِ
стр. 310
وَفِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ عَلَى السَّرِيرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَّقِ مَوْضِعَهَا وَكَذَا الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَالْكُرْسِيُّ الْمُضَبَّبُ بِأَحَدِهِمَا هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ كُلُّهُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يُرْوَى مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُرْوَى مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا تَخَلَّصَ، وَأَمَّا الْمُمَوَّهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ الدَّوَانِقِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَئِمَّةُ الْعَصْرِ حَاضِرُونَ فَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ يُكْرَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ سَاكِتٌ فَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فَقَالَ إنْ وَضَعَ فَاهُ مَوْضِعَ الْفِضَّةِ يُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا فَقِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ فِضَّةٌ فَشَرِبَ مِنْ كَفِّهِ أَيُكْرَهُ ذَلِكَ فَوَقَفَ الْكُلُّ فَتَعَجَّبَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ جَوَابِهِ وَهَذَا الْجَوَابُ أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا.
(وَقَبِلَ قَوْلُ كَافِرٍ وَلَوْ) كَانَ (مَجُوسِيًّا شَرَيْت اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَحَلَّ أَوْ) شَرَيْته (مِنْ مَجُوسِيٍّ فَحَرُمَ) قَالَ فِي الْكَنْزِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ الدِّيَانَاتِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الدِّيَانَاتِ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ خَاصَّةً لِلضَّرُورَةِ أَقُولُ لَيْسَ السَّاهِي صَاحِبَ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ مَا يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الْمُعَامَلَاتِ لَا مُطْلَقُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ كَمَا تُوُهِّمَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَافِي وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَجِيرٌ مَجُوسِيٌّ أَوْ خَادِمٌ مَجُوسِيٌّ فَأَرْسَلَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ لَحْمًا فَاشْتَرَى وَقَالَ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ وَسِعَهُ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ أَكْلُهُ ثُمَّ قَالَ وَأَصْلُهُ أَنَّ خَبَرَ الْكَافِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ مَانِعٍ مِنْ الْكَذِبِ وَمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى قَبُولِهِ لِكَثْرَةِ الْمُعَامَلَاتِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا وَالْعَجَبُ أَنَّهُ بَعْدَمَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ نَقَلَ مَحْصُولَ كَلَامِ الْكَافِي وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ الِاعْتِرَاضِ أَرَادَ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ مَا يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الْمُعَامَلَاتِ وَيُجْعَلُ كَلَامُ الْكَافِي قَرِينَةً عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. .
. (وَ) قُبِلَ (قَوْلُ فَرْدٍ، وَلَوْ كَافِرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا فِي الْمُعَامَلَاتِ) لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بَيْنَ أَجْنَاسِ النَّاسِ فَلَوْ شُرِطَ شَرْطٌ زَائِدٌ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(وَ) فِي (التَّوْكِيلِ) بِأَنْ أَخْبَرَ أَنِّي وَكِيلُ فُلَانٍ فِي بَيْعِ هَذَا حَيْثُ يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُ.
. (وَ) قُبِلَ (قَوْلُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ) كَمَا إذَا جَاءَ بِهَدِيَّةٍ وَقَالَ أَهْدَى إلَيْك فُلَانٌ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ يَحِلُّ قَبُولُهُ مِنْهُ أَوْ قَالَ أَنَا مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ (وَشُرِطَ الْعَدْلُ فِي الدِّيَانَاتِ) الْمَحْضَةِ (كَالْخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِهَا مُسْلِمٌ عَدْلٌ، وَلَوْ عَبْدًا قُبِلَ) قَوْلُهُ (وَتَيَمَّمَ) السَّائِلُ (أَوْ) أَخْبَرَ بِهَا (فَاسِقٌ أَوْ مَسْتُورٌ تَحَرَّى) وَعَمِلَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ (فَالْأَحْوَطُ الْإِرَاقَةُ فَالتَّيَمُّمُ فِي غَلَبَةِ صِدْقِهِ وَالتَّوَضُّؤُ وَالتَّيَمُّمُ فِي غَلَبَةِ كَذِبِهِ) رَجُلٌ.
(دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ وَعَلِمَهُ لَمْ يَحْضُرْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ حُضُورِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدٍ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ مَنَعَ وَإِلَّا خَرَجَ أَلْبَتَّةَ وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُقْتَدِي (إنْ قَعَدَ وَأَكَلَ جَازَ) فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَى سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا تُتْرَكُ لِاقْتِرَانِ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُتْرَكُ لِأَجْلِ النَّائِحَةِ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
تَلَقِّيه بِالْيَدِ ضَعِيفٌ لِمَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ يَجُوزُ الشُّرْبُ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ إذَا كَانَ يَتَّقِي فَمُهُ مَوْضِعَ الْفِضَّةِ وَقِيلَ يَتَّقِي أَخْذَهُ بِالْيَدِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَفِي التَّوْكِيلِ) ظَاهِرُ عَطْفِهِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ مُغَايَرَتُهُ لَهَا وَهُوَ فَرْدٌ مِنْهَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ يُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلُ الْفَاسِقِ مِثْلَ الْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَهَذَا إذَا غَلَبَ عَلَى الرَّأْيِ صِدْقُهُ أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ كَذِبُهُ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالْخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ) كَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُرَدُّ بِقَوْلِهِ عَلَى بَائِعِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
[دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ وَعَلِمَهُ]
(قَوْلُهُ: دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ وَعَلِمَهُ لَمْ يَحْضُرْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُقْتَدٍ أَوْ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ الْمُقْتَدِي إنْ قَعَدَ وَأَكَلَ جَازَ) هَذَا إذَا كَانَ الْغِنَاءُ وَاللَّعِبُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ لَا عَلَى الْمَائِدَةِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] .
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ. . . إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُقْتَدٍ وَلَمْ يَكُنْ اللَّهْوُ عَلَى الْمَائِدَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَبْلَ حُضُورِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَةُ الدَّعْوَةِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ وَفِي جُلُوسِ الْمُقْتَدَى بِهِ فَتْحُ بَابِ مَعْصِيَةٍ وَشَيْنُ الدِّينِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْكَافِي.
стр. 311
(فَصْلٌ) . (لَا يَلْبَسُ رَجُلٌ حَرِيرًا إلَّا قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ عَرْضًا وَعِنْدَهُمَا حَلَّ فِي الْحَرْبِ وَيَتَوَسَّدُهُ وَيَفْتَرِشُهُ وَيَلْبَسُ مَا سَدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُهُ) ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ وَهُوَ مُسْدًى بِالْحَرِيرِ وَلِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِآخِرِ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ وَالنَّسْجِ بِاللُّحْمَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةَ لَا السُّدِّيَّ.
(وَ) يَلْبَسُ (عَكْسَهُ فِي الْحَرْبِ فَقَطْ) لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا لِانْعِدَامِهَا (فَلَا يَتَحَلَّى) أَيْ لَا يَتَزَيَّنُ الرَّجُلُ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَّا بِخَاتَمٍ وَمِنْطَقَةٍ وَحِلْيَةِ سَيْفٍ مِنْهَا) أَيْ الْفِضَّةِ لَا الذَّهَبِ (وَمِسْمَارٍ ذَهَبٍ لِثَقْبِ فَصٍّ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ وَلَا يُعَدُّ لُبْسًا لَهُ (وَحَلَّ لِلْمَرْأَةِ كُلُّهَا) لِمَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵃ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَبِإِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَبِالْأُخْرَى ذَهَبٌ وَقَالَ هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ» وَيُرْوَى حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ (وَلَا يُتَخَتَّمُ بِالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ) أَمَّا الْحَدِيدُ «فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى رَجُلٍ خَاتَمَ حَدِيدٍ فَقَالَ مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَأَمَرَهُ فَرَمَى بِهِ» ، وَأَمَّا الصُّفْرُ «فَلِأَنَّهُ ﷺ رَأَى عَلَى رَجُلٍ خَاتَمَ صُفْرٍ فَقَالَ مَا لِي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ فَأَمَرَهُ فَرَمَى بِهِ» (وَاخْتُلِفَ فِي الْحَجَرِ وَالْيَشْبِ) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُتَخَتَّمُ إلَّا بِالْفِضَّةِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ الْيَشْبَ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْعَقِيقِ، فَإِنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِالْعَقِيقِ وَقَالَ تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ، فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ أَقُولُ يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَ تِلْكَ الْعِبَارَةِ نَصًّا عَلَى مَا ذَكَرَاهُ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ التَّخَتُّمِ بِالْحَجَرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا صُفْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ» وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ التَّخَتُّمِ بِالْحَجَرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا صُفْرٍ بَلْ هُوَ حَجَرٌ «وَعَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[فَصْلٌ لبَسُ الرَّجُلُ لِلْحَرِيرِ]
فَصْلٌ) .
(قَوْلُهُ: لَا يَلْبَسُ رَجُلٌ حَرِيرًا) كَذَا الْمَصْبُوغُ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ عُصْفُرٍ أَوْ وَرْسٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلرِّجَالِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ يُكْرَهُ الْأَحْمَرُ وَالْمُعَصْفَرُ لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ» . اهـ. ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً (قُلْت) وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى إرَادَةِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ أَوْ التَّكَبُّرِ وَتَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَحِلُّ لُبْسُ الْأَحْمَرِ وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ» وَتَأْوِيلُهَا بِذَاتِ الْخُطُوطِ مَرْدُودٌ وَلِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْمُثْبِتِ حِلَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِأَخْذِهِ عَامٌّ وَحُكْمُ الْعَامِّ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ وَلَنَا رِسَالَةٌ هِيَ تُحْفَةُ الْأَكْمَلِ الْمَصْدَرِ لِبَيَانِ جَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ (قَوْلُهُ إلَّا قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ عَرْضًا) أَيْ مَضْمُومَةً، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ لَيِّنَةُ الْحَرِيرِ أَيْ الْقَلْبِ وَتِكَّةُ الدِّيبَاجِ وَالْإِبْرَيْسَمُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ تَامٌّ وَكَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا حَلَّ فِي الْحَرْبِ) هَذَا إذَا كَانَ صَفِيقًا يَحْصُلُ بِهِ اتِّقَاءُ الْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ أَمَّا إذَا كَانَ رَقِيقًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقَاءُ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْهِدَايَةِ يُفِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ عِنْدَهُمَا لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فَإِنَّ الْخَالِصَ مِنْهُ أَدْفَعُ لِمَضَرَّةِ السِّلَاحِ وَأَهْيَبُ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لِبَرِيقِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَوَسَّدُ بِهِ وَيَفْتَرِشُهُ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَتَوَسُّدُ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ وَجَعْلُهُ سِتْرًا حَلَالٌ عِنْدَنَا وَحَرَّمَاهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
(قُلْت) هَذَا التَّصْحِيحُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ الْمُعْتَبَرَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالشُّرُوحُ.
(قَوْلُهُ: وَيَلْبَسُ مَا سَدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُهُ) لَكِنَّهُ يَكْرَهُ مَا سَدَاهُ ظَاهِرٌ كَالْعَتَّابِيِّ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ، كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ سَوَّى بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ وَمَا كَانَتْ سَدَاهُ ظَاهِرًا كَالْعَتَّابِيِّ قِيلَ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ لَابِسَهُ فِي مَنْظَرِ الْعَيْنِ لَابِسُ حَرِيرٍ وَفِيهِ خُيَلَاءُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ اعْتِبَارًا بِاللُّحْمَةِ (قَوْلُهُ إلَّا بِخَاتَمِ فِضَّةٍ) وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَهُ وَيُجْعَلُ فِي خِنْصَرِ الْيُسْرَى وَفَصُّهُ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ، بِخِلَافِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِلزِّينَةِ فِي حَقِّهِنَّ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فَصُّهُ عَقِيقًا أَوْ فَيْرُوزَجَ أَوْ يَاقُوتًا وَنَحْوَهُ وَأَنْ يَنْقُشَ عَلَيْهِ اسْمَهُ أَوْ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِتَعَامُلِ النَّاسِ، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ اجْعَلْهَا فِي يَمِينِك» فَمَنْسُوخٌ، وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِلْبَغْيِ وَالْفَسَادِ وَالْحَلْقَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ وَلَوْ كَانَ خَاتَمُ الْفِضَّةِ كَهَيْئَةِ خَاتَمِ النِّسَاءِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ فَصَّانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ. اهـ. مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَحِلْيَةُ السَّيْفِ مِنْهَا) أَيْ الْفِضَّةِ وَحَمَائِلُ السَّيْفِ مِنْ جُمْلَةِ حِلْيَتِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَحْرُمُ الرِّكَابُ وَاللِّجَامُ مِنْ الْفِضَّةِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُتَخَتَّمُ بِالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ) أَيْ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ
стр. 312
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ» ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ نَصٌّ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَصْرِ فِي قَوْلِهِ لَا يُتَخَتَّمُ إلَّا بِالْفِضَّةِ الْقَصْرُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الذَّهَبِ، فَإِنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ ذِكْرِهِ حَتَّى إذَا أُطْلِقَ الْحَجَرُ أَنْ لَا يُرَادَ إلَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْحَجَرِ لَكِنْ إذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ الَّذِي هُوَ الْحَجَرُ وَقَالَ تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ، فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ كَانَ التَّخَتُّمُ بِالْحَجَرِ جَائِزًا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فَكَيْفَ يُعَارِضُهُ عِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْفِضَّةِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ بِالْحَدِيثِ وَبِالذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ بِالْحَدِيثِ وَبِالْحَجَرِ حَلَالٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْإِمَامِ قَاضِي خَانْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ وَفِعْلِهِ ﵊؛ لِأَنَّ حِلَّ الْعَقِيقِ لَمَّا ثَبَتَ بِهِمَا حَلَّ سَائِرُ الْأَحْجَارِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ حَجَرٍ وَحَجَرٍ وَحَرَامٌ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْمُحْتَمِلَةِ لَأَنْ يَكُونَ الْقَصْرُ فِيهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى الذَّهَبِ وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ (وَتَرْكُهُ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ أَوْلَى) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَخَتَّمُ لِحَاجَةِ الْخَتْمِ وَغَيْرُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
(وَلَا يُشَدُّ سِنُّهُ إلَّا بِفِضَّةٍ) أَيْ مَنْ تَحَرَّكَ سِنُّهُ يَشُدُّهَا بِالْفِضَّةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا (وَكُرِهَ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ ذَهَبًا أَوْ حَرِيرًا) لِأَنَّ حُرْمَةَ اللُّبْسِ لَمَّا ثَبَتَتْ فِي حَقِّ الذُّكُورَةِ حَرُمَ الْإِلْبَاسُ أَيْضًا كَالْخَمْرِ لَمَّا حَرُمَ شُرْبُهَا حَرُمَ سَقْيُهَا (وَجَازَ خِرْقَةٌ لِوُضُوءٍ وَمُخَاطٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ اسْتَعْمَلُوا فِي عَامَّةِ الْبَلَدِ أَنَّ مَنَادِيلَ الْوُضُوءِ وَالْخِرَقَ لِلْمُخَاطِ وَمَسْحِ الْعَرَقِ وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَلَوْ حَمَلَهَا بِلَا حَاجَةٍ يُكْرَهُ كَالتَّرَبُّعِ وَالِاتِّكَاءِ لَا يُكْرَهَانِ لِحَاجَةٍ وَيُكْرَهَانِ بِدُونِهَا (وَالرَّتَمُ) وَهُوَ خَيْطُ التَّذَكُّرِ يُعْقَدُ فِي الْأُصْبُعِ قَالَ الشَّاعِرُ
إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا فِي نُفُوسِهِمْ ... فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْك عَقْدُ الرَّتَائِمِ.
(فَصْلٌ)
(يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ إلَّا الْعَوْرَةَ) وَهِيَ مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ فَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ لَا السُّرَّةُ، ثُمَّ حُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ وَفِي الْفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْأَةِ حَتَّى يُنْكَرَ عَلَيْهِ فِي كَشْفِ الرُّكْبَةِ وَفِي الْفَخِذِ يُعَنَّفُ وَفِي السَّوْأَةِ يُضْرَبُ إنْ أَصَرَّ (وَالْمَرْأَةُ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلُ كَالرَّجُلِ لِلرَّجُلِ) أَيْ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ حَتَّى يَجُوزَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُمَا إلَى مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ إذَا أَمِنَتْ الشَّهْوَةَ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ.
(وَيَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
التَّحَلِّي بِاللُّؤْلُؤِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَشُدُّ سِنَّهُ إلَّا بِفِضَّةٍ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. وَالْخِلَافُ فِي شَدِّ السِّنِّ أَمَّا اتِّخَاذُ الْأَنْفِ مِنْ الذَّهَبِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ خِرْقَةٌ) أَيْ جَازَ حَمْلُهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَمْلُهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ) يَعْنِي بِأَنْ كَانَ تَكَبُّرًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ عَنْ تَكَبُّرٍ وَصَارَ كَالتَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالرَّتَمُ) اسْتَدَلَّ لِجَوَازِهِ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ» وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَرْضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ عِنْدَ النِّسْيَانِ. اهـ.
[فَصْلٌ عَوْرَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ حَتَّى يُنْكَرَ عَلَيْهِ فِي كَشْفِ الرُّكْبَةِ) أَيْ بِرِفْقٍ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ وَفِي الْفَخِذِ بِعُنْفٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِي كِتَابِ الْخُنْثَى مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ أَغْلَظُ. اهـ.
(قَوْلُهُ إذَا أُمِنَتْ الشَّهْوَةُ) لَا يُعْلَمُ حُكْمُ مَا إذَا خَافَتْ أَوْ شَكَّتْ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِهَا شَهْوَةٌ أَوْ أَكْبَرُ رَأْيِهَا إنَّهَا تَشْتَهِي أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا. اهـ. وَلَوْ كَانَ النَّاظِرُ إلَيْهَا. هُوَ الرَّجُلُ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَنْظُرْ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الشَّهْوَةَ عَلَيْهِنَّ غَالِبَةٌ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ اعْتِبَارًا فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ كَانَتْ الشَّهْوَةُ مَوْجُودَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا اشْتَهَتْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي جَانِبِهِ حَقِيقَةً وَاعْتِبَارًا فَكَانَتْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَالْمُتَحَقِّقُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْمُحَرَّمِ أَقْوَى مِنْ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ. . . إلَخْ) مُفِيدٌ نَظَرَ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ إلَى فَرْجِهِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَتَجَرَّدَانِ تَجَرُّدَ الْعِيرِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ النِّسْيَانَ لِوُرُودِ الْأَثَرِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحَصُّلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ. اهـ.
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ يَعْنِي بِهِ وَقْتَ الْجِمَاعِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْأَمَالِي قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ فَرْجَ امْرَأَتِهِ أَوْ تَمَسُّ فَرْجَهُ لِيَتَحَرَّكَ عَلَيْهِ. اهـ. لَا تَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قَالَ لَا
стр. 313
لِقَوْلِهِ ﷺ «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ أَمَتِك وَامْرَأَتِك» (الْحَلَالِ) قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّهَا إذَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ كَانَتْ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا (مُطْلَقًا) أَيْ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِدُونِهَا.
. (وَ) يَنْظُرُ الرَّجُلُ (إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ مِنْ مَحْرَمِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَدْخُلُ عَلَى الْبَعْضِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا فِي ثِيَابِ بِذْلَتِهَا عَادَةً فَلَوْ حَرُمَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ (وَأَمَةِ غَيْرِهِ) فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمَحْرَمِ لِضَرُورَةِ رُؤْيَتِهَا فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةَ (إنْ أَمِنَ شَهْوَتَهُ) وَإِلَّا فَلَا يَنْظُرُ (لَا) أَيْ لَا يَنْظُرُ (إلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ كَأَمَةِ غَيْرِهِ) إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي كَشْفِهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ (وَمَا حَلَّ نَظَرُهُ مِنْهُمَا) أَيْ مَحْرَمِهِ وَأَمَةِ غَيْرِهِ (حَلَّ مَسُّهُ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الْمُسَافَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ (وَلَهُ مَسُّ ذَلِكَ) أَيِّ عُضْوٍ جَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأَمَةِ (إنْ أَرَادَ شِرَاءَهَا، وَإِنْ خَافَ شَهْوَتَهُ) لِلضَّرُورَةِ (وَأَمَةٍ تُشْتَهَى) وَيُجَامَعُ مِثْلُهَا (لَا تُعْرَضُ عَلَى الْبَيْعِ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِأَنَّ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا عَوْرَةٌ وَمِنْهُ يُعْلَمُ حَالُ الْبَلَاغَةِ.
(وَيَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا فَقَطْ) لِأَنَّ فِي إبْدَاءِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ ضَرُورَةً لِحَاجَتِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ مَعَ الرِّجَالِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً وَنَحْوَهُمَا (كَذَا السَّيِّدَةُ) أَيْ لِمَمْلُوكِهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى وَجْهِ سَيِّدَتِهِ وَكَفَّيْهَا لَا قَدَمَيْهَا (وَإِنْ خَافَ) أَيْ الرَّجُلُ أَوْ الْمَمْلُوكُ الشَّهْوَةَ (لَا يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا إلَّا لِحَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَظَرَ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ صُبَّ فِي عَيْنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَإِذَا خَافَ الشَّهْوَةَ لَمْ يَنْظُرْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَحْرَمِ (كَقَاضٍ يَحْكُمُ عَلَيْهَا وَشَاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهَا) فَإِنَّ نَظَرَهُمَا إلَى وَجْهِهَا جَائِزٌ، وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ لِلْحَاجَةِ إلَى إحْيَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ بِالْقَضَاءِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْحُكْمَ عَلَيْهَا وَأَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ تَحَرُّزًا عَنْ قَصْدِ الْقَبِيحِ.
(وَمَنْ يُرِيدُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ) حَيْثُ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا، وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْمُغِيرَةِ إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبْصِرْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» .
(وَرَجُلٌ يُدَاوِيهَا فَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ مَرَضِهَا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً مُدَاوَاتَهَا لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا دُونَ الرَّجُلِ.
(الْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ وَالْمُخَنَّثُ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ كَالْفَحْلِ) أَمَّا الْخَصِيُّ فَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ الْخِصَاءُ مَثُلَةٌ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ وَقِيلَ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ جِمَاعًا؛ لِأَنَّ آلَتَهُ لَا تَفْتُرُ بِالْإِنْزَالِ، وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ فَلِأَنَّهُ يُسَاحِقُ فَيُنْزِلُ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا قَدْ جَفَّ مَاؤُهُ فَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا اخْتِلَاطَهُ بِالنِّسَاءِ فِي حَقِّهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ.
[حُكْم الْعَزْل]
(وَيَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ) الْعَزْلُ أَنْ يَطَأَ فَإِذَا قَرُبَ إلَى الْإِنْزَالِ أَخْرَجَ وَلَمْ يُنْزِلْ فِي الْفَرْجِ (بِلَا إذْنِهَا)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَرْجُو أَنْ يَعْظُمَ الْأَجْرُ. اهـ. .
وَفِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الْيَنَابِيعِ يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ وَفَرْجِ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ مَحْرَمِهِ) الْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُصَاهَرَةُ بِنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فِي الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَلَهُ مَسُّ ذَلِكَ) إنْ أَرَادَ شِرَاءَهَا وَإِنْ خَافَ شَهْوَتَهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَأُطْلِقَ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يُفَصَّلْ قَالَ مَشَايِخُنَا يُبَاحُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ اشْتَهَى لِلضَّرُورَةِ وَلَا يُبَاحُ الْمَسُّ إذَا اشْتَهَى أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ. اهـ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي حِلِّ الْمُسَافَرَةِ وَالْخَلْوَةِ بِأَمَةِ الْغَيْرِ مَعَ أَمْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا) الْأَوْلَى عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَقَطْ) تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى قَدَمِهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبَاحُ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الضَّرُورَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى ذِرَاعِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو مِنْهَا عَادَةً وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَسُّ مَا جَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ لِقِيَامِ الْمَحْرَمِ وَعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى، بِخِلَافِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى، وَالْمُحَرَّمُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهَذَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً تُشْتَهَى أَمَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى فَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَتِهَا وَمَسِّ يَدِهَا إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى يُبَاحُ مَسُّهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهَا لِعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيِّدَتِهِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَوْلَاتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا إجْمَاعًا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ بِهَا وَمِثْلُهُ فِي قَاضِي خَانْ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَنُصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْكَلَامِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ إنْ عَطَسَتْ وَكَانَتْ عَجُوزًا شَمَّتَهَا وَإِلَّا فَلَا وَكَذَا رَدُّ السَّلَامِ عَلَيْهَا عَلَى هَذَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهَا) يَعْنِي يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا لِمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ لِلتَّحَمُّلِ إذَا اشْتَهَى عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مَنْ لَا يَشْتَهِي فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي
стр. 314
«لِقَوْلِهِ ﷺ لِمَوْلَى الْأَمَةِ اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت» .
(وَ) يَعْزِلُ (عَنْ زَوْجَتِهِ بِهِ) أَيْ بِإِذْنِهَا «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» .
. (فَصْلٌ)
(مَنْ مَلَكَ أَمَةً بِشِرَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَمِيرَاثٍ وَخُلْعٍ وَصُلْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَلَوْ) كَانَتْ الْجَارِيَةُ (بِكْرًا أَوْ مَشْرِيَّةً مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ عَبْدٍ) أَمَّا إذَا كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَبْدَهُ فَكَذَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ مُسْتَغْرِقًا بِالدَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مَكَاسِبَهُ وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُ، وَإِنْ اشْتَرَى مِنْ مُكَاتَبِهِ فَكَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَكَاسِبَهُ (أَوْ) مَشْرِيَّةً (مِنْ مَحْرَمِهَا أَوْ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ) بِأَنْ بَاعَهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (حَرُمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَالِكِ (وَطْؤُهَا وَدَوَاعِيهِ) مِنْ اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ إلَى فَرْجِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحْرُمُ الدَّوَاعِي؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَحْرُمُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ وَيَشْتَبِهَ النَّسَبُ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الدَّوَاعِي وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَيْضًا بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَيَدَّعِي الْبَائِعُ الْوَلَدَ فَيَسْتَرِدُّهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ وَطْأَهُ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الدَّوَاعِي (حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْمَالِكُ) أَيْ يَتَعَرَّفَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا (بِحَيْضَةٍ فِيمَنْ تَحِيضُ وَبِشَهْرٍ فِي ضِدِّهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَالْمُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ، فَإِنَّ الشَّهْرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَيْضِ فِي الْعِدَّةِ فَكَذَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَإِذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهِ بَطَلَ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ إذَا حَاضَتْ، وَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بِأَنْ صَارَتْ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ تَرَكَهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْتَبْرِئُهَا بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَتَى صَلَحَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ شُغْلٍ يُتَوَهَّمُ بِالنِّكَاحِ فِي الْإِمَاءِ فَلَأَنْ تَصْلُحَ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ شُغْلٍ يُتَوَهَّمُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى، كَذَا فِي الْكَافِي (وَيُوضَعُ الْحَمْلُ فِي الْحَامِلِ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ «قَوْلُهُ ﵊ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ أَلَا لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَلَا الْحَبَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي الْمَسْبِيَّةِ لَكِنَّ سَبَبَ الِاسْتِبْرَاءِ حُدُوثُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِبْرَاءُ لِتَعَرُّفِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ مَاؤُهُ بِمَاءِ الْغَيْرِ إذْ لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَوَجَبَ التَّعَرُّفُ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ وَالْأَوْلَادِ عَنْ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ لَا يَدَّعِي الْوَلَدَ فَيَهْلِكُ لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ حَقِيقَةِ الشُّغْلِ أَوْ تَوَهُّمِهِ لَكِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى أَمْرٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ تَجْدِيدُ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ وَطْءِ الْمَوْلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْهِدَايَةِ وَبِهَذَا كَانَ يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظَةِ الْمَمْلُوكِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ خَافَ أَيْ الرَّجُلُ أَوْ الْمَمْلُوكُ الشَّهْوَةَ
(قَوْلُهُ وَيَعْزِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ بِهِ) الْمُرَادُ بِهَا الْحُرَّةُ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَبِإِذْنِ مَوْلَاهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ، وَإِذَا عَزَلَ عَنْ امْرَأَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ قَالُوا فِي زَمَانِنَا يُبَاحُ لِسُوءِ الزَّمَانِ، وَإِذَا أَسْقَطَتْ الْوَلَدَ بِالْعِلَاجِ قَالُوا إنْ لَمْ يَسْتَبِنْ شَيْءٌ مِنْ خِلْقَتِهِ لَا تَأْثَمُ، قَالَ ﵁ وَلَا أَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إذَا كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ يَكُونُ ضَامِنًا لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ فَلَمَّا كَانَ مُؤَاخَذًا بِالْجَزَاءِ ثَمَّ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا إثْمٌ هُنَا إذَا أَسْقَطَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَّا إنَّهَا لَا تَأْثَمُ إثْمَ الْقَتْلِ.
[فَصْلٌ مَلَكَ الْأُمَّة بِشِرَاءِ]
(فَصْلٌ) .
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ) يُرِيدُ بِهِ الْمَجْعُولَةَ بَدَلَ كِتَابَةٍ أَوْ بَدَلَ مَنْفَعَةٍ لِمَا اسْتَأْجَرَهُ وَالْمُسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُشْتَرَاةً مِنْ مَحْرَمِهَا) يُرِيدُ نَحْوَ الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْمُشْتَرَاةَ مِنْ ابْنِ وَاطِئِهَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ بَاعَهُ أَبُوهُ) أَيْ بَاعَ الْمُشْتَرِيَ لِلْجَارِيَةِ أَبُو الصَّغِيرِ وَيَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي بَاعَهُ لِلْجَارِيَةِ وَذُكِرَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَدَوَاعِيهِ) شَامِلٌ لِلْمَسْبِيَّةِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ الدَّوَاعِيَ فِي الْمَسْبِيَّةِ يَعْنِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْحَرْبِيِّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ. اهـ. وَأَجَابَ عَنْ إشْكَالٍ فِيهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُنْقَطِعَةِ الْحَيْضُ) إنْ أَرَادَ بِهِ الْآيِسَةَ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا نَصَّهُ قَبْلَهُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمُمْتَدَّةَ الطُّهْرُ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ الْآتِي أَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ فِي حَقِّهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيُنَاقِضُهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ كَذَا فِي الْكَافِي أَنَّ هَذَا فِيهِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكَافِي مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بَلْ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِشَهْرٍ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَيْضِ فِي الْعِدَّةِ فَكَذَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ، ثُمَّ قَالَ وَإِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بِأَنْ صَارَتْ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ تَرَكَهَا حَتَّى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَقَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ يَسْتَبْرِئُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ وَهِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْحُرَّةِ ثُمَّ
стр. 315
مَعْلُومًا كَمَا فِي الْأُمُورِ الْمَعْدُودَةِ، فَإِنَّ حِكْمَةَ الْحُكْمِ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا عُلِمَ عَدَمُ وَطْءِ الْمَوْلَى كَيْفَ يُتَوَهَّمُ شَغْلُ الرَّحِمِ لِيَلْزَمَ اخْتِلَاطُ الْمَاءِ وَاشْتِبَاهُ النَّسَبِ قُلْنَا الشَّغْلُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَوْلَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَا التَّوَهُّمُ فِي الْبِكْرِ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ الشَّغْلَ يُتَصَوَّرُ بِدُونِ زَوَالِ الْعُذْرَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي أَقُولُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّغْلَ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْلَى كَانَ مِنْ الزِّنَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُزَنِيَّة وَوَطْأَهَا جَائِزٌ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَكَيْفَ يُوجِبُ تَوَهُّمُ الشَّغْلِ مِنْ الزِّنَا الِاسْتِبْرَاءَ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الشَّغْلَ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْلَى لَا يَجِبُ كَوْنُهُ مِنْ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى زَوَّجَهَا بِآخَرَ كَمَا سَيَأْتِي وَاعْتَرَضَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ حِكْمَةُ الْحُكْمِ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تُرَاعَى فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لَكِنْ تُرَاعَى فِي الْأَنْوَاعِ الْمَضْبُوطَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ بِكْرًا أَوْ مَشْرِيَّةً مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ زَوَّجَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ فَحَبِلَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَبَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ ثَابِتُ النَّسَبِ فَلَا يَلْزَمُ اخْتِلَاطُ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهُ الْأَنْسَابِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ كَمَا عَرَفْت وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِكْرٌ أَوْ مَسْبِيَّةٌ مِنْ امْرَأَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمًا عَامًّا فَلَا يَخْتَصُّ بِالْحِكْمَةِ كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي حُرْمَةِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ [المائدة: ٩١] الْآيَةَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ إنِّي أَشْرَبُهَا بِحَيْثُ لَا تُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَلَا تَصُدُّنِي عَنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ غَالِبَةً فِي تَحْرِيمِهَا فَالشَّرْعُ حَرَّمَهَا عَلَى الْعُمُومِ لِمَا أَنَّ فِي التَّخْصِيصِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْخَبْطِ وَتَجَاسَرَ النَّاسُ بِحَيْثُ تَرْتَفِعُ الْحِكْمَةَ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي السَّبْيِ عَلَى الْعُمُومِ ثَبَتَ فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَذَلِكَ قِيَاسًا، فَإِنَّ الْعِلَّةَ مَعْلُومَةٌ ثُمَّ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَلَمْ تَكْفِ حَيْضَةٌ مَلَكَهَا فِيهَا) ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا الْحَيْضَةُ وَهِيَ اسْمٌ لِلْكَامِلَةِ (وَلَا الَّتِي بَعْدَ الْمِلْكِ وَقِيلَ الْقَبْضُ) ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ قَبْلَ عِلَّتِهِ وَهِيَ الْمِلْكُ وَالْيَدُ جَمِيعًا فَلَا يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا (أَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا صَحِيحًا أَوْ لَا) أَيْ وَلَمْ تَكْفِ أَيْضًا (وِلَادَةٌ كَذَلِكَ) أَيْ حَصَلَتْ بَعْدَ سَبَبِ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ كَمَا سَبَقَ.
(وَكَفَتْ حَيْضَةٌ بَعْدَ الْقَبْضِ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ عَجَزَتْ) يَعْنِي اشْتَرَى أَمَةً مَجُوسِيَّةً أَوْ مُسْلِمَةً فَكَاتَبَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ثُمَّ حَاضَتْ الْمُكَاتَبَةُ حَالَ كِتَابَتِهَا أَوْ حَاضَتْ الْمَجُوسِيَّةُ حَالَ مَجُوسِيَّتِهَا حَيْضَةً ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ أَسْلَمَتْ الْمَجُوسِيَّةُ أَجْزَأَتْ تِلْكَ الْحَيْضَةُ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ سَبَبِهِ وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ. .
(اشْتَرَى مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ مَنْ حَاضَتْ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْعَبْدِ (إنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ دَيْنُهُ كَفَتْ) تِلْكَ الْحَيْضَةُ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى وَقَبْضِهِ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ دَيْنُهُ (فَلَا) أَيْ لَا تَكْفِي تِلْكَ الْحَيْضَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
(وَيَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ (بِشِرَاءِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ) الْجَارِيَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
رَجَعَ، وَقَالَ يَسْتَبْرِئُهَا بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ ثَابِتُ النَّسَبِ فَلَا يَلْزَمُ اخْتِلَاطُ الْمِيَاهِ. . . إلَخْ) لَا مَعْنَى لِهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِأَنَّهَا قَدْ بِيعَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْوِلَادَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَثِمَ وَلَا اسْتِبْرَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَالْمُبْتَغَى. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا) الْأَنْسَبُ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تَكْفِ أَيْضًا وِلَادَةٌ كَذَلِكَ) فِيهِ خِلَافٌ لِأَبِي يُوسُفَ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُسْلِمَةً فَكَاتَبَهَا) لَوْ قَالَ أَوْ غَيْرَ مَجُوسِيَّةٍ كَانَ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْكِتَابِيَّةَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَاتَبَهَا بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ بَائِعِهَا إذْ لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ سَابِقَةً عَلَى الْقَبْضِ لَا يُحْتَاجُ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْحِيَلِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا
(قَوْلُهُ: اشْتَرَى مِنْ مَأْذُونِهِ مَنْ حَاضَتْ عِنْدَهُ) قُيِّدَ بِحَيْضِهَا عِنْدَ الْمَأْذُونِ إذْ لَوْ بَاعَهَا لِمَوْلَاهُ قَبْلَ حَيْضِهَا كَانَ عَلَى الْمَوْلَى اسْتِبْرَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَأْذُونُ مَدْيُونًا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لَهُمَا) هُوَ الْقِيَاسُ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانٌ، كَذَا فِي قَاضِي خَانْ.
стр. 316
(الْمُشْتَرَكَةِ) لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَمَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى تَمَامِ الْعِلَّةِ (لَا) عِنْدَ (عَوْدِ الْآبِقَةِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَأْجَرَة وَفَكِّ الْمَرْهُونَةِ) لِانْتِفَاءِ اسْتِحْدَاثِ الْمِلْكِ.
(وَرُخِّصَ حِيلَةُ إسْقَاطِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَيُفْتَى بِالْأَوَّلِ إنْ عُلِمَ عَدَمُ وَطْءِ بَائِعِهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ وَبِالثَّانِي إنْ وَطِئَ وَهِيَ) أَيْ الْحِيلَةِ (أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي) قَبْلَ الشِّرَاءِ (إنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ) حَتَّى لَوْ كَانَتْ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ (ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا) إذْ بِالنِّكَاحِ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ ثُمَّ إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَيَحِلُّ الْوَطْءُ وَيَسْقُطُ الِاسْتِبْرَاءُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ رَأَيْت فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ تَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْلِكُهَا وَهِيَ فِي عِدَّتِهِ أَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا فَكَمَا اشْتَرَاهَا بَطَلَ النِّكَاحُ وَلَا نِكَاحَ حَالَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ حِلِّ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَالَ وَهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ وَهَذَا دَقِيقٌ حَسَنٌ إلَى هُنَا لَفْظُ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى (وَإِنْ كَانَتْ) تَحْتَهُ حُرَّةٌ (فَهِيَ) أَيْ الْحِيلَةُ (أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ) يُزَوِّجَهَا (الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مَنْ يَوْثُقُ بِهِ) مَفْعُولُ يُزَوِّجَهَا أَيْ يُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا (ثُمَّ يَشْتَرِيهَا) الْمُشْتَرِي (وَيَقْبِضُهَا) ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ فَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ حَلَّ عَلَى الْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ لَمْ يُوجَدْ حُدُوثُ الْمِلْكِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ (أَوْ) يُزَوِّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مَنْ يَوْثُقُ بِهِ وَ (يَقْبِضَ فَيُطَلِّقَ الزَّوْجُ) ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ وَإِذَا حَلَّ بَعْدَ طَلَاقِ الزَّوْجِ لَمْ يُوجَدْ حُدُوثُ الْمِلْكِ فَقَوْلُهُ فَيُطَلِّقَ الزَّوْجُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا.
(مَنْ فَعَلَ بِشَهْوَةٍ إحْدَى دَوَاعِي الْوَطْءِ بِأَمَتَيْهِ لَا يَجْتَمِعَانِ نِكَاحًا) صِفَةُ أَمَتَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتَا أُخْتَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا (حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْءُ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يَحْرُمَ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَهُ أَمَتَانِ كَمَا ذُكِرَ فَقَبَّلَهُمَا مَثَلًا بِشَهْوَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا يُقَبِّلُهَا وَلَا يَمَسُّهَا بِشَهْوَةٍ حَتَّى يَمْلِكَ فَرْجَ الْأُخْرَى غَيْرُهُ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ يُعْتِقَهَا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] عَطْفًا عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ تَحْرِيمِهِنَّ تَحْرِيمُهُنَّ فِي حَقِّ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَأَسْبَابِهِ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَكُرِهَ تَقْبِيلُ الرَّجُلِ وَعِنَاقُهُ فِي إزَارٍ) وَاحِدٍ (وَلَوْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ) أَوْ جُبَّةٌ (لَا يُكْرَهُ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: لَا عِنْدَ عَوْدِ الْآبِقَةِ) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي إبْطَالِ بَيْعٍ بِخِيَارِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي وَلَوْ سُلِّمَ لِلْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا إذَا بَاعَ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَسَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا قَبْلَ وَطْءِ الْمُشْتَرِي لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: وَرَدِّ الْمَغْصُوبَةِ) أَيْ إذَا لَمْ يَبِعْهَا الْغَاصِبُ فَإِنْ بَاعَهَا وَسَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِقَضَاءٍ أَوْ رِضَاءٍ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَلِمَ بِالْغَصْبِ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمَالِكِ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ لَمْ يَطَأْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي وَقْتَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا غَصْبٌ إنْ لَمْ يَطَأْ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْقِيَاسِ لَا يَجِبُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: وَيُفْتَى بِالْأَوَّلِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الشِّرَاءِ) قَالَ قَاضِي خَانْ ثُمَّ يُسَلِّمَهَا الْمَوْلَى إلَيْهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الْجَارِيَةِ إلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ كَيْ لَا يُوجَدَ الْقَبْضُ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ بَعْدَ فَسَادِ النِّكَاحِ. اهـ. وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ.
(قَوْلُهُ: قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ رَأَيْت فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ. . . إلَخْ) نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ظَهِيرِ الدِّينِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ ظَهِيرُ الدِّينِ عِنْدِي يُشْتَرَطُ. . . إلَخْ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا) فَإِنْ خَشَى عَدَمَ طَلَاقِهِ يُزَوِّجُهَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهِ مَتَى شَاءَ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ وَالْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ) أَيْ قَبْلَ الْوَطْءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَقُيِّدَ بِطَلَاقِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ إذَا قَبَضَهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِذَا قَبَضَهَا وَالْقَبْضُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَيْسَتْ فِي نِكَاحٍ وَلَا عِدَّةٍ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُزَوِّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ وَيَقْبِضَ إلَى آخِرِ شَرْحِهَا) مُسْتَدْرَكٌ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ قَبْلَهُ (قُلْت) بَقِيَ حِيلَةٌ رَابِعَةٌ هِيَ أَحْسَنُ الْحِيَلِ وَهِيَ أَنْ يُكَاتِبَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَقْبِضَهَا فَيُفْسَخَ بِرِضَاهَا، كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ وَغَيْرِهَا وَهَذِهِ أَسْهَلُ الْحِيَلِ خُصُوصًا إذَا كَانَتْ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ حَالٍّ أَوْ مُنَجَّمٍ بِقَرِيبٍ فَتَعْجِزُ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُعْتِقَهَا) مِثْلُهُ الْكِتَابَةُ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ وَالتَّدْبِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَقْبِيلُ الرَّجُلِ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَوْضِعٍ مِنْ جَسَدِهِ فَشَمِلَ كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَ فَمَ الرَّجُلِ أَوْ يَدَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالتَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ لَا تُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ
стр. 317
وَعَنْ عَطَاءٍ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ الْمُعَانَقَةِ فَقَالَ أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ﵊ كَانَ بِمَكَّةَ فَأَقْبَلَ إلَيْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَلَمَّا وَصَلَ بِالْأَبْطَحِ قِيلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرْكَبَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَمَشَى إلَى إبْرَاهِيمَ ﵊ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَعَانَقَهُ وَكَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُعَانَقَةِ وَتَجْوِيزِهَا وَالشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْمَكْرُوهُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ فَجَائِزٌ وَرَخَّصَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقْبِيلَ يَدِ الْعَالِمِ أَوْ الْمُتَوَرِّعِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ (كَمُصَافَحَتِهِ) ، فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ لِمَا رَوَى «أَنَسٌ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَنْحَنِي بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ لَا قُلْنَا أَيُعَانِقُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ لَا قُلْنَا أَيُصَافِحُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ نَعَمْ» .
(وَكُرِهَ بَيْعُ الْعَذِرَةِ صِرْفَةً) وَهِيَ رَجِيعُ الْآدَمِيِّ (وَصَحَّ فِي الصَّحِيحِ مَخْلُوطَةً) بِتُرَابٍ أَوْ رَمَادٍ غَالِبٍ عَلَيْهَا (كَبَيْعِ السِّرْقِينِ) حَيْثُ جَازَ فِي الصَّحِيحِ (وَصَحَّ الِانْتِفَاعُ بِمَخْلُوطِهَا) فِي الصَّحِيحِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْعَذِرَةِ الْخَالِصَةِ جَائِزٌ.
(وَجَازَ أَخْذُ دَيْنٍ عَلَى كَافِرٍ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ) يَعْنِي إذَا كَانَ دَيْنُ الْمُسْلِمِ عَلَى كَافِرٍ فَبَاعَ الْمَدْيُونُ خَمْرًا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَخْذُهُ لِدَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ الْمَدْيُونُ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ فَالثَّمَنُ حَرَامٌ. .
. (وَ) جَازَ (تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ (وَتَعْشِيرُهُ وَنَقْطُهُ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ وَالْآيَ تَوْقِيفِيَّةٌ لَا مَدْخَلَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَعَنْ عَطَاءٍ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَرَخَّصَ الشَّيْخُ. . . إلَخْ) هَذَا، وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ عَنْ سُفْيَانَ تَقْبِيلُ يَدِ الْعَالِمِ سُنَّةٌ وَتَقْبِيلُ يَدِ غَيْرِهِ لَا يُرَخَّصُ فِيهِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ يَدِ الْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ الْعَادِلِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يُقَبِّلُونَ أَطْرَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ تَقْبِيلُ يَدِ الْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ الْعَادِلِ سُنَّةٌ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ. اهـ. وَقَالَ قَاضِي خَانْ لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ يَدِ الْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ وَتَكَلَّمُوا فِي تَقْبِيلِ يَدِ غَيْرِهِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَرَادَ تَعْظِيمَ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَبَّلَ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمُصَافَحَتِهِ) لَا تَخْتَصُّ الْمُصَافَحَةُ بِالْعَالِمِ وَالْمُتَوَرِّعِ لِمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَارَثُ.
وَقَالَ ﷺ «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَحَرَّكَ يَدَهُ تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُ» . اهـ.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَالَ لَا بَأْسَ بَلْ يُنْدَبُ أَوْ نَحْوُهُ لِلْأَثَرِ فِي الْمُصَافَحَةِ وَلِي رِسَالَةٌ فِي الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقِيَامِ لِلْغَيْرِ، وَقَالَ فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ يَحْرُمُ تَقْبِيلُ الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ الْعَالِمِ لِلتَّحِيَّةِ وَقِيَامُ التَّالِي لِلدَّاخِلِ عَلَيْهِ إلَّا لِأُسْتَاذِهِ أَوْ أَبِيهِ وَيُكْرَهُ الِانْحِنَاءُ لِلسُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ، قِيلَ: وَالْقِيَامُ لِلتَّعْظِيمِ كَتَقْبِيلِ يَدِ نَفْسِهِ أَوْ يَدِ الْمَحْيَا عِنْدَ السَّلَامِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ الْقِيَامَ تَعْظِيمًا لِلْغَيْرِ وَرَوَى أَنَسٌ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْقِيَامَ» وَعَنْ الشَّيْخِ الْحَكِيمِ أَبِي الْقَاسِمِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ يَقُومُ لَهُ وَيُعَظِّمُهُ وَلَا يَقُومُ لِلْفُقَرَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَوَقَّعُونَ مِنِّي التَّعْظِيمَ فَلَوْ تَرَكْت تَعْظِيمَهُمْ لَتَضَرَّرُوا وَالْفُقَرَاءَ وَطَلَبَةَ الْعِلْمِ لَا يَطْمَعُونَ مِنِّي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَطْمَعُونَ جَوَابَ السَّلَامِ وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَتَضَرَّرُونَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ. اهـ. .
وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى لِلْأَنْطَاكِيِّ قِيَامُ الْقَارِئِ جَائِزٌ إذَا جَاءَ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ أُسْتَاذُهُ الَّذِي عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ أَوْ الْعِلْمَ أَوْ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ وَلَا يَجُوزُ الْقِيَامُ لِغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْجَائِي مِنْ الْأَجِلَّةِ وَالْأَشْرَافِ وَفِي مُشْكِلِ الْآثَارِ الْقِيَامُ لِغَيْرِهِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِعَيْنِهِ إنَّمَا الْمَكْرُوهُ تَحِيَّةُ الْقِيَامِ لِمَنْ يُقَامُ لَهُ فَإِنْ قَامَ لِمَنْ لَا يُقَامُ لَهُ لَا يُكْرَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: كُرِهَ بَيْعُ الْعَذِرَةِ) الْكَرَاهَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَلَكِنَّ مُقَابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ وَصَحَّ فِي الصَّحِيحِ مَخْلُوطَةً بِتُرَابٍ أَوْ رَمَادٍ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِ الْخَالِصَةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالصِّحَّةِ الْحِلُّ.
(قَوْلُهُ: غَالِبٍ عَلَيْهَا) كَذَا قُيِّدَ بِالْغَلَبَةِ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهَا مَخْلُوطَةً بِرَمَادٍ أَوْ تُرَابٍ غَالِبٍ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْغَلَبَةِ فِي الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخْلُوطَةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
وَكَذَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَخْلُوطِ لَا بِغَيْرِ الْمَخْلُوطِ فِي الصَّحِيحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَبَيْعِ السِّرْقِينِ) هُوَ رَجِيعُ مَا سِوَى الْإِنْسَانِ (قَوْلُهُ حَيْثُ جَازَ فِي الصَّحِيحِ) يُفِيدُ أَنَّ بَيْعَ السِّرْقِينِ لَا يَجُوزُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ وَلَمْ أَرَ خِلَافًا فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ بَيْعِ السِّرْقِينِ عِنْدَنَا وَلِذَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَقَدْ تَمَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ السِّرْقِينَ وَانْتَفَعُوا بِهِ فَإِنَّهُمْ يُلْقُونَهُ فِي الْأَرْضِ لِاسْتِكْثَارِ الرِّيعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. . . إلَخْ) مُخَالِفٌ لِتَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ الَّذِي قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْعَذِرَةِ الْمَخْلُوطَةِ لَا الْخَالِصَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي الْخَالِصَةِ
(قَوْلُهُ: وَجَازَ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ) التَّحْلِيَةُ غَيْرُ التَّمْرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ) وَلِذَا كُرِهَ مَدُّ الرَّجُلِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ عَلَى الْعُلُوِّ فَلَمْ يُحَاذِهِ، وَإِذَا صَارَ خَلَقًا بِحَيْثُ لَا يُقْرَأُ فِيهِ يُجْعَلُ فِي خَرِيطَةٍ وَيُدْفَنُ كَالْمُسْلِمِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَالَ فِي غَيْرِهَا يُغْسَلُ فِي مَاءٍ جَارٍ وَلَا يُحْرَقُ. اهـ.
وَفِي قَاضِي خَانْ
стр. 318
لِلرَّأْيِ فِيهَا فَبِالتَّعْشِيرِ حِفْظُ الْآيِ وَبِالنَّقْطِ حِفْظُ الْإِعْرَابِ وَلِأَنَّ الْعَجَمِيَّ الَّذِي لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ إلَّا بِالنَّقْطِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ جَرِّدُوا الْقُرْآنَ فَذَلِكَ فِي زَمَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْقُلُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أُنْزِلَ وَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ سَهْلًا عَلَيْهِمْ وَيَرَوْنَ النَّقْطَ مَحَلًّا لِحِفْظِ الْإِعْرَابِ وَالتَّعْشِيرَ مَحَلًّا لِحِفْظِ الْآيِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَجَمِيُّ فِي زَمَانِنَا فَيُسْتَحْسَنُ وَعَلَى هَذَا لَا بَأْسَ بِكِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ وَعَدَدِ الْآيِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا فَمُسْتَحْسَنٌ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، كَذَا قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ.
. (وَ) جَازَ (دُخُولُ الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ) وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ.
(وَ) جَازَ (عِيَادَتُهُ) إذَا مَرِضَ.
(وَ خِصَاءُ الْبَهَائِمِ، وَإِنْزَاءُ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْحُقْنَةُ وَسَفَرُ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ بِلَا مَحْرَمٍ) فَإِنَّ مَسَّ أَعْضَائِهَا فِي الْإِرْكَابِ كَمَسِّ مَحْرَمٍ.
وَفِي الْكَافِي قَالُوا هَذَا فِي زَمَانِهِمْ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الصَّلَاحِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا لِغَلَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ فِيهِ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
(وَشِرَاءُ أَخٍ وَعَمٍّ وَأُمٍّ وَمُلْتَقِطٍ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِطِفْلٍ فِي حِجْرِهِمْ) أَصْلُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الصَّغِيرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَمْلِكُهُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَلِيًّا كَانَ أَوْ لَا كَقَبُولِهِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَيَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَنَوْعٌ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَلَا يَمْلِكُهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ عَلَيْهِ وَنَوْعٌ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ لِلِاسْتِرْبَاحِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَوَصِيُّهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّغِيرُ فِي أَيْدِيهِمْ لِأَنَّهُمْ مُتَصَرِّفُونَ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي أَيْدِيهِمْ، كَذَا فِي الْكَافِي وَاسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ نَوْعٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْإِنْكَاحُ فَيَجُوزُ مِنْ كُلِّ عَصَبَةٍ وَمِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَ) جَازَ (إجَارَةُ أُمِّهِ فَقَطْ) دُونَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
يُكْرَهُ تَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ وَأَنْ يَكْتُبَ بِقَلَمٍ دَقِيقٍ، وَإِذَا أَمْسَكَ الْمُصْحَفَ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِيهِ إنْ نَوَى بِهِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ لَا يَأْثَمُ بَلْ يُرْجَى لَهُ الثَّوَابُ اهـ.
[دُخُولُ الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ]
(قَوْلُهُ: وَجَازَ دُخُولُ الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَبِهِ صُرِّحَ فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ) إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُمَا فِيهِ تَسَاهُلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ دُخُولُ الذِّمِّيِّ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا وَالْمُرَادُ عِنْدَنَا بِالْمَنْعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] مَنَعَهُمْ عَنْ الطَّوَافِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ عِيَادَتُهُ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمَجُوسِيَّ وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَجُوسِيًّا لَا يَعُودُهُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِيلَ يَعُودُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَتَرْغِيبِهِ وَتَأْلِيفِهِ، وَقَدْ نُدِبْنَا إلَيْهِ وَلَا يَدْعُو لِلذِّمِّيِّ بِالْمَغْفِرَةِ وَلَوْ دَعَا لَهُ بِالْهُدَى جَازَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ اللَّهُمَّ اهْدِي قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَلَوْ دَعَا لَهُ بِطُولِ الْعُمُرِ قِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ التَّمَادِيَ عَلَى الْكُفْرِ وَقِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي طُولِ عُمُرِهِ انْتِفَاعَ الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَيَكُونُ دُعَاءً لَهُمْ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الدُّعَاءُ بِالْعَافِيَةِ وَلَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ وَلَا يَبْدَؤُهُ بِالسَّلَامِ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَهُ وَتَكْرِيمَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَاخْتَلَفُوا فِي عِيَادَةِ الْفَاسِقِ أَيْضًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَالْعِيَادَةُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
[خِصَاءُ الْبَهَائِمِ وَإِنْزَاءُ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ]
(قَوْلُهُ: وَخِصَاءُ الْبَهَائِمِ) شَامِلٌ لِلسِّنَّوْرِ وَبِهِ صُرِّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِكَيِّ الْأَغْنَامِ وَكَيِّ الصَّبِيِّ إنْ مِنْ مَرَضٍ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْحُقْنَةُ) يُرِيدُ بِهَا التَّدَاوِيَ لَا التَّسْمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَلَا يَجُوزُ بِالنَّجِسِ كَالْخَمْرِ وَكَذَا كُلُّ تَدَاوٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالطَّاهِرِ.
وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُبَاحِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَالْحُرْمَةُ تَرْتَفِعُ لِلضَّرُورَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَدَاوِيًا بِالْحَرَامِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» أَوْ يُحْمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي دَاءٍ عُرِفَ لَهُ دَوَاءٌ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(تَتِمَّةٌ) لَا بَأْسَ بِالرُّقَى لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ إذْ كَانُوا يَرْقُونَ بِكَلِمَاتِ كُفْرٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ امْرَأَةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَصْنَعَ تَعَاوِيذَاتٍ لِيُحِبَّهَا زَوْجُهَا بَعْدَمَا كَانَ يَبْغَضُهَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ. اهـ.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ» وَالتُّوَلَةُ ضَرْبٌ مِنْ السِّحْرِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُوَ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إلَى زَوْجِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْكَافِي. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ إجَارَةُ أُمِّهِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَتْنًا وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي حِجْرِ الْعَمِّ فَآجَرَتْهُ أُمُّهُ صَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ هُنَا لِلْعَمِّ، كَذَا فِي الْكَافِي وَفِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْمُلْتَقِطَ وَيُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ فَجَعَلَهُ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً وَنَفْعًا مَحْضًا لِلصَّغِيرِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ
стр. 319
الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِأَنْ تَسْتَخْدِمَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ هَؤُلَاءِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْوِلَايَةُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ إلَى الْأَبِ وَوَصِيِّهِ ثُمَّ إلَى وَصِيِّ وَصِيِّهِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ فَالْوِلَايَةُ إلَى أَبِ الْأَبِ ثُمَّ إلَى وَصِيِّهِ ثُمَّ إلَى وَصِيِّ وَصِيِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَاضِي وَمَنْ نَصَبَهُ وَلِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وِلَايَةُ التِّجَارَةِ بِالْمَعْرُوفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَهُمْ وِلَايَةُ الْإِجَارَةِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَفِي الْمَقُولَاتِ وَالْعَقَارَاتِ جَمِيعًا، فَإِنْ كَانَ بَيْعُهُمْ وَإِجَارَتُهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِأَقَلَّ بِمِقْدَارِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَا مُجِيزَ لَهُ حَالَ الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُهُمْ لِلصَّغِيرِ وَشِرَاؤُهُمْ لَهُ إنْ كَانَ عَلَى الْمَعْرُوفِ جَازَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَدْرَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ نَفَذَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا وَإِذَا أَدْرَكَ الصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى النَّفْسِ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَبْطَلَ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَمْلَاكِهِ فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَفِي فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ إذَا آجَرَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ أَوْ الْقَاضِي الصَّغِيرُ فِي عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ قِيلَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ حَتَّى إذَا آجَرَهُ أَحَدُهُمْ بِأَقَلَّ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ، وَلَوْ بِالْأَقَلِّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ لِلْأَبِ أَنْ يُعِيرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ مَالَهُ قَالَ وَتَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي تَعَلُّمِ الْحِرْفَةِ بِأَنْ دَفَعَهُ إلَى أُسْتَاذٍ لِيُعَلِّمَهُ الْحِرْفَةَ وَيَخْدُمَ أُسْتَاذَه أَمَّا إذَا كَانَ، بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ.
. (وَ) جَازَ (بَيْعُ الْعَصِيرِ مِنْ مُتَّخِذِهِ خَمْرًا) لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَقُومُ بِعَيْنِهِ بَلْ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ، بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ كَمَا مَرَّ.
[حَمْلُ خَمْرِ ذِمِّيٍّ بِأَجْرٍ]
. (وَ) جَازَ (حَمْلُ خَمْرِ ذِمِّيٍّ بِأَجْرٍ) خِلَافًا لَهُمَا (لَا) أَيْ لَا يَجُوزُ.
(إجَارَةُ بَيْتٍ بِالْأَمْصَارِ وَبِقُرَانَا لِيُتَّخَذَ بَيْتَ نَارٍ) لِلْمَجُوسِ (أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْعَةٌ) لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (أَوْ يُبَاعَ فِيهِ الْخَمْرُ) ، وَإِنَّمَا قَالَ بِقُرَانَا، إذْ قَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ مَا ذُكِرَ فِي السَّوَادِ لَكِنْ قَالُوا مُرَادُهُ سَوَادُ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَأَمَّا فِي سَوَادِ بِلَادِنَا فَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ فِيهَا ظَاهِرَةٌ فَلَا يُمَكَّنُونَ فِيهَا أَيْضًا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْكَافِي. .
(وَجَازَ بَيْعُ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مِلْكُ مَنْ بَنَاهَا أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ بَنَى عَلَى الْأَرْضِ الْوَقْفِ جَازَ بَيْعُهُ فَهَذَا كَذَلِكَ (وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ أَرْضِهَا) جَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
. (وَ) جَازَ (تَقْيِيدُ الْعَبْدِ) احْتِرَازًا عَنْ الْإِبَاقِ وَالتَّمَرُّدِ (بِخِلَافِ الْغُلِّ) أَيْ جَعْلِ الْغُلِّ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ الظَّلَمَةِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَا بَأْسَ بِوَضْعِ الرَّايَةِ يَعْنِي الْغُلَّ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ خُصُوصًا فِي الْهُنُودِ.
. (وَ) جَازَ (قَبُولُ هَدِيَّتِهِ تَاجِرًا وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ وَاسْتِعَارَةُ دَابَّتِهِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْكُلُّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لَكِنْ جُوِّزَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ لِلضَّرُورَةِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْهُ كَالضِّيَافَةِ لِيَجْتَمِعَ إلَيْهِ الْمُجَاهِرُونَ وَيَجْلُبُ قُلُوبَ الْمُعَامِلِينَ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ (وَكُرِهَ كِسْوَتُهُ ثَوْبًا وَإِهْدَاؤُهُ النَّقْدَيْنِ) لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ. .
. (وَ) كُرِهَ (اسْتِخْدَامُ الْخَصِيِّ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: إلَى الْأَبِ وَوَصِيِّهِ) أَيْ ثُمَّ وَصِيِّهِ. (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ وَلَوْ بِالْأَقَلِّ) هَذَا وَلَوْ حُمِلَ الْأَقَلُّ عَلَى الْغَبْنِ الْيَسِيرِ دُونَ الْفَاحِشِ انْتَفَتْ الْمُخَالَفَةُ
(قَوْلُهُ: وَجَازَ حَمْلُ خَمْرِ ذِمِّيٍّ بِأَجْرٍ) أَيْ فَيَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّهُ ﵇ «لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً مِنْهَا حَامِلُهَا» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَمْلِ الْمَقْرُونِ بِقَصْدِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا آجَرَ دَابَّتَهُ لِنَقْلِ الْخَمْرِ أَوْ نَفْسَهُ لِرَعْيِ الْخِنْزِيرِ يَطِيبُ لَهُ الْأَجْرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ أَرْضِهَا) اُقْتُصِرَ فِي الْكَنْزِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا، وَقَالَ شَارِحُهُ قَدْ تَعَارَفَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ ثُمَّ قَالَ وَيُكْرَهُ إجَارَةُ أَرْضِهَا لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَكَلَ أُجُورَ أَرْضِ مَكَّةَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ الرِّبَا» وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ جَوَازِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ) عَزَاهُ الزَّيْلَعِيُّ لِلنِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ اسْتِخْدَامُ الْحَصَى) قَالَ مُنْلَا مِسْكِينٍ إطْلَاقُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْخِدْمَةِ مَكْرُوهٌ وَذَكَرَ فِي الْأَوْضَحِ إنَّمَا يُكْرَهُ اسْتِخْدَامُهُ فِي الْخِدْمَةِ الْمَعْهُودَةِ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي الْحَرِيمِ. اهـ. .
стр. 320
؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيضَ النَّاسِ عَلَى الْخِصَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْرَى عَنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ.
. (وَ) كُرِهَ (إقْرَاضُ بَقَّالٍ دَرَاهِمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعَهَا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ دَرَاهِمَ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ جُزْءًا فَجُزْءًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَرْضٍ حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْآخِذِ.
. (وَ) كُرِهَ (اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَكُلِّ لَهْوٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ لَعِبِ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ إلَّا ثَلَاثَةً مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَتَأْدِيبَهُ لِفَرَسِهِ وَمُنَاضَلَتَهُ لِقَوْسِهِ» وَأَبَاحَ الشَّافِعِيُّ الشِّطْرَنْجَ بِلَا قِمَارٍ وَلَا إخْلَالٍ بِحِفْظِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشْحِيذَ الْخَاطِرِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا.
(وَلَا بَأْسَ بِالْمُسَابَقَةِ فِي الرَّمْيِ وَالْفَرَسِ وَالْإِبِلِ إنْ شُرِطَ الْمَالُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ) بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ لِي لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَيْ بَعِيرٍ أَوْ نَضْلٍ أَيْ رَمْيٍ أَوْ حَافِرٍ أَيْ فَرَسٍ» (وَحَرُمَ لَوْ) شَرَطَاهُ (مِنْ الْجَانِبَيْنِ) بِأَنْ يَقُولَ إنْ سَبَقَ فَرَسُك أَعْطَيْتُك كَذَا، وَإِنْ سَبَقَ فَرَسِي فَأَعْطِنِي كَذَا (إلَّا إذَا أَدْخَلَا ثَالِثًا بَيْنَهُمَا) وَقَالَا لِلثَّالِثِ إنْ سَبَقْتنَا فَالْمَالَانِ لَك، وَإِنْ سَبَقْنَاك فَلَا شَيْءَ لَنَا عَلَيْك وَلَكِنْ أَيُّهُمَا سَبَقَ أَخَذَ الْمَالَ الْمَشْرُوطَ وَكَذَا الْمُتَفَقِّهَةُ إذَا شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا الَّذِي مَعَهُ الصَّوَابُ صَحَّ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْمُسَابَقَةِ.
. (وَ) كُرِهَ قَوْلُهُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَنِّي أَسْأَلُك (بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك) يُرْوَى بِعِبَارَتَيْنِ الْأُولَى مِنْ الْعَقْدِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْقُعُودِ وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ الثَّانِيَةِ لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ وَالْعَرْشُ حَادِثٌ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ بِهَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ حَادِثًا ضَرُورَةً وَعِزُّ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ مِنْ دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَنِّي أَسْأَلُك بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِك وَجَدِّك الْأَعْلَى وَكَلِمَاتِك التَّامَّةِ» وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي تَجْوِيزِهِمَا جَوَازُ جَعْلِ الْعِزِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ لِأَنَّ الْعَرْشَ مَوْصُوفٌ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَجْدِ وَالْكَرَمِ فَكَذَا بِالْعِزِّ وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مَوْضِعُ الْهَيْبَةِ وَإِظْهَارِ كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ.
. (وَ) كُرِهَ قَوْلُهُ فِي دُعَائِهِ (بِحَقِّ فُلَانٍ) وَكَذَا بِحَقِّ أَنْبِيَائِك أَوْ أَوْلِيَائِك أَوْ رُسُلِك أَوْ بِحَقِّ الْبَيْتِ أَوْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إذْ لَا حَقَّ لِلْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ بِلَا وُجُوبٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ.
[احْتِكَارُ قُوتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ]
. (وَ) كُرِهَ (احْتِكَارُ قُوتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ فِي بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إقْرَاضُ بَقَّالٍ دَرَاهِمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَا شَاءَ) أَيْ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا يُقَابِلُ الدَّرَاهِمَ جُزْءًا فَجُزْءًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَهَذَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ حَالَ الْقَرْضِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَرْضِ جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ غَلَّةٍ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ صِحَاحٍ كُرِهَ وَإِنْ رَدَّ صِحَاحًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْكَرْخِيِّ. اهـ.
وَجَعَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْقَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهَا تَبَرُّعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَكِنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَدْفَعُ لِهَذَا أَوْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا أَخَذَ يَقُولُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَأْخُذُ فَهُوَ عَلَى مَا قَاطَعْتُك عَلَيْهِ.
[اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَكُلِّ لَهْوٍ]
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ) كَذَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى لَاعِبِيهِ اسْتِحْقَارًا بِهِمْ وَإِهَانَةً لَهُمْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهِ بَأْسًا لِشَغْلِهِمْ عَنْ اللَّعِبِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ. . . إلَخْ) كَذَا لَوْ شَرَطَهُ ثَالِثٌ لِأَسْبَقِهِمَا فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَدْخَلَا ثَالِثًا بَيْنَهُمَا) أَيْ وَفَرَسُهُ كُفُؤٌ لِفَرَسَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إدْخَالِهِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيُّهُمَا سَبَقَ أَخَذَ الْمَالَ) أَيْ وَلَمْ يَسْبِقْهُمَا الثَّالِثُ فَإِنْ سَبَقَهُمَا أَخَذَ مِنْهُمَا، وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ لِجَمَاعَةِ الْفُرْسَانِ أَوْ الرُّمَاةِ مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ أَوْ أَصَابَ الْهَدَفَ فَلَهُ كَذَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى تَعْلِيمِ آلَةِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَالْكَافِي ثُمَّ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِامْتِنَاعِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْأَحْوَطُ الِامْتِنَاعُ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فَيُخَالِفُ الْقَطْعِيَّ إذْ الْمُتَشَابِهُ يَثْبُتُ بِالْقَطْعِيِّ. اهـ. .
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَمَا رَوَاهُ خَبَرُ آحَادٍ وَلَا يُتْرَكُ بِهِ الِاحْتِيَاطُ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ احْتِكَارُ قُوتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ) وَالِاحْتِكَارُ حَبْسُ الطَّعَامِ لِلْغَلَاءِ افْتِعَالٌ مِنْ حَكِرَ إذَا ظَلَمَ وَنَقَصَ وَحَكِرَ بِالشَّيْءِ إذَا اسْتَبَدَّ بِهِ وَحَبَسَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَتَقْيِيدُهُ بِقُوتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كُلُّ مَا أَضَرَّ بِالْعَامَّةِ حَبْسُهُ فَهُوَ احْتِكَارٌ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ثَوْبًا كَذَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ: فِي بَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ) أُطْلِقَ الْبَلَدُ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَالْكَافِي يُكْرَهُ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ بِأَنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ صَغِيرَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِأَنْ كَانَ
следующие страницы →