Полный текст (874 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إذَا كَانَ مُقَابِلًا لَهَا فَالْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِمَّا وَقَعَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرْقِ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ أَصْلٌ فِي مَوْضِعِهَا وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْعَقِبِ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَكْثَرُهُ، وَالْخَرْقُ فَوْقَ الْكَعْبِ لَا يَمْنَعُ إذْ لَا عِبْرَةَ لِلُبْسِهِ، وَظُهُورُ الْأَنَامِلِ لَا يَمْنَعُ فِي الْأَصَحِّ بَلْ الْمَانِعُ ظُهُورُ قَدْرِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الْخَرْقُ الْكَبِيرُ إذَا كَانَ مُنْفَرِجًا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَإِنْ لَمْ يُرَ مَا تَحْتَهُ لِصَلَابَةِ الْخُفِّ لَكِنَّهُ إذَا أَدْخَلَ فِيهِ الْأَصَابِعَ دَخَلَتْ لَا يَمْنَعُ، وَلَوْ بَدَا حَالَ الْمَشْيِ لَا حَالَ وَضْعِ الْقَدَمِ يَمْنَعُ لِأَنَّهُ لِلْمَشْيِ يُلْبَسُ.
(وَتَجَمُّعُ) الْخُرُوقِ (فِي خُفٍّ لَا فِيهِمَا) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ خُرُوقٌ كَثِيرَةٌ تَحْتَ السَّاقِ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَتْ يَبْدُو مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ مَنَعَ الْمَسْحَ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ السَّفَرَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْقَدْرُ فِي خُفَّيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ عَنْ السَّفَرِ، وَالْخَرْقُ الْمُعْتَبَرُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَمَا دُونَهَا كَالْعَدَمِ (بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ) الْمُتَفَرِّقَةِ حَيْثُ تُجَمَّعُ وَإِنْ كَانَتْ فِي خُفَّيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَ) بِخِلَافِ (الِانْكِشَافِ) أَيْ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ بِالتَّفَرُّقِ كَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَشَيْءٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٍ مِنْ بَطْنِهَا وَشَيْءٍ مِنْ فَخِذِهَا وَشَيْءٍ مِنْ سَاقِهَا حَيْثُ يُجْمَعُ لِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ.
(الْمَعْذُورُ) وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ (يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ) خِلَافًا لِزُفَرَ (إلَّا إذَا انْقَطَعَ) عُذْرُهُ (وَقْتَ الْوُضُوءِ، وَاللُّبْسِ) حَتَّى إذَا وُجِدَ حَالَ الْوُضُوءِ لَا اللُّبْسِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ فِي الْحَالَيْنِ لَمْ يَمْسَحْ بَعْدَهُ.
(وَنَاقِضُهُ) أَيْ الْمَسْحِ (نَاقِضُ الْوُضُوءِ) لِأَنَّهُ بَعْضُهُ (وَنَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ حَيْثُ زَالَ الْمَانِعُ فَيَجِبُ نَزْعُ الْآخَرِ إذْ لَا يُجْمَعُ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ (وَلَوْ) كَانَ النَّزْعُ (بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ فَارَقَ مَكَانَهُ فَكَأَنَّهُ ظَهْرُ رِجْلِهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ كَذَا فِي الْكَافِي، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ خُرُوجِ الْقَلِيلِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ بِلَا قَصْدٍ فَيَلْزَمُ الْحَرَجُ (وَقِيلَ أَكْثَرِ الْعَقِبِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ فِي مَوْضِعِ الْمَسْحِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَإِنْ كَانَ الْقَدَمُ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْعَقِبُ يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ لَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَ) نَاقِضُهُ أَيْضًا (مُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (إنْ لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ رِجْلَهُ) يَعْنِي إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَيَخَافُ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ لَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ جَازَ الْمَسْحُ كَذَا فِي الْكَافِي وَعُيُونِ الْمَذَاهِبِ (وَبَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ النَّزْعِ، وَالْمُضِيِّ (غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ السَّابِقِ إلَيْهِمَا دُونَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ (قِيلَ وَبُلُوغُ الْمَاءِ الْكَعْبَ وَقِيلَ إصَابَتُهُ أَكْثَرَ الْقَدَمِ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى التَّتَارْخَانِيَّة إذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ دَخَلَ الْمَاءُ الْخُفَّ وَابْتَلَّ مِنْ رِجْلَيْهِ قَدْرُ ثَلَاثٍ أَوْ أَقَلَّ لَا يَبْطُلُ مَسْحُهُ وَلَوْ ابْتَلَّ جَمِيعُ الْقَدَمِ وَبَلَغَ الْمَاءُ الْكَعْبَ بَطَلَ الْمَسْحُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْهِ وَيَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلِ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ فِي ذَخِيرَةِ الْفُقَهَاءِ.
وَعَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرٍ إذَا أَصَابَ الْمَاءُ أَكْثَرَ إحْدَى رِجْلَيْهِ يَنْتَقِضُ مَسْحُهُ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ اقْتَصَرُوا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى النَّوَاقِضِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَكَأَنَّهُمْ اخْتَارُوا الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ (نَزَعَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَظُهُورُ الْأَنَامِلِ لَا يَمْنَعُ فِي الْأَصَحِّ) أَقُولُ كَذَا فِي الْكَافِي وَرَأَيْت بِطُرَّتِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَاخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ أَنَّهُ يُمْنَعُ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَبِخِلَافِ أَعْلَامِ الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ فَإِذَا بَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي جَمْعِ الْخُرُوقِ فِي أُذُنَيْ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ انْكِشَافِ) ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخُفَّ شُرِعَ رُخْصَةً فَلَا يُنَاسِبُ الضِّيقَ وَكَيْفِيَّةُ جَمْعِ الِانْكِشَافِ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا انْقَطَعَ عُذْرُهُ وَقْتَ الْوُضُوءِ، وَاللُّبْسِ) أَيْ فَيَكُونُ مُدَّةُ مَسْحِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَوْ مُقِيمًا وَثَلَاثًا لَوْ مُسَافِرًا وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: حَتَّى إذَا وَجَدَ حَالَ الْوُضُوءِ) أَقُولُ الضَّمِيرُ فِي وُجِدَ لِلْعُذْرِ اهـ.
وَجَعَلَهُ مُحَشِّي الْكِتَابِ الْمَرْحُومُ الْوَانِيُّ رَاجِعًا إلَى الِانْقِطَاعِ فَقَالَ: حَتَّى إذَا وُجِدَ أَيْ الِانْقِطَاعُ اهـ.
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ الْمَسْحِ بَعْدَ الْوَقْتِ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ مَا إذَا وُجِدَ الِانْقِطَاعُ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ حَالَ الْوُضُوءِ، وَاللُّبْسِ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مَتْنًا مُصَرِّحَةٌ بِصِحَّةِ الْمَسْحِ بَعْدَهُ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ وَبِهَا صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَالصَّوَابُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْعُذْرِ.
[نَوَاقِضُ الْمَسْحِ الْخُفَّيْنِ]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ) أَقُولُ الْقَدَمُ مِنْ الرِّجْلِ مَا يَطَأُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ لَدُنْ الرُّسْغِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْعَقِبُ بِكَسْرِ الْقَافِ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، وَلَوْ كَانَ أَعْرَجَ يَمْشِي عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ الْعَقِبُ عَنْ مَحَلِّهِ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَا لَمْ يَخْرُجْ قَدَمُهُ إلَى السَّاقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا يَمْسَحُ الْأَعْرَجُ لَوْ كَانَ لَا عَقِبَ لِلْخُفِّ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ) أَقُولُ وَفِي النِّصَابِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ إنْ بَقِيَ فِيهِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ طُولًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ يَنْتَقِضُ (قَوْلُهُ: قِيلَ وَبُلُوغُ الْمَاءِ الْكَعْبَ) تَعْبِيرُهُ بِقِيلَ لَا يُنَاسِبُ سَنَدَهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اقْتَصَرُوا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى النَّوَاقِضِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ)
стр. 37
جُرْمُوقَيْهِ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا لَيْسَ مَسْحًا عَلَى الْخُفَّيْنِ لِانْفِصَالِهِمَا عَنْ الْخُفَّيْنِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ لَوْ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ أَوْ قَشَّرَ جِلْدَ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ حَيْثُ لَا يُعِيدُ الْمَسْحَ عَلَى مَا تَحْتَهُ لِأَنَّ الْجَمِيعَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِلِاتِّصَالِ فَصَارَ كَحَلْقٍ بَعْدَ الْمَسْحِ (وَلَوْ نَزَعَ إحْدَاهُمَا) بَطَلَ مَسْحُهُمَا فَحِينَئِذٍ (يُعِيدُ مَسْحَ الْجُرْمُوقِ الْآخَرِ، وَ) مَسْحَ (الْخُفِّ) لِأَنَّ الِانْتِقَاضَ فِي الْوَظِيفَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَتَجَزَّأُ فَإِذَا انْتَقَضَ فِي أَحَدِهِمَا انْتَقَضَ فِي الْآخَرِ (وَقِيلَ يَنْزِعُ) الْجُرْمُوقَ (الْآخَرَ) لِأَنَّ نَزْعَ أَحَدِهِمَا كَنَزْعِهِمَا لِعَدَمِ التَّجَزِّي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(مُقِيمٌ مَسَحَ فَسَافَرَ قَبْلَ) تَمَامِ (يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ مُدَّةَ السَّفَرِ) أَيْ تَتَحَوَّلُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا (وَلَوْ) سَافَرَ (بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (نَزَعَ) لِأَنَّ الْحَدَثَ سَرَى إلَى الْقَدَمِ، وَالسَّفَرُ لَا يَرْفَعُهُ (وَمُسَافِرٌ أَقَامَ بَعْدَهُمَا نَزَعَ وَقَبْلَهُمَا يُتِمُّهُمَا) أَيْ الْيَوْمَ، وَاللَّيْلَةَ لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُسَافِرَ الْمُقِيمُ أَوْ يُقِيمَ الْمُسَافِرُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بَعْدَهُ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْعِصَابَةِ]
(الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ) وَهُوَ عُودٌ يُجْبَرُ بِهِ الْعَظْمُ الْمَكْسُورُ (وَخِرْقَةِ الْقُرْحَةِ) وَهِيَ مَا يُوضَعُ عَلَى الْقُرْحَةِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ (وَالْعِصَابَةِ) مَا يَشُدُّ بِهِ الْخِرْقَةَ لِئَلَّا تَسْقُطَ (كَالْغَسْلِ) لِمَا تَحْتَهَا (فَلَا يَتَوَقَّتُ) بِمُدَّةٍ كَالْغَسْلِ (وَيُجْمَعُ بِهِ) أَيْ بِالْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ مَسْحًا حُكْمًا لِمَا جُمِعَ بِهِ كَغَسْلِ أَحَدِ قَدَمَيْهِ وَمَسْحِ أَحَدِ خُفَّيْهِ (وَجَازَ) أَيْ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ (وَلَوْ شُدَّتْ) أَيْ الْجَبِيرَةُ بِلَا وُضُوءٍ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا.
(وَتَرَكَ) أَيْ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ (إنْ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا) يَتْرُكُ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ) الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ (إذَا عَجَزَ عَنْ مَسْحِ الْمَوْضِعِ) أَيْ مَوْضِعِ الْجَبِيرَةِ بِأَنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَاءُ أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً يَضُرُّ حَلُّهَا أَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مَسْحِهِ فَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ.
وَفِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ (وَلَا يُبْطِلُهُ) أَيْ الْمَسْحَ (سُقُوطُهَا) أَيْ الْجَبِيرَةِ (إلَّا عَنْ بُرْءٍ فَإِنْ سَقَطَتْ فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ بُرْءٍ (بَطَلَ) الْمَسْحُ (وَاسْتُؤْنِفَتْ) الصَّلَاةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ عَنْ بُرْءٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَقُولُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِمَا نَقَلَهُ، وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ قَاضِي خَانْ وَلِمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا تَخْفَى شُهْرَتُهُمْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا دُخُولُ خُفِّهِ الْمَاءَ لِأَنَّ رِجْلَهُ تَصِيرُ بِذَلِكَ مَغْسُولَةً وَيَجِبُ غَسْلُ رِجْلِهِ الْأُخْرَى لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ غَسْلَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ يَنْقُضُهُ فِي الْأَصَحِّ اهـ.
وَقَدَّمْنَا بَعْضَهُ (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ يُعِيدُ مَسْحَ الْجُرْمُوقِ الْآخَرِ) فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَلَا يَمْسَحُهُ عِنْدَهُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) وَجْهُ عَدَمِ وُجُوبِ النَّزْعِ جَوَازُ ابْتِدَاءِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْوَاحِدِ مَعَ مَسْحِ الْخُفِّ الْوَاحِدِ فَالْبَقَاءُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَالْمَسْحُ عَلَى جَبِيرَةٍ وَخُرْقَةِ الْقُرْحَةِ وَنَحْوِهَا وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِهِ قَالَا وَاسْتِحْبَابُهُ رِوَايَةٌ قِيلَ وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْمَجْرُوحِ أَمَّا الْمَكْسُورُ فَيَجِبُ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فَقَوْلُهُمَا بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْكِهِ فِيمَنْ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ وَقَوْلُهُ: بِجَوَازِهِ فِيمَنْ يَضُرُّهُ اهـ.
وَقَدْ احْتَجَّ الْمُحَقِّقُ الْكَمَالُ إلَى تَقْوِيَةِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: وَغَايَةُ مَا يُفِيدُ الْوَارِدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ الْوُجُوبُ فَعَدَمُ الْفَسَادِ بِتَرْكِهِ أَقْعَدُ بِالْأُصُولِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ لَا الْفَسَادِ بِتَرْكِهِ إذَا لَمْ يَمْسَحْ وَصَلَّى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ اهـ.
قُلْت وَلَا يُقَالُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَاجِبِ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ لِمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْغَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَيْ الْمَسْحُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى تَجُوزَ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ اهـ. ثُمَّ قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّازِيّ تَفْصِيلًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ لَوْ ظَهَرَ أَمْكَنَ غَسْلُهُ فَالْمَسْحُ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ اهـ.
(قُلْت) وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ لَوْ ظَهَرَ أَمْكَنَ غَسْلُهُ. . . إلَخْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ الْجَبِيرَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ) أَقُولُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ لَا بِالْحَارِّ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ بِالْحَارِّ، وَإِنْ ضَرَّهُ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ يَمْسَحُ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَمْسَحُ فَوْقَهَا اهـ.
قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ لَكِنْ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُ الْجِرَاحَةِ إلَّا بِالْمَاءِ الْحَارِّ خَاصَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكَلُّفُ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَيُجْزِيهِ الْمَسْحُ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرَرِ الْمُعْتَبَرُ مِنْهُ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَخْلُو عَنْ أَدْنَى ضَرَرٍ وَذَلِكَ لَا يُبِيحُ التَّرْكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً يَضُرُّ حَلُّهَا) أَقُولُ يَعْنِي وَلَا يَضُرُّ مَسْحُهُ مَوْضِعَ الْجَبِيرَةِ لِكَوْنِهِ قَسِيمًا؛ لِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِأَنْ عَجَزَ عَنْ مَسْحِ الْمَوْضِعِ بِأَنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَاءُ اهـ.
(قُلْتُ) وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ انْتَهَى
стр. 38
إمَّا بِأَنْ لَا تَسْقُطَ أَوْ سَقَطَتْ لَكِنْ لَا عَنْ بُرْءٍ (فَلَا) أَيْ فَلَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ وَلَا تُسْتَأْنَفُ الصَّلَاةُ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مَسْحِهَا) أَيْ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ، وَالْخِرْقَةِ، وَالْعِصَابَةِ (التَّثْلِيثُ، وَالنِّيَّةُ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَيُسَنُّ التَّثْلِيثُ عِنْدَ الْبَعْضِ إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى الرَّأْسِ (وَيَكْفِي) الْمَسْحُ (عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْكَافِي: فَصَدَ وَوَضَعَ خِرْقَةً وَشَدَّ الْعِصَابَةَ قِيلَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى الْخِرْقَةِ وَقِيلَ إنْ أَمْكَنَهُ شَدُّ الْعِصَابَةِ بِلَا إعَانَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ وَقِيلَ إنْ كَانَ حَلُّ الْعِصَابَةِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّ الْجِرَاحَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ خِرْقَةٍ جَاوَزَتْ مَوْضِعَ الْقُرْحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ حَلُّهَا بَلْ نَزْعُهَا عَنْ مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ يَضُرُّ يَحُلُّهَا وَيَغْسِلُ مَا تَحْتَهَا إلَى مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ فَيَشُدُّهَا وَيَمْسَحُ مَوْضِعَ الْجِرَاحَةِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ عِصَابَةِ الْمُفْتَصِدِ وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ مَا يَلِي بَيْنَ الْعُقْدَتَيْنِ مِنْ الْعِصَابَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ الْمَسْحُ إذْ لَوْ غَسَلَ تَبْتَلُّ الْعِصَابَةُ فَرُبَّمَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَوْضِعِ الْفَصْدِ.
بَابُ دِمَاءٍ تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ
وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: حَيْضٌ وَنِفَاسٌ وَاسْتِحَاضَةٌ (الْحَيْضُ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ بَالِغَةٍ) أَيْ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ احْتَرَزَ بِالرَّحِمِ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ لِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا دَمُ رَحِمٍ، وَعَنْ الرُّعَافِ، وَالدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَعَمَّا تَرَاهُ الْحَامِلُ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّحِمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَبِلَتْ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ (لَا دَاءَ بِهَا) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا يَنْفُضُهُ الرَّحِمُ لِمَرَضٍ كَالْوِلَادَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ حَتَّى اُعْتُبِرَ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا إيَاسَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا وَجْهَ لِأَخْذِهِ فِي حَدِّ الْحَيْضِ (وَأَقَلُّهُ) يَعْنِي أَقَلَّ مُدَّتِهِ (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا) يَعْنِي ثَلَاثَةَ لَيَالٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلَتَيْنِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَقْدِيرِهِ الْأَقَلَّ بِيَوْمٍ، وَالْأَكْثَرَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
(وَلَوْنٌ) رَأَتْهُ (فِي مُدَّتِهِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: إمَّا بِأَنْ لَا تَسْقُطَ) هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُذْكَرَ فِي مُقَابَلَةِ السُّقُوطِ عَنْ بُرْءٍ بَلْ يُكْتَفَى بِالسُّقُوطِ لَا عَنْ بُرْءٍ.
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى الرَّأْسِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الرَّأْسِ كَغَيْرِهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ بِالرَّأْسِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا مَا يُجْزِي فِي الْفَرْضِ، وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(تَتِمَّةٌ) فِي جَامِعِ الْجَوَامِعِ رَجُلٌ بِهِ رَمَدٌ فَدَاوَاهُ وَأُمِرَ أَنْ لَا يَغْسِلَ فَهُوَ كَالْجَبِيرَةِ وَفِي الْأَصْلِ إذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الدَّوَاءَ أَوْ الْعِلْكَ وَتَوَضَّأَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ لَا يَنْزِعَ عَنْهُ يُجْزِيهِ إنْ لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِ الْمَاءُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْمَسْحُ وَلَا إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الدَّوَاءِ وَالْعِلْكِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَشُرِطَ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الْعِلْكِ وَلَا يَكْفِيهِ الْمَسْحُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَفِي الْبُرْهَانِ وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً أَوْ عِلْكًا أَوْ أَدْخَلَ جِلْدَةَ مَرَارَةٍ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَ بِأَعْضَائِهِ شُقُوقٌ أَمَرَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا مَسَحَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ وَإِلَّا تَرَكَهَا وَغَسَلَ مَا حَوْلَهَا اهـ.
وَإِذَا تَوَضَّأَ وَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى الدَّوَاءِ ثُمَّ سَقَطَ الدَّوَاءُ إنْ سَقَطَ عَنْ بُرْءٍ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ مَا يَلِي بَيْنَ الْعُقْدَتَيْنِ. . . إلَخْ) يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظَةِ يَلِي فَتَأَمَّلْ.
[بَابُ دِمَاءٍ تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ]
[أَحْكَام الْحَيْض]
(بَابُ دِمَاءٍ تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ)
(قَوْلُهُ: الْحَيْضُ. . . إلَخْ) هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْحَيْضِ خَبَثٌ أَمَّا إنْ كَانَ حَدَثًا فَتَعْرِيفُهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِنْتِ تِسْعٍ) أَقُولُ هَذَا عَلَى الْمُخْتَارِ لِتَعْرِيفِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا حَيْضٌ لِبُلُوغِهَا وَقِيلَ بِنْتُ سِتٍّ وَضَعَّفَهَا وَسَبْعٍ (قَوْلُهُ: احْتَرَزَ بِالرَّحِمِ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ لِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ) أَقُولُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَيْدِ الْبُلُوغِ وَاحْتَرَزَ بِهِ غَيْرُهُ عَنْ الصَّغِيرَةِ وَقَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ قَوْلُكُمْ إنَّ دَمَ الصَّغِيرَةِ اسْتِحَاضَةٌ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا وَدَمَ الصَّغِيرَةِ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الشَّرْعِ فَذِكْرُهُ لِإِصْلَاحِ التَّعْرِيفِ لَا لِإِخْرَاجِ حُكْمِهِ عَنْ حُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ اهـ.
قُلْتُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِتَرَتُّبِ حُكْمِ الصَّلَاةِ صِحَّةً وَفَسَادًا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا وَصِحَّةِ صَوْمِهَا وَعَدَمِ مَنْعِهِ حِلَّ وَطْئِهَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ وَلَا إيَاسٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) أَقُولُ يَرِدُ الْبُلُوغُ فَإِنَّهُ أُخِذَ فِي الْحَدِّ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَلَا وَجْهَ لِأَخْذِهِ فِي حَدِّ الْحَيْضِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: يَعْنِي أَقَلَّ مُدَّتِهِ) هَذَا يُعَيِّنُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةٌ خَبَرًا لَهُ فَاحْتَاجَ لِبَيَانِ مَا أَضْمَرَهُ وَإِلَّا فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (قَوْلُهُ: بِلَيَالِيِهَا) صَرَّحَ بِهِ لِزِيَادَةِ إيضَاحٍ وَإِلَّا فَلَا فَذِكْرُ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهَا مِنْ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١] وَقَالَ ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠] ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَقَالَ أَوَّلًا خَمْسَةَ عَشَرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَعَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ، وَعَلَى مَالِكٍ بِسَاعَةٍ كَمَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ: وَلَوْنٌ رَأَتْهُ فِي مُدَّتِهِ) الْمُرَادُ بِالْمُدَّةِ زَمَانُ عَادَتِهَا
стр. 39
أَيْ الْحَيْضِ (سِوَى الْبَيَاضِ وَطُهْرٍ مُتَخَلَّلٍ فِيهَا) أَيْ تِلْكَ الْمُدَّةِ (حَيْضٌ) يَعْنِي إذَا أَحَاطَ الدَّمُ بِطُهْرٍ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ كَانَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ.
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ) الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ فَكَانَ كَمُدَّةِ الْإِقَامَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَإِذَا كَانَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهْرِ يَوْمَانِ لَيْسَ فِيهِمَا حَيْضٌ وَلَا طُهْرٌ قُلْنَا هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ الْوَاحِدُ، وَالْحَيْضُ الْوَاحِدُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِيضُ فِي الشَّهْرِ عَشَرَةً لَا مَحَالَةَ وَلَوْ حَاضَتْ فَلَا تَطْهُرُ عِشْرِينَ لَا مَحَالَةَ بَلْ تَحِيضُ ثَلَاثَةً وَتَطْهُرُ عِشْرِينَ وَقَدْ تَحِيضُ عَشَرَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَقَدْ لَا تَرَى الْحَيْضَ أَبَدًا فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ (إلَّا عِنْدَ نُصُبِ الْعَادَةِ إذَا اسْتَمَرَّ الدَّمُ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِأَكْثَرِهِ عَادَةً وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً لِأَنَّ الْعَادَةَ نُقْصَانُ طُهْرِ غَيْرِ الْحَامِلِ عَنْ طُهْرِ الْحَامِلِ وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَانْتَقَصَتْ عَنْ هَذَا بِشَيْءٍ وَهُوَ السَّاعَةُ صُورَتُهُ مُبْتَدِئَةٌ رَأَتْ عَشَرَةً دَمًا وَسِتَّةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لَا مَا يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ وَهُوَ مَا قَبْلَ سِنِّ الْيَأْسِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: سِوَى الْبَيَاضِ) شَامِلٌ لِلْخُضْرَةِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ يَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْكُدْرَةُ، وَالتَّرِيَّةُ، وَالصُّفْرَةُ، وَالْخُضْرَةُ إنَّمَا تَكُونُ حَيْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ الْعَجَائِزِ أَمَّا فِي الْعَجَائِزِ فَيُنْظَرُ إنْ وَجَدَتْهَا عَلَى الْكُرْسُفِ وَمُدَّةُ الْوَضْعِ قَرِيبَةٌ فَهِيَ حَيْضٌ وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْوَضْعِ طَوِيلَةً لَمْ يَكُنْ حَيْضًا لِأَنَّ فَمَ رَحِمِ الْعَجَائِزِ يَكُونُ مُنْتِنًا فَيَتَغَّيَّرُ الْمَاءُ فِيهِ لِطُولِ الْمُكْثِ وَمَا عَرَفْت مِنْ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ الْحَيْضِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِيهَا فِي النِّفَاسِ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْحَيْضِ اهـ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَطُهْرٍ مُتَخَلَّلٍ فِيهَا أَيْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ حَيْضٌ) أَشَارَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ بِأَنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا مَثَلًا لَا يَكُونُ حَيْضًا لِأَنَّ الدَّمَ الْأَخِيرَ لَمْ يُوجَدْ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَكَذَا النِّفَاسُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ لَكِنْ لَمْ تُصَحَّحْ فِي الشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النِّصَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الدَّمَ مُنْقَطِعٌ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَفِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا عِنْدَ نُصُبِ الْعَادَةِ. . . إلَخْ) شَامِلٌ لِثَلَاثِ مَسَائِلَ مَسْأَلَةُ مَنْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ، وَمَنْ لَهَا عَادَةٌ فِي الطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَحَيْضُهَا وَطُهْرُهَا مَا رَأَتْ فَعِدَّتُهَا بِحَبْسِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ الْمُضَلِّلَةِ وَتُسَمَّى الْمُحَيِّرَةُ وَفِيهَا فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ كَذَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ إلَّا فِي عِدَّةِ الْمُحَيِّرَةِ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَأَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَدَوْرَهَا فَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِطْلَاقُ وَلَا مَا صَوَّرَهُ مِنْ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ:، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَهَذَا فِي الْمُحَيِّرَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَتَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حِيَضٍ سِوَاهَا وَثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَجَوَابُهُ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ مُحَرَّمًا لَمْ يُنْزِلُوهُ مُطْلَقًا فِيهِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ اهـ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ آكَدُ خُصُوصًا الْعِدَّةَ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى تَوَهُّمِ مُصَادَفَةِ الطَّلَاقِ الطُّهْرَ فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِيَقِينٍ اهـ.
ثُمَّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَعْنِي الطُّهْرَ لِلْمُحَيِّرَةِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي سَهْلٍ الْغَزَالِيِّ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَاخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ اهـ.
قُلْت فَعَلَى هَذَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثِ حَيْضَاتٍ بِشَهْرٍ اهـ.
وَبَاقِي الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ تَأْخُذُ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَكَيْفِيَّتُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: صُورَتُهُ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ مَا قَدَّمَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ طُهْرُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ عَادَةً لَهَا لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقَدْ حَكَمَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِيمَا دُونَهُ كَمَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُحَيِّرَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُخْتَارِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ عَادَتِهَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ بِرُؤْيَةِ عَشَرَةٍ مَثَلًا دَمًا وَسِتَّةٍ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ، وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ: حَيْضُهَا مَا رَأَتْ وَطُهْرُهَا مَا رَأَتْ
стр. 40
أَشْهُرٍ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ حَيْضَاتٍ كُلُّ حَيْضٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَإِلَى ثَلَاثِ أَطْهَارٍ كُلُّ طُهْرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً، اعْلَمْ أَنَّ إحَاطَةَ الدَّمِ لِلطَّرَفَيْنِ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِطَرَفَيْ مُدَّةِ الْحَيْضِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِطَرَفَيْ مُدَّةِ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ وَأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بَلْ هُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا لَا يَفْصِلُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بَلْ هُوَ أَيْضًا كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي عِنْدَهُ لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الصَّحِيحِ شَرْعًا فَيَجُوزُ بُدَاءَةُ الْحَيْضِ وَخَتْمُهُ بِالطُّهْرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ الْآتِيَةِ.
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَفْصِلُ إنْ أَحَاطَ الدَّمُ بِطَرَفَيْهِ فِي عَشَرَةٍ أَوْ أَقَلَّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ كَوْنُ الدَّمَيْنِ نِصَابًا.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا كَوْنُ الطُّهْرِ مُسَاوِيًا لِلدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ إذَا صَارَ الطُّهْرُ لِكَوْنِهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي دَمًا عِنْدَهُ فَإِنْ وُجِدَ فِي عَشَرَةِ ذَلِكَ الطُّهْرِ فِيهَا طُهْرٌ آخَرُ يَغْلِبُ الدَّمَيْنِ الْمُحِيطَيْنِ بِهِ لَكِنْ يَصِيرُ مَغْلُوبًا إنْ عُدَّ ذَلِكَ الدَّمُ الْحُكْمِيُّ دَمًا فَإِنَّهُ يُعَدُّ دَمًا حَتَّى يَجْعَلَ الطُّهْرَ الْآخَرَ حَيْضًا أَيْضًا إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي سُهَيْلٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطُّهْرِ الْآخَرِ مُقَدَّمًا عَلَى ذَلِكَ الطُّهْرِ أَوْ مُؤَخَّرًا، وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الطُّهْرُ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ يَفْصِلُ مُطْلَقًا فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ وَوَضَعُوا مِثَالًا يَجْمَعُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مُبْتَدِئَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ يَوْمًا د وَثَمَانِيَةً ط ثُمَّ يَوْمًا د وَسَبْعَةً ط ثُمَّ يَوْمَيْنِ د وَثَلَاثَةً ط ثُمَّ يَوْمًا د وَثَلَاثَةً ط ثُمَّ يَوْمًا د وَيَوْمَيْنِ ط ثُمَّ يَوْمًا د فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا فَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ الْعَشَرَةُ الْأُولَى الَّتِي حَادِيهَا دَمٌ وَعَاشِرُهَا طُهْرٌ، وَالْعَشَرَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي طَرَفَاهَا طُهْرٌ حَيْضٌ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ الْعَشَرَةُ بَعْدَ طُهْرٍ هُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَيْضٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْعَشَرَةُ بَعْدَ طُهْرٍ هُوَ ثَمَانِيَةُ حَيْضٍ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْعَشَرَةُ بَعْدَ طُهْرٍ هُوَ سَبْعَةُ حَيْضٍ.
وَعِنْدَ أَبِي سُهَيْلٍ السِّتَّةُ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ حَيْضَةٌ.
وَعِنْدَ الْحَسَنِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ حَيْضٌ وَمَا سِوَى مَا حَكَمَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ بِكَوْنِهِ حَيْضًا اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ فَفِي كُلِّ صُورَةٍ يَكُونُ الطُّهْرُ النَّاقِصُ فَاصِلًا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ إنْ كَانَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ نِصَابًا كَانَ حَيْضًا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصَابًا فَالْأُولَى حَيْضٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا نِصَابًا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ اسْتِحَاضَةٌ وَلْنُصَوِّرْ صُورَةً يُفْهَمُ مِنْهَا الْأَقْوَالُ بِسُهُولَةٍ وَهِيَ هَذِهِ (د هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ د هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ د هـ هـ هـ هـ هـ هـ هـ د د هـ هـ هـ د هـ هـ هـ د هـ هـ د) هَذَا مَا تَيَسَّرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ.
(، وَالنِّفَاسُ دَمٌ يَعْقُبُ الْوَلَدَ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ إذَا وَضَعَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَنِسْوَةٌ نِفَاسٌ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا اهـ.
قُلْت فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا صَوَّرَهُ هُوَ هَكَذَا فِي الْحُكْمِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّنْقِيضِ اهـ. ثُمَّ قَالَ الْكَمَالُ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِهِ الطَّلَاقَ أَوَّلَ الطُّهْرِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ إلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَضْبُوطًا فَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِيرُ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ كَوْنِ حِسَابِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ أَوَّلَ الْحَيْضِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَذْكُورِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ آخِرَ الطُّهْرِ فَيُقَدَّرُ بِسَنَتَيْنِ وَاحِدٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا فَيَنْبَغِي أَنْ تُزَادَ الْعَشَرَةُ إنْزَالًا لَهُ مُطْلَقًا أَوَّلَ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا اهـ.
فَقُلْت وَبِهَذَا تُعْلَمُ صِحَّةُ جَوَابِنَا عَنْ الزَّيْلَعِيِّ ﵀ (قَوْلُهُ: اعْلَمْ. . . إلَخْ) مَحَلُّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَطُهْرٍ مُتَخَلَّلٍ فِيهَا حَيْضٌ فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ ثَمَّةَ (قَوْلُهُ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. . . إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ وَكَانَ يَقُولُ هُوَ أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ رَأْيُ صَدْرِ الْإِسْلَامِ حُسَامِ الدِّينِ وَبِهِ يُفْتِي اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا (قَوْلُهُ: كَوْنُ الدَّمَيْنِ نِصَابًا) أَقُولُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى اهـ.
وَيَعْنِي بِالْأَوَّلِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا (قَوْلُهُ: فَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ الْعَشَرَةُ الْأُولَى. . . إلَخْ) فَإِنْ قُلْت فِي جَعْلِ الْعَشَرَةِ الْأُولَى حَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَهُ وُجُودُ نِصَابِ أَقَلِّهِ وَذَلِكَ إمَّا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَوْ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يُوجَدْ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا لَمْ يَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ فَاسِدًا فَلَمْ يَكُنْ فَاصِلًا فَهُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي وَإِذَا كَانَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فَالْحَيْضُ عَشَرَةٌ، وَالطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[أَحْكَام النِّفَاس وَالِاسْتِحَاضَة]
(قَوْلُهُ: وَالنِّفَاسُ. . . إلَخْ) تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ وَأَمَّا اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ أَوْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ فَلَيْسَ بِذَاكَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي عَنْ الْمُغْرِبِ
стр. 41
وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرُ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ كَذَا فِي الصِّحَاحِ (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَلَدِ أَمَارَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الرَّحِمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا يُؤَيِّدُ جَانِبَ كَوْنِهَا مِنْ الرَّحِمِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ إذْ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الرَّحِمِ فَجُعِلَ الِامْتِدَادُ مُرَجِّحًا (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) «لِأَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .
(وَكُلٌّ) مِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ (يَمْنَعُ اسْتِمْتَاعَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) كَالْمُبَاشَرَةِ، وَالتَّفْخِيذِ وَتَحِلُّ الْقُبْلَةُ وَمُلَامَسَةُ مَا فَوْقَهُ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَّقِي مَوْضِعَ الدَّمِ فَقَطْ (وَالصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ (وَتَقْضِيهِ فَقَطْ) أَيْ تَقْضِي الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ لِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَصِحَّةَ أَدَائِهَا وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ فَنَفْسُ وُجُوبِهِ ثَابِتٌ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ أَدَائِهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا طَهُرَتْ.
(وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِانْقِطَاعِهِ لِلْأَكْثَرِ وَلِلْأَقَلِّ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ يَسَعُ الْغُسْلَ، وَالتَّحْرِيمَةَ) أَيْ حَلَّ وَطْءُ مَنْ قُطِعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ لَا وَطْءُ مَنْ قُطِعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ بِأَنْ يَنْقَطِعَ الْحَيْضُ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ، وَالنِّفَاسُ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَّا إذَا مَضَى أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ يَسَعُ الْغُسْلَ وَالتَّحْرِيمَةَ فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ وَطْؤُهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا فَإِذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ فِيمَا دُونَ الْعَادَةِ يَجِبُ أَنْ تُؤَخِّرَ الْغُسْلَ إلَى آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنْ خَافَتْ الْفَوْتَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَالْمُرَادُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لَا وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى رَأْسِ عَادَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَتُؤَخِّرُ الِاغْتِسَالَ اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَإِذَا خَافَتْ الْفَوْتَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ثُمَّ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ إذَا عَادَ الدَّمُ فِي الْعَشَرَةِ بَطَلَ الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهَا مُبْتَدَأَةً كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَةً وَإِذَا انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَبِمُضِيِّ الْعَشَرَةِ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا هَكَذَا إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَإِذَا طَهُرَتْ فِي الثَّانِي تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ثُمَّ فِي الثَّالِثِ تَتْرُكُهُمَا، وَفِي الرَّابِعِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ هَكَذَا إلَى الْعَشَرَةِ (وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ) أَيْ وَطْءِ الْحَائِضِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ.
(وَالنَّاقِصُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي اسْتِحَاضَةٌ (عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ (وَالزَّائِدُ عَلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ الْعَشَرَةِ (أَوْ) عَلَى (أَكْثَرِ النِّفَاسِ) أَيْ أَرْبَعِينَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقَالَ الْكَمَالُ: ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ فَيُقَالُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ مِنْ الْفَرْجِ فَإِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهَا بِأَنْ كَانَ بِبَطْنِهَا جُرْحٌ فَانْشَقَّتْ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مِنْهَا تَكُونُ صَاحِبَةَ جُرْحٍ سَائِلٍ لَا نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَقَعَ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ اهـ.
وَإِنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ الْأَسْفَلِ صَارَتْ نُفَسَاءَ وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ السُّرَّةِ لِأَنَّهُ وُجِدَ خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ اهـ.
وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَرَ دَمًا لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ، وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَعَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ تَرَ دَمًا احْتِيَاطًا لِعَدَمِ خُلُوِّهِ عَنْ قَلِيلِ دَمٍ ظَاهِرًا وَاكْتَفَيَا بِالْوُضُوءِ فِي قَوْلِهِمَا الْآخَرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَقَدَّمْنَاهُ فِي مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ وَذَكَرْنَاهُ أَيْضًا هُنَا لِتَعَلُّقِهِ بِكُلٍّ مِنْ الْمَحَلَّيْنِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ صَحَّحَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلَ الْإِمَامِ بِالْوُجُوبِ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ.
وَفِي الْعِنَايَةِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَهَذَا مَا وَعَدْنَا بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهَا مِنْ الرَّحِمِ) أَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الدِّمَاءِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَذْكِيرَهُ لِرُجُوعِهِ لِلنِّفَاسِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ. . . إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ قُصُورٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالْحَائِضِ، وَالْمَتْنُ شَامِلٌ لِلنُّفَسَاءِ وَهِيَ كَالْحَائِضِ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ: أَيْ حَلَّ وَطْءُ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرَ) أَقُولُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا مَضَى أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ. . . إلَخْ)
يَعْنِي بِهِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعَ آخِرَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ إنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا لَا أَعَمَّ مِنْهُ كَمَا غَلِطَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ثُمَّ الْحَصْرُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَمَّا أَنَّ التَّيَمُّمَ إذَا صَلَّتْ بِهِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ قُصُورٌ لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ
وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ فِيمَا دُونَ الْعَادَةِ. . . إلَخْ) لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِحُكْمِ إتْيَانِهَا وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ قُرْبَانُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(تَنْبِيهٌ) : مُدَّةُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَإِنْ كَانَ تَمَامُ عَادَتِهَا بِخِلَافِهِ لِلْعَشَرَةِ حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي الْأُولَى، وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ
وَفِي الْمُجْتَبَى الصَّحِيحُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ الْغُسْلِ لُبْسُ الثِّيَابِ وَهَكَذَا صَوْمُهَا وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ أَيْ وَطْءَ الْحَائِضِ) أَقُولُ اُخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ: أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَتْنَ شَامِلٌ لِلنُّفَسَاءِ وَقَدْ خَصَّهُ بِالْحَائِضِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ وَطِئَ النُّفَسَاءَ مِنْ حَيْثُ تَكْفِيرُهُ أَمَّا حُرْمَةُ وَطْئِهَا فَمُصَرَّحٌ بِهِ.
стр. 42
(أَوْ) عَلَى (عَادَةٍ عُرِفَتْ لَهُمَا وَجَاوَزَا أَكْثَرَهُمَا) أَيْ عَادَةٍ عُرِفَتْ لِحَيْضٍ وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ أَوْ نِفَاسٍ وَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ فَإِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي الْحَيْضِ كَسَبْعَةٍ مَثَلًا فَرَأَتْ الدَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فَخَمْسَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ السَّبْعِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي النِّفَاسِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا مَثَلًا فَرَأَتْ الدَّمَ خَمْسِينَ يَوْمًا فَالْعِشْرُونَ الَّتِي بَعْدَ الثَّلَاثِينَ اسْتِحَاضَةٌ هَذَا حُكْمُ الْمُعْتَادَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةِ فَقَالَ (أَوْ) عَلَى (عَشَرَةِ حَيْضٍ مَنْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ) عَلَى (أَرْبَعِينَ نِفَاسِهَا وَمَا رَأَتْ حَامِلٌ) مِنْ الدَّمِ (اسْتِحَاضَةٌ) أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا بَيَّنَ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَهُ وَأَكْثَرَ النِّفَاسِ عُلِمَ أَنَّ النَّاقِصَ عَنْ الْأَقَلِّ، وَالزَّائِدَ عَلَى الْأَكْثَرِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً بِالضَّرُورَةِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا وَتُصَلِّيَ فِي غَيْرِهَا فَعُلِمَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا اسْتِحَاضَةٌ، وَأَمَّا الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ فَلِأَنَّ الْمُبْتَدِئَةَ الَّتِي بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً حَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ فَيَكُونُ طُهْرُهَا عِشْرِينَ يَوْمًا وَأَمَّا النِّفَاسُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ عَادَةٌ فَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَالزَّائِدُ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ.
وَأَمَّا السَّابِعُ فَلِمَا عَرَفْت فِي أَوَّلِ الْبَابِ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ الِاسْتِحَاضَةِ فَقَالَ (لَا تَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا وَوَطْئًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «لِمُسْتَحَاضَةٍ تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» فَثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الصَّلَاةِ عِبَارَةً وَحُكْمُ الْوَطْءِ وَالصَّوْمِ دَلَالَةً لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ دَمَ الرَّحِمِ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْوَطْءَ وَدَمَ الْعِرْقِ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْهَا فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا الدَّمُ الصَّلَاةَ عَلَى أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا دَمُ رَحِمٍ فَثَبَتَ الْحُكْمَانِ الْآخَرَانِ دَلَالَةً.
(وَالنِّفَاسُ لِأُمِّ التَّوْأَمَيْنِ) هُمَا وَلَدَانِ مِنْ بَطْنٍ يَكُونُ بَيْنَ وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (مِنْ) الْوَلَدِ (الْأَوَّلِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ الْآخَرِ) وِفَاقًا لَهُمْ أَنَّهَا حَامِلٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ دَمُهَا مِنْ الرَّحِمِ وَلِذَا لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي وَلَنَا أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالدَّمِ الْخَارِجِ عَقِيبَ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ (وَسِقْطٌ يُرَى بَعْضُ خَلْقِهِ) كَيَدٍ وَرِجْلٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ (وَلَدٌ) فَتَكُونُ بِهِ نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَيَحْنَثُ لَوْ كَانَ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِالْوِلَادَةِ.
(وَأَمَّا الْإِيَاسُ فَقِيلَ لَا يُحَدُّ بِمُدَّةٍ) بَلْ هُوَ أَنْ تَبْلُغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا يَحِيضُ مِثْلُهَا فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا الْمَبْلَغَ وَانْقَطَعَ دَمُهَا يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا (فَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ حَيْضٌ) أَيْ إذَا لَمْ يُحَدَّ فَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ ذَلِكَ دَمًا كَانَ حَيْضًا فَيَبْطُلُ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ، وَتَفْسُدُ الْأَنْكِحَةُ (وَقِيلَ يُحَدُّ) وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ يُحَدُّ (بِخَمْسِينَ سَنَةً) وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ ﵂ وَفِي الْحُجَّةِ الْيَوْمُ يُفْتَى بِهِ تَيْسِيرًا عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَتْ بِارْتِفَاعِ الْحَيْضِ بِطُولِ الْعِدَّةِ (وَقِيلَ) يُحَدُّ (بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ) سَنَةً، وَبِهِ أَفْتَى مَشَايِخُ بُخَارَى وَخُوَارِزْمَ وَمَرْوَ (وَقِيلَ) يُحَدُّ (بِسِتِّينَ) سَنَةً وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصًّا وَمُعْتَبَرٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ (وَاخْتُلِفَ فِيمَا رَأَتْهُ بَعْدَهَا)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى عَادَةٍ عُرِفَتْ لَهُمَا) أَقُولُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ وَقَالَ الْخُلَاصَةُ، وَالْكَافِي: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ لِثُبُوتِ الْعَادَةِ، وَالْخِلَافُ فِي الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا الْجَعْلِيَّةِ وَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيَقْصِدْ فَتْحَ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: فَرَأَتْ الدَّمَ خَمْسِينَ يَوْمًا فَالْعَشَرَةُ. . . إلَخْ) .
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ فَالْعِشْرُونَ كَمَا قَالَ فَخَمْسَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ السَّبْعِ اسْتِحَاضَةٌ قُلْت حِكْمَةُ ذَلِكَ لِيُعْرَفَ بِهِ جَوَازُ إطْلَاقِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَى جَمِيعِ الزَّائِدِ وَعَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ الْأَكْثَرُ اهـ.
وَمَا قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ فَالْعِشْرُونَ الَّتِي بَعْدَ الثَّلَاثِينَ عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ فَخَمْسَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ السَّبْعِ اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَى الْبَيَانِ الْعَشَرَةُ الَّتِي بَعْدَ الثَّلَاثِينَ لَا مَا فَوْقَهُ فِيهِ تَسَاهُلٌ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ طُهْرُهَا عِشْرِينَ يَوْمًا) أَقُولُ الْعِشْرِينَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ: إنَّهُ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ فَشَهْرٌ عِشْرُونَ وَشَهْرٌ تِسْعَةَ عَشَرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّفَاسُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ عَادَةٌ. . . إلَخْ) هَذَا الْقَيْدُ هُوَ الثَّابِتُ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِمَنْ لَا عَادَةَ لَهَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّابِعُ فَلِمَا عَرَفْت) يَعْنِي مِنْ انْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ بِالْحَبَلِ (قَوْلُهُ: لَا تَمْنَعُ صَلَاةً) هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ فَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ الزَّائِدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَا تُصَلِّي بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْأَصْلِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا حَتَّى يَتَيَقَّنَ حَالَهَا.
(قَوْلُهُ: هُمَا وَلَدَانِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةً بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَذَا بَيْنَ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ وَلَكِنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيُجْعَلُ حَمْلًا وَاحِدًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَسِقْطٌ يُرَى بَعْضُ خَلْقِهِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي الْمَخْرَجِ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ إنْ أَسْقَطَتْ أَوَّلَ أَيَّامِهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ عَادَتِهَا وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِيَاسُ) قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ فَلْيُرَاجَعْ.
стр. 43
أَيْ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيَاسِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا إنْ رَأَتْ دَمًا قَوِيًّا كَالْأَسْوَدِ، وَالْأَحْمَرِ الْقَانِي كَانَ حَيْضًا وَيَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ قَبْلَ التَّمَامِ وَبَعْدَهُ لَا وَإِنْ رَأَتْ أَصْفَرَ أَوْ أَخْضَرَ أَوْ تُرَابِيًّا فَاسْتِحَاضَةٌ.
(صَاحِبُ الْعُذْرِ ابْتِدَاءً مَنْ اسْتَوْعَبَ عُذْرُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلَاةٍ وَلَوْ حُكْمًا) بِأَنْ لَا يَجِدَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ.
(وَفِي الْبَقَاءِ كَفَى وُجُودُهُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وَفِي الزَّوَالِ شَرْطُ اسْتِيعَابِ الِانْقِطَاعِ حَقِيقَةً) قَالَ الْفَاضِلُ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَالْفَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيَّةِ، وَالْوَاقِعَاتِ، وَالْحَاوِي: وَخَيْرِ مَطْلُوبٍ وَجَامِعِ الْخَلَّاطِيِّ، وَالْمَنَافِعِ، وَالْحَوَاشِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِيهَا حَتَّى يَسْتَمِرَّ بِهَا الدَّمُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا وَيَسْتَوْعِبَ الْوَقْتَ كُلَّهُ، وَيَكُونُ الثُّبُوتُ مِثْلَ الِانْقِطَاعِ فِي اشْتِرَاطِ الِاسْتِيعَابِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: بَعْدَمَا اطَّلَعَ عَلَى كَلَامِ الْغَايَةِ، وَنَقَلَهُ.
وَفِي الْكَافِي لِحَافِظِ الدِّينِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ عَامَّةُ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا تَرَاهُ فَكَانَ هُوَ الْأَظْهَرَ وَأَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْكَافِي بِأَنَّ كَلَامَهُ مُخَالِفٌ لِتِلْكَ الْكُتُبِ أَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ مِنْ اسْتِيعَابِ ثُبُوتِ الْعُذْرِ تَمَامَ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَيْنُ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي بِدَلِيلِ أَنَّ شُرَّاحَ جَامِعِ الْخَلَّاطِيِّ قَالُوا فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لِأَنَّ زَوَالَ الْعُذْرِ بِاسْتِيعَابِ الْوَقْتِ كَالثُّبُوتِ أَنَّ الِانْقِطَاعَ الْكَامِلَ مُعْتَبَرٌ فِي إبْطَالِ رُخْصَةِ الْمَعْذُورِ، وَالْقَاصِرَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إجْمَاعًا فَاحْتِيجَ إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ فَقَدَّرْنَا بِوَقْتِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّرْنَا بِهِ ثُبُوتَ الْعُذْرِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِهِ فِي الِابْتِدَاءِ دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ ابْتِدَاءً إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَيُصَلِّي خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ وَلِلْإِشَارَةِ إلَى دَفْعِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ قُلْت أَوَّلًا وَلَوْ حُكْمًا وَآخِرًا حَقِيقَةً (وَهُوَ) أَيْ صَاحِبُ الْعُذْرِ (يَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ فَرْضٍ وَيُصَلِّي بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (مَا شَاءَ) مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرْضٍ وَيُصَلِّي النَّوَافِلَ بِتَبَعِيَّةِ الْفَرْضِ.
(وَيَنْقُضُهُ) أَيْ وُضُوءَ الْمَعْذُورِ (خُرُوجُ الْوَقْتِ لَا دُخُولُهُ) وَعِنْدَ زُفَرَ دُخُولُهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كِلَاهُمَا فَيُصَلِّي الْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ خِلَافًا لَهُمَا لِوُجُودِ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا خُرُوجِهِ وَلَا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ طُلُوعِهَا وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ لَا الدُّخُولِ
(بَابُ تَطْهِيرِ الْأَنْجَاسِ)
(يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ) ثَوْبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ (عَنْ) نَجَاسَةٍ (مَرْئِيَّةٍ بِزَوَالِ عَيْنِهَا وَ) زَوَالِ (أَثَرِهَا) كَاللَّوْنِ، وَالرَّائِحَةِ (إنْ لَمْ يَشُقَّ) عَلَيْهِ (زَوَالُهُ) بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى الصَّابُونِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْآلَةَ الْمُعَدَّةَ لِقَلْعِ النَّجَاسَاتِ هِيَ الْمَاءُ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ (بِالْمَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بِزَوَالِ (وَبِمَائِعٍ مُزِيلٍ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْإِزَالَةُ بِأَنْ يَكُونَ إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ (كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ) كَمَاءِ الْوَرْدِ (بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّبَنِ) كَالدُّهْنِ فَإِنَّ فِيهِ دُسُومَةً لَا تَنْعَصِرُ عَنْ الثَّوْبِ فَيَبْقَى بِنَفْسِهِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُزِيلُ غَيْرَهُ.
(وَ) يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ (عَنْ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ (بِالْغَسْلِ إلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الطَّهَارَةِ) فَإِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنْ الْأَدِلَّةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: أَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا. . . إلَخْ) قُلْت يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا يَعْنِي مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهَا يَعْنِي لِتِلْكَ الْكُتُبِ إذْ قَلَّمَا يَسْتَمِرُّ كَمَالُ وَقْتٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ فَيُؤَدِّي إلَى نَفْيِ تَحَقُّقِهِ إلَّا فِي الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ جَانِبِ الصِّحَّةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ بِدَوَامِ انْقِطَاعِهِ وَقْتًا كَامِلًا وَهُوَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ الْوَقْتِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَاسْتَمَرَّ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِخُرُوجِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ لِيَخْرُجَ بِهِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بَعْدَ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ لِلضُّحَى، وَأَضَافَ الْمَشَايِخُ النَّقْضَ إلَى الْخُرُوجِ لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ فِي الِانْتِقَاضِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عِنْدَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
[بَابُ تَطْهِيرِ الْأَنْجَاسِ]
أَيْ تَطْهِيرِ مَحَلِّ الْأَنْجَاسِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَرْجَمَةَ مَنْ تَرْجَمَ بِبَابِ الْأَنْجَاسِ أَوْلَى مِنْ هَذَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ (قَوْلُهُ: مَرْئِيَّةٍ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ كَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ لَا مَا لَا يُرَى بَعْدَهُ كَالْبَوْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: بِزَوَالِ عَيْنِهَا وَأَثَرِهَا) أَقُولُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ (قَوْلُهُ: كَاللَّوْنِ، وَالرَّائِحَةِ) أَيْ، وَالطَّعْمِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَثَرِ مَا بَقِيَ مِنْ دُهْنٍ مُتَنَجِّسٍ عَلَى يَدِهِ بَعْدَ غَسْلِهَا لِأَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ فَيَبْقَى عَلَى يَدِهِ طَاهِرًا بِخِلَافِ دُهْنِ الْمَيْتَةِ لِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ
(قَوْلُهُ: وَبِمَائِعٍ مُزِيلٍ) يَعْنِي وَلَوْ فِي الْبَدَنِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّبَنِ) أَقُولُ وَمَا رُوِيَ فِي الْمُحِيطِ مِنْ كَوْنِ اللَّبَنِ مُزِيلًا فِي رِوَايَةٍ فَضَعِيفٌ وَعَلَى ضَعْفِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 44
الشَّرْعِيَّةِ (وَقَدَّرُوهُ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ ثَلَاثًا فِي الْمُنْعَصِرِ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْعَصِرَ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (مُبَالِغًا فِي) الْمَرَّةِ (الثَّالِثَةِ) بِحَيْثُ لَوْ عَصَرَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ لَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَلَوْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ صِيَانَةً لِلثَّوْبِ لَا يَطْهُرُ.
(وَ) تَثْلِيثِ (الْجَفَافِ) عَطْفٌ عَلَى الْعَصْرِ أَيْ وَقَدَّرُوهُ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ وَتَثْلِيثِ الْجَفَافِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُنْعَصِرِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَفَافِ انْقِطَاعُ التَّقَاطُرِ لَا الْيُبْسُ فَقَدْ أَقَامُوا انْقِطَاعَ التَّقَاطُرِ مَقَامَ الْعَصْرِ كَمَا أَقَامُوا إجْرَاءَ الْمَاءِ مَقَامَ الْغَسْلِ ثَلَاثًا كَمَا سَيَأْتِي اعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَنْعَصِرُ إذَا تَنَجَّسَ لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَبَدًا لِأَنَّ النَّجَسَ إنَّمَا يَزُولُ بِالْعَصْرِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ وَتَجْفِيفِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُ لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَبِهِ يُفْتَى فَإِذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ مُنْتَفِخَةً، وَاللَّحْمُ مَغْلِيٌّ بِالْمَاءِ النَّجِسِ فَطَرِيقُ غَسْلِهِ وَتَجْفِيفِهِ أَنْ تُنْقَعَ الْحِنْطَةُ فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ حَتَّى تَتَشَرَّبَ ثُمَّ تُجَفَّفَ وَيُغْلَى اللَّحْمُ فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ ثُمَّ يُبَرَّدُ وَيُفْعَلُ ذَلِكَ فِيهِمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَوْ كَانَ السِّكِّينُ مَسْقِيًّا بِالْمَاءِ النَّجِسِ يُسْقَى بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَوْ تَنَجَّسَ الْعَسَلُ فَتَطْهِيرُهُ أَنْ يُصَبَّ فِيهِ مَاءٌ بِقَدْرِهِ فَيَغْلِي حَتَّى يَعُودَ إلَى مَكَانِهِ، وَالدُّهْنُ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَغْلِي فَيَعْلُو الدُّهْنُ الْمَاءَ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ هَكَذَا يُفْعَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّطْهِيرِ لَمَّا كَانَ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالطَّهَارَةِ وَكَانَ حُصُولُهَا مُخْتَلِفًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَبَيَّنَ بَعْضَهَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بَعْضًا آخَرَ فَقَالَ: (وَعَنْ الْمَنِيِّ) أَيْ يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ بِالْمَنِيِّ ثَوْبًا كَانَ أَوْ بَدَنًا (بِغَسْلِهِ) رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا (أَوْ فَرْكِ يَابِسِهِ إنْ طَهُرَ رَأْسُ الْحَشَفَةِ) حَتَّى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمْ يَكْفِ الْفَرْكُ بَلْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِيهِ دُسُومَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدَّرُوهُ بِالْغَسْلِ، وَالْعَصْرِ ثَلَاثًا) أَقُولُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَالْمُفْتَى بِهِ فِي الْغَسْلِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِعَدَدٍ مَا لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَيُكْتَفَى فِي الْعَصْرِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ وَهُوَ أَرْفَقُ وَاشْتِرَاطُ الْعَصْرِ لِمَا يَنْعَصِرُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا غَسَلَ فِي إجَّانَةٍ أَمَّا إذَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ أَوْ عَلَى مَا لَا يَنْعَصِرُ طَهُرَ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ وَلَا التَّجْفِيفُ وَلَا تَكْرَارُ الْغَمْسِ، وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ كَالْجَارِي وَهُوَ الْمُخْتَارُ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) فِيهَا إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ طَاقَةِ غَيْرِ الْغَاسِلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ طَاقَةِ الثَّوْبِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يُبَالِغْ. . . إلَخْ)
هَذَا مُخْتَارُ قَاضِي خَانْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ. . . إلَخْ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طُبِخَتْ الْحِنْطَةُ بِالْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا وَبِهِ يُفْتَى اهـ.
وَالْكُلُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَقِبَ نَقْلِهِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ صُبَّتْ الْخَمْرُ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغَلَيَانِ لَا يَطْهُرُ وَقِيلَ يُغْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبْرِيدِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ أُلْقِيَتْ الدَّجَاجَةُ حَالَ الْغَلَيَانِ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا لِتُنْتَفَ أَوْ كَرِشٌ قَبْلَ الْغَسْلِ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا لَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ أَنْ يَطْهُرَ عَلَى قَانُونِ مَا تَقَدَّمَ فِي اللَّحْمِ قُلْت وَهُوَ أَعْلَمُ هُوَ مُعَلَّلٌ بِتَشَرُّبِهِمَا النَّجَاسَةَ الْمُتَخَلَّلَةَ بِوَاسِطَةِ الْغَلَيَانِ وَعَلَى هَذَا اُشْتُهِرَ أَنَّ اللَّحْمَ السَّمِيطَ بِمِصْرَ نَجَسٌ لَا يَطْهُرُ لَكِنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَيَمْكُثَ فِيهِ اللَّحْمُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ التَّشَرُّبُ وَالدُّخُولُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي السَّمِيطِ الْوَاقِعِ حَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَلَا يُتْرَكُ فِيهِ إلَّا مِقْدَارَ مَا تَصِلُ الْحَرَارَةُ إلَى سَطْحِ الْجِلْدِ فَيَنْحَلُّ مَسَامُّ السَّطْحِ عَلَى الصُّوفِ بَلْ ذَلِكَ التَّرْكُ يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِهِ انْقِلَاعُ الشَّعْرِ فَالْأَوْلَى فِي السَّمِيطِ أَنْ يَطْهُرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا لِتَنَجُّسِ سَطْحِ الْجِلْدِ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَرِسُونَ فِيهِ عَنْ النَّجَسِ، وَقَدْ قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا فِي الدَّجَاجِ، وَالْكَرِشِ، وَالسَّمِيطِ مِثْلَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فَرْكِ يَابِسِهِ) هَذَا صَرِيحٌ فِي طَهَارَةِ الْمَحَلِّ بِالْفَرْكِ وَهُوَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ: هُوَ الْأَصَحُّ وَبِهَا قَالَا لِذَهَابِ عَيْنِهِ بِالتَّفَتُّتِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: الْفَرْكُ مُقَلِّلٌ لِلنَّجَاسَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: هُوَ الْأَظْهَرُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ الْقَالِعِ (قَوْلُهُ: إنْ طَهُرَ رَأْسُ الْحَشَفَةِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَحَلَّ خُرُوجِ الْمَنِيِّ لَا يَضُرُّ مَا بِهِ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ بَلْ مَا إذَا لَطَّخَ الْحَشَفَةَ وَأَصَابَهُ الْمَنِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ هَذَا إذَا كَانَ رَأْسُ الذَّكَرِ طَاهِرًا بِأَنْ بَالَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ الْبَوْلُ مِنْهُ مَخْرَجَهُ أَوْ تَجَاوَزَ وَاسْتَنْجَى اهـ.
وَفِيهِ اخْتِلَافٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ مَذْيٌ فَإِنْ سَبَقَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَمِنْ هُنَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ لِأَنَّ كُلَّ فَحْلٍ يَمْذِي ثُمَّ يُمْنِي إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ مُسْتَهْلِكٌ فِيهِ فَيُجْعَلُ تَبَعًا اهـ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يَمْذِيَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ أَعْنِي اُعْتُبِرَ مُسْتَهْلِكًا لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ وَقِيلَ لَوْ بَالَ وَلَمْ يَنْتَشِرْ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ بِأَنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الثَّقْبَ فَأَمْنَى لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَنِيِّ وَكَذَا إنْ جَاوَزَ وَلَكِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَفْقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى مُرُورِهِ عَلَى الْبَوْلِ فِي مَجْرَاهُ وَلَا أَثَرَ
стр. 45
يَجِبُ الْغَسْلُ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا يَطْهُرُ الْبَدَنُ بِالْفَرْكِ.
. (وَ) يَطْهُرُ (الْخُفُّ عَنْ) نَجِسٍ (ذِي جِرْمٍ جَفَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخُفِّ (بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ كَذَا رَطْبُهُ) أَيْ يَطْهُرُ الْخُفُّ أَيْضًا عَنْ نَجِسٍ ذِي جِرْمٍ رَطْبٍ عَلَى الْخُفِّ بِالدَّلْكِ (إذَا بُولِغَ فِيهِ) أَيْ الدَّلْكِ (وَ) يَطْهُرُ الْخُفُّ (عَنْ غَيْرِهِ) أَيْ نَجِسٍ غَيْرِ ذِي جِرْمٍ (بِالْغَسْلِ) .
(وَ) يَطْهُرُ (الصَّيْقَلُ) كَالْمِرْآةِ، وَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهَا (بِالْمَسْحِ) وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصَّيْقَلِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَشِنًا أَوْ مَنْقُوشًا لَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ.
(وَ) يَطْهُرُ (الْبِسَاطُ بِجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهِ قِيلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً) كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة (وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) كَذَا فِي الْحُجَّةِ (وَقِيلَ لَيْلَةً) كَذَا فِي الْوِقَايَةِ (تَنَجَّسَ بَعْضُ أَطْرَافِهِ) أَيْ الْبِسَاطِ (يُصَلِّي عَلَى) الطَّرَفِ (الطَّاهِرِ مِنْهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ طَرَفُهُ الْآخَرُ بِتَحْرِيكِهِ أَوْ لَا وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّمَا يُصَلِّي عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ إذَا لَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ.
(وَ) تَطْهُرُ (الْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَقْتَضِي صَعِيدًا طَيِّبًا وَفِي الصَّلَاةِ تَكْفِي الطَّهَارَةُ (كَذَا الْآجُرُّ الْمَفْرُوشُ، وَالْخُصُّ) وَهُوَ السُّتْرَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى السُّطُوحِ مِنْ الْقَصَبِ (وَشَجَرٌ وَكَلَأٌ قَائِمَانِ) فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ (وَالْمَقْطُوعُ) مِنْ الشَّجَرِ، وَالْكَلَأِ (يُغْسَلُ) وَلَا يَكْفِي فِيهِمَا الْيُبْسُ وَذَهَابُ الْأَثَرِ.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ شَرَعَ فِي تَقْسِيمِهَا إلَى الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ وَبَيَانِ مَا هُوَ عَفْوٌ مِنْهُمَا، وَقَالَ (وَعُفِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ مِثْقَالٌ فِي) النَّجَسِ (الْكَثِيفِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ اهـ.
مَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَظَاهِرُ الْمُتُونِ الْإِطْلَاقُ أَعْنِي سَوَاءٌ بَالَ وَاسْتَنْجَى أَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ مُسْتَهْلَكٌ كَالْمَذْيِ وَلَمْ يُعَفْ فِي الْمَذْيِ إلَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَهْلَكًا لَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى جَعْلِ عِلَّةِ الْعَفْوِ الضَّرُورَةَ كَمَا بَيَّنَهُ الْكَمَالُ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَوْلِ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِيهِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ وَكَوْنِ الثَّوْبِ جَدِيدًا أَوْ غَسِيلًا أَوْ مُبَطَّنًا عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَالْخُفُّ عَنْ ذِي جِرْمٍ) أَيْ كَالرَّوْثِ، وَالْعَذِرَةِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْجِرْمُ مِنْهَا أَوْ مُكْتَسِبًا كَمَا إذَا الْتَصَقَ بِهِ رَمْلٌ أَوْ تُرَابٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ) تَبِعَ فِيهِ رِوَايَةَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَسْحُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا مَسَحَهَا بِالتُّرَابِ تَطْهُرُ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إنْ حَكَّهُ أَوْ حَتَّهُ بَعْدَ مَا يَبِسَ طَهُرَ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَالَ مَشَايِخُنَا لَوْلَا الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكُنَّا نَقُولُ إنَّهُ إذَا لَمْ يَمْسَحْهُمَا بِالتُّرَابِ لَا تَطْهُرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: كَذَا رَطْبُهُ) هُوَ الْمُخْتَارُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ: إذَا بُولِغَ فِيهِ) يَعْنِي بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الْكَافِي وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِشَرْطِ ذَهَابِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ وَإِلَّا لَا يَطْهُرُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ الصَّيْقَلُ. . . إلَخْ) أَقُولُ أَطْلَقَ فِي طَهَارَتِهِ بِالْمَسْحِ سَوَاءٌ أَصَابَهُ نَجَسٌ لَهُ جِرْمٌ أَوْ لَا رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا عَلَى الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَيُشْتَرَطُ زَوَالُ الْأَثَرِ بِمَا مَسَحَ بِهِ تُرَابًا كَانَ أَوْ خِرْقَةً أَوْ صُوفَ الشَّاةِ أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيَتَفَرَّعُ مَا لَوْ أَصَابَتْ ظُفْرَهُ أَوْ زُجَاجَةً أَوْ آنِيَةً مَدْهُونَةً أَوْ الْخَشَبَ الْخَرَائِطِيَّ أَوْ الْقَصَبَ الْبُورِيَّا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي عَوْدِ نَجَاسَةِ الصَّيْقَلِ بِقَطْعِ نَحْوِ الْبِطِّيخِ أَوْ إصَابَةِ الْمَاءِ وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ الْمَنِيُّ إذَا فُرِكَ، وَالْخُفُّ إذَا دُلِكَ، وَالْأَرْضُ إذَا جَفَّتْ، وَالْبِئْرُ إذَا غَارَتْ، وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا يُفِيدُهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِالطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ وَمُلَاقَاةُ الطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ اخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَيْلَةً) هَذَا التَّقْدِيرُ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ قَالُوا الْبِسَاطُ إذَا تَنَجَّسَ فَأَجْرَى عَلَيْهِ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَتَوَهَّمَ زَوَالَهَا طَهُرَ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ اهـ.
فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّيْلَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: يُصَلِّي عَلَى الطَّاهِرِ مِنْهُ مُطْلَقًا) هُوَ الصَّحِيحُ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي طَرَفِ عِمَامَتِهِ وَكَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ اهـ.
وَكَانَ حَقُّهُ ذِكْرَ هَذِهِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ:، وَالْأَرْضُ بِالْيُبْسِ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالشَّمْسِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَالرِّيحِ، وَإِذَا قَصَدَ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ صَبَّهُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا وَجُفِّفَتْ كُلَّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ
وَكَذَا لَوْ صَبَّهُ عَلَيْهَا بِكَثْرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا رِيحُهَا فَإِنَّهَا تَطْهُرُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْآجُرُّ الْمَفْرُوشُ) أَقُولُ وَأَمَّا الْحَجَرُ فَقَدْ ذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ إنْ كَانَ أَمْلَسَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْرَبُ النَّجَاسَةَ كَحَجَرِ الرَّحَا فَهُوَ كَالْأَرْضِ، وَالْحَصَى بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَشَجَرٌ وَكَلَأٌ قَائِمَانِ) هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ شَرْحِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ.
[مَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَة]
(قَوْلُهُ: وَعُفِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ) الْمُعْتَبَرُ فِيهِ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ دُهْنًا نَجَسًا قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَانْفَرَشَ فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ فِي اخْتِيَارِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَمُخْتَارُ غَيْرِهِمْ الْمَنْعُ فَلَوْ صَلَّى قَبْلَ اتِّسَاعِهِ جَازَتْ وَبَعْدَهُ لَا.
وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ مِنْ ثَوْبٍ ذِي طَاقٍ بِخِلَافِ ذِي طَاقَيْنِ وَدِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ الْمُتَنَجِّسُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ
стр. 46
بِالدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ وَهُوَ الْمِثْقَالُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ لَا مَا يَكُونُ عَشَرَةً مِنْهُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ (وَعَرْضُ مُقَعَّرِ الْكَفِّ) وَهُوَ دَاخِلُ مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ (فِي) النَّجَسِ (الرَّقِيقِ) رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَارَةً اعْتَبَرَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ وَتَارَةً اعْتَبَرَهُ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ مُقَعَّرِ الْكَفِّ فَوَفَّقَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا (مِمَّا غَلُظَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ (كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَلَوْ مِنْ صَغِيرٍ) دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّ بَوْلَ صَغِيرٍ لَمْ يَطْعَمْ يَكُونُ طَاهِرًا (وَغَائِطٍ وَدَمٍ وَخَمْرٍ وَخُرْءِ دَجَاجٍ وَرَوْثٍ وَخِثْيٍ وَ) عُفِيَ (مَا دُونَ رُبْعِ ثَوْبٍ) قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ رُبْعُ مَوْضِعِ إصَابَةِ النَّجَسِ كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَقَدَّرَهُ أَبُو يُوسُفَ بِشِبْرٍ فِي شِبْرٍ (مِمَّا خَفَّ كَبَوْلِ فَرَسٍ وَ) بَوْلِ (مَا يُؤْكَلُ وَخُرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ كَذَا) أَيْ عُفِيَ أَيْضًا (بَوْلٌ) أَيْ بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ فَإِنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْغَلِيظِ وَمَا دُونَ الرُّبْعِ مِنْ الْخَفِيفِ (لَا) يُعْفَى (الْوَارِدِ) أَيْ الْمَاءُ الَّذِي يَرِدُ (عَلَى النَّجَسِ) نَجِسٌ (كَالْمَوْرُودِ) أَيْ كَالْمَاءِ الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ النَّجَسُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَهِيَ اخْتِلَاطُ النَّجَسِ بِالْمَاءِ (لَا رَمَادَ قَذَرٍ وَلَا مِلْحٍ كَانَ حِمَارًا) فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِنَجِسَيْنِ لِتَبَدُّلِ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْمَيْتَةِ إذَا صَارَتْ مِلْحًا، وَالْعَذِرَةِ إذَا صَارَتْ تُرَابًا، وَالْخَمْرِ خَلًّا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(يُصَلِّي عَلَى ثَوْبٍ غَيْرِ مُضَرَّبٍ بِطَانَتُهُ نَجِسَةٌ) حَتَّى لَوْ كَانَ مُضَرَّبًا لَمْ يَجُزْ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا (كَمَا) يُصَلِّي (فِي ثَوْبٍ) أَيْ كَمَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا (ظَهَرَ فِيهِ بَلَّةُ ثَوْبٍ نَجِسٍ لُفَّ) هَذَا الثَّوْبُ النَّجِسُ (فِيهِ) أَيْ فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ لَكِنْ لَا يَكُونُ ظُهُورُ الْبَلَّةِ فِيهِ (كَمَا لَوْ عُصِرَ) الثَّوْبُ (قَطَرَتْ تِلْكَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَوْ الْحَمَامُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَى رَأْسِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ مَا لَا يَسْتَمْسِكُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمِثْقَالُ) أَقُولُ وَهُوَ عِشْرُونَ قِيرَاطًا (قَوْلُهُ: كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ) أَقُولُ إلَّا بَوْلَ الْخُفَّاشِ وَخَرْأَهُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ عَلَى الظَّاهِرِ
، وَقِيلَ لَا يَفْسُدُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَخُرْءُ الْفَأْرَةِ إذَا طُحِنَ فِي الْحِنْطَةِ جَازَ أَكْلُ الدَّقِيقِ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْخُرْءِ فِيهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَدَمٍ) الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَفِي حُكْمِهِ اللَّحْمُ الْمَهْزُولُ إذَا قُطِعَ فَالدَّمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ نَجَسًا وَكَذَا الدَّمُ الَّذِي فِي الْكَبِدِ، وَلَيْسَ دَمَ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ بِشَيْءٍ، وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتَهُ، بِخِلَافِ قَتِيلٍ غَيْرِ شَهِيدٍ لَمْ يُغَسَّلْ أَوْ غُسِّلَ وَكَانَ كَافِرًا لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: وَخُرْءِ دَجَاجَةٍ) مِثْلُهُ الْبَطُّ وَالْإِوَزُّ (قَوْلُهُ: وَرَوْثٍ وَخِثْيٍ) الرَّوْثُ لِلْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ، وَالْخِثْيُ لِلْبَقَرِ، وَالْبَعْرُ لِلْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا نَجَاسَتُهَا خَفِيفَةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَطَهَّرَهَا مُحَمَّدٌ آخِرًا كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: وَعُفِيَ مَا دُونَ رُبْعِ ثَوْبٍ) أَقُولُ كَذَا بَدَنٍ (قَوْلُهُ: قِيلَ الْمُرَادُ. . . إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ الثَّوْبَ الْكَامِلَ وَقَدْ قِيلَ بِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُصَدِّرَ بِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْبَدَنِ كَالثَّوْبِ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ رُبْعُ الثَّوْبِ الْكَامِلِ قَالَ بِمِثْلِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ رُبْعُ الْمَوْضِعِ الْمُصَابِ كَالْكُمِّ قَالَ كَذَلِكَ رُبْعُ الْعُضْوِ كَالْيَدِ وَصُحِّحَ الْجَمِيعُ إلَّا أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَمْ يُفِدْ حُكْمَ الْبَدَنِ وَتَرَجَّحَ الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ رُبْعِ طَرَفٍ أَصَابَهُ مِنْ الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: أَيْ بَوْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ) لَوْ أَبْقَى الْمُصَنِّفُ مَتْنَهُ عَلَى إطْلَاقِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيُفِيدَ الْحُكْمَ فِي كُلِّ بَوْلٍ انْتَضَحَ بِالنَّصِّ لَا بِالْإِشَارَةِ (قَوْلُهُ: كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) أَقُولُ وَلَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ فَكَثُرَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِرُءُوسِ الْإِبَرِ مَا يَشْمَلُ وَلَوْ مَحَلَّ إدْخَالِ السِّلْكِ وَمَا أَصَابَ الْغَاسِلَ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي عِلَاجِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى كَذَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: الْوَارِدُ كَالْمَوْرُودِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ فَالْأَوْلَى فِي الثَّوْبِ النَّجَسِ وَضْعُهُ فِي إجَّانَةٍ ثُمَّ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا وَضْعُ الْمَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ وَضْعُ الثَّوْبِ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُ ذَلِكَ) يَعْنِي بِهِ الْمِسْكَ، وَالزُّبَّادَ لِطَهَارَتِهِمَا بِالِاسْتِحَالَةِ إلَى الطِّيبِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: يُصَلِّي عَلَى ثَوْبٍ غَيْرِ مُضَرَّبٍ. . . إلَخْ) كَذَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْكَافِي وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالْخِلَافِ فِي اللَّبَدِ النَّجَسِ أَحَدِ وَجْهَيْهِ لَكِنْ بِنَاءً عَلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ الْخِلَافُ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يَكُونُ ظُهُورُ الْبَلَّةِ فِيهِ كَمَا لَوْ عَصَرَ الثَّوْبَ قَطَرَتْ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنْ رُطُوبَةٍ لَا تَنْعَصِرُ وَلَوْ كَانَ النَّجَسُ يَنْعَصِرُ لَوْ عُصِرَ، وَبِهِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَيَتَعَيَّنُ عَدَمُ الْجَوَازِ حِينَئِذٍ لِمَا قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَلَوْ ابْتَلَّ فِرَاشٌ أَوْ تُرَابٌ نَجِسَانِ مِنْ عَرَقِ نَائِمٍ أَوْ بَلَلِ قَدَمٍ وَظَهَرَ أَثَرُهَا فِي الْبَدَنِ، وَالْقَدَمِ تَنَجُّسًا وَإِلَّا لَا كَثَوْبٍ طَاهِرٍ تَنَدَّى مِنْ لَفِّهِ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ رَطْبٍ لَا يَنْعَصِرُ الثَّوْبُ النَّجِسُ لَوْ عُصِرَ لِعَدَمِ انْفِصَالِ شَيْءٍ مِنْ جِرْمِهَا إلَيْهِ حِينَئِذٍ
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَا لَوْ كَانَ الطَّاهِرُ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ فِي الْأَصَحِّ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِمَا يَنْبُعُ عِنْدَ عَصْرِهِ رُءُوسٌ صِغَارٌ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تَقِرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا ثُمَّ تَرْجِعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ وَيَبْعُدُ الْحُكْمُ عَلَى مِثْلِهِ بِالطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالَطَةِ فَالْأَوْلَى
стр. 47
الْبَلَّةُ مِنْهُ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ (كَذَا) أَيْ كَالثَّوْبِ الْمَلْفُوفِ فِيهِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ (لَوْ وُضِعَ) الثَّوْبُ حَالَ كَوْنِهِ (رَطْبًا عَلَى) جِدَارٍ (يَابِسٍ طُيِّنَ بِمَا فِيهِ سِرْقِينٌ أَوْ تَنَجَّسَ) عَطْفٌ عَلَى وُضِعَ (طَرَفٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الثَّوْبِ (فَنَسِيَ) أَيْ وَقَعَ النِّسْيَانُ (وَغَسَلَ) طَرَفًا (آخَرَ) مِنْهُ (بِلَا تَحَرٍّ كَمَا لَوْ بَالَ حُمُرٌ عَلَى مَا تَدُوسُهُ) مِنْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا (فَقَسَّمَ أَوْ غَسَلَ بَعْضَهُ حَيْثُ يَطْهُرُ الْبَاقِي) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّحَرِّي.
(غَسَلَ) النَّجَاسَةَ (الْمَرْئِيَّةَ عَنْ الثَّوْبِ فِي إجَّانَةٍ حَتَّى زَالَتْ) النَّجَاسَةُ (أَوْ غَيْرَهَا ثَلَاثًا) أَيْ غَسَلَ غَيْرَ الْمَرْئِيَّةِ مِنْ النَّجَاسَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ أَوْ وَاحِدَةٍ بَعْدَ غَسْلِهَا مَرَّتَيْنِ (وَعَصَرَ) النَّجَاسَةَ (كَمَا مَرَّ) أَيْ ثَلَاثًا مُبَالِغًا فِي الثَّالِثَةِ (طَهُرَ) الثَّوْبُ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَطْهُرَ إلَّا بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ الْغَسْلِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي لِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ ثُمَّ الْإِجَّانَةِ (وَالْمِيَاهُ) الَّتِي غَسَلَ بِهَا الثَّوْبَ (نَجِسَةٌ) لِانْتِقَالِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ إلَى الْمَاءِ (لَكِنَّ) تِلْكَ الْمِيَاهَ فِي النَّجَاسَةِ (كَالْمَحَلِّ حَالَ اللِّقَاءِ) أَيْ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْمَاءِ إيَّاهُ وَاتِّصَالِهِ بِهِ لَا حَالَ الِانْفِصَالِ عَنْهُ (فِي الْأَظْهَرِ) احْتِرَازٌ عَمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الطَّحَاوِيِّ إنَّ تَنَجُّسَ الْمَاءِ كَتَنَجُّسِ الْمَحَلِّ عِنْدَ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهُ (فَتَطْهُرُ) بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ النَّجَاسَةُ (الْأُولَى) أَيْ الْمُتَنَجِّسُ بِالنَّجَاسَةِ الْأُولَى الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَى الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْغَسَلَاتِ فِيمَا إذَا أَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ ثَوْبًا أَوْ عُضْوًا (بِالثَّلَاثِ) أَيْ بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (وَالْوُسْطَى بِثِنْتَيْنِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسُ بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَى الْمَاءِ بِالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ (وَالْأُخْرَى بِمَرَّةٍ) أَيْ يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَى الْمَاءِ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا هُوَ حُكْمُ الْمَحَلِّ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْمَاءِ وَهَكَذَا لَا تَطْهُرُ الْإِجَّانَةُ الْأُولَى إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِيَةُ بِمَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ بِمَرَّةٍ وَعَلَى غَيْرِ الْأَظْهَرِ يَطْهُرُ مَا تَنَجَّسَ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ وَبِالْمَاءِ الثَّانِي بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَبِالْمَاءِ الثَّالِثِ بِمُجَرَّدِ الْعَصْرِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ الْمَغْسُولِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَكَذَا تَطْهُرُ الْإِجَّانَةُ الْأُولَى بِمَرَّتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَرَّةٍ، وَالثَّالِثَةُ بِالْإِرَاقَةِ
[فَصْلٌ الِاسْتِنْجَاءُ]
(فَصْلٌ) (سُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ) فِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ النَّجْوُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ طَلَبُ الْفَرَاغِ عَنْهُ وَعَنْ أَثَرِهِ بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ (مِنْ نَجِسٍ يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ) كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْمَنِيِّ، وَالْمَذْيِ، وَالدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ الرِّيحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَطْنِ، وَلَا يُسَمَّى تَطْهِيرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ اسْتِنْجَاءً (بِنَحْوِ حَجَرٍ) كَمَدَرٍ وَخَشَبٍ وَتُرَابٍ (لَا) أَيْ لَمْ يُسَنَّ (الْعَدَدُ بَلْ نُدِبَ) قَالَ فِي الْوِقَايَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِلَا عَدَدٍ يُدْبِرُ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ إلَى آخِرِهِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ الْعَدَدَ إذَا نُفِيَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ سُنِّيَّتِهِ لَمْ يُنَاسِبْ بَعْدَهُ ذِكْرُ الْعَدَدِ بِقَوْلِهِ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ. . . إلَخْ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا لَا الْعَدَدُ ثُمَّ أَضْرَبَ بِقَوْلِهِ بَلْ اُسْتُحِبَّ ثُمَّ قَالَ (يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ وَيُقْبِلُ بِالثَّانِي) الْإِدْبَارُ الْإِذْهَابُ إلَى جَانِبِ الدُّبُرِ، وَالْإِقْبَالُ ضِدُّهُ وَيُدْبِرُ بِالثَّالِثِ صَيْفًا، وَيُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي شِتَاءً، فَإِنَّ فِي الْمَسْحِ إقْبَالًا وَإِدْبَارًا مُبَالَغَةً فِي التَّنْقِيَةِ وَفِي الصَّيْفِ يُدْبِرُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخُصْيَةَ فِيهِ مُدَلَّاةٌ فَلَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَصْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نَدْوَةٍ إلَّا إذَا كَانَ النَّجِسُ الرَّطْبُ هُوَ الَّذِي لَا يَتَقَاطَرُ بِعَصْرِهِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ الْجَافَّ قَدْرٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَا يَنْبُعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَصْرِهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَ الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُفْتَى بِخِلَافِ مَا صَحَّحَ الْحَلْوَانِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْهُ فَنَسِيَ إلَخْ) هَكَذَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ غَسْلَ الْجَمِيعِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ الْبَعْضُ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَغَسْلُ طَرَفٍ آخَرَ مِنْهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَنَسِيَ لِأَنَّ الْآخِرِيَّةَ تُشْعِرُ بِالْعِلْمِ بِغَيْرِهِ وَلِذَا حَذَفَ لَفْظَ الْآخَرِ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْ الثَّوْبِ فَنَسِيَهُ فَغَسَلَ طَرَفًا مِنْهُ بِتَحَرٍّ أَوْ بِدُونِ تَحَرٍّ طَهُرَ اهـ.
لَكِنَّهُ يُتَأَمَّلُ فِي الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ مَعَ عَدَمِ التَّحَرِّي فِي الْمَحَلِّ الْمَغْسُولِ وَلَمْ يُعْلَمْ لِلنَّجَاسَةِ مَحَلٌّ غَالِبًا لَا ظَنًّا وَلَا يَقِينًا.
(بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ) (قَوْلُهُ: مِنْ نَجَسٍ يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ) أَقُولُ هُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ عَنْ نَجَاسَةٍ مِنْ الْخَارِجِ تُصِيبُ الْمَخْرَجَ لِأَنَّهَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ قُلْت وَفِي إطْلَاقِ الزَّيْلَعِيِّ طَهَارَتَهَا بِالْحَجَرِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مُقَلِّلٌ لَا مُطَهِّرٌ لِأَنَّ الزَّيْلَعِيَّ قَائِلٌ بِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ إذَا قَعَدَ بِمَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ إذَا أَصَابَ الْمَخْرَجَ نَجَاسَةٌ مِنْ خَارِجٍ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ اهـ.
وَصَاحِبُ الْبَحْرِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ نَقَلُوا هَذَا التَّصْحِيحَ هُنَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِنَحْوِ حَجَرٍ) يَعْنِي مُنَقٍّ كَمَا فِي الْكَنْزِ (قَوْلُهُ: كَمَدَرٍ وَخَشَبٍ وَتُرَابٍ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَنْجِي بِمَا لَهُ قِيمَةٌ غَيْرُ الْمَاءِ وَسَيُصَرِّحُ بِهِ (قَوْلُهُ: مُبَالَغَةً فِي التَّنْقِيَةِ) أَقُولُ وَاتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِي حَقِّ الْعَرَقِ حَتَّى إذَا أَصَابَهُ الْعَرَقُ مِنْ الْمَقْعَدَةِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَوْ قَعَدَ بِمَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
стр. 48
يُقْبِلُ احْتِرَازًا عَنْ تَلَوُّثِهَا ثُمَّ يُقْبِلُ ثُمَّ يُدْبِرُ مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَيُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّنْقِيَةِ ثُمَّ يُدْبِرُ ثُمَّ يُقْبِلُ لِلْمُبَالَغَةِ (، وَالْمَرْأَةُ فِي الْوَقْتَيْنِ) أَيْ فِي الصَّيْفِ، وَالشِّتَاءِ (مِثْلُهُ صَيْفًا) يَعْنِي تُدْبِرُ الْمَرْأَةُ بِالْأَوَّلِ أَبَدًا لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ فَرْجُهَا (وَالْغَسْلُ بَعْدَهُ) أَيْ الْحَجَرِ (أَوْلَى إنْ أَمْكَنَ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُرْخِي الْمَخْرَجَ بِمُبَالَغَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا) كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (وَيَغْسِلُهُ بِبَطْنِ أُصْبُعٍ) وَاحِدٍ إنْ حَصَلَ بِهَا النَّقَاءُ (أَوْ أُصْبُعَيْنِ) إنْ اُحْتِيجَ إلَى زِيَادَةٍ (أَوْ ثَلَاثٍ) إنْ اُحْتِيجَ إلَى أَزْيَدَ وَيُصْعِدُ الرَّجُلُ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى عَلَى سَائِرِ الْأَصَابِعِ صُعُودًا قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهُ ثُمَّ يُصْعِدُ بِنْصِرَه إذَا غَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُصْعِدُ خِنْصَرَهُ ثُمَّ سَبَّابَتَهُ وَيَغْسِلُ مَوْضِعَهُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ، وَالْمَرْأَةُ تُصْعِدُ بِنْصِرَهَا وَأَوْسَطَهَا جَمِيعًا مَعًا ثُمَّ تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ لِأَنَّهَا لَوْ بَدَأَتْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ كَالرَّجُلِ عَسَى يَقَعُ أُصْبُعُهَا فَتَلَذَّذُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَانِيًا وَيَجِبُ) أَيْ غَسْلُ الْمَخْرَجِ (بِمُجَاوَزَةِ مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ) مِنْ النَّجِسِ (الْمَخْرَجَ) مَفْعُولُ الْمُجَاوَزَةِ (إلَى أَنْ يُنَقَّى) مُتَعَلِّقُ بِيَجِبُ (وَلَوْ بِمَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْغَسْلُ بِمِقْدَارٍ (فَوْقَ الثَّلَاثِ) فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْإِنْقَاءُ لَا الْعَدَدُ حَتَّى لَوْ حَصَلَ بِوَاحِدَةٍ كَفَى وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثَةٍ زَادَ عَلَيْهَا (يَغْسِلُ) الْمُسْتَنْجِي (الدُّبُرَ أَوَّلًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَعِنْدَهُمَا ثَانِيَةً) .
(وَيُكْرَهُ بِعَظْمٍ) لِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (وَطَعَامٍ) لِلْإِنْسَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيرِ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ شَرْعًا وَلِلْبَهَائِمِ كَالْحَشِيشِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِ الطَّعَامِ بِلَا ضَرُورَةٍ (وَرَوْثٍ) لِأَنَّهُ نَجِسٌ فَيُنَافِي التَّنْقِيَةَ (وَآجُرٍّ وَخَزَفٍ وَفَحْمٍ وَجِصٍّ وَشَيْءٍ مُحْتَرَمٍ) بَيْنَ النَّاسِ كَخِرْقَةِ الدِّيبَاجِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ يُنَافِي الِاحْتِرَامَ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ (وَيَمِينٍ) لِلنَّهْيِ أَيْضًا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ يُسْرَاهُ مَقْطُوعَةً أَوْ بِهَا جِرَاحَةٌ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ جَازَ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ فَلَا يُنَافِي الشَّرْعِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ.
[اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ]
. (وَ) يُكْرَهُ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ كَذَا اسْتِدْبَارُهَا) لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ (بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَعَظِّمُوا قِبْلَةَ اللَّهِ لَا تَسْتَقْبِلُوهَا وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدَثِ بَلْ لِإِزَالَتِهِ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا (وَلَوْ فِي الْبُنْيَانِ) لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يُفَرِّقْ.
(وَ) يُكْرَهُ (فِعْلُهُمَا) أَيْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (فِي الْمَاءِ، وَالظِّلِّ) أَيْ ظِلِّ قَوْمٍ يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ (وَالطَّرِيقِ وَتَحْتَ شَجَرٍ مُثْمِرٍ) بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْجَمِيعِ فِي الْحَدِيثِ، وَالسِّرُّ ظَاهِرٌ (وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِمَا) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا (، وَالْبَوْلُ قَائِمًا إلَّا لِعُذْرٍ) كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْمَشْيِ أَوْ التَّنَحْنُحِ أَوْ النَّوْمِ) أَيْ الِاضْطِجَاعِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ قَلْبُهُ عَلَى انْقِطَاعِ الْعَوْدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (وَقِيلَ يَكْتَفِي بِمَسْحِ الذَّكَرِ وَاجْتِذَابِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ فَمَنْ فِي قَلْبِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي الْوَقْتَيْنِ مِثْلُهُ صَيْفًا) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَقَاضِي خَانْ: وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِثْلَ فِعْلِ الرَّجُلِ فِي الشِّتَاءِ اهـ.
وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِخَشْيَةِ تَلْوِيثِ الْفَرْجِ لَوْ أَبْتَدَأَتْ مِنْ خَلْفُ (قَوْلُهُ: وَغَسْلُهُ بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ الْحَجَرِ أَوْلَى) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: قِيلَ هُوَ أَدَبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَقِيلَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ: إنْ أَمْكَنَ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ مَخْرَجَهَا لِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْوُجُوبِ فِيهِ فِيمَا سَيَأْتِي فَيَقْتَضِي وَلَوْ أَدَّى إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ (قَوْلُهُ: وَيَغْسِلُهُ بِبَطْنِ أُصْبُعٍ. . . إلَخْ) يَعْنِي لَا رُءُوسِهَا احْتِرَازًا عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْأُصْبُعِ وَإِذَا اسْتَنْجَى بِأُصْبُعٍ يُرَاعِي الْكَيْفِيَّةَ الْآتِيَةَ لَا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأُصْبُعِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ تُصْعِدُ. . . إلَخْ) هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ عَذْرَاءَ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَنْجِي بِأَصَابِعِهَا خَوْفًا مِنْ زَوَالِ الْعُذْرَةِ بَلْ بِبَاطِنِ كَفِّهَا (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ أَيْ غَسْلُ الْمَخْرَجِ بِمُجَاوَزَةِ مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ وَإِنْ كَانَ الْمُجَاوِزُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَمَا دُونَهُ فَالْغَسْلُ وَاجِبٌ، وَقَدْ جَعَلَ الِاسْتِنْجَاءَ قِسْمَيْنِ: مَسْنُونًا، وَوَاجِبًا وَقَدْ قَسَّمَهُ فِي السِّرَاجِ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ أَرْبَعَةٌ فَرِيضَةٌ مِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالرَّابِعُ إذَا تَجَاوَزَتْ مَخْرَجَهَا، وَالْخَامِسُ الْمَسْنُونُ إذَا كَانَتْ مِقْدَارَ الْمَخْرَجِ فِي مَحَلِّهِ وَفِيهِ تَسَامُحٌ ذَكَرَ وَجْهَهُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثَةٍ زَادَ عَلَيْهَا) أَقُولُ هَذَا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ فَيَغْسِلُ حَتَّى يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ طَهُرَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ أَنَّ الْإِنْقَاءَ لِلرِّيحِ فِي الْغَائِطِ وَاجِبٌ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَقَوْلَانِ قِيلَ يَطْهُرُ، وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ وَإِنْ بَالَغَ.
[الِاسْتِنْجَاء بِالْعَظْمِ]
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْبَوْلِ. . . إلَخْ) كَذَا اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ احْتِرَامًا لَهُمَا وَكَذَا مَهَبُّ الرِّيحِ لِئَلَّا يُصِيبَهُ رَشَاشُ بَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِمَا لِلنَّهْيِ عَنْهُ) أَقُولُ اسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ كَاشِفَيْنِ عَوْرَتَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»
стр. 49
أَنَّهُ صَارَ طَاهِرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَعْلَمُ بِحَالِهِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة (وَمَعَ طَهَارَةِ الْمَغْسُولِ تَطْهُرُ الْيَدُ) كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) (شَرْطٌ لِفَرْضِيَّتِهَا الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ) لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَدَارَ التَّكْلِيفِ بِالْفُرُوعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ (وَإِنْ وَجَبَ ضَرْبُ ابْنِ عَشْرٍ) أَيْ صَبِيٍّ سِنُّهُ عَشْرُ سِنِينَ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى تَرْكِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ» .
(وَمُنْكِرُهَا) أَيْ مُنْكِرُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِمَعْنَى مُنْكِرِ فَرْضِيَّتِهَا (كَافِرٌ) لِثُبُوتِهَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا احْتِمَالَ فِيهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ.
(وَتَارِكُهَا عَمْدًا مَجَانَةً) أَيْ تَكَاسُلًا (فَاسِقٌ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِأَنَّهُ يُحْبَسُ لِحَقِّ الْعَبْدِ فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَحَقُّ بِهِ (وَقِيلَ يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ) مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ. .
(وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ فَاعِلِهَا بِالْجَمَاعَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا صَلَّى بِجَمَاعَةٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِوُجُودِهَا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ قَالَ ﵊ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَهُوَ مِنَّا» قَالُوا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَاتَنَا الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ لِوُجُودِ الصَّلَاةِ بِدُونِ الْجَمَاعَةِ فِي الْكَفَرَةِ أَيْضًا.
(وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ أَصْلًا) أَيْ لَا بِالنَّفْسِ كَمَا صَحَّتْ فِي الْحَجِّ وَلَا بِالْمَالِ كَمَا صَحَّتْ فِي الصَّوْمِ بِالْفِدْيَةِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَتَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى غَيْرِ مَعْذُورٍ) لِوُجُودِ السَّبَبِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَعْذُورِ كَصَبِيٍّ بَلَغَ وَكَافِرٍ أَسْلَمَ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَا وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا (بِآخِرِهِ) لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ (وَلَا تَجُوزُ قَبْلَهُ) لِامْتِنَاعِ تَقَدُّمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
(فَ وَقْتُ الْفَجْرِ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ وَمَنْ قَدَّمَ الظُّهْرَ نَظَرَ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ (مِنْ) طُلُوعِ (الصُّبْحِ الثَّانِي) وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُنْتَشِرُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَمَعَ طَهَارَةِ الْمَغْسُولِ تَطْهُرُ الْيَدُ) أَقُولُ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِئَلَّا تَتَشَرَّبَ الْمَسَامُّ النَّجَاسَةَ وَبَعْدَهُ أَيْضًا مُبَالَغَةً فِي النَّظَافَةِ وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ اسْتِعَاذَةٍ وَتَقْدِيمُ التَّسْمِيَةِ وَتَقْدِيمُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ خُرُوجِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْرِيفِهَا وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْرِيكِ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ عِنْدَ الْعَجِيزَةِ فَهِيَ مُغَيَّرَةٌ شَرْعًا أَوْ عَنْ الدُّعَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ لِوُجُودِهَا بِدُونِهِ فِي الْآدَمِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّغْيِيرِ، وَالنَّقْلِ أَنَّ فِي النَّقْلِ لَمْ يَبْقَ الْمَعْنَى الَّذِي وَضَعَهُ الْوَاضِعُ مَرْعِيًا وَفِي التَّغْيِيرِ يَكُونُ بَاقِيًا لَكِنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْكَانِ الْمَعْلُومَةِ.
[إنْكَار الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة]
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا) أَقُولُ لَكِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
[النِّيَابَةُ فِي الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: وَتَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى غَيْرِ مَعْذُورٍ) أَقُولُ وَسَيَذْكُرُ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ آخِرُ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يُؤَدِّ قَبْلَهُ فَالْمُرَادُ بِوُجُوبِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ الْمُوَسَّعُ وَهَذَا سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَقَالَ فِي الْكَافِي إنَّهُ الْخِطَابُ
(قَوْلُهُ: وَتَجِبُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَعْذُورِ. . . إلَخْ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَعْذُورِ مَنْ ذَكَرَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛
لِأَنَّ مَنْ اتَّصَفَ فِي الْوَقْتِ بِالْأَهْلِيَّةِ كَالْبُلُوغِ، وَالْإِسْلَامِ لَا يُقَالُ لَهُ مَعْذُورٌ لِأَنَّ الْمَعْذُورَ مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ مَعَ قِيَامِ مَا بِهِ مِنْ حَدَثٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ وَهُوَ كَالصَّحِيحِ لَا يَفْتَرِقُ حَالُهُمَا فِي السَّبَبِ وَثَانِيًا: أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِالْأَهْلِيَّةِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ لَا يَكُونُ آخِرُ الْوَقْتِ سَبَبًا لَازِمًا فِي حَقِّهِ بَلْ الْجُزْءُ الْمُتَّصِفُ فِيهِ بِالْأَهْلِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْآخِرَ أَوْ غَيْرَهُ.
[أَوْقَات الصَّلَوَات]
[وَقْتُ الْفَجْرِ]
(قَوْلُهُ: فَوَقْتُ الْفَجْرِ أَيْ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ. . . إلَخْ) مُتَضَمِّنٌ أَنَّ الْفَرَائِضَ خَمْسٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا﴾ [البقرة: ٢٣٨] الْآيَةَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَدًا لَهُ وُسْطَى وَوَاوُ الْجَمْعِ لِلْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لِلْمُغَايَرَةِ وَأَقَلُّهُ خَمْسٌ ضَرُورَةً وَلِلسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ كَذَا اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي مُقَدِّمَتِهِ وَقَالَ شَارِحُهَا الْقَرْمَانِيُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَجْعَلْ الْوُسْطَى بِمَعْنَى الْفُضْلَى، وَأَنْ لَا يَبْطُلَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفُضْلَى كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَكْثَرِينَ أَوْ بَطَلَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا هُوَ الْمُقَرَّرُ مِنْ الْقَاعِدَةِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال فَافْهَمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ ثَبَتَ كَوْنُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ) هَذَا أَحَدُ مَا قِيلَ، وَقِيلَ لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَوْ لِأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا آدَم ﵇ حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَدَّمَ الظُّهْرَ) أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا ﵀ كَمَا فَعَلَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ: نَظَرَ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ
(قَوْلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. . . إلَخْ) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهُ هَلْ الْعِبْرَةُ لِأَوَّلِ طُلُوعِهِ أَوْ لِاسْتِطَارَتِهِ أَوْ لِانْتِشَارِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْأَخِيرُ لِتَعْرِيفِهِمْ الصَّادِقَ بِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ -
стр. 50
فِي الْأُفُقِ الْمُسَمَّى بِالصُّبْحِ الصَّادِقِ (إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ ثُمَّ قَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك» .
(وَ) وَقْتُ (الظُّهْرِ مِنْ زَوَالِهَا) أَيْ الشَّمْسِ (إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ زَوَالِهَا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَلِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَقْتَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِإِمَامَتِهِ ﵇ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعِنْدَهُمَا آخِرُهُ إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ (سِوَى الْفَيْءِ) أَيْ فَيْءِ الزَّوَالِ الْفَيْءُ لُغَةً الرُّجُوعُ وَعُرْفًا ظِلٌّ رَاجِعٌ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ حِينَ يَقَعُ عَلَى خَطِّ نِصْفِ النَّهَارِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّوَالِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِحُصُولِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُعَدُّ تَسَامُحًا.
(وَ) وَقْتُ (الْعَصْرِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ (إلَى غُرُوبِهَا) أَيْ الشَّمْسِ أَمَّا أَوَّلُهُ فَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
[وَقْتُ الْمَغْرِب]
(وَ) وَقْتُ (الْمَغْرِبِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ غُرُوبِهَا (إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ) وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (الْبَيَاضُ) الَّذِي يَعْقُبُ الْحُمْرَةَ (وَعِنْدَهُمَا الْحُمْرَةُ وَبِهِ يُفْتَى) لِإِطْبَاقِ أَهْلِ اللِّسَانِ عَلَيْهِ حَتَّى نُقِلَ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَيْهِ لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَمْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ الشَّفَقَ عَلَى الْحُمْرَةِ،.
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُمَا أَوْسَعُ، وَقَوْلُهُ أَحْوَطُ.
(وَ) وَقْتُ (الْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ مِنْهُ) أَيْ غُرُوبِ الشَّفَقِ (إلَى الصُّبْحِ) أَمَّا أَوَّلُهُ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ عَقِيبَ الشَّفَقِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ بِاللَّيْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْلَا أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهَا هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَعِنْدَهُمَا وَقْتُ الْوَتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ) بِلَا خِلَافٍ فِي الْآخِرِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَتْرَ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَسُنَّةٌ عِنْدَهُمَا كَمَا سَيَجِيءُ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْوَتْرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ نَاسِيًا أَوْ صَلَّاهُمَا فَظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ لَا الْوَتْرِ فَإِنَّ الْوَتْرَ يَصِحُّ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا عِنْدَهُ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِمِثْلِ هَذَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لِتَعْرِيفِهِ بِهِ قُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْرِيفُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الِانْتِشَارَ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِشَارِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنْهُ، يُؤَيِّدُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ «ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَزَغَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامَ عَلَى الصَّائِمِ»
(قَوْلُهُ: إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) يَعْنِي إلَى قُبَيْلِ طُلُوعِهَا لِمَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ.
[وَقْتُ الظُّهْرِ]
(قَوْلُهُ: فَأَمَّا الثَّانِي فَلِإِمَامَتِهِ ﵇ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي الظُّهْرَ وَقَدْ صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ مَرَّةً فَلَمْ يُطَابِقْ الْمُدَّعَى فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ قِيلَ بِالْمِثْلِ وَبِالْمِثْلَيْنِ فَبِالْخُرُوجِ بِالْمِثْلِ يَشُكُّ فِي الْخُرُوجِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ بُلُوغُهُ مِثْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا آخِرُهُ إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ) أَقُولُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ
[وَقْتُ الْعَصْر]
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا الْحُمْرَةُ وَبِهِ يُفْتَى. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اخْتَارَ الْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا وَلَا تُسَاعِدُهُ رِوَايَةٌ وَلَا دِرَايَةٌ وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَوَافَقَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ وَقَالَ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ هُوَ الْأَصَحُّ لَكِنَّ صَاحِبَ الْبُرْهَانِ مَعَ مُتَابَعَتِهِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ مَشَى عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِهِمَا وَقَالَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ إطْبَاقُ أَهْلِ اللِّسَانِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهَا نَفْيًا لِلْمُجَاوِزِ وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَيَاضِ نَفْيًا لِلِاشْتِرَاكِ (قَوْلُهُ: حَتَّى نُقِلَ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَيْهِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ وَإِثْبَاتُ هَذَا الِاسْمِ لِلْبَيَاضِ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّهُ بَاطِلٌ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَالِعَ ثَلَاثَةٌ، وَالْغَوَارِبَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ الْوَسَطُ مِنْهَا وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَكَذَا فِي الْغَوَارِبِ الْمُعْتَبَرُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ الْوَسَطُ، وَهُوَ الْحُمْرَةُ فَبِذَهَابِهَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَهَذَا لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْبَيَاضِ مَعْنَى الْحَرَجِ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إلَّا قَرِيبًا مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ رَاعَيْت الْبَيَاضَ بِمَكَّةَ فَمَا ذَهَبَ إلَّا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ اهـ.
لَكِنْ حَمَلَ الزَّيْلَعِيُّ مَا رُوِيَ عَنْ الْخَلِيلِ عَلَى بَيَاضِ الْجَوِّ وَذَلِكَ يَغِيبُ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَمَّا بَيَاضُ الشَّفَقِ وَهُوَ رَقِيقُ الْحُمْرَةِ فَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا إلَّا قَلِيلًا قَدْرَ مَا يَتَأَخَّرُ طُلُوعُ الْحُمْرَةِ عَنْ الْبَيَاضِ فِي الْفَجْرِ. اهـ.
[وَقْتُ الْعِشَاء]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا آخِرُهُ فَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ) أَقُولُ لَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ بِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ لِلْمُدَّعَى ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعَاتِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فَلِهَذَا لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 51
الْعُذْرِ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوَتْرَ أَيْضًا لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهَا، وَالثَّانِي أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ حَتَّى لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْفَجْرِ مَا لَمْ يُصَلِّ الْوَتْرَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذْ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
(وَلَا يَجِبَانِ) أَيْ الْعِشَاءُ وَالْوَتْرُ (لِفَاقِدِ وَقْتِهِمَا) أَيْ مَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ فِيهِ الْفَجْرُ كَمَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْوَقْتُ.
(وَ) وَقْتُ (التَّرَاوِيحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ) قَبْلَ الْوَتْرِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّتْ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَقِيلَ بَيْنَ الْعِشَاءِ، وَالْوَتْرِ) حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ أَوْ بَعْدَ الْوَتْرِ لَمْ يُؤَدِّهَا فِي وَقْتِهَا (وَقِيلَ اللَّيْلُ كُلُّهُ) قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ الْوَتْرُ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَصْلِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ، فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ إلَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ تَرْتِيلُ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ إعَادَتُهُ إنْ لَزِمَتْ) بِأَنْ ظَهَرَ فَسَادُ وُضُوئِهِ قَالَ ﵊ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» .
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيْفِ لِلْإِبْرَادِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (وَ) تَأْخِيرُ (الْعِشَاءِ إلَى آخِرِ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ) بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا قَبْلَ آخِرِ الثُّلُثِ وَانْتِهَاؤُهَا فِي آخِرِ الثُّلُثِ وَلَوْ بِالتَّخْمِينِ، وَبِهِ يُوَفَّقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَقَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ (وَ) تَأْخِيرُ الْوَتْرِ إلَى الْفَجْرِ (لِلْوَاثِقِ بِالِانْتِبَاهِ) وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوَتْرَ أَيْضًا) يَعْنِي عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهَا) يَعْنِي لَا يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ عَنْ السُّنَّةِ فَنَفْيُ الصِّحَّةِ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ صِحَّةِ أَدَائِهِ سُنَّةً لَا نَفْيُ أَصْلِ الصِّحَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبَانِ لِفَاقِدِ وَقْتِهِمَا) أَقُولُ وَبِهِ أَفْتَى الْبَقَّالِيُّ ثُمَّ وَافَقَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَأَفْتَى الْإِمَامُ الْبُرْهَانِيُّ الْكَبِيرُ بِوُجُوبِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ قُلْت وَلَا يُسَاعِدُ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ حَدِيثُ الدَّجَّالِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَمَّا «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْثِ الدَّجَّالِ فِي الْأَرْضِ قَالَ ﷺ أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَيَكْفِينَا صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا اُقْدُرُوا لَهُ» .
لِأَنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ عِشَاءٍ مَثَلًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْإِيجَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ زَمَنٌ يَمْضِي فِيهِ مِقْدَارُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَالْوَتْرِ لِيُقَدَّرَ لَهُ بِهِ
[وَقْتُ التَّرَاوِيح]
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَرْأَةِ، وَالْأَفْضَلُ لَهَا فِي الْفَجْرِ الْغَلَسُ، وَفِي غَيْرِهَا الِانْتِظَارُ إلَى فَرَاغِ الرِّجَالِ عَنْ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي سُنِّيَّةِ التَّغْلِيسِ بِفَجْرِ مُزْدَلِفَةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: إلَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ تَرْتِيلُ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ إعَادَتُهُ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ الْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْوُضُوءِ أَيْضًا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مُوفِيًا بِهِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ: قَالُوا وَحَدُّهُ يَعْنِي الْإِسْفَارَ بِالْفَجْرِ أَنْ يَبْدَأَ فِي وَقْتٍ يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ أَدَائِهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مَا لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلَاتِهِ أَعَادَهَا بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ مُرَتَّلَةٍ بَيْنَ الْخَمْسِينَ، وَالسِّتِّينَ آيَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّغْلِيسَ إلَّا مَنْ لَمْ يَضْبِطْ ذَلِكَ الْوَقْتَ (قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ ظُهْرِ الصَّيْفِ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ أَوْ لَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ لَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قِيلَ، وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ أَصْلًا وَاسْتِحْبَابًا فِي الزَّمَانَيْنِ اهـ
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ تَأْخِيرَ وَقْتِ الْعَصْرِ وَقَالَ فِي الْكَافِي: يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ» ، وَالْعِبْرَةُ لِتَغَيُّرِ الْقُرْصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا لِتَغَيُّرِ الضَّوْءِ كَمَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّهِيدُ لِأَنَّ ذَا يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَمَتَى صَارَ الْقُرْصُ بِحَيْثُ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ وَإِلَّا لَا (قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ) أَطْلَقَهُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَسْأَلَةِ يَوْمِ الْغَيْمِ (قَوْلُهُ: وَبِهِ يُوَفِّقُ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَقَدْ ظَفِرْت بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ إلَيْهِ وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْبُرْهَانِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُوَفَّقُ بِهِ لِفَكِّ التَّعَارُضِ وَقَدْ وَفَّقَ بَيْنَهُمَا شَارِحُ الْمَجْمَعِ بِأَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ إلَى الثُّلُثِ مُسْتَحَبًّا فِي الشِّتَاءِ وَإِلَى مَا قَبْلَهُ فِي الصَّيْفِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ وَأَمَّا التَّأْخِيرُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ فَمُبَاحٌ وَإِلَى آخِرِهِ فَمَكْرُوهٌ اهـ.
وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ فِي الْهِدَايَةِ بِتَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ اهـ.
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ يَخْشَى فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَإِلَّا فَلَا كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَمُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ، وَالْعُرْسِ (قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْوَتْرِ إلَى الْفَجْرِ) ظَاهِرُ مَا فِي الْبُرْهَانِ، وَالْمَجْمَعِ أَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ لِلْمُتَهَجِّدِ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ مَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ لِلْإِتْيَانِ بِمَا يَتَنَفَّلُ بِهِ مَعَهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا يُعِيدُ الْوَتْرَ وَلَزِمَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ الْمُفَادِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا»
стр. 52
«مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ» .
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ مَا نَدْرِي أَمَا ذَهَبَ مِنْ النَّهَارِ أَكْثَرُ أَمْ مَا بَقِيَ مِنْهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدَ (وَ) تَعْجِيلُ (الْمَغْرِبِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَيَوْمَ غَيْمٍ يُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَالْعِشَاءَ) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ احْتِمَالَ وُقُوعِهِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَفِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلَ الْجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَرِ، وَالطِّينِ (وَيُؤَخِّرُ غَيْرَهُمَا) يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ لِأَنَّ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ لَا كَرَاهَةَ فِي تَأْخِيرِهِمَا، وَالْمَغْرِبُ يُخَافُ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِشِدَّةِ الِالْتِبَاسِ.
(لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ كَانَتْ) تِلْكَ التِّلَاوَةُ (فِي) الْوَقْتِ (الْكَامِلِ وَصَلَاةُ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ قَبْلَ) أَيْ قَبْلَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِقَوْلِهِ (حَالَ الطُّلُوعِ، وَالِاسْتِوَاءِ، وَالْغُرُوبِ) وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ لَا تَصِحُّ (إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ فَإِنْ أَدَّاهَا لَا يُكْرَهُ وَقْتُ الْغُرُوبِ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ آخِرُ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يُؤَدِّ قَبْلَهُ فَإِذَا أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ لَمْ يُكْرَهْ فِعْلُهَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ كَالْقَضَاءِ لَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ تَفْوِيتُهُ، قَالُوا الْمُرَادُ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مَا تَلَاهَا قَبْلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ وَأَمَّا إذَا تَلَاهَا فِيهَا فَجَازَ أَدَاؤُهَا فِيهَا بِلَا كَرَاهَةٍ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهَا لِيُؤَدِّيَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ بِخِلَافِ الْعَصْرِ وَكَذَا الْمُرَادُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا حَضَرَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَإِنْ حَضَرَتْ فِيهَا جَازَتْ بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ كَمَا وَجَبَتْ إذْ الْوُجُوبُ بِالْحُضُورِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَالتَّأْخِيرُ مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا أَوْقَاتٌ يَعْبُدُ فِيهَا عَبَدَةُ الشَّمْسِ (كَذَا) أَيْ كَمَا جَازَ الْعَصْرُ وَقْتَ الْغُرُوبِ (جَازَ تَطَوُّعٌ بَدَأَ بِهِ فِيهَا) أَيْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ (أَوْ نَذَرَ أَدَاءَهُ فِيهَا وَقَضَاءُ تَطَوُّعٍ بَدَأَ بِهِ فِيهَا فَأَفْسَدَهُ) لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا وَجَبَ نَاقِصًا يُؤَدَّى نَاقِصًا (وَالْأَفْضَلُ فِي الْأَوَّلَيْنِ) يَعْنِي تَطَوُّعًا بَدَأَ بِهِ فِيهَا أَوْ نَذَرَ أَدَاءَهُ فِيهَا (وَالْقَطْعُ، وَالْقَضَاءُ فِي) الْوَقْتِ (الْكَامِلِ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(وَكُرِهَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَدَاءِ) صَلَاةِ (الْعَصْرِ إلَى أَدَاءِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ النَّفْلِ سِوَى سُنَّةِ الْفَجْرِ) فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ.
(وَ) كُرِهَ (الْمَنْذُورُ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ وَمَا بَدَأَ بِهِ فَأَفْسَدَهُ لَا) تُكْرَهُ (الْفَائِتَةُ) فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (إلَّا فِي)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّبِيعِ، وَالْخَرِيفِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّبِيعَ مُلْحَقٌ بِالشِّتَاءِ، وَالْخَرِيفَ بِالصَّيْفِ (قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) أَقُولُ وَلَمْ يُفِدْ حُكْمَ تَأْخِيرِهَا وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَكُونُ قَلِيلًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَفِي الْكَرَاهَةِ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ خِلَافٌ.
وَفِي الْقُنْيَةِ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْعَصْرِ إلَى وَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبِ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ اهـ كَذَا فِي الْبَحْرِ قُلْت لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ أَشْغَلَ جَمِيعَ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْقِرَاءَةِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا فَيُنْظَرُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَغْرِبِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَدَّاهَا لَا يُكْرَهُ وَقْتَ الْغُرُوبِ) كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ فَإِنْ أَدَّاهَا يَصِحُّ وَقْتَ الْغُرُوبِ لِيُنَاسِبَ الِاسْتِثْنَاءَ وَإِنْ فُهِمَ الْحُكْمُ مِنْ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ لَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَدْ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْفِعْلِ أَيْضًا فِي الْبَحْرِ فَقَالَ: وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا هُوَ تَأْخِيرُهُ لَا أَدَاؤُهُ وَقِيلَ الْأَدَاءُ مَكْرُوهٌ أَيْضًا كَمَا فِي الْكَافِي وَعَلَى هَذَا مَشَى فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَالتُّحْفَةِ، وَالْبَدَائِعِ وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِلْحَدِيثِ. اهـ. وَسَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا تَلَاهَا فِيهَا. . . إلَخْ) كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا سِوَى عَصْرِ يَوْمِهِ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَجَبَتَا فِيهَا فَإِنَّهَا تَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لَا بِدُونِهَا كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ (قَوْلُهُ: كَذَا جَازَ تَطَوُّعٌ بَدَأَ بِهِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ آثِمًا (قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ فِي الْأَوَّلَيْنِ. . . إلَخْ) .
أَقُولُ وَعَلَى هَذَا الْأَفْضَلُ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ بَدَأَ بِهِ فِيهَا فَأَفْسَدَهُ الْقَضَاءُ فِي كَامِلٍ وَإِنْ صَحَّ فِي مِثْلِ مَا بَدَأَ بِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ يَعْنِي الزَّيْلَعِيَّ فِيهِمَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ ضَعِيفٌ كَمَا قَدْ قَدَّمْنَاهُ اهـ. وَقَالَ الْكَمَالُ يُخْرِجُهُ يَعْنِي الْقَضَاءَ فِيهِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا اهـ.
وَرَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ هَذَا كَلَامُ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وُجُوبُ الْقَطْعِ اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَإِذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ ثُمَّ يَقْضِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ. فَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْوُجُوبِ لِلْآمِرِ.
(قَوْلُهُ: سِوَى سُنَّةِ الْفَجْرِ) الْمُرَادُ بِهِ فِيمَا قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إذْ لَا تُقْضَى سُنَّةُ الْفَجْرِ إلَّا تَبَعًا (قَوْلُهُ: لَا تُكْرَهُ الْفَائِتَةُ) أَقُولُ وَلَوْ وِتْرًا (قَوْلُهُ: إلَّا فِي
стр. 53
وَقْتِ (الِاحْمِرَارِ) فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِيهِ مَكْرُوهٌ (وَلَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) فِيهِمَا.
(وَكُرِهَ مَا سِوَى الْفَائِتَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ) أَيْ صُعُودِهِ إلَى الْمِنْبَرِ (لِلْخُطْبَةِ) أَطْلَقَهَا لِيَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْخُطَبِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدِ وَخُطَبٍ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَشُرَّاحُ الْهِدَايَةِ (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ) لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْخُطْبَةِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ تُكْرَهُ الْفَوَائِتُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ الْفَائِتَةُ تَجُوزُ وَقْتَ الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَاخْتِيرَ هَاهُنَا قَوْلُهُ لِكَوْنِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ.
(لَا يُجْمَعُ فَرْضَانِ فِي وَقْتِ الْعُذْرِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ، وَالْمَرَضِ، وَالسَّفَرِ (بَلْ بِحَجٍّ) فَإِنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فِي عَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ (تَطَهَّرَتْ فِي وَقْتِ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ تَقْضِيهِمَا فَقَطْ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَقْضِي الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَاحِدٌ وَكَذَا وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلِهَذَا جَوَّزَ الْجَمْعَ بِالْعُذْرِ كَمَا مَرَّ (صَارَ أَهْلًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ يَقْضِيهِ لَا مَنْ حَاضَتْ فِيهِ أَوْ نَفِسَتْ) الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ آخِرُ الْوَقْتِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَوَّلُهُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ يَلْزَمُهُمْ فَرْضُ الْوَقْتِ عِنْدَنَا وَلَوْ حَاضَتْ فِيهِ عِنْدَنَا لَا تَقْضِيهِ خِلَافًا لَهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ
[بَابُ الْأَذَانِ]
[حُكْم الْأَذَان وَالْإِقَامَة]
(بَابُ الْأَذَانِ)
هُوَ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَشَرْعًا إعْلَامُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ (سُنَّ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً (لِلْفَرَائِضِ) وَهِيَ الرَّوَاتِبُ الْخَمْسُ وَقَضَاؤُهَا وَالْجُمُعَةُ بِخِلَافِ الْوِتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالْجِنَازَةِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالسُّنَنِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقْتِ الِاحْمِرَارِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِيهِ مَكْرُوهٌ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فَيُنَاقِضُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ. . . إلَخْ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَمَنَعَ عَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرِ لَا عَنْ قَضَاءِ فَائِتَةٍ. . . إلَخْ الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا اهـ.
قُلْت وَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ لِحَمْلِ نَفْيِ الْجَوَازِ عَلَى الْحِلِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ مِثْلِهِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ كَامِلٌ لِعَدَمِ نَقْصٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِكَامِلٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَمَنْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَلَا بَأْسَ بِالْقَضَاءِ فِيهِمَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ وَتَغَيُّرِهَا فِي الْعَصْرِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ حَتَّى تَغْرُبَ لِأَنَّ الْغُرُوبَ فِيهَا مُؤَوَّلٌ بِالتَّغَيُّرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ عَلَى الْفَوَائِتِ الْوَاجِبِ تَرْتِيبُهَا مَعَ الْجُمُعَةِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ عَلَى فَوَائِتَ غَيْرِ وَاجِبَةِ التَّرْتِيبِ فَلَا مُعَارَضَةَ وَإِلَّا فَلَا يَسَعُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الْحُكْمَ بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا لِمَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُ مَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِتِ اللَّازِمِ أَدَاؤُهَا مُرَتِّبًا.
(تَتِمَّةٌ) : يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ عِنْدَ الْإِقَامَةِ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ جَمَاعَةٍ وَقَبْلَ الْعِيدِ مُطْلَقًا وَبَعْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا الْبَيْتِ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ، وَعِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَحُضُورِ طَعَامٍ تَتُوقُهُ نَفْسُهُ وَمَا يَشْغَلُ الْبَالَ وَيُخِلُّ بِالْخُشُوعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا بِخَيْرٍ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِالْمَشْيِ فِي حَاجَتِهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ إلَى الشَّمْسِ وَقِيلَ إلَى ارْتِفَاعِهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ
(بَابُ الْأَذَانِ) .
(قَوْلُهُ وَشَرْعًا إعْلَامُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) أَقُولُ لَعَلَّ السِّرَّ فِي عُدُولِهِ عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ إعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَا أَنَّهُ يُبْرَدُ بِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الصَّيْفِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ سُنَّ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً) هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَا الْإِقَامَةُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَاجِبٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ بَلْدَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ وَأَبُو يُوسُفَ يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ وَلَا يُقَاتَلُونَ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْوِتْرِ) هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ أَذَانَ الْعِشَاءِ لَا يَقَعُ لِلْوِتْرِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ قَالَ الْكَمَالُ أَذَانُ الْعِشَاءِ إعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ وَقْتُهَا.
(قَوْلُهُ وَصَلَاةِ الْعِيدِ) قَالَ الْكَمَالُ، وَلَوْلَا مَا رَوَيْنَا فِي الْعِيدِ لَأَذَّنَّا لَهُ عَلَى رِوَايَةِ الْوُجُوبِ يَعْنِي وُجُوبَ الْعِيدِ أَمَّا السُّنَّةُ فَلَا وَمَا رَوَاهُ هُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» .
стр. 54
وَالنَّوَافِلِ (فِي وَقْتِهَا) أَيْ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ إلَّا لِلْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» أَيْ وَقْتُ قَضَائِهَا (فَيُعَادُ لَوْ أُذِّنَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وَقْتِهِ.
(بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُنَّ (بَدْءًا) بِأَنْ يَقُولَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ (بِلَا لَحْنٍ) وَهُوَ التَّغَنِّي (وَلَا تَرْجِيعٍ) وَهُوَ أَنْ يَخْفِضَ بِالشَّهَادَتَيْنِ صَوْتَهُ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَرْفَعَ بِهِمَا صَوْتَهُ (يَضَعُ) الْمُؤَذِّنُ (أُصْبُعَيْهِ) وَجَازَ وَضْعُ يَدَيْهِ (فِي أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ اجْعَلْ أُصْبُعَيْك فِي أُذُنَيْك فَإِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» ، وَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ (وَيَتَرَسَّلُ) أَيْ يَتَمَهَّلُ وَلَا يُسْرِعُ (وَيَلْتَفِتُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا وَيَسَارًا إنْ أَمْكَنَ الْإِسْمَاعُ بِالثَّبَاتِ) فِي مَكَانِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْيَمِينِ وَالْفَلَاحُ فِي الْيَسَارِ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَالْفَلَاحُ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ (وَإِلَّا اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمِئْذَنَةُ بِحَيْثُ لَوْ حَوَّلَ وَجْهَهُ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ اسْتَدَارَ فِيهَا فَيُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْكُوَّةِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى الْكُوَّةِ الْيُسْرَى وَيُخْرِجُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (وَيَقُولُ بَعْدَ فَلَاحِ) أَذَانِ (الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[كَيْفِيَّة الْأَذَانِ]
قَوْلُهُ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ) لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَتْرَى وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا مَا يُفِيدُ التَّخْيِيرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِأَبِي الْمَكَارِمِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَيْ التَّرَسُّلِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقِفَ ثُمَّ يَقُولَ مَرَّةً أُخْرَى وَهَكَذَا بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ عَوَامَّ النَّاسِ يَضُمُّونَ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرُ وَكَانَ الْمُبَرَّدُ يَقُولُ إنَّ الْأَذَانَ سُمِعَ مَوْقُوفًا فِي مَقَاطِعِهِ فَالْأَصْلُ فِيهِ اللَّهُ أَكْبَرْ بِسُكُونِ الرَّاءِ فَحُوِّلَتْ فَتْحَةُ الْهَمْزَةِ إلَيْهَا، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ اهـ.
وَاحْتُرِزَ بِالتَّكْبِيرِ أَرْبَعًا بَدْءًا عَمَّا قِيلَ إنَّ أَبَا يُوسُفَ يُثَنِّيهِ كَمَالِكٍ إلْحَاقًا لَهُ بِالتَّكْبِيرِ الْأَخِيرِ
(قَوْلُهُ بِلَا لَحْنٍ وَهُوَ التَّغَنِّي) أَيْ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ كَلِمَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ لَا بَأْسَ فِيهِ، وَإِنْ لَحِقَهُ كَانَ مَكْرُوهًا قِيلَ إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ. وَأَمَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ لَا يُلَحَّنُ الْأَذَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ مَطْلُوبٌ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا وَقَيَّدَهُ الْحَلْوَانِيُّ بِمَا هُوَ ذِكْرٌ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْمَدِّ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَرْجِيعٍ) أَقُولُ فَلَوْ رَجَّعَ قَالَ فِي الْبَحْرِ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ التَّرْجِيعَ عِنْدَنَا مُبَاحٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ لَكِنْ ذَكَرَ الشَّارِحُ أَيْ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا التَّطْرِيبُ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجِيعَ هُنَا لَيْسَ هُوَ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ بَلْ هُوَ التَّغَنِّي اهـ. قُلْت وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ لِقَوْلِهِ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ فِي حَالِ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي. اهـ.
(قَوْلُهُ يَضَعُ الْمُؤَذِّنُ إصْبَعَيْهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ ضَمَّنَ وَضَعَ مَعْنَى الْإِدْخَالِ فَعَدَّاهُ بِفِي. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَجَازَ وَضْعُ يَدَيْهِ فَمَعْمُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلَا يُعَدَّى بِفِي؛ لِأَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا تَضْمِينَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَإِنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ وَوَضَعَهَا عَلَى أُذُنَيْهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ إحْدَى يَدَيْهِ عَلَى أُذُنِهِ فَحَسَنٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ) أَقُولُ لَا يُخَالِفُ هَذَا مَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْأَذَانَ حَسَنٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ يَعْنِي لَا إنَّ عَدَمَ وَضْعِ الْأُصْبُعَيْنِ حَسَنٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي أَذَانِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ، فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ السُّنَّةِ كَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مَعَهُ أَحْسَنُ فَإِذَا تَرَكَهُ بَقِيَ الْأَذَانُ حَسَنًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَتَرَسَّلُ) هُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِبِلَالٍ ﵁ إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» وَالْأَمْرُ لِلنَّدَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمَلَكِ النَّازِلِ حَتَّى لَوْ تَرَسَّلَ فِيهِمَا أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا أَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْأَذَانِ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَتَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ لَا يَضُرُّ، كَذَا فِي الْكَافِي وَيُسَكِّنُ كَلِمَاتِهِمَا بِالْوَقْفِ لَكِنْ فِي الْأَذَانِ حَقِيقَةٌ وَفِي الْإِقَامَةِ يَنْوِي الْوَقْفَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَفِي الْمُبْتَغَى التَّكْبِيرُ جَزْمٌ.
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي التَّكْبِيرِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالرَّفْعِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْجَزْمِ، وَإِنْ كَرَّرَ التَّكْبِيرَ مِرَارًا فَالِاسْمُ الْكَرِيمُ مَرْفُوعٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَذِكْرُ أَكْبَرُ فِيمَا عَدَا الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ بِالرَّفْعِ وَفِي الْأَخِيرِ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالرَّفْعِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْجَزْمِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَلْتَفِتُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ) أَقُولُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سُنَّةَ الْأَذَانِ فَلَا يُتْرَكُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ حَتَّى قَالُوا فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ لِلْمَوْلُودِ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ يَمِينًا وَيَسَارًا) قَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَوِّلُ وَرَاءَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَلَا أَمَامَهُ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِهَا مِنْ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ اهـ.
قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الْمَنَارَاتِ الْمَعْهُودَةِ الْآنَ فَيَسْتَدِيرُ بِجُمْلَتِهِ وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ أَمْكَنَ الِاسْتِمَاعُ بِالثَّبَاتِ وَإِلَّا اسْتَدَارَ فِي مَوْضِعِهِ (فَرْعٌ) مِنْ الْقُنْيَةِ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَتَعْوِي الْكِلَابُ فَلَهُ ضَرْبُهَا إنْ ظَنَّ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ بِضَرْبِهِ وَإِلَّا فَلَا
стр. 55
النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْسَنَ هَذَا اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك وَخُصَّ الْفَجْرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ فَخُصَّ بِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ كَمَا خُصَّ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ (كَذَا) أَيْ كَالْأَذَانِ (الْإِقَامَةُ) فِي عَدَدِ الْكَلِمَاتِ لَكِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِقَامَةَ تَكُونُ (بِلَا وَضْعٍ) لِأُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ (وَ) تَكُونُ (بِحَدْرٍ) وَهُوَ الْإِسْرَاعُ ضِدُّ التَّرَسُّلِ (وَبِزِيَادَةِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَ فَلَاحِهَا) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (مَرَّتَيْنِ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِلَا الْتِفَاتٍ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَفُهِمَ عَدَمُ جَوَازِهِ أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ لَا يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ إلَّا لِأُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ (وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (الْقِبْلَةَ وَلَا يَتَكَلَّمُ) فِي أَثْنَائِهِمَا (وَيُثَوِّبُ) التَّثْوِيبُ الْعَوْدُ إلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَتَثْوِيبُ كُلِّ بَلْدَةٍ عَلَى مُتَعَارَفِ أَهْلِهَا (وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (إلَّا فِي الْمَغْرِبِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيُثَوِّبُ وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ التَّثْوِيبَ لِإِعْلَامِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ فِي الْمَغْرِبِ حَاضِرُونَ لِضِيقِ وَقْتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ فَيُكْتَفَى بِأَدْنَى الْفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ (وَيَأْتِي) الْمُصَلِّي (بِهِمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (لِفَائِتَةٍ) وَاحِدَةٍ (وَأُولَى الْفَوَائِتِ وَخُيِّرَ فِيهِ) أَيْ الْأَذَانِ (لِلْبَاقِي) مِنْ الْفَوَائِتِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُخَيَّرُ فِي الْإِقَامَةِ بَلْ يَأْتِي بِهَا فِي الْكُلِّ.
(جَازَ) أَيْ الْأَذَانُ (لِلْحَدَثِ وَالصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ وَكُرِهَ لِلْجُنُبِ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ) أَيْ مَنْ يُؤَذِّنُ قَاعِدًا (إلَّا) أَنْ يُؤَذِّنَ (لِنَفْسِهِ) مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الْأَذَانِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِعْلَامِ (وَيُعَادُ لِغَيْرِ الْأَخِيرَيْنِ) وَهُمَا الْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ (كَذَا) أَيْ كَمَا كُرِهَ أَذَانُ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورِينَ (كُرِهَ إقَامَتُهُمْ وَإِقَامَةُ الْمُحْدِثِ لَكِنْ لَا تُعَادُ) إقَامَتُهُمْ لِعَدَمِ شَرْعِيَّةِ تَكْرَارِ الْإِقَامَةِ.
(وَيَأْتِي بِهِمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (الْمُسَافِرُ وَالْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً وَفِي بَيْتِهِ بِمِصْرٍ وَكُرِهَ لِلْأَوَّلِ) أَيْ الْمُسَافِرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ كَمَا خُصَّ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَإِلَّا فَالتَّطْوِيلُ فِي ذَاتِهِ يُشَارِكُهُ فِيهِ الظُّهْرُ.
(قَوْلُهُ وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا الْقِبْلَةَ) أَيْ بِهِمَا لِحَدِيثِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَكُرِهَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ سُنِّيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ مَا إذَا أَذَّنَ رَاكِبًا فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاسْتِقْبَالُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَاشِيًا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَثْنَائِهِمَا) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ كُلَّ كَلَامٍ فَلَا يَحْمَدُ لَوْ عَطَسَ هُوَ وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ لَا بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ فِي نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي أَثْنَائِهِ اسْتَأْنَفَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ خَمْسُ خِصَالٍ لَوْ وُجِدَ أَحَدُهَا فِي الْأَذَانِ أَوْ فِي الْإِقَامَةِ يُوجَبُ الِاسْتِقْبَالُ إذَا غُشِيَ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَوْ الْمُقِيمِ أَوْ مَاتَ أَوْ ذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ حُصِرَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُلَقِّنُهُ أَوْ خَرِسَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الثُّبُوتُ لَا حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ.
(قَوْلُهُ وَيُثَوِّبُ) أَقُولُ وَيَكُونُ الْمُثَوِّبُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجَاهِ حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ سِوَى الْمُؤَذِّنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْضَالٌ لِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَيُسْتَحَبُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَيُكْرَهُ وَصْلُهَا بِهِ وَلَمْ يُقَدَّرْ الْفَصْلُ بِشَيْءٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الْقَوْمُ الْمُلَازِمُونَ لِلصَّلَاةِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَالْفَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسَكْتَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ فِي رِوَايَةٍ أَوْ يَخْطُو ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ فِي أُخْرَى، وَقَالَا يُسْتَحَبُّ الْفَصْلُ بِجِلْسَةٍ حَفِيفَةٍ قَدْرَ الْجِلْسَةِ فِي الْخُطْبَةِ.
(قَوْلُهُ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ. . . إلَخْ) جَعَلَ عِلَّةَ اسْتِثْنَاءِ التَّثْوِيبِ فِي الْمَغْرِبِ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ عَمَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ فَيُكْتَفَى بِأَدْنَى الْفَصْلِ) احْتِرَازًا عَنْهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى أَدْنَاهُ مَكْرُوهَةٌ.
وَفِي الْهِدَايَةِ مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ قَدْرَ أَدَاءِ رَكْعَتَيْنِ مَكْرُوهٌ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ نَقْلِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ اسْتِثْنَاءَ التَّأْخِيرِ الْقَلِيلِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِهِمَا إذَا تَوَسَّطَ فِيهِمَا لِيَتَّفِقَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي بِهِمَا لِفَائِتَةٍ) أَقُولُ إلَّا لِلظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّ أَدَاءَهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مَكْرُوهٌ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بَعْدَهُ: وَإِلَّا مَا تُؤَدِّيهِ النِّسَاءُ أَوْ تَقْضِيهِ بِجَمَاعَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَمَّتْهُنَّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ حِينَ كَانَتْ جَمَاعَتُهُنَّ مَشْرُوعَةً وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَةَ أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمَا لَمَّا كَانَ هُوَ السُّنَّةَ حَالَ شَرْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ كَانَ حَالُ الْإِفْرَادِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. . وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهُ.
(قَوْلُهُ وَخُيِّرَ فِيهِ لِلْبَاقِي) يَعْنِي إنْ اتَّحَدَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَأَلَّا يَأْتِي بِهِمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي بِهِمَا الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً) يَعْنِي بِهِ مَسْجِدًا عَلَى الطَّرِيقِ مُطْلَقًا أَوْ فِي مَحَلَّةٍ وَلَمْ يُفْعَلَا فِيهِ قَبْلُ لِمَا فِي الْبَحْرِ، وَإِنْ أُذِّنَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَصَلَّوْا يُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُؤَذِّنُوا
стр. 56
(تَرْكُهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ (وَلِلثَّانِي) أَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ (تَرْكُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (أَيْضًا) أَيْ كَالْإِقَامَةِ (بِخِلَافِ الثَّالِثِ) أَيْ الْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ بِمِصْرٍ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَيَأْتِي بِهِمَا الْمُسَافِرُ وَالْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أَوْ فِي بَيْتِهِ بِمِصْرٍ وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا لِلْأَوَّلَيْنِ لَا لِلثَّالِثِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ كَرَاهَةُ تَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْمُسَافِرِ وَالْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً. وَأَمَّا تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ وَلِهَذَا غَيَّرْت عِبَارَتَهُ هَاهُنَا إلَى مَا تَرَى.
(وَكُرِهَا) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (لِلنِّسَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
(أَقَامَ غَيْرُ مَنْ أَذَّنَ بِغَيْبَتِهِ) أَيْ غَيْبَةِ الْمُؤَذِّنِ (لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ) أَقَامَ (بِحُضُورِهِ كُرِهَ إنْ لَحِقَهُ بِهَا) أَيْ بِإِقَامَتِهِ وَحْشَةُ السَّامِعِ لِلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (يَقُولُ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ إلَّا الْحَيْعَلَتَيْنِ) فَإِنَّ مَعْنَاهُمَا أَسْرِعُوا إلَى الصَّلَاةِ وَأَسْرِعُوا إلَى مَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ فَيُشْبِهُ إعَادَتُهُ الِاسْتِهْزَاءَ (وَقَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ) فَإِنَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ بَلْ يَقُولُ فِي الْأَوَّلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَفِي الثَّانِي صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ وَيَقُولُ عِنْدَ قَوْلِهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا اللَّهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَسَمِعَ الْأَذَانَ لَا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهُ إجَابَةٌ بِالْحُضُورِ، وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَيُجِيبُ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ)
الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ لَمْ يَقُلْ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَهُ جَعَلَهُ صِفَةً كَاشِفَةً لَا مُمَيِّزَةً إذْ لَيْسَ مِنْ الشُّرُوطِ مَا لَا يَكُونُ مُقَدَّمًا حَتَّى يَكُونَ احْتِرَازًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَيُعِيدُوا الْجَمَاعَةَ وَلَكِنْ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنُوا فِيهِ وَيُقِيمُوا.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الثَّالِثِ. . . إلَخْ) يَعْنِي بِهِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فِي تَرْكِهِمَا إذَا وُجِدَا أَيْ الْإِقَامَةُ وَالْأَذَانُ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّتِهِ؛ لِأَنَّ مُؤَذِّنَهَا نَائِبٌ عَنْ أَهْلِهَا فِيهِمَا
[الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لِلنِّسَاءِ]
(قَوْلُهُ يَقُولُ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِجَابَةُ وَنَاقَشَ دَلِيلَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي إجَابَتِهِ بِاللِّسَانِ اهـ.
وَالْمُرَادُ أَنْ يُجِيبَ الْأَوَّلَ إنْ تَكَرَّرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْجِدِهِ وَهَذَا إذَا سَمِعَ الْمَسْنُونَ مِنْهُ وَهُوَ مَا لَا لَحْنَ فِيهِ وَلَا تَلْحِينَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَلَا يُغَيَّرُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَذَانٌ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَيَقُولُ عِنْدَ قَوْلِهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَالْإِجَابَةُ لِلْإِقَامَةِ مُسْتَحَبَّةٌ.
(قَوْلُهُ لَا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ) أَقُولُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقَةِ لِمَا قَالَ الْكَمَالُ،.
وَفِي الْعُيُونِ قَارِئٌ سَمِعَ النِّدَاءَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَسْمَعَ وَعَنْ الرُّسْتُغْفَنِيُّ يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَذَانَ مَسْجِدِهِ اهـ. لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِجَابَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمُؤَذِّنِ مَسْجِدِهِ.
(تَتِمَّةٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ الدُّعَاءَ عَقِبَ التَّسْمِيعِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ ثُمَّ دَعَا بَعْدَ الْفَرَاغِ بِالْوَسِيلَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اهـ. وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
هِيَ جَمْعُ شَرْطٍ عَلَى وَزْنِ فَعْلٍ وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ. وَأَمَّا شَرَائِطُ فَوَاحِدُهَا شَرِيطَةٌ فَمَنْ عَبَّرَ بِالشَّرَائِطِ فَمُخَالِفٌ لِلُّغَةِ وَلِلْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ فَإِنَّ فَعَائِلَ لَمْ يُحْفَظْ جَمْعًا لِفَعْلٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ. وَأَمَّا فَرَائِضُ فَصَحِيحٌ لِكَوْنِ مُفْرَدِهِ فَرِيضَةً كَصَحَائِفَ جَمْعِ صَحِيفَةٍ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَهُ جَعَلَهُ صِفَةً كَاشِفَةً) أَرَادَ بِهِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَتَحْقِيقُهُ كَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ هَذَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، وَقِيلَ لِإِخْرَاجِ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ كَالْحَيَاةِ لِلْأَلَمِ وَالْجَعْلِيِّ كَدُخُولِ الدَّارِ لِلطَّلَاقِ، وَقِيلَ لِإِخْرَاجِ مَا لَا يَتَقَدَّمُهَا كَالْقَعْدَةِ شَرْطُ الْخُرُوجِ وَتَرْتِيبِ مَا لَا يُشْرَعُ مُكَرَّرًا شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الشَّرْطَ عَقْلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ مُتَقَدِّمٌ فَلَا يُخْرِجُ قَيْدُ التَّقَدُّمِ الْعَقْلِيَّ وَالْجَعْلِيَّ لِلْقَطْعِ بِتَقَدُّمِ الْحَيَاةِ وَدُخُولِ الدَّارِ عَلَى الْأَلَمِ مَثَلًا وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ الْجَعْلِيَّ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بَلْ السَّبَبُ أَنْتِ طَالِقٌ لَكِنَّ عَمَلَهُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ الْجَعْلِيِّ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا تَقْيِيدٌ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا مُطْلَقِ الشُّرُوطِ وَلَيْسَ لِلصَّلَاةِ شَرْطٌ جَعْلِيٌّ وَيَبْعُدُ الِاحْتِرَازُ عَنْ شَرْطِهَا الْعَقْلِيِّ مِنْ الْحَيَاةِ وَنَحْوِهِ إذْ الْكِتَابُ مَوْضُوعٌ لِبَيَانِ الْعَلَامَاتِ فَلَا يَخْطُرُ غَيْرُهَا.
(قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ مِنْ الشُّرُوطِ مَا لَا يَكُونُ مُقَدَّمًا) أَقُولُ تَحْقِيقُهُ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ وَشَرْطُ الْخُرُوجِ وَالْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَيْسَا شَرْطَيْنِ لِلصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَالْبَقَاءُ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ شَرْطُ الصَّلَاةِ نَوْعٌ مِنْ التَّجَوُّزِ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَعَلَى الْوَصْفِ الْمُجَاوِرِ اهـ. وَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ أَيْ قَيْدِ التَّقَدُّمِ احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَتَقَدَّمُهَا بَلْ تُقَارِنُهَا أَوْ تَتَأَخَّرُ عَنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُذْكَرُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ كَالتَّحْرِيمَةِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ، وَالْمُرَادُ شَرْطُ الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ الْوُجُودِ وَلِذَلِكَ صَحَّ تَنَوُّعُهُ إلَى النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ اهـ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ
стр. 57
عَنْهُ (مِنْهَا طُهْرُ ثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ مِنْ خُبْثٍ وَطُهْرُ بَدَنِهِ مِنْهُ وَمِنْ حَدَثٍ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ (عَادِمُ ثَوْبٍ صَحَّ صَلَاتُهُ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَعَدَمَ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ وَفِي الْقِيَامِ كَشْفُهَا وَأَدَاءُ الْأَرْكَانِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ (وَنُدِبَتْ قَاعِدًا وَمُومِيًا بِهِمَا) ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ وَجَبَ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَمْ يَجِبَا إلَّا لِحَقِّ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ (وَوَاجِدٌ مَا كُلُّهُ نَجِسٌ أَوْ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِهِ طَاهِرٌ نُدِبَ صَلَاتُهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ فَرْضَ السَّتْرِ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ وَفَرْضَ الطَّهَارَةِ مُخْتَصٌّ بِهَا (وَوَاجِدٌ مَا رُبُعُهُ طَاهِرٌ لَا يُصَلِّي عُرْيَانًا) ؛ لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ كُلَّهُ طَاهِرٌ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ (بِثَوْبَيْهِ نَجِسٍ مَانِعٌ) عَنْ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَكُونَ بِثَوْبٍ مَثَلًا نَجَسٌ قَدْرَ الدِّرْهَمَيْنِ وَبِثَوْبٍ نَجَسٌ قَدْرَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ (أَقَلُّهُمَا) أَيْ أَيُّهُمَا أَقَلُّ نَجَاسَةً (أَحَبُّ) لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِنْ بَلَغَ النَّجَسُ (رُبْعَ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ) لِلصَّلَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ مُلِئَ أَحَدُهُمَا نَجَسًا وَرُبْعُ الْآخَرِ طَاهِرٌ تَعَيَّنَ الْآخَرُ) لِمَا مَرَّ آنِفًا (وَجَدَتْ) عُرْيَانَةٌ (ثَوْبًا يَسْتُرُ بَدَنَهَا وَرُبْعَ رَأْسِهَا يَجِبُ سَتْرُهُمَا) حَتَّى لَوْ تَرَكَتْ سَتْرَ الرَّأْسِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهَا لِمَا عَرَفْت أَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ فَصَارَتْ تَارِكَةً سَتْرَ الرَّأْسِ مَعَ الْإِمْكَانِ (وَلَا يَجِبُ) السَّتْرُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ مِنْهَا طُهْرُ ثَوْبِهِ. . . إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْ النَّجَسِ لِمَا قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُنَا وَيَجُوزُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِنَابُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي الْبُغْيَةِ تَلْخِيصَ الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرُ.
(قَوْلُهُ وَمَكَانِهِ) أَقُولُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ مَوْضِعِ كِلَا الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ كَانَ تَحْتَ أَحَدِهِمَا مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مُنِعَ الْجَوَازُ وَإِنْ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَ رَفْعِهِ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَطَهَارَةِ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي اللَّيْثِ وَتَصْحِيحُهُ فِي الْعُيُونِ وَعُمْدَةِ الْفَتَاوَى وَالْحُكْمُ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ بِدُونِ وَضْعِهِمَا يُنْكِرُهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الِاكْتِفَاءِ بِالسُّجُودِ بِالْأَنْفِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ عَادِمُ ثَوْبٍ) الْمُرَادُ بِالْعَدَمِ عَدَمُ الْوُجْدَانِ، وَلَوْ بِالْإِبَاحَةِ فَيَلْزَمُهُ السَّتْرُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِالثَّوْبِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَلَوْ حَرِيرًا أَوْ حَشِيشًا أَوْ نَبَاتًا أَوْ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ كَمَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ قَالَ الْكَمَالُ وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ لَوْ وَجَدَ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى حَتَّى يُصَلِّيَ يَفْعَلُ اهـ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ اللُّزُومِ بِخِلَافِ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْبَحْرِ اهـ.
وَلَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ وَيَسْتُرُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ إلَّا أَحَدَهُمَا قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقِيلَ الْقُبُلَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتُرُهُ بِغَيْرِهِ وَالدُّبُرُ بِالْأَلْيَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ صَحَّ صَلَاتُهُ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) أَقُولُ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ عَنْ صِحَّةِ صَلَاتِهِ بِالْإِيمَاءِ قَائِمًا لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ، وَلَوْ أَوْمَأَ الْقَائِمُ أَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ الْقَائِمُ جَازَ اهـ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُومِيًا بِهِمَا إمَّا قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي لَا يَجِدُ ثَوْبًا فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ جَائِزًا حَالَةَ الْقِيَامِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَنُدِبَتْ قَاعِدًا مُومِيًا) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ وَكَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ. . . إلَخْ) لَيْسَ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ لِجَوَازِهِ كَيْفَ كَانَ.
(قَوْلُهُ مَادًّا رِجْلَيْهِ) أَقُولُ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِهِ طَاهِرٌ نُدِبَ صَلَاتُهُ فِيهِ) أَقُولُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَيَلِيهِ فِي الْفَضْلِ الصَّلَاةُ قَاعِدًا عَارِيًّا بِالْإِيمَاءِ وَدُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ الصَّلَاةُ قَائِمًا عَارِيًّا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَاسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ كُلُّهُ نَجِسٌ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَوْجَبَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ الصَّلَاةَ فِيهِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ حَسَنٌ نَقَلَهُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ الْأَسْرَارِ اهـ لَكِنْ قَالَ الْكَمَالُ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ السَّتْرِ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ الِانْكِشَافُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُلِئَ أَحَدُهُمَا نَجَسًا. . . إلَخْ) يَعْنِي، وَلَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ.
(قَوْلُهُ وَجَدَتْ عُرْيَانَةٌ) الْمُرَادُ بِهَا الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ لِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ مُرَاهِقَةٌ صَلَّتْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ عُرْيَانَةٌ تُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ، وَإِنْ صَلَّتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَصَلَاتُهَا تَامَّةٌ اسْتِحْسَانًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُصَلِّي حَائِضٌ بِغَيْرِ قِنَاعٍ» وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَائِضِ، وَلِأَنَّ سَتْرَ عَوْرَةِ الرَّأْسِ لَمَّا سَقَطَ بِعُذْرِ الرِّقِّ فَبِعُذْرِ الصِّبَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا الْخِطَابُ بِالْفَرَائِضِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الشَّرَائِطِ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا كَمَا فِي الْبَحْرِ اهـ وَهَذَا وَاضِحٌ خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ مُكَلَّفٌ بِخِطَابِ الْوَضْعِ كَرَبْطِ صِحَّةِ الْأَحْكَامِ بِشَرَائِطِهَا.
(قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ السَّتْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ) قَالَ الْكَمَالُ، وَلَوْ وُجِدَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَيُسْتَرُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ اهـ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ بَعْضِ الرَّأْسِ
стр. 58
(فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ) حَتَّى لَوْ تَرَكَتْ سَتْرَ الرَّأْسِ جَازَتْ صَلَاتُهَا إذْ لَيْسَ لِمَا دُونِ الرُّبْعِ حُكْمُ الْكُلِّ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَوْلَى تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ (عَادِمُ مُزِيلِ النَّجَسِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَكَانِهِ (يُصَلِّي) مَعَ النَّجَسِ (وَلَا يُعِيدُ) الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ (سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهِيَ) أَيْ الْعَوْرَةُ (لِلرَّجُلِ مَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) فَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ (إلَى تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ) فَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ (وَنَحْوُهُ الْأَمَةُ) أَيْ مَا يَكُونُ عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ يَكُونُ عَوْرَةً مِنْ الْأَمَةِ (مَعَ ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا) فَإِنَّهُمَا فِي الرَّجُلِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ وَفِيهَا عَوْرَةٌ (وَنَحْوُهَا) أَيْ الْأَمَةِ (الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) فِي كَوْنِ ظَهْرِهِنَّ وَبَطْنِهِنَّ أَيْضًا عَوْرَةً (الْحُرَّةُ) أَيْ جَمِيعُ أَعْضَائِهَا (عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا) فَإِنَّهَا لَا تَجِدُ بُدًّا مِنْ مُزَاوَلَةِ الْأَشْيَاءِ بِيَدَيْهَا وَفِي كَفَّيْهَا زِيَادَةٌ ضَرُورَةً وَمِنْ الْحَاجَةِ إلَى كَشْفِ وَجْهِهَا خُصُوصًا فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالنِّكَاحِ وَتَضْطَرُّ إلَى الْمَشْيِ فِي الطُّرُقَاتِ وَظُهُورُ قَدَمَيْهَا خُصُوصًا الْفَقِيرَاتِ مِنْهُنَّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى عَلَى مَا قَالُوا ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أَيْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ وَالْجِبِلَّةُ عَلَى ظُهُورِهِ وَيُرْوَى أَنَّ الْقَدَمَ عَوْرَةٌ (يُفْسِدُ) الصَّلَاةَ (كَشْفُ رُبْعِ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ غَلِيظَةٌ كَالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ أَوْ خَفِيفَةٌ كَمَا عَدَاهُمَا) مِنْ الْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُفْسِدُهَا كَشْفُ نِصْفِهِ، ذَكَرَ الْعَوْرَتَيْنِ إشَارَةً إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْعَوْرَةُ الْغَلِيظَةُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْكَشْفِ الْمَانِعِ أَنَّهُ مِقْدَارُ الرُّبْعِ أَوْ النِّصْفِ (وَكُلٌّ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ عُضْوٌ وَاحِدٌ (وَرَأْسُهَا وَشَعْرُهُ) أَيْ شَعْرُ رَأْسِهَا (مُطْلَقًا) أَيْ النَّازِلُ وَغَيْرُهُ (وَأُذُنُهَا وَثَدْيُهَا الْمُتَدَلِّي) احْتِرَازٌ عَنْ النَّاهِضِ فَإِنَّهُ تَابِعُ لِلصَّدْرِ (عُضْوٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ وَكُلٌّ (انْكَشَفَتْ) الْعَوْرَةُ (أَوْ قَامَ) الْمُصَلِّي (عَلَى نَجِسٍ مَانِعٌ) مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ (أَوْ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ عَادِمُ مُزِيلِ النَّجَسِ. . . إلَخْ) أَقُولُ فَإِنْ وَجَدَ مَا يُقَلِّلُهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ بِخِلَافِ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ حَيْثُ يُبَاحُ التَّيَمُّمُ مَعَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ سُمِّيَتْ عَوْرَةً لِقُبْحِ ظُهُورِهَا لِغَضِّ الْأَبْصَارِ عَنْهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَوَرِ وَهُوَ النَّقْصُ وَالْعَيْبُ وَالْقُبْحُ وَمِنْهُ عَوَرُ الْعَيْنِ وَالْكَلِمَةُ الْعَوْرَاءُ الْقَبِيحَةُ، وَحَدُّ السَّتْرِ أَنْ لَا يُرَى مَا تَحْتَ السَّاتِرِ حَتَّى لَوْ كَانَ يَصِفُهُ لَا يَجُوزُ وَأَطْلَقَ السَّتْرَ فَشَمِلَ مَا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ وَيَأْثَمُ مَعَ وُجْدَانِ غَيْرِهِ وَلُزُومَ السَّتْرِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا بِبَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ لَا يَحْجُبُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَتَارِكُهُ يَرَاهُ سُبْحَانَهُ عَادِمَ الْأَدَبِ وَاللَّازِمُ سَتْرُ جَوَانِبِ الْعَوْرَةِ وَأَعْلَاهَا عَنْ غَيْرِهِ لَا عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ رَآهَا مِنْ زِيقِهِ أَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَرَاهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِمْكَانُ رُؤْيَتِهَا مِنْ أَسْفَلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْمُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ فِي قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَعِمَامَةٍ وَتُكْرَهُ فِي السَّرَاوِيلِ مُنْفَرِدَةً كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ مَعَ ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا) أَقُولُ وَالْجَنْبُ تَبَعٌ لِلْبَطْنِ وَالْبَطْنُ مَا لَانَ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَالظَّهْرُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمُؤَخَّرِ.
(قَوْلُهُ وَكَفَّيْهَا) عَبَّرَ بِالْكَفِّ دُونَ الْيَدِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمُحِيطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَاطِنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي مُخْتَلِفَاتِ قَاضِي خَانْ ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ إلَى الرُّسْغِ وَرَجَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. . . إلَخْ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. وَأَمَّا الذِّرَاعُ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَاخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ لِلْحَاجَةِ إلَى كَشْفِهِ لِلْخِدْمَةِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ السِّوَارُ، وَصَحَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ عَوْرَةٌ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا وَالْمَذْهَبُ مَا فِي الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدَمَيْهَا) هَذَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَيُرْوَى أَنَّ الْقَدَمَ عَوْرَةٌ) أَقُولُ صَحَّحَهُ الْأَقْطَعُ وَقَاضِي خَانْ وَاخْتَارَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ والمرغيناني وَصَحَّحَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ خَارِجِهَا وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ كَوْنَهُ عَوْرَةً مُطْلَقًا، كَذَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَدَمَيْنِ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ) بِلَا ضَمٍّ هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَلْيَتَيْنِ عَوْرَةٌ وَالدُّبْرُ ثَالِثُهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةٍ لِابْنِ الشِّحْنَةِ قَوْلُهُ: أَيْ النَّازِلُ وَغَيْرُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ لَكِنْ قَالَ قَاضِي خَانْ انْكَشَفَ رُبْعٌ مِنْ شَعْرِ الْمَرْأَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي إفْسَادِ الصَّلَاةِ انْكِشَافُ مَا فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ لَا مَا تَحْتَهُمَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي حُرْمَةِ النَّظَرِ سَوَّى مَا بَيْنَهُمَا هُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرُّكْبَةِ، وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَخِذِ؛ لِأَنَّهَا مُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ لَا عُضْوٌ مُسْتَقِلٌّ، وَكَعْبُ الْمَرْأَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ انْكَشَفَتْ الْعَوْرَةُ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَانِعُ مِنْهَا، وَإِنْ وَقَعَ الِانْكِشَافُ عَلَى مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ الْعَوْرَةِ يُجْمَعُ فَإِنْ بَلَغَ رُبْعَ أَدْنَى عُضْوٍ مِنْهَا مَنَعَ جَوَازَ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَدْنَى يُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يَمْنَعُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ الْمُنْكَشِفِ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ انْكَشَفَ نِصْفُ ثُمُنِ الْفَخِذِ مَثَلًا وَنِصْفُ ثَمَنِ الْأُذُنِ يَبْلُغُ رُبْعَ الْأُذُنِ وَأَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ جَمِيعِ الْعَوْرَةِ الْمُنْكَشِفَةِ وَمِثْلُهُ نِصْفُ عُشْرِ كُلٍّ وَبُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَرَدَّهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِهِ لِمَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الزِّيَادَاتِ
стр. 59
قَامَ (فِي صَفِّ النِّسَاءِ قَدْرَ) أَدَاءِ (رُكْنٍ) أَيْ زَمَانًا يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (فَسَدَتْ) صَلَاتُهُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ وُجِدَ فِيهَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَا) تَفْسُدُ (مَا لَمْ يُؤَدِّهِ) أَيْ الرُّكْنَ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ أَدَاءُ رُكْنٍ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَلَمْ يُوجَدْ، قَيَّدَ بِقَدْرِ الْأَدَاءِ إذْ لَوْ أَدَّى رُكْنًا مَعَ الِانْكِشَافِ فَسَدَتْ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يَلْبَثْ جَازَتْ اتِّفَاقًا.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ (اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِلْمَكِّيِّ) إجْمَاعًا حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتُهُ يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْجُدْرَانُ وَقَعَ الِاسْتِقْبَالُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ.
(وَ) اسْتِقْبَالُ (جِهَتِهَا لِغَيْرِهِ) وَهُوَ الْآفَاقِيُّ فَإِنَّ الْمَوَانِعَ لَوْ أُزِيلَتْ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَقَعَ الِاسْتِقْبَالُ عَلَى عَيْنِهَا بَلْ عَلَى جِهَتِهَا فِي الصَّحِيحِ إذْ لَيْسَ التَّكْلِيفُ إلَّا بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَى الْآفَاقِيِّ أَيْضًا اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا قَالُوا فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَعِنْدَهُ يُشْتَرَطُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا وَجِهَتُهَا أَنْ يَصِلَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي إلَى الْخَطِّ الْمَارِّ بِالْكَعْبَةِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ قَائِمَتَانِ أَوْ نَقُولُ هُوَ أَنْ تَقَعَ الْكَعْبَةُ فِيمَا بَيْنَ خَطَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ فِي الدِّمَاغِ فَيَخْرُجَانِ إلَى الْعَيْنَيْنِ كَسَاقَيْ مُثَلَّثٍ كَذَا قَالَ التَّحْرِيرِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْعَيْنِ انْحِرَافًا لَا يَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ جَازَ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا تَيَامَنَ أَوْ تَيَاسَرَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ فَعِنْدَ التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ يَكُونُ أَحَدُ جَوَانِبِهِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ قَالَ قِبْلَةُ الْبَشَرِ الْكَعْبَةُ وَقِبْلَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ وَقِبْلَةُ الْكَرُوبِيِّينَ الْكُرْسِيُّ وَقِبْلَةُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ الْعَرْشُ وَمَطْلُوبُ الْكُلِّ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (وَقِبْلَةُ الْعَاجِزِ) عَنْ التَّوْجِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِجِهَتِهَا بِأَنْ خَافَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَيْهَا أَوْ كَانَ عَلَى خَشَبٍ فِي الْبَحْرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَ مَوْلَانَا بَدِيعٌ ﵀ وَهَذَا نَصٌّ أَيْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَمْرَيْنِ النَّاسُ عَنْهُمَا غَافِلُونَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْجَمْعُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْأَسْدَاسِ وَالْأَتْسَاعِ بَلْ بِالْمِقْدَارِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَكْشُوفَ لَوْ كَانَ قَدْرَ رُبْعِ أَصْغَرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَكْشُوفَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ مِنْ الْأُذُنِ تُسْعُهَا وَمِنْ السَّاقِ تُسْعُهَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَكْشُوفَ قَدْرُ رُبْعِ الْأُذُنِ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْجَمْعِ إنَّمَا هُوَ بِالْمِقْدَارِ وَفِيهِ نَفْيٌ لِمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ وَهُوَ كَلَامٌ مَدْخُولٌ فِيهِ بَيَانُهُ أَنَّ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُفْسِدَ إنَّمَا هُوَ رُبْعُ الْمُنْكَشِفِ وَهَذَا خُلْفٌ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الِانْكِشَافُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَثَمَّةَ يُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ بِأَنْ انْكَشَفَ مِنْ فَخِذِهِ مَثَلًا مَوَاضِعُ مُتَعَدِّدَةٌ. وَأَمَّا فِي صُورَتِنَا فَالِانْكِشَافُ حَصَلَ فِي أَعْضَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَوْرَةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي اعْتِبَارِ أَدْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُوجَدُ الْمَانِعُ فَيُنْظَرُ إلَى مِقْدَارِ الْمُنْكَشِفِ مِنْ جَمِيعِهَا فَإِنْ بَلَغَ قَدْرَ رُبْعِ أَصْغَرِهَا حَكَمْنَا بِالْفَسَادِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَإِلَّا لَزِمَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَ انْكِشَافِ قَدْرِ رُبْعِ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْمُنْكَشِفِ وَأَنَّهُ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَهَذَا لَازِمٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِالْأَجْزَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ ثُمُنِ الْفَخِذِ وَنِصْفَ ثُمُنِ الْبَطْنِ وَنِصْفَ ثُمُنِ الْأُذُنِ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ بِالْأَجْزَاءِ لَا يَبْلُغُ رُبْعًا وَمِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ بِالْمِقْدَارِ يَبْلُغُ قَدْرَ رُبْعِ عُضْوٍ كَامِلٍ مِنْهَا وَهُوَ الْأُذُنُ فَيَلْزَمُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَ انْكِشَافِ قَدْرِ رُبْعِ عُضْوٍ تَامٍّ هُوَ عَوْرَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْكَشِفِ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَفِيهِ تَرْكُ الِاحْتِيَاطِ وَالْعَجَبُ مِنْ شَيْخِنَا الْمُحَقِّقِ كَيْفَ تَبِعَهُ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَنْصُوصِ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُمْ إنَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ فِي الِانْكِشَافِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ الْمُرَادُ بِهِ فِي الِاعْتِبَارِ الْجَمْعُ لَا فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ مَجْمُوعِهَا فَتَأَمَّلْهُ مُمْعِنًا فِيهِ النَّظَرَ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ اهـ.
(قَوْلُهُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِلْمَكِّيِّ إجْمَاعًا) أَقُولُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُشَاهِدَ لِلْكَعْبَةِ وَغَيْرَهُ وَلِذَا فَرَّعَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ. . . إلَخْ وَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي حَقِّ الْمُشَاهِدِ لِلْكَعْبَةِ أَمَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ فَلَا إجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ عَيْنِهَا فِي حَقِّهِ بَلْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْغَائِبِ لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي إلْزَامِ حَقِيقَةِ الْمُسَامَتَةِ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ يُصَلِّي فِيهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْبُرْهَانِ، وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ أَصْلِيًّا كَالْجَبَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْعَدَهُ لِيَصِلَ إلَى الْيَقِينِ قَالَ الْكَمَالُ وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكَ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَعِنْدَهُ يُشْتَرَطُ) يَعْنِي عِنْدَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاسْتِقْبَالِ وَالْقَائِلُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجُرْجَانِيِّ لَكِنْ قَالَ قَاضِي خَانْ أَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى الْمِحْرَابِ لَا يُشْتَرَطُ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ يُشْتَرَطُ فَإِذَا نَوَى الْقِبْلَةَ أَوْ الْكَعْبَةَ أَوْ الْجِهَةَ جَازَ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِجِهَتِهَا) يَعْنِي أَوْ بِعَيْنِهَا.
(قَوْلُهُ بِأَنْ خَافَ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَوْ قَالَ كَأَنْ خَافَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ دَابَّتُهُ فِي الْفَرْضِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ لَوْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ يَخَافُ النُّزُولَ لِلطِّينِ وَالرَّدْغَةِ يَسْتَقْبِلُ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعِنْدِي هَذَا إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَصِّلَ بَيْنَ كَوْنِهِ لَوْ أَوْقَفَهَا لِلصَّلَاةِ خَافَ الِانْقِطَاعَ عَنْ الرُّفْقَةِ أَوْ لَا يَخَافُ فَلَا يَجُوزُ فِي الثَّانِي إلَّا أَنْ يُوقِفَهَا وَيَسْتَقْبِلَ كَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ
стр. 60
(جِهَةُ قُدْرَتِهِ) أَيْ يُصَلِّي إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا (وَيَتَحَرَّى الْمُصَلِّي) التَّحَرِّي بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ (لِلِاشْتِبَاهِ) أَيْ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ عَلَيْهِ بِانْطِمَاسِ الْأَعْلَامِ أَوْ تَرَاكُمِ الظَّلَامِ أَوْ تَطَامِّ الْغَمَامِ (وَعَدَمِ الْمُخْبِرِ بِهَا) فَإِنَّ الْأَصْحَابَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - تَحَرَّوْا وَصَلَّوْا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ الرَّسُولُ ﷺ وَالتَّقْرِيرُ دَلِيلُ الْجَوَازِ (وَلَمْ يُعِدْ) الصَّلَاةَ (إنْ أَخْطَأَ) ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَا وُسْعَ فِي إصَابَةِ الْجِهَةِ حَقِيقَةً فَصَارَتْ جِهَةُ التَّحَرِّي هُنَا كَجِهَةِ الْكَعْبَةِ لِلْغَائِبِ عَنْهَا، وَقَدْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أَيْ قِبْلَةُ اللَّهِ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ حَالَ الِاشْتِبَاهِ (وَفَسَدَتْ إنْ شَرَعَ) فِيهَا (بِلَا تَحَرٍّ) ؛ لِأَنَّ قِبْلَتَهُ جِهَةُ تَحَرِّيهِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ عَلِمَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (إصَابَتَهُ) ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ فَاسِدٌ وَحَالُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ أَقْوَى مِنْ حَالِهِ قَبْلَهُ (وَلَوْ عَلِمَ) إصَابَتَهُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ لَا يُعْتَبَرُ حُصُولُهُ بَلْ حُصُولُ الْغَيْرِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (وَلَوْ عَلِمَ خَطَأَهُ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ) بَعْدَ الشُّرُوعِ بِالتَّحَرِّي (اسْتَدَارَ) فِي الْأَوَّلِ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَفِي الثَّانِي إلَى جِهَةِ تَحَوُّلِ رَأْيِهِ إلَيْهَا (تَحَرَّى كُلٌّ) مِنْ الْمُصَلِّينَ (جِهَةً) يَعْنِي أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَتَحَرَّى وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ وَتَحَرَّى الْقَوْمُ وَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى جِهَةٍ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُقْتَدِي (مُخَالَفَةَ إمَامِهِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ) أَيْ الْمُقْتَدِي الْإِمَامَ فِي الْوَاقِعِ (جَازَ) فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ قِبْلَتَهُمْ جِهَاتُ تَحَرِّيهِمْ وَلَمْ تَضُرَّهُ الْمُخَالَفَةُ كَجَوْفِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي التَّيَمُّمِ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ مَضَى إلَى الْمَاءِ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ وَيَنْقَطِعُ جَازَ وَإِلَّا ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ وَاسْتَحْسَنُوهَا اهـ. أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ لَوْ نَزَلَ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ شَيْخًا وَلَا يَجِدُ الْمُعِينَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَطَامِّ الْغَمَامِ) بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ عَلَى ظَنِّهِ بِالْمُعْجَمَةِ هَذَا لَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ النَّاسِخِ وَإِلَّا فَهُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ لَا الظَّاءِ الْمُشَالَةِ اهـ. لِمَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَكُلُّ شَيْءٍ كَثُرَ حَتَّى عَلَا وَغَلَبَ فَقَدْ طَمَّ يَطِمُّ، وَقَالَ أَيْضًا وَتَضَامَّ الْقَوْمُ إذَا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ اهـ. فَيَصِحُّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَعَدَمِ الْمُخْبِرِ بِهَا) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا مِثْلَهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى وَصَلَّى فَإِنْ أَصَابَ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ سَأَلَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ وَتَحَرَّى وَصَلَّى ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَيْ التَّحَرِّي مَعَ الْمَحَارِيبِ وَفِي قَوْلِهِ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ مَنْ يَسْأَلُهُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ لِلْمَسْجِدِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِهِ مُقِيمِينَ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا حَاضِرِينَ فِيهِ وَقْتَ دُخُولِهِ وَهُمْ حَوْلَهُ فِي الْقَرْيَةِ وَجَبَ طَلَبُهُمْ لِيَسْأَلَهُمْ قَبْلَ التَّحَرِّي اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ رَجُلٌ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِالتَّحَرِّي فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَعَ أَبْوَابَ النَّاسِ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا تُعْرَفُ الْقِبْلَةُ بِمَسِّ الْجُدْرَانِ وَالْحِيطَانِ وَعَسَى يَكُونُ ثَمَّةَ مُؤْذِيَةٌ فَجَازَ لَهُ التَّحَرِّي اهـ.
قُلْت فَيُحْمَلُ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ عَلَى مَنْ دَخَلَ نَهَارًا لِدَفْعِ التَّعَارُضِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ إنْ أَخْطَأَ) هَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى ظَنِّ الطَّهَارَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ حَيْثُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ طَهَارَتُهُ أَوْ أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ فَظَهَرَ بِخِلَافِهِ لَا يُجْزِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ شَيْخِي عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الْبَزَّازِيَّةِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ جَازَ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ الْقِبْلَةِ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ، وَقَدْ وُجِدَ وَالْوَاجِبُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا هُوَ قِبْلَةٌ عِنْدَهُ تَأَمَّلْ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفَسَدَتْ إنْ شَرَعَ فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ) فِيهِ تَسَامُحٌ نَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ فِيهَا إصَابَتَهُ) وَاصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَبْنِي عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ إصَابَتَهُ بَعْدَهَا صَحَّتْ) أَقُولُ فِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَفَسَدَتْ إنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ ثُمَّ بِالصِّحَّةِ هُنَا وَالصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَّصِفُ بِنَقِيضَيْنِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَوْ شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ وَصَلَّى إلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ فَالْأَصْلُ هُوَ الْفَسَادُ فَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ أَوْ بِالتَّحَرِّي تَقَرَّرَ الْفَسَادُ، وَإِنْ ظَهَرَ صَوَابُهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَكَّ وَبَنَى صَلَاتَهُ عَلَى ذَلِكَ احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ فَإِنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ تَيَقَّنَا بِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ صَوَابٌ فَفِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يُحْكَمْ بِالْجَوَازِ بِالشَّكِّ بَلْ بِالْفَسَادِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ فَإِذَا تَبَيَّنَ الصَّوَابُ بَطَلَ الْحُكْمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَثَبَتَ الْجَوَازُ مِنْ الْأَصْلِ اهـ. أَوْ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ فَلَوْ صَلَّى مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ بِلَا تَحَرٍّ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إلَّا إذَا عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ اهـ. وَإِصْلَاحُ الْعِبَارَةِ بِإِسْقَاطِ لَفْظَةِ إنْ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ عَلِمَ فَيُقَالُ وَفَسَدَتْ إنْ شَرَعَ فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ وَعَلِمَ فِيهَا إصَابَتَهُ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُقْتَدِي مُخَالَفَةَ إمَامِهِ) أَقُولُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْمُقْتَدِيَ جَهْلُهُ بِجِهَةِ إمَامِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبُرْهَانِ وَالْكَنْزِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ قَيْدِ كَوْنِهَا فِي الْمَفَازَةِ كَغَيْرِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ فِي كِتَابِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ جَمَاعَةً صَلَّوْا فِي الْمَفَازَةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ. . . إلَخْ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفَازَةِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَحْرِيَّ لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمِصْرِ مِنْ
стр. 61
الْكَعْبَةِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِمَامِهِ أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ (فَلَا) يَجُوزُ فِعْلُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ اعْتَقَدَ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ جَوْفِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ قِبْلَةٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ كَمَا إذَا وَقَعَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ بِقَوْلِهِ وَهُمْ خَلْفَهُ بَيَانُ كَوْنِهِمْ خَلْفَهُ فِي الْوَاقِعِ لَا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ خَلْفَهُ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى التَّسَاهُلِ كَمَا حَمَلَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ نَعَمْ فِي قَوْلِهِ لَا لِمَنْ عَلِمَ تَسَاهُلٌ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِحَالِهِ لَا يُفِيدُ عَدَمَ الْجَوَازِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مُخَالَفَتَهُ لِلْإِمَامِ وَلِهَذَا غَيَّرْتُ الْعِبَارَةَ إلَى مَا تَرَى.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ (النِّيَّةُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَهِيَ الْإِرَادَةُ) وَهِيَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (لَا الْعِلْمُ) قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي صَلَاتِهِ إذَا عَلِمَ أَيَّةَ صَلَاةٍ يُصَلِّي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الْقَدْرُ نِيَّةٌ، وَكَذَا فِي الصَّوْمِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نِيَّةً؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ الْعِلْمِ، أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ الْكُفْرَ لَا يَكْفُرُ، وَلَوْ نَوَاهُ يَكْفُرُ وَالْمُسَافِرُ إذَا عَلِمَ الْإِقَامَةَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا، وَلَوْ نَوَاهَا يَصِيرُ مُقِيمًا.
وَفِي الْهِدَايَةِ النِّيَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا نَزْعٌ إلَى تَفْسِيرِ النِّيَّةِ بِالْعِلْمِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَجْزِمَ تَخْصِيصَ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَيُمَيِّزَهَا عَنْ فِعْلِ الْعَادَةِ إنْ كَانَتْ نَفْلًا وَعَمَّا يُشَارِكُهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا وَهِيَ الْفَرْضِيَّةُ إنْ كَانَتْ فَرْضًا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَالتَّمْيِيزَ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا يُتَصَوَّرُ أَقُولُ هَذَا الْجَوَابُ يُقَوِّي الِاعْتِرَاضَ وَلَا يَدْفَعُهُ؛ لِأَنَّ الْجَزْمَ عِلْمٌ خَاصٌّ بَلْ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ عَمَلُ الْقَلْبِ اللَّازِمُ لِلْإِرَادَةِ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بَدَاهَةً أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجَوَابِ إلَّا بِتَأَمُّلٍ لَمْ يَجُزْ صَلَاتُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِالذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ فَمَبْنَى كُلٍّ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابِ الْغَفْلَةُ عَنْ قَوْلِهِ أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ (وَالتَّلَفُّظُ مُسْتَحَبٌّ) لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْقَلْبِ لِاجْتِمَاعِ الْعَزِيمَةِ (وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا) أَيْ النِّيَّةِ وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ (بِغَيْرِ لَائِقٍ لِلصَّلَاةِ) كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا. وَأَمَّا نَحْوُ الْوُضُوءِ وَالْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَضُرُّهُ (وَوَقْتُهَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَارِنَ الشُّرُوعَ) بِأَنْ يَتَّصِلَ بِالتَّحْرِيمَةِ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، (وَقِيلَ تَصِحُّ) النِّيَّةُ (مَا دَامَ) الْمُصَلِّي (فِي الثَّنَاءِ، وَقِيلَ) تَصِحُّ (قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقِيلَ) تَصِحُّ (قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ) عَنْ الرُّكُوعِ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا غَفَلَ عَنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
غَيْرِ سُؤَالٍ، وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ اهـ. وَذَكَرْته قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِمَامِهِ) أَيْ حَالَ اقْتِدَائِهِ فَسَدَتْ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ ذَكَرَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَى لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ إمْسَاسُ الْمِحْرَابِ كَمَا تَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ بَلْ حَالُهُ عِنْدَنَا كَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ مُشْتَرَكُ الدَّلَالَةِ فَيُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ لَا الِافْتِرَاضَ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ بَلْ الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَنْزِعُ أَيْضًا إلَى تَفْسِيرِ النِّيَّةِ بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ النِّيَّةَ الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ وَفَسَّرَهُ بِأَنْ يَعْلَمَ بَدَاهَةً أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ لَيْسَ تَفْسِيرَ الْإِرَادَةِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَتَأَتَّى نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ وَكَلَامُهَا ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ وَالتَّلَفُّظُ بِهَا مُسْتَحَبٌّ) يَعْنِي طَرِيقٌ حَسَنٌ أَحَبَّهُ الْمَشَايِخُ لَا إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ الْمَنْقُولُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ» فَهَذِهِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ عِنْدَ قَصْدِ جَمْعِ الْعَزِيمَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُصَرِّحْ بِكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ صَلَاةَ، كَذَا فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا نَحْوِ نَوَيْتُ أَوْ أَنْوِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ سُؤَالَ التَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ التَّلَفُّظِ بِهَا يُذْكَرُ فِي الْإِحْرَامِ لِلْحَجِّ لِكَثْرَةِ مَشَاقِّهِ وَطُولِ زَمَانِهِ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي نَفْيِ قِيَاسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْكَنْزِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ الصَّوْمُ بِالْحَجِّ فِي سُؤَالِ التَّيْسِيرِ كَالْقَبُولِ لِطُولِ زَمَانِهِ وَمَشَقَّتِهِ فَوْقَ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ وَالْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ) يَعْنِي إلَى مَقَامِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ وَوَقْتُهَا الْأَفْضَلُ. . . إلَخْ) يَعْنِي الْأَفْضَلَ مِمَّا شَمِلَهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّتِهَا بِالنِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّحْرِيمَةِ فَتَصِحُّ بِالْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ أَجْنَبِيٍّ وَبِالْمُقَارَنَةِ لِلتَّحْرِيمَةِ وَالْأَفْضَلُ مِنْهُمَا الْمُقَارَنَةُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَصِحُّ النِّيَّةُ مَا دَامَ فِي الثَّنَاءِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ هُوَ مُقَابِلُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ كَمَا قِيلَ إنَّهَا تَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّحْرِيمَةِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِ فَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ، وَقِيلَ إلَى الرُّكُوعِ، وَقِيلَ إلَى الرَّفْعِ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ
стр. 62
النِّيَّةِ أَمْكَنَ لَهُ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ (لَا بُدَّ لِمُصَلٍّ الْفَرْضِ) كَالرَّوَاتِبِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ. (وَالْوَاجِبِ) كَالْوِتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَنَحْوِهَا (مِنْ تَعْيِينِهِ) لِيَمْتَازَ كُلٌّ مِنْهَا عَمَّا يُشَارِكُهُ فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهِ وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ أَوْ الْوُجُوبُ (دُونَ) تَعْيِينِ (عَدَدِ رَكَعَاتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا فَقَدْ نَوَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالْخَطَأُ فِي عَدَدِهَا لَا يَضُرُّ حَتَّى لَوْ نَوَى الْفَجْرَ أَرْبَعًا أَوْ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا جَازَ وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (بِخِلَافِ الْمُتَنَفِّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِمُصَلِّي الْفَرْضِ فَإِنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ كَافٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ فَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ النِّيَّةِ إلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ النَّفَلُ (التَّرَاوِيحَ أَوْ السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ) فَإِنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ كَافٍ فِيهِمَا أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ فِي الْأَصْلِ (فَفِي الْفَرْضِ) تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ لَا بُدَّ لِمُصَلِّي الْفَرْضِ. . . إلَخْ يَعْنِي يَنْوِي فِي الْفَرْضِ (ظُهْرَ الْيَوْمِ) مَثَلًا، وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ جَازَ لِوُجُودِ التَّعْيِينِ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ حِينَئِذٍ غَيْرُ الظُّهْرِ (وَلَوْ) نَوَى (فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ) لِلِاخْتِلَافِ فِي فَرْضِ الْوَقْتِ فِيهَا (فَفِيهَا صَلَاتَهَا) أَيْ يَنْوِي فِي الْجُمُعَةِ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ (وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا الظُّهْرَ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ سُنَّتِهَا (قَائِلًا نَوَيْتُ) أَنْ أُصَلِّيَ (آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكْتُ وَقْتَهُ وَلَمْ أُصَلِّ بَعْدُ) ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ الَّتِي صَلَّاهَا إنْ لَمْ تَجُزْ فَعَلَيْهِ الظُّهْرُ، وَإِنْ جَازَتْ أَجْزَأَتْهُ الْأَرْبَعُ عَنْ ظُهْرٍ فَائِتٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ كَالرَّوَاتِبِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَالْوَاجِبِ كَالْوِتْرِ) الْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَنَحْوِهَا وَالْمُرَادُ بِنَحْوِهَا مَا أَوْجَبَهُ بِنَذْرٍ أَوْ إفْسَادٍ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ اهـ. وَكَذَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ تَعْيِينِ السُّجُودِ لِلتِّلَاوَةِ لَا نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي السَّجَدَاتِ وَالْمُرَادُ بِاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ وُجُودُهُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ نَوَى فَرْضًا وَشَرَعَ فِيهِ ثُمَّ نَسِيَ فَظَنَّهُ تَطَوُّعًا فَأَتَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فَهُوَ فَرْضٌ مُسْقَطٌ، وَكَذَا الْعَكْسُ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْجِنَازَةِ) فِي عَدِّ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ تَسَامُحٌ.
(قَوْلُهُ وَالْخَطَأُ فِي عَدَدِهَا لَا يَضُرُّ) أَقُولُ، وَكَذَا فِي وَصْفِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ حَتَّى لَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَتَلَفَّظَ بِالْعَصْرِ كَانَ شَارِعًا فِي الظُّهْرِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُنْتَقِلِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ فِي النَّفْلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ كَافٍ فِيهِمَا أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ) أَقُولُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالظَّرْفُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا إلَّا بِالتَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ دُونَ النَّفْلِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ النَّفَلَ مُتَّفَقٌ عَلَى مُطْلَقِ النِّيَّةِ فِيهِ لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ التَّعْيِينُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّحَ عَدَمَ جَوَازِهَا بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ الْمُتَنَفِّلُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، وَكَذَا التَّرَاوِيحُ وَالسُّنَنُ كُلُّهَا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا، وَقِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّ التَّرَاوِيحَ وَالسُّنَنَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي فِي الْفَرْضِ يَنْوِي ظُهْرَ الْيَوْمِ) أَقُولُ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ ظَهْرَ الْيَوْمِ بَلْ قَالَ الظُّهْرُ لَا غَيْرُ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى ظَهْرَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ جَازَ) الْوَقْتُ فِيهَا كَمَا نَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفَتْحِ اهـ.
قُلْت وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ خُرُوجَ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ اهـ. أَيْ فَتَجُوزُ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ، وَكَذَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا الظُّهْرَ) أَقُولُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ وُجُوبِهِ وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سَرِيِّ الدِّينِ عَنْ جَدِّهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الشِّحْنَةِ اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ أُسْتَاذِي الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ قُلْت يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُهُ بِمَا قَالَ حَفِيدُهُ أَنَّهُ عِنْدَ مُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ أَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهِ فِي صِحَّتِهَا أَيْ الْجُمُعَةِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْأَرْبَعِ وَيُؤَيِّدُهُ تَعْبِيرُ التُّمُرْتَاشِيِّ بِلَا بُدَّ، وَكَذَا قَوْلُ الْفَقِيهِ اهـ. لَكِنْ لَا يُفْتَى بِهَذِهِ الصَّلَاةِ لِلْعَوَامِّ الَّذِينَ يُخَافُ عَلَيْهِمْ الْوُقُوعُ فِي الْأَوْهَامِ سُئِلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ قَوْمٍ كُسَالَى عَادَتُهُمْ الصَّلَاةُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَيُمْنَعُونَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لَا انْتَهَى فَلَا يُفْتَى بِهَا إلَّا لِلْخَوَاصِّ، وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ.
(قَوْلُهُ أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهَا تُصَلَّى قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ فِي نُورِ الشَّمْعَةِ لِلْمَقْدِسِيِّ.
(قَوْلُهُ قَبْلَ سُنَّتِهَا) هَكَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَتَدَاوَلَهُ الشُّرَّاحُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهَا تُؤَخَّرُ عَنْ السُّنَّةِ، وَكَذَا فِي الْحُجَّةِ وَلَكِنْ زَادَ فِيهَا أَنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَهُ سُنَّةَ الْوَقْتِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ فَيَصِيرُ مَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَشْرًا وَأَنْتَ أَدْرَى بِمَا هُوَ أَحْوَطُ وَأَحْرَى.
(تَنْبِيهٌ) : يُقْتَصَرُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى مِنْهُ وَلَا يَفْسُدُ بِتَرْكِهَا وَلَا تُسْتَفْتَحُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ فَقِيلَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ فِي الْأَرْبَعِ، وَقِيلَ فِي الْأَوَّلَيْنِ كَالظُّهْرِ قَالَ مَجِيدُ الدِّينِ وَهُوَ اخْتِيَارِي وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُحَكِّمَ فِيهَا رَأْيَهُ اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَنْ يَقْرَأَهُمَا فِي الْأَرْبَعِ يُفِيدُهُ كَلَامُ الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْتَارَ وَاخْتُلِفَ فِي مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ ثُمَّ قَالَ هَلْ يُؤْتَى لَهَا بِإِقَامَةٍ أَمْ لَا لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَيُمْكِنُ
стр. 63
عَلَيْهِ (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِنِيَّةِ السُّنَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا أَحْسَنُ مِنْ مُطْلَقِ النِّيَّةِ (وَ) يَنْوِي (فِي الْوِتْرِ صَلَاتَهُ) أَيْ الْوِتْرَ (لَا الْوَاجِبَ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ (وَ) يَنْوِي (فِي) صَلَاةِ (الْجِنَازَةِ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءَ لِهَذَا الْمَيِّتِ، وَإِنْ اشْتَبَهَ) أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (قَالَ نَوَيْت أَنْ أُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَ) يَنْوِي (فِي قَضَاءِ النَّفْلِ) الَّذِي شَرَعَ فِيهِ فَأَفْسَدَهُ (قَضَاءَهُ) أَيْ قَضَاءَ نَفْلٍ أَفْسَدَهُ.
(وَ) يَنْوِي (فِي الْعِيدِ صَلَاتَهُ) أَيْ صَلَاةَ الْعِيدِ (الْمُقْتَدِي) بِالْإِمَامِ (يَنْوِي صَلَاتَهُ) أَيْ صَلَاةَ نَفْسِهِ (وَ) يَنْوِي (اقْتِدَاءَهُ بِالْإِمَامِ) إذْ يَلْزَمُهُ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامٍ، وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الظُّهْرَ أَوْ نَوَى الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقُولَ اقْتَدَيْتُ بِمَنْ هُوَ إمَامِي أَوْ بِهَذَا الْإِمَامِ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ لِيَكُونَ مُقْتَدِيًا بِالْمُصَلِّي أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ إذَا كَانَ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ تَكْبِيرَ الْمُقْتَدِي بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَةَ إمَّا مُقَارِنٌ بِالنِّيَّةِ أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُكَبِّرَ الْقَوْمُ مَعَ الْإِمَامِ.
(وَ) يَنْوِي الْإِمَامُ (صَلَاتَهُ فَقَطْ) لَا إمَامَةَ الْمُقْتَدِي (إذَا أَمَّ الرِّجَالَ وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ إذَا لَمْ تَقْتَدِ مُحَاذِيَةٌ) . وَأَمَّا إذَا اقْتَدَتْ مُحَاذِيَةٌ لِرَجُلٍ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ إمَامَتَهَا وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحَاذَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَنْ يُقَالَ يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ، وَذَكَرَ مَا يُفِيدُهُ وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِنُورِ الشَّمْعَةِ فِي بَيَانِ ظُهْرِ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْك بِهِ قُلْت وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِيهَا بَلْ تُؤَدَّى عَلَى الِانْفِرَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمَقْدِسِيُّ.
(قَوْلُهُ وَيَنْوِي اقْتِدَاءَهُ بِالْإِمَامِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ قَاضِي خَانْ، وَلَوْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْضُهُمْ جَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ اهـ.
قُلْت فَعَلَى هَذَا صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(قَوْلُهُ أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ. . . إلَخْ) أُجِيبَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ.
(قَوْلُهُ أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ) الْأَوْلَى تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ لِرُجُوعِهِ لِلنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ. . . إلَخْ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ قَالَ فِي الْكَافِي، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ نِيَّةُ الْإِمَامِ إذَا تَمَّتْ مُحَاذِيَةً أَيْ إذَا كَانَتْ الْمُحَاذَاةُ ثَابِتَةً زَمَانَ اقْتِدَائِهَا بِهِ بِأَنْ قَامَتْ بِجَنْبِ رَجُلٍ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا تُلْزِمُ الَّذِي بِجَنْبِهَا فَسَادًا وَهُوَ مُوَلًّى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ فَيَتَوَقَّفُ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى إلْزَامِهِ كَمَا لَوْ وَقَفْت بِجَنْبِ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ زَمَانَ اقْتِدَائِهَا بِهِ بِأَنْ قَامَتْ خَلْفَ الصُّفُوفِ فَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا بِلَا نِيَّةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَسَادَ فِي الْحَالِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ ثَمَّ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وَهُنَا الْفَسَادُ مَوْهُومٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ لِلْفَسَادِ الَّذِي يَعْتَرِي الْمُقْتَدِيَ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تُشْتَرَطْ النِّيَّةُ فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُلْزِمَ الْمَرْأَةُ أَحَدًا فَسَادًا فَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ بَقِيَ اقْتِدَاؤُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بَطَلَ اقْتِدَاؤُهَا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اُحْتُمِلَ الْفَسَادُ مِنْ جِهَتِهَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهِ بِلَا اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ ذَا مُفْضٍ إلَى الْحَرَجِ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ كَالْأَوَّلِ أَيْ كَمَا إذَا أَتَمَّتْ مُحَاذِيَةً فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ تَصِيرُ دَاخِلَةً فِي صَلَاتِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِمَامِ ثُمَّ إنْ لَمْ تُحَاذِ أَحَدًا تَمَّتْ صَلَاتُهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ حَتَّى حَاذَتْ رَجُلًا أَوْ وَقَفَ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا دُونَ الرَّجُلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُحَاذِيَةِ ابْتِدَاءً أَنَّ الْفَسَادَ فِي هَذِهِ مُحْتَمَلٌ وَفِي تِلْكَ لَازِمٌ اهـ.
قُلْت إلَّا أَنَّ قَوْلَ الزَّيْلَعِيِّ أَوْ وَقَفَ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكَافِي وَالْعِنَايَةِ بَلْ اقْتَصَرَا عَلَى مَا إذَا تَقَدَّمَتْ بَعْدَ إحْرَامِهَا فَحَاذَتْ رَجُلًا وَذَا ظَاهِرٌ فِي فَسَادِ صَلَاتِهَا لِعَدَمِ إيفَائِهَا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهَا أَلْزَمَتْ الْفَسَادَ لِمَنْ حَاذَتْهُ بِصُنْعِهَا وَهُوَ تَقَدُّمُهَا إلَيْهِ بَعْدَ إحْرَامِهَا. وَأَمَّا إذَا وَقَفَ رَجُلٌ بِجَنْبِهَا، وَقَدْ أَحْرَمَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الصُّفُوفِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إلْزَامُ فَسَادٍ فَلْيُتَأَمَّلْ فَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَخَالَفَ فِي هَذَا الْعُمُومِ بَعْضُهُمْ يَعْنِي فِي عُمُومِ عَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِنَّ إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُنَّ فَقَالُوا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ النِّسَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُنَّ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي حَقِّهِنَّ لِمَا ذَكَرْنَا اهـ. يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْخِلَافُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَقْتَدِ مُحَاذِيَةٌ أَمَّا إذَا كَانَتْ مُحَاذِيَةً عِنْدَ الِاقْتِدَاءِ فَلَا خِلَافَ فِي لُزُومِ نِيَّةِ إمَامَتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا إذَا لَمْ تَقْتَدِ مُحَاذِيَةٌ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ظَاهِرُهُ الْحَمْلُ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ حَتَّى إذَا عُلِمَ عَدَمُ النِّيَّةِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُنَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ أَيْضًا لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ وَاعْلَمْ أَنَّ اقْتِدَاءَهُنَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ يَجُوزُ بِدُونِهَا نَظَرًا إلَى إطْلَاقِ الْجَوَابِ حَمْلًا عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَفْسَرْ حَالُهُ اهـ. لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ مِنْ الْخِلَافِ فِي نِسْبَةِ مَا قِيلَ مِنْ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ لِلْأَكْثَرِ اهـ.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اقْتِدَائِهِنَّ فِيهَا نِيَّةُ إمَامَتِهِنَّ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ اهـ.
стр. 64
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ)
(لَهَا فَرَائِضُ مِنْهَا التَّحْرِيمَةُ) التَّحْرِيمُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُحَرَّمًا وَالْهَاءُ لِتَحْقِيقِ الِاسْمِيَّةِ وَخُصَّتْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ (وَهِيَ التَّكْبِيرُ) أَيْ الْوَصْفُ بِالْكِبْرِيَاءِ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ (بِالْحَذْفِ) وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْمَدِّ فِي هَمْزَةِ اللَّهُ وَلَا فِي بَاءِ أَكْبَرُ (بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ) هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
ِ) أَيْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا شُرُوعٌ فِي الْمَقْصُودِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ قِيلَ الصِّفَةُ وَالْوَصْفُ فِي اللُّغَةِ وَاحِدٌ وَفِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِخِلَافِهِ، وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ الْوَصْفَ لُغَةً ذِكْرُ مَا فِي الْمَوْصُوفِ مِنْ الصِّفَةِ وَالصِّفَةُ هِيَ مَا فِيهِ وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْوَصْفُ وَيُرَادُ الصِّفَةُ وَبِهَذَا لَا يَلْزَمُ الِاتِّحَادُ لُغَةً إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوَصْفَ مَصْدَرُ وَصَفَهُ إذَا ذَكَرَ مَا فِيهِ ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لَهَا وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْعَقْلِيَّةُ الصَّادِقَةُ عَلَى الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهَوِيَّةِ مِنْ الْقِيَامِ الْمُجْزِئِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا حُكْمُ الْجَوَاهِرِ وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالْفَسْخِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الشَّيْءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ الْعَيْنُ وَهِيَ مَاهِيَّةُ الشَّيْءِ وَالْعَيْنُ هُنَا الصَّلَاةُ وَالرُّكْنُ وَهُوَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ كَالْقِيَامِ وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ كَجَوَازِهِ وَفَسَادِهِ وَثَوَابِهِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ الْآدَمِيُّ الْمُكَلَّفُ وَشَرْطُهُ كَالطَّهَارَةِ وَالسَّبَبُ كَالْوَقْتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ لَهَا فَرَائِضُ) الْمُرَادُ مَا يَفُوتُ الْجَوْزُ بِفَوْتِهِ.
(قَوْلُهُ مِنْهَا التَّحْرِيمَةُ) هِيَ شَرْطٌ عِنْدَنَا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ رُكْنٌ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْمُطَوَّلَاتِ وَالشَّرْطُ الْإِتْيَانُ بِهَا قَائِمًا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَحَنَى ظَهْرَهُ ثُمَّ كَبَّرَ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ قَائِمًا يُرِيدُ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : مِنْ فَرَائِضِهَا النِّيَّةُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا شَرْطٌ وَلَمْ تُذْكَرُ هُنَا لِمَا سَبَقَ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ التَّكْبِيرُ أَيْ الْوَصْفُ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا شَرْطٌ عِنْدَنَا عَلَى الْقَادِرِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ الْأُمِّيُّ وَالْأَخْرَسُ لَوْ افْتَتَحَا بِالنِّيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِأَقْصَى مَا فِي وُسْعِهِمَا اهـ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ عِنْدَنَا كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْوَبَرِيُّ، وَلَوْ نَوَى الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ شَيْئًا يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّحْرِيكُ بِاللِّسَانِ. (قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ) أَقُولُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إتْيَانِهِ بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ كَاللَّهُ وَلَا بِأَكْبَرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي التَّجْرِيدِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَصِيرُ شَارِعًا بِكُلِّ اسْمٍ مُفْرَدًا أَوْ خَبَرًا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَلَالَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ بَيْنَ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّبُّ وَلَمْ يَزِدْ يَصِيرُ شَارِعًا، وَلَوْ قَالَ الْكَبِيرُ أَوْ الْأَكْبَرُ أَوْ أَكْبَرُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا قَالَ فِي الْفَتْحِ كَانَ الْفَرْقُ الِاخْتِصَاصَ فِي الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ اهـ قُلْت فَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُسْنَدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَيَصِيرُ شَارِعًا بِذِكْرِ الِاسْمِ دُونَ الصِّفَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إلَّا بِالِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَمُرَادُهُ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ اهـ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ. اهـ. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لَكِنْ قَالَ قَاضِي خَانْ بَعْدَ الَّذِي تَقَدَّمَ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا أَنَّ قَوْلَ اللَّهُ كَانَ فِي قِيَامِهِ وَقَوْلَهُ أَكْبَرُ وَقَعَ فِي رُكُوعِهِ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ اهـ.
وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ وَإِلَّا فَيَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ مُصَلٍّ وَمُصَلٍّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لَا يَأْتِي بِالْمَدِّ فِي هَمْزَةِ اللَّهِ وَلَا فِي أَكْبَرَ) أَقُولُ فَإِنْ أَتَى بِهِ إنْ كَانَ فِي الْهَمْزَةِ فَهُوَ مُفْسِدٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ يَكْفُرُ لِلشَّكِّ فِي الْكِبْرِيَاءِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِالْكُفْرِ فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ لَوْ مَدَّ أَلِفَ اللَّهِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا وَخِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ كَانَ قَاصِدًا اهـ.
وَإِنْ أَتَى بِهِ فِي بَاءِ أَكْبَرَ فَقَدْ قِيلَ تَفْسُدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ الْمَدُّ فِي لَامِ اللَّهُ فَحَسَنٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ اهـ.
وَجَزْمُ الْهَاءِ مِنْ الِاسْمِ الْكَرِيمِ خَطَأٌ وَمَا بَحَثَهُ الْأَكْمَلُ مِنْ عَدِّ الْفَسَادِ وَالْكُفْرِ بِالْمَدِّ فَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَأَعَادَ الْمُصَنِّفُ حَرْفَ الْجَرِّ فِي قَوْلِهِ وَلَا فِي أَكْبَرَ لِيُفِيدَ النَّهْيَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِالْمَدِّ فِي هَمْزَتِهَا وَبَائِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْهَمْزَةِ فَهُوَ مُفْسِدٌ كَمَا قَدَّمْنَا.
(قَوْلُهُ بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ هُوَ الْأَصَحُّ) أَقُولُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ عُلَمَائِنَا وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَأَبُو يُوسُفَ يَرَى الرَّفْعَ مَعَ التَّكْبِيرِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلًا وَحَكَى عَنْ الطَّحَاوِيِّ فِعْلًا وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ التُّحْفَةِ وَقَاضِي خَانْ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَقْتُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَيُكَبِّرُ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ فِي الْبَحْرِ اهـ لَكِنْ يُضَعِّفُهُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي اثِّنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ اهـ
стр. 65
نَفْيَ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ (حِذَاءَ إذْنَيْهِ) أَيْ يَرْفَعُ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَيُمِسُّ طَرَفَيْ إبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ (وَ) بَعْدَ رَفْعِ (الْمَرْأَةِ يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَعَلَى هَذَا تَكْبِيرَاتُ الْقُنُوتِ وَالْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ (وَالْأَصَابِعُ بِحَالِهَا) أَيْ غَيْرُ مُفَرَّجَةٍ وَلَا مَضْمُومَةٍ بَلْ مَنْشُورَةٌ (وَجَازَتْ) التَّحْرِيمَةُ (بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ) نَحْوُ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ (وَبِالتَّسْبِيحِ) نَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ (وَالتَّهْلِيلِ) نَحْوِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَبِالْفَارِسِيَّةِ) نَحْوِ خداي بزركست كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا (لَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الدُّعَاءِ) نَحْوِ رَبِّ اغْفِرْ لِي فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبْدِلَ بِذِكْرٍ يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ وَلَا يَشُوبُ بِالدُّعَاءِ (وَجَهَرَ بِهِ) أَيْ بِالتَّكْبِيرِ (الْإِمَامُ وَكَبَّرَ مَعَهُ الْمُؤْتَمُّ سِرًّا) الْأَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُكَبِّرَ الْمُقْتَدِي مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الصَّلَاةِ وَحَقِيقَةُ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمُقَارَنَةِ وَعِنْدَ هُمَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ وَفِي التَّسْلِيمِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ، كَذَا فِي الْكَافِي، وَلَوْ قَالَ الْمُؤْتَمُّ اللَّهُ أَكْبَرُ قَبْلَ قَوْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ قَبْلَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) أَقُولُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ سَوَاءٌ كَانَ دُونَ الْمَسْنُونِ أَوْ فَوْقَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَعَلَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(تَنْبِيهٌ) : سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ ﵀ الْآدَابَ فِي آخِرِ الْبَابِ كَإِخْرَاجِ الْكَفَّيْنِ مِنْ الْكُمَّيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا هُنَا وَوَضْعُ كُلٍّ مِنْهَا فِي مَحَلِّهِ كَمَا صَنَعَ فِي بَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ. (قَوْلُهُ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَيُمِسُّ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ مُغَايَرَتُهُ لِكَلَامِ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْمُرَادُ بِالْمُحَاذَاةِ أَنْ يَمَسَّ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ لِيَتَيَقَّنَ مُحَاذَاةَ يَدَيْهِ أُذُنَيْهِ اهـ فَلَا مُخَالَفَةَ عَلَى هَذَا.
(قَوْلُهُ وَبَعْدَ رَفْعِ الْمَرْأَةِ. . . إلَخْ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهَا حُرَّةً فَشَمِلَ الْأَمَةَ لَكِنْ قَالَ الْحَدَّادِيُّ. وَأَمَّا الْأَمَةُ فَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِي الرَّفْعِ وَكَالْحُرَّةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَعْنِي أَنَّهَا تَنْضَمُّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَجَازَتْ التَّحْرِيمَةُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ) أَقُولُ هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِاللَّهِ أَكْبَرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْ الْأَكْبَرُ أَوْ الْكَبِيرُ وَيَتَرَدَّدُ فِي كَبِيرٍ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَلَا يُجِيزُهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَزَادَ فِي الْخُلَاصَةِ خَامِسًا اللَّهُ الْكُبَارُ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ نَحْوُ اللَّهُ أَجَلُّ) أَقُولُ.
وَأَمَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَوْ افْتَتَحَ بِهَا قِيلَ يَصِحُّ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَالسِّرَاجِ. (قَوْلُهُ وَبِالتَّسْبِيحِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُشْرَعَ بِالتَّكْبِيرِ وَهَلْ يُكْرَهُ الشُّرُوعُ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا ذَكَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ مَا يُفِيدُ وُجُوبَ الِافْتِتَاحِ بِالتَّكْبِيرِ لِمَنْ يُحْسِنُهُ وَتَضْعِيفَ مَا صَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ وَتَضْعِيفَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ أَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي افْتِتَاحِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَاةِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ وَبِالْفَارِسِيَّةِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا لَا خُصُوصَ الْفَارِسِيَّةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَهُوَ التَّعْظِيمُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ كَالْإِيمَانِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إجْمَاعًا وَكَالتَّلْبِيَةِ وَالسَّلَامِ وَرَدِّهِ وَالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالْأَصَحُّ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَيْهِمَا أَيْ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي عَدَمِ جَوَازِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ بِالْفَارِسِيَّةِ لِغَيْرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا) هَذَا أَيْضًا مَرْجُوعٌ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَا تَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ إذَا اُكْتُفِيَ بِهِ أَيْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ حَتَّى إذَا قَرَأَ مَعَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ اهـ.
وَحَكَى مِثْلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْهِدَايَةِ ثُمَّ قَالَ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا وَبِحَمْلِ مَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى الْقَصَصِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا وَلَا تُفْسِدُ وَفِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِنَا لُبِّ الْأُصُولِ اهـ.
وَلَا يَجُوزُ بِالتَّفْسِيرِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(قَوْلُهُ أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا) هَذَا بِالِاتِّفَاقِ جَائِزٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ نَحْوِ رَبِّ اغْفِرْ لِي) أَيْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاحْفَظْنِي فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّهُمَّ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالدِّرَايَةِ.
وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا.
(قَوْلُهُ الْأَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ لَا الْجَوَازِ، وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْمُؤْتَمُّ اللَّهُ أَكْبَرُ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُؤْتَمَّ عَلِمَ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَا يُجْزِئُهُ وَإِلَّا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاحِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَطَأَ بِيَقِينٍ أَوْ بِغَالِبِ الظَّنِّ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ أَكْبَرُ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَفْظُ أَكْبَرُ أَعْنِيَ الْخَبَرَ لَمْ أَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ بَلْ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مَا لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ أَعْنِيَ الْمُبْتَدَأَ
стр. 66
فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ شَارِعًا، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَهِيَ) أَيْ التَّحْرِيمَةُ (شَرْطٌ) عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رُكْنٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ حَتَّى لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ إلَى النَّفْلِ بِلَا إحْرَامٍ جَدِيدٍ وَعِنْدَهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ شَرْطًا كَانَ مُؤَدِّيًا لِلنَّفْلِ بِشَرْطٍ أَدَّى بِهِ الْفَرْضَ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ لِلْفَرْضِ وَأَدَّى بِهِ النَّفَلَ، وَإِذَا كَانَتْ رُكْنًا كَانَ مُؤَدِّيًا لِلنَّفْلِ بِرُكْنِ الْفَرْضِ وَذَا لَا يَجُوزُ (وَالْمَذْكُورَاتُ سُنَنٌ) يَعْنِي رَفْعَ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ وَنَشْرَ أَصَابِعِهِ وَجَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ الْفَرَائِضِ (الْقِيَامُ فِي الْفَرْضِ) يَعْنِي أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ مَخْصُوصَةٌ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَا يَكُونُ فَرْضًا فِي النَّفْلِ حَتَّى جَازَ أَدَاؤُهُ بِدُونِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ (وَفِيهِ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، وَصِفَةُ الْوَضْعِ أَنْ يَضَعَ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقَ بِالْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ (وَيُرْسِلُ يَدَيْهِ فِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَفِيهِ الْوَضْعُ وَكُلَّ قِيَامِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَفِيهِ الْإِرْسَالُ (وَيُثْنِي) أَيْ يَقْرَأُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَمْ تَقَعْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ الْمُؤْتَمُّ أَكْبَرُ قَبْلَ قَوْلِ الْإِمَامِ. . . إلَخْ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْأَصَحِّيَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَهُمَا مُتَغَايِرَتَانِ عَلَى مَا رَأَيْتُهُ قَالَ قَاضِي خَانْ وَيُكَبِّرُ الْمُقْتَدِي مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ قَالَ الْمُقْتَدِي اللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَعَ قَبْلَ قَوْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا عِنْدَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ اهـ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ لَفْظَ أَكْبَرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَيْسَتْ مِنْ الْخَانِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا لَا مُنْفَرِدًا وَلَا مُقْتَدِيًا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يُجَدِّدْ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمُشَارَكَةَ وَهِيَ غَيْرُ صَلَاةِ الِانْفِرَادِ اهـ لَكِنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ افْتَتَحَ بِاللَّهِ قَبْلَ إمَامِهِ لَمْ يَصِرْ شَارِعًا فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ اهـ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي رَفْعَ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ. . . إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ حُكْمَ إسْرَارِ الْمُقْتَدِي بِالتَّكْبِيرِ وَكَانَ يَنْبَغِي بَيَانُهُ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقِيَامُ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَحَدُّهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ لَا يَنَالُ رُكْبَتَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُهُ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فَرْضًا وَالْوَاجِبَ وَاجِبًا وَالسُّنَّةَ سُنَّةً وَلَمْ أَرَهُ.
(قَوْلُهُ فِي الْفَرْضِ) أَقُولُ، وَكَذَا مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهِ كَالْوَاجِبِ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ مَخْصُوصَةٌ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ الْقَطَعِيُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ كَالْوِتْرِ لَا بُدَّ مِنْ الْقِيَامِ فِيهَا لَا عَلَى الْقَطْعِيِّ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ يَضَعُ يَمِينَهُ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الْقِيَامِ وَلَا يُفِيدُ تَعْيِينَ الْوَضْعِ فِي ابْتِدَائِهِ بَلْ أَعَمُّ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَمَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ يَضَعُ.
(قَوْلُهُ تَحْتَ سُرَّتِهِ هَذَا سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ) . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهَا الْوَضْعُ عَلَى صَدْرِهَا وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُ حَالِهَا كَمَا قَدَّمَهُ فِي الرَّفْعِ لِلتَّكْبِيرِ.
(قَوْلُهُ وَصِفَةُ الْوَضْعِ. . . إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى صَدْرِهَا وَلَا تَقْبِضُ بَلْ تَضَعُ كَفَّهَا الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْأَيْسَرِ ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ.
(قَوْلُهُ وَيُرْسِلُ يَدَيْهِ فِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ اهـ. ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ اتِّفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) أَقُولُ، وَقِيلَ يَضَعُ بَيْنَهَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ. . . إلَخْ) هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سُنَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ فَيُرْسِلُ فِي الثَّنَاءِ وَالْقُنُوتِ وَالْجِنَازَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ، وَقِيلَ سُنَّةُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا حَتَّى يَضَعَ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ أَيْ يَقْرَأُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ) يَعْنِي إلَى آخِرِهِ وَهُوَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك سُبْحَانَ مَصْدَرٌ كَغُفْرَانٍ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ وُجُوبًا فَمَعْنَاهُ أُسَبِّحُك تَسْبِيحًا أَيْ أُنَزِّهُك تَنْزِيهًا أَيْ أَعْتَقِدُ نَزَاهَتَك عَنْ كُلِّ صِفَةٍ لَا تَلِيقُ بِك وَبِحَمْدِك أَيْ نَحْمَدُك بِحَمْدِك فَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَنَفَى بِسُبْحَانَكَ صِفَاتِ النَّقْصِ وَأَثْبَتَ بِقَوْلِهِ وَبِحَمْدِكَ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ إظْهَارُ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ وَهَذَا وَجْهُ تَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ عَلَى التَّحْمِيدِ وَتَبَارَكَ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَعَلَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَكَاثَرَ خُيُورِ أَسْمَائِك الْحُسْنَى وَزَادَتْ عَلَى خُيُورِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ السُّبُّوحِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ الْعُظْمَى وَالْأَفْعَالِ الْجَامِعَةِ لِكُلِّ مَعْنًى أَسْنَى وَتَعَالَى جَدُّك أَيْ ارْتَفَعَ عَظَمَتُك أَوْ سُلْطَانُك أَوْ غِنَاك عَمَّا سِوَاك وَلَا إلَهَ غَيْرُك فِي الْوُجُودِ فَأَنْتَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ فَبَدَأَ بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى التَّوْحِيدِ ثُمَّ خَتَمَ بِالتَّوْحِيدِ
стр. 67
إلَّا قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُك فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْمَشَاهِيرِ (سِرًّا إنْ أَمَّ أَوْ انْفَرَدَ أَوْ اقْتَدَى بِمُسِرٍّ أَوْ مُجَاهِرٍ قَبْلَ الْجَهْرِ) حَتَّى إذَا اقْتَدَى حِينَ يَجْهَرُ لَا يُثْنِي (وَلَا يُوَجِّهُ) أَيْ لَا يَضُمُّ إلَى الثَّنَاءِ قَوْلَهُ إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي إلَى آخِرِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ يَقُولُ إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي. . . إلَخْ وَعِنْدَهُمَا لَوْ قَالَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِإِحْضَارِ الْقَلْبِ فَهُوَ حَسَنٌ (وَيَتَعَوَّذُ سِرًّا لِلْقِرَاءَةِ لَا لِلثَّنَاءِ فَيَتَعَوَّذُ الْمَسْبُوقُ) فِي قَضَاءِ مَا سَبَقَ (لَا الْمُؤْتَمُّ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْرَأُ وَلَا يُثْنِي؛ لِأَنَّهُ أَثْنَى حَالَ اقْتِدَائِهِ فَيَتَعَوَّذُ وَالْمُؤْتَمُّ يُثْنِي وَلَا يَقْرَأُ فَلَا يَتَعَوَّذُ (وَيُؤَخِّرُهُ) أَيْ التَّعَوُّذَ (عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الثَّنَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعَوُّذُ مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ لَا بِالثَّنَاءِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَذْكُورَاتُ (أَيْضًا سُنَنٌ) يَعْنِي وَضْعَ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ وَالْإِرْسَالَ فِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ بَيْنَ تَكْبِيرَاتِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
تَرَقِّيًا فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ إلَى غَايَةِ الْكَمَالِ فِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ الِانْفِرَادُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ فِي الْأَحَدِيَّةِ وَالصَّمَدِيَّةِ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
(قَوْلُهُ إلَّا قَوْلَهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُك) قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَإِنْ زَادَ وَجَلَّ ثَنَاؤُك لَا يُمْنَعُ عَنْهُ، وَإِنْ سَكَتَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَكَذَا فِي الْكَافِي لَكِنْ بِلَفْظِ قَالُوا.
(قَوْلُهُ فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الْفَرَائِضِ) أَقُولُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ مُقَيِّدًا بِالْفَرَائِضِ وَأَطْلَقَهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ نَظَرًا إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَحِلِّ، وَإِنْ كَانَ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ أَوْ بِمُجَاهِرٍ قَبْلَ الْجَهْرِ) أَقُولُ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يُحْرِمُ قَائِمًا وَيَرْكَعُ وَيَتْرُكُ الثَّنَاءَ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الْقَعْدَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُوَجِّهُ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْإِتْيَانُ بِهِ عِنْدَهُمَا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَفِي الْبُرْهَانِ مَا يُفِيدُ سُنِّيَّةَ الْإِتْيَانِ بِهِ فِي النَّافِلَةِ عِنْدَهُمَا حَيْثُ قَالَ وَيَجْمَعُ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَهُمَا أَيْ التَّوَجُّهِ وَالثَّنَاءِ فِي الصَّلَوَاتِ آخِرًا أَيْ فِي قَوْلِهِ الْآخِرِ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْمَرْوِيَّيْنِ قُلْنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّافِلَةِ لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَجَّهْت وَجْهِي» فَيَكُونُ مُفَسِّرًا لِمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ اهـ، وَكَذَا مَا فِي الْكَافِي يُفِيدُ سُنِّيَّةً فِي النَّافِلَةِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَقُولُ إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي) أَقُولُ لَفْظَةُ إنِّي لَمْ يَذْكُرْهَا الزَّيْلَعِيُّ وَالْبُرْهَانُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ إلَى آخِرِهِ) أَقُولُ وَتَمَامُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اهـ.
وَزَادَ عَلَى هَذَا فِي الْبُرْهَانِ مَرْوِيًّا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ يَرْفَعُهُ «لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ» .
(تَنْبِيهٌ) : لَوْ قَالَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ إذَا لَمْ يُخْبِرْ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ كَانَ تَالِيًا وَإِذَا كَانَ مُخْبِرًا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا لَوْ قَالَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِإِحْضَارِ الْقَلْبِ فَهُوَ حَسَنٌ) أَقُولُ نَسَبَ هَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَصَحَّحَ عَدَمَ اسْتِحْبَابِهِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّوَجُّهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الْقِيَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا قَالَ ﵇ «مَا لِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ» أَيْ مُتَحَيِّرِينَ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَزِيمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَتَعَوَّذُ) أَقُولُ لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهُ وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقَالَ فِي الْكَافِي الْمُخْتَارُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ مِنْ اسْتِعَاذَتِهِ ﷺ وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا قِيلَ الْمُخْتَارُ أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ حَمْزَةَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي أَيْضًا وَمَا قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الْأَوْلَى لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِلْقِرَاءَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدْنَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ لَا يَتَعَوَّذُ إذَا قَرَأَ عَلَى أُسْتَاذِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا لِلثَّنَاءِ) أَقُولُ وَذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ التَّعَوُّذَ هَلْ هُوَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ فِيهَا فَيَكُونَ تَبَعًا لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُثْنِي؛ لِأَنَّهُ أَثْنَى حَالَ اقْتِدَائِهِ) أَقُولُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُثْنِ حَالَ اقْتِدَائِهِ أَتَى بِهِ فِي قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيمَا إذَا اقْتَدَى حِينَ الْجَهْرِ فَكَانَ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ.
(قَوْلُهُ وَيُؤَخِّرُهُ أَيْ التَّعَوُّذَ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) أَقُولُ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ رَاجِعٌ إلَى مَنْ يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ وَهُوَ الْإِمَامُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى وَيُؤَخَّرَ لِلْمَجْهُولِ.
(قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعَوُّذُ مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ لَا بِالثَّنَاءِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُرَتِّبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّنَاءِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّعَوُّذِ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَ الثَّنَاءِ أَعَادَهُ بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ لَا يَتَعَوَّذُ لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ اهـ.
(تَتِمَّةٌ) : قَالَ فِي الْكَافِي وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَاجِبًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى سُنِّيَّتِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ أَيْ الْمَذْكُورَاتُ إلَى قَوْلِهِ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعَوُّذَ)
стр. 68
الْعِيدِ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعَوُّذَ.
(وَمِنْهَا) أَيْ الْفَرَائِضِ (الْقِرَاءَةُ) فَرْضُهَا آيَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَمَا دُونَهَا خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ (وَالْمُكْتَفِي بِهَا مُسِيءٌ) لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ سُورَةٍ أَوْ مِقْدَارِهَا إلَيْهَا وَاجِبٌ وَفِيهِ تَرْكُهُ (وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيُسَمِّي) أَيْ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سِرًّا فِيهَا فَقَطْ) أَيْ لَا يُسَمِّي فِي سُورَةٍ بَعْدَهَا (وَيُؤَمِّنُ) أَيْ يَقُولُ آمِينَ (بَعْدَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (سِرًّا) سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا (وَيَضُمُّ إلَيْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (سُورَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ) مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ (وَمَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالضَّمِّ سُنَّةٌ) فَتَكُونُ التَّسْمِيَةُ سُنَّةً يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُسَمِّي أَوَّلَ صَلَاتِهِ ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ كَالتَّعَوُّذِ وَالثَّنَاءِ (وَهُمَا) أَيْ الْفَاتِحَةُ وَالضَّمُّ (وَاجِبَانِ) قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ عِنْدَنَا، وَكَذَا ضَمُّ السُّورَةِ إلَيْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْفَاتِحَةِ وَلِمَالِكٍ فِيهِمَا لَهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا» وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ السُّرُوجِيُّ عَلَى قَوْلِهِ وَلِمَالِكٍ فِيهِمَا بِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ إنَّ ضَمَّ السُّورَةِ رُكْنٌ وَخَطَّأَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فِيهِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَمْ تَجُزْ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَقُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوْجَبُ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالْإِعَادَةِ بِتَرْكِهَا دُونَ السُّورَةِ، وَثَلَاثُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَقُولُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَالْإِسْرَارَ بِهِمَا أَيْ بِالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
(قَوْلُهُ وَفَرْضُهَا آيَةٌ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةُ مُطْلَقِ الْآيَةِ لَوْ قَرَأَ آيَةً هِيَ كَلِمَاتٌ نَحْوُ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٩] أَوْ كَلِمَتَانِ نَحْوُ ثُمَّ نَظَرَ يَجُوزُ بِلَا خِلَاف بَيْنَ الْمَشَايِخِ أَوْ آيَةً هِيَ كَلِمَةٌ نَحْوُ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ص ق ن فَإِنَّهَا آيَاتٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْقُرَّاءِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى عَادًّا إلَّا قَارِئًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ قَارِئَ مَا دُونِ الثَّلَاثِ أَوْ الْآيَةِ الطَّوِيلَةِ لَا يُعَدُّ قَارِئًا عُرْفًا فَشُرِطَتْ الْآيَةُ الطَّوِيلَةُ أَوْ ثَلَاثٌ قِصَارٌ تَحْصِيلًا لِوَصْفِ الْقِرَاءَةِ احْتِيَاطًا وَحَرُمَتْ قِرَاءَةُ الْآيَةِ الْقَصِيرَةِ وَمَا دُونَ الطَّوِيلَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ احْتِيَاطًا أَيْضًا لِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُكْتَفِي بِهَا مُسِيءٌ) يَعْنِي، وَقَدْ أَتَى بِهَا فِي كُلٍّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَامِلَةً فَلَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رَكْعَةٍ وَنِصْفَهَا فِي أُخْرَى اُخْتُلِفَ فِيهِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ يَعْدِلُهَا فَلَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ آيَةٍ وَصَحَّحَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيُسَمِّي) الْمُرَادُ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ فَلَوْ سَمَّى قَبْلَ التَّعَوُّذِ أَعَادَهَا بَعْدَهُ، وَلَوْ نَسِيَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَا يُسَمِّي لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَنْزِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَيْ لَا يُسَمِّي فِي سُورَةٍ بَعْدَهَا) أَقُولُ أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ سُنِّيَّةِ الْإِتْيَانِ بِهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُسَنُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي السِّرِّيَّةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيْضًا لِلسُّورَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الْإِتْيَانِ بِهَا بَلْ إنْ سَمَّى بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ كَانَ حَسَنًا سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً وَأَشَرْنَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ إلَى سُنِّيَّةِ الْإِتْيَانِ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا رَوَاهُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ احْتِرَازًا عَمَّا رَوَى الْجِنُّ أَنَّ مَحَلَّهَا أَوَّلُ الصَّلَاةِ فَقَطْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْكِفَايَةِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُسَمِّي مَرَّةً فِي الْأُولَى فَحَسْبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا.
(قَوْلُهُ وَيُؤَمِّنُ أَيْ يَقُولُ آمِينَ) أَقُولُ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ أَفْصَحُهُنَّ وَأَشْهُرُهُنَّ آمِينَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ وَالثَّانِيَةُ بِالْقَصْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ وَمَعْنَاهُ اسْتَجِبْ وَالثَّالِثَةُ بِالْإِمَالَةِ وَالرَّابِعَةُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ حَكَى الْأَخِيرَتَيْنِ الْوَاحِدِيُّ وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِالرَّابِعَةِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَمِنْ الْخَطَأِ التَّشْدِيدُ مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا وَلَا يَبْعُدُ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِهِمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا) أَشَارَ بِهِ إلَى ضَعْفِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ، رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ» كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ مَأْمُومًا) أَقُولُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ إذَا سَمِعَ تَأْمِينَ الْإِمَامِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُؤَمِّنُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُؤَمِّنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَهْرَ لَا عِبْرَةَ بِهِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ إذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْمُقْتَدَى التَّأْمِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُؤَمِّنُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى اهـ قُلْت فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهِمَا بَلْ الْحُكْمُ فِي الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ كَذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَتَكُونُ التَّسْمِيهُ سُنَّةً) أَقُولُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَحَّحَ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْقُنْيَةِ وُجُوبَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ وَهْبَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ رَوَى الْحَسَنُ. . . إلَخْ) قَدَّمْنَا مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوْجَبُ حَتَّى يُؤْمَرَ. . . إلَخْ) ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِلْفَقِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَبِتَرْكِ الْوَاجِبِ تَثْبُتُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ قَالُوا كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تَجِبُ إعَادَتُهَا فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ تَرْكِ السُّورَةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا كَتَرْكِ الْفَاتِحَةِ نَعَمْ الْفَاتِحَةُ آكُدُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ السُّورَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي رُكْنِيَّتِهَا دُونَ السُّورَةِ وَالْآكَدِيَّةُ لَا تَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ
стр. 69
آيَاتٍ تَقُومُ مَقَامَ السُّورَةِ فِي الْإِعْجَازِ فَكَذَا هَاهُنَا، وَكَذَا الْآيَةُ الطَّوِيلَةُ (وَسُنَّتُهَا) أَيْ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ (فِي السَّفَرِ عَجَلَةً الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ وَأَمَنَةً نَحْوُ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ وَفِي الْحَضَرِ اُسْتُحْسِنَ فِي السَّفَرِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ وَالْمَغْرِبِ قِصَارُهُ وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ) مِنْ الْحُجُرَاتِ طِوَالٌ إلَى الْبُرُوجِ وَمِنْهَا أَوْسَاطٌ إلَى لَمْ يَكُنْ وَمِنْهَا قِصَارٌ إلَى الْآخِرِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ الْفَرَائِضِ (الرُّكُوعُ يُكَبِّرُ لَهُ خَافِضًا) أَيْ مُنْحَطًّا؛ لِأَنَّهُ «﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفْرِجًا أَصَابِعَهُ) لَا يُنْدَبُ التَّفْرِيجُ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (بَاسِطًا ظَهْرَهُ) حَتَّى لَوْ صُبَّ الْمَاءُ عَلَى ظَهْرِهِ لَاسْتَقَرَّ (لَا رَافِعًا رَأْسَهُ وَلَا مُنَكِّسًا وَيُطَمْئِنُ فِيهِ) أَيْ الرُّكُوعِ (مُسَبِّحًا) أَيْ قَائِلًا سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ مَرَّاتٍ (ثَلَاثًا هِيَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَالَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَمَنْ قَالَ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» وَيُكْرَهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهَا، وَلَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمُقْتَدِي ثَلَاثًا أَتَمَّهَا فِي رِوَايَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتَابِعُهُ وَكُلُّ مَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْخَتْمُ عَلَى وِتْرٍ. وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهٍ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
مُطْلَقًا لَا الْوَاجِبِ الْمُتَأَكِّدِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِي الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي السَّفَرِ عَجَلَةً الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) أَقُولُ أَطْلَقَ السُّنَّةَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَمَا مَعَهَا بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ السُّنَّةُ لِثُبُوتِهَا بِهَا وَإِلَّا فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ سَفَرًا وَحَضَرًا.
(قَوْلُهُ وَأَمَنَةً نَحْوُ الْبُرُوجِ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ كَمَا فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَانْشَقَّتْ) لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْكَافِي بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ نَحْوُ الْبُرُوجِ يَعْنِي وَمَا بَعْدَهَا وَذَلِكَ وَاضِحٌ لِيُنَاسِبَ التَّخْفِيفَ فِي سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ. وَأَمَّا انْشَقَّتْ فَهِيَ مِنْ الطِّوَالِ فَلَا تَخْفِيفَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا مِنْ الْأَوْسَاطِ عَلَى مَا قِيلَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ) قَسِيمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَأَطْلَقَ مَا يَقْرَأُ فَشَمِلَ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا لَكِنْ مَثَّلَ فِي الْكَافِي الضَّرُورَةَ لِلْمُسَافِرِ بِقَوْلِهِ بِأَنْ كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ وَمَثَّلَ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ كَانَ فِي السَّفَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَأَيَّ سُورَةٍ شَاءَ وَفِي الْحَضَرِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ يَقْرَأُ بِقُدْرَةِ مَا لَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ اهـ قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَخْتَصُّ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ بِالسُّورَةِ فَقَطْ بَلْ كَذَلِكَ الْفَاتِحَةُ كَمَا إذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنْ عَدُوٍّ فَقَرَأَ آيَةً مَثَلًا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا. اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ طِوَالٌ) أَقُولُ هَذَا عَلَى مَا قِيلَ هُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْحُجُرَاتِ، وَقِيلَ مِنْ سُورَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ الْفَتْحِ أَوْ مِنْ (ق) كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ إلَى الْبُرُوجِ) أَقُولُ، وَقِيلَ إلَى عَبَسَ (قَوْلُهُ وَأَوْسَاطُهُ إلَى لَمْ يَكُنْ) أَقُولُ، وَقِيلَ أَوْسَاطُهُ مِنْ كُوِّرَتْ إلَى الضُّحَى وَالْبَاقِي قِصَارُهُ ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) : الْغَايَةُ لَيْسَتْ مِمَّا قَبْلَهَا فَالْبُرُوجُ مِنْ الْأَوْسَاطِ لَا الطِّوَالِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَرَأَ فِي الْعَصْرِ فِي الْأُولَى الْبُرُوجَ وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ الطَّارِقِ» . اهـ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الرُّكُوعُ) أَقُولُ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرُّكُوعِ وَأَكْثَرُ الْكُتُبِ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الرُّكُوعِ أَصْلُ الِانْحِنَاءِ وَالْمَيْلِ.
وَفِي الْحَاوِي فَرْضُ الرُّكُوعِ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْنِ ظَهْرَهُ أَصْلًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الرُّكُوعِ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِذَا بَلَغَتْ حُدُوبَتُهُ إلَى الرُّكُوعِ يَخْفِضُ رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ الْقَدْرُ الْمُمْكِنُ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ يُكَبِّرُ لَهُ خَافِضًا) أَقُولُ، كَذَا فِي الْوِقَايَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا وَالْمُرَادُ أَنْ يُقَارِنَ التَّكْبِيرَ ابْتِدَاءُ الِانْحِطَاطِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مُقَارِنٌ لِلِانْحِطَاطِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَ كَذَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرَ، وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْكَنْزِ الْقُدُورِيَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْوَاوِ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَكَبَّرَ بِلَا مَدٍّ وَرَكَعَ الْمُحْتَمِلُ لِلْمُقَارَنَةِ وَضِدِّهَا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَهْوِي وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ قَالُوا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِئَلَّا تَخْلُوَ حَالَةُ الِانْحِنَاءِ عَنْ الذِّكْرِ وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أَقُولُ وَيَكُونُ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَإِحْنَاؤُهُمَا شِبْهَ الْقَوْسِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ مَكْرُوهٌ.
(قَوْلُهُ مُفْرِجًا أَصَابِعَهُ) هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ لَا تَفْرِجُ أَصَابِعَهَا فِي الرُّكُوعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَالَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» ) أَقُولُ أَيْ أَدْنَى مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ كَمَالُهُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُحْمَلُ لِلسُّنَّةِ لَا اللُّغَوِيُّ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَلَمَّا كَانَ الرُّكُوعُ تَوَاضُعًا وَتَذَلُّلًا نَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُقَابِلَهُ الْعَظَمَةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ غَايَةَ التَّسَفُّلِ نَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُقَابِلَهُ الْعُلُوُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْقَهْرُ وَالِاقْتِدَارُ لَا الْعُلُوُّ فِي الْمَكَانِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الثَّلَاثِ وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمُسْتَحَبِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
стр. 70
يُمِلُّ الْقَوْمَ بِهِ (ثُمَّ يُسَمِّعُ) أَيْ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (رَافِعًا رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ (وَالْإِمَامُ يَكْتَفِي بِهِ) أَيْ بِالتَّسْمِيعِ (وَالْمُقْتَدِي) يَكْتَفِي (بِالتَّحْمِيدِ) يَعْنِي رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
وَفِي الْمُحِيطِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ أَفْضَلُ لِزِيَادَةِ الثَّنَاءِ (وَالْمُنْفَرِدُ قِيلَ كَالْمُقْتَدِي) يَعْنِي يَكْتَفِي بِالتَّحْمِيدِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ حَثٌّ لِمَنْ مَعَهُ عَلَى التَّحْمِيدِ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ لِيَحُثَّهُ عَلَيْهِ (وَقِيلَ) الْمُنْفَرِدُ (يَجْمَعُهُمَا) أَيْ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ هُوَ الْأَصَحُّ (وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا) بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ (وَمَا سِوَى الِاطْمِئْنَانِ) وَهُوَ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَمَا سِوَاهُ تَكْبِيرُ الرُّكُوعِ وَتَفْرِيجُ الْأَصَابِعِ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْمِيعُ وَالْقِيَامُ مُسْتَوِيًا (سُنَنٌ وَهُوَ) أَيْ الِاطْمِئْنَانُ فِي الرُّكُوعِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ (وَاجِبٌ) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيلِ رُكْنٍ مَقْصُودٍ بِخِلَافِ الْقَوْمَةِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَإِنَّ الِاطْمِئْنَانَ فِيهَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُكَمِّلَ الْفَرْضِ وَاجِبٌ وَمُكَمِّلَ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ (السُّجُودُ يُكَبِّرُ لَهُ) ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» إلَّا عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ) عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَقُلْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتَابِعُهُ) أَقُولُ وَهَذَا بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ لَوْ أَتَمَّهُ الْإِمَامُ فَسَلَّمَ قَبْلَ الْمُقْتَدِي لَا يُتَابِعُهُ بَلْ يُتِمُّهُ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ قَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ أَيْ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِسَمِعَ قِيلَ يُقَالُ سَمِعَ الْأَمِيرُ كَلَامَ زَيْدٍ أَيْ قَبِلَهُ فَهُوَ دُعَاءٌ بِقَبُولِ الْحَمْدِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَاللَّامُ فِي لِمَنْ لِلْمَنْفَعَةِ وَالْهَاءُ فِي حَمِدَهُ لِلْكِنَايَةِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
وَفِي الْفَوَائِدِ أَنَّهَا لِلسَّكْتَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، كَذَا نَقَلَ الثِّقَاتُ اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَكَانَ النُّونِ اللَّامَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَغْوًا، وَإِنْ كَانَ لِسَانُهُ لَا يُطَاوِعُهُ يَتْرُكُ اهـ.
(قَوْلُهُ رَافِعًا رَأْسَهُ) الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ التَّسْمِيعُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهِ.
(قَوْلُهُ وَالْإِمَامُ يَكْتَفِي بِهِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَضُمُّ إلَيْهِ التَّحْمِيدَ.
(قَوْلُهُ وَالْمُقْتَدِي يَكْتَفِي بِالتَّحْمِيدِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ أَفْضَلُ) أَقُولُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " وَمِنْ " رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ "؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ أَرْبَعَةٌ وَأَفْضَلُهَا " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ "؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ تُوجِبُ الْأَفْضَلِيَّةَ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقِيلَ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ عَاطِفَةٌ تَقْدِيرُهُ رَبَّنَا حَمِدْنَاك وَلَك الْحَمْدُ وَيَلِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْمُحِيطِ وَيَلِيهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُنْفَرِدُ. . . إلَخْ) أَقُولُ حَكَى كُلًّا مِنْ التَّصْحِيحَيْنِ لِلْقَوْلَيْنِ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ وَحَيْثُ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا رَأَيْت فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ فَالْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ مَا فِي الْمَتْنِ يَعْنِي مَتْنَ الْكَنْزِ وَاكْتَفَى الْمُنْفَرِدُ بِالتَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ. اهـ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُنْفَرِدِ أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَوَّلَ عَلَيْهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا) لَوْ قَالَ وَالْقِيَامُ وَالِاسْتِوَاءُ فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَرْضٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْقَوْمَةِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَإِنَّ الِاطْمِئْنَانَ فِيهَا سُنَّةٌ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ وَوُجُوبُ نَفْسِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِلْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَلِمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ مِنْ لُزُومِ سُجُودِ السَّهْوِ بِتَرْكِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ سَاهِيًا، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكُلِّ هُوَ مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ حَتَّى قَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمُكَمِّلَ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ) أَقُولُ وَمُكَمِّلُ السُّنَّةِ أَدَبٌ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا السُّجُودُ) أَقُولُ وَحَقِيقَتُهُ وَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ فَدَخَلَ الْأَنْفُ وَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ وَالصُّدْغُ وَمُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ عُذْرٍ بَلْ مَعَهُ يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ مَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ مَعَ رَفْعِهِمَا بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَيَكْفِيهِ وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَلَوْ لَمْ يَضَعْ الْأَصَابِعَ أَصْلًا وَوَضَعَ ظَهْرَ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَرَفْعُ قَدَمٍ وَوَضْعُ آخَرَ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ وَضْعَهُمَا سُنَّةٌ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةً. وَالْأَوْجَهُ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ هُوَ الْوُجُوبُ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ وَضْعَهُمَا فَرْضٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ مِثْلَ هَذَا.
(قَوْلُهُ إلَّا عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ) أَقُولُ أَيْ فَلَا يُكَبِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسَمِّعُ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ
стр. 71
وَاضِعًا كَمَا قَالَ فِي الرُّكُوعِ خَافِضًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يُقَارِنُ الْخَفْضَ هُنَاكَ وَلَا يُقَارِنُ الْوَضْعَ هُنَا (ثُمَّ) يَضَعُ (يَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رَاحَتَيْهِ) ؛ «لِأَنَّ وَائِلًا ﵁ سَجَدَ وَاتَّكَأَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ مَا بَيْنَ وَرِكَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا كَانَ يَسْجُدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (ثُمَّ) يَضَعُ (وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا قَالَ وَائِلٌ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ» مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ (ضَامًّا أَصَابِعَهُ) لَا يُنْدَبُ الضَّمُّ إلَّا هَاهُنَا (مُبْدِيًا) أَيْ مُظْهِرًا (عَضُدَيْهِ مُبْعِدًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا، وَقِيلَ لَا يَفْعَلُهُ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ حَذَرًا عَنْ إضْرَارِ الْجَارِ (وَاضِعًا رِجْلَيْهِ) عَلَى الْأَرْضِ (مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُمَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ الْقِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ وَتُلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا (فَيَسْجُدُ) عَطْفٌ عَلَى يُكَبِّرُ (بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَيْهِ قَدَّمَ الْأَنْفَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّجُودِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْأَرْضِ إذَا سَجَدَ (عَلَى مَا يَجِدُ حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ فِيهِ جَبْهَتُهُ) وَحَدُّ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّ السَّاجِدَ إذَا بَالَغَ لَا يُنْزِلُ رَأْسَهُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقُطْنِ الْمَحْلُوجِ وَالتِّبْنِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهَا إلَّا أَنْ يَجِدَ حَجْمَ الْأَرْضِ (فَجَازَ) السُّجُودُ (عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ) أَيْ دَوْرِهَا (وَفَاضِلِ ثَوْبِهِ) كَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ (إذَا وَجَدَ حَجْمَ الْأَرْضِ وَجَازَ عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) بِأَنْ يُصَلِّيَا الظُّهْرَ مَثَلًا حَتَّى إذَا لَمْ يُصَلِّيَا أَوْ صَلَّى الْمَسْجُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ صَلَاةِ السَّاجِدِ لَمْ يَجُزْ (فِي الزِّحَامِ) لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي السَّعَةِ (وَإِنْ كُرِهَ الْأَوَّلَانِ) أَيْ السُّجُودُ عَلَى الْكَوْرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَلَا عُذْرَ لَهُ وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا.
(قَوْلُهُ وَمَا رُوِيَ. . . إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَفْعَلَ أَيَّهُمَا تَيَسَّرَ جَمْعًا لِلْمَرْوِيَّاتِ بِنَاءً أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا أَحْيَانَا وَهَذَا أَحْيَانَا إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْكَفَّيْنِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمُجَافَاةِ الْمَسْنُونَةِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ كَانَ حَسَنًا اهـ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ ضَامًّا أَصَابِعَهُ) قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي السُّجُودِ فَبِالضَّمِّ يَنَالُ أَكْثَرَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَفْعَلُهُ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ) أَقُولُ، كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ الضَّعْفَ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِمْ قَدْ جَزَمَ فِيهَا بِعَدَمِ فِعْلِهِ فِي الصَّفِّ حِذَارًا عَنْ الْحَرَامِ وَإِضْرَارِ الْجَارِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَةٌ.
(قَوْلُهُ فَيَسْجُدُ بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْأَنْفِ مَا صَلُبَ مِنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَالْجَبْهَةُ مَا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِمَا اكْتَنَفَهُ الْجَبِينَانِ. وَأَمَّا مِقْدَارُ اللَّازِمِ مِنْهَا فَقَالَ فِي التَّجْنِيسِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ إنْ كَانَ أَكْثَرُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَعْزِيًّا إلَى نَصِيرٍ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَصْدُقُ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَكْثَرِهَا كَمَا قَالُوا فِي الْقَدَمَيْنِ يَكْفِي وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ جَازَ وَنَقَلَ كَلَامَ نَصِيرٍ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ نَعَمْ وَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ فَجَازَ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَيْ دَوْرِهَا) أَقُولُ أَيَّ دَوْرٍ مِنْ أَدْوَارِهَا نَزَلَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا جُمْلَتِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَيُقَالُ كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَهَذِهِ الْعِمَامَةُ عَشَرَةُ أَكْوَارٍ وَعِشْرُونَ كَوْرًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَنَبَّهْنَا بِمَا ذَكَرْنَا كَمَا نَبَّهَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ تَنْبِيهًا حَسَنًا وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ إذَا كَانَ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ عَلَى الْقَوْلِ تَعْيِينِهَا وَلَا عَلَى أَنْفِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْيِينِهَا لَا يَصِحُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يَتَسَاهَلُ فِي ذَلِكَ فَيَظُنُّ الْجَوَازَ كَذَلِكَ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَفَاضِلِ ثَوْبِهِ) هَذَا إذَا كَانَ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُصِحُّ الْجَوَازَ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَفِّهِ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَى فَخِذِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَلَوْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لَكِنَّ الْإِيمَاءَ يَكْفِيهِ إذَا كَانَ بِهِ عُذْرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ عَلَى ظَهْرِ مِنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) أَقُولُ قَيَّدَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنْ يَكُونَ الْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ سَاجِدًا عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ سَاجِدٍ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ لَا يَجُوزُ فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ قُلْت وَيَجُوزُ السُّجُودُ، وَلَوْ زَادَ الظَّهْرَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ لِلضَّرُورَةِ وَيُحْمَلُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ أَرْفَعُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ مِقْدَارَ لَبِنَتَيْنِ مَنْصُوبَتَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ أَرَادَ لَبِنَةَ بُخَارَى وَهِيَ رُبْعُ ذِرَاعٍ اهـ عَلَى غَيْرِ الْحَالَةِ هَذِهِ لَكِنْ هَلْ التَّقْيِيدُ بِالظَّهْرِ اتِّفَاقِيٌّ أَوْ احْتِرَازِيٌّ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ حَتَّى إذَا لَمْ يُصَلِّيَا أَوْ صَلَّى الْمَسْجُودُ عَلَيْهِ. . . إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ لَا عُمُومِ السَّلْبِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ الْأَوَّلَانِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِنَقْلِ «فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ» تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ فَلَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ
стр. 72
وَفَاضِلِ الثَّوْبِ (كَالِاكْتِفَاءِ بِالْأَنْفِ) فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ) فَإِنَّ السُّجُودَ عَلَيْهَا وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِلَا كَرَاهَةٍ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا مَنْظُورٌ فِيهِ (وَيَطْمَئِنُّ) فِي السُّجُودِ (مُسَبِّحًا) أَيْ قَائِلًا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى مَرَّاتٍ (ثَلَاثًا هِيَ أَدْنَاهُ) لِمَا رَوَيْنَا فِي الرُّكُوعِ وَنُدِبَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَخْتِمَ بِالْوِتْرِ كَالْخَمْسِ وَالسَّبْعِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْتِمُ بِالْوِتْرِ» ، وَإِنْ أَمَّ لَا يُطَوِّلُ عَلَى وَجْهٍ يُمِلُّ الْقَوْمَ، وَقَالُوا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنْ الثَّلَاثِ (وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) لِمَا مَرَّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» قِيلَ فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا إذْ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَحَقَّقُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ إذَا أُزِيلَتْ جَبْهَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَجْرِي الرِّيحُ بَيْنَ جَبْهَتِهِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَازَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ (وَيَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا) قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ (وَيُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ مُطْمَئِنًّا) فَإِنْ قِيلَ فَرْضِيَّةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَالْأَمْرُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلِذَا لَمْ يَجِبْ تَكْرَارُ الرُّكُوعِ فَبِمَاذَا ثَبَتَ فَرْضِيَّةُ تَكْرَارِ السُّجُودِ وَلِمَا إذَا تَكَرَّرَ قُلْنَا قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ آيَةَ الصَّلَاةِ مُجْمَلَةٌ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَوْلِهِ وَفَرْضِيَّةُ تَكْرَارِهِ ثَبَتَتْ بِفِعْلِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ تَوَاتُرًا إذْ كُلُّ مَنْ نَقَلَ صَلَاةَ الرَّسُولِ ﷺ نَقَلَ تَكْرَارَ سُجُودِهِ. وَأَمَّا وَجْهُ تَكْرَارِهِ فَقِيلَ إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُطْلَبُ فِيهِ الْمَعْنَى كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَقِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ أُمِرَ بِسَجْدَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فَنَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ تَرْغِيمًا لَهُ، وَقِيلَ الْأُولَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّا خُلِقْنَا مِنْ الْأَرْضِ وَالثَّانِيَةُ إلَى أَنَّا نُعَادُ إلَيْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ الْآيَةَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ) عَلَى عَكْسِ السُّجُودِ (وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا بِلَا اعْتِمَادٍ) عَلَى الْأَرْضِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (وَلَا قُعُودٍ) قَبْلَ الْقِيَامِ يُسَمَّى جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
(وَ) الرَّكْعَةُ (الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى لَكِنْ لَا ثَنَاءَ وَلَا تَعَوُّذَ وَلَا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا) أَيْ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَكِنْ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إلَّا مَرَّةً وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كَمَا رَفَعَ فِي الْأُولَى وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْمِيَةِ (تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فَتَذَكَّرَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّكَلُّمِ قَضَاهَا فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي إذَا تَرَكَ سَجْدَةً ثُمَّ تَذَكَّرَهَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ بَعْدَ مَا سَلَّمَ وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ سَجَدَهَا سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا فَاتَتْ عَنْ مَحِلِّهَا الْأَصْلِيِّ وَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ بِفَوَاتِهَا عَنْهُ لِوُجُودِ الْمَحِلِّ فِي الْجُمْلَةِ لِقِيَامِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْضِ حَتَّى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ كَالِاكْتِفَاءِ بِالْأَنْفِ فِي السُّجُودِ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا وَالْأَصَحُّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ بِلَا عُذْرٍ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا صَلُبَ مِنْ الْأَنْفِ. وَأَمَّا مَا لَانَ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِهِمْ.
(قَوْلُهُ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا مَنْظُورٌ فِيهِ) أَقُولُ لَا يَتَّجِهُ التَّنْظِيرُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا قَالَهُ رِوَايَةٌ، وَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَنْفِ عُذْرٌ وَعَلَيْهِ رِوَايَةُ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا اهـ.
وَمَا قَالَهُ فِي الْكَنْزِ حَكَاهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا عَنْ الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ ثُمَّ حَكَى قَوْلَ الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ فِي كَلَامِ الْكَنْزِ وَلَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَرْجُوحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ قِيلَ فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَمْ يَجُزْ. . . إلَخْ) أَقُولُ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَيُفْتَرَضُ الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ إلَى قُرْبِ الْقُعُودِ فِي الْأَصَحِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَا زَالَتْ جَبْهَتُهُ مِنْ الْأَرْضِ) أَقُولُ هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِمِقْدَارِ مَا يُسَمَّى رَافِعًا جَازَ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ هُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ النُّهُوضِ وَيُسْتَحَبُّ الْهُبُوطُ بِالْيَمِينِ وَالنُّهُوضُ بِالشِّمَالِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا بِلَا اعْتِمَادٍ) أَقُولُ سَيَذْكُرُ أَنَّ تَرْكَ الِاعْتِمَادِ سُنَّةً أَيْ لِمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنْ اعْتَمَدَ قَالَ الْوَبَرِيُّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ بِرَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ سَوَاءٌ كَانَ شَيْخًا أَوْ شَابًّا وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَتَرْكُهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا قُعُودَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَخْ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ حَتَّى لَوْ فُعِلَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا اهـ لَكِنْ وَجَّهَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ سِيَاقِهِ مِثْلَ الْأَوْجَهِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ
стр. 73
خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ، وَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى السَّجْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَرْفَعُ تَشَهُّدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّشَهُّدِ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ فَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (وَبَعْدَ سَجْدَتَيْهَا يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا نَاصِبًا يُمْنَاهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى فَخِذَيْهِ مُوَجِّهًا أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْعُدُ الْقَعْدَتَيْنِ عَلَى هَذَا» (وَيَتَشَهَّدُ كَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ التَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَهِيَ الْمُلْكُ، وَقِيلَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَقِيلَ الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ السَّلَامَةُ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَجَمِيعِ وُجُوهِ النَّقْصِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّمَا جُمِعَتْ التَّحِيَّاتُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ كَانَ لَهُ تَحِيَّةٌ يُحَيَّا بِهَا فَقِيلَ لَنَا قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ أَيْ الْأَلْفَاظُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُلْكِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَوَاتُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ الْأَدْعِيَةُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ الْعِبَادَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا وَالَاهُ، وَقِيلَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ (وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ هُنَا) أَيْ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى يَعْنِي لَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ (وَيَكْتَفِي بِالْفَاتِحَةِ فِيمَا بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ) عَبَّرَ بِهِ لِيَتَنَاوَلَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ (وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ أَوْ سَكَتَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى السَّجْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ) فِيهِ تَسَامُحٌ وَالْمُرَادُ رَفْعُ الْقُعُودِ.
(قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّشَهُّدِ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ) فِيهِ تَسَامُحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُعُودِ قُدْرَةُ التَّشَهُّدِ لَا حَقِيقَةُ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ فَرْضٌ وَتَرْكَهُ مُفْسِدٌ وَالتَّشَهُّدُ وَاجِبٌ وَتَرْكُهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ التَّشَهُّدُ سُمِّيَ تَشَهُّدًا بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ الْمُلْكُ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي تَفْسِيرِهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ أَحْسَنُهَا أَنَّ التَّحِيَّاتِ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ وَالطَّيِّبَاتِ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةِ فَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ وَلَا يُتَقَرَّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَى مَا سِوَاهُ ثُمَّ هُوَ عَلَى مِثَالِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ فَيُقَدِّمُ الثَّنَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ الْخِدْمَةَ ثَانِيًا ثُمَّ بَذْلَ الْمَالِ ثَالِثًا.
(تَنْبِيهٌ) : اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ مَعَانِي التَّشَهُّدِ لِلِاتِّكَالِ عَلَى الطَّالِبِ فِي بَاقِيهَا وَيَنْبَغِي لَنَا ذِكْرُهَا مُخْتَصَرًا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْصِدُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيَهَا مُرَادَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ بِأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ مَعَانِيَهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا مِنْ عِنْدِهِ كَأَنَّهُ يُحَيِّي اللَّهَ وَيُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَعَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا فِي السِّرَاجِ أَنَّ قَوْلَهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ مِنْ الْمُصَلِّي اهـ.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ مَا أَثْنَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى اللَّهِ ﵎ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَهِيَ سَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ بِمُقَابَلَةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَثْنَى بِهَا، وَالسَّلَامُ تَسْلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ أَوْ تَسْلِيمُهُ مِنْ الْآفَاتِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الرَّحْمَةَ هُنَا الْمُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْإِحْسَانِ وَالْبَرَكَةُ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْخَيْرِ وَيُقَالُ الْبَرَكَةُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ. وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَهُوَ إعْطَاءُ نَصِيبٍ مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَكَرُّمًا لِإِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الشَّارِعِ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ صَالِحٌ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِي ظَنِّي خَوْفًا مِنْ الشَّهَادَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وَأَمَّا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَمَعْنَاهُ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعُبُودِيَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ ﷺ وَقُدِّمَتْ الْعُبُودِيَّةُ عَلَى الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ صِفَاتِهِ وَلِذَا وَصَفَهُ سُبْحَانَهُ بِهَا فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠] .
(قَوْلُهُ وَيَكْتَفِي بِالْفَاتِحَةِ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا مُبَاحَةٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ إنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ حَتَّى لَوْ قَرَأَهَا فِيهِمَا سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْ السُّجُودُ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءَ بِهَا أَيْ الْفَاتِحَةِ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الِاخْتِيَارِ مِنْ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ أَوْ سَكَتَ) لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مِقْدَارًا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ سَكَتَ.
وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ إنْ شَاءَ سَكَتَ أَيْ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ قَدْرَهَا وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْأُصُولِ اهـ
стр. 74
جَازَ) لَكِنَّهُ إنْ سَكَتَ عَمْدًا أَسَاءَ، وَإِنْ سَهْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودَ السَّهْوِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتْرُكَهَا، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ (وَمَا سِوَى وَضْعِ الرِّجْلَيْنِ وَتَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْقِرَاءَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ فِي السُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالتَّشَهُّدِ فِيهِمَا) أَيْ الْقَعْدَتَيْنِ (وَالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى) أَيْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (سُنَنٌ) أَرَادَ بِمَا سِوَى الْمَذْكُورَاتِ تَكْبِيرَ السُّجُودِ وَتَسْبِيحَهُ ثَلَاثًا وَوَضْعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَافْتِرَاشَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبَ الْيُمْنَى وَالْقَوْمَةَ وَالْجِلْسَةَ فَإِنَّهَا سُنَنٌ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ وَضْعُ الرِّجْلَيْنِ (فَرْضٌ فِي رِوَايَةٍ) وَهِيَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ حَتَّى إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ، وَلَوْ وَضَعَ إحْدَاهُمَا جَازَ قَالَ قَاضِي خَانْ وَيُكْرَهُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَهُوَ الْحَقُّ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَالْبَوَاقِي وَاجِبَةٌ) وَهِيَ تَعْيِينُ الْأُولَيَيْنِ. . . إلَخْ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى التَّشَهُّدِ قَدْرَ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ، وَقِيلَ حَرَّفَ عَمْدًا أَثِمَ أَوْ سَهْوًا سَجَدَ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ (الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ فِيهِ التَّشَهُّدَ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ إذَا قُلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا قُلْت هَذَا أَيْ قَرَأَتْ التَّشَهُّدَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي الْقُعُودِ. وَقَوْلُهُ أَوْ فَعَلَتْ هَذَا أَيْ قَعَدَتْ وَلَمْ تَقْرَأْ شَيْئًا فَصَارَ التَّخْيِيرُ فِي الْقَوْلِ لَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَنَاهِيَةٌ وَالتَّنَاهِي لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّمَامِ وَالتَّمَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِتْمَامِ وَذَا إنَّمَا يُعْلَمُ بِبَيَانِ الشَّارِعِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ فَيَكُونُ فَرْضًا فَإِنْ قِيلَ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا نَعَمْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ جَازَ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْحِلُّ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ لَا الْجَوَازُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ الْمُجَامِعِ لِلْكَرَاهَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَوْ سَكَتَ جَازَ لِعَدَمِ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا لَكِنْ لَوْ سَكَتَ عَمْدًا يَكُونُ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْكَافِي قَالَ وَيَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ وَهُوَ بَيَانُ الْأَفْضَلِ فِي الصَّحِيحِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاجِبَةٌ رَوَاهُ الْحَسَنُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا كَانَ مُسِيئًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ. . . إلَخْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَالْقَوْمَةَ) أَيْ إتْمَامَهَا حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَالْجِلْسَةَ) كَذَا نَصَّ فِي الْكَنْزِ عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا وَالْمَذْهَبُ السُّنِّيَّةُ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا إنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الدِّرَايَةِ فَمُسَلَّمٌ لِمَا عَمِلْت مِنْ الْمُوَاظَبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُونَ بِالسُّنِّيَّةِ فَيُتَّبَعُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ.
(قَوْلُهُ وَالْبَوَاقِي وَاجِبَةٌ وَهِيَ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ. . . إلَخْ) شَامِلٌ لِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ قَبْلَهُ عَنْ الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ يُفْتَرَضُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ «لِقَوْلِهِ ﷺ أُمِرَتْ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» ثُمَّ قَالَ، وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَضَعْ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ السَّجْدَةِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَا نَأْخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ شَمِلَ إطْلَاقُهُ أَيْضًا الْقُعُودَ الْأَوَّلَ وَتَشَهُّدَهُ أَيْ وُجُوبَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ بِسُنِّيَّتِهِمَا أَوْ بِسُنِّيَّةِ التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ وَحْدَهَا فَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ وَيَضَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ فِي الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ وَاحْتَرَزْنَا بِالصَّحِيحِ عَنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ وَبِقَوْلِنَا بِالْمُسَبِّحَةِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْقِدُ يُمْنَاهُ عِنْدَ الْإِشَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حُكْمَ الْيَدَيْنِ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ وَضْعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ هَلْ يُسَنُّ أَوْ يَجِبُ رَفْعُهُمَا وَوَضْعُهُمَا عَلَى الْفَخِذَيْنِ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ) أَقُولُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي رُكْنِيَّتِهَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَيْسَتْ رُكْنًا.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْخُرُوجِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِثَمَرَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَصَارَ التَّخْيِيرُ فِي الْقَوْلِ) لَيْسَ فِي لَفْظِ النُّبُوَّةِ هَذَا مَا يُفِيدُ التَّخْيِيرَ بَلْ بَيَانُ مَا بِهِ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، وَتَرْكُ التَّشَهُّدِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَصَارَ الْفِعْلُ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ دُونَ الْقَوْلِ لَكِنْ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ وَنَصِّهِ ثُمَّ قَالَ «إذَا فَعَلْت هَذَا أَوْ قُلْت هَذَا فَقَدْ قَضَيْت صَلَاتَك إنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ»
стр. 75
لَا تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً أَمَّا إذَا بَيَّنَ الْمُجْمَلَ بِهِ فَتَثْبُتُ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قِيلَ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْقَعْدَةِ مَا يَأْتِي فِيهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ مَا اُخْتِيرَ فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ هَاهُنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ (وَهِيَ) أَيْ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ (كَالْأُولَى) فِي افْتِرَاشِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبِ الْيُمْنَى (لَكِنَّهُ يَزِيدُ هَاهُنَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ) ﷺ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَفَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَقْصِيرَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ إذْ الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِإِتْيَانِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ (وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ وَدَعَا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ (بِمَا يُشْبِهُ الْقُرْآنَ) أَيْ بِمَا يُشْبِهُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ أَوْ يَقُولَ اغْفِرْ لِأَبِي (أَوْ الْمَأْثُورَ) عَطْفٌ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْقُرْآنَ أَيْ بِالْمَرْوِيِّ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْقَعْدَةِ. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِصِيغَةِ زَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَدْرَ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَقُولُ وَالْمَسْبُوقُ يَزِيدُهُ أَيْضًا كَالْإِمَامِ تَبَعًا لَهُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إنَّمَا لَا يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَرْكَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ خُصُوصًا إذَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ (قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. . . إلَخْ) أَقُولُ إلَّا أَنَّهَا تُقْتَرَضُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً إذْ لَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ صَلُّوا التَّكْرَارَ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بَلْ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِسَبَبٍ مُتَكَرِّرٍ وَهُوَ الذِّكْرُ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ مَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يَتَدَاخَلُ الْوُجُوبُ فَيَكْفِيهِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَكَرَّرُ مِنْ غَيْرِ تَدَاخُلٍ صَحَّحَ فِي الْكَافِي مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْأَوَّلَ وَأَنَّ الزَّائِدَ نَدْبٌ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الثَّانِيَ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْبُرْهَانِ الِافْتِرَاضُ كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ إنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا اهـ قُلْت وَبَقِيَ تَصْحِيحٌ آخَرُ ذَكَرُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ، قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كُلَّمَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ صَرَّحَ بِهَا ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ تَكْرَارِ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي إفْصَاحِ ابْنِ هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي الْعَالَمِينَ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فَمَا فِي السِّرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ ضَعِيفٌ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) أَعَادَ حَرْفَ الْجَرِّ فِي الْآلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ آلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَاخْتُلِفَ فِيهِمْ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ قَرَابَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إمَّا رَاجِعٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ الْمُشَبَّهِ، وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ وَالدِّرَايَةِ أَجْوِبَةً جَمَّةً فَلْتُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ السَّلَامِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ﵀ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَيَدْعُو. . . إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فَقَالَ وَيَدْعُو بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا قَدَّمَهَا عَلَى دُعَائِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ لَا بُدَّ مِنْ التُّحْفَةِ لِخَاصَّتِهِ وَأَخَصُّ خَوَاصِّهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَتُحْفَتُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا عَلَيْهِ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَجَابَةٌ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْمُسْتَجَابِ يُرْجَى أَنْ يُسْتَجَابَ؛ لِأَنَّ الْكَرِيمَ بَعْدَ إجَابَتِهِ أَوَّلَ الْمَسْئُولَاتِ لَا يَرُدُّ بَاقِيَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ. . . إلَخْ) أَقُولُ قَدَّمَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمْعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْذِيبِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّارِ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَالدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِ بِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَكْذِيبِ الْآحَادِ وَالْقَطْعِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ غَيْرُ عَاصٍ بِالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الشِّرْكِ عَقْلًا قِيلَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ فَيَجُوزُ مِنْ اللَّهِ
следующие страницы →