← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 109–148 · переход к 114.

стр. 109

سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فأدخلنا المدينة، ثلاثة على دابّة (١). وقد ورد النهي عن ركوب ثلاثة على دابة في حديث مرسل، فإن صحّ حمل على ركوب ثلاثة رجال، فإنّ الدّابة يشقّ عليها حملهم بخلاف رجل وصغيرين. وفي «المسند» و «صحيح الحاكم»، عن عائشة، قالت: أقبلنا من مكّة في حجّ أو عمرة، فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقّون أهاليهم إذا قدموا (٢). وكذلك السّلام على الحاج إذا قدم ومصافحته، وطلب الدعاء منه. وفي «المسند» بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا لقيت الحاجّ فسلّم عليه، وصافحه، ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته؛ فإنّه مغفور له» (٣). وفيه أيضا عن حبيب بن أبي ثابت، قال: خرجت مع أبي نتلقّى الحاجّ ونسلّم عليهم قبل أن يتدنّسوا. وروى معاذ بن الحكم، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن الحسن، قال: إذا خرج الحاج فشيّعوهم وزوّدوهم الدعاء، وإذا قفلوا فالقوهم وصافحوهم قبل أن يخالطوا الذّنوب؛ فإنّ البركة في أيديهم. وروى أبو الشيخ الأصبهانيّ وغيره من رواية ليث، عن مجاهد، قال: قال عمر: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاجّ بقيّة ذي الحجّة، ومحرّم، وصفر، وعشر من ربيع الأول (٤). وفي «مسند البزار» و «صحيح الحاكم» من حديث أبي هريرة مرفوعا: «اللهم اغفر للحاجّ، ولمن استغفر له الحاج» (٥).

стр. 110

وروى أبو معاوية الضّرير، عن حجاج، عن الحكم، قال: قال ابن عباس: لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحقّ لأتوهم حين يقدمون حتّى يقبّلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس. ما للمنقطع حيلة سوى التعلّق بأذيال الواصلين. هل الدّهر يوما بوصل يجود … وأيّامنا باللّوى هل تعود زمان تقضّى وعيش مضى … بنفسي والله تلك العهود ألا قل لزوّار دار الحبيب … هنيئا لكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضا … فنحن عطاش وأنتم ورود أحبّ ما إلى المحبّ سؤال من قدم من ديار الحبيب. عارضا بي ركب الحجاز أسائل … هـ متى عهده بأيّام سلع واستملاّ حديث من سكن الخي … ف ولا تكتباه إلاّ بدمعي فإنني أن أرى الدّيار بطرفي … فلعلّي أرى الدّيار بسمعي من معيد أيّام جمع على ما … كان منها وأين أيّام جمعي لقاء الأحباب لقاح الألباب، وأخبار تلك الديار أحلى عند المحبين من الأسمار. إذا قدم الرّكب يمّمتهم … أحيّي الوجوه قدوما ووردا وأسألهم عن عقيق الحمى … وعن أرض نجد ومن حلّ نجدا حدّثوني عن العقيق حديثا … أنتم بالعقيق أقرب عهدا ألا هل سمعتم ضجيج الحجيج … على ساحة الخيف والعيس تحدا فذكر المشاعر والمروتين … وذكر الصّفا يطرد الهمّ طردا أرواح القبول تفوح من المقبولين، وأنوار الوصول تلوح على الواصلين.

стр. 111

تفوح أرواح نجد من ثيابهم … عند القدوم لقرب العهد بالدّار أهفوا إلى الرّكب تعلو لي ركائبهم … من الحمى في أسيحاق وأطمار يا راكبان قفا لي واقضيا وطري … وحدّثاني عن نجد بأخبار ما يؤهّل للإكثار من التردّد إلى تلك الآثار إلاّ محبوب مختار. حجّ عليّ بن الموفّق ستين حجّة، قال: فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكّر في حالي وكثرة تردادي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل منّي حجّي أم ردّ. ثم نمت فرأيت في منامي قائلا يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلاّ من تحبّ؟ قال: فاستيقظت وقد سرّي عني. ما كلّ من حجّ قبل، ولا كلّ من صلّى وصل. قيل لابن عمر: ما أكثر الحاجّ! فقال: ما أقلّهم! وقال: الرّكب كثير، والحاجّ قليل. حجّ بعض المتقدمين فتوفي في الطريق في رجوعه، فدفنه أصحابه ونسوا الفأس في قبره، فنبشوه ليأخذوا الفأس، فإذا عنقه ويداه قد جمعت في حلقة الفأس، فردّوا عليه التراب، ثمّ رجعوا إلى أهله فسألوهم عن حاله، فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله، فكان يحجّ منه. إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجّت العير لا يقبل الله إلاّ كلّ صالحة … ما كلّ من حجّ بيت الله مبرور من حجّه مبرور قليل، ولكن قد يوهب المسيء للمحسن. وقد روي أنّ الله تعالى يقول عشيّة عرفة: «قد وهبت مسيئكم لمحسنكم». حجّ بعض المتقدمين، فنام ليلة، فرأى ملكين نزلا من السّماء، فقال أحدهما للآخر: كم حجّ العام؟ قال: ستمائة ألف، فقال له: كم قبل منهم؟ قال: ستة، قال: فاستيقظ الرّجل وهو قلق ممّا رأى. فرأى في الليلة الثانية

стр. 112

كأنّهما نزلا وأعادا القول، وقال أحدهما: إنّ الله وهب لكلّ واحد من الستة مائة ألف. كان بعض السّلف يقول في دعائه: اللهم إن لم تقبلني فهبني لمن شئت من خلقك. من ردّ عليه عمله ولم يقبل منه فقد يعوّض ما يعوّض المصاب، فيرحم بذلك. قال بعض السّلف في دعائه بعرفة: اللهم إن كنت لم تقبل حجّي وتعبي ونصبي، فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول مني. وقال آخر منهم: اللهم ارحمني؛ فإنّ رحمتك قريب من المحسنين، فإن لم أكن محسنا فقد قلت: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإن لم أكن كذلك فأنا شيء، وقد قلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فإن لم أكن شيئا فأنا مصاب بردّ عملي وتعبي ونصبي، فلا تحرمني ما وعدت المصاب من الرّحمة. قال هلال بن يساف: بلغني أنّ المسلم إذا دعا الله فلم يستجب له كتب له حسنة. خرّجه ابن أبي شيبة (١). يعني جزاء لمصيبة ردّه. ومن كان في سخطه محسنا … فكيف يكون إذا ما رضي قدوم الحاجّ يذكّر بالقدوم على الله . قدم مسافر فيما مضى على أهله، فسرّوا به، وهناك امرأة من الصّالحات، فبكت وقالت: أذكرني هذا بقدومه القدوم على الله ، فمن مسرور ومثبور. قال بعض الملوك لأبي حازم: كيف القدوم على الله؟ فقال أبو حازم: أمّا قدوم الطّائع على الله فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأمّا قدوم العاصي فكقدوم الآبق على سيّده الغضبان.

стр. 113

لعلّك غضبان وقلبي غافل … سلام على الدّارين إن كنت راضيا في بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله : ألا طال شوق الأبرار إليّ، وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقا. كم بين الذين ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وبين الذين ﴿يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطّور: ١٣]. قال علي ﵁: تتلقّاهم الملائكة على أبواب الجنة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزّمر: ٧٣]. ويلقى كلّ غلمان صاحبهم يطيفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر فقد أعدّ الله لك من الكرامة كذا وكذا، وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان - باسمه في الدنيا - فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم. فيستخفّهنّ الفرح حتى يخرجن إلى أسكفّة الباب. قال أبو سليمان الدارانيّ: تبعث الحوراء من الحور الوصيف من وصائفها، فتقول: ويحك! انظر ما فعل بوليّ الله، فتستبطئه فتبعث وصيفا آخر، فيأتي الأوّل فيقول: تركته عند الميزان، ويأتي الثاني فيقول: تركته عند الصّراط، ويأتي الثالث فيقول: قد دخل باب الجنة، فيستقبلها (١) الفرح فتقف على باب الجنة، فإذا أتاها اعتنقته، فيدخل خياشيمه من ريحها ما لا يخرج أبدا. قد أزلفت جنّة النّعيم فيا … طوبى لقوم بربعها نزلوا أكوابها عسجد يطاف بها … والخمر والسلسبيل والعسل والحور تلقاهم وقد كشفت … عن الوجوه بها الأستار والكلل ***

стр. 114

وظيفة شهر صفر في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر» (١). فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنّها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ : «فمن أعدى الأوّل؟». أما العدوى: فمعناها أنّ المرض يتعدّى من صاحبه إلى من يقاربه من الأصحّاء فيمرض بذلك. وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابيّ عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النّبيّ ﷺ : «فمن أعدى الأوّل؟» ومراده أنّ الأوّل لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتّى ظنّ بعضهم أنها ناسخة لقوله: «لا عدوى»، مثل ما في «الصحيحين»، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «لا يورد ممرض على مصحّ» (٢). والممرض: صاحب الإبل المريضة، والمصحّ: صاحب الإبل الصّحيحة. والمراد النّهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة. ومثل قوله ﷺ : «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد» (٣). وقوله ﷺ في الطاعون: «إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها» (٤).

стр. 115

ودخول النّسخ في هذا - كما تخيّله بعضهم - لا معنى له؛ فإنّ قوله: «لا عدوى» خبر محض لا يمكن نسخه إلاّ أن يقال: هو نهي عن اعتقاد العدوى، لا نفي لها. ولكن يمكن أن يكون ناسخا للنّهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها. والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنّه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله «لا عدوى»، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنّ هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدلّ على هذا قوله: «فمن أعدى الأوّل؟!»، يشير إلى أنّ الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يعدي شيء شيئا» قالها ثلاثا. فقال أعرابي: يا رسول الله، النّقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلّها. فقال رسول الله ﷺ : «فما أجرب الأوّل؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كلّ نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها» (١). فأخبر أنّ ذلك كلّه بقضاء الله وقدره، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ [الحديد: ٢٢]. فأما نهيه ﷺ عن إيراد الممرض على المصحّ، وأمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن الدخول إلى موضع الطّاعون، فإنّه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابا للهلاك أو الأذى. والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في

стр. 116

النار، أو يدخل تحت الهدم ونحوه، ممّا جرت به العادة بأنّه يهلك أو يؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون؛ فإنّ هذه كلّها أسباب للمرض والتّلف؛ والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره، ولا مقدّر غيره. وقد روي في حديث مرسل خرّجه أبو داود في «مراسيله» أنّ النبيّ ﷺ مرّ بحائط مائل فأسرع وقال: «أخاف موت الفوات» (١). وروي متصلا، والمرسل أصحّ. وهذه الأسباب التي جعلها الله أسبابا يخلق المسبّبات بها كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقالت طائفة: إنه يخلق المسبّبات عندها لا بها. وأمّا إذا قوي التّوكّل على الله والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النّفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه ألاّ يحصل به ضرر، ففي هذه الحال يجوز مباشرة ذلك، لا سيّما إذا كان فيه مصلحة عامة أو خاصة. وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرّجه أبو داود والترمذي أنّ النبيّ ﷺ أخذ بيد مجذوم، فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكّلا عليه» (٢). وقد أخذ به الإمام أحمد. وقد روي نحو ذلك عن عمر وابنه عبد الله وسلمان رضى الله عنه.

стр. 117

ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السّمّ. ومنه مشي سعد بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر. ومنه أمر عمر ﵁ لتميم حيث خرجت النار من الحرّة أن يردّها فدخل إليها في الغار التي خرجت منه. فهذا كلّه لا يصلح إلا لخواصّ من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره، وتوكّلهم عليه وثقتهم به. ونظير ذلك دخول المفاوز بغير زاد، فإنّه يجوز لمن قوي يقينه وتوكّله خاصّة وقد نصّ عليه أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة. وكذلك ترك التكسّب والتّطبّب. كلّ ذلك يجوز عند الإمام أحمد لمن قوي توكّله؛ فإنّ التوكّل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع ويستدفع بها المضارّ، كما قال الفضيل: لو علم الله منك إخراج المخلوقين من قلبك لأعطاك كلّ ما تريد. وبذلك فسّر الإمام أحمد التوكّل، فقال: هو قطع الاستشراف بالإياس من المخلوقين، قيل له: فما الحجة فيه؟ قال: قول إبراهيم ﵇ لمّا ألقي في النار، فعرض له جبريل ﵇، فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا. فلا يشرع ترك الأسباب الظاهرة إلاّ لمن تعوّض عنها بالسّبب الباطن، وهو تحقيق التوكّل، فإنّه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله، وأنفع منها. فالتوكّل علم وعمل؛ فالعلم معرفة القلب بتوحيد الله بالنّفع والضّرّ، وعامة المؤمنين تعلم ذلك. والعمل هو ثقة القلب بالله وفراغه من كلّ ما سواه، وهذا عزيز ويختصّ به خواصّ المؤمنين. والأسباب نوعان: أحدهما: أسباب الخير، فالمشروع أنّه يفرح بها، ويستبشر، ولا يسكن إليها، بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكّل على الله والإيمان به،

стр. 118

كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [الأنفال: ١٠]. ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل، وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة. وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبّب لها، وقلّ من فعل ذلك إلاّ وكل إليها وخذل، فإنّ جميع النّعم من الله وفضله، كما قال تعالى: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النّحل: ٥٣]: لا نلت خيرا ما بقي … ت ولا عداني الدّهر شرّ إن كنت أعلم أنّ غي … ر الله ينفع أو يضرّ ولا تضاف النّعم إلى الأسباب، بل إلى مسبّبها ومقدّرها، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه صلّى بهم الصبح في إثر سماء، ثم قال: «أتدرون ما قال ربّكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأمّا المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب؛ وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (١). وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر» (٢). وهذا مما يدلّ على أنّ المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنّها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئا من النّعم إلى غير الله مع اعتقاده أنّه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنّه من الله فهو نوع شرك خفيّ.

стр. 119

والنوع الثاني: أسباب الشرّ، فلا تضاف إلاّ إلى الذّنوب؛ لأنّ جميع المصائب إنما هي بسبب الذّنوب، كما قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النّساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشّورى: ٣٠]، ولا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب، كالعدوى أو غيرها. والمشروع: اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة، مثل اتقاء المجذوم والمريض، والقدوم على مكان الطاعون. وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه، فإنّ ذلك من الطيرة المنهيّ عنها؛ والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا طيرة». وفي حديث: «من ردّته الطيرة فقد قارف الشرك» (١). وفي حديث ابن مسعود المرفوع: «الطيرة من الشّرك، وما منّا إلاّ، ولكنّ الله يذهبه بالتّوكّل» (٢). والبحث عن أسباب الشرّ من النظر في النّجوم ونحوها هو من الطيرة المنهيّ عنها؛ والباحثون عن ذلك غالبا لا يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات، بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر. ومنهم من يشتغل بالمعاصي، وهذا مما يقوّي وقوع البلاء ونفوذه. والذي جاءت به الشريعة هو ترك البحث عن ذلك، والإعراض عنه، والاشتغال بما يدفع

стр. 120

البلاء؛ من الدّعاء، والذكر، والصدقة، وتحقيق التوكّل على الله ، والإيمان بقضائه وقدره. وفي «مسند ابن وهب» أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص التقى هو وكعب، فقال عبد الله لكعب: علم النّجوم؟ قال كعب: لا خير فيه، قال عبد الله: لم؟ قال: ترى فيه ما تكره، يريد الطيرة. فقال كعب: فإن مضى، وقال: اللهم لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك، ولا ربّ غيرك؟ فقال عبد الله: ولا حول ولا قوّة إلاّ بك. فقال كعب: جاء بها عبد الله، والذي نفسي بيده إنّها لرأس التوكّل وكنز العبد في الجنة، ولا يقولهنّ عبد عند ذلك ثم يمضي إلاّ لم يضرّه شيء. قال عبد الله: أرأيت إن لم يمض وقعد؟ قال: طعم قلبه طعم الإشراك (١). وفي «مراسيل» أبي داود أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «ليس عبد إلاّ سيدخل قلبه طيرة، فإذا أحسّ بذلك، فليقل: أنا عبد الله، ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، لا يأتي بالحسنات إلاّ الله، ولا يذهب بالسّيّئات إلاّ الله، أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير. ثم يمضي لوجهه» (٢). وفي «مسند الإمام أحمد» عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «من رجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك. وكفّارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهمّ لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك، ولا إله غيرك» (٣). وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عروة بن عامر القرشي، قال: ذكرت الطّيرة عند رسول الله ﷺ فقال: «أحسنها الفأل، ولا تردّ مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهمّ

стр. 121

لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلاّ أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» (١). وخرّجه أبو القاسم البغويّ، وعنده: «ولا تضرّ مسلما». وفي «صحيح ابن حبّان» عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا طيرة، والطّيرة على من تطيّر» (٢). وقال النّخعيّ: قال عبد الله بن مسعود: لا تضرّ الطّيرة إلاّ من تطيّر (٣). ومعنى هذا أنّ من تطيّر تطيّرا منهيّا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطيّر به حتّى يمنعه ممّا يريد من حاجته، فإنّه قد يصيبه ما يكرهه. فأمّا من توكّل على الله، ووثق به، بحيث علّق قلبه بالله خوفا ورجاء، وقطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات، ومضى، فإنّه لا يضرّه ذلك. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنّه كان إذا سمع نعق الغراب قال: اللهم لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك (٤). وكذلك أمر النبيّ ﷺ عند انعقاد أسباب العذاب السّماوية المخوفة، كالكسوف، بأعمال البرّ؛ من الصّلاة، والدّعاء، والصّدقة، والعتق، حتى يكشف ذلك عن الناس. وهذا كلّه مما يدلّ على أنّ الأسباب المكروهة إذا وجدت فإنّ المشروع الاشتغال بما يرجى به دفع العذاب المخوف منها؛ من أعمال الطّاعات، والدّعاء، وتحقيق التوكّل على الله والثقة به، فإنّ هذه الأسباب كلّها مقتضيات لا موجبات، ولها موانع تمنعها. فأعمال البرّ والتّقوى والدّعاء والتوكّل من أعظم ما يستدفع به.

стр. 122

ومن كلام بعض الحكماء المتقدّمين: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بأفنان اللغات يحلّل ما عقدته الأفلاك الدائرات؛ وهذا على زعمهم واعتقادهم في الأفلاك. وأما اعتقاد المسلمين فإنّ الله وحده هو الفاعل لما يشاء، ولكنّه يعقد أسبابا للعذاب، وأسبابا للرّحمة؛ فأسباب العذاب يخوّف الله بها عباده ليتوبوا إليه ويتضرّعوا إليه، مثل كسوف الشمس والقمر؛ فإنّهما آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده؛ لينظر من يحدث له توبة، فدلّ على أنّ كسوفهما سبب يخشى منه وقوع عذاب. وقد أمر عائشة ﵂ أن تستعيذ من شرّ القمر، وقال: «هو الغاسق إذا وقب». وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شرّ غاسق إذا وقب، وهو الليل إذا أظلم؛ فإنه ينتشر فيه شياطين الجنّ والإنس. والاستعاذة من القمر؛ لأنه آية الليل، وفيه إشارة إلى أنّ شرّ الليل المخوف لا يندفع بإشراق القمر فيه، ولا يصير بذلك كالنّهار، بل يستعاذ منه وإن كان مقمرا. وخرّج الطّبراني من حديث جابر مرفوعا: «لا تسبّوا اللّيل، ولا النّهار، ولا الشّمس، ولا القمر، ولا الرّيح؛ فإنّها رحمة لقوم، وعذاب لآخرين» (١). ومثل اشتداد الرّياح؛ فإنّ الرّيح كما قال النبيّ ﷺ من روح الله، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب (٢). وأمر إذا اشتدّت الرّيح أن يسأل الله خيرها وخير ما أرسلت به، ويستعاذ به من شرّها وشرّ ما أرسلت به (٣).

стр. 123

وقد كان النبيّ ﷺ إذا رأى ريحا أو غيما تغيّر وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه (١)، ويقول: قد عذب قوم بالرّيح. ورأى قوم السّحاب، فقالوا: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وأسباب الرحمة يرجّي بها عباده، مثل الغيم الرطب والريح الطيبة، ومثل المطر المعتاد عند الحاجة إليه، ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب (٢). وأمّا من اتّقى أسباب الضّرر بعد انعقادها بالأسباب المنهيّ عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبا، كمن ردّته الطّيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطيّر به، فإنّه كثيرا ما يصاب بما خشي منه، كما قاله ابن مسعود، ودلّ عليه حديث أنس المتقدم. وكمن اتّقى الطّاعون الواقع في بلده بالفرار منه، فإنّه قلّ أن ينجيه ذلك. وقد فرّ كثير من المتقدّمين والمتأخّرين من الطّاعون فأصابهم، ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقد ذكر كثير من السّلف أنّهم كانوا قد فرّوا من الطّاعون فأصابهم. وفرّ بعض المتقدّمين من طاعون وقع، فبينا هو يسير باللّيل على حمار له إذ سمع قائلا يقول: لن يسبق الله على حمار … ولا على ذي ميعة مطار أو يأتي الحتف على مقدار … قد يصبح الله أمام السّاري فأصابه الطّاعون، فمات. وأمّا قوله ﷺ : «لا هامة» فهو نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أنّ الميت إذا

стр. 124

مات صارت روحه أو عظامه هامة، وهو طائر يطير، وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ؛ أنّ أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكلّ هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت به الشريعة: «إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنّة، وترد من أنهار الجنة، إلى أن يردّها الله إلى أجسادها يوم القيامة» (١). وروي أيضا: «إنّ نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة» (٢). وأمّا قوله ﷺ : «ولا صفر» فاختلف في تفسيره؛ فقال كثير من المتقدمين: الصّفر داء في البطن، يقال: إنه دود فيه، كبار كالحيّات، وكانوا يعتقدون أنّه يعدي، فنفى ذلك النبيّ ﷺ . وممن قال هذا من العلماء ابن عيينة، والإمام أحمد وغيرهما. ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: «لا عدوى». وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام، وخصّه بالذكر؛ لاشتهاره عندهم بالعدوى. وقالت طائفة: بل المراد «بصفر» شهر صفر، ثم اختلفوا في تفسيره، على قولين: أحدهما: أنّ المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النّسيء، فكانوا يحلّون المحرّم ويحرّمون صفر مكانه؛ وهذا قول مالك. والثاني: أنّ المراد أنّ أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون: إنه

стр. 125

شهر مشئوم، فأبطل النّبيّ ﷺ ذلك؛ وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي، عمّن سمعه يقول ذلك. ولعلّ هذا القول أشبه الأقوال. وكثير من الجهّال يتشاءم بصفر، وربّما ينهى عن السّفر فيه. والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهيّ عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء. وقد روي أنّه يوم نحس مستمرّ؛ في حديث لا يصحّ، بل في «المسند» عن جابر ﵁ أنّ النبيّ ﷺ دعا على الأحزاب يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر؛ قال جابر: فما نزل بي أمر مهمّ غائظ إلاّ توخّيت ذلك الوقت، فدعوت الله فيه، فرأيت الإجابة (١)، أو كما قال. وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوّال في النّكاح فيه خاصّة. وقد قيل: إنّ أصله أنّ طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين، مات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية. وقد ورد الشّرع بإبطاله، قالت عائشة ﵂: «تزوّجني رسول الله ﷺ في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي! وكانت عائشة تستحبّ أن تدخل نساءها في شوّال» (٢). وتزوّج النبيّ ﷺ أمّ سلمة في شوّال أيضا (٣). فأمّا قول النبيّ ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدّار، والدّابّة» (٤)، خرّجاه في «الصحيحين» من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، فقد اختلف الناس في معناه أيضا؛ روي عن عائشة ﵂ أنّها

стр. 126

أنكرت هذا الحديث، أن يكون من كلام النبيّ ﷺ ، وقالت: إنّما قال: كان أهل الجاهلية يقولون ذلك، خرّجه الإمام أحمد. وقال معمر: سمعت من يفسّر هذا الحديث، يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يكن يغزى عليه في سبيل الله، وشؤم الدّار جار السوء. وروي هذا المعنى مرفوعا من وجوه لا تصحّ. ومنهم من قال: قد روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «لا شؤم، وإن يكن اليمن في شيء ففي ثلاثة» (١)، فذكر هذه الثلاثة. وقال: هذه الرواية أشبه بأصول الشرع؛ كذا قاله ابن عبد البر، ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد. والتحقيق؛ أن يقال: في إثبات الشؤم في هذه الثلاث، ما ذكرناه في النّهي عن إيراد المريض على الصحيح، والفرار من المجذوم، ومن أرض الطاعون؛ إنّ هذه الثلاث أسباب يقدّر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه بها، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة، أو أمة، أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه، كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ الذي خرّجه أبو داود وغيره (٢). وكذا ينبغي لمن سكن دارا أن يفعل. وقد أمر النبي ﷺ قوما سكنوا دارا فقلّ عددهم، وقلّ ما لهم أن يتركوها ذميمة (٣). فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهيّ عنه.

стр. 127

وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات، فإنّه يتحوّل عنه. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، فإن بورك له في شيء فلا يتغير عنه. ففي «المسند» و «سنن ابن ماجه» عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتّى يتغيّر له، أو يتنكّر له» (١). وأمّا تخصيص الشؤم بزمان دون زمان، كشهر صفر أو غيره، فغير صحيح، وإنّما الزّمان كلّه خلق الله تعالى، وفيه تقع أفعال بني آدم. فكلّ زمان شغله المؤمن بطاعة الله، فهو زمان مبارك عليه، وكلّ زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشئوم عليه. فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، كما قال ابن مسعود ﵁: إن كان الشؤم في شيء ففيما بين اللحيين، يعني اللسان. وقال: ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. وقال عديّ بن حاتم: أيمن أمر وأشأمه بين لحييه، يعني لسانه. وفي «سنن أبي داود» عن النبي ﷺ ، قال: «حسن الملكة نماء، وسوء الملكة شؤم، والبرّ زيادة في العمر، والصدقة تمنع ميتة السوء» (٢). فجعل سوء الملكة شؤما. وفي حديث آخر: «لا يدخل الجنّة سيئ الملكة» (٣) وهو من يسيء إلى مماليكه ويظلمهم.

стр. 128

وفي الحديث: «إنّ الصّدقة تدفع ميتة السّوء» (١). ويروى من حديث علي مرفوعا: «باكروا بالصّدقة فإنّ البلاء لا يتخطّاها» (٢) خرّجه الطّبراني. وفي حديث آخر: «إنّ لكلّ يوم نحسا، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصّدقة» (٣). فالصّدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدّعاء. وفي الحديث: «إنّ البلاء والدّعاء يلتقيان بين السّماء والأرض، فيعتلجان إلى يوم القيامة» (٤). خرّجه البزار والحاكم. وخرّج الترمذي من حديث سلمان مرفوعا: «لا يردّ القضاء إلاّ الدّعاء» (٥). وقال ابن عباس: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدّعاء ما يشاء من القدر. وعنه قال: «الدّعاء يدفع القدر، وهو إذا دفع القدر فهو من القدر». وهذا كقول النبيّ ﷺ لما سئل عن الأدوية والرّقى: هل تردّ من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله» (٦). وكذلك قال عمر ﵁ لمّا رجع من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله (٧)؛ فإنّ الله تعالى يقدّر المقادير ويقدّر ما يدفع بعضها قبل وقوعه. وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء.

стр. 129

وفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ : «من قال حين يصبح ويمسي: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو السّميع العليم، لم يصبه بلاء» (١). وفي «المسند» عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، قال: «الشؤم سوء الخلق» (٢). وخرّجه الخرائطي، ولفظه: «اليمن حسن الخلق» (٣). وفي الجملة: فلا شؤم إلاّ المعاصي والذنوب؛ فإنّها تسخط الله ، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة. قال بعض الصالحين، وقد شكي إليه بلاء وقع في الناس، فقال: ما أرى ما أنتم فيه إلاّ بشؤم الذّنوب. وقال أبو حازم: كلّ ما شغلك عن الله من أهل أو ولد أو مال فهو عليك مشئوم. وقد قيل: فلا كان ما يلهي عن الله إنّه … يضرّ ويؤذي إنّه لمشئوم فالشؤم في الحقيقة هو المعصية، واليمن هو طاعة الله وتقواه، كما قيل: إنّ رأيا دعا إلى طاعة … الله لرأي مبارك ميمون

стр. 130

والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي؛ فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسّن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجنّ. قال بعض السّلف: شيطان الجنّ تستعيذ بالله منه، فينصرف؛ وشيطان الإنس لا يبرح حتّى يوقعك في المعصية. وفي الحديث: «يحشر المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» (١). وفي حديث آخر: «لا تصحب إلاّ مؤمنا ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ» (٢). ومما يروى لعلي ﵁. فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه فكم من جاهل أردى … حكيما حين آخاه يقاس المرء بالمرء … إذا ما المرء ما شاه وللشيء على الشيء … مقاييس وأشباه وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه فالعاصي مشئوم على نفسه وعلى غيره؛ فإنّه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعمّ النّاس، خصوصا من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك النّاس عموما. وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعيّن البعد عنها، والهرب منها، خشية نزول العذاب، كما قال النبيّ ﷺ لأصحابه لمّا مرّ على ديار ثمود بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلاّ أن تكونوا باكين؛ خشية أن يصيبكم

стр. 131

ما أصابهم» (١). ولما تاب الذي قتل مائة نفس من بني إسرائيل، وسأل العالم: هل له من توبة؟ قال له: نعم، فأمره أن ينتقل من قرية السّوء إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت بينهما، فاختصم فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إليهم: أن قيسوا بينهما فإلى أيّهما كان أقرب فألحقوه بها، فوجدوه إلى القرية الصالحة أقرب برمية حجر، فغفر له (٢). هجران أماكن المعصية وإخوانها من جملة الهجرة المأمور بها، فإنّ المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التّوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالط، وإلاّ لم ينل ما يريد. احذروا الذّنوب، فإنّها مشئومة، عواقبها ذميمة، وعقوباتها أليمة، والقلوب المحبّة لها سقيمة، والنفوس المائلة إليها غير مستقيمة، السّلامة منها غنيمة، والعافية منها ليس لها قيمة، والبليّة بها، لا سيما بعد نزول الشّيب داهية عظيمة. طاعة الله خير ما اكتسب العب … د فكن طائعا لله لا تعصينه ما هلاك النّفوس إلاّ المعاصي … فاجتنب ما نهاك لا تقربنه إنّ شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنه يا من ضاع قلبه انشده في مجلس الذّكر، عسى أن تجده. يا من مرض قلبه احمله إلى مجلس الذكر، لعلّه أن يعافى. مجالس الذّكر مارستان الذنوب تداوى فيها أمراض القلوب، كما تداوى أمراض الأبدان في مارستان الدّنيا، ونزهة لقلوب المؤمنين تتنزه فيه بسماع كلام الحكمة، كما تتنزه أبصار أهل الدّنيا في رياضها وبساتينها.

стр. 132

مجلسنا هذا حضرة في روضة الخشوع؛ طعامنا فيه الجوع، وشرابنا فيه الدّموع، ونقلنا هذا الكلام المسموع، نداوي فيه أمراضا أعيت جالينوس وبختيشوع، نسقى فيه درياق الذنوب وفاروق المعاصي، فمن شرب لم يكن له إلى المعصية رجوع. كم أفاق فيه من المعصية مصروع، وبرئ فيه من الهوى ملسوع، ووصل فيه إلى الله مقطوع، ما عيبه إلاّ أنّ الطبيب الذي له لو كان يستعمل ما يصف للنّاس لكان إلى قوله المرجوع. يا ضيعة العمر إن نجا السّامع وهلك المسموع! يا خيبة المسعى إن وصل التّابع وانقطع المتبوع! وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى … طبيب يداوي النّاس وهو سقيم يا أيّها الرّجل المقوّم غيره … هلاّ لنفسك كان ذا التّقويم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التّعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم وقال غيره: كم ذا التّمادي فها قد جاءنا صفر … شهر به الفوز والتّوفيق والظّفر فابدأ بما شئت من فعل تسرّ به … يوم المعاد ففيه الخير ينتظر توبوا إلى الله فيه من ذنوبكم … من قبل يبلغ فيكم حدّه العمر ***

стр. 133

وظائف شهر ربيع الأوّل ويشتمل مجالس: المجلس الأوّل في ذكر مولد رسول الله ﷺ خرّج الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السّلمي ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّي عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمّي التي رأت أنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشّام، وكذلك أمّهات النبيين يرين» (١). وخرّجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقد روي معناه من حديث أبي أمامة الباهليّ، ومن وجوه أخر مرسلة. المقصود من هذا الحديث أنّ نبوّة النّبيّ ﷺ كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله ويخرجه إلى دار الدّنيا حيّا، وأنّ ذلك كان مكتوبا في أمّ الكتاب من قبل نفخ الرّوح في آدم ﵇، وفسّر «أمّ الكتاب» باللّوح المحفوظ، وبالذّكر، في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩].

стр. 134

وعن ابن عبّاس ﵄ أنه سأل كعبا عن «أمّ الكتاب» فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، فكان كتابا، ولا ريب أنّ علم الله تعالى قديم أزليّ لم يزل عالما بما يحدثه من مخلوقاته، ثم إنّه تعالى كتب ذلك في كتاب عنده قبل خلق السّماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وفي «صحيح البخاري» عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذّكر كلّ شيء، ثم خلق السّماوات والأرض» (١). وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (٢). ومن جملة ما كتبه في هذا الذّكر وهو «أمّ الكتاب» أنّ محمدا خاتم النبيّين، ومن حينئذ انتقلت المخلوقات من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة، وهو نوع من أنواع الوجود الخارجيّ، ولهذا قال سعيد بن راشد: سألت عطاء: هل كان النّبيّ ﷺ نبيّا قبل أن يخلق؟ قال: إي والله، وقبل أن تخلق الدّنيا بألفي عام. خرّجه أبو بكر الآجري في «كتاب الشريعة». وعطاء هذا، الظّاهر أنّه الخراسانيّ. وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من كتابة نبوّته ﷺ في «أمّ الكتاب» عند تقدير

стр. 135

المقادير وقوله ﷺ في هذا الحديث: «إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته»، ليس المراد به - والله أعلم - أنّه حينئذ كتب في «أمّ الكتاب» ختمه للنبيين، وإنّما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في «أم الكتاب» في تلك الحال قبل نفخ الرّوح في آدم، وهو أوّل ما خلق من النّوع الإنسانيّ. وجاء في حديث آخر، أنه في تلك الحال وجبت له النبوّة، وهذه مرتبة ثالثة، وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العينيّ الخارجيّ، فإنّه ﷺ استخرج حينئذ من ظهر آدم ونبّئ، فصارت نبوّته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدّرة في أمّ الكتاب. ففي حديث ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيّا؟ قال: «وآدم بين الرّوح والجسد» (١). خرّجه الإمام أحمد، والحاكم. قال الإمام أحمد في رواية مهنّا: وبعضهم يرويه: «متى كتبت نبيّا؟»، من الكتابة. فإن صحّت هذه الرّواية، حملت مع حديث العرباض بن سارية على وجوب نبوّته وثبوتها وظهورها في الخارج فإنّ الكتابة إنّما تستعمل فيما هو واجب؛ إمّا شرعا كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو قدرا كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. وفي حديث أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ أنّهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوّة؟

стр. 136

قال: «وآدم بين الرّوح والجسد» (١). خرّجه الترمذي وحسّنه. وفي نسخة: صحّحه، وخرّجه الحاكم. وروى ابن سعد من رواية جابر الجعفي، عن الشّعبيّ، قال: قال رجل للنبي ﷺ : متى استنبئت؟ قال: «وآدم بين الرّوح والجسد، حين أخذ منّي الميثاق» (٢). وهذه الرّواية تدلّ على أنّه ﷺ حينئذ استخرج من ظهر آدم ونبّئ، وأخذ ميثاقه. فيحتمل أن يكون ذلك دليلا على أنّ استخراج ذريّة آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم كان قبل نفخ الرّوح في آدم. وقد روي هذا عن سلمان الفارسيّ وغيره من السّلف. ويستدلّ له أيضا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] على ما فسّره به مجاهد وغيره، أنّ المراد إخراج ذريّة آدم من ظهره قبل أمر الملائكة بالسّجود له. ولكن أكثر السّلف على أنّ استخراج ذريّة آدم منه كان بعد نفخ الرّوح فيه، وعلى هذا يدلّ أكثر الأحاديث، فيحتمل على هذا أن يكون محمد ﷺ خصّ باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الرّوح فيه، فإنّ محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النّوع الإنسانيّ، وهو عينه، وخلاصته، وواسطة عقده؛ فلا يبعد أن يكون أخرج من ظهر آدم عند خلقه قبل نفخ الرّوح فيه. وقد روي أنّ آدم ﵇ رأى اسم محمد ﷺ مكتوبا على العرش، وأنّ الله

стр. 137

عزّ وجلّ قال لآدم: لولا محمّد ما خلقتك (١). وقد خرجه الحاكم في «صحيحه»، فيكون حينئذ من حين صوّر آدم طينا استخرج منه محمد ﷺ ونبّئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى خرج في وقت خروجه الذي قدّر الله خروجه فيه. ويشهد لذلك ما روي عن قتادة، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كنت أوّل النّبيّين في الخلق وآخرهم في البعث». وفي رواية: «أوّل النّاس في الخلق» (٢). خرّجه ابن سعد وغيره. وخرّجه الطّبرانيّ من رواية قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعا، والمرسل أشبه. وفي رواية عن قتادة (٣) مرسلة، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فبدأ به قبل نوح الذي هو أوّل الرسل فمحمد ﷺ أوّل الرّسل خلقا وآخرهم بعثا؛ فإنّه استخرج من ظهر آدم لما صوّر، ونبّئ حينئذ، وأخذ ميثاقه، ثم أعيد إلى ظهره. ولا يقال: فقد خلق آدم قبله؛ لأنّ آدم كان حينئذ مواتا لا روح فيه، ومحمد ﷺ كان حيّا حين استخرج ونبّئ وأخذ ميثاقه، فهو ﷺ أوّل النبيين خلقا وآخرهم بعثا، فهو خاتم النّبيّين باعتبار أن زمانه تأخّر عنهم، فهو المقفّى والعاقب الذي جاء عقب الأنبياء ويقفوهم. قال تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وفي «الصحيحين» عن جابر، عن النّبيّ ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلاّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها

стр. 138

ويعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللّبنة» (١) زاد مسلم، قال: «فجئت فختمت الأنبياء». وفيهما أيضا عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ معناه. وفيه: «فجعل النّاس يطوفون به ويقولون: هلاّ وضعت اللبنة؟ فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين» (٢). وقد استدلّ الإمام أحمد بحديث العرباض بن سارية هذا على أنّ النّبيّ ﷺ لم يزل على التوحيد منذ نشأ. وردّ بذلك على من زعم غير ذلك. بل قد يستدلّ بهذا الحديث على أنّه ﷺ ولد نبيّا، فإنّ نبوّته وجبت له من حين أخذ الميثاق منه، حيث استخرج من صلب آدم، فكان نبيّا من حينئذ، لكن كانت مدّة خروجه إلى الدّنيا متأخّرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبيّا قبل خروجه، كمن يولّى ولاية ويؤمر بالتّصرّف بها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرّفه يتأخّر إلى حين مجيء الوقت. قال حنبل: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: من زعم أنّ النّبيّ ﷺ كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ قال: هذا قول سوء، ينبغي لصاحب هذه المقالة يحذر كلامه، ولا يجالس، قلت له: إنّ جارنا النّاقد أبا العبّاس يقول هذه المقالة، قال: قاتله الله، وأي شيء أبقى إذا زعم أنّ رسول الله ﷺ كان على دين قومه وهم يعبدون الأصنام؟! قال الله تعالى - حاكيا عن عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. قلت له: وزعم أنّ خديجة كانت على ذلك حين تزوّجها النّبيّ ﷺ في الجاهلية. قال: أمّا خديجة فلا أقول شيئا، قد كانت أوّل من آمن به من النساء، ثم قال: ماذا يحدث النّاس من الكلام!؟ هؤلاء أصحاب الكلام، من أحبّ الكلام لم يفلح. سبحان الله لهذا

стр. 139

القول!! واحتجّ في ذلك بكلام لم أحفظه. وذكر أنّ أمّه حين ولدت رأت نورا أضاء له قصور الشام، أو ليس هذا عند ما ولدت رأت هذا، وقبل أن يبعث كان طاهرا مطهّرا من الأوثان، أو ليس كان لا يأكل ما ذبح على النّصب؟ ثم قال: احذروا الكلام، فإنّ أصحاب الكلام لا يئول أمرهم إلى خير. خرّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في «كتاب السّنّة». ومراد الإمام أحمد الاستدلال بتقديم البشارة بنبوّته من الأنبياء الذين قبله، وبما شوهد عند ولادته من الآيات، على أنّه كان نبيّا من قبل خروجه إلى الدنيا وولادته، وهذا هو الذي يدلّ عليه حديث العرباض هذا؛ فإنّه ﷺ ذكر فيه أنّ نبوّته كانت حاصلة من حين كان آدم منجدلا في طينته؛ والمراد بالمنجدل الطّريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه، ويقال للقتيل إنه منجدل لذلك. ثم استدل ﷺ على سبق ذكره، والتنويه باسمه، ونبوّته، وشرف قدره لخروجه إلى الدّنيا، بثلاث دلائل؛ وهو مراده بقوله: «وسأنبئكم بتأويل ذلك»: الدّليل الأوّل: دعوة أبيه إبراهيم ﵇؛ وأشار بذلك إلى ما قصّ الله في كتابه عن إبراهيم وإسماعيل أنّهما قالا عند بناء البيت الذي بمكة: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]. فاستجاب الله دعاءهما وبعث في أهل مكّة منهم رسولا بهذه الصّفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم ﵉ بهذا الدّعاء. وقد امتنّ الله تعالى على المؤمنين ببعث هذا النّبيّ فيهم على هذه الصّفة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل.

стр. 140

قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. ومعلوم أنّه لم يبعث في مكّة رسول منهم بهذه الصفة غير محمّد ﷺ ، وهو من ولد إسماعيل، كما أنّ أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق. وذكر الله تعالى أنّه منّ على المؤمنين بهذه الرّسالة، فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم. وقوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ - والمراد بهم العرب - تنبيه لهم على قدر هذه النّعمة وعظمها، حيث كانوا أمّيّين لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار النّبوّات، كما كان عند أهل الكتاب، فمنّ الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم، وعرفوا ضلالة من ضلّ من الأمم قبلهم. وفي كونه منهم فائدتان: إحداهما: أنّ هذا الرّسول كان أيضا أميّا كأمّته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابا قطّ، ولم يخطّه بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] الآيات، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتّى تعلّم منهم شيئا، بل لم يزل أمّيّا بين أمّة أمّيّة، لا يكتب ولا يقرأ حتى كمّل الأربعين من عمره، ثمّ جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدّين القيّم، الذي اعترف حذّاق أهل الأرض ونظّارهم أنّه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه. وفي هذا برهان ظاهر على صدقه.

стр. 141

والفائدة الثانية: التنبيه على أنّ المبعوث منهم - وهم الأمّيّون خصوصا أهل مكّة - يعرفون نسبه، وشرفه، وصدقه، وأمانته، وعفّته، وأنّه نشأ بينهم معروفا بذلك كلّه، وأنّه لم يكذب قطّ؛ فكيف كان يدع الكذب على النّاس ثم يفتري الكذب على الله ، هذا هو الباطل، ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف، واستدلّ بها على صدقه فيما ادّعاه من النّبوّة والرّسالة. وقوله: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ،﴾ يعني يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من آياته المتلوّة، وهو القرآن، وهو أعظم الكتب السّماويّة، وقد تضمّن من العلوم والحكم، والمواعظ، والقصص، والترغيب والترهيب، وذكر أخبار من سبق، وأخبار ما يأتي من البعث والنّشور والجنّة والنّار، ما لم يشتمل عليه كتاب غيره، حتّى قال بعض العلماء: لو أنّ هذا الكتاب وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السّليمة أنّه منزل من عند الله، وأنّ البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرّهم وأتقاهم، وقال: إنّه كلام الله، وتحدّى الخلق كلّهم أن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا. فكيف يبقى مع هذا شكّ فيه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. فلو لم يكن لمحمّد ﷺ من المعجزات الدّالّة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضيّة والسّماويّة ما لا يحصى (١).

стр. 142

وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ،﴾ يعني أنّه يزكّي قلوبهم ويطهّرها من أدناس الشّرك والفجور والضّلال؛ فإنّ النفوس تزكوا إذا طهرت من ذلك كلّه، ومن زكت نفسه فقد أفلح، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشّمس: الآية ٩]. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤]. وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ،﴾ يعني بالكتاب القرآن، والمراد: ويعلّمهم تلاوة ألفاظه. ويعني بالحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه. فالحكمة هي فهم القرآن والعمل به، فلا يكتفى بتلاوة ألفاظ الكتاب حتّى يعلم معناه ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كلّه فقد أوتي الحكمة. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال الفضيل: العلماء كثير، والحكماء قليل. وقال: الحكماء ورثة الأنبياء فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصّالح. وهي نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزّل من السّماء، ويحضّ على اتّباعه والعمل به. ومن قال: الحكمة السّنّة، فقوله حقّ؛ لأنّ السّنّة تفسّر القرآن وتبيّن معانيه وتحضّ على اتّباعه والعمل به؛ فالحكيم هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعلمه بالعمل به ولأبي العتاهية. وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت فلا تتوب وقوله: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ إشارة إلى ما كان النّاس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإنّ الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلاّ بقايا من أهل الكتاب تمسّكوا بدينهم الذي لم يبدّل ولم يغيّر، وكانوا قليلا جدّا.

стр. 143

فأمّا عامّة أهل الكتاب فكانوا قد بدّلوا كتبهم وغيّروها وحرّفوها، وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلّوا وأضلّوا. وأمّا غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين؛ فالأمّيّون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض؛ منهم من كان يعبد النّجوم، ومنهم من كان يعبد الشّمس أو القمر. فهدى الله المؤمنين بإرسال محمّد ﷺ إلى ما جاء به من الهدى ودين الحقّ؛ وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيها كلمة التّوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلّها ممتلئة من ظلمة الشّرك والظّلم. فالأمّيّون هم العرب، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل فارس والرّوم، فكانت أهل فارس مجوسا، والرّوم نصارى، فهدى جميع هؤلاء برسالة محمّد ﷺ إلى التوحيد. وقد رئي الإمام أحمد بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فقال: لولا هذا النّبيّ لكنّا مجوسا، وهو كما قال، فإنّ أهل العراق لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا مجوسا، وأهل الشّام ومصر والرّوم لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا نصارى، وأهل جزيرة العرب لولا رسالة محمد لكانوا مشركين عبّاد أوثان. ولكن رحم الله عباده بإرسال محمد ﷺ فأنقذهم من الضّلال، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النّعمة وسؤاله دوامها والثّبات عليها إلى الممات، والموت عليها، فبذلك تتمّ النّعمة.

стр. 144

فإبراهيم ﵇ هو إمام الحنفاء المأمور محمّد ﷺ ومن قبله من الأنبياء ﵈ بالاقتداء به، وهو الّذي جعله الله للنّاس إماما. وقد دعا هو وابنه إسماعيل ﵇ بأن يبعث الله في أهل مكّة رسولا منهم موصوفا بهذه الأوصاف، فاستجاب الله لهما وجعل هذا النّبيّ المبعوث فيهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما دعيا بذلك، وهو النّبيّ الّذي أظهر دين إبراهيم الحنيف بعد اضمحلاله وخفائه على أهل الأرض، فلهذا كان أولى النّاس بإبراهيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقال ﷺ : «إنّ لكلّ نبيّ وليّا من النّبيّين وإنّ وليي إبراهيم» (١)، ثم تلا هذه الآية. وكان ﷺ أشبه ولد إبراهيم به صورة ومعنى، حتى إنّه أشبهه في خلّة الله تعالى، فقال: «إنّ الله اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا» (٢). الثاني: بشارة عيسى به، وعيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وقد كان المسيح ﵇ يحضّ على اتّباعه، ويقول: إنّه يبعث بالسّيف، فلا يمنعنّكم ذلك منه. وروي عنه أنّه قال: سوف أذهب أنا ويأتي الذي بعدي لا يتحمّدكم بدعواه، ولكن يسلّ السّيف فتدخلونه طوعا وكرها.

стр. 145

وفي «المسند» عن أبي الدّرداء ﵁، عن النّبيّ ﷺ : «إنّ الله أوحى إلى عيسى ﵇: إنّي باعث بعدك أمّة، إن أصابهم ما يحبّون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا ربّ! كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» (١). قال ابن إسحاق: حدّثني بعض أهل العلم أنّ عيسى بن مريم ﵇ قال: إنّ أحبّ الأمم إلى الله لأمّة أحمد. قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: لم تذلّل «لا إله إلاّ الله» على ألسن أمّة من الأمم تذليلها على ألسنتهم. الثالث ممّا دل على نبوّته قبل ظهوره: رؤيا أمّه التي رأت أنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشّام، وذكر أنّ أمّهات النّبيّين كذلك يرين. والرؤيا هنا إن أريد بها رؤيا المنام، فقد روي أنّ آمنة بنت وهب رأت في أوّل حملها بالنّبيّ ﷺ أنّها بشّرت بأنّه يخرج منها عند ولادتها نور تضيء له قصور الشّام. وروى الطبراني بإسناده عن أبي مريم الكنديّ، عن النّبيّ ﷺ أنّه سئل: أيّ شيء كان أوّل من أمر نبوّتك؟ قال: «أخذ الله منّي الميثاق كما أخذ من النّبيّين ميثاقهم»، وتلا: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وبشرى المسيح بن مريم، ورأت أمّ رسول الله ﷺ في منامها أنّه خرج من بين يديها سراج أضاءت لها قصور الشّام. ثم قال: «ووراء ذلك» (٢). مرتين أو ثلاثا.

стр. 146

وإن أريد بها رؤيا عين - كما قال ابن عبّاس في قول الله : ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: إنها رؤيا عين أريها النّبيّ ﷺ ليلة أسري به - فقد روي أنّ آمنة رأت ذلك عند ولادة النّبيّ ﷺ . قال ابن إسحاق: كانت آمنة بنت وهب تحدّث أنّها أتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها: إنّك حملت بسيّد هذه الأمّة فإذا وقع على الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد - وآية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشّام - فإذا وقع فسمّيه محمّدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السّماء وأهل الأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمده أهل السّماء وأهل الأرض؛ واسمه في القرآن محمّد. وذكر ابن سعد، عن الواقديّ بأسانيد له متعددة، أنّ آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به - تعني النّبي ﷺ فما وجدت له مشقّة حتّى وضعته، فلمّا فصل منّي خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه، ثمّ أخذ قبضة من التّراب فقبضها ورفع رأسه إلى السّماء. وفي حديث بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشّام وأسواقها حتّى رئيت أعناق الإبل ببصرى، رافعا رأسه إلى السّماء. وروى البيهقيّ بإسناده، عن عثمان بن أبي العاص، حدّثتني أمّي أنّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلة ولدته، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلاّ نور، وإنّي أنظر إلى النّجوم تدنو حتّى إنّي لأقول: لتقعنّ عليّ (١). وخرّج الإمام أحمد من حديث عتبة بن عبد السّلمي، عن

стр. 147

النّبيّ ﷺ أنّ آمنة قالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشّام (١). وروى ابن إسحاق، عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عمّن حدّثه عن حليمة أمّ النّبيّ ﷺ التي أرضعته، أن آمنة بنت وهب حدّثتها، قالت: إنّي حملت به فلم أر حملا قطّ كان أخفّ عليّ منه، ولا أعظم بركة منه، لقد رأيت نورا كأنّه شهاب خرج منّي حين وضعته، أضاءت له أعناق الإبل ببصرى. وخروج هذا النّور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النّور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشّرك منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا المعنى يقول العبّاس في أبياته المشهورة السائرة: وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض … وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضّياء وفي النّور … وسبل الرّشاد نخترق وأما إضاءة قصور بصرى بالنّور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خصّ

стр. 148

الشّام من نور نبوّته، فإنّها دار ملكه. كما ذكر كعب أنّ في الكتب السابقة: محمد رسول الله مولده بمكّة، ومهاجره يثرب، وملكه بالشّام؛ فمن مكّة بدأت نبوّة محمّد ﷺ ، وإلى الشّام ينتهي ملكه، ولهذا أسري به ﷺ إلى الشّام، إلى بيت المقدس، كما هاجر إبراهيم ﵇ من قبله إلى الشّام. قال بعض السّلف: ما بعث الله نبيّا إلاّ من الشّام، فإن لم يبعث منها هاجر إليها. وفي آخر الزّمان يستقرّ العلم والإيمان بالشام، فيكون نور النبوّة فيها أظهر منه في سائر بلاد الإسلام. وخرّج الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص، وأبي الدّرداء. وخرّج الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو عمود ساطع عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام» (١). وفي «المسند» والترمذي وغيرهما، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم» (٢). يعني الشّام. وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزّمان، وهو المبشّر بمحمّد ﷺ ، فيقرّر عند نزوله دين محمّد ﷺ ، ويحكم به، ولا يقبل من أحد غير دينه، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويصلّي خلف إمام
следующие страницы →