Полный текст (874 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَاضِعًا كَمَا قَالَ فِي الرُّكُوعِ خَافِضًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يُقَارِنُ الْخَفْضَ هُنَاكَ وَلَا يُقَارِنُ الْوَضْعَ هُنَا (ثُمَّ) يَضَعُ (يَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رَاحَتَيْهِ) ؛ «لِأَنَّ وَائِلًا ﵁ سَجَدَ وَاتَّكَأَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ مَا بَيْنَ وَرِكَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا كَانَ يَسْجُدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (ثُمَّ) يَضَعُ (وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا قَالَ وَائِلٌ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ» مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ (ضَامًّا أَصَابِعَهُ) لَا يُنْدَبُ الضَّمُّ إلَّا هَاهُنَا (مُبْدِيًا) أَيْ مُظْهِرًا (عَضُدَيْهِ مُبْعِدًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا، وَقِيلَ لَا يَفْعَلُهُ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ حَذَرًا عَنْ إضْرَارِ الْجَارِ (وَاضِعًا رِجْلَيْهِ) عَلَى الْأَرْضِ (مُوَجِّهًا أَصَابِعَهُمَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ الْقِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ وَتُلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا (فَيَسْجُدُ) عَطْفٌ عَلَى يُكَبِّرُ (بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَيْهِ قَدَّمَ الْأَنْفَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّجُودِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْأَرْضِ إذَا سَجَدَ (عَلَى مَا يَجِدُ حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ فِيهِ جَبْهَتُهُ) وَحَدُّ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّ السَّاجِدَ إذَا بَالَغَ لَا يُنْزِلُ رَأْسَهُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقُطْنِ الْمَحْلُوجِ وَالتِّبْنِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهَا إلَّا أَنْ يَجِدَ حَجْمَ الْأَرْضِ (فَجَازَ) السُّجُودُ (عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ) أَيْ دَوْرِهَا (وَفَاضِلِ ثَوْبِهِ) كَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ (إذَا وَجَدَ حَجْمَ الْأَرْضِ وَجَازَ عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) بِأَنْ يُصَلِّيَا الظُّهْرَ مَثَلًا حَتَّى إذَا لَمْ يُصَلِّيَا أَوْ صَلَّى الْمَسْجُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ صَلَاةِ السَّاجِدِ لَمْ يَجُزْ (فِي الزِّحَامِ) لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي السَّعَةِ (وَإِنْ كُرِهَ الْأَوَّلَانِ) أَيْ السُّجُودُ عَلَى الْكَوْرِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَلَا عُذْرَ لَهُ وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا.
(قَوْلُهُ وَمَا رُوِيَ. . . إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَفْعَلَ أَيَّهُمَا تَيَسَّرَ جَمْعًا لِلْمَرْوِيَّاتِ بِنَاءً أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا أَحْيَانَا وَهَذَا أَحْيَانَا إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْكَفَّيْنِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمُجَافَاةِ الْمَسْنُونَةِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ كَانَ حَسَنًا اهـ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ ضَامًّا أَصَابِعَهُ) قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي السُّجُودِ فَبِالضَّمِّ يَنَالُ أَكْثَرَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَفْعَلُهُ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ) أَقُولُ، كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ الضَّعْفَ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِمْ قَدْ جَزَمَ فِيهَا بِعَدَمِ فِعْلِهِ فِي الصَّفِّ حِذَارًا عَنْ الْحَرَامِ وَإِضْرَارِ الْجَارِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَةٌ.
(قَوْلُهُ فَيَسْجُدُ بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْأَنْفِ مَا صَلُبَ مِنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَالْجَبْهَةُ مَا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِمَا اكْتَنَفَهُ الْجَبِينَانِ. وَأَمَّا مِقْدَارُ اللَّازِمِ مِنْهَا فَقَالَ فِي التَّجْنِيسِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ إنْ كَانَ أَكْثَرُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَعْزِيًّا إلَى نَصِيرٍ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَصْدُقُ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَكْثَرِهَا كَمَا قَالُوا فِي الْقَدَمَيْنِ يَكْفِي وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ جَازَ وَنَقَلَ كَلَامَ نَصِيرٍ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ نَعَمْ وَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ فَجَازَ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَيْ دَوْرِهَا) أَقُولُ أَيَّ دَوْرٍ مِنْ أَدْوَارِهَا نَزَلَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا جُمْلَتِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَيُقَالُ كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَهَذِهِ الْعِمَامَةُ عَشَرَةُ أَكْوَارٍ وَعِشْرُونَ كَوْرًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَنَبَّهْنَا بِمَا ذَكَرْنَا كَمَا نَبَّهَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ تَنْبِيهًا حَسَنًا وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ إذَا كَانَ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ عَلَى الْقَوْلِ تَعْيِينِهَا وَلَا عَلَى أَنْفِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْيِينِهَا لَا يَصِحُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يَتَسَاهَلُ فِي ذَلِكَ فَيَظُنُّ الْجَوَازَ كَذَلِكَ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَفَاضِلِ ثَوْبِهِ) هَذَا إذَا كَانَ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُصِحُّ الْجَوَازَ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَفِّهِ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَى فَخِذِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَلَوْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لَكِنَّ الْإِيمَاءَ يَكْفِيهِ إذَا كَانَ بِهِ عُذْرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ عَلَى ظَهْرِ مِنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ) أَقُولُ قَيَّدَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنْ يَكُونَ الْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ سَاجِدًا عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ سَاجِدٍ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ لَا يَجُوزُ فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ قُلْت وَيَجُوزُ السُّجُودُ، وَلَوْ زَادَ الظَّهْرَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ لِلضَّرُورَةِ وَيُحْمَلُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ أَرْفَعُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ مِقْدَارَ لَبِنَتَيْنِ مَنْصُوبَتَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ أَرَادَ لَبِنَةَ بُخَارَى وَهِيَ رُبْعُ ذِرَاعٍ اهـ عَلَى غَيْرِ الْحَالَةِ هَذِهِ لَكِنْ هَلْ التَّقْيِيدُ بِالظَّهْرِ اتِّفَاقِيٌّ أَوْ احْتِرَازِيٌّ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ حَتَّى إذَا لَمْ يُصَلِّيَا أَوْ صَلَّى الْمَسْجُودُ عَلَيْهِ. . . إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ لَا عُمُومِ السَّلْبِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ الْأَوَّلَانِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِنَقْلِ «فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ» تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ فَلَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ
стр. 72
وَفَاضِلِ الثَّوْبِ (كَالِاكْتِفَاءِ بِالْأَنْفِ) فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ) فَإِنَّ السُّجُودَ عَلَيْهَا وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِلَا كَرَاهَةٍ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا مَنْظُورٌ فِيهِ (وَيَطْمَئِنُّ) فِي السُّجُودِ (مُسَبِّحًا) أَيْ قَائِلًا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى مَرَّاتٍ (ثَلَاثًا هِيَ أَدْنَاهُ) لِمَا رَوَيْنَا فِي الرُّكُوعِ وَنُدِبَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَخْتِمَ بِالْوِتْرِ كَالْخَمْسِ وَالسَّبْعِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْتِمُ بِالْوِتْرِ» ، وَإِنْ أَمَّ لَا يُطَوِّلُ عَلَى وَجْهٍ يُمِلُّ الْقَوْمَ، وَقَالُوا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنْ الثَّلَاثِ (وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) لِمَا مَرَّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» قِيلَ فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا إذْ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَحَقَّقُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ إذَا أُزِيلَتْ جَبْهَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَجْرِي الرِّيحُ بَيْنَ جَبْهَتِهِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَازَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ (وَيَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا) قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ (وَيُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ مُطْمَئِنًّا) فَإِنْ قِيلَ فَرْضِيَّةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَالْأَمْرُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلِذَا لَمْ يَجِبْ تَكْرَارُ الرُّكُوعِ فَبِمَاذَا ثَبَتَ فَرْضِيَّةُ تَكْرَارِ السُّجُودِ وَلِمَا إذَا تَكَرَّرَ قُلْنَا قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ آيَةَ الصَّلَاةِ مُجْمَلَةٌ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَوْلِهِ وَفَرْضِيَّةُ تَكْرَارِهِ ثَبَتَتْ بِفِعْلِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ تَوَاتُرًا إذْ كُلُّ مَنْ نَقَلَ صَلَاةَ الرَّسُولِ ﷺ نَقَلَ تَكْرَارَ سُجُودِهِ. وَأَمَّا وَجْهُ تَكْرَارِهِ فَقِيلَ إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُطْلَبُ فِيهِ الْمَعْنَى كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَقِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ أُمِرَ بِسَجْدَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فَنَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ تَرْغِيمًا لَهُ، وَقِيلَ الْأُولَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّا خُلِقْنَا مِنْ الْأَرْضِ وَالثَّانِيَةُ إلَى أَنَّا نُعَادُ إلَيْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ الْآيَةَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ) عَلَى عَكْسِ السُّجُودِ (وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا بِلَا اعْتِمَادٍ) عَلَى الْأَرْضِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (وَلَا قُعُودٍ) قَبْلَ الْقِيَامِ يُسَمَّى جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
(وَ) الرَّكْعَةُ (الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى لَكِنْ لَا ثَنَاءَ وَلَا تَعَوُّذَ وَلَا رَفْعَ يَدٍ فِيهَا) أَيْ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَكِنْ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إلَّا مَرَّةً وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كَمَا رَفَعَ فِي الْأُولَى وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْمِيَةِ (تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فَتَذَكَّرَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّكَلُّمِ قَضَاهَا فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي إذَا تَرَكَ سَجْدَةً ثُمَّ تَذَكَّرَهَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ بَعْدَ مَا سَلَّمَ وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ سَجَدَهَا سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا فَاتَتْ عَنْ مَحِلِّهَا الْأَصْلِيِّ وَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ بِفَوَاتِهَا عَنْهُ لِوُجُودِ الْمَحِلِّ فِي الْجُمْلَةِ لِقِيَامِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْضِ حَتَّى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ كَالِاكْتِفَاءِ بِالْأَنْفِ فِي السُّجُودِ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا وَالْأَصَحُّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ بِلَا عُذْرٍ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا صَلُبَ مِنْ الْأَنْفِ. وَأَمَّا مَا لَانَ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِهِمْ.
(قَوْلُهُ فَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا مَنْظُورٌ فِيهِ) أَقُولُ لَا يَتَّجِهُ التَّنْظِيرُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا قَالَهُ رِوَايَةٌ، وَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَنْفِ عُذْرٌ وَعَلَيْهِ رِوَايَةُ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا اهـ.
وَمَا قَالَهُ فِي الْكَنْزِ حَكَاهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا عَنْ الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ ثُمَّ حَكَى قَوْلَ الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ فِي كَلَامِ الْكَنْزِ وَلَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَرْجُوحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ قِيلَ فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَمْ يَجُزْ. . . إلَخْ) أَقُولُ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَيُفْتَرَضُ الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ إلَى قُرْبِ الْقُعُودِ فِي الْأَصَحِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَا زَالَتْ جَبْهَتُهُ مِنْ الْأَرْضِ) أَقُولُ هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِمِقْدَارِ مَا يُسَمَّى رَافِعًا جَازَ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ هُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ. . . إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ النُّهُوضِ وَيُسْتَحَبُّ الْهُبُوطُ بِالْيَمِينِ وَالنُّهُوضُ بِالشِّمَالِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَقُومُ مُسْتَوِيًا بِلَا اعْتِمَادٍ) أَقُولُ سَيَذْكُرُ أَنَّ تَرْكَ الِاعْتِمَادِ سُنَّةً أَيْ لِمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنْ اعْتَمَدَ قَالَ الْوَبَرِيُّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ بِرَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ سَوَاءٌ كَانَ شَيْخًا أَوْ شَابًّا وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَتَرْكُهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا قُعُودَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَخْ) قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ حَتَّى لَوْ فُعِلَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا اهـ لَكِنْ وَجَّهَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ سِيَاقِهِ مِثْلَ الْأَوْجَهِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ
стр. 73
خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ، وَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى السَّجْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَرْفَعُ تَشَهُّدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّشَهُّدِ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ فَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (وَبَعْدَ سَجْدَتَيْهَا يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا نَاصِبًا يُمْنَاهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى فَخِذَيْهِ مُوَجِّهًا أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْعُدُ الْقَعْدَتَيْنِ عَلَى هَذَا» (وَيَتَشَهَّدُ كَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ التَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَهِيَ الْمُلْكُ، وَقِيلَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَقِيلَ الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ السَّلَامَةُ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَجَمِيعِ وُجُوهِ النَّقْصِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّمَا جُمِعَتْ التَّحِيَّاتُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ كَانَ لَهُ تَحِيَّةٌ يُحَيَّا بِهَا فَقِيلَ لَنَا قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ أَيْ الْأَلْفَاظُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُلْكِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَوَاتُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ الْأَدْعِيَةُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ الْعِبَادَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا وَالَاهُ، وَقِيلَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ (وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ هُنَا) أَيْ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى يَعْنِي لَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ (وَيَكْتَفِي بِالْفَاتِحَةِ فِيمَا بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ) عَبَّرَ بِهِ لِيَتَنَاوَلَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ (وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ أَوْ سَكَتَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى السَّجْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ) فِيهِ تَسَامُحٌ وَالْمُرَادُ رَفْعُ الْقُعُودِ.
(قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّشَهُّدِ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ) فِيهِ تَسَامُحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُعُودِ قُدْرَةُ التَّشَهُّدِ لَا حَقِيقَةُ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ فَرْضٌ وَتَرْكَهُ مُفْسِدٌ وَالتَّشَهُّدُ وَاجِبٌ وَتَرْكُهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ التَّشَهُّدُ سُمِّيَ تَشَهُّدًا بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ الْمُلْكُ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي تَفْسِيرِهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ أَحْسَنُهَا أَنَّ التَّحِيَّاتِ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ وَالطَّيِّبَاتِ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةِ فَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ وَلَا يُتَقَرَّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَى مَا سِوَاهُ ثُمَّ هُوَ عَلَى مِثَالِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ فَيُقَدِّمُ الثَّنَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ الْخِدْمَةَ ثَانِيًا ثُمَّ بَذْلَ الْمَالِ ثَالِثًا.
(تَنْبِيهٌ) : اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ مَعَانِي التَّشَهُّدِ لِلِاتِّكَالِ عَلَى الطَّالِبِ فِي بَاقِيهَا وَيَنْبَغِي لَنَا ذِكْرُهَا مُخْتَصَرًا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْصِدُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيَهَا مُرَادَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ بِأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ مَعَانِيَهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا مِنْ عِنْدِهِ كَأَنَّهُ يُحَيِّي اللَّهَ وَيُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَعَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا فِي السِّرَاجِ أَنَّ قَوْلَهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ مِنْ الْمُصَلِّي اهـ.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ مَا أَثْنَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى اللَّهِ ﵎ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَهِيَ سَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ بِمُقَابَلَةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَثْنَى بِهَا، وَالسَّلَامُ تَسْلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ أَوْ تَسْلِيمُهُ مِنْ الْآفَاتِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الرَّحْمَةَ هُنَا الْمُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْإِحْسَانِ وَالْبَرَكَةُ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْخَيْرِ وَيُقَالُ الْبَرَكَةُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ. وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَهُوَ إعْطَاءُ نَصِيبٍ مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَكَرُّمًا لِإِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الشَّارِعِ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ صَالِحٌ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِي ظَنِّي خَوْفًا مِنْ الشَّهَادَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ. وَأَمَّا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَمَعْنَاهُ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعُبُودِيَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ ﷺ وَقُدِّمَتْ الْعُبُودِيَّةُ عَلَى الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ صِفَاتِهِ وَلِذَا وَصَفَهُ سُبْحَانَهُ بِهَا فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠] .
(قَوْلُهُ وَيَكْتَفِي بِالْفَاتِحَةِ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا مُبَاحَةٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ إنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ حَتَّى لَوْ قَرَأَهَا فِيهِمَا سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْ السُّجُودُ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءَ بِهَا أَيْ الْفَاتِحَةِ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الِاخْتِيَارِ مِنْ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ أَوْ سَكَتَ) لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مِقْدَارًا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ سَكَتَ.
وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ إنْ شَاءَ سَكَتَ أَيْ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ قَدْرَهَا وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْأُصُولِ اهـ
стр. 74
جَازَ) لَكِنَّهُ إنْ سَكَتَ عَمْدًا أَسَاءَ، وَإِنْ سَهْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودَ السَّهْوِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتْرُكَهَا، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ (وَمَا سِوَى وَضْعِ الرِّجْلَيْنِ وَتَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْقِرَاءَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ فِي السُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالتَّشَهُّدِ فِيهِمَا) أَيْ الْقَعْدَتَيْنِ (وَالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى) أَيْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (سُنَنٌ) أَرَادَ بِمَا سِوَى الْمَذْكُورَاتِ تَكْبِيرَ السُّجُودِ وَتَسْبِيحَهُ ثَلَاثًا وَوَضْعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَافْتِرَاشَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبَ الْيُمْنَى وَالْقَوْمَةَ وَالْجِلْسَةَ فَإِنَّهَا سُنَنٌ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ وَضْعُ الرِّجْلَيْنِ (فَرْضٌ فِي رِوَايَةٍ) وَهِيَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ حَتَّى إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ، وَلَوْ وَضَعَ إحْدَاهُمَا جَازَ قَالَ قَاضِي خَانْ وَيُكْرَهُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَهُوَ الْحَقُّ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (وَالْبَوَاقِي وَاجِبَةٌ) وَهِيَ تَعْيِينُ الْأُولَيَيْنِ. . . إلَخْ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى التَّشَهُّدِ قَدْرَ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ، وَقِيلَ حَرَّفَ عَمْدًا أَثِمَ أَوْ سَهْوًا سَجَدَ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ (الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ فِيهِ التَّشَهُّدَ إلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ إذَا قُلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا قُلْت هَذَا أَيْ قَرَأَتْ التَّشَهُّدَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي الْقُعُودِ. وَقَوْلُهُ أَوْ فَعَلَتْ هَذَا أَيْ قَعَدَتْ وَلَمْ تَقْرَأْ شَيْئًا فَصَارَ التَّخْيِيرُ فِي الْقَوْلِ لَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَنَاهِيَةٌ وَالتَّنَاهِي لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّمَامِ وَالتَّمَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِتْمَامِ وَذَا إنَّمَا يُعْلَمُ بِبَيَانِ الشَّارِعِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ فَيَكُونُ فَرْضًا فَإِنْ قِيلَ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا نَعَمْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ جَازَ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْحِلُّ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ لَا الْجَوَازُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ الْمُجَامِعِ لِلْكَرَاهَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِمَا أَوْ سَكَتَ جَازَ لِعَدَمِ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا لَكِنْ لَوْ سَكَتَ عَمْدًا يَكُونُ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْكَافِي قَالَ وَيَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ وَهُوَ بَيَانُ الْأَفْضَلِ فِي الصَّحِيحِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاجِبَةٌ رَوَاهُ الْحَسَنُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا كَانَ مُسِيئًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ اهـ.
(قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ. . . إلَخْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَالْقَوْمَةَ) أَيْ إتْمَامَهَا حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَالْجِلْسَةَ) كَذَا نَصَّ فِي الْكَنْزِ عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا وَالْمَذْهَبُ السُّنِّيَّةُ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا إنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الدِّرَايَةِ فَمُسَلَّمٌ لِمَا عَمِلْت مِنْ الْمُوَاظَبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُونَ بِالسُّنِّيَّةِ فَيُتَّبَعُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ.
(قَوْلُهُ وَالْبَوَاقِي وَاجِبَةٌ وَهِيَ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ. . . إلَخْ) شَامِلٌ لِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ قَبْلَهُ عَنْ الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ يُفْتَرَضُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ «لِقَوْلِهِ ﷺ أُمِرَتْ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» ثُمَّ قَالَ، وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَضَعْ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ السَّجْدَةِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَا نَأْخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ شَمِلَ إطْلَاقُهُ أَيْضًا الْقُعُودَ الْأَوَّلَ وَتَشَهُّدَهُ أَيْ وُجُوبَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ بِسُنِّيَّتِهِمَا أَوْ بِسُنِّيَّةِ التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ وَحْدَهَا فَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ وَيَضَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ فِي الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ وَاحْتَرَزْنَا بِالصَّحِيحِ عَنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ وَبِقَوْلِنَا بِالْمُسَبِّحَةِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْقِدُ يُمْنَاهُ عِنْدَ الْإِشَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حُكْمَ الْيَدَيْنِ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ وَضْعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ هَلْ يُسَنُّ أَوْ يَجِبُ رَفْعُهُمَا وَوَضْعُهُمَا عَلَى الْفَخِذَيْنِ فَلْيُنْظَرْ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ) أَقُولُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي رُكْنِيَّتِهَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَيْسَتْ رُكْنًا.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْخُرُوجِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِثَمَرَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَصَارَ التَّخْيِيرُ فِي الْقَوْلِ) لَيْسَ فِي لَفْظِ النُّبُوَّةِ هَذَا مَا يُفِيدُ التَّخْيِيرَ بَلْ بَيَانُ مَا بِهِ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، وَتَرْكُ التَّشَهُّدِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَصَارَ الْفِعْلُ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ دُونَ الْقَوْلِ لَكِنْ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ وَنَصِّهِ ثُمَّ قَالَ «إذَا فَعَلْت هَذَا أَوْ قُلْت هَذَا فَقَدْ قَضَيْت صَلَاتَك إنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ»
стр. 75
لَا تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً أَمَّا إذَا بَيَّنَ الْمُجْمَلَ بِهِ فَتَثْبُتُ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قِيلَ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْقَعْدَةِ مَا يَأْتِي فِيهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ مَا اُخْتِيرَ فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ هَاهُنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ (وَهِيَ) أَيْ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ (كَالْأُولَى) فِي افْتِرَاشِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبِ الْيُمْنَى (لَكِنَّهُ يَزِيدُ هَاهُنَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ) ﷺ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَفَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَقْصِيرَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ إذْ الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِإِتْيَانِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ (وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ وَدَعَا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ (بِمَا يُشْبِهُ الْقُرْآنَ) أَيْ بِمَا يُشْبِهُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ أَوْ يَقُولَ اغْفِرْ لِأَبِي (أَوْ الْمَأْثُورَ) عَطْفٌ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْقُرْآنَ أَيْ بِالْمَرْوِيِّ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ ثُمَّ قِيلَ الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْقَعْدَةِ. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِصِيغَةِ زَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَدْرَ. . . إلَخْ.
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَقُولُ وَالْمَسْبُوقُ يَزِيدُهُ أَيْضًا كَالْإِمَامِ تَبَعًا لَهُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إنَّمَا لَا يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَرْكَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ خُصُوصًا إذَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ (قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. . . إلَخْ) أَقُولُ إلَّا أَنَّهَا تُقْتَرَضُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً إذْ لَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ صَلُّوا التَّكْرَارَ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بَلْ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِسَبَبٍ مُتَكَرِّرٍ وَهُوَ الذِّكْرُ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَصَحَّحَ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ مَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يَتَدَاخَلُ الْوُجُوبُ فَيَكْفِيهِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَكَرَّرُ مِنْ غَيْرِ تَدَاخُلٍ صَحَّحَ فِي الْكَافِي مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْأَوَّلَ وَأَنَّ الزَّائِدَ نَدْبٌ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الثَّانِيَ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْبُرْهَانِ الِافْتِرَاضُ كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ إنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا اهـ قُلْت وَبَقِيَ تَصْحِيحٌ آخَرُ ذَكَرُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ، قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كُلَّمَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ صَرَّحَ بِهَا ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ تَكْرَارِ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي إفْصَاحِ ابْنِ هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي الْعَالَمِينَ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فَمَا فِي السِّرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ ضَعِيفٌ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) أَعَادَ حَرْفَ الْجَرِّ فِي الْآلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ آلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَاخْتُلِفَ فِيهِمْ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ قَرَابَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إمَّا رَاجِعٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ الْمُشَبَّهِ، وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ وَالدِّرَايَةِ أَجْوِبَةً جَمَّةً فَلْتُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ السَّلَامِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ﵀ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَيَدْعُو. . . إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فَقَالَ وَيَدْعُو بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا قَدَّمَهَا عَلَى دُعَائِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بَابَ الْمَلِكِ لَا بُدَّ مِنْ التُّحْفَةِ لِخَاصَّتِهِ وَأَخَصُّ خَوَاصِّهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَتُحْفَتُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا عَلَيْهِ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَجَابَةٌ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْمُسْتَجَابِ يُرْجَى أَنْ يُسْتَجَابَ؛ لِأَنَّ الْكَرِيمَ بَعْدَ إجَابَتِهِ أَوَّلَ الْمَسْئُولَاتِ لَا يَرُدُّ بَاقِيَهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ. . . إلَخْ) أَقُولُ قَدَّمَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمْعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْذِيبِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّارِ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَالدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِ بِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَكْذِيبِ الْآحَادِ وَالْقَطْعِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ غَيْرُ عَاصٍ بِالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الشِّرْكِ عَقْلًا قِيلَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ فَيَجُوزُ مِنْ اللَّهِ
стр. 76
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاعْفَرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (لَا كَلَامَ النَّاسِ) أَيْ لَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ فَهُوَ كَلَامُهُمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ فَلَيْسَ بِكَلَامِهِمْ، ثُمَّ الْمُفْسِدُ إنَّمَا يُفْسِدُ إذَا لَمْ يَقْعُدْ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا إذَا قَعَدَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَ) لَكِنَّ (الْمَرْأَةَ تَتَوَرَّكُ) أَيْ تُخْرِجُ رِجْلَيْهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَتُمَكِّنُ وَرْكَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا أَسْتَرُ لَهَا وَمَبْنَى حَالِهَا عَلَى السَّتْرِ (فِيهِمَا) أَيْ الْقَعْدَتَيْنِ (وَالصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ سُنَّتَانِ) الْأَوَّلُ فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ (تَرْتِيبُ الْقِيَامِ) أَيْ تَقْدِيمُهُ بِقَصْدِ التَّرْتِيبِ (عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ) حَتَّى لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُوجَدُ إلَّا بِذَلِكَ، كَذَا فِي الْكَافِي وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَهَا مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ شَرْعًا مِنْ أَجْزَاءٍ مَادِّيَّةٍ هِيَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَجُزْءٌ صُورِيٌّ هِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقِرَاءَةَ مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَادِّيَّةِ أَيْضًا إذْ لَا دَخْلَ لَهَا فِي حُصُولِ الْجُزْءِ الصُّورِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَحَلًّا مَخْصُوصًا بِطَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا عَيَّنَ لِبَاقِي الْأَرْكَانِ بَلْ جَعَلَهَا فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ تُرِكَتْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَوُجِدَتْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَإِنَّمَا لَا تَصِحُّ لَوْ تُرِكَتْ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِهَذَا السِّرِّ الدَّقِيقِ جَعَلُوا مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا الْفَرَائِضِ وَاقْتَصَرُوا فِي التَّمْثِيلِ لِوُجُوبِ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَرْكَانِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي فِي آخِرِ بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ مَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ صُورَةً وَمَعْنًى فِي مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ شُرِعَ فَإِذَا غَيَّرَهُ فَقَدْ قَلَبَ الْفِعْلَ وَعَكَسَهُ وَقَلْبُ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ مَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عِنْدَ عَدِّ الْوَاجِبَاتِ وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مَا شُرِعَ مُكَرَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ كَالسَّجْدَةِ فَإِنْ تَرَكَ الثَّانِيَةَ سَاهِيًا وَقَامَ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فَتَذَكَّرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ كَمَا مَرَّ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا شُرِعَ غَيْرَ مُكَرَّرٍ فِيهَا كَالرُّكُوعِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ لَا تَقَعُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ مُعْتَدًّا بِهَا بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ حَتَّى قَالَ فِي الْجَلَّالِيَّةِ التَّرْتِيبُ فَرْضٌ فِيمَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ فِيمَا تَعَدَّدَتْ شَرْعِيَّتُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَانْحَطَّ عَنْ رُكُوعِهِ فَسَجَدَهَا لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرُّكُوعِ فَإِنْ قِيلَ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فَرْضٌ كَالْأُولَى وَمِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَادِّيَّةِ فَأَيُّ سِرٍّ فِي جَعْلِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا لَا فَرْضًا قُلْنَا السِّرُّ فِيهِ أَنَّ أَصْلَ السَّجْدَةِ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْجُدُوا وَتَكْرَارُهَا بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ كَمَا سَبَقَ فَإِذَا وُجِدَتْ الْأُولَى فِي مَحَلِّهَا فَقَدْ حَصَلَ التَّرْتِيبُ الْمَفْرُوضُ لِوُجُودِ مُقْتَضَى النَّصِّ، وَلَوْ فُرِضَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَزِمَ مُسَاوَاةُ مَا ثَبَتَ بِالْفِعْلِ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الثَّانِي وَيُعْلَمُ أَيْضًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الْعَرَبِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لَيْسَ بِحَتْمٍ عِنْدَنَا أَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بَلْ الْعَفْوُ عَنْ الْجَمِيعِ مَرْجُوٌّ لِمُوجَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] اهـ فَيَجُوزُ أَنْ يَطْلُبَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْأَمْرَ الْجَائِزَ الْوُقُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا اهـ.
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ) مُسْتَدْرَكٌ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا أَيْ مِنْ الْفُرُوضِ تَرْتِيبُ الْقِيَامِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَمِنْهَا تَرْتِيبُ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ عَلَى غَيْرِهِ كَالسُّجُودِ حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْقُعُودِ سَجْدَةً أَوْ نَحْوَهَا بَطَلَ الْقُعُودُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ فَرْضٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ أَيْ تَقْدِيمُهُ بِقَصْدِ التَّرْتِيبِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا فِي مَحَالِّهَا وَهُوَ لَا يَشْتَرِطُ تَحْصِيلُهُ.
(قَوْلُهُ وَجُزْءٌ صُورِيٌّ هِيَ الْهَيْئَةُ) أَنَّثَ الْعَائِدَ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْجِعُ مُذَكَّرًا رِعَايَةً لِلْخَبَرِ الْهَيْئَةُ
стр. 77
تَحْقِيقُ مَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَمَّا تَقْدِيمُ الرُّكْنِ نَحْوُ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ خَاصَّةً وَاجِبَةٌ عِنْدَهُمْ وَفَرْضٌ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَقِيسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْمَرْتَبَةِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْأَرْكَانِ بِمَا ذَكَرْنَا وَيُعْلَمُ مِنْ جَمِيع مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَنَّ كَلَامَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ هَاهُنَا مُخْتَلٌّ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَكَرَّرَ لَيْسَ قَيْدًا. . . إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَمَّا شُرِعَ غَيْرَ مُكَرَّرٍ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ كَالرُّكُوعِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ لَا يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ إيرَادَهُمْ لِنَظِيرِ تَقْدِيمِ الرُّكْنِ الرُّكُوعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي التَّرْتِيبِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَعُلِمَ أَنَّ رِعَايَةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي صُورَةٍ بِخُصُوصِهَا وُجُوبُ رِعَايَتِهِ فِي صُورَةٍ خَالِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ الْخُصُوصِ. وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ وَيَخْطُرُ بِبَالِي. . . إلَخْ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْطُرَ بِالْبَالِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ نَفْسُهُ فِي مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَرْكَانِ وَتَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ بَلْ هُوَ شَرْطٌ وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ سَيَأْتِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فَرْضًا إذَا أَمْكَنَ فَكُّ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا لِيَكُونَ مَقْدُورًا فَيَكُونَ فَرْضًا وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَخِيرَةٌ وَتَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ لَا تَقْبَلُ فَكَّ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ تَوْجِيهًا لِكَلَامِ الْهِدَايَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِي لِكَشْفِ أَسْرَارِ هَذَا الْمَقَامِ وَتَحْقِيقِهِ، وَقَدْ وَقَعَ هَاهُنَا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ السَّلَفِ وَمَنْ حَالُهُ حِرْصٌ عَلَى رَدِّ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ وَشَغَفٌ مَا يَتَعَجَّبُ النَّاظِرُ فِيهِ مِنْ حَالِهِ وَيَقِيسُ عَلَيْهِ سَائِرَ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ مَقَالِهِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَرَائِضِ (الْخُرُوجُ) مِنْ الصَّلَاةِ (بِصُنْعِهِ) أَيْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا لَهُمَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ يُضَادُّ الصَّلَاةَ فَلَا يَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَلَهُ أَنَّ لِلصَّلَاةِ تَحْرِيمًا وَتَحْلِيلًا فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِصَنْعَةٍ كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ وَكُلُّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ إيرَادَهُمْ) أَقُولُ إنْ أَرَادَ نَحْوَ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ فَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَهَا وَأَنَّ الْمُرَادَ لَازِمُ التَّقْدِيمِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْقِرَاءَةِ عَنْ الرُّكُوعِ فَصَدَقَ قَوْلُهُمْ الرُّكُوعُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يُوجِبُ السَّهْوَ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ مَعَ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ صَحِيحٌ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الْقِيَامِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ تَقْدِيمِ الْمُتَّحِدِ شَرْعِيَّةً عَلَى مِثْلِهِ. (قَوْلُهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ) يَعْنِي مِنْ بَيَانِ فَرْضِ التَّرْتِيبِ فِيمَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوهُ لِبَيَانِ مَا يُفْتَرَضُ تَرْتِيبُهُ وَلَيْسَ إلَّا لِبَيَانِ مَا يَجِبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي رُبَاعِيَّةٍ أَمَّا الثُّنَائِيَّةُ وَبَاقِي الْمَغْرِبِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَى مِنْهَا فَيُفْتَرَضُ تَقْدِيمُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فِيهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ بِتَرْكِهِ فِيهَا فَقَوْلُهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ مَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَا فَاعْلَمْهُ.
(قَوْلُهُ إذْ لَا يَلْزَمُ. . . إلَخْ) يَعْنِي فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ فِي صُورَةٍ خَالِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ الْخُصُوصِ إمَّا فَرْضًا أَوْ سُنَّةً.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا) إنْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ لِكَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي مَتْنِهِ فَالْمُرَادُ الْأَرْكَانُ الْمُتَكَرِّرَةُ فِي الرَّكْعَةِ وَإِلَّا فَالْمُتَّحِدَةُ.
(قَوْلُهُ وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ سَيَأْتِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ) أَقُولُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بَلْ قَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ بِقَوْلِهِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ الْقُعُودُ الْأَخِيرُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سُلِّمَ) أَيْ مَا خَطَرَ لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ.
(قَوْلُهُ فَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فَرْضًا إذَا أَمْكَنَ فَكُّ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا) أَقُولُ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّوَابُ نَفْيُ الْفَرْضِيَّةِ مَعَ إمْكَانِ فَكِّ التَّرْتِيبِ فَيُقَالُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّمَا لَا يَكُونُ فَرْضًا إذَا أَمْكَنَ فَكُّ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ لِيَكُونَ مَقْدُورًا فَيَكُونَ فَرْضًا) ضَمِيرُهُ يَرْجِعُ لِلتَّرْتِيبِ فَالْمَعْنَى إذَا أَمْكَنَ فَكُّ التَّرْتِيبِ كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا مَقْدُورًا فَرْضًا وَهَذَا بَاطِلٌ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَتَى أَمْكَنَ فَكُّ التَّرْتِيبِ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا.
(قَوْلُهُ وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ. . . إلَخْ) حَاصِلُهُ عَلَى مَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا بَلْ وَاجِبَةً فِيمَا بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُمْكِنُ فَكُّ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا لِلْقُدْرَةِ عَلَى تَدَارُكِ الْمَتْرُوكِ وَصِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ فَكَّ التَّرْتِيبِ فَرْضٌ كَالسُّجُودِ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يَصِحُّ بِتَدَارُكِ الرُّكُوعِ وَحْدَهُ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِي. . . إلَخْ) قَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ مَنْ حَشَّى عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَكَذَا صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ وَأَجَابَ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مُحَشِّي هَذَا الْكِتَابِ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيُرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهَا الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا) أَقُولُ هَذَا عَلَى تَخْرِيجِ الْبَرْدَعِيِّ أَخَذَهُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ فَقَالَ لَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ فَرْضٌ لَمَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا وَعَلَى تَخَرُّجِ الْكَرْخِيِّ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَسَنَذْكُرُهُ ثُمَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 78
مِثْلَهُ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَقُولُ فِي قَوْلِهِ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. . . إلَخْ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ الرُّكْنِيَّةِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْفَرِيضَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَالتَّحْرِيمَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ اسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ إنَّ لِلصَّلَاةِ تَحْرِيمًا وَتَحْلِيلًا. وَبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْخُرُوجِ بِقَوْلِهِ (يُسَلِّمُ) الْمُصَلِّي (مَعَ الْإِمَامِ) أَيْ مُقَارِنًا سَلَامَهُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا فِي التَّحْرِيمَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بَعْدَ الْإِمَامِ كَمَا مَرَّ وَعِنْدَهُمَا يُسَلِّمُ بَعْدَهُ كَمَا يُكَبِّرُ لِلتَّحْرِيمَةِ بَعْدَهُ (عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ) فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إلَى جَانِبَيْهِ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» (نَاوِيًا) بِخِطَابِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ، وَقِيلَ لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَحْضُرْنَ الْمَسْجِدَ غَالِبًا، وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَنْ يَسَارِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُمْ بِوَجْهِهِ وَيُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِ فَيَنْوِيهِمْ بِجَنَانِهِ إذْ السَّلَامُ قُرْبَةٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
(وَ) نَاوِيًا (الْإِمَامَ فِي جَانِبِهِ وَفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ) يَعْنِي يَنْوِي إمَامَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَهُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالْتِزَامِ صَلَاتِهِمْ صِحَّةً وَفَسَادًا، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ نَوَاهُ فِيهِمْ، وَلَوْ فِي الْأَيْسَرِ نَوَاهُ فِيهِمْ، وَلَوْ بِحِذَائِهِ نَوَاهُ بِالْأَوْلَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذْ تَعَارَضَ الْجَانِبَانِ فَرَجَّحَ الْيَمِينَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَنْوِي فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَ التَّعَارُضِ مُمْكِنٌ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ (وَ) يُسَلِّمُ (الْإِمَامُ) نَاوِيًا (بِهِمَا) أَيْ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ وَالْمُرَادُ خِطَابُهُمَا (الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ، وَ) يُسَلِّمُ (الْمُنْفَرِدُ) نَاوِيًا بِهِمَا (الْحَفَظَةَ فَقَطْ) إذْ لَيْسَ مَعَهُ سِوَاهُمْ وَلَا يَصِحُّ خِطَابُ الْغَائِبِ (وَهُوَ) أَيْ لَفْظُ السَّلَامِ (وَاجِبٌ وَالْبَوَاقِي سُنَنٌ) وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (وَلَهَا) أَيْ لِلصَّلَاةِ (وَاجِبَاتٌ أُخَرُ كَرِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا تَكَرَّرَ فِي الرَّكْعَةِ كَالسَّجْدَةِ) ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ (وَتَرْكِ التَّكْرِيرِ فِيمَا فُرِضَ غَيْرَ مُكَرَّرٍ كَالرُّكُوعِ) حَتَّى لَوْ كَرَّرَهُ عَمْدًا أَثِمَ أَوْ سَهْوًا وَجَبَ السَّجْدَةُ (وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَالْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فِيمَا يُجْهَرُ وَيُسَرُّ) بِقَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ هُمَا سُنَّتَانِ حَتَّى لَا يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِمَا (وَلَهَا آدَابٌ هِيَ نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) حَالَ الْقِيَامِ وَإِلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ حَالَ الرُّكُوعِ وَإِلَى أَرْنَبَتِهِ حَالَ السُّجُودِ وَإِلَى حِجْرِهِ فِي قُعُودِهِ وَإِلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ حَالَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَإِلَى الْأَيْسَرِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخُشُوعُ وَتَرْكُ التَّكَلُّفِ فَإِذَا تَرَكَهُ وَقَعَ بَصَرُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ (وَكَظْمُ فَمِهِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ) يَعْنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
(قَوْلُهُ أَقُولُ فِي قَوْلِهِ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ. . . إلَخْ) الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِجُلَّتِهَا حَقِيقَتُهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمْلَةِ مَا تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ يُسَلِّمُ الْمُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ) أَقُولُ أَيْ إنْ كَانَ فَرَغَ الْمُصَلِّي مِنْ التَّشَهُّدِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ) : يُشْتَرَطُ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْفَرَائِضِ فِي الْيَقِظَةِ فَلَوْ أَتَى بِأَحَدِهَا نَائِمًا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ بَلْ يُعِيدُهُ وَنَوْمُهُ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ لَا يُبْطِلُهُ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ النَّوْمِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِتْيَانِ بِهَا يَقَظَةً أَنَّ النَّائِمَ إذَا أَتَى بِرَكْعَةٍ تَامَّةٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَهَا يُسَلِّمُ بَعْدَهُ) الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا الْجَوَازِ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ) هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَمِيلُ قَلِيلًا إلَى الْيَمِينِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا قَوْلُ الْعَامَّةِ وَبِمُجَرَّدِ لَفْظِ السَّلَامِ يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَلَيْكُمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَمِينِ فَلَوْ قَالَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ. . . إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى.
وَقَالَ الْكَمَالُ، وَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ أَوَّلًا يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يُعِيدُ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ أُخْرَى اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَنَسِيَ يَسَارَهُ حَتَّى قَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ. (قَوْلُهُ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. . . إلَخْ) هُوَ السُّنَّةُ فَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَجْزَأَهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ بِكَرَاهَةِ الْأَخِيرِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ وَبَرَكَاتُهُ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثَابِتٌ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد اهـ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) أَقُولُ وَمُؤْمِنِي الْجِنِّ أَيْضًا وَيُزَادُ عَلَيْهِ نِيَّةُ مَنْ كَأَنَّهُ أَمَامَهُ أَوْ وَرَاءَهُ بِالدَّلَالَةِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْوِي جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْحَفَظَةَ) أَخَّرَهُ لِلْإِشْعَارِ بِالتَّفْضِيلِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالتَّفْصِيلُ فِي ذَلِكَ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
(قَوْلُهُ وَيُسَلِّمُ الْإِمَامُ. . . إلَخْ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ لَا يَنْوِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَيْهِمْ بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ يَنْوِي بِالْأُولَى لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ لَفْظُ السَّلَامِ وَاجِبٌ) أَقُولُ أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْوَاجِبُ لَفْظُ السَّلَامِ دُونَ عَلَيْكُمْ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْبَوَاقِي سُنَنٌ) أَقُولُ حَتَّى الِالْتِفَاتُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ يَمِينًا وَيَسَارًا وَالْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ فِيهِمَا
стр. 79
أَيْ سَتْرُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» (وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ (وَدَفْعُ السُّعَالِ مَا اسْتَطَاعَ) ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُفْسِدُهَا فَيَجْتَنِبُهُ مَا أَمْكَنَ (وَالْقِيَامُ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الْأُولَى) يَعْنِي حِينَ يُقَالُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِ إذْ مَعْنَاهُ هَلُمَّ وَأَقْبِلْ فَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَيْهِ (وَالشُّرُوعُ عِنْدَ قَامَتْ الصَّلَاةُ) ؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمِينٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ فَيُشْرَعُ عِنْدَهُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْكَذِبِ.
فَصْلٌ
(الْإِمَامُ يَجْهَرُ فِي الْفَجْرِ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ أَدَاءً وَقَضَاءً وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالتَّرَاوِيحِ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا (إلَّا فِي قُنُوتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ (وَالْمُنْفَرِدُ يُخَيَّرُ فِي) الصَّلَاةِ (الْجَهْرِيَّةِ إنْ أَدَّى) أَيْ إذَا أَرَادَ الْمُنْفَرِدُ الْأَدَاءَ خُيِّرَ إنْ شَاءَ جَهَرَ لِكَوْنِهِ إمَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ وَيُرْوَى إنْ صَلَّى عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ إذْ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ قَيَّدَ بِالْجَهْرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ) أَقُولُ يَعْنِي إنْ كَانَ رَجُلًا.
(قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الْأُولَى) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَاضِرًا بِقُرْبٍ مِنْ الْمِحْرَابِ وَإِلَّا فَيَقُومُ كُلُّ صَفٍّ حِينَ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِمَامُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ قُدَّامَ وَقَفُوا حِينَ يَقَعُ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَالشُّرُوعُ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(تَتِمَّةٌ) : سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِلْجُلُوسِ لِلْإِتْيَانِ بِالدُّعَاءِ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِتْيَانِ بِالسُّنَنِ لَكِنْ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرْضَ وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ. وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ حَتَّى يَتَشَوَّشَ الصُّفُوفَ، كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ اهـ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِذِكْرِ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَوْرَادِ الَّتِي وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا لَكِنَّهُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا بَعْدَهَا سُنَّةً فَالسُّنَّةُ وَصْلُهَا بِالْفَرْضِ وَرَجَّحَ كَرَاهَةَ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ بِالْأَذْكَارِ وَالْأَوْرَادِ وَالْأَدْعِيَةِ وَمُقَابِلُ مَا رَجَّحَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَيْنَهُمَا الْأَوْرَادَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ اهـ.
وَالْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَأَنْ يَقْرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَكَذَلِكَ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللَّهُ عَلَى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ إلَّا أَنَّهُ ضَعَّفَ إسْنَادَهُ وَيَقْرَأُ الْمُعَوِّذَاتِ وَيُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ وَيُكَبِّرُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُهَلِّلُ مَرَّةً لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ. وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَوَرَدَ فِي فَضْلِهَا غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْجَامِعَةِ الْمَأْثُورَةِ لِقَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ قَالَ جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ رَافِعًا يَدَيْهِ حِذَاءَ صَدْرِهِ جَاعِلًا بُطُونَ يَدَيْهِ مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ بِخُشُوعٍ وَسُكُونٍ ثُمَّ يَخْتِمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ [الصافات: ١٨٠] الْآيَةَ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنْ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ إذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ سُبْحَانَ رَبِّك الْآيَةَ وَيَمْسَحُ يَدَيْهِ، وَوَجْهَهُ فِي آخِرِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبَاطِنِ كَفَّيْك وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا فَإِذَا فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
[فَصْلٌ فِي الْإِمَامَة]
(فَصْلٌ) .
(قَوْلُهُ الْإِمَامُ يَجْهَرُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الْجَهْرِ اهـ.
وَإِذَا جَهَرَ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ فَقَدْ أَسَاءَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ إلَّا فِي قُنُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجْهَرُ فِي قُنُوتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَأْثُورَ فِيهِ الْإِخْفَاءُ وَهَذَا كَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَيُسِرُّ بِهِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ وَالْمُقْتَدِي وَمَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ فِي حَقِّ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَيُرْوَى أَنَّ مَنْ صَلَّى. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ قَالَ وَلَكِنْ لَا يُبَالِغُ أَيْ الْمُنْفَرِدُ فِي الْجَهْرِ مِثْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ قَيَّدَ بِالْجَهْرِيَّةِ. . . إلَخْ) ، كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ قَالَ، وَذَكَرَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُخَيَّرُ فِيمَا يُخَافَتُ أَيْضًا اسْتِدْلَالًا بِعَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ إذَا جَهَرَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْجَهْرَ وَالْإِسْمَاعَ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ فِيمَا دَفَعَ بِهِ شَارِحُ الْكَنْزِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا نُنْكِرُ أَنَّ وَاجِبًا قَدْ يَكُونُ آكَدًا مِنْ وَاجِبٍ لَكِنْ لَمْ يُنَطْ وُجُوبُ السُّجُودِ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ لَا بِآكَدِ الْوَاجِبَاتِ أَوْ بِرُتْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْهُ فَحَيْثُ
стр. 80
لَا يُخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا بَلْ يُخَافِتُ فِيهِ حَتْمًا هُوَ الصَّحِيحُ (كَمُتَنَفِّلٍ بِاللَّيْلِ) فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ (وَقِيلَ يُخَافِتُ) الْمُنْفَرِدُ (إنْ قَضَى الْجَهْرِيَّةَ كَمُتَنَفِّلٍ بِالنَّهَارِ) فِي الْهِدَايَةِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَقَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا وَلَا يَتَخَيَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا (وَقِيلَ يُخَيَّرُ) فِي الْكَافِي مَنْ قَضَى الْعِشَاءَ نَهَارًا إنْ أَمَّ جَهَرَ وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ خُيِّرَ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الصَّحِيحُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَالْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي شُرُوحِهِمْ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ سَبَبَيْ الْجَهْرِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ انْتَفَى كُلٌّ مِنْهُمَا فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ. وَأَمَّا مُوَافَقَةُ الْقَضَاءِ الْأَدَاءَ فَلَيْسَ عَلَى سَبَبِيَّتِهَا إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ فَجَعْلُهَا سَبَبًا يَكُونُ إثْبَاتَ سَبَبٍ بِالرَّأْيِ ابْتِدَاءً وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَعَلَّ هَذَا حَمَلَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ عَلَى حَصْرِ الصِّحَّةِ فِيهِ فَيَكُونُ مُرَادُهُ الصِّحَّةَ دِرَايَةً لَا رِوَايَةً أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَنْتَفِي إذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى حَصْرِ السَّبَبِيَّةِ فِي الْمَذْكُورَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَيْفَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْحَصْرِ إجْمَاعٌ لَمَا حَصَلَ الذُّهُولُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ بَلْ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا سَبَبًا لِلْجَهْرِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ وَجَوَازُ الْجَهْرِ فِي الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ بَلْ أَفْضَلِيَّتُهُ مُعَلَّلٌ بِمَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ كَمَا هِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْأَدَاءِ مَشْرُوعَةٌ أَيْضًا فِي الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ فِي قَضَاءِ الْمُنْفَرِدِ الْجَهْرِيَّةَ أَيْضًا أَفْضَلَ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ دِرَايَةً أَيْضًا وَلِذَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَافِي
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَانَتْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُنْفَرِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ اهـ قُلْت وَمَا ذَكَرَهُ عِصَامٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ أَيْ وُجُوبُ الْمُخَافَتَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُخَافِتُ الْمُنْفَرِدُ إنْ قَضَى الْجَهْرِيَّةَ. . . إلَخْ) أَقُولُ جَعَلَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْهِدَايَةِ سَنَدًا لِقَوْلِهِ قِيلَ يُخَافِتُ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْكَافِي سَنَدًا لِقَوْلِهِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ وَالْأَكْثَرُ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْكَافِي فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا كَيْفَ، وَقَدْ ذَكَرَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ مُخَالَفَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ فِي قَضَاءِ الْمُنْفَرِدِ الْجَهْرِيَّةَ أَيْضًا أَفْضَلَ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ) أَقُولُ الْحَدِيثُ هُوَ مَا قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ وَيُرْوَى أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ. . . إلَخْ، وَقَدْ نَظَرَ الْكَمَالُ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُخَافَتَةُ فِي الْجَهْرِيَّةِ إذَا قَضَاهَا نَهَارًا فَقَالَ: وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ. . . إلَخْ حَاصِلُهُ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَنْتَفِي بِنَفْيِ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَعْلُومُ مِنْ الشَّرْعِيِّ كَوْنُ الْجَهْرِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ تَخْيِيرًا فِي الْوَقْتِ وَحَتْمًا عَلَى الْإِمَامِ مُطْلَقًا، وَلَوْلَا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ لَقُلْنَا بِتَقْيِيدِهِ بِالْوَقْتِ فِي الْإِمَامِ أَيْضًا وَمِثْلُهُ فِي الْمُنْفَرِدِ مَعْدُومٌ فَيَبْقَى الْجَهْرُ فِي حَقِّهِ عَلَى الِانْتِفَاءِ الْأَصْلِيِّ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ شَرْعِيَّةُ الْإِخْفَاءِ وَالْجَهْرُ بِعَارِضِ دَلِيلٍ آخَرَ فَعِنْدَ فَقْدِهِ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ ظَاهِرُ نَقْلِهِمْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فَشَرَعَ الْكُفَّارُ يُغَلِّطُونَهُ فَأَخْفَى ﷺ إلَّا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ» فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُيَّبًا نَائِمِينَ وَبِالطَّعَامِ مَشْغُولِينَ فَاسْتَقَرَّ كَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَصْلَ الْجَهْرُ وَالْإِخْفَاءُ بِعَارِضٍ وَأَيْضًا نَفْيُ الْمُدْرَكِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى أَدَائِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِمَا الْإِعْلَامَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ سُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ يُعْلِمُهُ بِهِمَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ رُوِيَ مَنْ صَلَّى عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ اهـ.
وَرَأَيْت بِهَامِشِ فَتْحِ الْقَدِيرِ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا صُورَتُهُ هَذَا الْقِيَاسُ لَمْ أَرَهُ إلَّا لِشَيْخِنَا وَاسْتَقَرَّ كَلَامُ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا سَمْعَ فِيهَا وَعِنْدِي أَنَّ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا» دَلِيلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ. وَقَوْلُهُ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا يَعُمُّ الْإِمَامَ وَيَعُمُّ الْجَهْرَ وَغَيْرَهُ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي غَدَاةِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ قَالَ فَفَعَلْنَا، وَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ» فَإِنَّ مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ يَعُمُّ الْجَهْرَ وَمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ يَعُمُّ الْمُنْفَرِدَ وَغَيْرَهُ اهـ.
وَكَذَا تَعَقَّبَ الْهِدَايَةِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ مَعْلُولًا بِعِلَلٍ شَتَّى وَعِلَّةُ الْجَهْرِ هُنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يُحَاكِي الْأَدَاءَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْقَضَاءِ كَالْأَدَاءِ اهـ فَبِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَوَّلَ إلَّا عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْكَافِي كَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ وَلِذَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَافِي) أَيْ اخْتَارَ التَّخْيِيرَ لِمَنْ قَضَى الْعِشَاءَ نَهَارًا وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ كَمَا قَدَّمَهُ.
(قَوْلُهُ الْجَهْرُ إسْمَاعُ غَيْرِهِ) أَطْلَقَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَا يَكُونُ جَهْرًا وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ.
(قَوْلُهُ وَالْمُخَافَتَةُ
стр. 81
(الْجَهْرُ إسْمَاعُ غَيْرِهِ وَالْمُخَافَتَةُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ) هَذَا مُخْتَارُ الْهِنْدُوَانِيِّ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ الْجَهْرُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ وَالْمُخَافَتَةُ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ لَا الصِّمَاخِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا تُسَمَّى قِرَاءَةً بِلَا صَوْتٍ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ فِي التِّلَاوَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
(تَرَكَ سُورَةَ أُولَيَيْ الْعِشَاءِ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَرَأَهَا) أَيْ السُّورَةَ (مَعَ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ) فِي الْأُولَيَيْنِ (لَا) أَيْ لَا يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْأُخْرَيَيْنِ فَلَوْ قَضَى فِيهِمَا فَاتِحَةَ الْأُولَيَيْنِ لَزِمَ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
(وَتُطَالُ أُولَى الْفَجْرِ) عَلَى الثَّانِيَةِ (فَقَطْ) أَيْ لَا أُولَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْفَجْرِ إجْمَاعًا لِيُدْرِكَ النَّاسُ الْجَمَاعَةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إسْمَاعُ نَفْسِهِ) قَالَ فِي الْكَافِي إلَّا لِمَانِعٍ أَيْ فَيَكْفِي مَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ لَسَمَّعَ نَفْسَهُ.
(قَوْلُهُ هَذَا مُخْتَارُ الْهِنْدُوَانِيِّ) أَقُولُ، وَكَذَا قَالَ الْفَضْلِيُّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعُ غَيْرَهُ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ الْأَصَحُّ أَنْ لَا يَجْزِيهِ مَا لَمْ يَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَيَسْمَعْ مَنْ بِقُرْبِهِ كَمَا فِي الْكَافِي وَمُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ لِلْعَيْنِيِّ (قَوْلُهُ كَالتَّسْمِيَةِ. . . إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا الْإِيلَاءُ وَالْبَيْعُ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ الصَّحِيحُ فِي الْبَيْع أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَ الْمُشْتَرِيَ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فِي شَرْحِ مُخْتَلَفَاتِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدِي أَنَّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُكْتَفَى بِسَمَاعِهِ وَفِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ سَمَاعُ غَيْرِهِ مَثَلًا فِي الْبَيْعِ لَوْ أَدْنَى الْمُشْتَرِي صِمَاخَهُ إلَى فَمِ الْبَائِعِ وَسَمِعَ يَكْفِي، وَلَوْ سَمَّعَ الْبَائِعُ نَفْسَهُ وَلَمْ يُسْمِعْهُ الْمُشْتَرِيَ لَا يَكْفِي وَفِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَنَادَاهُ مِنْ بُعْدٍ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَا يَحْنَثُ اهـ قُلْت قَدْ ضَعَّفَهُ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ، وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُكْتَفَى بِسَمَاعِهِ. . . إلَخْ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ اهـ.
وَقَوْلُ الشَّيْخَيْنِ الشَّرْطُ سَمَاعُ نَفْسِهِ، وَكَذَا يُضَعِّفُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَمَالِ.
(قَوْلُهُ قَرَأَهَا أَيْ السُّورَةَ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَضَاءِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ الْمُجْتَهِدِ فَجَرَى مَجْرَى إخْبَارِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ اهـ.
كَذَا فِي الْكَافِي.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ أَيْ مَا فِي الْأَصْلِ أَصْرَحُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ الْأَصَحُّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ.
(قَوْلُهُ مَعَ الْفَاتِحَةِ) أَقُولُ لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِهِمَا، وَقَالَ الْكَمَالُ قِيلَ يُقَدِّمُ السُّورَةَ، وَقِيلَ يُقَدِّمُ الْفَاتِحَةَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ إذْ تَقْدِيمُ السُّورَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمَعْهُودِ اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْفَاتِحَةِ هَلْ تَصِيرُ وَاجِبَةً كَالسُّورَةِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ جَهْرًا) قَيْدٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ شَنِيعٌ وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى وَصَحَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ فَقَطْ وَجَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَوَابِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الصَّوَابَ قَوْلًا بَعْدَ التَّخْيِيرِ وَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فِي رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ تَلْتَحِقُ بِمَوْضِعِهَا تَقْدِيرًا كَمَا فِي الْبَحْرِ قُلْت فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْقِرَاءَةُ فِي مَحَلِّهَا مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْتَدِي بِهِ وَاخْتَارَ الْمُخَافَتَةَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ دَخَلَ فِي صَلَاةِ جَمَاعَةٍ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ إنْ قَصَدَ الْإِمَامَةَ اهـ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْجَمْعَ هُنَا بِاعْتِبَارَيْنِ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا. . . إلَخْ) أَقُولُ يَرِدُ عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ كَمَا أَوْرَدَهُ أَبُو يُوسُفَ لِنَفْيِهِ قَضَاءَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَالْفَاتِحَةِ وَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَهُمَا وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي مَشْرُوعَةٌ فَإِذَا قَرَأَهَا مَرَّةً وَقَعَتْ عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِكَوْنِهَا فِي مَحِلِّهَا، وَلَوْ كَرَّرَهَا خَالَفَ الْمَشْرُوعَ بِخِلَافِ السُّورَةِ فَإِنَّ الشَّفْعَ الثَّانِيَ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا أَدَاءً فَجَازَ أَنْ تَقَعَ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْقَضَاءِ اهـ قُلْت فَظَاهِرُهُ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَمَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَشْرُوعَةٌ لَهُ نَفْلًا وَالْقَضَاءُ صَرْفُ مَا شُرِعَ لَهُ لِمَا عَلَيْهِ فَقَضَاءُ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَشْرُوعٌ وَبِالْإِتْيَانِ بِهِ يَحْصُلُ قَضَاءُ مَا عَلَيْهِ اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ مُورِدًا عَلَى مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَ إيقَاعُ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ يُخْلِيهِمَا عَنْهَا حُكْمًا كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ ثَانِيًا لِلْقَضَاءِ يَجِبُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْأُولَيَيْنِ فَيَخْلُوَ الثَّانِي عَنْ تَكْرَارِهَا حُكْمًا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ الْمُتَحَقِّقُ عَدَمُ الْمَحَلِّيَّةِ فَلَزِمَ كَوْنُهَا قَضَاءً. اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ لَا أُولَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) أَيْ الْمَفْرُوضَاتِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ كَالْفَجْرِ
стр. 82
وَسُنَّةَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةٍ بِخِلَافِ سَائِرِهَا وَالتَّطْوِيلُ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ الْآيُ إنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً اعْتَبَرَ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ أَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَالتَّفَاوُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَا بَأْسَ بِهِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ وَإِطَالَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى تُكْرَهُ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّفَاوُتُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ، وَإِنْ كَانَ آيَةً وَآيَتَيْنِ لَا يُكْرَهُ؛ «لِأَنَّهُ ﵇ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَأُخْرَاهُمَا أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى بِآيَةٍ، كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَلَمْ تَتَعَيَّنْ سُورَةٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ) يَعْنِي لَمْ يَجُزْ تَعْيِينُهَا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ تُقْرَأْ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْجَوَازِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» قُلْنَا النَّصُّ مُطْلَقٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُقَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ نَسْخٌ (وَكُرِهَ تَعْيِينُهَا) أَيْ سُورَةٍ (لَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ مِثْلُ أَنْ يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَهَلْ أَتَى فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَسُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي قَالُوا هَذَا إذَا رَآهُ حَتْمًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا أَوْ رَأَى غَيْرَهَا مَكْرُوهًا أَمَّا لَوْ قَرَأَهَا لِكَوْنِهَا أَيْسَرَ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ ﵊ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانَا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ (سِوَى الْفَاتِحَةِ) فَإِنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِجَوَازِهَا.
(الْمُؤْتَمُّ لَا يَقْرَأُ) خَلْفَ الْإِمَامِ (بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ.
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَاخْتُلِفَ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِكَرَاهَةِ تَطْوِيلِ رَكْعَةٍ مِنْ التَّطَوُّعِ وَنَقْصِ أُخْرَى وَأَطْلَقَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهَا أَسْهَلُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ غَفْلَةٍ) أَقُولُ يَعْنِي بِالنَّوْمِ وَإِلَّا فَمُطْلَقُ الْغَفْلَةِ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَلِهَذَا أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ السُّنَّةَ فِي الْجَمِيعِ وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ الْغَفْلَةِ بِسَبَبِ الْكَسْبِ وَالْغَفْلَةِ بِالنَّوْمِ بِأَنَّ الْأُولَى مُضَافَةٌ إلَيْهِ حَتَّى اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا الْعِقَابَ بِخِلَافِ النَّوْمِ كَمَا فِي الْكَافِي، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ كَمَا فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ وَفِي نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ تَسْتَوِي الرَّكْعَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ مَا يَظْهَرُ بِهِ قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا ثُمَّ قَالَ وَحَيْثُ ظَهَرَ قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا كَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فَمَا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ أَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَالتَّفَاوُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَا بَأْسَ بِهِ) أَقُولُ يَعْنِي بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ إطَالَةَ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ كَمَا يَذْكُرُهُ اهـ.
وَعَدَمُ الْبَأْسِ إذَا لَمْ يُثْقِلْ عَلَى الْقَوْمِ وَإِلَّا فَفِيهِ بَأْسٌ بِمَعْنَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّفَاوُتُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَافِي ثُمَّ قَالَ وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «قِرَاءَتِهِ ﷺ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ اسْمِ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَإِنَّ الْأُولَى تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً وَالثَّانِيَةَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ آيَةً، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا أَوْ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ وَفِعْلُهُ ﵊ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ لَا يُوصَفُ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِاسْتِنَانِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ اهـ قُلْت الْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّ التَّطْوِيلَ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ الْآيُ إنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً اعْتَبَرَ الْكَلِمَاتِ وَالْأَحْرُفَ اهـ إذْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ لِتَفَاوُتِ آيَاتِهِمَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ مِنْ غَيْرِ تَقَارُبٍ فَتَفَاوُتُهُمَا فِي الْكَلِمَاتِ يَسِيرٌ.
(قَوْلُهُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَتَمَامُهُ وَلَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ فَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ. وَقَوْلُهُ ﷺ لَا صَلَاةَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» .
(قَوْلُهُ سِوَى الْفَاتِحَةِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ تَعْيِينُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
[قِرَاءَة الْمُؤْتَمّ خَلْف الْإِمَام]
(قَوْلُهُ الْمُؤْتَمُّ لَا يَقْرَأُ) أَقُولُ فَإِنْ قَرَأَ كُرِهَ تَحْرِيمًا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُطْلِقُوا اسْمَ الْحُرْمَةِ عَلَيْهَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فَضَعِيفٌ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِهِمَا وَصَرَّحَ مُحَمَّدٌ فِي كُتُبِهِ بِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَمَا لَا يُجْهَرُ فَإِنَّهُ فِي كِتَابِ الْآثَارِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ بَعْدَ مَا أَسْنَدَ إلَى عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ مَا قَرَأَ قَطُّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَلَا فِيمَا لَا يُجْهَرُ فِيهِ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ لَا نَرَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ يُجْهَرُ فِيهِ أَوْ لَا يُجْهَرُ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَيْ بِالْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَمَنْعُ الْمُقْتَدِي عَنْ الْقِرَاءَةِ مَأْثُورٌ عَنْ ثَمَانِينَ نَفَرًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ الْمُرْتَضَى وَالْعَبَادِلَةُ الْأَرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ دَوَّنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَسَامِيَهُمْ اهـ
стр. 83
وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُقْتَدِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَالَةِ الْخُطْبَةِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِمَا فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (، كَذَا الْخُطْبَةُ) أَيْ الْمُؤْتَمُّ يَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ وَيُنْصِتُ (وَإِنْ صَلَّى) الْخَطِيبُ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا إذَا قَرَأَ صَلُّوا عَلَيْهِ فَيُصَلِّي) الْمُسْتَمِعُ (سِرًّا) وَقَعَتْ الْعِبَارَةُ فِي الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ هَكَذَا لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ أَوْ خَطَبَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ أَوْ خَطَبَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَرَأَ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مُمْكِنُ الدَّفْعِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُؤْتَمُّ بِمَعْنَى مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَأْتَمَّ وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ أَوْ خَطَبَ عَطْفًا عَلَى قَرَأَ الْمَحْذُوفُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ فَالْمَعْنَى لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا قَرَأَ إمَامُهُ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا خَطَبَ إمَامُهُ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ لَكِنْ غَيَّرْتُ الْعِبَارَةَ فَقُلْتُ، كَذَا الْخُطْبَةُ. . . إلَخْ لِئَلَّا يُرَدَّ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ (وَالْبَعِيدُ) عَنْ الْخَطِيبِ (كَالْقَرِيبِ) فِي وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ.
(الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) ، وَقِيلَ فَرْضٌ (لِلرِّجَالِ)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي عَدَمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَلَيْسَ مُقْتَضَى أَقْوَاهُمَا الْقِرَاءَةَ بَلْ الْمَنْعَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ) أَقُولُ، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَشْتَغِلُ بِالدُّعَاءِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا سَأَلَهَا وَآيَةِ عَذَابٍ إلَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّوَافِلِ مُنْفَرِدًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مُمْكِنُ الدَّفْعِ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَكِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمُؤْتَمِّ فِي حَقِيقَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ وَمَجَازِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ اهـ قُلْت وَبَقِيَ مِنْ اعْتِرَاضِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ كَلَامَ الْكَنْزِ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاقِعَتَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَأَجَابَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا بِقَوْلِهِ أَوْ خَطَبَ عَطْفٌ عَلَى قَرَأَ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ قَائِمَةً مُقَامَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ نَزَلَ مَنْ حَضَرَهَا مَنْزِلَةَ الْمُؤْتَمِّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ أَوْ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاقِعَتَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَا اتِّجَاهَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ لِانْعِدَامِ التَّنْزِيلِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ فَتَدَبَّرْ اهـ.
وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ غَيَّرْتُ الْعِبَارَةَ فَقُلْتُ، كَذَا الْخُطْبَةُ) أَقُولُ، وَكَذَا غَيَّرَهَا فِي النُّقَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَكَذَا فِي الْخُطْبَةِ.
[حُكْم صَلَاة الْجَمَاعَة]
(قَوْلُهُ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ هُوَ الْأَصَحُّ) وَفِي شَرْحِ بَكْرٍ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ غَايَةَ التَّأْكِيدِ.
وَفِي الْغَايَةِ لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ نَاحِيَةٍ أَثِمُوا وَوَجَبَ قِتَالُهُمْ بِالسِّلَاحِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ نَضْرِبُهُمْ وَلَا نُقَاتِلُهُمْ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ اهـ.
وَالْجَمَاعَةُ مَا زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَسَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا، كَذَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ صَفْحَةٍ وَإِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا بَلْ إنْ أَتَى مَسْجِدًا آخَرَ لِلْجَمَاعَةِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ وَيُصَلِّي بِهِمْ يَعْنِي وَيَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِنَا يَتَّبِعُهَا وَسُئِلَ الْحَلْوَانِيُّ عَمَّنْ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ أَحْيَانَا هَلْ يَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ قَالَ لَا وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا بِلَا عُذْرٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فَرْضٌ) أَقُولُ فَقِيلَ فَرْضُ عَيْنٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَبِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ اهـ وَنَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَذْهَبِ اهـ.
وَالْقَائِلُ بِالْفَرْضِيَّةِ لَا يَشْتَرِطُهَا لِلصِّحَّةِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِمُصَنِّفِهَا ابْنِ وَهْبَانَ وَبَقِيَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ عَنْ الْغَايَةِ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ.
وَفِي التُّحْفَةِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ سَمَّاهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَفِي الْمُفِيدِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّة لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ اهـ.
وَبَقِيَ قَوْلٌ خَامِسٌ هُوَ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ قَالَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ بِصِيغَةِ، وَقِيلَ الْجَمَاعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إلَّا بِعُذْرٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ.
(قَوْلُهُ لِلرِّجَالِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إنَّهَا تَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قُلْت هَذَا الشَّرْطُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَيَكُونُ كَذَلِكَ شَرْطًا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا، وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ دَادَهْ زاده فِي مَنْظُومَتِهِ الَّتِي عَلَى مِنْوَالِ نَظْمِ ابْنِ وَهْبَانَ الْأَعْذَارَ الْمُسْقِطَةَ لِلْجَمَاعَةِ فَقَالَ
وَذَا مَطَرٌ بَرْدٌ وَخَوْفٌ وَظُلْمَةٌ ... وَحَبْسٌ عَمًى فَلْجٌ وَقَطْعٌ وَيُذْكَرُ
سِقَامٌ وَإِقْعَادٌ وَوَحْلٌ زَمَانَةٌ ... وَشَيْخُوخَةٌ تَكْرَارُ فِقْهٍ يُسْطَرُ
стр. 84
وَسَيَأْتِي أَنَّ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ مَكْرُوهَةٌ.
(وَلَا تُكَرَّرُ) الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) يَعْنِي إذَا كَانَ لِمَسْجِدٍ إمَامٌ وَجَمَاعَةٌ مَعْلُومَانِ فَصَلَّى بَعْضُهُمْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لَا يُبَاحُ لِبَاقِيهِمْ تَكْرَارُهَا بِهِمَا لَكِنْ لَوْ كَانَ مَسْجِدَ الطَّرِيقِيِّ يُبَاحُ تَكْرَارُهَا بِهِمَا، وَلَوْ كَرَّرَ أَهْلُهُ بِدُونِهِمَا جَازَ (إلَّا إذَا صَلَّى بِهِمَا) أَيْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (فِيهِ أَوَّلًا غَيْرُ أَهْلِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ (أَوْ صَلَّى) بِهِمَا فِيهِ أَوَّلًا (أَهْلُهُ) لَكِنْ (بِمُخَافَتَةِ الْأَذَانِ) ؛ لِأَنَّ مُخَافَتَتَهُمْ تَكُونُ عُذْرًا لِبَاقِيهِمْ.
(وَ الْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) بَيْنَ الْحَاضِرِينَ (الْأَعْلَمُ) أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ صِحَّةً وَفَسَادًا بَعْدَ مَا يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْعِلْمِ أَكْثَرُ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ (فَالْأَقْرَأُ) أَيْ إنْ تَسَاوَوْا فِي الْعِلْمِ فَالْأَحَقُّ بِهَا أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا وَتَجْوِيدًا لِقِرَاءَتِهِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ (فَالْأَوْرَعُ) أَيْ إنْ تَسَاوَوْا فِيهِ فَالْأَحَقُّ أَشَدُّهُمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتِنَابًا مِنْ الشُّبُهَاتِ قَالَ ﵊ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» (فَالْأَسَنُّ) أَيْ إنْ تَسَاوَوْا فِيهِ فَالْأَحَقُّ بِهَا أَكْثَرُهُمْ سِنًّا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» (فَالْأَحْسَنُ خُلُقًا) أَيْ إنْ تَسَاوَوْا فِيهِ فَالْأَحَقُّ أَحْسَنُهُمْ مَعَاشًا بِالنَّاسِ (فَالْأَحْسَنُ وَجْهًا) أَيْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ كَثَّرَ صَلَاةً بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» (فَالْأَشْرَفُ نَسَبًا فَالْأَنْظَفُ ثَوْبًا) ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ اسْتَوَوْا يُقْرَعُ أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
(وَكُرِهَ إمَامَةُ عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ (وَأَعْرَابِيٍّ) وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ (وَفَاسِقٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دِينِهِ (وَأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ وَلَا يَهْتَدِي إلَى الْقِبْلَةِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيعَابِ الْوُضُوءِ غَالِبًا (وَمُبْتَدِعٍ) أَيْ صَاحِبِ هَوًى لَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ حَتَّى إذَا كَفَرَ بِهِ لَمْ تَجُزْ أَصْلًا (وَوَلَدِ زَنَى) إذْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُؤَدِّبُهُ فَيَغْلِبُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
إذَا لَمْ يَكُنْ تَكْرَارُ جَمْعٍ بِهَيْئَةٍ ... مَضَتْ فِي صَحِيحِ الْقَوْلِ فَالْكُرْهُ يُنْكَرُ
اهـ قُلْت وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ إذْ بَقِيَ مِنْهَا مُدَافَعَةُ أَحَدِ الْأَخْبَثِينَ وَإِرَادَةُ السَّفَرِ وَقِيَامُهُ بِمَرِيضٍ وَحُضُورُ طَعَامٍ تَتُوقُهُ نَفْسُهُ وَشِدَّةُ رِيحٍ لَيْلًا لَا نَهَارًا ذَكَرَ هَذِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تُكَرَّرُ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ) قَيَّدَ بِهِ لِمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ لَا بَأْسَ بِهَا فِي مَسْجِدٍ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ.
وَفِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ مَسْجِدٌ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ وَلَا مُؤَذِّنٌ وَيُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ فَوْجًا فَوْجًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى حِدَةٍ. اهـ. .
(قَوْلُهُ يَعْنِي إذَا كَانَ لِمَسْجِدٍ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ عَدَمُ إبَاحَةِ تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ لِلْبَاقِينَ بِمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ الْمُعَيَّنُ صَلَّى بِالْبَعْضِ أَوَّلًا.
[الْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ]
(قَوْلُهُ وَالْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ الْأَعْلَمُ) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ رَاتِبٌ. وَأَمَّا الرَّاتِبُ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْقَهَ مِنْهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَكَذَا إمَامُ الْحَيِّ إلَّا إذَا كَانَ الضَّعِيفُ ذَا سُلْطَانٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ مَا يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْكَافِي وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْبُرْهَانِ أَنْ يُحْسِنَ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ فَالْأَوْرَعُ. . . إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى أَنَّ الْوَرَعَ اجْتِنَابُ الشَّهَوَاتِ وَالتَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ.
(قَوْلُهُ فَالْأَسَنُّ) هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ.
وَفِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ وَالْآخَرُ أَوَرَعَ فَالْأَكْبَرُ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِسْقٌ ظَاهِرٌ، كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ فَالْأَحْسَنُ وَجْهًا أَيْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ سَمَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ. . . إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ لَمْ يَجِدْهُ الْمُخَرِّجُونَ نَعَمْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَرْفُوعًا «إنْ سَرَّكُمْ أَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ صَلَاتَكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ فَالْأَشْرَفُ نَسَبًا) أَقُولُ قَدَّمَ فِي الْفَتْحِ الْحَسَبَ عَلَى صَبَاحَةِ الْوَجْهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْحُسْنِ فَأَشْرَفُهُمْ نَسَبًا وَفِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي النَّسَبِ فَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا، وَذَكَرَ فِي الْمُطَوَّلَاتِ زِيَادَةَ أَوْصَافٍ فِي الْأَحَقِّ فَلْتُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ أَوْ الْخِيَارُ لِلْقَوْمِ) أَقُولُ لَوْ اخْتَارَ الْبَعْضُ وَاحِدًا وَالْبَعْضُ آخَرَ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَكْثَرِ، وَلَوْ قَدَّمُوا غَيْرَ الْأَوْلَى أَسَاءُوا ذَكَرَهُ فِي زَادِ الْفَقِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ.
[إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيّ وَالْفَاسِق وَالْأَعْمَى وَالمُبْتَدِعِ وَوَلَدِ الزِّنَا]
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ إمَامَةُ عَبْدٍ وَأَعْرَابِيٍّ) عَلَّلَهُ بِمَا ذَكَرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْبُرْهَانِ نُدْرَةَ التَّقْوَى فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ حَتَّى لَوْ كَانَ عَالِمًا مُتَّقِيًا صَارَ كَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ وَفَاسِقٍ) أَقُولُ فَإِنْ تَعَذَّرَ مَنْعُهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَهُ وَيَنْتَقِلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ حَتَّى فِي الْجُمُعَةِ إنْ أُقِيمَتْ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ وَإِلَّا اقْتَدَى بِهِ فِيهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَأَعْمَى) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ بَصِيرٌ أَفْضَلُ مِنْهُ يَكُونُ هُوَ أَوْلَى «لِاسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى تَبُوكَ وَكَانَ أَعْمَى» .
(قَوْلُهُ وَمُبْتَدِعٍ) أَيْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ وَهِيَ مَا أُحْدِثَ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ الْمُتَلَقَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ حَالٍ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ أَوْ اسْتِحْسَانٍ وَجَعْلِهِ دِينًا قَوِيمًا وَصِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، كَذَا قَالَ الشُّمُنِّيُّ وَفِي الْمُغْرِبِ هِيَ أَمْرُ مَنْ ابْتَدَعَ الْأَمْرَ إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَحْدَثَهُ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى مَنْ بِهِ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ أَوْ نُقْصَانٌ مِنْهُ
стр. 85
عَلَيْهِ الْجَهْلُ، وَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» .
(وَكُرِهَ تَطْوِيلُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (الصَّلَاةَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُصَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» .
(وَكُرِهَ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ) وَحْدَهُنَّ (إذْ يَلْزَمُهُنَّ أَحَدُ الْمَحْظُورَيْنِ) قِيَامِ الْإِمَامِ وَسْطَ الصَّفِّ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ تَقَدُّمُ الْإِمَامِ وَهُوَ أَيْضًا مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِنَّ (وَلَوْ فَعَلْنَ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِمَامُ) بَلْ يَقِفُ وَسْطَهُنَّ إذْ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ (كَالْعُرَاةِ) جَمْعُ عَارٍ فَإِنَّهُمْ إذَا صَلَّوْا لَمْ يَتَقَدَّمْ إمَامُهُمْ.
(وَكُرِهَ حُضُورُ الشَّابَّةِ كُلَّ جَمَاعَةٍ) فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (وَ) حُضُورُ (الْعَجُوزِ الظُّهْرَيْنِ) أَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (وَالْجُمُعَةِ) ؛ لِأَنَّ الْفَسَقَةَ يَجْتَمِعُونَ فِي أَوْقَاتِهَا وَفَرْطُ شَبَقِهِمْ قَدْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى رَغْبَةِ الْعَجَائِزِ وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ يَنَامُونَ وَفِي الْمَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَالْجَبَّانَةُ مُتَّسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ فِي الْكَافِي الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ . . . إلَخْ) أَقُولُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى إلَّا أَنْ يُقَالَ قَدَّمَ وُجْهَةَ الْكَرَاهَةِ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ مُسْتَقِلًّا وَلَئِنْ سُلِّمَ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ وَجْهُ كَرَاهَةِ إمَامَةِ الْمُبْتَدِعِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِإِهَانَتِهِ كَالْفَاسِقِ.
(تَتِمَّةٌ) : لَوْ قَالَ وَكُرِهَ إمَامَةُ الْجَاهِلِ لَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا. اهـ. وَالِاقْتِدَاءُ بِالْفَاسِقِ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ. وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِانْفِرَادُ أَوْلَى لِجَهْلِهِمْ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ
قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ قَاصِرَةٌ لِانْتِفَائِهَا فِي الْأَعْمَى وَالْمُبْتَدِعِ اهـ.
وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِالْمُخَالِفِ فَإِنْ كَانَ مُرَاعِيًا لِلشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ عِنْدَنَا فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ أَصْلًا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْكِفَايَةِ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيِّ مَكْرُوهٌ لَكِنَّهُ إنْ عَلِمَ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَالْفَصْدِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ شَاهَدَهُ يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قِيلَ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي زَعْمِ الْإِمَامِ أَنَّ صَلَاتَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ اهـ قُلْت يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ كُرِهَ أَنَّ مَحِلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا جَهِلَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ لَكِنَّهُ إنْ عَلِمَ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ. . . إلَخْ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوِتْرِ اهـ.
وَيُفِيدُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِمَا لَا يُخِلُّ بِالشَّرَائِطِ لَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ اهـ.
وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ مِنْ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ مَعَ مُرَاعَاتِهِ لِلشَّرَائِطِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ عَنْ النِّهَايَةِ إذَا عَلِمَ مِنْهُ أَيْ الشَّافِعِيِّ مَرَّةً عَدَمَ الْوُضُوءِ مِنْ الْحِجَامَةِ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ رَآهُ يُصَلِّي فَالصَّحِيحُ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ قَالَهُ إنْ عَلِمَ مِنْهُ الِاحْتِيَاطَ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَتَمَامُ تَفْرِيعِهِ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ) ظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِلْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ إلَّا لِصَارِفٍ وَلِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَقَدْ بَحَثْنَا أَنَّ التَّطْوِيلَ هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ فَإِنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُ وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ هِيَ الْمَسْنُونَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَا نَهَى عَنْهُ غَيْرَ مَا كَانَ دَأْبَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ اهـ قُلْت فِي إطْلَاقِ الْبَحْثِ تَأَمُّلٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُصَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى صَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ وَصَلَاةُ أَضْعَفِهِمْ لَا تَبْلُغُ الْمَسْنُونَ لِغَيْرِهِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَعَ مُرَاعَاةِ حَالَةٍ مَسْنُونَةٍ لِلْحَدِيثِ وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالُوا لَهُ أَوْجَزْت قَالَ سَمِعْت بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيت أَنْ تَفُتْنَ أُمُّهُ» اهـ.
وَلَا يَخْرُجُ مَا قُلْنَاهُ عَنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ لِقَوْلِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
[جَمَاعَة النِّسَاء وَحْدهنَّ]
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ) أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهَذَا فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ لِلْبَاقِيَاتِ بِأَدَاءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلِيُصَلِّيَنهَا جَمَاعَةً كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ إذَا أَمَّهُنَّ رَجُلٌ فِي بَيْتٍ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ مَحْرَمٌ لَهُ أَوْ زَوْجَةٌ لَا فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْضًا مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِنَّ) أَيْ كَمَا كُرِهَ لِإِمَامِ الرِّجَالِ الْقِيَامُ وَسْطَ الصَّفِّ كَذَلِكَ كُرِهَ لِإِمَامِ النِّسَاءِ الْقِيَامُ أَمَامَهُنَّ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِمَامُ) أَقُولُ لَمْ يَقُلْ الْإِمَامَةَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ.
(قَوْلُهُ بَلْ يَقِفُ وَسْطَهُنَّ) أَقُولُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَقِبُهَا عَنْ عَقِبِ مَنْ خَلْفَهَا لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ اهـ.
وَالْوَسْطُ بِسُكُونِ السِّينِ لِمَا كَانَ يَبِينُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ كَالصَّفِّ وَالْقِلَادَةِ وَبِفَتْحِهَا لِمَا لَا يَبِينُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ كَالدَّارِ وَالسَّاحَةِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ.
(قَوْلُهُ كَالْعُرَاةِ جَمْعُ عَارٍ) أَقُولُ التَّشْبِيهُ رَاجِعٌ لِلْحُكْمِ وَالْكَيْفِيَّةِ فَتُكْرَهُ جَمَاعَةُ الْعُرَاةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْكَافِي الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ غَيْرُهُ وَأَفْتَى الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَنْعِ الْعَجُوزِ مِنْ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ كُلِّهَا اهـ.
وَهُوَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَمَتَى كُرِهَ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ لَأَنْ يُكْرَهَ حُضُورُ مَجَالِسِ الْوَعْظِ خُصُوصًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ تَحَلَّوْا بِحِلْيَةِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى، ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْمُعْتَمَدُ مَنْعُ الْكُلِّ فِي الْكُلِّ إلَّا الْعَجَائِزَ الْمُتَفَانِيَاتِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي دُونَ الْعَجَائِزِ الْمُتَبَرِّحَاتِ وَذَوَاتِ الرَّمَقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِهِنَّ فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 86
لِظُهُورِ الْفَسَادِ.
(وَيَقِفُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ الْإِمَامِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ فَوَقَعَ سُجُودُهُ أَمَامَ الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِوَضْعِ الْوُقُوفِ لَا لِمَكَانِ السُّجُودِ، وَإِنْ صَلَّى فِي يَسَارِهِ أَوْ فِي خَلْفِهِ جَازَ وَأَسَاءَ فِيهِمَا فِي الْأَصَحِّ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ.
(وَ) يَقِفُ (الِاثْنَانِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ.
(وَيَقْتَدِي مُتَوَضِّئٌ بِمُتَيَمِّمٍ) ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ عِنْدَنَا كَالْوُضُوءِ وَلِهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
(وَ) يَقْتَدِي (غَاسِلٌ بِمَاسِحٍ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَا حَلَّ بِالْخُفَّيْنِ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ (وَقَائِمٌ بِقَاعِدٍ) ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» (وَمُومِئٌ بِمُومِئٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يُومِئَ الْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ مُضْطَجِعًا (وَمُتَنَفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَيَقِفُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِهِ) أَقُولُ أَيْ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَأَطْلَقَ فِي الْوَاحِدِ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ لَا وَالْمَرْأَةُ لَا تَكُونُ إلَّا خَلْفَهُ أَوْ خَلْفَ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الذُّكُورِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) أَيْ فَيَكُونُ مُحَاذِيًا لِيَمِينِ الْإِمَامِ مُسَاوِيًا لَهُ لَا كَمَا رَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ. . . إلَخْ) اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ شَرْطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(قَوْلُهُ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ) أَقُولُ وَعَنْ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ يَقُومُ وَسْطَهُمَا، وَلَوْ قَالَ كَالنُّقَايَةِ وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ لَكَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَيَقْتَدِي مُتَوَضِّئٌ بِمُتَيَمِّمٍ) قَيَّدَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُتَوَضِّئِينَ مَاءٌ خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَصْلِهِ.
(فَرْعٌ إذَا رَأَى) الْمُتَوَضِّئُ الْمُقْتَدِي بِالْمُتَيَمِّمِ مَاءً فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاةِ إمَامِهِ لِوُجُودِ الْمَاءِ وَمَنَعَهُ زُفَرُ بِأَنْ وُجُودَهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِعِلْمِهِ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَنْ يُحْمَلُ الْفَسَادُ عِنْدَهُمْ إذَا ظَنَّ عِلْمَ إمَامِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ فَسَادَ صَلَاةِ إمَامِهِ بِذَلِكَ، كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ عِنْدَنَا كَالْوُضُوءِ) أَشَارَ بِهِ إلَى الْخِلَافِ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَشَيْخَيْهِ فِي صِحَّةِ اقْتِدَاء الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ فَأَجَازَاهُ وَمَنَعَهُ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ بَيْنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ عِنْدَهُمَا وَظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَاسْتَوَتْ الطَّهَارَتَانِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ فَيَصِيرُ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِيهَا بِالْمُتَيَمِّمِ لَهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَغَاسِلٌ بِمَاسِحٍ. . . إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ خَصَّهُ بِمَاسِحِ الْخُفَّيْنِ وَالْمَتْنُ يَحْتَمِلُ أَعَمَّ مِنْهُ لِشُمُولِهِ مَسْحَ الْجَبَائِرِ.
(قَوْلُهُ وَقَائِمٌ بِقَاعِدٍ) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ﵊. . . إلَخْ) هَذَا دَلِيلُهُمَا وَادَّعَى مُحَمَّدٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْأَحْوَطُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ اهـ قُلْت وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ النَّفْلِ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ فِي التَّرَاوِيحِ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ) هِيَ الظُّهْرُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَكَانَ ﷺ إمَامًا اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ لِإِمَامَةِ الْأَحْدَبِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَبُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ وَإِذَا بَلَغَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَحْدَبِ لِلْقَائِمِ هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ، وَقِيلَ تَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ انْتَهَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ بَاحِثًا وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْقَاعِدِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ اسْتِوَاءُ النِّصْفِ الْأَعْلَى وَفِي الْحَدَبِ اسْتِوَاءُ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اهـ قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ جَعَلَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ سَنَدًا لِلْخِلَافِ وَهُوَ فِي مُطْلَقِ الْأَحْدَبِ وَالْخِلَافُ فِي بَالِغِ حَدَبُهُ الرُّكُوعَ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ. وَأَمَّا إمَامَةُ الْأَحْدَبِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ حَدَبَهُ إذَا بَلَغَ حَدَّ الرُّكُوعِ فَعَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ اسْتِوَاءُ النِّصْفَيْنِ، وَقَدْ وُجِدَ اسْتِوَاءُ الْأَسْفَلِ فَيَجُوزُ عِنْدَهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَاعِدُ الْقَائِمَ لِوُجُودِ اسْتِوَاءِ نِصْفِهِ الْأَعْلَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَحْدَبِ هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ، وَقَدْ قِيلَ يَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ.
وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُومِئَ الْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ مُضْطَجِعًا) أَيْ فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ يَجُوزُ كَمَا التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَمُتَنَفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ) أَقُولُ وَيَصِحُّ، وَلَوْ أَفْسَدَ وَاقْتَدَى بِهِ فِيهِ كَمَا فِي الْكَافِي وَالْقِرَاءَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً لِلْإِمَامِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَفَرْضًا عَلَى الْمُقْتَدِي لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ أَخَذَتْ حُكْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالِاقْتِدَاءِ وَلِذَا لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ لَزِمَهُ أَرْبَعٌ فِي اقْتِدَائِهِ بِمُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةِ وَكَانَ تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي نَفْلًا فِي حَقِّهِ كَإِمَامِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ أَمَّا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي الْجَمِيعِ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ أَطْلَقَهُ أَيْ اقْتِدَاءَ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ فَشَمِلَ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالْمَكْتُوبَةِ
، وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اخْتِلَافًا وَأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ الْجَوَازِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ اهـ قُلْت لَيْسَ فِي عِبَارَةِ قَاضِي خَانْ نَفْيُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ إذَا صَلَّى
стр. 87
فِي حَقِّهِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَيَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ (وَبِمُتَنَفِّلٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَالِ (وَحَالِفٌ بِحَالِفٍ) يَعْنِي حَلَفَ رَجُلَانِ أَنْ يُصَلِّيَ كُلٌّ مِنْهُمَا رَكْعَتَيْنِ فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ صَحَّ كَاقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُتَنَفِّلِ.
(وَ) حَالِفٌ (بِنَاذِرٍ) يَعْنِي نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَآخَرُ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ رَكْعَتَيْنِ وَاقْتَدَى الْحَالِفُ بِالنَّاذِرِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَاقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ (بِلَا عَكْسٍ) أَيْ لَا يَقْتَدِي نَاذِرٌ بِحَالِفٍ؛ لِأَنَّهُ كَاقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (لَا نَاذِرٌ بِنَاذِرٍ) يَعْنِي نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَآخَرُ كَذَلِكَ فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَمُفْتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تِلْكَ الْمَنْذُورَةَ) بِأَنْ نَذَرَ رَجُلٌ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ آخَرُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ تِلْكَ الْمَنْذُورَةِ ثُمَّ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ جَازَ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ (وَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ) أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ (وَلَا طَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ وَلَا قَارِئٌ بِأُمِّيٍّ وَلَابِسٌ بِعَارٍ وَغَيْرُ مُومِئٍ بِمُومِئٍ وَمُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَذَا لَا يَجُوزُ (وَبِمُفْتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ) لِانْتِفَاءِ الِاشْتِرَاكِ (وَلَا مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ بَعْدَ الْوَقْتِ فِيمَا يَتَغَيَّرُ) بِالسَّفَرِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْرِيمَةُ الْمُقِيمِ أَيْضًا بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَتْ فِي الْوَقْتِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَاقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَحْرِيمَتُهُمَا فِي الْوَقْتِ فَخَرَجَ وَهُمَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ كَالْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ بِنَاءَ الْفَرْضِ عَلَى غَيْرِ الْفَرْضِ حُكْمًا أَمَّا فِي الْقَعْدَةِ إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ إذْ الْقَعْدَةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْإِمَامِ أَوْ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِ نَفْلٌ عَلَى الْإِمَامِ فَرْضٌ عَلَى الْمُقْتَدِي (بَلْ فِي الْوَقْتِ) أَيْ يَقْتَدِي الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِ فِيمَا يَتَغَيَّرُ فِي الْوَقْتِ لِاتِّحَادِ حَالِهِمَا فِي الِافْتِرَاضِ وَالتَّنَفُّلِ إذْ يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ تَكْمِيلُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً غَيْرَ التَّرَاوِيحِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ وَلَمْ يَنْوِ التَّرَاوِيحَ وَلَا صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِرَجُلٍ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ الْمَكْتُوبَةَ وَلَا صَلَاةَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. اهـ. .
وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ مَنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِصِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَلَى الْقَلْبِ يَجُوزُ اهـ نَعَمْ مَا نَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ لِقَاضِي خَانْ صَرَّحَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ فَقَالَ لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ بِمَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً غَيْرَ التَّرَاوِيحِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِهَا عَنْ التَّرَاوِيحِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لِمَا سَنَذْكُرُ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى كُلِّ شَفْعٍ يُكْرَهُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَحَالِفٌ بِنَاذِرٍ بِلَا عَكْسٍ) قَدْ جَعَلَ الْحَالِفَ كَالْمُتَنَفِّلِ وَالنَّاذِرَ كَالْمُفْتَرِضِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِمَا نَذَرَهُ أَوْ حَلَفَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَالْفَرْقُ مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَنْذُورَةَ أَقْوَى مِنْ الْمَحْلُوفِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ قَصْدًا وَوُجُوبُ الْمَحْلُوفِ بِهَا عَارِضًا لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ وَلِهَذَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الْحَالِفِ بِالْحَالِفِ وَبِالنَّاذِرِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ جَوَازَ اقْتِدَاءِ الْحَالِفِ بِالْمُتَطَوِّعِ بِخِلَافِ النَّاذِرِ بِالْمُتَطَوِّعِ وَبَحَثَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْمَحْلُوفُ بِهَا خَلْفَ النَّافِلَةِ لِكَوْنِهَا وَاجِبَةً لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ.
(قَوْلُهُ وَبِمُتَنَفِّلٍ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الِاقْتِدَاءَ بِمُصَلِّي سُنَّةٍ أُخْرَى كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ خَلْفَ التَّرَاوِيحِ أَوْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ خَلْفَ مُصَلِّي الْقَبْلِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ لَا نَاذِرٌ بِنَاذِرٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَمُصَلِّيًا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَالنَّاذِرِينَ؛ لِأَنَّ طَوَافَ هَذَا غَيْرُ طَوَافِ الْآخَرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْلِيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
قُلْت يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ وَيُوَافِقُ مَا بَحَثَهُ قَوْلُ قَاضِي خَانْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ طَافَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُسْبُوعًا فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ صَحَّ بِمَنْزِلَةِ اقْتِدَاءِ الْمُتَطَوِّعِ بِالْمُتَطَوِّعِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَا صَبِيٍّ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ النَّافِلَةَ خَلْفَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الْبَالِغِ مَضْمُونٌ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَلَا يَرِدُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَرْضًا ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الظَّانِّ مُجْتَهَدٌ فِيهِ لِوُجُوبِهِ عِنْدَ زُفَرَ، وَمَشَايِخُ بَلْخِي جَوَّزُوا اقْتِدَاءَ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الظَّانِّ وَالِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ هَلْ هِيَ صَلَاةٌ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَيْسَتْ صَلَاةً، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا تَخَلُّقًا وَلِهَذَا لَوْ صَلَّتْ الْمُرَاهِقَةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَقِيلَ هِيَ صَلَاةٌ وَلِهَذَا لَوْ قَهْقَهَ الْمُرَاهِقُ فِي الصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ اهـ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَلَا طَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمَعْذُورِ بِمِثْلِهِ إنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا وَبِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّ إمَامَةَ الْإِنْسَانِ لِمُمَاثِلِهِ صَحِيحَةٌ إلَّا الْمُسْتَحَاضَةَ وَالضَّالَّةَ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلَ بِمِثْلِهِ وَلِمَنْ دُونَهُ صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا وَلِمَنْ فَوْقَهُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَا قَارِئٌ بِأُمِّيٍّ) أَشَارَ بِهِ إلَى جَوَازِ اقْتِدَائِهِ بِأُمِّيٍّ مِثْلِهِ بِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الْأُمِّيِّ بِالْأَخْرَسِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْهُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ لِلْعَيْنِيِّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَفِي إمَامَةِ الْأَخْرَسِ بِالْأُمِّيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ
стр. 88
صَلَاتِهِ الرُّبَاعِيَّةِ حَالَ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا فِي حَقِّ هَذِهِ الصَّلَاةِ تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِغَيْرِ الْمُفْتَرِضِ فِي حَقِّ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَفِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إذْ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ظَهَرَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) أَيْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ الْمُقْتَدِي صَلَاتَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ جَنَابَةً أَعَادَ وَأَعَادُوا» .
(اقْتَدَى أُمِّيٌّ وَقَارِئٌ بِأُمِّيٍّ أَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) أَمَّا صَلَاةُ الْقَارِئِ فَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا. وَأَمَّا صَلَاةُ الْأُمِّيَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا لَمَّا رَغِبَا فِي الْجَمَاعَةِ وَجَبَ أَنْ يَقْتَدِيَا بِالْقَارِئِ لِتَكُونَ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَهُمَا فَتَرَكَا الْقِرَاءَةَ التَّقْدِيرِيَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْقَارِئُ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَسَدَتْ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَجَبَتْ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلَمْ تُوجَدْ، خَصَّ الْأُخْرَيَيْنِ بِالذِّكْرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يَصْلُحَ الْأُمِّيُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِلِاسْتِخْلَافِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا.
(وَيُصَفُّ الرِّجَالُ) خَلْفَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ إذْ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا أَتَمَّ الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ فِي تَنَفُّلِهِ بِالْأُخْرَيَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ لِصَيْرُورَةِ رَكَعَاتِهِ فَرْضًا فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ لِاتِّحَادِ صِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إذْ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ فِيمَا لَوْ كَانَ وَلَا رَكَعَاتِ نَفْلٍ حَالَ الِاقْتِدَاءِ لِيَخْتَلِفَ بِهَا الْحَالُ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَكَانَ حَالُهُمَا وَاحِدًا فِي صِفَةِ الرَّكَعَاتِ وَقِرَاءَتِهَا فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ اهـ.
وَمَعَ هَذَا لَا يَخْفَى عَدَمُ مُنَاسَبَةِ تَعْلِيلِهِ لِلْمَقَامِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إذْ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ مُتَّحِدَةٌ فِي حَقِّهِمَا.
(قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَمْ يَرِدْ ثَمَّ عَلَى مَا هُنَا بَلْ أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ وَأَحَالَ عَلَى شُرُوحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) الْمُرَادُ بِالْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِالْفَرْضِ لَا الْإِعَادَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ أَيْ اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ الْجَابِرَةِ لِلنَّقْصِ فِي الْمُؤَدَّى فَلَوْ قَالَ بَطَلَتْ لَكَانَ أَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا ظَهَرَ حَدَثُ الْإِمَامِ وَلَا مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُ إعَادَتُهُ إذَا أُخْبِرَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِمُشَاهَدَةِ الْمُقْتَدِي الْمُنَافِيَ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ بِإِخْبَارِ الْإِمَامِ فَقَالَ فِي الْمُجْتَبَى أَخْبَرَهُمْ الْإِمَامُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ شَهْرًا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ لَا تَلْزَمُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِكُفْرِهِ وَقَوْلُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ فَكَيْفَ قَوْلُ الْكَافِرِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ إذَا صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ عَمْدًا لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ بِسُنِّيَّتِهَا. اهـ.
قُلْت فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا الصَّلَاةَ مَعَ الْمُنَافِي وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ بِقَوْلِهِ لَوْ قَالَ كُنْت مُحْدِثًا أَوْ كَانَ عَلَى ثَوْبِي نَجَاسَةٌ فَعَلَى الْقَوْمِ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيُعِيدُوا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أُمُورِ الدِّينِ حُجَّةٌ يُعْمَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَاجِنًا فَلَا يُصَدِّقُوهُ وَالْمَاجِنُ الْفَاسِقُ وَهُوَ أَنْ لَا يُبَالِيَ بِمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ وَتَكُونُ أَعْمَالُهُ عَلَى نَهْجِ أَعْمَالِ الْفُسَّاقِ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يُعْلِمَ الْجَمَاعَةَ بِحَالِهِ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ الْإِعْلَامُ إذَا كَانُوا قَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ.
وَفِي الْمُجْتَبَى إذَا أَمَّ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ يَجِبُ الْإِخْبَارُ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ بِلِسَانِهِ أَوْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ يُخْبِرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَنَظِيرُهُ إذَا رَأَى غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) أَقُولُ سَوَاءٌ عَلِمَ الْأُمِّيُّ حَالَ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَارِئَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَفَائِدَتُهُ عَدَمُ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ بِالْقَهْقَهَةِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرُهُ صَحَّحَ فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا قَالَ بَعْدَهُ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ تَصْحِيحُ الْمُحِيطِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْأُمِّيَيْنِ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِفَسَادِ صَلَاةِ الْأُمِّيِّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْقَارِئِ وَلَا تَفْسُدُ إنْ صَلَّى وَحْدَهُ مَعَ وُجُودِ الْقَارِئِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا رَغْبَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَوْ اقْتَدَى الْأُمِّيُّ ثُمَّ حَضَرَ الْقَارِئُ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ بَعْدَ افْتِتَاحِ الْقَارِئِ فَلَمْ يَقْتَدِ بِهِ وَصَلَّى مُنْفَرِدًا الْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ اهـ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّصْحِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْقَارِئُ. . . إلَخْ) أَقُولُ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَأَجْمَعُوا عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ، وَقِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَسَائِلِ الْأُمِّيِّ قُدْرَةَ الْغَيْرِ مَعَ أَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ لَيْسَ بِقَادِرٍ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا إذْ لَوْ أَحْرَمَ نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَيُصَفُّ الرِّجَالُ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ قِيلَ الْأَقْسَامُ الْمُمْكِنَةُ تَنْتَهِي إلَى اثْنَيْ عَشَرَ صَفًّا وَالتَّرْتِيبُ الْحَاضِرُ لَهَا أَنْ يُقَدَّمَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى
стр. 89
الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» أَيْ لِيَقْرُبْ مِنِّي الْبَالِغُونَ (فَالصِّبْيَانُ فَالْخَنَاثَى) بِفَتْحِ الْخَاءِ جَمْعُ الْخُنْثَى كَالْحَبَالَى جَمْعُ الْحُبْلَى قَدَّمَ الصِّبْيَانَ لِتَمَحُّضِهِمْ فِي الذُّكُورَةِ (فَالنِّسَاءُ لَوْ حَاذَتْهُ قَدْرَ رُكْنٍ) اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ مُفْسِدَةً لِلصَّلَاةِ مَشْرُوطٌ بِأُمُورٍ الْأَوَّلُ الْمُكْثُ فِي مَكَانِ الْمُحَاذَاةِ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ حَتَّى لَا يُفْسِدَهَا مَا دُونَهُ. الثَّانِي كَوْنُ الْمُحَاذِيَةِ مُشْتَهَاةً بِأَنْ كَانَتْ ضَخْمَةً قَابِلَةً لِلْجِمَاعِ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُرَادُ كَوْنُهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى لَا يُفْسِدُهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ عَجُوزًا تَنْفِرُ عَنْهَا الطِّبَاعُ تُفْسِدُ. الثَّالِثُ كَوْنُ صَلَاتِهِمَا ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَإِنْ كَانَا يُصَلِّيَانِ بِالْإِيمَاءِ حَتَّى إنَّ الْمُحَاذَاةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُفْسِدُ. الرَّابِعُ كَوْنُ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا تَأْدِيَةً بِأَنْ يَكُونَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الصِّغَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الصِّغَارُ اهـ قُلْت لَاحَ لِي اشْتِبَاهٌ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْخُنْثَى، وَقَدْ صَارَ خَلْفَ صَفِّ مِثْلِهِ أَوْ مُحَاذِيًا لَهُ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ فَتَفْسُدُ بِالْمُحَاذَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إمْكَانِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ صِحَّةُ صَلَاةِ أَصْحَابِهَا وَذَلِكَ لِمُعَامَلَةِ الْخُنْثَى بِالْأَضَرِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ اهـ.
وَأَجَابَ شَيْخُنَا أَمْتَعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ بِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِيمَا إذَا وُجِدَ مَعَهُ مَنْ حَالُهُ وَاضِحَةٌ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي الِاصْطِفَافِ وَالْقِيَامِ مُحَاذِيًا لِمِثْلِهِ اهـ لَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِمِثْلِهِ اهـ.
وَبِهِ يَظْهَرُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمُحَاذَاتِهِ لِمِثْلِهِ وَاصْطِفَافِهِ خَلْفَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَيَنْبَغِي لِلْقَوْمِ إذَا قَامُوا إلَى صَلَاةٍ أَنْ يَتَرَاصُّوا وَيَسُدُّوا الْخَلَلَ وَيُسَوُّوا بَيْنَ مَنَاكِبِهِمْ فِي الصُّفُوفِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بِإِزَاءِ الْوَسْطِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَسَاءَ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْمَلَ مَا يَلِي الْإِمَامَ مِنْ الصُّفُوفِ حَتَّى إنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فُرْجَةً دُونَ الثَّانِي لَهُ أَنْ يَخْرِقَ الثَّانِيَ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ لِتَقْصِيرِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَسُدُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ مَا يُكْمِلُوا مَا يَلِيهِ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً سَدَّهَا قَالَ ﷺ «أُقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ لَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ وَبِإِسْنَادِ حَسَنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً مِنْ الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» وَفِي أَبِي دَاوُد عَنْهُ ﷺ قَالَ «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» وَبِهَذَا يُعْلَمُ جَهْلُ مَنْ يَسْتَمْسِكُ عِنْدَ دُخُولِ دَاخِلٍ بِجَنْبِهِ فِي الصَّفِّ وَيَظُنُّ أَنَّ فَسْحَهُ لَهُ رِيَاءٌ بِسَبَبِ تَحَرُّكِهِ لِأَجْلِهِ بَلْ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ وَإِقَامَةِ سَدِّ الْفُرُجَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الصَّفِّ، وَالْقِيَامُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي ثُمَّ وَثُمَّ لِمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْزَلَ الرَّحْمَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُنْزِلُهَا أَوَّلًا عَلَى الْإِمَامِ ثُمَّ تَتَجَاوَزُ عَنْهُ إلَى مَنْ يُحَاذِيهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ إلَى الْمَيَامِنِ ثُمَّ إلَى الْمَيَاسِرِ ثُمَّ إلَى الصَّفِّ الثَّانِي» وَرُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يُكْتَبُ لِلَّذِي خَلْفَ الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ مِائَةُ صَلَاةٍ وَلِلَّذِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ صَلَاةً وَلِلَّذِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ خَمْسُونَ صَلَاةً وَلِلَّذِي فِي سَائِرِ الصُّفُوفِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً» كَذَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ حَاذَتْهُ) الضَّمِيرُ لِلْمُصَلِّي الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَالْخِطَابِ بِتَأْخِيرِهِنَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الصَّبِيِّ بِالْمُحَاذَاةِ عَلَى هَذَا قَالَهُ الْكَمَالُ.
(قَوْلُهُ قَدْرَ رُكْنٍ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ وَلَا تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إلَّا بِأَدَائِهِ اهـ لَكِنْ قَالَ الْكَمَالُ الْخَامِسُ أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تَكُونَ الْمُحَاذَاةُ فِي رُكْنٍ كَامِلٍ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَتْ فِي صَفٍّ وَرَكَعَتْ فِي آخَرَ وَسَجَدَتْ فِي ثَالِثٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا وَخَلْفَهَا مِنْ كُلِّ صَفٍّ قِيلَ هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَوْ وَقَفَتْ قَدْرَهُ فَسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ، وَقِيلَ لَوْ حَاذَتْهُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِهِ فَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا إلَّا فِي قَدْرِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ كَوْنُهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً. . . إلَخْ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجْنُونَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَتْ كَالصَّغِيرَةِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّلَ عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِمُحَاذَاةِ الْمَجْنُونَةِ بِعَدَمِ جَوَازِ صَلَاتِهَا كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَكُونُ خَارِجَةً بِقَيْدِ الِاشْتِرَاكِ تَأْدِيَةً.
(قَوْلُهُ الرَّابِعُ كَوْنُ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا تَأْدِيَةً. . . إلَخْ) أَقُولُ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ مُشْتَرَكَةً تَأْدِيَةً عَمَّا قِيلَ مُشْتَرَكَةً تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً إذْ يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ تَأْدِيَةً اشْتِرَاكُ تَحْرِيمَةٍ وَيَعُمُّ الِاشْتِرَاكَيْنِ كَمَا فُسِّرَ بِهِ وَلِذَا قَالَ الْكَمَالُ لَوْ قِيلَ بَدَلَ مُشْتَرَكَةً تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً مُشْتَرَكَةً أَدَاءً وَيُفَسَّرُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامٌ فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ حَالَةَ الْمُحَاذَاةِ أَوْ أَحَدُهُمَا إمَامٌ لِلْآخَرِ لَعَمَّ الِاشْتِرَاكَيْنِ اهـ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ لَكِنْ ذَكَرُوهُمَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ أَدَاءً الِاشْتِرَاكُ تَحْرِيمَةً اهـ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا أَنَّهُمْ أَفْرَدُوا بِالذِّكْرِ كُلًّا مِنْ الِاشْتِرَاكِ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَدَاءِ مُغْنِيًا تَفْصِيلًا لِمَحِلِّ
стр. 90
أَحَدُهُمَا إمَامًا لِلْآخَرِ فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ أَوْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامٌ فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ فَيَشْمَلُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَبَيْنَ الْمَأْمُومِينَ ثُمَّ إنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الصَّلَاةِ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَمَا فِي الْمُدْرِكِ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا كَمَا فِي اللَّاحِقِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَقْتَضِي كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَيْضًا إنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ الْمُحَاذَاةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُفْسِدَةٌ. الْخَامِسُ كَوْنُهُمَا فِي مَكَان وَاحِدٍ بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْمُحَاذَاةَ وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْأَحْوَالِ الْقُعُودُ فَقُدِّرَ أَدْنَاهُ بِهِ وَغِلَظُهُ كَغِلَظِ الْإِصْبَعِ وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحَائِلِ وَلِهَذَا لَمْ يُفْرِدْهَا بِالذِّكْرِ وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مَا يَقُومُ فِيهِ الرَّجُلُ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ. السَّادِسُ كَوْنُ جِهَتِهِمَا مُتَّحِدَةً حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَتْ لَا تُفْسِدُ وَلَا يُتَصَوَّرُ اخْتِلَافُ الْجِهَةِ إلَّا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَصَلَّى كُلٌّ بِالتَّحَرِّي كَذَا قَالَ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ. السَّابِعُ أَنْ يَنْوِيَ إمَامَتَهَا وَإِمَامَةَ النِّسَاءِ وَقْتَ الشُّرُوعِ لَا بَعْدَهُ ثُمَّ إنَّ الْمُحَاذَاةَ لَا يَجِبُ كَوْنُهَا بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا بِبَعْضِهَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ حَدُّ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوٌ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الظُّلَّةِ وَالرَّجُلُ بِحِذَائِهَا أَسْفَلُ مِنْهَا إنْ كَانَ يُحَاذِي الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُحَاذَاةِ السَّاقُ وَالْكَعْبُ عَلَى الصَّحِيحِ وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْقَدَمَ إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ مُشْتَهَاةٌ فَاعِلُ حَاذَتْهُ أَيْ حَاذَتْ مُشْتَهَاةٌ رَجُلًا مِقْدَارَ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ) كَانَتْ تِلْكَ الْمُحَاذَاةُ (بِعُضْوٍ) وَاحِدٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ قَدْرَ رُكْنٍ إشَارَةً إلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ (مُشْتَهَاةً، وَلَوْ مَحْرَمًا لَهُ) بِأَنْ تَكُونَ أُخْتَهُ أَوْ بِنْتَه أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي. وَقَوْلُهُ (فِي صَلَاتِهِمَا الْكَامِلَةِ) إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ. وَقَوْلُهُ (الْمُشْتَرَكَةُ تَأْدِيَةً) إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ الرَّابِعِ وَلَمْ يَقُلْ أَدَاءً لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مُقَابِلُ الْقَضَاءِ. وَقَوْلُهُ (فِي مَكَان بِلَا حَائِلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ حَاذَتْهُ وَإِشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ الْخَامِسِ. وَقَوْلُهُ (وَاتَّحَدَتْ جِهَتُهُمَا) إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ السَّادِسِ. وَقَوْلُهُ (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) جَزَاءً لِقَوْلِهِ لَوْ حَاذَتْهُ. وَقَوْلُهُ (إنْ نَوَى إمَامَتَهَا وَإِلَّا صَلَاتَهَا) إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ السَّابِعِ.
(قَوْمٌ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ ظُلَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَتَحْتَهُمْ قُدَّامَهُمْ نِسَاءٌ أَوْ طَرِيقٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُمْ) ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَصَفَّ النِّسَاءِ مَانِعٌ مِنْ الِاقْتِدَاءِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَلَوْ بِحِذَائِهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ نِسَاءٌ جَازَتْ) صَلَاةُ مَنْ كَانَ عَلَى الظُّلَّةِ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ نِسَاءٌ فَلَا مُحَاذَاةَ هَاهُنَا لِمَكَانِ الْحَائِلِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ كَرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ صَلَّيَا صَلَاةً وَاحِدَةً وَبَيْنَهُمَا حَائِطٌ.
(الْمُصَلِّي عَلَى رُفُوفِ الْمَسْجِدِ إنْ وَجَدَ فِي صَحْنِهِ مَكَانًا كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا) .
(وَيَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ) بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي وَهُوَ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْعَجَلَةُ وَالْأَوْقَارُ (وَالنَّهْرُ الْكَبِيرُ) وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الزَّوْرَقُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْخِلَافِ عَنْ مَحِلِّ الْوِفَاقِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ تَحْرِيمَةً شَرْطٌ اتِّفَاقًا وَالِاشْتِرَاكُ أَدَاءً شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا كَمَا فِي اللَّاحِقِ فَإِنَّهُ فِيمَا يَقْتَضِي. . . إلَخْ) أَقُولُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَاذَتْهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُمَا لَاحِقَانِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُمَا مُشْتَغِلَانِ بِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا بِحَقِيقَتِهَا فَانْعَدَمَتْ الشَّرِكَةُ أَدَاءً وَإِنْ وُجِدَتْ تَحْرِيمَةً وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَأَيْضًا إنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ) أَقُولُ وَأَعَمُّ مِنْ اتِّحَادِ الصَّلَاةِ إذْ يَشْمَلُ مَا لَوْ اخْتَلَفَ صَلَاتُهُمَا حَتَّى لَوْ نَوَتْ الظُّهْرَ خَلْفَ مُصَلِّي الْعَصْرِ وَحَاذَتْهُ أَبْطَلَتْ صَلَاتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا يَصِحُّ نَفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ لَكِنْ هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بَقَاءِ أَصْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَسَادِ الِاقْتِدَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ الْخَامِسُ كَوْنُهُمَا فِي مَكَان وَاحِدٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَالْإِشَارَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحَائِلِ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ إذَا حَاذَتْهُ بَعْدَ مَا شَرَعَ وَنَوَى إمَامَتَهَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّأْخِيرُ بِالتَّقَدُّمِ خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ فِي تَأْخِيرِهَا بِالْإِشَارَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِذَا فَعَلَ فَقَدْ أَخَّرَ فَيَلْزَمُهَا التَّأَخُّرَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ تَرَكَتْ حِينَئِذٍ فَرْضَ الْمُقَامِ فَتَسْفُدُ صَلَاتُهَا دُونَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ وَهِيَ الْخَشَبَةُ الْعَرِيضَةُ الَّتِي تُحَاذِي رَأْسَ الرَّاكِبِ وَتَشْدِيدُ الْخَاءِ خَطَأٌ قَالَهُ الْحَدَّادِيُّ.
(قَوْلُهُ السَّابِعُ. . . إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَيْدِ الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ إلَّا بِنِيَّةِ إمَامَتِهَا إذْ لَوْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا.
(قَوْلُهُ مُشْتَهَاةً) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى إخْرَاجِ مُحَاذَاةِ الْأَمْرَدِ فَقَدْ صَرَّحَ الْكُلُّ بِعَدَمِ إفْسَادِهَا إلَّا مَنْ شَذَّ وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُ فِي الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ قَالَهُ الْكَمَالُ.
(قَوْلُهُ قَوْمٌ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ ظُلَّةٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا مُخْتَصَرُ الظَّهِيرِيَّةِ قَوْمٌ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ ظُلَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَتَحْتَ أَقْدَامِهِمْ نِسَاءٌ أَوْ طَرِيقٌ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِحِذَائِهِمْ) يَعْنِي عَنْ يَمِينِهِمْ أَوْ يَسَارِهِمْ فَتَغَايُرُ مَسْأَلَةَ مَا لَوْ كُنَّ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ وَقُدَّامَهُمْ.
. (قَوْلُهُ الْمُصَلِّي عَلَى رُفُوفِ الْمَسْجِدِ) كَذَا مِثْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَلِهَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا إنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ مَكْرُوهَةٌ.
(قَوْلُهُ النَّهْرُ الْكَبِيرُ. . . إلَخْ) اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَقَالَ
стр. 91
(فِي الْمَسْجِدِ) حَالٌ مِنْ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ (لَا) أَيْ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ (الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقِيلَ يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ أَيْضًا (، وَقَدْرُ مَا يُمْكِنُ الِاصْطِفَافُ فِيهِ) حَالَ كَوْنِهِ (فِي الصَّحْرَاءِ، وَقِيلَ) يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ (فُرْجَةٌ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ) فِي الصَّحْرَاءِ.
(وَالْجَبَّانَةُ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ كَالْمَسْجِدِ) قَالَ قَاضِي خَانْ لَوْ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعِيدِ بِالْجَبَّانَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَضَاءٌ وَاتِّسَاعٌ؛ لِأَنَّ الْجَبَّانَةَ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ (الْحَائِلُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي لَوْ كَانَ (بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (حَالُ الْإِمَامِ يَمْنَعُهُ) أَيْ الِاقْتِدَاءَ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَبِهْ (فَلَا) يَمْنَعُهُ (إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمَكَانُ) قَالَ قَاضِي خَانْ إنْ قَامَ عَلَى الْجِدَارِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ دَارِهِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، وَإِنْ قَامَ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ، وَدَارُهُ مُتَّصِلَةٌ بِالْمَسْجِدِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ سَطْحِ دَارِهِ كَثِيرُ التَّخَلُّلِ فَصَارَ الْمَكَانُ مُخْتَلِفًا، أَمَّا فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَتَخَلَّلْ إلَّا الْحَائِطُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ وَعِنْدَ اتِّحَادِ الْمَكَانِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ إلَّا إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ.
وَقَالَ أَيْضًا الْإِمَامُ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيَمِينُ الْقِبْلَةِ مَا يَكُونُ حِذَاءَ يَسَارِ الْمُسْتَقْبِلِ وَيَسَارُ الْقِبْلَةِ مَا يَكُونُ بِحِذَاءِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ.
(تَكْمِلَةٌ)
لِمَبَاحِثِ الِاقْتِدَاءِ (الْمُدْرِكُ) فِي الِاصْطِلَاحِ (مَنْ صَلَّى الرَّكَعَاتِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَسْبُوقُ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهَا) أَيْ بِالرَّكَعَاتِ (كُلِّهَا) بِأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ الْأَخِيرِ أَوْ فِي التَّشَهُّدِ (أَوْ بِبَعْضِهَا) بِأَنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي الثُّنَائِيَّةِ أَوْ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ. (وَاللَّاحِقُ مَنْ فَاتَهُ كُلُّهَا) أَيْ كُلُّ الرَّكَعَاتِ (أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ) بِأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ وَجَاءَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَشَرَعَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِالتَّمَامِ أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ أَدَاءِ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَشَرَعَ يُصَلِّي مَا فَاتَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ الْمَسْبُوقُ (فِيمَا يَقْضِي) لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ الِانْفِرَادِ حَقِيقَةً فَإِنَّ مَا يُصَلِّي لَيْسَ مِمَّا الْتَزَمَهُ مَعَ الْإِمَامِ وَجِهَةُ الِاقْتِدَاءِ صُورَةً حَيْثُ بَنَى تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى كَانَ (كَالْمُنْفَرِدِ حَتَّى يُثْنِيَ) أَيْ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي يَجْهَرُ بِهَا (وَيَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ وَيَفْسُدُ مَا يَقْضِي بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا بِالْمُحَاذَاةِ وَيَتَغَيَّرُ) إلَى الْأَرْبَعِ مَا يَقْضِي (بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَحَدُّ الْكَبِيرِ مَا لَا يُحْصَى شُرَكَاؤُهُ، وَقِيلَ مَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ اهـ.
وَقِيلَ مَا يَجْتَازُهُ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ بِوَثْبَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَضَاءٌ أَوْ اتِّسَاعٌ) عِبَارَةُ قَاضِي خَانْ عَطَفَهَا بِالْوَاوِ لَا بِأَوْ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَشْتَبِهْ فَلَا يَمْنَعُهُ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمَكَانُ) أَقُولُ هَذَا عَلَى خِلَافِ الصَّحِيحِ لِمَا سَنَذْكُرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلِاشْتِبَاهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَامَ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا خِلَافُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحَدَثِ. اهـ.
قُلْتُ فَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِيمَا لَوْ قَامَ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ فَلَوْ اقْتَدَى مَنْ بِالْخَلَاوِي الْعُلْوِيَّةِ مِنْ خَانِقَاهُ الشَّيْخُونِيَّةِ بِإِمَامِهَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ حَتَّى مَنْ بِالْخَلْوَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَوْقَ الْإِيوَانِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ أَبْوَابَهَا خَارِجَةٌ عَنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ اشْتَبَهَ حَالُ الْإِمَامِ أَوْ لَا كَالِاقْتِدَاءِ مِنْ سَطْحِ دَارِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ اهـ إنَّمَا هُوَ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِمَا قَالَهُ فِي الْبُرْهَانِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ كَبِيرٌ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ مِنْهُ إلَى الْإِمَامِ وَلَكِنْ لَا يَشْتَبِهُ حَالُهُ عَلَيْهِ بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لِانْتِقَالَاتِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ اهـ.
وَعَلَى الصَّحِيحِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمَحَالِّ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ أَمَّا فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَتَخَلَّلْ إلَّا الْحَائِطُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ) أَقُولُ إطْلَاقُ التَّخَلُّلِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَامَ عَلَى الْحَائِطِ وَلِذَا قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُتَّحِدًا مَعَ قَوْلِهِ، وَإِنْ قَامَ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ، وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَيْضًا الْإِمَامُ. . . إلَخْ) قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(قَوْلُهُ بِأَنَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَا يَخْتَصُّ اللَّاحِقُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَاتَهُ بَعْدَ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى شَيْءٌ بِسَبَبِ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ زَحْمَةٍ أَوْ كَانَ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَهُوَ لَاحِقٌ وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ اللَّاحِقُ الْمَسْبُوقُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مَنْ سُبِقَ بِأَوَّلِ الصَّلَاةِ ثُمَّ اقْتَدَى وَفَاتَهُ أَيْضًا بَعْضُهَا بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَعِبَارَةُ مَتْنِهِ تَشْمَلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ اللَّاحِقَ هُوَ مَنْ فَاتَهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَشْمَلَ اللَّاحِقَ الْمَسْبُوقَ وَتَعْرِيفُهُمْ اللَّاحِقَ بِأَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَفَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا بِعُذْرٍ تَسَاهُلٌ اهـ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخُصَّ الْمُصَنِّفُ مَتْنَهُ بِمَا صَوَّرَهُ بِهِ لِيَشْمَلَ هَذَا الْقِسْمَ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا زَالَ عُذْرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا فَاتَهُ بِالْعُذْرِ ثُمَّ يَقْضِيَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ الَّذِي سُبِقَ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُرَتِّبْ هَكَذَا أَجَزْنَاهُ خِلَافًا
стр. 92
وَتَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ بِالسَّهْوِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا يَقْضِي وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُنْفَرِدِ.
(وَ) بِالنَّظَرِ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ (كَالْمُقْتَدِي حَتَّى لَا يُؤْتَمَّ) أَيْ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ فِي حَقِّ التَّحْرِيمَةِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ (وَإِنْ صَلَحَ لِلْخِلَافَةِ) أَيْ؛ لَأَنْ يَجْعَلَهُ إمَامُهُ خَلِيفَةً لَهُ إذَا أَحْدَثَ (وَيَقْطَعُ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ تَحْرِيمَتُهُ) أَيْ لَوْ كَبَّرَ نَاوِيًا اسْتِئْنَافَ صَلَاةٍ وَقَطَعَهَا يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا وَقَاطِعًا بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ (وَيَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ بِسَهْوِ إمَامِهِ) يَعْنِي لَوْ قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ وَعَلَى الْإِمَامِ سَجْدَتَا سَهْوٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ، وَلَوْ لَمْ يَعُدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ السُّجُودُ بِسَهْوِ غَيْرِهِ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الْمَسْبُوقُ (فِي سَهْوِهِ) أَيْ سَهْوِ إمَامِهِ (وَيَأْتِي) الْمَسْبُوقُ (بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ) بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ (وَاللَّاحِقُ) لَيْسَ لَهُ الْجِهَتَانِ بَلْ هُوَ (كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى لَا يَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَلَا يَأْتِي بِقِرَاءَةٍ وَلَا سَهْوٍ) أَيْ سَجْدَةِ سَهْوٍ إذَا سَهَا (وَلَا بِمَا) أَيْ لَا يَأْتِي بِمَا (تَرَكَهُ إمَامُهُ بِالسَّهْوِ وَيَفْسُدُ مَا يَقْضِي بِالْمُحَاذَاةِ وَعِلْمِهِ بِخَطَأِ الْقِبْلَةِ مِنْ إمَامِهِ) وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُقْتَدِي (الْمَسْبُوقُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَآخِرَهَا فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ) مَعَ الْإِمَامِ (قَضَى بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ وَفَصَلَ بِقَعْدَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَضَى رَكْعَةً فَكَأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّشَهُّدِ (وَقَرَأَ فِي كُلٍّ) مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) ؛ لِأَنَّ مَا يَقْضِي كَأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي أَحَدِهِمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ (وَلَوْ أَدْرَكَهَا) أَيْ رَكْعَةً
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
لِزُفَرَ وَصَوَّرَهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي خَمْسِ صُوَرٍ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَا يُؤْتَمَّ) أَقُولُ، وَكَذَا لَا يَأْتَمُّ فِيمَا يَقْضِيهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَلَحَ لِلْخِلَافَةِ) أَقُولُ يَعْنِي فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا خُصُوصِ هَذَا الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا يَقْضِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ فِي حَالَةِ اقْتِدَائِهِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ إمَامِهِ.
(قَوْلُهُ وَيَفْسُدُ مَا يَقْضِي بِالْمُحَاذَاةِ) أَيْ بِمُحَاذَاةِ لَاحِقَةِ مِثْلِهِ.
(قَوْلُهُ وَعِلْمِهِ بِخَطَأِ الْقِبْلَةِ مِنْ إمَامِهِ) أَقُولُ، وَكَذَا بِتَبَدُّلِ اجْتِهَادِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ) أَيْ مَا لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْمُصَنِّفُ ﵀ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْمَسْبُوقِ إذْ لَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا لَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَهْوًا فَسَجَدَ لَهُ فَتَابَعَهُ الْمَسْبُوقُ ثُمَّ عَلِمَ أَنْ لَا سَهْوَ فَالْأَشْهُرُ فَسَادُ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ، وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ الْخَامِسَةَ فَتَابَعَهُ الْمَسْبُوقُ إنْ قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ، وَلَوْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ سَاهِيًا أَوْ قَبْلَهُ لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَلَوْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ ﵇ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ سَلَامُ عَمْدٍ فَتَفْسُدُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَوْرًا بَلْ يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الْإِمَامِ بَعْدَهُمَا لِاحْتِمَالِ سَهْوٍ عَلَى الْإِمَامِ فَيَصْبِرُ حَتَّى يَفْهَمَ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثًا بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ مَا مُحَصِّلُهُ الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فَرُبَّمَا اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْعَمَلَ بِالْجَائِزِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَقُومَ قَبْلَ السَّلَامِ بَعْدَ الْجُلُوسِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ إذَا خَافَ تَمَامَ مُدَّةِ مَسْحِهِ لَوْ انْتَظَرَ سَلَامَ الْإِمَامِ أَوْ خُرُوجَ الْوَقْتِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْفَجْرِ أَوْ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَهُوَ مَعْذُورٌ أَوْ خَافَ أَنْ يَبْتَدِرَهُ الْحَدَثُ أَوْ خَافَ مُرُورَ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَوْ قَامَ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا، وَمِنْهَا لَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ سَجْدَةً صُلْبِيَّةً وَعَادَ إلَيْهَا يُتَابِعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَسَدَتْ، وَإِنْ كَانَ قَيَّدَ رَكْعَتَهُ بِسَجْدَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا عَادَ أَوْ لَمْ يَعُدْ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ وَاللَّاحِقُ لَيْسَ الْجِهَتَانِ. . . إلَخْ) هَذَا بَيَانُ أَحْكَامِهِ كَمَا وَعَدَ بِهِ وَلَمْ يُوفِ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوَّلًا فَالْأَوَّلُ وَاضِحٌ وَالثَّانِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا فَاتَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَابِعَ الْإِمَامَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ، فَلَوْ تَابَعَ الْإِمَامَ أَوَّلًا ثُمَّ أَتَى بِمَا فَاتَهُ صَحَّ وَلَكِنْ يَأْثَمُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ زُفَرُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِمَا فَاتَهُ أَوَّلًا، وَمِنْ أَحْكَامِهِ لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَدَخَلَ مِصْرَهُ لِلْوُضُوءِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا تَنْقَلِبُ صَلَاتُهُ أَرْبَعًا، وَمِنْهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِقَهْقَهَةِ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ السَّلَامِ، وَقَدْ جَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ فِعْلَهُ أَدَاءً شَبِيهًا بِالْقَضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ تَغَيُّرِ فَرْضِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ وَالْمَسْبُوقُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ. . . إلَخْ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ فَلَوْ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِقَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ وَصُورَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ إحْرَامِهِ مَا فَاتَهُ قَبْلَ مُشَارَكَتِهِ لِإِمَامِهِ فِيمَا أَدْرَكَهُ قَالُوا يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَقِيلَ تَفْسُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِالْمَنْسُوخِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ عَدَمَ فَسَادِ صَلَاتِهِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ مَا صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْفَسَادِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ لِمُوَافَقَتِهِ الْقَاعِدَةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْرَكَهَا) أَيْ رَكْعَةً مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. . . إلَخْ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِيهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمَذْهَبَ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَيْضِ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمَا فَقَالَ نَاقِلًا عَنْ الْمُسْتَصْفَى لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ ثُمَّ قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَأْتِي بِالثَّالِثَةِ بِفَاتِحَةٍ خَاصَّةٍ، وَقَالَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِفَاتِحَةٍ
стр. 93
(مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ صَلَّى رَكْعَةً) أُخْرَى (وَقَرَأَهُمَا) أَيْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً (وَتَشَهَّدَ) ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّشَهُّدِ (ثُمَّ صَلَّى) رَكْعَةً (أُخْرَى وَقَرَأَهُمَا) أَيْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً؛ لِأَنَّ مَا يَقْضِي أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْقِرَاءَةِ (وَلَا يَتَشَهَّدُ) ؛ لِأَنَّ مَا يَقْضِي آخِرُ صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّشَهُّدِ (وَخُيِّرَ فِي الثَّالِثَةِ) بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّرْكِ (وَالْأَفْضَلُ الْقِرَاءَةُ) .
(بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ)
(إمَامٌ سَبَقَهُ حَدَثٌ غَيْرُ مَانِعٍ لِلْبِنَاءِ) لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ كَمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا سَيَظْهَرُ. (وَلَوْ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ سَبْقُ الْحَدَثِ (بَعْدَ التَّشَهُّدِ) قَبْلَ السَّلَامِ إذْ حِينَئِذٍ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُوجَدْ (يَسْتَخْلِفُ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ إمَامٌ أَيْ يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ إذْ خُلُوُّ مَكَانِ الْإِمَامِ عَنْ الْإِمَامِ يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَلَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ، كَذَا فِي الْكَافِي صُورَةُ الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَتَأَخَّرَ مُحْدَوْدِبًا وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ رَعَفَ فَيَنْقَطِعُ عَنْهُ الظُّنُونُ وَيُقَدِّمُ مِنْ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ بِالْإِشَارَةِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الصُّفُوفَ فِي الصَّحْرَاءِ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ حَتَّى جَاوَزَ هَذَا الْحَدَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَسُورَةٍ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ أُولَاهُمَا بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ وَثَانِيَتُهُمَا بِفَاتِحَةٍ خَاصَّةٍ.
[بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ سَبَقَهُ حَدَثٌ. . . إلَخْ) أَقُولُ، وَلَوْ مِنْ تَنَحْنُحِهِ أَوْ عُطَاسِهِ لِمَا قَالَ فِي الْبَحْرِ وَصَحَّحُوا الْبِنَاءَ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ عُطَاسِهِ أَوْ تَنَحْنُحِهِ اهـ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ عَطَسَ فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ عُطَاسِهِ أَوْ تَنَحْنَحَ فَخَرَجَ مِنْ قُوَّتِهِ رِيحٌ قِيلَ لَا يَبْنِي هُوَ الصَّحِيحُ اهـ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ.
(قَوْلُهُ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَقُولُ يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ وَالْبِنَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ غَيْرَ فَرْضٍ بَلْ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَخْتَصُّ بِمَا عَلَّلَهُ بِهِ.
(قَوْلُهُ يَسْتَخْلِفُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ إمَامٌ أَيْ اسْتِخْلَافُهُ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ عَامِلًا كَمَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَكَذَا أَيْ جَازَ اسْتِخْلَافُهُ وَلَا يُقَدَّرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ كَوَجَبَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي الْبِنَاءُ صِيَانَةً لِلْجَمَاعَةِ وَلِلْمُنْفَرِدِ الِاسْتِئْنَافُ تَحَرُّزًا عَنْ الْخِلَافِ وَصَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتُونِ أَنَّ الِاسْتِئْنَافَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ فَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِخْلَافُ صِيَانَةً لِصَلَاةِ الْقَوْمِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ قُلْت عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَجْمَعِ مَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي كَمَا لَوْ كَانَ إمَامًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ اتِّفَاقًا قَالُوا بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِخْلَافُ صِيَانَةً لِصَلَاةِ الْقَوْمِ اهـ فَلَا اتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ قَالُوا إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ اهـ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ اللَّازِمَ مِنْ حَيْثِيَّةِ بَقَاءِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْقَوْمِ لَا مِنْ حَيْثِيَّةِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ تَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ إذْ خُلُوُّ مَكَانِ الْإِمَامِ عَنْ الْإِمَامِ يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي) أَيْ، وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ وَقَفَ فِيهِ بَعْدَ الْحَدَثِ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْكَافِي) أَقُولُ لَيْسَ جُمْلَتُهُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ مِنْهُ بَلْ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ صُورَةُ الِاسْتِخْلَافِ. . . إلَخْ) هَذَا عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَيُقَدِّمُ مِنْ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ بِالْإِشَارَةِ) أَقُولُ أَوْ يَأْخُذُ ثَوْبَ مَنْ يُقَدِّمُهُ إلَى الْمِحْرَابِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ) أَقُولُ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ ثُمَّ خَرَجَ فَحُكْمُهُ هُوَ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ لَوْ اسْتَحْلَفَ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ نَوَى الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ مِنْ سَاعَتِهِ صَارَ إمَامًا فَتَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ كَانَ مُتَقَدِّمَهُ دُونَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَمَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فِي صَفِّهِ وَمَنْ خَلْفَهُ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ إمَامًا إذَا قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَخَرَجَ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْخَلِيفَةُ إلَى الْمِحْرَابِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، وَشَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ وَالْقَوْمِ أَنْ يَصِلَ الْخَلِيفَةُ إلَى الْمِحْرَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ حَتَّى جَاوَزَ هَذَا الْحَدَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ) أَقُولُ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ سَوَاءٌ كَانَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا وَسَيُصَرِّحُ بِهِ فِيمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَهُوَ صَرِيحُ قَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ اسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَالصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ بِصُفُوفِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِخْلَافُهُ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اهـ.
وَمَفْهُومُهُ صِحَّةُ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ خَارِجٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ صَرَّحَ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ وَقَلَبَ الْخِلَافَ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ فَجَعَلَ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ خَارِجٍ قَوْلَهُمَا لَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ إنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ مَا دَامَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ اسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَالصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ جَازَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ اهـ
стр. 94
وَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ (كَمَا إذَا حَصِرَ) الْإِمَامُ (عَنْ الْقِرَاءَةِ) أَيْ قِرَاءَةِ قَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ حِينَئِذٍ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِخْلَافُ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَيَتَوَضَّأُ) الْإِمَامُ (وَيَبْنِي) بَاقِيَهَا عَلَى مَا مَضَى (وَيُتِمُّ) صَلَاتَهُ (ثَمَّةَ) أَيْ مَكَانَ التَّوَضُّؤِ (أَوْ يَعُودُ) إلَى مَكَانِهِ (إنْ فَرَغَ إمَامُهُ) أَيْ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يُتِمُّ ثَمَّةَ أَوْ يَعُودُ (كَالْمُنْفَرِدِ) فَإِنَّهُ أَيْضًا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِتْمَامِ ثَمَّةَ وَبَيْنَ الْعَوْدِ، وَوَجْهُ التَّخْيِيرِ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ قِلَّةَ الْمَشْيِ، وَفِي الثَّانِي أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَيَخْتَارُ أَيًّا شَاءَ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ إمَامُهُ (عَادَ) إلَى مَكَانِهِ قَطْعًا (كَذَا)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ وَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ) أَقُولُ صُحِّحَ كُلٌّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ الْفَسَادُ اهـ.
وَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَمْ يُبَيِّنْ مُحَمَّدٌ حَالَ الْإِمَامِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا، وَذَكَرَ أَبُو عِصْمَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِأَنَّهُ كَالْمُنْفَرِدِ لِفَسَادِ اسْتِخْلَافِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا إذَا حَصِرَ) بِوَزْنِ تَعِبَ فِعْلًا وَمَصْدَرًا الْعَيُّ وَضِيقُ الصَّدْرِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي النِّهَايَةِ ضَمُّ الْحَاءِ فِيهِ خَطَأٌ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ، وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُصِرَ عَلَى فُعِلَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مِنْ حَصَرَهُ إذَا حَبَسَهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَمَعْنَاهُ حُبِسَ وَمُنِعَ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِسَبَبِ خَجَلٍ أَوْ خَوْفٍ بِالْوَجْهَيْنِ حَصَلَ لِي السَّمَاعُ وَبِهِمَا صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ وَرَدَتْ اللُّغَتَانِ أَيْضًا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ كَالصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا إنْكَارُ الْمُطَرِّزِيِّ ضَمَّ الْحَاءِ فَهُوَ فِي مَكْسُورِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَا يَجِيءُ لَهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إلَّا فِي مَفْتُوحِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ لِلْمَفْعُولِ فَافْهَمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ حِينَئِذٍ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا) أَقُولُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا الْحُكْمُ عِنْدَهُمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ هَلْ تَبْطُلُ أَوْ يُتِمُّهَا بِلَا قِرَاءَةٍ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ جَازَ أَيْ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يُجْزِيهِمْ اهـ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ بَلْ يُتِمُّهَا بِدُونِ الْقِرَاءَةِ كَالْأُمِّيِّ إذَا أَمَّ أُمِّيِّينَ وَنَسَبَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إلَى السَّهْوِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اهـ قُلْت وَمَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّهُ يُتِمُّهَا بِلَا قِرَاءَةٍ عِنْدَهُمَا تَبِعَهُ فِيهِ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِنَا عَنْ شَيْخِهِ مَعْزِيًّا إلَى الْبَدَائِعِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ عِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ وَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِخْلَافُ بِلَا خِلَافٍ) أَقُولُ، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدَةِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ إنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ بِصِيغَةِ قِيلَ ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِمَا أَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي فَتْحِ الْمُصَلِّي عَلَى إمَامِهِ بِأَنَّهَا لَا تَفْسُدُ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ قَرَأَ الْإِمَامُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا فَكَذَلِكَ هُنَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ مُطْلَقًا اهـ قُلْت يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى كَتَبْت فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا حُصِرَ فَاسْتَخْلَفَ بَعْدَ مَا قَرَأَ مَا تَجُوزُ بِهِ صَلَاتُهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ أَذْكُرْ أَنَّهُ هَلْ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنِّي كَتَبْت فِي مَسْأَلَةِ الْأُمِّيِّ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عَمَلٌ كَثِيرٌ يُفْسِدُ فَيُفْسِدُ هَذَا أَيْضًا فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدُ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ نَفْسَ الْفَتْحِ لَا يُفْسِدُ فَلَا يُفْسِدُ أَيْضًا هُنَا؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ فَلَوْ أَفْسَدَ إنَّمَا يُفْسِدُ لَا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَكِنْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَهُنَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَلَا تَفْسُدُ اهـ.
(قُلْت) وَلِلِاحْتِيَاجِ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ مِنْ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِقِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الْحَصْرُ فِي رَكْعَةٍ بَعْدَ الْأُولَى، وَقَدْ قَرَأَ فِيهِمَا مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ مَا تَجُوزُ بِهِ ثُمَّ حُصِرَ فِيهَا جَازَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ بِلَا خِلَافٍ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَيَتَوَضَّأُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ وَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَأْتِي بِسَائِرِ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَرَّةً، وَإِنْ زَادَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ. وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِلْوُضُوءِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَالْقُدُورِيُّ أَنَّ الِاسْتِقَاءَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَيَبْنِي) أَقُولُ وَلَا كَرَاهَةَ فِي صَلَاتِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ كَالْمُنْفَرِدِ فَإِنَّهُ أَيْضًا مُخَيَّرٌ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْأَفْضَلَ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُقْتَدِي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ قَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ الْعَوْدُ أَفْضَلُ لِيَكُونَ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالْفَضْلِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَقِيلَ فِي مَنْزِلِهِ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْمَشْيِ قَالَ الْأَكْمَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، وَذَكَرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّ الْعَوْدَ يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ مَشَى بِلَا حَاجَةٍ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَالصَّحِيحُ عَدَمُهُ أَيْ عَدَمُ الْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ لَمْ يَفْرُغْ إمَامُهُ عَادَ إلَى مَكَانِهِ قَطْعًا) أَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصُ عَيْنِ مَكَانِهِ بَلْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا فِيهِ حَتَّى لَوْ أَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي مَوْضِعِ وُضُوئِهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِيمَا هُوَ حُكْمُ الْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ جَازَ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى مُصَلَّاهُ وَإِذَا عَادَ قَالَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْضِيَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ فِي حَالِ اشْتِغَالِهِ بِالْوُضُوءِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ يَقْضِيَ آخِرَ صَلَاتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَافًا لِزُفَرَ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ﵀ اهـ قُلْت وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا
стр. 95
أَيْ كَالْإِمَامِ (الْمُقْتَدِي) إذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ (وَالْأَفْضَلُ لِلْمُنْفَرِدِ وَمُقْتَدٍ فَرَغَ إمَامُهُ الِاسْتِئْنَافُ) لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ فَيَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ بِلَا خَلَلٍ وَيَبْنِي الْإِمَامُ وَالْمُقْتَدِي إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَسْبُوقًا) جَازَ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ (أَتَمَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَوَّلًا) بِأَنْ ابْتَدَأَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ الْإِمَامُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِذَا انْتَهَى) إلَى السَّلَامِ (قَدَّمَ مُدْرِكًا يُسَلِّمُ بِهِمْ وَحِينَ أَتَمَّهَا) أَيْ الْمَسْبُوقُ صَلَاةَ الْإِمَامِ بِأَنْ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (يَضُرُّهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ وَالْمُرَادُ صَلَاتُهُ (الْمُنَافِي لِلصَّلَاةِ) كَالْقَهْقَهَةِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَ) يَضُرُّ الْإِمَامَ (الْأَوَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ أَثْنَاءَ صَلَاتِهِمَا (إلَّا عِنْدَ فَرَاغِهِ) أَيْ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ بِأَنْ تَوَضَّأَ وَأَدْرَكَ خَلِيفَتَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ خَلْفَ خَلِيفَتِهِ (لَا الْقَوْمَ) أَيْ لَا يَضُرُّ الْمُنَافِي الْقَوْمَ إذْ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ (وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْهُ) أَيْ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ حَدَثٌ (وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا) فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَدَّمْنَاهُ فِي اللَّاحِقِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا فَاتَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَابِعَ الْإِمَامَ وَإِلَّا أَثِمَ فَلَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ التَّخْيِيرُ هُنَا عَلَى الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُنْفَرِدِ وَمُقْتَدٍ فَرَغَ إمَامُهُ الِاسْتِئْنَافُ. . . إلَخْ) فِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمُقْتَدٍ فَرَغَ إمَامُهُ الِاسْتِئْنَافُ مُدَافِعٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَالْمُقْتَدِي يَبْنِي إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَرَاغِ إمَامِ الْمُقْتَدِي وَعَدَمِهِ وَحَاصِلُ الْحُكْمِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ الِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا أَوْ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّبْيِينِ وَالْكَافِي وَالْبُرْهَانِ إنَّ الِاسْتِئْنَافَ أَفْضَلُ لِلْجَمِيعِ تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ إنَّ الْمُنْفَرِدَ يَسْتَقْبِلُ وَالْإِمَامَ وَالْمُقْتَدِيَ يَبْنِي صِيَانَةً لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ اهـ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّفْصِيلِ بِصِيغَةِ قِيلَ مُقَابِلًا لِإِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ الِاسْتِئْنَافِ صَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَظَاهِرُ الْمُتُونِ أَنَّ الِاسْتِئْنَافَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ. اهـ.
فَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُدَافَعَةِ وَمَعْنَى الِاسْتِئْنَافِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ الْوُضُوءِ ذَكَرَهُ الْكَافِي.
(قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا) إلَيْهِ أَشَارَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ» ذَكَرَهُ الْكَافِي. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ) ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ أَفَادَ التَّعْلِيلُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَدِّمَ مُقِيمًا إذَا كَانَ مُسَافِرًا وَلَا لَاحِقًا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَحِينَئِذٍ فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، كَذَا هَذَا وَكَمَا يُقَدِّمُ مُدْرِكًا لِلسَّلَامِ لَوْ تَقَدَّمَ، كَذَا الْآخَرَانِ أَمَّا الْمُقِيمُ فَلِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ خَلْفَهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِتْمَامُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُمْ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ أَوْ بِنِيَّةِ الْخَلِيفَةِ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فِي الْأَصْلِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُمْ أَرْبَعًا لِلِاقْتِدَاءِ بِالْمُقِيمِ قُلْنَا لَيْسَ هُوَ إمَامًا إلَّا ضَرُورَةً فَيَصِيرُ قَائِمًا مَقَامَهُ فِيمَا هُوَ قَدْرُ صَلَاتِهِ فَكَانُوا مُقْتَدِينَ بِالْمُسَافِرِ مَعْنًى وَصَارَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى فَرْضًا عَلَى الْخَلِيفَةِ وَيُقَدِّمُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ مُسَافِرًا يُسَلِّمُ بِهِمْ ثُمَّ يَقْضِي الْمُقِيمُونَ رَكْعَتَيْنِ مُنْفَرِدِينَ، وَلَوْ اقْتَدَوْا بِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ دُونَ الْمُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهُمْ إنَّمَا يُوجِبُ الْمُتَابَعَةَ إلَى هُنَا اهـ قُلْت وَهَذَا لَيْسَ تَعْلِيلًا لِفَسَادِ الصَّلَاةِ بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنَّمَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ صَلَاةً بِمُتَابَعَتِهِمْ خَلِيفَةَ الْمُسَافِرِ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إمَامًا إلَّا فِيمَا هُوَ قَدْرُ صَلَاةِ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ فَاقْتِدَاؤُهُمْ فِيمَا بَعْدُ لَا يَضُرُّهُمْ.
(قَوْلُهُ وَيَضُرُّ الْإِمَامُ الْأَوَّلَ) أَقُولُ هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَخْلَفَهُ صَارَ مُقْتَدِيًا بِهِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِفَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَنْزِلِهِ قَبْلَ فَرَاغِ هَذَا الْمُسْتَخْلَفِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ انْفِرَادَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُقْتَدِيًا بِالْخَلِيفَةِ قَصْدًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَهَذَا الْقِيلُ رِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ قَالُوا وَكَأَنَّهَا غَلَطٌ، وَذَكَرَ الْكَمَالُ وَجْهَهُ، وَكَذَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَالْخَلِيفَةِ بِتَذَكُّرِ الْخَلِيفَةِ فَائِتَةً، وَكَذَا لَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَقَطْ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْهُ أَيْ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ حَدَثٌ) أَقُولُ لَفْظُ الْأَوَّلِ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَفْظُ الْأَوَّلِ هُنَا تَسَاهُلٌ إذْ لَيْسَ فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إمَامٌ ثَانٍ إذْ لَيْسَ فِيهَا اسْتِخْلَافٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ) أَقُولُ هَذَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمَسْبُوقُ بِالسَّجْدَةِ فَإِنْ كَانَ بَانٍ قَعَدَ مَعَهُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَامَ لِلْقَضَاءِ وَقَيَّدَ بِالسَّجْدَةِ قَبْلَ حَدَثِ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ انْفِرَادُهُ حَتَّى لَا يُتَابِعَ إمَامَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فَإِنْ تَابَعَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالسَّجْدَةِ وَتَابَعَهُ لَا تَفْسُدُ لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الِانْفِرَادِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَافِي وَاللَّاحِقُ كَالْمَسْبُوقِ إذَا قَيَّدَ مَا فَاتَهُ بِالسَّجْدَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَيَّدَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ
стр. 96
لِوُجُودِ الْمُنَافِي خِلَالَهَا (وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا) أَيْ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتُفْسِدُ مِثْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَامِ فَإِنَّهُ مِنْهُ لَا مُنَافٍ وَلِهَذَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَرْطُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَإِذَا صَادَفَ جُزْءًا لَمْ يُفْسِدْهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُ فِي أَوَانِهِ لَا فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُبْطِلُ شَرْطَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ بِخِلَافِ الْقَهْقَهَةِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ، وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ قَاطِعٌ لَا مُفْسِدٌ.
(وَمَانِعُهُ) أَيْ مَانِعُ الْبِنَاءِ (الْحَدَثُ الْعَمْدُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِمْنَاءُ بِاحْتِلَامٍ) بِأَنْ نَامَ فِي صَلَاتِهِ نَوْمًا لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَاحْتَلَمَ (أَوْ غَيْرُهُ) كَتَذَكُّرٍ أَوْ مَسٍّ بِشَهْوَةٍ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (وَالْقَهْقَهَةُ وَإِصَابَةُ بَوْلٍ كَثِيرٍ) جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ (وَسَيَلَانُ شَجَّةٍ وَظُهُورُ الْعَوْرَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ، كَذَا الْمَرْأَةُ) أَيْ ظُهُورُ عَوْرَتِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ إلَّا أَنْ تُضْطَرَّ أَيْضًا (وَالْقِرَاءَةُ ذَاهِبًا وَجَائِيًا) قِيلَ لَوْ قَرَأَ ذَاهِبًا تَفْسُدُ وَآتِيًا لَا، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَالصَّحِيحُ الْفَسَادُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ أَدَّى رُكْنًا مَعَ الْحَدَثِ وَفِي الثَّانِي مَعَ الْمَشْيِ (بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَيْسَ فِيهِمَا أَدَاءُ رُكْنٍ (وَطَلَبُ الْمَاءِ بِالْإِشَارَةِ) عَطْفٌ عَلَى الْحَدَثِ الْعَمْدِ أَوْ الْقِرَاءَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُدْرِكِ لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي صَلَاةِ اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ. اهـ. صَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْفَسَادَ وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَدَمَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ النَّائِمَ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ صَلَاةُ النَّائِمِ تَقْدِيرًا اهـ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِخِلَافِ اللَّاحِقِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ كَانَ فِي الْقَوْمِ لَاحِقٌ إنْ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَامَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ وَإِلَّا تَفْسُدُ عِنْدَهُ انْتَهَى مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَالضَّمِيرُ فِي عِنْدِهِ رَاجِعٌ لِلْإِمَامِ قُلْت، كَذَا أَطْلَقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَدَمَ الْفَسَادِ بِفِعْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ بَعْدَ قِيَامِ اللَّاحِقِ لِلْقَضَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالتَّقْيِيدِ بِالسُّجُودِ كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ اتِّكَالًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. . . إلَخْ) أَيْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَكُنْ سَلَّمَ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ. . . إلَخْ) أَقُولُ هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ أَوْ الْحَدَثِ عَمْدًا وَبَيْنَ التَّكَلُّمِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ إذَا أَفْسَدَتْ الْجُزْءَ الَّذِي لَاقَتْهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ يَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ فَسَادُ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِعَدَمِ فَسَادِ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ.
(قَوْلُهُ وَإِصَابَةُ بَوْلٍ كَثِيرٍ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَسْبِقْهُ وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَهُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا سَبَقَهُ بَنَى اتِّفَاقًا وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ غَسْلَ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ ابْتِدَاءً وَفِي هَذَا تَبَعًا لِلْوُضُوءِ، وَلَوْ أَصَابَتْهُ مِنْ حَدَثِهِ وَغَيْرِهِ لَا يَبْنِي، وَلَوْ اتَّحَدَ مَحَلُّهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَسَيَلَانُ شَجَّةٍ) أَقُولُ أَيْ بِصُنْعِ أَحَدٍ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ طُوبَةٌ مِنْ سَطْحٍ إنْ كَانَ بِمُرُورٍ اسْتَقْبَلَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ الْخِلَافُ بَيْنَ مَشَايِخِنَا مِثْلُ وُقُوعِ الثَّمَرَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَظُهُورُ الْعَوْرَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ كَذَا الْمَرْأَةُ) أَقُولُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ هُوَ الصَّحِيحُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ كُشِفَتْ الْعَوْرَةُ فِي الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً وَيُخَالِفُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ لَوْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا إذَا كَشَفَتْ الْمَرْأَةُ ذِرَاعَيْهَا لِلْوُضُوءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا لَمْ تَفْسُدْ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْبُنَاةِ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ عَوْرَتَهَا وَأَعْضَاءَهَا فِي الْوُضُوءِ وَتَغْسِلَ إذَا لَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَصْحِيحٍ لِقَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ وَعَلِمْت تَصْحِيحَ قَاضِي خَانْ لَهُ. (قَوْلُهُ وَطَلَبُ الْمَاءِ بِالْإِشَارَةِ) أَقُولُ هَذَا مُشْكِلٌ بِمَسْأَلَةِ دَرْءِ الْمَارِّ بِالْإِشَارَةِ، وَكَذَا بِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْغَايَةِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لَوْ طُلِبَ مِنْ الْمُصَلِّي شَيْءٌ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ بِنَعَمْ أَوْ بِلَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَفِي الْبَحْرِ مِثْلُهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ فَسَدَتْ وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ أَنَّهُ قَالَ إنَّ بَعْضَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَدْ عَزَا إلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِالرَّدِّ بِالْيَدِ وَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ نَقَلَ الْفَسَادَ فِي رَدِّ السَّلَامِ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ عَدَمَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَكَانَ هَذَا الْقَائِلَ فَهِمَ مِنْ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ الْفَسَادَ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي النُّطْقِ لَكِنَّ الثَّابِتَ مَا ذَكَرْنَا اهـ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ فَرْعٍ نَقَلَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَوْ صَافَحَ الْمُصَلِّي إنْسَانًا بِنِيَّةِ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَنَقَلَ الزَّاهِدِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ حُسَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ أَيْضًا إذَا رَدَّ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّسْلِيمِ بِالْيَدِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى عَدَمِ الْفَسَادِ بِإِشَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّدِّ بِيَدِهِ لَكِنَّهُ نَاقَشَ
стр. 97
(وَشِرَاؤُهُ بِالتَّعَاطِي) قَيَّدَ بِهِ لِظُهُورِ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِصَرِيحِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (وَالْمُكْثُ قَدْرَ) أَدَاءِ (رُكْنٍ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ إلَّا إذَا كَانَا) أَيْ الْحَدَثُ وَالْمُكْثُ (نَائِمًا) أَيْ فِي حَالِ نَوْمِ الْمُحْدِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ (وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَ) تَجَاوُزُ (الصُّفُوفِ فِي غَيْرِهِ) كَالصَّحْرَاءِ (بَعْدَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ ثُمَّ ظَهَرَ طُهْرُهُ، وَلَوْ عَمِلَ) عَمْدًا (بَعْدَ التَّشَهُّدِ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ تَمَّتْ) الصَّلَاةُ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ (وَلَوْ وُجِدَ) مُنَافِي الصَّلَاةِ بَعْدَهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ نَقَلَ الْفَرْعَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اهـ قُلْت فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِطَلَبِ الْمَاءِ بِالْإِشَارَةِ كَرَدِّ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ بِالْإِشَارَةِ وَعَلِمْت مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ وَشِرَاؤُهُ بِالتَّعَاطِي) أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَيْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ اهـ.
وَمُجَاوَزَتُهُ مَاءً وَلَا عُذْرَ لَهُ تُفْسِدُ أَمَّا لَوْ جَاوَزَ مَاءً يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ لِضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ أَوْ كَانَ بِئْرًا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِقَاءِ مِنْهُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ أَوْ كَانَ بِبَيْتِهِ فَجَاوَزَهُ نَاسِيًا لِاعْتِيَادِهِ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَوْضِ لَا تَفْسُدُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ قَيَّدَ بِهِ لِظُهُورِ فَسَادِ الصَّلَاةِ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صَرِيحُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَقَدْ فَسَدَتْ فَمَعَهُمَا أَظْهَرُ.
(قَوْلُهُ وَالصُّفُوفُ فِي غَيْرِهِ كَالصَّحْرَاءِ) أَقُولُ كَالصَّحْرَاءِ مِثَالٌ لِلْغَيْرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغَيْرَ شَامِلٌ لِلْجَبَّانَةِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ، كَذَا رَوَى أَبِي يُوسُفَ اهـ.
وَمَكَانُ الصُّفُوفِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ مِنْ قُدَّامِهِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ سُتْرَةٌ يَعْتَبِرُ قَدْرَ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَالْحَدُّ السُّتْرَةُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِيهِ قَدْرَ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ سُتْرَةٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْجَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ أَنْ يَعْتَبِرَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُنْفَرِدٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحُكْمُ الْمُنْفَرِدِ ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالصَّحِيحُ هُوَ التَّقْدِيرُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ أَيْ فِي الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِنَاءٌ أَوْ سُتْرَةٌ فَإِنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ ذَلِكَ اهـ.
وَإِنْ اسْتَخْلَفَ هَذَا الظَّانُّ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ قِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي نَصْرٍ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي الصَّحْرَاءِ فَحَدُّهُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ، وَقِيلَ مِقْدَارُ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْمَرْأَةُ إنْ نَزَلَتْ عَنْ مُصَلَّاهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَلِهَذَا تَعْتَكِفُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ مَا ظَنَّ. . . إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِانْصِرَافَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَرَادَ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ لِسَبْقِ الْحَدَثِ عَلَى مَا ظَنَّهُ فَلَا تَفْسُدُ حَتَّى يَخْرُجَ أَمَّا لَوْ انْصَرَفَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ افْتَتَحَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ أَنْ مُدَّةَ مَسْحِهِ انْقَضَتْ أَوْ ظَنَّ سَرَابًا مَاءً أَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَهُوَ صَاحِبُ تَرْتِيبٍ أَوْ رَأَى حُمْرَةً فِي ثَوْبِهِ فَظَنَّهَا نَجَاسَةً فَانْصَرَفَ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ نَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ وَالنَّازِلِيِّ أَنَّ الْغَازِيَ لَوْ ظَنَّ حُضُورَ الْعَدُوِّ فَانْصَرَفَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ لَمْ تَفْسُدْ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ اهـ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الظَّانَّ يُتِمُّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْقِيَاسُ الِاسْتِقْبَالُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ الْكَمَالُ عَنْ النِّهَايَةِ هِيَ أَيْ الرِّوَايَةُ فِيمَا إذَا كَانَ بَابُ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنْ كَانَ وَهُوَ يَمْشِي مُتَوَجِّهًا لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَمِلَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ تَمَّتْ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِالتَّشَهُّدِ الْجُلُوسُ قَدْرَهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ لِلصِّحَّةِ الْإِتْيَانُ بِالتَّشَهُّدِ وَالْمُرَادُ بِالتَّمَامِ الصِّحَّةُ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا نَاقِصَةٌ لِتَرْكِهِ وَاجِبًا مِنْهَا فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ تَمَّتْ صَحَّتْ لَكَانَ أَوْلَى وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ تَمَّتْ صَلَاتُك أَيْ قَارَبَتْ التَّمَامَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسَمَّى بِاسْمِ مَا قَرُبَ إلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وَأَمْثَالُهُ قُلْت وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ إعَادَتِهَا.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ تَجِبُ إعَادَتُهَا لِنَقْصِهَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ وَحْدَهُ اهـ.
وَكَذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ تَجِبُ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ اهـ لَكِنْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَتَبِعَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا إنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ. اهـ.
قُلْت وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ لَهُ مَا قَالَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَالْبَحْرِ وَلَا يُخَالِفُهُ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ نَفْيِهَا الْإِعَادَةَ عَلَى الْإِعَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ يُرْشِدُ إلَيْهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إعَادَتِهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْأَكْمَلُ وَالْكَمَالُ لِحَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ مِنْ الْحَمْلِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بَعْدَ هَذَا فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَتُعَادُ أَيْ الصَّلَاةُ الْمَكْرُوهَةُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ وَهُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ اهـ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ كَمَا إذَا تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ اهـ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ) أَيْ، وَقَدْ وُجِدَتْ أَرْكَانُهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ وُجِدَ مُنَافِي الصَّلَاةَ بَعْدَهُ بِلَا صُنْعِهِ بَطَلَتْ. . . إلَخْ) أَقُولُ فِي الْبُرْهَانِ الْأَظْهَرُ قَوْلُ الصَّاحِبَيْنِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ وَالْقَوْلُ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِالصُّنْعِ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ تَخْرِيجُ الْبَرْدَعِيِّ وَرَدَّهُ الْكَرْخِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ بِفِعْلِهِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ إنَّمَا هُوَ حَمْلٌ مِنْ الْبَرْدَعِيِّ لَمَّا رَأَى خِلَافَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ غَلَطٌ ذَكَرَ وَجْهَهُ الْكَمَالُ وَالْبُرْهَانُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ ثُمَّ بَيَّنْتُ فِي رِسَالَتِي
стр. 98
(بِلَا صُنْعِهِ بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ لِوُجُودِ الْمُنَافِي قَبْلَ تَمَامِهَا خِلَافًا لَهُمَا (فَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِقُدْرَةِ الْمُتَيَمِّمِ) فِي الصَّلَاةِ (عَلَى) اسْتِعْمَالِ (الْمَاءِ وَرُؤْيَةِ) أَيْ وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِرُؤْيَةِ (الْمُتَوَضِّئِ الْمُقْتَدِي بِالْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ) قَالَ فِي الْكَنْزِ وَبَطَلَتْ إنْ رَأَى مُتَيَمِّمٌ مَاءً قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى لَوْ رَآهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ قَدَرَ بِلَا رُؤْيَةٍ بَطَلَتْ فَمَدَارُ الْأَمْرِ عَلَى الْقُدْرَةِ لَا غَيْرُ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُتَيَمِّمِ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَوَضِّئٌ يُصَلِّي خَلْفَ مُتَيَمِّمٍ فَرَأَى الْمُقْتَدِي الْمَاءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَادِرٌ عَلَى الْمَاءِ بِإِخْبَارِهِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ وَلِهَذَا غَيَّرْتُ تِلْكَ الْعِبَارَةَ إلَى مَا تَرَى (وَنَزْعِ الْمَاسِحِ خُفَّهُ بِفِعْلٍ يَسِيرٍ) بِأَنْ كَانَ وَاسِعًا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُعَالَجَةِ فِي النَّزْعِ، وَإِنْ كَانَ النَّزْعُ بِفِعْلٍ عَنِيفٍ تَمَّتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ (وَمُضِيِّ مُدَّةِ مَسْحِهِ إنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَقِيلَ مُطْلَقًا وَتَعَلُّمِ الْأُمِّيِّ آيَةً) أَيْ تَذَكُّرِهِ أَوْ حِفْظِهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ بِلَا اشْتِغَالٍ بِالتَّعَلُّمِ وَإِلَّا تَمَّتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ وَمَا وَقَعَ فِي الْمُتُونِ الْمَشْهُورَةِ لَفْظُ سُورَةٍ مَكَانَ آيَةٍ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِهِمَا (وَنَيْلِ الْعَارِي ثَوْبًا) أَيْ ثَوْبًا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ (وَقُدْرَةِ الْمُومِئِ عَلَى الْأَرْكَانِ) فَإِنَّ آخِرَ صَلَاتِهِ قَوِيَ فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ (وَتَذَكُّرِ فَائِتَةٍ) عَلَيْهِ وَهُوَ صَاحِبُ التَّرْتِيبِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ فَائِتَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فَتَذَكَّرَهَا الْمُؤْتَمُّ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ وَحْدَهُ، كَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ. (وَتَقْدِيمِ الْقَارِئِ أُمِّيًّا وَطُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ وَزَوَالِ عُذْرِ الْمَعْذُورِ وَسُقُوطِ الْجَبْرِيَّةِ عَنْ بُرْءٍ وَوُجْدَانِ الْمُصَلِّي بِالنَّجِسِ مَا يُزِيلُهُ وَدُخُولِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عَلَى مُصَلِّي الْقَضَاءِ وَعَدَمِ سَتْرِ الْجَارِيَةِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الْمُسَمَّاةِ بِالْمَسَائِلِ الْبَهِيَّةِ الزَّاكِيَةِ عَلَى الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ تَحْقِيقَ افْتِرَاضِ الْخُرُوجِ بِالصُّنْعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَرْدَعِيِّ فَالتَّرَاجُعَ.
(قَوْلُهُ فَتَبْطُلُ بِقُدْرَةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي فِي آخِرِ الصَّلَاةِ) وَذَلِكَ بَعْدَ الْجُلُوسِ آخِرَهَا قَدْرَ التَّشَهُّدِ إذْ لَوْ كَانَ قَبْلَهُ لَا خِلَافَ فِي الْبُطْلَانِ.
(قَوْلُهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ. . . إلَخْ) أَقُولُ قَدْ أَقَرَّ الْكَمَالُ وَالزَّيْلَعِيُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بِالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى مَاءً لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي لَمْ تَبْطُلْ أَصْلًا، وَإِنَّمَا بَطَلَ وَصْفُهَا وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ وَكَلَامُهُ أَيْ الزَّيْلَعِيِّ فِي بُطْلَانِ أَصْلِهَا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فَقَهْقَهَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَرِيضَةَ مَتَى فَسَدَتْ لَا تَنْقَطِعُ التَّحْرِيمَةُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. اهـ.
قُلْت لَا يَخْفَى أَنَّ مُدَّعَى صَاحِبِ الْبَحْرِ عَدَمُ بُطْلَانِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَانْقِلَابُهَا نَفْلًا بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَإِذَا بَقِيَتْ تَحْرِيمَتُهَا وَرَأَى الْمُقْتَدِي الْمَاءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَاسْتَقَامَ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ بِحَمْلِ الْبُطْلَانِ فِي كَلَامِهِ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصْفِ وَمَنْعِ إرَادَتِهِ بُطْلَانَ أَصْلٍ اهـ.
وَتُزَادُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ هَذَا مَعْزِيًّا إلَى السِّرَاجِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إذَا بَطَلَتْ لَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَذَكُّرُهُ الْفَائِتَةَ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ وَخُرُوجُ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي الْجُمُعَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمُضِيِّ مُدَّةِ مَسْحِهِ إنْ وَجَدَ الْمَاءَ) أَقُولُ، كَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغُسْلِ وَلَا مَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ مُطْلَقًا) قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اهـ قُلْت وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَمَّا قِيلَ إنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغُسْلِ وَلَا مَاءَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ مَوْجُودَةٌ بِالتَّيَمُّمِ اللَّازِمِ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ نَزْعُ الْخُفِّ فِي التَّيَمُّمِ كَمَنْ فَنَى الْمَاءُ مِنْهُ وَلَمْ يَتِمَّ وُضُوءُهُ يَتَيَمَّمُ فَيَتَرَجَّحُ بِهِ مَا ضَعَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ مُطْلَقًا اهـ.
وَلِهَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْ قَالُوا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ أَشْبَهُ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ، وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُهُ السِّرَايَةُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُ وَيُصَلِّي كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَكَذَا هَذَا اهـ.
وَتَبِعَهُ أَيْ الزَّيْلَعِيُّ. الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَسَوَاءٌ تَمَّتْ مُدَّتُهُ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ مَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَذَهَبَ لِلْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا سَبَقَهَا الْحَدَثُ ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْتُ تَتَوَضَّأُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَتَعَلُّمِ الْأُمِّيِّ آيَةً) أَقُولُ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِقَارِئٍ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَسَادِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ قَدْ بَيَّنَّا بَعْدَ هَذَا تَحْقِيقَ الْخِلَافِ وَصِحَّةَ قَوْلِ الْبَرْدَعِيِّ.
(قَوْلُهُ وَزَوَالِ عُذْرِ الْمَعْذُورِ) أَقُولُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِدَ عُذْرَهُ وَقْتًا كَلَا مَاءَ، وَقَدْ تَوَضَّأَ مَعَ مُلَابَسَةِ الْعُذْرِ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لَا يَحْكُمُ بِزَوَالِهِ إلَّا إذَا خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَرَهُ.
(قَوْلُهُ وَوُجْدَانِ الْمُصَلِّي بِالنَّجَسِ مَا يُزِيلُهُ. . . إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَسَائِلِ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا فَمَسْأَلَةُ التَّطْهِيرِ وَعِتْقُ الْأَمَةِ يَرْجِعَانِ إلَى وُجْدَانِ الْعَارِي ثَوْبًا وَمَسْأَلَةُ دُخُولِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ يَرْجِعُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ أَوْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي الْجُمُعَةِ اهـ كَلَامُهُ ثُمَّ إنَّنِي بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِرِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا الْمَسَائِلَ الْبَهِيَّةَ الزَّاكِيَةَ عَلَى الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ زِدْت عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَسْأَلَةٍ
стр. 99
عَوْرَتَهَا إذَا كَانَتْ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَأُعْتِقَتْ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ بِلَا صُنْعِهِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَ هُمَا كَمَا مَرَّ.
(رَكَعَ أَوْ ذَكَرَ سَجْدَةً فَأَحْدَثَ أَوْ ذَكَرَ سَجْدَةً فَسَجَدَهَا فَإِنْ بَنَى أَعَادَ مَا أَحْدَثَ فِيهِ قَطْعًا وَمَا ذَكَرَ فِيهِ نَدْبًا) يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُعِيدَ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ إنَّمَا هُوَ بِالِانْتِقَالِ وَهُوَ مَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ دَامَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِإِمْكَانِ الْإِتْمَامِ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَضَاهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَلَكِنْ إنْ أَعَادَ يَكُونُ مَنْدُوبًا لِتَقَعَ الصَّلَاةُ مُرَتَّبَةً بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
(أَمَّ وَاحِدًا فَأَحْدَثَ) الْإِمَامُ (فَلَوْ) كَانَ الْمُقْتَدِي (رَجُلًا فَإِمَامٌ) أَيْ فَذَلِكَ الْمُقْتَدِي إمَامٌ (بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ مُتَعَيِّنٌ لِخِلَافَةِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ لِقَطْعِ الْمُزَاحِمَةِ عِنْدَ الْكَثْرَةِ وَلَا مُزَاحِمَ هَاهُنَا وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِهِ كَمَا إذَا اسْتَخْلَفَهُ حَقِيقَةً (وَإِلَّا) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَاحِدُ رَجُلًا بَلْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فِي رِوَايَةٍ) لِاسْتِخْلَافِهِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الِاسْتِخْلَافُ قَصْدًا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ أُمِّيًّا أَوْ مُتَنَفِّلًا خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ أَوْ مُقِيمًا خَلْفَ الْمُسَافِرِ فِي الْقَضَاءِ.
(أَخَذَهُ رُعَافٌ مَكَثَ إلَى انْقِطَاعِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَبَنَى) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِينَافُ.
[بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا]
[مُفْسِدَات الصَّلَاة]
(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا)
(يُفْسِدُهَا السَّلَامُ عَمْدًا)
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقُلْت هُنَا إنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ زَيْنٍ ﵀ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ نَجِسَةٌ وَرُبْعُهُ طَاهِرٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ فَلَزِمَ السَّتْرُ بِهِ وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَانَ الْبُطْلَانُ لِعَدَمِ إزَالَةِ النَّجَسِ حِينَئِذٍ لَا لِتَرْكِ السَّتْرِ فَإِنَّ السَّاتِرَ كَانَ الْمُصَلِّي مُسْتَتِرًا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا بِهِ مِنْ النَّجَسِ ثُمَّ لَزِمَ إزَالَتُهُ عَنْهُ بِوُجُودِ الْمَاءِ فَيُمْنَعُ رُجُوعُهَا إلَى وُجُودِ الْعَارِي ثَوْبًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي عِتْقِ الْأَمَةِ إنَّ السَّتْرَ لِلرَّأْسِ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ السَّاتِرِ فَلَمَّا أُعْتِقَتْ وَهُوَ مَعَهَا لَزِمَهَا السَّتْرُ بِوُجُودِ الْعِتْقِ لِزَوَالِ الرِّقِّ لَا لِوُجُودِ مَا كَانَ مُنْعَدِمًا وَهُوَ السَّاتِرُ اهـ.
وَكَذَا حَقَّقْتُ فِيهَا افْتِرَاضَ الْخُرُوجِ بِالصُّنْعِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَبَيَّنْت وَجْهَ رَدِّ مَا يُخَالِفُهُ فَعَلَيْك بِهَا.
(قَوْلُهُ أَوْ ذَكَرَ سَجْدَةً) أَطْلَقَ السَّجْدَةَ فَشَمِلَتْ التِّلَاوَةَ وَالصَّلَاتِيَّةَ وَقَيَّدَ بِالذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ صُلْبِيَّةً فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ فَسَجَدَهَا ارْتَفَضَ كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ السُّورَةَ فَعَادَ لِقِرَاءَتِهَا ارْتَفَضَ مَا كَانَ فِيهِ اهـ وَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ السَّجْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا ثَمَّةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ. . . إلَخْ) أَقُولُ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ، وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ.
وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرِيدًا بِهِ أَدَاءَ رُكْنٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَدَاءَ الرُّكْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَمَّ وَاحِدٌ فَأَحْدَثَ فَلَوْ رَجُلًا فَإِمَامٌ) أَقُولُ يَعْنِي إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ حَتَّى يَجُوزَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ يَتِمُّ عَلَى إمَامَتِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فِي رِوَايَةٍ) ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ أَقُولُ وَالْأَصَحُّ فَسَادُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي دُونَ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ.
(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا)
هَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي الصَّلَاةِ بِاخْتِيَارِ الْمُصَلِّي فَكَانَتْ مُكْتَسَبَةً فَأَخَّرَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهَا سَمَاوِيَّةً كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا أَعْرَقُ فِي الْعَارِضِيَّةِ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى رَفْعِهَا لَا يُقَالُ النِّسْيَانُ مِنْ قَبِيلِ السَّمَاوِيَّةِ فَكَيْفَ عَدَّ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ النَّاسِي فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَبِيلِ الْمُكْتَسَبَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عُدَّ مِنْ الْمُكْتَسَبَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَ كَلَامِ النَّاسِي وَالْعَامِدِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ قَدَّمَ سَبْقَ الْحَدَثِ عَلَى هَذَا الْبَابِ لِوُجُودِهَا أَيْ الصَّلَاةِ مَعَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ.
(قَوْلُهُ يُفْسِدُهَا السَّلَامُ عَمْدًا) أَقُولُ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَيْكُمْ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَقَيَّدَ بِالْعَمْدِ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِمُخَاطَبٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ قَالَ الْكَاكِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْكَلَامَ نَائِمًا وَالسَّلَامَ عَمْدًا مُفْسِدٌ، وَقِيلَ السَّلَامُ عَمْدًا إنَّمَا يُفْسِدُ إذَا خَاطَبَ بِهِ إنْسَانًا اهـ. ثُمَّ الْمُصَنِّفُ قَيَّدَ بِالْعَمْدِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِمَا وَأَطْلَقَهُ فِي الْكَافِي وَالْكَنْزِ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ إنَّهُ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلسَّهْوِ وَالْعَمْدِ وَحَكَمَ بِالْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَذْكُرَ تَوْفِيقًا قَالَ إنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِهِ. اهـ.
قُلْت وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ كَالْكَنْزِ فَشَمِلَ كَلَامُهُ السَّلَامَ سَهْوًا أَوْ صَرَّحَ بِهِ كَصَاحِبِ الْخُلَاصَةِ مُرَادُهُ السَّلَامُ عَلَى إنْسَانٍ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ لَا التَّحْلِيلِ سَاهِيًا أَوْ السَّلَامُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقُعُودِ وَإِلَّا فَيَتَدَافَعُ
стр. 100
قَيَّدَ بِالْعَمْدِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا غَيْرُ مُفْسِدٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَذْكَارِ فَفِي غَيْرِ الْعَمْدِ يُجْعَلُ ذِكْرًا وَفِي الْعَمْدِ كَلَامًا (وَرَدُّهُ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَذْكَارِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ وَتَخَاطُبٌ.
. (وَ) يُفْسِدُهَا (الْكَلَامُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (وَالدُّعَاءُ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا) نَحْوُ اللَّهُمَّ أَلْبَسَنِي ثَوْبَ كَذَا اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُفْسِدُ. (وَالْأَنِينُ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ آهْ فِي الْكَافِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّ آهْ لَا تُفْسِدُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ ذِكْرِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ (وَالتَّأَوُّهُ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَوْهِ فِي الْكَافِي أَوْهِ يُفْسِدُ فِيهِمَا.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا يَقْطَعُ.
وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ قَالُوا الْأَخْذُ بِهَذَا أَحْسَنُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمَرِيضُ إذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ (وَالتَّأْفِيفُ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أُفٍّ (وَبُكَاءٌ بِصَوْتٍ لِوَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ لَا لِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) ؛ لِأَنَّ الْأَنِينَ وَنَحْوَهُ إذَا كَانَ مِنْ ذِكْرِهِمَا
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
كَلَامُ كُلٍّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ سَاهِيًا لِلتَّحْلِيلِ قَبْلَ أَوَانِهِ لَا يَضُرُّهُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَمَنْ قَيَّدَ بِالْعَمْدِ فَأَخْرَجَ السَّلَامَ سَهْوًا فَالْمُرَادُ بِهِ السَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ لِلتَّحْلِيلِ لَا السَّلَامُ عَلَى إنْسَانٍ اهـ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَتَفْسُدُ بِالسَّلَامِ سَاهِيًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ السَّلَامَ عَلَى إنْسَانٍ إذْ صَرَّحُوا أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ سَاهِيًا فَقَالَ السَّلَامُ ثُمَّ عَلِمَ فَسَكَتَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بَلْ الْمُرَادُ السَّلَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا قَبْلَ إتْمَامِهَا وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ أَكْمَلَ أَمَّا إذَا سَلَّمَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا سَاهِيًا بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى ظَنَّ أَنَّهَا تَرْوِيحَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا. اهـ.
(قَوْلُهُ قَيَّدَ بِالْعَمْدِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ مُفْسِدٍ) يَعْنِي إذَا كَانَ سَهْوًا فِي حَالَةِ الْقُعُودِ لَا الْقِيَامِ لِلتَّحَلُّلِ.
(قَوْلُهُ نَحْوُ اللَّهُمَّ أَلْبِسْنِي ثَوْبَ، كَذَا) أَقُولُ أَشَارَ بِهِ إلَى ضَابِطٍ ذَكَرَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ مَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ مِنْ الْعِبَادِ فَطَلَبُهُ مُفْسِدٌ وَمَا لَا فَلَا كَطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ، وَلَوْ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لِأَخِيهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَخِي حَكَى فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ فِيهِ خِلَافًا.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ وَلَوْ قَالَ اغْفِرْ لِعَمِّي أَوْ خَالِي تَفْسُدُ اتِّفَاقًا وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَفْسُدُ) هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إفْرَادِ الدُّعَاءِ بِالذِّكْرِ وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ.
(قَوْلُهُ وَالْأَنِينُ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ آهْ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْأَنِينُ صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ آهْ وَهُوَ بِسُكُونِ الْهَاءِ مَقْصُورٌ عَلَى وَزْنِ دَعْ وَهُوَ تَوَجُّعُ الْعَجَمِ ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ.
(قَوْلُهُ فِي الْكَافِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ. . . إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ إذَا كَانَ الْمَرِيضُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْهُ لَا تَفْسُدُ كَالْجُشَاءِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَنِينِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ وَالتَّأَوُّهُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَوْهِ) أَقُولُ هُوَ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ كَمَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ هُوَ عَلَى وَزْنِ أَوْحِ أَمْرٌ مِنْ الْإِنْحَاءِ وَفِيهَا ثَلَاثُ عَشْرَةَ لُغَةً ذَكَرَهَا الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ يَفْسُدُ فِيهِمَا) أَقُولُ ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ رَاجِعٌ إلَى الْوَجَعِ وَذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا نَذْكُرُهُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَكِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَيَكُونَ تَتْمِيمًا لِمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا قَالَ آهْ لَمْ يُفْسِدْ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ مِنْ وَجَعٍ وَمُصِيبَةٍ وَأَوْهِ تُفْسِدُ أَيْ فِي الْحَالَيْنِ، وَقِيلَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ تَفْسُدُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ. . . إلَخْ) يَظْهَرُ مِمَّا عَلَّلَ بِهِ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ خَاصٌّ بِالْمَرِيضِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُصَابُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ وَالتَّأْفِيفُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أُفٍّ) أَقُولُ نَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ الْمُجْتَبَى نَفَخَ فِي التُّرَابِ فَقَالَ أُفٍّ أَوْ تُفٍّ فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُخَفَّفِ وَفِي الْمُشَدَّدِ تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَوْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا تَبْطُلُ وَإِلَّا فَلَا وَالْمَسْمُوعُ مَالَهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ نَحْوُ أُفٍّ وَتُفٍّ وَغَيْرُ الْمَسْمُوعِ بِخِلَافِهِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَبَعْضُهُمْ لَا يَشْتَرِطُ لِلنَّفْخِ الْمَسْمُوعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ خُوَاهَرْ زَادَهْ اهـ.
وَقَالَ الْكَاكِيُّ إنَّ دَلِيلَ قَوْلِهِمَا «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَبَاحٍ وَهُوَ يَنْفَخُ فِي صَلَاتِهِ أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ» ، وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ وَلَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ يَذْكُرُ الْمَقْصُودَ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ جَوَابًا عَمَّا يُضْجَرُ مِنْهُ وَلِكُلِّ مَا يُسْتَقْذَرُ، وَقِيلَ أُفٌّ اسْمٌ لِوَسَخِ الْأَظَافِرِ وَتُفٌّ لِوَسَخِ الْبَرَاجِمِ، وَقِيلَ إنَّ أُفٌّ اسْمٌ لِوَسَخِ الْأُذُنِ وَتُفٌّ لِوَسَخِ الظُّفْرِ وَفِيهَا لُغَاتٌ قُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ وَغَيْرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَجَعَلَهُ مِنْ الْقَوْلِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ
أُفًّا وَتُفًّا لِمَنْ مَوَدَّتُهُ ... إنْ غِبْت عَنْهُ سُوَيْعَةٌ زَالَتْ
إنْ مَالَتْ الرِّيحُ هَكَذَا وَكَذَا ... مَالَ مَعَ الرِّيحِ أَيْنَمَا مَالَتْ
اهـ.
(قَوْلُهُ وَبُكَاءٌ بِصَوْتٍ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ وُجْدَانُهُمَا لِمَا قَالَ الْكَاكِيُّ لَوْ سَاقَ حِمَارًا أَوْ اسْتَعْطَفَ كَلْبًا أَوْ هِرَّةً بِمَا يَعْتَادُهُ الرُّسْتَاقِيُّونَ مِنْ مُجَرَّدِ صَوْتٍ لَيْسَ لَهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ. اهـ.
قُلْت يُشْكِلُ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مِنْ ظَنِّ فَاعِلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنْ الْقَوْلِ بِإِفْسَادِ النَّفْخِ الْمَسْمُوعِ بِلَا حُرُوفٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَنِينَ وَنَحْوَهُ. . . إلَخْ) أَقُولُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْقَيْدَ رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُهُ.
стр. 101
صَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ صَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا مُصَابٌ فَعَزُّونِي، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ تَفْسُدُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَتَنَحْنُحٌ بِلَا عُذْرٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ أَيْ مُضْطَرًّا بَلْ كَانَ لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ إنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفٌ نَحْوُ أَحُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ يُفْسِدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا لِاجْتِمَاعِ الْبُزَاقِ فِي حَلْقِهِ لَا يُفْسِدُهَا كَالْعُطَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ، وَإِنْ حَصَلَ تَكَلُّمٌ؛ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ طَبْعًا. وَأَمَّا الْجُشَاءُ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ وَلَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ يَقْطَعُ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَدْفُوعًا إلَيْهِ لَا يَقْطَعُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) بِالسِّينِ وَالشَّيْنِ وَالثَّانِي أَفْصَحُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُك اللَّهُ وَجْهُ إفْسَادِهِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إذْ يَقَعُ بِهِ التَّخَاطُبُ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَوَابًا عُرْفًا، وَلَوْ قَالَ الْعَاطِسُ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ يَرْحَمُنِي اللَّهُ وَبِهِ لَا تَفْسُدُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(وَجَوَابُ خَبَرِ سَوْءٍ بِالِاسْتِرْجَاعِ) بِأَنْ يَقُولَ إنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (وَسَارٍّ بِالْحَمْدَلَةِ) بِأَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ (وَعَجَبٌ بِالسَّبْحَلَةِ) بِأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ (وَالْهَيْلَلَةِ) بِأَنْ يَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ذَكَرَ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ بِالتَّحْمِيدِ وَنَحْوِهِ الْجَوَابَ بَلْ إعْلَامَهُ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَتَنَحْنُحٌ بِلَا عُذْرٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ جَعَلَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ غَيْرَ عُذْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَهَذَا عِنْدَ الْفَقِيهِ إسْمَاعِيلِ الزَّاهِدِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِالْفَسَادِ فِي الْهِدَايَةِ بَلْ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ الْكَمَالُ إنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْجَوَابِ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فَعِنْدَ الْفَقِيهِ إسْمَاعِيلِ الزَّاهِدِ تَفْسُدُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَوْ تَنَحْنَحَ لِإِصْلَاحِ صَوْتِهِ وَتَحْسِينِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ فَتَنَحْنَحَ الْمُقْتَدِي لِيَهْتَدِيَ الْإِمَامُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّ التَّنَحْنُحَ لِلْإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ لَوْ تَنَحْنَحَ يُرِيدُ بِهِ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ تَعَمَّدَ وَسُمِعَتْ حُرُوفُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَحْنَحَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ مُتَعَمِّدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ النَّاسِ اهـ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ التَّصْحِيحَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْبُرْهَانِ وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَكِنْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ صَوْتِهِ لِلْقِرَاءَةِ أَوْ لِلْإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِيَهْتَدِيَ إمَامُهُ فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَسَادِ. اهـ.
قُلْت فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ التَّنَحْنُحُ لِلتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرُ لِلِانْتِقَالَاتِ وَهِيَ حَادِثَةٌ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِالتَّنَحْنُحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَثَاوَبَ أَوْ عَطَسَ فَحَصَلَ مِنْهُ صَوْتٌ مَعَ الْحُرُوفِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) يُقَالُ عَطَسَ بِالْفَتْحِ يَعْطِسُ وَيَعْطُسُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ.
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي أَفْصَحُ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِالْمُعْجَمَةِ أَوْ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعْجَمَةِ كَمَا ضَبَطَهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ قَالَ ثَعْلَبٌ الِاخْتِيَارُ بِالسِّينِ أَيْ الْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالْمَحَجَّةُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الشِّينُ أَيْ الْمُعْجَمَةُ أَعْلَى فِي كَلَامِهِمْ وَأَكْثَرُ اهـ.
وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ أَفْصَحُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُك اللَّهُ) هَذَا تَفْسِيرُ التَّشْمِيتِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْخَيْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَفْسُدُ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ بِصِيغَةِ عَلَى مَا قَالُوا.
وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ عَلَى مَا قَالُوا إشَارَةٌ إلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَمَحَلُّهُ أَيْ الْخِلَافِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَوَابِ أَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْهُ بَلْ قَالَهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْعَاطِسُ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ لَا تَفْسُدُ. . . إلَخْ) ، وَكَذَا عَزَاهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ اهـ. وَقَالَ الْكَاكِيُّ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَسْنَدَ مَا قَالَهُ فِي الْفَوَائِدِ إلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذَكَرَ الْفَسَادَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدَ كَمَا لَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ آخَرَ وَالْأَحْسَنُ السُّكُوتُ اهـ قُلْت وَعِبَارَةُ قَاضِي خَانْ لَوْ قَالَ أَيْ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدَ كَمَا لَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ آخَرَ اهـ.
وَقَالَ أَيْضًا لَوْ عَطَسَ الْمُصَلِّي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَرْحَمُك اللَّهُ فَقَالَ الْمُصَلِّي آمِينَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهُ، وَلَوْ قَالَ مَنْ بِجَنْبِهِ أَيْضًا مَعَهُ آمِينَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ ذَكَرَ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ. . . إلَخْ) أَقُولُ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ إنَّمَا تَحْسُنُ لَوْ ذَكَرَ الْخِلَافَ قَبْلَهَا فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ ثُمَّ تَقْيِيدُهُ بِمَا ذَكَرَ وَأَيْضًا لَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْفَسَادِ قُلْت وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فَإِنَّهُ لَا يَرَى الْفَسَادَ بِمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ ذِكْرٍ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ وَهِيَ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى مَا أَنْتَ فَاعِلُهُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ عِنْدَ قَصْدِ إعْلَامِهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ اهـ.
وَقَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ مَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَى الْمُصَلِّي فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يُرِيدُ بِهِ الْإِعْلَامَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا مَرَّ فِي التَّسْبِيحِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ كُنْت آتِي حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْتَأْذِنُ فَيُنَادِي لِي اُدْخُلْ فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ يُسَبِّحُ لِي» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُنَادِيَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ لِإِعْلَامِ الْقَوْمِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ
стр. 102
اتِّفَاقًا وَقَيَّدَهُ بِالتَّحْمِيدِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ بِمَا لَيْسَ بِثَنَاءٍ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا.
. (وَ) يُفْسِدُهَا (قِرَاءَتُهُ مِنْ مُصْحَفٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّنُ مِنْ الْمُصْحَفِ فَأَشْبَهَ التَّلَقُّنَ مِنْ غَيْرِهِ (وَفَتْحُهُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ يَشْمَلُ فَتْحَ الْمُقْتَدِي عَلَى الْمُقْتَدَى وَعَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي وَعَلَى الْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَفَتْحَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ عَلَى أَيِّ شَخْصٍ كَانَ فَكُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ دُونَ الْفَتْحِ نَظِيرُهُ مَا لَوْ قِيلَ لَهُ مَالَكَ فَقَالَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَإِنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إنْ أَرَادَ بِهِ جَوَابًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ لَا تَفْسُدُ اسْتِحْسَانًا، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، وَقِيلَ إنْ انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى فَفَتَحَ عَلَيْهِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ، وَكَذَا صَلَاةُ الْإِمَامِ إنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْفَتْحِ إذْ رُبَّمَا يَتَذَكَّرُ الْإِمَامُ فَيَكُونُ التَّلْقِينُ بِلَا حَاجَةٍ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَرْكَعُ إذَا قَرَأَ قَدْرَ الْفَرْضِ وَإِلَّا انْتَفَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى.
(وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ) ؛ لِأَنَّهُمَا يُنَافِيَانِ الصَّلَاةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
ذَلِكَ جَوَابٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُجْتَبَى، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِمْ أَيْ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْجَوَابَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَنْقُولِ مُتُونًا وَشُرُوحًا وَفَتَاوَى لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِالْقَوْلِ بِأَنْ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ بِخَبَرٍ يَسُوءُهُ فَقَالَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ.
وَهُوَ تَصْحِيحٌ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ اهـ مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَقِرَاءَتُهُ مِنْ مُصْحَفٍ) أَقُولُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْقِرَاءَةَ فَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذْ لَمْ يَفْصِلْ فِيهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الْفَسَادِ، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ آيَةً تَفْسُدُ، وَقِيلَ بَلْ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ عِنْدَهُ فِي الْإِفْسَادِ وَعِنْدَهُمَا فِي عَدَمِهِ سَوَاءٌ فَلِهَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْكِتَابِ. اهـ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّنُ مِنْ الْمُصْحَفِ. . . إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُصْحَفِ مَحْمُولًا أَوْ مَوْضُوعًا فَتَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَافِظًا إذْ لَوْ كَانَ يَحْفَظُ إلَّا أَنَّهُ نَظَرَ فَقَرَأَ لَا تَفْسُدُ كَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَلَوْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَقَرَأَهُ مِنْ مَكْتُوبٍ مِنْ غَيْرِ حَمْلِ الْمُصْحَفِ قَالُوا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا اهـ يَعْنِي التَّلْقِينَ وَالْحَمْلَ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْخِلَافِ اهـ.
وَقَالَ الْفَضْلِيُّ وَلِهَذَا أَيْ لِكَوْنِ التَّلْقِينِ مِنْ الْغَيْرِ مُفْسِدًا فَكَذَا مِنْ الْمُصْحَفِ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْمُصْحَفِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ تُجْزِئُهُ اهـ، ذَكَرَهُ الْكَاكِيُّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ مَا ذَكَرَهُ الْفَضْلِيُّ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ تَلَقُّنُهُ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ تَصْحِيحَ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا إلَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الضَّعِيفِ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ الْحَمْلُ وَتَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَفَتْحُهُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ) أَقُولُ التَّعَلُّمُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي فَسَادِ صَلَاةِ الْفَاتِحِ نَعَمْ هُوَ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالنَّظَرِ لِمَنْ فَتَحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْمُصَلِّي بِفَتْحِ مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي صَلَاتِهِ فَسَدَتْ، وَلَوْ أَخَذَ فِي التِّلَاوَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْفَتْحِ لَمْ تَفْسُدْ، وَلَوْ سَمِعَهُ الْمُؤْتَمُّ مِمَّنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَفَتَحَهُ عَلَى إمَامِهِ يَجِبُ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الْكُلِّ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ لَا تَفْسُدُ اسْتِحْسَانًا) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَرَأَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوَّلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ تَفْسُدُ وَسَوَاءٌ انْتَقَلَ أَوْ لَا عَلَى مَا عَلَيْهِ عَامَّتُهُمْ مِنْ عَدَمِ الْفَسَادِ وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْمُرَخِّصِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ إنْ انْتَقَلَ. . . إلَخْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفَتْحُ أَوْ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيَنْوِي الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ دُونَ الْقِرَاءَةِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ وَقِرَاءَتُهُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا اهـ.
وَقَالَ الْكَمَالُ قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ وَهُوَ سَهْوٌ لِأَنَّهُ عُدُولٌ إلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَنْ الْمُرَخَّصِ فِيهِ اهـ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ أَيْضًا إنَّهُ سَهْوٌ.
(قَوْلُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ) أَيْ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَرْكَعُ إذَا قَرَأَ قَدْرَ الْفَرْضِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ أَوَانَ الرُّكُوعِ إذَا قَرَأَ الْمَفْرُوضَ وَهُمْ قَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَبَكْرٍ فَكَرِهُوا لِلْإِمَامِ أَنْ يُلْجِئَهُمْ إلَى الْفَتْحِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْمَفْرُوضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الِاسْتِحْبَابَ فَقَالَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا ارْتَجَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى سُورَةٍ أُخْرَى أَوْ يَرْكَعَ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْمُسْتَحَبَّ صِيَانَةً لِلصَّلَاةِ عَنْ الزَّوَائِدِ قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ، أَلَا يُرَى إلَى مَا ذَكَرُوا أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَبِي هَلَا فَتَجِبُ عَلَيَّ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ) يَعْنِي شَيْئًا مِنْ خَارِجِ فَمِهِ مُطْلَقًا، كَذَا أَطْلَقَ فِي الْكَنْزِ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَطْلَقَ الْأَكْلَ وَمُرَادُهُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَمَا لَا يُفْسِدُهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ كُلِّيًّا فَإِنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا مِنْ أَسْنَانِهِ وَكَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَفِي الصَّوْمِ يَفْسُدُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْوَلْوَالِجِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ مُعَلَّقٌ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ فَسَادِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِوُصُولِ الْمُغَذِّي إلَى جَوْفِهِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ
стр. 103
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ مُذَكَّرَةٌ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مَأْكُولٌ أَمَّا إذَا كَانَ فَابْتَلَعَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَسُجُودُهُ عَلَى نَجِسٍ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ السَّجْدَةُ لَا الصَّلَاةُ حَتَّى لَوْ أَعَادَهَا عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ صَحَّ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا عَلَى النَّجَاسَةِ كَالْعَدَمِ، لَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَإِذَا فَسَدَ بَعْضُهَا فَسَدَ كُلُّهَا بِخِلَافِ وَضْعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَضْعَهُمَا عَلَيْهِ كَتَرْكِ الْوَضْعِ أَصْلًا وَتَرْكُ وَضْعِهِمَا لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ بِخِلَافِ الْوَجْهِ فَإِنَّ تَرْكَ وَضْعِهِ يَمْنَعُهُ.
(وَأَدَاءُ رُكْنٍ أَوْ إمْكَانُهُ بِكَشْفِ عَوْرَةٍ أَوْ نَجَاسَةٍ) لَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَسَتَرَهَا بِلَا لَبْثٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الِانْكِشَافَ الْكَثِيرَ فِي الزَّمَانِ الْيَسِيرِ كَالِانْكِشَافِ الْيَسِيرِ فِي الزَّمَانِ الْكَثِيرِ وَذَا لَا يَمْنَعُ فَكَذَا هَذَا فَإِنْ أَدَّى رُكْنًا مَعَ الِانْكِشَافِ أَوْ مَكَثَ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ رُكْنٍ فَسَدَتْ، وَكَذَا لَوْ قَامَ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ وَقَعَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ لِلزَّحْمَةِ فَأَدَّى أَوْ مَكَثَ فَسَدَتْ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا) أَيْ لَا يُفْسِدُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ وَمُلَابَسَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمُكْثِ (مَا لَمْ يُؤَدِّهِ) أَيْ الرُّكْنَ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ قَدْرَ أَدَاءِ الرُّكْنِ بَلْ حَقِيقَةَ أَدَائِهِ.
(وَاسْتِخْلَافُ مُقْتَدٍ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَلْآنَا مِنْ الْقَوْمِ وَالصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ بِهِمْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَسَبَقَ الْإِمَامَ حَدَثٌ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْكُلِّ لِمَا مَرَّ أَنَّ خُلُوَّ مَكَانِ الْإِمَامِ عَنْهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لَكِنَّهُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مَكَانُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ لِمَوَاضِعِ الصُّفُوفِ حُكْمَ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الصَّحْرَاءِ.
. (وَ) اسْتِخْلَافُ (أُنْثَى، وَلَوْ خَلْفَهُ نِسَاءٌ) أَيْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ امْرَأَةً، وَقَدْ سَبَقَهُ حَدَثٌ وَخَلْفَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَبِفَسَادِهَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ (وَكُلُّ عَمَلٍ كَثِيرٍ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ نَاظِرُهُ أَنَّ عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلٍّ، وَقِيلَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ الْمُصَلِّي قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فَسَادِهِمَا فِي قَدْرِ الْحِمَّصَةِ اهـ.
وَفِي الْأَكْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا بَقِيَ أَثَرُهُ لَا يَضُرُّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِقَوْلِهِ كَانَ فِي فَمِهِ سُكَّرٌ أَوْ فَانِيدُ يَذُوبُ وَيَدْخُلُ مَاؤُهُ فِي حَلْقِهِ فَسَدَتْ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَوْ أَكَلَ السُّكْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ ثُمَّ شَرَعَ وَالْحَلَاوَةُ فِي فَمِهِ فَدَخَلَ حَلْقَهُ مَعَ الْبُزَاقِ لَا تَفْسُدُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ) أَيْ وَالْخَطَأِ لِمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ وَقَعَ فِي فَمِهِ بَرَدَةٌ أَوْ ثَلْجٌ أَوْ مَطَرٌ فَابْتَلَعَهُ فَسَدَتْ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ السَّجْدَةُ) ، كَذَا فِي الْكَافِي وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ وَالْبُرْهَانِ تُفِيدُ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ وَضْعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَجُوزُ. . . إلَخْ) أَقُولُ، كَذَا فِي الْكَافِي وَهُوَ مَرْجُوحٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُفْتَرَضُ وَضْعٌ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فِي السُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي اللَّيْثِ وَتَصْحِيحِهِ فِي الْعُيُونِ وَعُمْدَةِ الْفَتَاوَى فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَوْلُهُ وَأَدَاءُ رُكْنٍ. . . إلَخْ) أَقُولُ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَقَطْ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا قَوْلَ لِلْإِمَامِ.
وَفِي الْكَافِي مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَشَيْخَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ أَدَّى رُكْنًا مَعَ الِانْكِشَافِ أَوْ مَكَثَ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ رُكْنٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي التَّمَكُّنِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ الْفَسَادَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَدَاءِ رُكْنٍ أَوْ إمْكَانِهِ مَعَ الْمُنَافِي وَقَيَّدَهُ فِي السَّابِقَةِ بِمَا إذَا لَمْ يُعِدْهُ مَعَ عَدَمِ الْمُنَافِي عِنْدَهُ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَالْقَيْدُ مُطَّرِدٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَاسْتِخْلَافُ مُقْتَدٍ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ. . . إلَخْ) هَذَا أَيْضًا مِنْ الْكَافِي وَقَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرَ هُنَا فَعَلَيْهِ لَا بُطْلَانَ بَلْ إنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَطْلَقَ عَدَمَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِيمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ مِنْ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَالصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ.
(قَوْلُهُ أَيْ اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ امْرَأَةً. . . إلَخْ) أَقُولُ هُوَ مِنْ الْكَافِي أَيْضًا وَحَكَى فِيهِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَهُوَ قَالَ زُفَرُ صَلَاةُ النِّسَاءِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِإِمَامَتِهِنَّ.
(قَوْلُهُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ نَاظِرُهُ أَنَّ عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلٍّ) أَقُولُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ، وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا أَصَحُّ وَتَابَعَهُ الزَّيْلَعِيُّ والْوَلْوَالِجِيّ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ إنَّهُ الْأَحْسَنُ.
وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إنَّهُ الصَّوَابُ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّاظِرِ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِشُرُوعِ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ إذَا رَآهُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَإِنْ شَكَّ فَهُوَ قَلِيلٌ، كَذَا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فُرُوعَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ اخْتَلَفَتْ وَلَمْ تَتَفَرَّعْ كُلُّهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بَلْ بَعْضُهَا عَلَى قَوْلٍ وَبَعْضُهَا عَلَى غَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَكْثَرَهَا تَفْرِيعَاتٌ مِنْ الْمَشَايِخِ لَمْ تَكُنْ مَنْقُولَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَكُلُّ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ الْإِمَامِ فِيهِ قَوْلٌ بَقِيَ كَذَلِكَ مُضْطَرِبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا حَكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَضْطَرِبُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لِشَيْخِنَا فِيهَا قَوْلٌ فَنَحْنُ فِيهَا هَكَذَا. اهـ.
стр. 104
فَإِنَّ دَأْبَهُ التَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى، وَقِيلَ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْيَدَيْنِ.
(لَا نَظَرُهُ) عَطْفُ عَلَى قِرَاءَتُهُ (إلَى مَكْتُوبٍ وَفَهْمُهُ) قُرْآنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ أَكْلُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَقِيلَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ قَلِيلًا كَمَا دُونَ الْحِمَّصَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ تَفْسُدُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(أَوْ مُرُورُ مَارٍّ فِي الصَّحْرَاءِ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ) تَكَلَّمُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ مِنْ قَدَمِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ (وَإِنْ أَثِمَ) الْمَارُّ (وَيَغْرِزُ) الْمُصَلِّي (أَمَامَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الصَّحْرَاءِ (سُتْرَةً
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ لَا نَظَرُهُ عَطْفٌ عَلَى قِرَاءَتُهُ) أَقُولُ هَذَا عَطْفٌ عَلَى مُتَوَسِّطٍ وَهُوَ خِلَافُ الصِّنَاعَةِ.
(قَوْلُهُ أَوْ أَكْلُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ كَثِيرٍ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ لَمْ يَقْتَصِرْ فِي النِّهَايَةِ عَلَى هَذَا وَلَمْ يَنْقُلْهُ بِصِيغَةِ قِيلَ وَعِبَارَتُهَا أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ فَابْتَلَعَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ تَبَعٌ لِرِيقِهِ وَهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا إذَا كَانَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ قَلِيلًا كَمَا دُونَ الْحِمَّصَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قُلْت هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ اهـ مَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الصَّوْمِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ.
وَإِلَيْهِ أَيْ عَدَمِ الْفَسَادِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ حُسَامُ الدِّينِ ﵀، كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ والْوَلْوَالِجِيّ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ لَمْ يُفَرِّقَا فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالشَّأْنُ فِيمَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْهَا وَهُوَ يَبْتَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا سَبَقَ اهـ.
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ مِلْءَ الْفَمِ يُفْسِدُ، وَكَذَا نَحْوُهُ لَا يَشْتَرِطُ مَعَهُ الْعَمَلَ الْكَثِيرُ بَلْ عِلَّتُهُ إمْكَانُ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِلَا كُلْفَةٍ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِرِيقِهِ فَلَا يُفْسِدُ إلَّا بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَفِي مَعْرِفَتِهِ الِاخْتِلَافُ الْمَعْلُومُ.
(قَوْلُهُ أَوْ مُرُورُ مَارٍّ فِي الصَّحْرَاءِ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ) أَقُولُ التَّقْيِيدُ بِالصَّحْرَاءِ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَا فَسَادَ بِالْمُرُورِ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِالصَّحْرَاءِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِمَا اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْمَارِّ فَشَمِلَ الْمَرْأَةَ وَالْحِمَارَ وَالْكَلْبَ وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﵇ قَالَ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ» رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
(قَوْلُهُ تَكَلَّمُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ إلَى مَا بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ أَثِمَ الْمَارُّ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ فِي الصَّحْرَاءِ) أَقُولُ اخْتَارَ هَذَا كَثِيرٌ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ، وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ خَاشِعٍ لَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ فَلَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ نَحْوُ أَنْ يَكُونَ بَصَرُهُ فِي قِيَامِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي رُكُوعِهِ إلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَهَكَذَا وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرَجَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَاَلَّذِي يَرْجَحُ مَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ مُخْتَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَثِمَ الْمَارُّ) أَقُولُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْعِنَايَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْ عَلِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ» اهـ.
وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ لِلْآثِمِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» . اهـ.
(قَوْلُهُ وَيَغْرِزُ الْمُصَلِّي أَمَامَهُ فِيهِ أَيْ الصَّحْرَاءِ سُتْرَةً) أَقُولُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُنْيَةِ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ إذَا خَافَ الْمُرُورَ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَنْصِبَ شَيْئًا فَأَفَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى صَارِفٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ اهـ قُلْت الصَّارِفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ الْفَضْلِ وَالْعَبَّاسِ «رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي بَادِيَةٍ لَنَا يُصَلِّي فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ» وَلِأَحْمَدَ وَابْنُ عَبَّاسٍ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ اهـ. كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ إنَّمَا قَيَّدَ بِالصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْمُرُورُ غَالِبًا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ تَرْكِ السُّتْرَةِ فِيمَا يُخَافُ فِيهِ الْمُرُورُ أَيَّ مَوْضِعٍ كَانَ اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ طُولَ السُّتْرَةِ وَغِلَظَهَا.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ مِقْدَارُهَا ذِرَاعٌ فَصَاعِدًا، وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ اهـ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ» وَلِهَذَا جَعَلَ بَيَانَ الْغِلَظِ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلًا ضَعِيفًا وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَرْضِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ اهـ.
وَكَذَا لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ قِيَامِهِ عِنْدَهَا وَالسُّنَّةُ الْقُرْبُ مِنْهَا وَجَعْلُهَا عَلَى أَحَدِ حَاجِبَيْهِ وَلَا يَصْمُدُ إلَيْهَا صَمْدًا اهـ.
وَأَشَارَ بِالْغَرْزِ إلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ الْإِلْقَاءِ وَالْخَطِّ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا وَاعْتَبَرَهُمَا غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بِهَذَا أَيْ بِمَا عَلَّلَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَّلَ الْمَانِعُ، وَالْمُجِيزُ يَقُولُ وَرَدَ الْأَثَرُ بِهِ وَهُوَ مَا فِي
стр. 105
إنْ ظَنَّ الْمُرُورَ وَيَدْفَعُهُ) أَيْ الْمَارَّ (بِالْإِشَارَةِ أَوْ التَّسْبِيحِ لَا بِهِمَا) تَحَرُّزًا عَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ (إنْ عَدِمَهَا) أَيْ السُّتْرَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَيَدْفَعُهُ (أَوْ مَرَّ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ إنْ وُجِدَتْ (وَكَفَى) لِلْجَمَاعَةِ (سُتْرَةُ الْإِمَامِ وَأَثِمَ) الْمَارُّ (فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَا بَيْنهمَا قَدْرَ الصَّفَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (بِلَا حَائِلٍ) بَيْنَهُمَا.
(وَ) الْمَسْجِدُ (الْكَبِيرُ قِيلَ كَالصَّغِيرِ، وَقِيلَ كَالصَّحْرَاءِ) .
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُفْسِدُهَا وَمَا لَا يُفْسِدُهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُكْرَهُ فِيهَا وَمَا لَا يُكْرَهُ فَقَالَ (وَكُرِهَ تَثَاؤُبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّكَاسُلِ وَالِامْتِلَاءِ فَإِنْ غَلَبَهُ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، وَإِنْ زَادَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ كُمَّهُ عَلَى فَمِهِ (وَتَمَطِّيهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ الْكَسَلِ (وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَكَفُّ ثَوْبِهِ) أَيْ رَفْعُ ثَوْبِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ فَإِنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ (وَسَدْلُهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
أَبِي دَاوُد «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ» وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ أَيْ مِمَّا قَالَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد قَالُوا الْخَطُّ بِالطُّولِ، وَقَالُوا بِالْعَرْضِ مِثْلِ الْهِلَالِ اهـ.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنْ يَكُونَ طُولًا لِيَصِيرَ شِبْهَ ظِلِّ السُّتْرَةِ.
(قَوْلُهُ وَيَدْفَعُهُ أَيْ الْمَارَّ بِالْإِشَارَةِ) أَقُولُ لَكِنْ تَرْكُ الدَّرْءِ أَفْضَلُ رَوَاهُ الْمَاتُرِيدِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَمْرُ بِالدَّرْءِ فِي الْحَدِيثِ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ كَالْأَمْرِ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فَيَكُونُ تَرْكُهُ الْعَزِيمَةَ، ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ فَشَمِلَ الْإِشَارَةَ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ وَالْعَيْنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَوْ التَّسْبِيحِ) زَادَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ اهـ قُلْت فِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْجَهْرِيَّةَ الْعِلْمُ حَاصِلٌ بِهَا اهـ.
وَهَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُصَفِّقْنَ لِلْحَدِيثِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَضْرِبَ بِظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى صَفْحَةِ الْكَفِّ مِنْ الْيُسْرَى، وَلِأَنَّ فِي صَوْتِهِنَّ فِتْنَةً فَكُرِهَ لَهُنَّ التَّسْبِيحُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ لَا بِهِمَا تَحَرُّزًا عَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ) أَقُولُ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كُرِهَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ قِيلَ يُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةً اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ الْمَارَّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ إنْ لَمْ يَقِفْ بِإِشَارَتِهِ جَازَ دَفْعُهُ بِالْقِتَالِ وَتَأْوِيلُ مَا وَرَدَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَ الْعَمَلُ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الْكَاكِيُّ. (قَوْلُهُ بِلَا حَائِلٍ) أَقُولُ الْحَائِلُ كَسَارِيَةٍ وَظَهْرُ جَالِسٍ سُتْرَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَائِمِ، وَقَالُوا حِيلَةُ الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ فَيَجْعَلَ الدَّابَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي فَتَصِيرَ هِيَ سُتْرَةً فَيَمُرَّ، وَلَوْ مَرَّ رَجُلَانِ فَالْإِثْمُ عَلَى مَنْ يَلِي الْمُصَلِّيَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَالصَّحْرَاءِ) أَقُولُ هُوَ الصَّحِيحُ وَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ هُوَ أَمَامَ الْمُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ وَمَوْضِعُ سُجُودِهِ فِي مَسْجِدٍ كَبِيرٍ أَوْ الصَّحْرَاءِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ الدُّكَّانِ بِشَرْطِ مُحَاذَاةِ أَعْضَاءِ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
[مَكْرُوهَات الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ وَكَفُّ ثَوْبِهِ) فَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرَ فَأَخْرَجَ الِائْتِزَارَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الِائْتِزَارَ فَوْقَ الْقَمِيصِ مِنْ الْكَفِّ قَالَ فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَشْدُودَ الْوَسْطِ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَنَحْوَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ صَنِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. اهـ.
قُلْت وَصَرَّحَ الْكَمَالُ أَيْضًا بِعَدَمِ كَرَاهَةِ شَدِّ الْوَاسِطِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَدْخُلُ فِي كَفِّ الثَّوْبِ تَشْمِيرُ كُمَّيْهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَمُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَيَّدَ الْكَرَاهَةَ بِأَنْ يَكُونَ رَافِعًا كُمَّيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ رَفْعُهُمَا إلَى مَا دُونَهُمَا وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِصِدْقِ كَفِّ الثَّوْبِ عَلَى الْكُلِّ. اهـ.
قُلْت فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ نَظَرٌ إنْ يَكُنْ سَنَدُهُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَمَالَ، وَإِنْ أَطْلَقَ هُنَا قَدْ قَيَّدَ كَلَامَهُ فِيمَا بَعْدُ عِنْدَ اسْتِطْرَادِ فُرُوعٍ ذَكَرَهَا فَقَالَ وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ أَيْضًا مَعَ تَشْمِيرِ الْكُمِّ عَنْ السَّاعِدِ اهـ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُلَاصَةِ وَالْمُنْيَةِ فِي التَّقْيِيدِ فَانْتَفَى مَا قِيلَ إنَّ الظَّاهِرَ الْإِطْلَاقُ اهـ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا عَنْ رَفْعِهِ مِنْ خَلْفِهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلسُّجُودِ كُرِهَ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِقَصْدِ رَفْعِهِ عَنْ التُّرَابِ أَوْ لَا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِصَوْنِهِ عَنْ التُّرَابِ لِلَّهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ وَسَدْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ. . . إلَخْ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ مُرْسَلًا مِنْ كَتِفَيْهِ كَمَا يَعْتَادُهُ كَثِيرٌ فَيَنْبَغِي لِمَنْ عَلَى عُنُقِهِ مِنْدِيلٌ أَنْ يَضَعَهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ اهـ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِلطَّيْلَسَانِ أَمَّا الْقَبَاءُ وَنَحْوُهُ فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي كُمَّيْهِ وَيَضُمَّ طَرَفَيْهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَلَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْفَرْجِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اهـ.
وَلَا يُكْرَهُ السَّدْلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبُغْيَةِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ) أَقُولُ وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي السُّنَّةِ «قَالَ ﷺ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظَمَ وَأَنْ لَا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ، وَكَذَا يُكْرَهُ الِاشْتِمَالَةُ الصَّمَّاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَنْ يَلُفَّ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ رَأْسَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ وَلَا يَدَعُ مَنْفَذًا لِيَدِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الِائْتِزَارِ مَعَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ وَغَيْرُهُ لَا يَشْتَرِطُهُ وَيُكْرَهُ الِاعْتِجَارُ وَهُوَ أَنْ يَلُفَّ الْعِمَامَةَ حَوْلَ رَأْسِهِ وَيَدَعَ وَسَطَهَا كَمَا يَفْعَلُهُ الدَّعَرَةُ وَمُتَوَشِّحًا لَا يُكْرَهُ وَفِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ بَعْضُهُ يُكْرَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
стр. 106
أَوْ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ فَإِنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ (وَعَبَثُهُ) أَيْ لَعِبُهُ (بِهِ) أَيْ بِثَوْبِهِ (وَبِبَدَنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَمَا ظَنُّك فِيهَا (وَعَقْصُ شَعْرِهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ عَلَى هَامَتِهِ وَيَشُدَّهُ بِخَيْطٍ أَوْ صَمْغٍ لِيَتَلَبَّدَ (وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعِهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا (وَالْتِفَاتُهُ) بِأَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا لِحَاجَةٍ لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا فَلَوْ نَظَرَ بِمُؤَخِّرِ عَيْنَيْهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ وَأَوْ يَلْوِيَ لِحَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَلَوْ حَوَّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ (وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا (وَإِقْعَاؤُهُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ إقْعَاءَ الْكَلْبِ (وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا (وَتَرَبُّعُهُ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةِ الْقُعُودِ لِلتَّشَهُّدِ (بِلَا عُذْرٍ) فَلَوْ كَانَ بِعُذْرٍ لَمْ يُكْرَهْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
(قَوْلُهُ وَعَبَثُهُ أَيْ لَعِبُهُ) أَقُولُ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ الْعَبَثُ هُوَ كُلُّ فِعْلٍ لَا لَذَّةَ فِيهِ فَأَمَّا الَّذِي فِيهِ لَذَّةٌ فَهُوَ لَعِبٌ اهـ وَفَسَّرَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أَيْ الْعَبَثُ فِعْلٌ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَحِيحٍ فَلَوْ كَانَ لِغَرَضٍ كَسَلْتِ الْعَرَقِ عَنْ وَجْهٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَأَطْلَقَ فِي الْعَبَثِ وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيًا لِمَا قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا حَكَّ جَسَدَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ يَعْنِي إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا وَبَيْنَ كُلِّ مَرَّتَيْنِ فُرْجَةٌ أَمَّا إذَا فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ مَرَّتَيْنِ لَا تَفْسُدُ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَفْسُدُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا حَكَّ جَسَدَهُ ثَلَاثًا تَفْسُدُ إذَا كَانَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَكِّ هَلْ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أَوْ الذَّهَابُ مَرَّةً وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى اهـ.
وَقَالَ فِي الْفَيْضِ الْحَكُّ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فِي رُكْنٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ إنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَإِلَّا لَا تَفْسُدُ اهـ فَهُوَ مُقَيِّدٌ لِمَا فِي الْجَوْهَرَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ تَقْيِيدٌ غَرِيبٌ وَتَفْصِيلٌ عَجِيبٌ يَنْبَغِي حِفْظُهُ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَمَا ظَنُّك فِيهَا) أَقُولُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْهُ فِيهَا، وَقَدْ وَرَدَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ وَالضَّحِكَ فِي الْمَقَابِرِ» اهـ ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فَمَا ظَنُّك فِي الصَّلَاةِ اهـ أَرَادَ بِهِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ.
وَفِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ قَوْلُهُ، وَلِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالْحَدِيثُ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَقْصُ شَعْرِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ) أَقُولُ وَذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ يَسْجُدُ مَعَهُ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ قُلْت وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّهُ ﵁ مَرَّ بِرَجُلٍ سَاجِدٍ عَاقِصًا شَعْرَهُ فَحَلَّهُ حَلًّا عَنِيفًا. وَقَالَ إذَا طَوَّلَ أَحَدُكُمْ شَعْرَهُ فَلْيُرْسِلْهُ يَسْجُدْ مَعَهُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ عَلَى هَامَّتِهِ. . . إلَخْ) أَيْ قَبْلَ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَذَكَرَ لَهُ تَفْسِيرًا غَيْرَ هَذَا وَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ بِلَا صَارِفٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَمَّدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِيهَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الْعَبَثِ بِخِلَافِ الْفَرْقَعَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا لِإِرَاحَةِ الْمَفَاصِلِ فَإِنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ كَرِهَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ بِالْحَدِيثِ اهـ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَارِجَهَا نَهْيٌ لَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً وَأَلْحَقَ فِي الْمُجْتَبَى الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ وَالْمَاشِيَ إلَيْهَا بِمَنْ فِي الصَّلَاةِ فِي كَرَاهَتِهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْتِفَاتُهُ بِأَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا لِحَاجَةٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً، وَقَدْ خَالَفَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ عَامَّةَ الْكُتُبِ فِي الِالْتِفَاتِ الْمَكْرُوهِ فَجَعَلَهُ مُفْسِدًا وَعِبَارَتُهُ، وَلَوْ حَوَّلَ الْمُصَلِّي وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَتْ، وَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَجَعَلَ فِيهَا الِالْتِفَاتَ الْمَكْرُوهَ أَنْ يُحَوِّلَ بَعْضَ وَجْهِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَالْأَشْبَهُ مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الِالْتِفَاتَ الْمَكْرُوهَ أَعَمُّ مِنْ تَحْوِيلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ أَوْ بَعْضِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَظَرَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ. . . إلَخْ) قَيَّدَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ بِأَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ، وَقَدْ أَطْلَقَهُ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْتِفَاتَ الْبَصِيرِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلِ الْوَجْهِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ مُطْلَقًا وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ. . . إلَخْ) أَقُولُ النَّهْيُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ لَيَنْتَهُنَّ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَإِقْعَاؤُهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ. . . إلَخْ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي التَّفْسِيرِ لِلْإِقْعَاءِ؛ لِأَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ يَكُونُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إلَّا أَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ فِي نَصْبِ الْيَدَيْنِ وَإِقْعَاءَ الْآدَمِيِّ فِي نَصْبِ الرُّكْبَتَيْنِ إلَى صَدْرِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ.
(قَوْلُهُ وَتَرَبُّعُهُ) مَعْرُوفٌ وَسُمِّيَ بِالتَّرَبُّعِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْجِلْسَةِ قَدْ رَبَّعَ نَفْسَهُ كَمَا يُرَبَّعُ الشَّيْءُ إذَا جُعِلَ أَرْبَعًا وَالْأَرْبَعُ هُنَا السَّاقَانِ وَالْفَخِذَانِ رَبَّعَهَا بِمَعْنَى أَدْخَلَ بَعْضَهَا تَحْتَ بَعْضٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةِ الْقُعُودِ لِلتَّشَهُّدِ) أَقُولُ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ قَالَ وَمَا قِيلَ
стр. 107
(وَتَخَصُّرُهُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ (وَقَلْبُ الْحَصَى لِيَسْجُدَ إلَّا مَرَّةً) أَيْ وَكُرِهَ قَلْبُ الْحَصَى لِيَتَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ إلَّا أَنْ يَقْلِبَ مَرَّةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا وَالرُّخْصَةُ فِي الْمَرَّةِ «لِقَوْلِهِ ﵊ يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً أَوْ فَذَرْ» (وَعَدُّ الْآيِ) جَمْعُ آيَةٍ (وَالتَّسْبِيحُ بِالْيَدِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا وَفِيهِ خِلَافٌ لَهُمَا فَلَا يُكْرَهُ عَدُّهُمَا بِالْقَلْبِ وَلَا بِالْيَدِ خَارِجَ الصَّلَاةِ (وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ عَلَى دُكَّانٍ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ وَحْدَهُ) هَذَا قَيْدٌ لِلصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي يُكْرَهُ قِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لَا قِيَامُهُ فِي الْخَارِجِ وَسُجُودُهُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا يُكْرَهُ قِيَامُهُ عَلَى دُكَّانٍ وَحْدَهُ وَالْقَوْمُ عَلَى الْأَرْضِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِلتَّشَبُّهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ اخْتِلَافَ الْمَكَانَيْنِ فَكَانَ تَشَبُّهًا، وَلِأَنَّ فِيهِ ازْدِرَاءً بِالْإِمَامِ ثُمَّ قَدْرُ الِارْتِفَاعِ قَامَةٌ وَلَا بَأْسَ بِمَا دُونَهَا، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ مِقْدَارُ ذِرَاعٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ الْقَوْمِ لَا يُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ لِزَوَالِ الْمَعْنَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
فِي وَجْهِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ التَّرَبُّعَ جُلُوسُ الْجَبَابِرَةِ فَلِذَا كُرِهَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَتَرَبَّعُ فِي جُلُوسِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَعَامَّةُ جُلُوسِ عُمَرَ ﵁ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ تَرَبُّعًا اهـ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَخَارِجَهَا لَيْسَ أَيْ التَّرَبُّعُ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ جُلَّ قُعُودِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ التَّرَبُّعَ، وَكَذَا عُمَرُ ﵁ اهـ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ السُّنَّةِ يُفِيدُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ لِيَكُونَ تَحْرِيمًا اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَخَصُّرُهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ) أَقُولُ، وَكَذَا يُكْرَهُ التَّخَصُّرُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ) هَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَفُسِّرَ بِغَيْرِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ وَالرُّخْصَةُ فِي الْمَرَّةِ) أَقُولُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى وَعَلَيْهِ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالنِّهَايَةِ أَنَّ التَّرْكَ أَحَبُّ إلَيَّ اسْتَدَلَّ فِي النِّهَايَةِ وَالْبُرْهَانِ بِمَا عَنْ جَابِرٍ «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فَقَالَ وَاحِدَةً وَلَأَنْ تُمْسِكَ عَنْهَا خَيْرٌ لَك مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ سُودِ الْحَدَقِ» اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَسْوِيَتَهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مَرَّةً هَلْ هِيَ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ، وَقَدْ تَعَارَضَ فِيهَا جِهَتَانِ فَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلسُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ كَانَتْ عَزِيمَةً وَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ تَرْكَهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ كَانَ تَرْكُهَا عَزِيمَةً وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الثَّانِي، وَذَكَرَ مَا يُرَجِّحُهُ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵇ يَا أَبَا ذَرٍّ. . . إلَخْ) ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَ الْكَمَالُ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ أَيْ أَبِي ذَرٍّ «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْته عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فَقَالَ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» . اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَدُّ الْآيِ وَالتَّسْبِيحُ بِالْيَدِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ صَلَاةَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَكَذَا عَدُّ السُّوَرِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا ﵏ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَقَيَّدَ بِالتَّسْبِيحِ وَالْآيِ احْتِرَازًا عَنْ عَدِّ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ عَدَّ النَّاسَ أَوْ مَوَاشِيَهُ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ خِلَافٌ لَهُمَا) أَقُولُ هُوَ كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَنَفَيَاهَا أَيْ الْكَرَاهَةَ فِي رِوَايَةٍ اهـ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُمَا يُكْرَهُ كَقَوْلِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ عَدُّهُمَا بِالْقَلْبِ) تَفْرِيعٌ بِمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَدِّ بِالْيَدِ بِالْأَصَابِعِ أَوْ بِخَيْطٍ يُمْسِكُهُ أَمَّا إذَا أَحْصَى بِقَلْبِهِ أَوْ غَمَزَ بِأَنَامِلِهِ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَلَا بِالْيَدِ خَارِجَ الصَّلَاةِ) أَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ) أَقُولُ حَكَى الْحَلْوَانِيُّ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ عَلَى الْقَوْمِ ذَكَرَهُ الْكَاكِيُّ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ) أَقُولُ كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ هَذِهِ إحْدَاهُمَا وَالثَّانِيَةُ إنَّمَا يُكْرَهُ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ حَالُهُ حَتَّى إذَا كَانَ بِجَنَبَيْ الطَّاقِ عَمُودَانِ وَرَاءَهُمَا فُرْجَتَانِ يَطَّلِعُ مِنْهُمَا أَهْلُ الْجِهَتَيْنِ عَلَى حَالِهِ لَا يُكْرَهُ فَمَنْ اخْتَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَمَنْ اخْتَارَ الْأُولَى يُكْرَهُ عِنْدَهُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْكَمَالُ لَا يَخْفَى أَنَّ امْتِيَازَ الْإِمَامِ مُقَرَّرٌ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْمَكَانِ حَتَّى كَانَ التَّقَدُّمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَغَايَةُ مَا هُنَا كَوْنُهُ فِي خُصُوصِ مَكَان وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ بُنِيَ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَحَارِيبُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ ﷺ ، وَلَوْ لَمْ تُبْنَ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي مُحَاذَاةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ يُحَاذِي وَسْطَ الصَّفِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ إذْ قِيَامُهُ فِي غَيْرِ مُحَاذَاتِهِ مَكْرُوهٌ وَغَايَتُهُ اتِّفَاقُ الْمِلَّتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا بِدَعَ فِيهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إنَّمَا يَخُصُّونَ الْإِمَامَ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ عَلَى مَا قِيلَ فَلَا تَشَبُّهَ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا قِيَامُهُ فِي الْخَارِجِ وَسُجُودُهُ فِيهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْقَدَمُ وَبِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ قَدْرُ الِارْتِفَاعِ قَامَةٌ) أَيْ قَامَةُ رَجُلٍ وَسَطٍ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِقْدَارُ ذِرَاعٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ) ، كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
стр. 108
الْمُوجِبِ لِلْكَرَاهَةِ (وَالْقِيَامُ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الصَّفِّ (فُرْجَةٌ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَلُبْسُ ثَوْبٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ حَامِلَ الصَّنَمِ (وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَنُّورٌ أَوْ كَانُونٌ فِيهِ نَارٌ) لِشَبَهِهِ بِعِبَادَةِ الْمَجُوسِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْجَمْرَ (أَوْ) يَكُونَ (فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ صُورَةٌ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ «إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ» وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ الْمُصَلِّي ثُمَّ فَوْقَ رَأْسِهِ ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ خَلْفَهُ.
وَفِي الْغَايَةِ إنْ كَانَ التِّمْثَالُ فِي مُؤَخِّرِ الظَّهْرِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ عِبَادَتَهُ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ (إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ أَوْ لِغَيْرِ ذِي رُوحٍ) فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تُعْبَدُ فَلَا يُكْرَهُ (وَصَلَاتُهُ حَاسِرًا رَأْسَهُ) لِلتَّكَاسُلِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ (لَا لِلتَّذَلُّلِ) حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يُكْرَهْ (أَوْ) صَلَاتُهُ (وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ) أَيْ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَهُوَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ صَلَاتُهُ حَالَ مُدَافَعَتِهِ لَهُمَا (أَوْ الرِّيحَ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا.
(وَ) صَلَاتُهُ (فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ) وَهِيَ مَا يُلْبَسُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يُذْهَبُ بِهَا إلَى إلَى كَابِرٍ (وَمَسْحُ جَبْهَتِهِ مِنْ التُّرَابِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا.
(لَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ (قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) فِي الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
وَقَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
(قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ فُرْجَةٌ) أَقُولُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قِيلَ يَقُومُ وَحْدَهُ وَيُعْذَرُ، وَقِيلَ يَجْذِبُ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ إلَى نَفْسِهِ فَيَقِفُ إلَى جَنْبِهِ وَالْأَصَحُّ مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى الرُّكُوعِ فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ وَإِلَّا جَذَبَ إلَيْهِ رَجُلًا أَوْ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَالَ مَوْلَانَا الْبَدِيعُ وَالْقِيَامُ وَحْدَهُ أَوْلَى فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى الْعَوَامّ فَإِذَا جَرَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
وَفِي شَرْحِ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَأَوْلَى فِي زَمَانِنَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ ثُمَّ قَالَ وَبَحَثَ الْمُصَنِّفُ التَّفْوِيضَ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى فَإِنْ رَأَى مَنْ لَا يَتَأَذَّى لِدِينٍ أَوْ صَدَاقَةٍ زَاحَمَهُ أَوْ عَالِمًا جَذَبَهُ.
(قَوْلُهُ أَوْ خَلْفَهُ) ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا يُكْرَهُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ وَمَشَى عَلَيْهَا فِي الْغَايَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا فِي شَرْحِ عَتَّابٍ قَالَ لَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ جَعْلِ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ لِلْحَدِيثِ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ» اهـ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ جَبْرَائِيلُ ﵇. . . إلَخْ) مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ لَهَا فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَعِنْدَ النَّسَائِيّ «اسْتَأْذَنَ جَبْرَائِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ اُدْخُلْ فَقَالَ كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِك سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْطَعْ رُءُوسَهَا أَوْ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوْ اجْعَلْهَا بِسَاطًا» كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ عَتَّابٍ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تُكْرَهُ كَرَاهَةَ جَعْلِ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ اهـ.
وَالْمُرَادُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لَا الْحَفَظَةُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الشَّخْصَ إلَّا فِي خَلْوَتِهِ بِأَهْلِهِ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ بِحَيْثُ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ قَالَ الْكَمَالُ أَيْ عَلَى مَنْ بَعُدَ وَالْكَبِيرَةُ مَا تَبْدُو عَلَى بُعْدٍ اهـ. وَقَالَ.
وَفِي الْبَحْرِ وَهَلْ تَمْنَعُ أَيْ الصَّغِيرَةُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ ذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ مُخَصَّصَةٌ وَذَهَبَ النَّوَوِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ.
(قَوْلُهُ أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ) أَقُولُ وَمَحْوُ وَجْهِهَا كَقَطْعِ الرَّأْسِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ.
(قَوْلُهُ أَوْ صَلَاتُهُ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ. . . إلَخْ) سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَوْ قَبْلَهُ، وَكَذَا تُكْرَهُ مَعَ نَجَاسَةٍ لَا تُمْنَعُ إلَّا إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ أُخْرَى، وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ إنْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ إذَا تَذَكَّرَ هَذِهِ النَّجَاسَةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَتُكْرَهُ مَعَ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَانِعَةٍ لِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ إلَّا إذْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ وَإِلَّا نُدِبَ قَطْعُهَا وَإِزَالَتُهَا كَمَا فِي مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَجُوزُ قَطْعُهَا بِسَرِقَةٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَلَوْ لِغَيْرِهِ وَخَوْفِ ذِئْبٍ عَلَى غَنَمٍ أَوْ خَوْفِ تَرَدِّي أَعْمَى فِي بِئْرٍ وَيَجِبُ قَطْعُهَا بِاسْتِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ مَظْلُومٍ بِالْمُصَلِّي وَلَا يَجِبُ قَطْعُهَا بِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ إلَّا أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ أَيْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَهَذَا فِي الْفَرْضِ فَأَمَّا فِي النَّفْلِ إذَا نَادَاهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يُجِيبُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَتَقْطَعُهَا الْمَرْأَةُ إذَا فَارَ قِدْرُهَا وَالْمُسَافِرُ إذَا نَدَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ خَافَ فَوْتَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ كَافِي الْفَتْحِ مِنْ بَابِ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ.
(قَوْلُهُ وَمَسْحُ جَبْهَتِهِ مِنْ التُّرَابِ) أَقُولُ أَيْ فِي الصَّلَاةِ لِمَا فِي الْبُرْهَانِ عَنْ الْمُحِيطِ وَلَا يُكْرَهُ مَسْحُ جَبْهَتِهِ مِنْ التُّرَابِ فِي وَسْطِ الصَّلَاةِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُكْرَهُ إلَّا لِلْأَذَى وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَسَحَ مَرَّةً يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَمْسَحَ عَنْهُ فِي كُلِّ سُجُودٍ يَتَلَطَّخُ بِهِ فَلَا يُفِيدُ الْمَسْحُ وَلَا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْبُرْهَانِ بِخَوْفِ الْأَذَى اهـ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ كُرِهَ فِي النِّهَايَةِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي الْحَيَّةِ فَشَمِلَ جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَالْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلَامَةُ الْجِنِّ لَا لِلْحُرْمَةِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَقِيلَ يُنْذِرُهَا فِي غَيْرِ
стр. 109
أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يَقْتُلُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِمَا بِفِعْلٍ يَسِيرٍ كَالضَّرْبِ. وَأَمَّا إذَا احْتَاجَ إلَى الْمُعَالَجَةِ وَالْمَشْيِ فَتَفْسُدُ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ كَالْمَشْيِ فِي الْحَدِيثِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ (وَلَا) الصَّلَاةُ (إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ) ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الصَّحْرَاءِ أَمَرَ عِكْرِمَةَ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُصَلِّيَ» (وَإِلَى مُصْحَفٍ أَوْ سَيْفٍ مُعَلَّقَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُعْبَدَانِ وَالْكَرَاهَةُ بِاعْتِبَارِهَا، وَإِنْ قَالَ بَعْضٌ بِكَرَاهَتِهِمَا (أَوْ) إلَى (سِرَاجٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَبَ بَلْ الْجَمْرَ (أَوْ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ) ؛ لِأَنَّهَا إهَانَةٌ وَتَحْقِيرٌ لِلصُّورَةِ وَلَيْسَ بِتَعْظِيمٍ (إنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا) أَيْ الصُّورَةِ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ فَإِنَّ السُّجُودَ عَلَيْهَا تَشَبُّهٌ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ (كَذَا) لَفْظَةُ كَذَا هَاهُنَا كَالْفَصْلِ فِي عِبَارَةِ الْكَنْزِ، وَوَجْهُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ.
(يُكْرَهُ الْوَطْءُ وَالْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي) أَيْ التَّغَوُّطُ (فَوْقَ مَسْجِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي احْتِرَامَهُ؛ لِأَنَّ لِسَطْحِ الْمَسْجِدِ حُكْمَهُ حَتَّى لَوْ قَامَ عَلَيْهِ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ صَحَّ، وَلَوْ صَعِدَ إلَيْهِ الْمُعْتَكِفُ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ (لَا فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ) وَالْمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ بِأَنْ كَانَ لَهُ مِحْرَابٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَتَّى جَازَ بَيْعُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةُ الْمَسَاجِدِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
. (وَ) يُكْرَهُ (غَلْقُ بَابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِحُّ مَنْعُهُ عَنْهُمْ قَالُوا هَذَا فِي زَمَانِهِمْ وَفِي زَمَانِنَا لَا بَأْسَ فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ إذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
الصَّلَاةِ فَيَقُولُ خَلِّي طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِنْ أَبَتْ قَتَلَهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ الْكَمَالُ بَعْدَ نَقْلِهِ بَاحِثًا ثُمَّ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ الْفَسَادُ أَيْ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ اهـ.
وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفَسَادِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ اهـ. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ؛ لِأَنَّ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ اخْتِلَافًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّعَرُّضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَخْذِ فَضْلًا عَنْ الْقَتْلِ أَوْ الدَّفْنِ، فَإِنْ تَعَرَّضَا بِالْأَذَى إنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ وَالْقَتْلِ وَالدَّفْنِ بِغَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَا يَطْرَحُهَا وَلَا يَدْفِنُهَا فِيهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْفَرُ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ) أَفَادَ الْكَرَاهَةَ إلَى وَجْهِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ وَبَيْنَهُمَا ثَالِثٌ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْمُصَلِّي بِالْوَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَضْعُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَا تَمْنَعُهُ الْقِرَاءَةَ وَمِنْهَا إتْمَامُ الْقِرَاءَةِ رَاكِعًا وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ وَالصَّلَاةُ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى إذَا غَسَلَ مَوْضِعًا فِي الْحَمَّامِ لَيْسَ فِيهِ تِمْثَالٌ وَصَلَّى لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا فِي الْمَقْبَرَةِ إذَا كَانَ فِيهَا مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ قَبْرٌ وَلَا نَجَاسَةٌ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَجِّلَهُمْ عَنْ إكْمَالِ السُّنَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ. . . إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى كَرَاهَتِهِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ بِالْأَوْلَى، وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ تُكْرَهُ الْمُجَامَعَةُ فَوْقَ الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ وَصَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لَكِنَّ الْحَقَّ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَذَكَرَ وَجْهَهُ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ كَرَاهَةَ الْبَوْلِ وَالْمُجَامَعَةِ وَالتَّخَلِّي فِي مُصَلَّى الْجِنَازَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى الْقَوَارِعِ وَعِنْدَ الْحِيَاضِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ وَمَا كَانَ هَذَا إلَّا نَظِيرَ الْمُعَدِّ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَذَلِكَ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي عَلَى الْقَوَارِعِ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِيهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ مَعْلُومٌ، وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُتَّخَذُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ انْفَصَلَ الصُّفُوفُ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ اهـ ذَكَرَهُ الْكَاكِيُّ وَمِثْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَيْ مُصَلَّى الْعِيدِ يَأْخُذُ حُكْمَهَا أَيْ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ لِأَعْظَمِ الْجُمُوعِ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ إدْخَالُ الدَّوَابِّ فِيهَا ضَرُورَةَ الْخَشْيَةِ عَلَى ضَيَاعِهَا، وَقَدْ يَجُوزُ إدْخَالُ الدَّوَابِّ فِي بُقْعَةِ الْمَسَاجِدِ لِمَكَانِ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ اهـ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ وَاتَّفَقَ فِي مُصَلَّى الْجِنَازَةِ.
(قَوْلُهُ وَالتَّخَلِّي أَيْ التَّغَوُّطُ) أَقُولُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ دُونَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ مِحْرَابٌ) أَقُولُ إنَّمَا قَيَّدَ بِالْمِحْرَابِ لِيُفِيدَ الْحُكْمَ فِيمَا لَا مِحْرَابَ لَهُ بِالْأَوْلَى وَلِذَا أَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ وَلَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ وَالْمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قَالُوا هَذَا فِي زَمَانِهِمْ وَفِي زَمَانِنَا. . . إلَخْ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالزَّمَانِ فِي الْهِدَايَةِ بَلْ قَالَ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خِيفَ عَلَى مَتَاعِ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْكَمَالُ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِزَمَانِنَا كَمَا فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ فَالْمَدَارُ خَشْيَةُ الضَّرَرِ اهـ.
وَفِي نَفْيِ الْبَأْسِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَفْلُهُ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ
стр. 110
مَتَاعِ الْمَسْجِدِ.
(لَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ (تَزْيِينُهُ بِالْجِصِّ وَالسَّاجِ) وَهُوَ خَشَبٌ مُقَوَّمٌ يُجْلَبُ مِنْ الْهِنْدِ (وَمَاءِ الذَّهَبِ بِمَالِهِ) أَيْ بِمَالِ الْبَانِي (وَأَمَّا الْمُتَوَلِّي فَيَضْمَنُ) قِيمَةَ مَا زَيَّنَهُ بِهِ (إذَا فَعَلَ) ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ) .
(قَرَأَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (مِنْ وَسْطِ السُّورَةِ لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ) قِرَاءَةُ خَاتِمَةِ السُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ يُكْرَهُ، وَكَذَا خَاتِمَةُ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ أَوْ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ فِيهِمَا جَمَعَ بَيْنَ سُوَرٍ فِي رَكْعَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ، وَلَوْ كَرَّرَ سُورَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ يُكْرَهُ إلَّا فِي النَّفْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَةٍ أَوْ سُورَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَفْصِلُ بِسُوَرٍ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْمُعَوِّذَتَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةٍ وَشَيْءٍ مِنْ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعِيدُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فِي الثَّانِيَةِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا، قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَرَأَ سُورَةً فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةً فَوْقَهَا يُكْرَهُ وَالْآيَةُ كَالسُّورَةِ، كَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَرَفْعُ الْقَلَنْسُوَةِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ مِنْ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمَصَاحِفِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ.
(قَوْلُ لَا يُكْرَهُ تَزْيِينُهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ لَا بَأْسَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ بِذَلِكَ فَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ. اهـ.؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ لَا بَأْسَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَأْسَ الشِّدَّةُ اهـ قُلْت وَفِيهِ نَفْيٌ لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ قُرْبَةً لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِجْلَالِ الدِّينِ وَبِهِ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ قَالَ وَعِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَصَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ أَحَبُّ اهـ.
وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ اسْتِحْبَابٍ صَرَفَهُ بِمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ بِمَالِهِ أَيْ بِمَالِ الْبَانِي) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ مِنْ طَيِّبِ مَالِهِ أَمَّا إذَا أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ مَالًا خَبِيثًا أَوْ مَالًا مُسَبِّبُهُ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إلَّا الطَّيِّبَ فَيُكْرَهُ تَلْوِيثُ بَيْتِهِ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ اهـ.
وَقَيَّدَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا الْإِبَاحَةَ بِأَنْ لَا يَتَكَلَّفَ لِدَقَائِقِ النَّقْشِ فِي الْمِحْرَابِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّي. اهـ.
قُلْت فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمِحْرَابِ بَلْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ يَكُونُ أَمَامَ مَنْ يُصَلِّي بَلْ أَعَمُّ مِنْهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْكَمَالُ فَقَالَ بِكَرَاهَةِ التَّكَلُّفِ بِدَقَائِق النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا خُصُوصًا فِي الْمِحْرَابِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُتَوَلِّي فَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا زَيَّنَهُ بِهِ. . . إلَخْ) أَقُولُ فِي تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ضَمَانُ مَا صَرَفَهُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ لَا قِيمَةِ مَا صَرَفَ الْمَالَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَكَانَ الزَّرَنْجَرِيُّ ﵀ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ أَيْ بِضَمَانِ الْمُتَوَلِّي فِي زَمَانِهِمْ أَمَّا فِي زَمَانِنَا لَوْ صَرَفَ مَا يَفْضُلُ فِي الْعِمَارَةِ إلَى النَّقْشِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الظَّلَمَةَ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَافِي إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خِيفَ الضَّيَاعُ بِطَمَعِ الظَّلَمَةِ.
وَفِي الْغَايَةِ جَعْلُ الْبَيَاضِ فَوْقَ السَّوَادِ لِلنَّقَاءِ يُوجِبُ ضَمَانَ الْمُتَوَلِّي.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَكِلْ الْوَاقِفُ فِعْلَ مِثْلِ ذَلِكَ أَمَّا إنْ كَانَ فَلَهُ الْبَيَاضُ لِقَوْلِهِمْ فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ إنَّهُ يَعْمُرُهُ كَمَا كَانَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ لِلنَّقَاءِ إذْ لَوْ قَصَدَ بِهِ إحْكَامَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ اهـ قُلْت وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ النَّظَرِ اهـ قَالَ وَقَيَّدُوا بِالْمَسْجِدِ إذْ نَقْشُ غَيْرِهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ إلَّا إذَا كَانَ مَكَانًا مُعَدًّا لِلِاسْتِظْلَالِ تَزِيدُ الْأُجْرَةُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَرَادُوا مِنْ الْمَسْجِدِ دَاخِلَهُ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ تَرْغِيبِ الِاعْتِكَافِ فَيُفِيدُ أَنَّ تَزْيِينَ خَارِجِهِ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَيَضْمَنُ الْمُتَوَلِّي كَدَهْنِ الْحِيطَانَ خُصُوصًا بِقَصْدِ الْحِرْمَانِ.
(قَوْلُهُ قَرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَى آخِرِ الْبَابِ) أَقُولُ كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي اسْتِطْرَادُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ وَلَهُ أَحْكَامٌ أُفْرِدَتْ عَلَى حِدَةٍ فِي الشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى مِنْهَا تَحِيَّتُهُ وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ وَيَكْفِيهِ فِي الْيَوْمِ رَكْعَتَانِ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ وَلَا تَسْقُطُ بِالْجُلُوسِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَيَقُومُ مَقَامَهَا كُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا عِنْدَ الدُّخُولِ بِلَا نِيَّةِ التَّحِيَّةِ فَلَوْ نَوَى التَّحِيَّةَ مَعَ الْفَرْضِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَصَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِكَرَاهَةِ الْحَدِيثِ أَيْ الْكَلَامِ فِيهِ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَجْلِسَ لِأَجْلِهِ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِيهِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ
أَمَّا إنْ جَلَسَ لِلْعِبَادَةِ ثُمَّ بَعْدَهَا تَكَلَّمَ فَلَا وَاخْتُلِفَ فِي النَّوْمِ فِيهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْأَشْبَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ الْكَرَاهَةُ وَاخْتُلِفَ فِي كَرَاهِيَةِ إخْرَاجِ الرِّيحِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَلَا اسْتِطْرَاقُهُ وَلَا الْبُزَاقُ فِيهِ وَيَأْخُذُ النُّخَامَةَ بِثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْزَوِي مِنْهَا كَمَا يَنْزَوِي الْجِلْدُ مِنْ النَّارِ عَلَى مَا رُوِيَ (قَوْلُهُ قَرَأَ مِنْ وَسْطِ السُّورَةِ لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ يُكْرَهُ) قَالَ قَاضِي خَانْ وَفِي غَرِيبِ الرِّوَايَاتِ لِأَبِي جَعْفَرٍ ﵀ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَوْ مِنْ وَسَطِهَا أَوْ مِنْ آخِرِهَا اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ فِيهِمَا) أَقُولُ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ قَرَأَ آخِرَ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ يُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ آخِرَ سُورَةٍ أُخْرَى فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ جَمَعَ بَيْنَ سُوَرٍ فِي رَكْعَةٍ لَا يُكْرَهُ) أَقُولُ أَيْ عَلَى جِهَةِ التَّأْلِيفِ لِمَا قَالَ قَاضِي خَانْ لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى التَّأْلِيفِ عُرِفَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
следующие страницы →