← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 72–111 · переход к 77.

стр. 72

الذنب، فانظروا ما يطلب، فتقول الملائكة: أي ربّ، رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له. ورجل يقوم من الليل، فيقول الله : أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا، فقام عبدي هذا يصلي، ويعلم أن له ربّا، فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا، فتقول الملائكة: يا رب، رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أنّي قد غفرت له» (١). وذكر الثالث الذي يكون في فئة فيفرّ أصحابه ويثبت هو. وهو مذكور أيضا في كلّ الأحاديث المتقدّمة. وفي «المسند» و «صحيح ابن حبّان» عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطّهور، وعليه عقد، فيتوضأ، فإذا وضّأ يديه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلّت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلّت عقدة. فيقول الربّ للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له» (٢). وفي «الصحيحين» أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «نعم الرّجل عبد الله - يعني ابن عمر - لو كان يصلّي من الليل. فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا» (٣).

стр. 73

كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: «أرأيتم لو أنّ أحدكم أراد سفرا، أليس يتّخذ من الزّاد ما يصلحه ويبلّغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم، حجّوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدا حرّه لحرّ يوم النّشور، صلّوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة (١) القبور، تصدّقوا بصدقة لشرّ يوم عسير» (٢). أين رجال الليل، أين الحسن وسفيان وفضيل؟ يا رجال الليل جدّوا … ربّ داع لا يردّ ما يقوم اللّيل إلاّ … من له عزم وجدّ ليس شيء كصلا … ة اللّيل للقبر يعدّ صلّى كثير من السّلف صلاة الصّبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلّى كذلك أربعين سنة. قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر. قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة، وتنعّمت به عشرين سنة أخرى، أفضل قيام الليل وسطه. قال النبيّ ﷺ : «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٣). وكان رسول الله ﷺ إذا سمع الصّارخ يقوم للصّلاة. والصّارخ: الدّيك، وهو يصيح وسط الليل. وخرّج النسائي عن أبي ذر، قال: سألت النبيّ ﷺ : أيّ الليل خير؟ قال: «جوفه» (٤). وخرّج الإمام أحمد، عن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : «أيّ

стр. 74

قيام الليل أفضل؟ قال: «جوف الليل الغابر، أو نصف الليل، وقليل فاعله» (١). وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «جوف الليل الأوسط». قال: أيّ الدّعاء أسمع؟ قال: «دبر المكتوبات» (٢). وخرّجه الترمذي والنسائي، ولفظهما «أنه سأله: أيّ الدّعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات» (٣). وخرّج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: «أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (٤). ويروى أن داود ﵇ قال: يا ربّ، أيّ وقت أقوم لك؟ قال: لا تقم أوّل الليل، ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتّى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إليّ حوائجك. وفي الأثر المشهور: كذب من ادّعى محبّتي، فإذا جنّه الليل نام عنّي، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه، فها أنا ذا مطّلع على أحبابي، إذا جنّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري، غدا أقرّ أعين أحبابي في جناني. اللّيل لي ولأحبابي أحادثهم … قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا

стр. 75

لهم قلوب بأسراري لها ملئت … على ودادي وإرشادي لهم طبعوا سروا فما وهنوا عجزا ولا ضعفوا … وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا ما عند المحبّين ألذّ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم، ونهاية مطلوبهم. كتمت اسم الحبيب عن العباد … وردّدت الصّبابة في فؤادي فوا شوقا إلى بلد خليّ … لعلّي باسم من أهوى أنادي كان داود الطائي يقول في الليل: إلهي! همّك عطّل عليّ الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق منّي اللذات، وحال بيني وبين الشهوات. وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإنّي لك محبّ، وإن ترحمني فإنّي لك محبّ. لو أنّك أبصرت أهل الهوى … إذا غارت الأنجم الطّلّع فهذا ينوح على ذنبه … وهذا يصلّي وذا يركع من لم يشاركهم في هواهم وذوق حلاوة نجواهم، لم يدر ما الذي أبكاهم. من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب. من لم يبت والحبّ حشو فؤاده … لم يدر كيف تفتّت الأكباد كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدّنيا. وسط الليل للمحبّين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسّحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم، فوسط الليل خاصّ لخلوة الخواصّ، والسّحر عامّ لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبّين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن

стр. 76

مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم. صحائف التائبين خدودهم، ومدادهم دموعهم. قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم. رسائل الأسحار تحمل ولا يدري بها الفلك، وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملك. صحائفنا إشارتنا … وأكثر رسلنا الحرق لأنّ الكتب قد تقرا … بغير الدّمع لا تثق لا تزال القصص تستعرض وتوقّع عليها بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر. ينزل الله كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضّلون صلاة آخر الليل على أوله. نحن الذين إذا أتانا سائل … نوليه إحسانا وحسن تكرّم ونقول في الأسحار هل من تائب … مستغفر لينال خير المغنم الغنيمة تقسم على كلّ من حضر الوقعة، فيعطى منها الرجّالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة، وفازوا بالفخر، وحمدوا عند الصّباح السّرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر ممّا جرى. كان بعض الصالحين يقوم الليل، فإذا كان السّحر نادى بأعلى صوته: يا أيّها الرّكب المعرّسون، أكلّ هذا الليل ترقدون؟ ألا تقومون فترحلون؟ فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم؛ فيسمع من هنا باك، ومن هنا داع، ومن هنا تال، ومن هنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: «عند الصّباح يحمد القوم السّرى».

стр. 77

يا نفس قومي فقد نام الورى … إن تصنعي الخير فذو العرش يرى وأنت يا عين دعي عنك الكرى … عند الصّباح يحمد القوم السّرى يا قوّام الليل اشفعوا في النّوّام، يا أحياء القلوب ترحّموا على الأموات. قيل لابن مسعود ﵁: ما نستطيع قيام الليل، قال: أبعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل، قال: قيّدتكم خطاياكم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النّهار، فاعلم أنّك محروم مكبّل، كبّلتك خطيئتك (١). قال الحسن: إنّ العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل. قال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر. ما يؤهّل الملوك للخلوة بهم إلاّ من أخلص في ودّهم ومعاملتهم، فأمّا من كان من أهل المخالفة فلا يؤهّلونه. في بعض الآثار أن جبريل ﵇ ينادي كلّ ليلة: أقم فلانا وأنم فلانا. قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب رثة، فضربه البرد فبكى، فهتف به هاتف: أقمناك وأنمناهم، وتبكي علينا! يا حسنهم واللّيل قد جنّهم … ونورهم يفوق نور الأنجم ترنّموا بالذّكر في ليلهم … فعيشهم قد طاب بالتّرنّم قلوبهم للذّكر قد تفرّغت … دموعهم كلؤلؤ منتظم أسحارهم بهم لهم قد أشرقت … وخلع الغفران خير القسم الليل منهل يرده أهل الإرادة كلّهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، فالمحبّ يتنعّم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرّع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلحّ في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه. قال

стр. 78

النبيّ ﷺ لعبد الله بن عمر ﵄: «لا تكن مثل فلان، كان يقوم اللّيل فترك قيام الليل» (١). مرضت رابعة مرة فصارت تصلّي وردها بالنّهار فعوفيت، وقد ألفت ذلك وانقطع عنها قيام اللّيل، فرأت ذات ليلة في نومها كأنّها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة، وفتح لها فيها باب دار، فسطع منها نور حتّى كاد يخطف بصرها، فخرج منها وصفاء كأنّ وجوههم اللؤلؤ، بأيديهم مجامر، فقالت لهم امرأة كانت مع رابعة: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر، فنجمّره، فقالت لهم: أفلا تجمّرون هذه المرأة؟ تعنى رابعة، فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظّ في ذلك فتركته، فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت: صلاتك نور والعباد رقود … ونومك ضدّ للصّلاة عنيد وكان بعض العلماء يقوم السّحر، فنام عن ذلك ليالي، فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار، فترك ذلك. يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب؛ قيام السّحر يستوحش لك، صيام النّهار يسائل عنك، ليالي الوصال تعاتبك على الهجر. تغيّرتم عنّا بصحبة غيرنا … وأظهرتم الهجران ما هكذا كنّا وأقسمتم ألاّ تحولوا عن الهوى … فحلتم عن العهد القديم وما حلنا ليالي كنّا نستقي من وصالكم … وقلبي إلى تلك الليالي قد حنّا

стр. 79

قيل للنبي ﷺ : إن فلانا نام حتّى أصبح. فقال: «بال الشيطان في أذنه» (١). كان سريّ يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل، ماذا فات من فاته خير اللّيل؟ لقد حصل أهل الغفلة والنّوم على الحرمان والويل. كان بعض السلف يقوم الليل، فنام ليلة فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فصل، ثم قال له: أما علمت أن مفاتيح الجنّة مع أصحاب اللّيل هم خزّانها. وكان آخر يقوم الليل، فنام ليلة فأتاه آت في منامه، فقال: ما لك قصّرت في الخطبة؟ أما علمت أن المتهجّد إذا قام إلى تهجّده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته. ورأى بعضهم حوراء في نومه، فقال لها: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني، قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجّد. نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أربّى لك في الخدور من خمسمائة عام؟. واشترى بعضهم من الله حوراء بصداق ثلاثين ختمة، فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين، فرآها في منامه تقول له: أتخطب مثلي وعني تنام … ونوم المحبّين عنّي حرام لأنّا خلقنا لكلّ امرئ … كثير الصّلاة براه الصّيام كان النبي ﷺ يطرق باب فاطمة وعليّ، ويقول: «ألا تصلّيان؟» (٢). وفي الحديث: «إذا استيقظ الرّجل وأيقظ أهله فصلّيا ركعتين كتبا من الذّاكرين الله كثيرا والذّاكرات» (٣).

стр. 80

كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا ونحن قد بقينا. يا راقد اللّيل كم ترقد … قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من اللّيل وأوقاته … وردا إذا ما هجع الرّقّد من نام حتّى ينقضي ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد قل لأولي الألباب أهل التّقى … قنطرة العرض لكم موعد ***

стр. 81

المجلس الثاني في فضل يوم عاشوراء في «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرّى فضله على الأيام إلاّ هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء - وهذا الشهر - يعني رمضان» (١). يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء ﵈، وقد صامه نوح وموسى ﵉، كما سنذكره إن شاء الله. وروى إبراهيم الهجريّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء، فصوموه أنتم» (٢). خرّجه بقيّ بن مخلد في «مسنده». وقد كان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه. قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم، قيل: صوم عاشوراء، يوم العاشر من المحرم. وكان للنبي ﷺ في صيامه أربع حالات: الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم. ففي

стр. 82

«الصحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهليّة، وكان النبيّ ﷺ يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه، فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء أفطره» (١). وفي رواية للبخاري: وقال رسول الله ﷺ : «من شاء فليصمه، ومن شاء أفطر» (٢). الحالة الثانية: أنّ النبيّ ﷺ لمّا قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له، وكان يحبّ موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه، وأمر النّاس بصيامه، وأكّد الأمر بصيامه، والحثّ عليه، حتّى كانوا يصوّمونه أطفالهم. ففي «الصحيحين» عن ابن عباس، قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صيّاما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحقّ وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه (٣). وفي «مسند الإمام أحمد»، عن أبي هريرة ﵁، قال: مرّ النبيّ ﷺ بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا من الصّوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجّى الله موسى ﵇ وبني إسرائيل من الغرق، وغرّق فيه فرعون. وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى ﵉ شكرا لله . فقال النبيّ ﷺ : أنا أحقّ بموسى وأحقّ بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصّوم» (٤).

стр. 83

وفي «الصحيحين» عن سلمة بن الأكوع ﵁: «أن النبيّ ﷺ أمر رجلا من أسلم: أن أذّن في النّاس: من أكل فليصم بقيّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإنّ اليوم يوم عاشوراء» (١). وفيهما أيضا عن الرّبيّع بنت معوّذ، قالت: «أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائما فليتمّ صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتمّ بقيّة يومه. فكنّا بعد ذلك نصومه، ونصوّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب بهم إلى المسجد فنجعل لهم اللّعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطّعام أعطيناه إيّاها حتّى يكون عند الإفطار» (٢). وفي رواية: «فإذا سألونا الطّعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم، حتى يتمّوا صومهم» (٣). وفي الباب أحاديث كثيرة جدّا. وخرّج الطبرانيّ بإسناد فيه جهالة، أنّ النبيّ ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم، ويقول لأمّهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل، وكان ريقه ﷺ يجزئهم (٤). وقد اختلف العلماء ﵃، هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة أنّه كان واجبا حينئذ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعيّ ﵀: بل كان متأكّد الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.

стр. 84

الحالة الثالثة: أنّه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي ﷺ أمر أصحابه بصيام عاشوراء وتأكيده فيه، وقد سبق حديث عائشة في ذلك. وفي «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄، قال: «صام النبيّ ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك ذلك». وكان عبد الله لا يصومه إلاّ أن يوافق صومه (١). وفي رواية لمسلم: أنّ أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأنّ رسول الله ﷺ صامه، والمسلمون، قبل أن يفرض رمضان، فلمّا افترض رمضان، قال رسول الله ﷺ : «إنّ عاشوراء يوم من أيّام الله؛ فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (٢). وفي رواية له أيضا: «فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه» (٣). وفي «الصحيحين» أيضا عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم؛ فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» (٤). وفي رواية لمسلم التّصريح برفع آخره (٥). وفي رواية للنسائي (٦) أنّ آخره مدرج من قول معاوية، وليس بمرفوع. وفي «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، أنه قال في يوم عاشوراء: «هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل شهر رمضان ترك». وفي رواية «أنه تركه» (٧). وفيه أيضا عن جابر بن سمرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلمّا فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» (٨).

стр. 85

وخرّج الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، من حديث قيس بن سعد قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا» (١). وفي رواية: «ونحن نفعله». فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنّ النّبيّ ﷺ لم يجدّد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره ﷺ بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنّه ينبني على أنّ الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا، وفيه اختلاف مشهور بين العلماء. وإن كان أمره للاستحباب المؤكّد فقد قيل: إنّه زال التّأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله. وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ ما يدلّ على أنّ أصل استحباب صيامه زال. وقال سعيد بن المسيّب: لم يصم رسول الله ﷺ عاشوراء؛ وروي عنه عن سعد بن أبي وقّاص. والمرسل أصحّ؛ قاله الدّارقطني. وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد. وممن روي عنه صيامه من الصّحابة عمر، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو موسى، وقيس بن سعد، وابن عباس، وغيرهم. ويدلّ على بقاء استحبابه قول ابن عباس ﵁: «لم أر رسول الله ﷺ يصوم يوما يتحرّى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان» (٢). وابن عباس إنما صحب النبيّ ﷺ بآخره، وإنما عقل منه ﷺ ما كان من آخر أمره. وفي «صحيح مسلم»، عن أبي قتادة: أن رجلا سأل النبيّ ﷺ عن صيام

стр. 86

عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله» (١). وإنّما سأله عن التّطوّع بصيامه، فإنّه سأله أيضا عن صيام يوم عرفة، وصيام الدّهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين. فعلم أنّه إنّما سأله عن صيام التطوّع. وخرّج الإمام أحمد، والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين ﵂: أنّ النبيّ ﷺ لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيّام من كلّ شهر (٢). وخرّجه أبو داود (٣) إلاّ أن عنده: «عن بعض أزواج النبي ﷺ »، غير مسمّاة. الحالة الرابعة: أنّ النبيّ ﷺ عزم في آخر عمره على ألاّ يصومه مفردا، بل يضمّ إليه يوما آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه؛ ففي «صحيح مسلم»، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنّه يوم تعظّمه اليهود والنّصارى. فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع» (٤). قال: فلم يأت العام المقبل حتّى توفي رسول الله ﷺ . وفي رواية له أيضا، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع» (٥). يعني مع عاشوراء. وخرّجه الطبراني، ولفظه: إن عشت - إن شاء الله - إلى قابل صمت التّاسع، مخافة أن يفوتني عاشوراء (٦).

стр. 87

وفي «مسند الإمام أحمد»، عن ابن عباس ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما». وجاء في رواية «أو بعده» (١). فإمّا أن يكون «أو» للتخيير أو يكون شكّا من الراوي؛ هل قال «قبله» أو «بعده» وروي هذا الحديث بلفظ آخر وهو: «لئن بقيت لآمرنّ بصيام يوم قبله ويوم (٢) بعده». يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع ولآمرنّ بصيام يوم قبله ويوم بعده»، يعني عاشوراء. أخرجهما الحافظ أبو موسى المديني. وقد صحّ هذا عن ابن عباس ﵄ من قوله من رواية ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود، وصوموا التّاسع والعاشر (٣). قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه. وروي عن ابن عباس أنّه صام التّاسع والعاشر، وعلّل بخشية فوات عاشوراء. وروى ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه كان يصوم عاشوراء في السّفر، ويوالي بين اليومين؛ خشية فواته. وكذلك روي عن أبي إسحاق أنّه صام يوم عاشوراء ويوما قبله، ويوما بعده، وقال: إنّما فعلت ذلك خشية أن يفوتني. وروي عن ابن سيرين أنّه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا. وروي عن ابن عباس، والضحّاك، أنّ يوم عاشوراء هو تاسع المحرّم.

стр. 88

قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنّه اليوم العاشر، إلاّ ابن عباس، فإنّه قال: إنّه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري، هو التّاسع أو العاشر، ولكن نصومهما. فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطا. وابن سيرين يقول ذلك. وممّن رأى صيام التاسع والعاشر الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصّوم. وروى الطبرانيّ من حديث ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول النّاس، إنّما كان يوما تستر فيه الكعبة وتقلس فيه الحبشة عند النبي ﷺ . وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلانا اليهوديّ يسألونه، فلمّا مات اليهوديّ أتوا زيد بن ثابت فسألوه (١). وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في المحرّم، بل يحسب بحساب السّنة الشمسية، كحساب أهل الكتاب. وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديما وحديثا. وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس، أنّ النبي ﷺ كان يعدّ من هلال المحرّم، ثم يصبح يوم التاسع صائما (٢). وابن أبي الزّناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كلّه عن زيد بن ثابت، وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد، فلعلّه من قول من دونه، والله أعلم. وكان طائفة من السّلف يصومون عاشوراء في السّفر؛ منهم ابن عبّاس، وأبو إسحاق السّبيعيّ، والزّهريّ. وقال: رمضان له عدّة من أيّام أخر، وعاشوراء يفوت. ونصّ أحمد على أنّه يصام عاشوراء في السّفر.

стр. 89

وروى عبد الرزاق في كتابه، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن معبد القرشي، قال: كان النبيّ ﷺ بقديد، فأتاه رجل، فقال له النبيّ ﷺ : أطعمت اليوم شيئا؟ - ليوم عاشوراء - قال: لا، إلا أنّي شربت ماء، قال: فلا تطعم شيئا حتى تغرب الشّمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم (١). ولعلّ المأمور كان من أهل قديد. وروى بإسناده عن طاوس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر، ولا يصومه في السّفر. ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنّه كان يصومه الوحش والهوامّ. وقد روي مرفوعا أنّ الصّرد أوّل طير صام عاشوراء (٢). خرّجه الخطيب في «تاريخه»، وإسناده غريب. وقد روي ذلك عن أبي هريرة (٣). وروي عن فتح بن شخرف، قال: كنت أفتّ للنّمل الخبز كلّ يوم، فلمّا كان يوم عاشوراء لم يأكلوه. وروي عن القادر بالله الخليفة العباسيّ أنّه جرى له مثل ذلك وأنّه عجب منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزّاهد، فذكر له أنّ يوم عاشوراء يصومه النّمل. وروى أبو موسى المديني بإسناده، عن قيس بن عباد، قال: بلغني أنّ الوحش كانت تصوم يوم عاشوراء. وبإسناد له، عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء، فرأى قوما يذبحون ذبائح، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أنّ الوحوش صائمة، وقالوا: اذهب بنا نرك، فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه. قال: فلمّا كان بعد العصر جاءت الوحوش من كلّ وجه، فأحاطت بالرّوضة رافعة رءوسها

стр. 90

ليس شيء منها يأكل، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت. وبإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: بين الهند والصين أرض كان بها بطّة من نحاس، على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء مدّت منقارها، فيفيض من منقارها ماء يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى العام المقبل. ورئي بعض العلماء المتقدّمين في المنام فسئل عن حاله، فقال: غفر لي بصيام عاشوراء ستين سنة. وفي رواية: «ويوم قبله ويوم بعده». وذكر عبد الوهاب الخفاف في «كتاب الصيام»، قال سعيد: قال قتادة: كان يقال: صوم عاشوراء كفّارة لما ضيّع الرّجل من زكاة ماله. وقد روي أنّ يوم عاشوراء كان يوم الزّينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدا لهم. ويروى أنّ موسى ﵇ كان يلبس فيه الكتّان ويكتحل فيه بالإثمد، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد النبي ﷺ يتّخذونه عيدا، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك، وكانوا يسترون فيه الكعبة. ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك. ففي «الصحيحين» عن أبي موسى، قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظّمه اليهود وتتّخذه عيدا، فقال رسول الله ﷺ : «صوموه أنتم» (١). وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليّهم وشارتهم، فقال رسول الله ﷺ : «فصوموه أنتم» (٢). وخرّجه النسائي وابن حبّان، وعندهما: «فقال النبي ﷺ : خالفوهم فصوموه» (٣). وهذا يدلّ على النّهي عن اتخاذه عيدا وعلى استحباب صيام

стр. 91

أعياد الكفار؛ فإن الصّوم ينافي اتخاذه عيدا فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه، كما تقدم. فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفيّة صيامه أيضا، فلا يبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكليّة. وعلى مثل هذا يحمل ما خرّجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبّان من حديث أمّ سلمة: أن النبيّ ﷺ كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنّهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحبّ أن أخالفهم» (١). فإنّه إذا صام اليومين معا خرج بذلك عن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم كلّ طائفة ليومها منفردا، وصيامه فيه مخالفة لهم في اتخاذه عيدا، ويجمع بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النّهي عن صيام يوم السبت (٢). وكلّ ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه، فموضوع لا يصحّ. وأمّا الصّدقة فيه؛ فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: من

стр. 92

صام عاشوراء فكأنما صام السّنة، ومن تصدّق فيه كان كصدقة السّنة. أخرجه أبو موسى المديني. وأمّا التوسعة فيه على العيال؛ فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: «من وسّع على أهله يوم عاشوراء» (١) فلم يره شيئا. وقال ابن منصور: قلت لأحمد: هل سمعت في الحديث «من وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر السّنة»؟ فقال: نعم. رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان من أفضل أهل زمانه، أنّه بلغه أنّه من وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة: جرّبناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرا. وقول حرب: «إنّ أحمد لم يره شيئا» إنّما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعا إلى النبي ﷺ ، فإنّه لا يصحّ إسناده. وقد روي من وجوه متعددة لا يصحّ منها شيء. وممّن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال العقيليّ: هو غير محفوظ. وقد روي عن عمر من قوله، وفي إسناده مجهول لا يعرف. وأما اتخاذه مأتما؛ كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو من عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيّام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم.

стр. 93

ومن فضائل يوم عاشوراء أنه يوم تاب الله فيه على قوم. وقد سبق حديث علي الذي خرّجه الترمذي أنّ النبيّ ﷺ قال لرجل: «إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرّم؛ فإنّ فيه يوما تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على آخرين» (١). وقد صحّ من حديث أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء، فقال: المحرّم شهر الله الأصمّ، فيه يوم تيب فيه على آدم، فإن استطعت ألاّ يمرّ بك إلاّ صمته فافعل. كذا روي عن شعبة، عن أبي إسحاق. ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، ولفظه: قال: إنّ قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت ألاّ يمرّ بك إلاّ وأنت صائم فافعل. ورواه يونس عن أبي إسحاق، ولفظه، قال: إنّ المحرّم شهر الله، وهو رأس السنة تكتب فيه الكتب، ويؤرّخ فيه التاريخ، وفيه يضرب الورق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم، فلا يمرّ بك إلاّ صمته، يعني يوم عاشوراء. وروى أبو موسى المديني من حديث أبي موسى مرفوعا: «هذا يوم تاب الله فيه على قوم، فاجعلوه صلاة وصوما». يعني يوم عاشوراء. وقال: حسن غريب. وليس كما قال. وروى بإسناده عن علي، قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على قوم يونس. وعن ابن عباس ﵄، قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم. وعن وهب أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أن مر قومك يتقرّبوا إليّ في أوّل عشر المحرّم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليّ حتى أغفر لهم. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة، قال: هو يوم تاب الله

стр. 94

فيه على آدم، يوم عاشوراء (١). وروى عبد الوهاب الخفّاف، عن سعيد، عن قتادة، قال: كنّا نتحدث أنّ اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وأهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء (٢). وقوله ﷺ في حديث علي: «ويتوب فيه على آخرين» حثّ للنّاس على تجديد التوبة النّصوح في يوم عاشوراء، وترجية لقبول التوبة ممّن تاب فيه إلى الله من ذنوبه، كما تاب فيه على من قبلهم. وقد قال تعالى عن آدم: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابا وقال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم ﵇: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قال ذو النون: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. اعتراف المذنب بذنبه مع النّدم عليه توبة مقبولة. قال : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبة: ١٠٢]، وقال النبي ﷺ : «إنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب تاب الله عليه» (٣).

стр. 95

وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبيّ ﷺ يستفتح به: «اللهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت» (١). وفي الدّعاء الذي علّمه النبيّ ﷺ للصدّيق أن يقوله في صلاته: «اللهمّ إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنّك أنت الغفور الرّحيم» (٢). وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ : «سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت» (٣). الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل: فإنّ اعتراف المرء يمحو اقترافه … كما أنّ إنكار الذّنوب ذنوب لمّا أهبط آدم من الجنّة بكى على تلك المعاهد - فيما يروى - ثلاثمائة عام، وحقّ له ذلك. كان في دار لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، فلمّا نزل إلى الأرض أصابه ذلك كلّه، فكان إذا رأى جبريل ﵇ يتذكّر برؤيته تلك المعاهد، فيشتدّ بكاؤه حتّى يبكي جبريل ﵇ لبكائه، ويقول له: ما هذا البكاء يا آدم؟ فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النّعمة إلى دار البؤس. فقال له بعض ولده: لقد آذيت أهل الأرض

стр. 96

ببكائك، فقال: إنّما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش. وفي رواية، قال: إنّما أبكي على جوار ربّي في دار تربتها طيبة، أسمع فيها أصوات الملائكة. وفي رواية، قال: أبكي على دار لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها. وروي أنّه قال لولده: كنّا نسلا من نسل السّماء، خلقنا كخلقهم، وغذّينا بغذائهم، فسبانا عدوّنا إبليس؛ فليس لنا فرح ولا راحة إلا الهمّ والعناء حتى نردّ إلى الدّار التي أخرجنا منها. فحيّ على جنّات عدن فإنّها … منازلك الأولى وفيها المخيّم ولكنّنا سبي العدوّ فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلّم لمّا التقى آدم وموسى ﵇ عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريّته من الجنّة، فاحتجّ آدم بالقدر السّابق. والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال ﷺ : «إن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل» (١). والله لولا سابق الأقدار … لم تبعد قط داركم عن داري من قبل النأي جرية المقدار … هل يمحو العبد ما قضاه الباري لمّا ظهرت فضائل آدم ﵇ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كلّ شيء وإخباره الملائكة بها، وهم يستمعون له كاستماع المتعلّم من معلّمه، حتى أقرّوا بالعجز عن علمه، وأقرّوا له بالفضل، وأسكن هو وزوجه الجنّة، ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تحسد.

стр. 97

لا مات حسّادك بل خلّدوا … حتّى يروا منك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة … فإنّما الكامل من يحسد فما زال يحتال على آدم حتى تسبّب في إخراجه من الجنة، وما فهم الأبله أنّ آدم إذا خرج منها كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنّة على أكمل من حاله الأوّل. إنما أهلك إبليس العجب بنفسه، ولذلك قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣]. كان إبليس كلّما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحترق إبليس. وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النّار فيما جاورت … ما كان يعرف طيب عرف العود قال بعض السّلف: آدم أخرج من الجنّة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها، وتريدون أن تدخلوا بها الجنّة! تصل الذّنوب إلى الذّنوب وترتجي … درج الجنان بها وفوز العابد ونسيت أنّ الله أخرج آدما … منها إلى الدّنيا بذنب واحد احذروا هذا العدوّ الذي أخرج أباكم من الجنة؛ فإنّه ساع في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة؛ فإنّه ما أخرج من الجنة وطرد عن الخدمة إلاّ بسبب تكبّره على أبيكم وامتناعه من السجود له لمّا أمر به. وقد أبلس من الرّحمة وأيس من العود إلى الجنّة، وتحقّق خلوده في النّار، فهو يجتهد على أن يخلّد معه في النّار بني آدم؛ بتحسين الشرك؛ فإن عجز قنع بما دونه من الفسوق والعصيان، وقد حذّركم مولاكم منه، وقد أعذر من

стр. 98

أنذر، فخذوا حذركم ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. العجب ممّن عرف ربّه ثم عصاه، وعرف الشيطان ثم أطاعه، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠]. رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى … حفظنا له العهد القديم فضيّعا وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم … وحقك ما أبقنيت للصلح موضعا لمّا أهبط آدم إلى الأرض وعد العود إلى الجنّة هو ومن آمن من ذريّته واتبع الرّسل ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥]. فليبشّر المؤمنون بالجنّة، هي إقطاعهم، وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل إلى محمد ﵉ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. إنّما خرج الإقطاع عمّن خرج عن الطاعة، فأمّا من تاب وآمن فالإقطاع مردود عليه. المؤمنون في دار الدنيا في سفر جهاد، يجاهدون فيه النفوس والهوى، فإذا انقضى سفر الجهاد عادوا إلى وطنهم الأوّل الذي كانوا فيه في صلب أبيهم. تكفّل الله للمجاهد في سبيله أن يردّه إلى وطنه بما نال من أجر أو غنيمة. وصلت إليكم معشر الأمّة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيّكم محمد ﵉، قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال: يا محمد، أقرئ أمّتك مني السّلام، وأخبرهم أنّ الجنّة عذبة الماء، طيبة

стр. 99

التّربة، وأنها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر» (١). وخرّج النسائي، والترمذي، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : «من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» (٢). وخرّج ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكلّ واحدة شجرة في الجنة» (٣). وخرّجه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا (٤). وخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من قال سبحان الله العظيم بني له برج في الجنة». وروي موقوفا (٥). وعن الحسن، قال: الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان يغرسون ويبنون، فربّما أمسكوا، فيقال لهم: قد أمسكتم؟! فيقولون: حتى تأتينا النفقات. قال الحسن: فابعثوهم - بأبي أنتم وأمي - على العمل. وقال بعض السّلف: بلغني أنّ دور الجنّة تبنى بالذّكر، فإذا أمسك عن الذّكر أمسكوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون: حتى تأتينا نفقة. أرض الجنة اليوم قيعان والأعمال الصّالحة لها عمران، بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكّان. رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك،

стр. 100

واسمها دار السّرور، فأبشر؛ فقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام. فلمّا كان بعد سبعة أيام مات، فرئي في المنام فقال: أدخلت دار السرور، فلا تسأل عمّا فيها. لم ير مثل الكريم إذا حلّ به مطيع. رأى بعضهم كأنّه أدخل الجنّة وعرض عليه منازله وأزواجه، فلمّا أراد أن يخرج تعلّق به أزواجه، وقالوا: بالله حسّن عملك، فكلّما حسّنت عملك ازددنا نحن حسنا. العاملون اليوم يسلفون رءوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، إلى أجل يوم المزيد في سوق الجنة، فإذا حلّ الأجل دخلوا السّوق فحملوا منه ما شاءوا بغير نقد ثمن، على قدر ما سلف من تعجيل رأس مال السلف، لكن بغير مكيال ولا ميزان. فيا من عزم أن يسلف اليوم إلى ذلك الموسم، عجّل بقبض رأس المال، فإن تأخير التقبيض يفسد العقد. فلله ذاك السوق الّذي هو موعد المزيد … لوفد الحبّ لو كنت منهم فما شئت خذ منه بلا ثمن له … فقد أسلف التّجّار فيه وأسلموا وفي الحديث: «إنّ الجنّة تقول: يا ربّ، ائتني بأهلي وبما وعدتني؛ فقد كثر حريري وإستبرقي وسندسي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأباريقي وخمري وعسلي ولبني، فائتني بأهلي وبما وعدتني» (١). وفي الحديث أيضا: «من سأل الله الجنة شفعت له الجنّة إلى ربّها وقالت:

стр. 101

اللهم أدخله الجنّة» (١). وفي الحديث أيضا: «إنّ الجنة تفتح في كلّ سحر، ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده النّاس في السّحر» (٢). قلوب العارفين تستنشق أحيانا نسيم الجنة. قال أنس بن النّضر يوم أحد: واها لريح الجنّة، والله إني لأجد ريح الجنّة من قبل أحد، ثم تقدّم فقاتل حتّى قتل. تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذي الغضا … ويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنّما … هوى كلّ نفس أين حلّ حبيبها كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين. يا آدم، إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني، إن كان حصل لك بالإخراج من الجنّة كسر، فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماع زجل المسبّحين، فقد تعوّضت في الأرض بسماع أنين المذنبين. أنين المذنبين أحبّ إلينا من زجل المسبّحين. زجل المسبّحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار. «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (٣).

стр. 102

سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وعاد عليه وبالا. لقّن آدم حجّته وألقي إليه ما يتقبّل به توبته، ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. وطرد إبليس بعد طول خدمته فصار عمله هباء منثورا، ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥]. إذا وضع عدله على عبد لم تبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم تبق له سيئة. يعطي ويمنع من يشاء كما يشا … وهباته ليست تقارنها الرّشا لمّا ظهر فضل آدم على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل بدون العمل بمقتضاه، والجنّة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنّما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم، اهبط إلى رباط الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجدّ والاجتهاد، وأذر دموع الأسف على البعاد، وكأنّك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك الوجه المعتاد. عودوا إلى الوصل عودوا … فالهجر صعب شديد لو ذاق طعم الفراق رضوى … لكاد من وجده يميد قد حمّلوني عذاب شوق … يعجز عن حمله الحديد قلت وقلبي أسير وجد … متيّم في الجفا عميد أنتم لنا في الهوى موال … ونحن في أسركم عبيد

стр. 103

المجلس الثالث في قدوم الحاج في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» (١). مباني الإسلام الخمس؛ كلّ واحد منها يكفّر الذنوب والخطايا ويهدمها، فلا إله إلاّ الله لا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل؛ والصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر (٢)؛ والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار (٣)؛ والحجّ الذي لا رفث فيه ولا فسوق، يرجع صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. وقد استنبط معنى هذا الحديث من القرآن طائفة من العلماء، وتأوّلوا قول الله تعالى : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، بأنّ من قضى نسكه ورجع منه فإنّ آثامه تسقط عنه إذا اتّقى الله في أداء نسكه، وسواء نفر في اليوم الأوّل من يومي النّفر متعجّلا، أو تأخّر إلى اليوم الثاني.

стр. 104

وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن النبي ﷺ ، قال: «من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» (١). وفي «الصحيحين» عن النبي ﷺ ، قال: «الحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة» (٢). وفي «صحيح مسلم» عنه ﷺ ، قال: «الحجّ يهدم ما قبله». (٣) فالحجّ المبرور يكفّر السيئات ويوجب دخول الجنّات، وقد روي أنّه ﷺ سئل عن برّ الحجّ، فقال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام» (٤). فالحجّ المبرور ما اجتمع فيه فعل أعمال البرّ مع اجتناب أعمال الإثم، فما دعا الحاجّ لنفسه ولا دعا له غيره بأحسن من الدّعاء بأن يكون حجّه مبرورا. ولهذا يشرع للحاج إذا فرغ من أعمال حجّه وشرع في التحلّل من إحرامه برمي جمرة العقبة يوم النّحر أن يقول: اللهم اجعله حجّا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر من قولهما، وروي عنهما مرفوعا. وكذلك يدعى للقادم من الحج بأن يجعل الله حجّه مبرورا. وفي الأثر أن آدم ﵇ لمّا حجّ البيت وقضى نسكه أتته الملائكة، فقالوا له: يا آدم، برّ حجّك، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وكذلك كان السّلف يدعون لمن رجع من حجّه. لمّا حجّ خالد الحذّاء ورجع، قال له أبو قلابة: برّ العمل. معناه: جعل الله عملك مبرورا. للحجّ المبرور علامات لا تخفى.

стр. 105

قيل للحسن: الحجّ المبرور جزاؤه الجنة. قال: آية ذلك أن يرجع زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة. وقيل له: جزاء الحجّ المغفرة. قال: آية ذلك أن يدع سيّئ، ما كان عليه من العمل. الحجّ المبرور مثل حجّ إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الرّجل الصّالح الذي صحبه من بلخ، فرجع من حجّه زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده، واختار بلاد الغربة، وقنع بالأكل من عمل يده؛ إمّا من الحصاد، أو من نظارة البساتين. حجّ مرّة مع جماعة من أصحابه، فشرط عليهم في ابتداء السّفر ألاّ يتكلّم أحدهم إلا لله، ولا ينظر إلا له. فلمّا وصلوا وطافوا بالبيت رأوا جماعة من أهل خراسان في الطّواف معهم غلام جميل قد فتن النّاس بالنظر إليه، فجعل إبراهيم يسارقه النظر ويبكي، فقال له بعض أصحابه: يا أبا إسحاق، ألم تقل لنا لا ننظر إلا لله؟ فقال: ويحك! هذا ولدي، وهؤلاء خدمي وحشمي، [ثم أنشد] (١): هجرت الخلق طرّا في هواكا … وأيتمت العيال لكي أراكا فلو قطّعتني في الحبّ إربا … لما حنّ الفؤاد إلى سواكا قال بعض السّلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية. يشير إلى ما قاله ابن عبّاس ﵄: أنّ الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه وصافحه فكأنّما صافح الله وقبّل يمينه (٢). وقال عكرمة: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ فمسح الرّكن فقد بايع الله ورسوله. وورد في حديث أنّ الله لمّا استخرج من ظهر آدم ذرّيّته وأخذ عليهم

стр. 106

الميثاق، كتب ذلك العهد في رقّ، ثم استودعه هذا الحجر، فمن ثمّ يقول من يستلمه: وفاء بعهدك. فمستلم الحجر يبايع الله على اجتناب معاصيه، والقيام بحقوقه ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ١٠]. يا معاهدينا على التّوبة، بيننا وبينكم عهود أكيدة، أوّلها: يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]؟ فقلتم: بلى. والمقصود الأعظم من هذا العهد ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]. وتمام العمل بمقتضاه أن اتّقوا الله حقّ تقواه. وثانيها: يوم أرسل إليكم رسوله وأنزل عليه في كتابه ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. قال سهل التّستريّ: من قال لا إله إلاّ الله فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره، في السر والعلانية، أو يوالي عدوّه، أو يعادي وليّه. يا بني الإسلام من علّمكم … بعد إذ عاهدتم نقض العهود كلّ شيء في الهوى مستحسن … ما خلا الغدر وإخلاف الوعود وثالثها: لمن حجّ إذا استلم الحجر فإنّه يجدّد البيعة، ويلتزم الوفاء بالعهد المتقدّم، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: الآية ٢٣]. الحرّ الكريم لا ينقض العهد القديم. أحسبتم أنّ الليالي غيّرت … عقد الهوى لا كان من يتغيّر يفنى الزّمان وليس ننسى عهدكم … وعلى محبّتكم أموت وأحشر إذا دعتك نفسك إلى نقض عهد مولاك فقل لها: ﴿مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]. اجتاز بعضهم على منظور مشتهى، فهمّت عينه أن تمتدّ، فصاح:

стр. 107

حلفت بدين الحبّ لا خنت عهدكم … وذلك عهد لو عرفت وثيق تاب بعض من تقدّم، ثم نقض، فهتف به هاتف بالليل: سأترك ما بيني وبينك واقفا … فإن عدت عدنا والوداد مقيم تواصل قوما لا وفاء لعهدهم … وتترك مثلي والحفاظ قديم من تكرّر منه نقض العهد لم يوثق بمعاهدته؛ دخل بعض السّلف على مريض مكروب فقال له: عاهد الله على التّوبة لعلّه أن يقيلك صرعتك. فقال: كنت كلّما مرضت عاهدت الله على التّوبة فيقيلني، فلمّا كان هذه المرّة ذهبت أعاهد كما كنت أعاهد، فهتف بي هاتف من ناحية البيت: قد أقلناك مرارا فوجدناك كذّابا، ثم مات عن قريب. لا كان من نقض العهد من كان … ما ينقض العهد إلاّ خوّان ترى الحيّ الألى بانوا … على العهد كما كانوا أم الدّهر بهتم خانا … ودهر المرء خوّان إذا عزّ بغير اللّ … هـ يوما معشر هانوا من رجع من الحجّ فليحافظ على ما عاهد الله عليه عند استلام الحجر. حجّ بعض من تقدّم فبات بمكّة مع قوم، فدعته نفسه إلى معصية، فسمع هاتفا يقول: ويلك! ألم تحجّ؟ فعصمه الله من ذلك. قبيح بمن كمّل القيام بمباني الإسلام الخمس أن يشرع في نقض ما بنى بالمعاصي. في حديث مرسل خرّجه ابن أبي الدنيا أنّ النبي ﷺ قال لرجل: «يا فلان، إنّك تبني وتهدم» (١)، يعني تعمل الحسنات والسيئات. فقال: يا رسول الله، سوف أبني ولا أهدم. خذ في جدّ فقد تولّى العمر … كم ذا التّفريط قد تدانى الأمر أقبل فعسى يقبل منك العذر … كم تبني كم تنقض كم ذا الغدر

стр. 108

علامة قبول الطّاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية. ما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وأقبح السيئة بعد الحسنة!! ذنب بعد التّوبة أقبح من سبعين قبلها. النّكسة أصعب من المرض الأوّل. ما أوحش ذلّ المعصية بعد عزّ الطاعة! ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذلّ، وغنيّ قوم بالذّنوب افتقر. سلوا الله الثبات إلى الممات، وتعوّذوا من الحور بعد الكور. كان الإمام أحمد يدعو يقول: اللهمّ أعزّني بطاعتك ولا تذلّني بمعصيتك. وكان عامة دعاء إبراهيم بن أدهم: اللهم انقلني من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة. وفي بعض الآثار الإلهية: يقول الله: أنا العزيز، فمن أراد العزّ فليطع العزيز. ألا إنّما التّقوى هي العزّ والكرم … وحبّك للدّنيا هو الذّلّ والسّقم وليس على عبد تقيّ نقيصة … إذا حقّق التّقوى وإن حاك أو حجم الحاج إذا كان حجّه مبرورا غفر له ولمن استغفر له، وشفّع فيمن شفّع فيه. وقد روي أنّ الله تعالى يقول لهم يوم عرفة: «أفيضوا مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه». وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي موسى الأشعري، قال: «إن الحاجّ ليشفع في أربعمائة بيت من قومه، ويبارك في أربعين من أمّهات البعير الذي يحمله، ويخرج من خطاياه كيوم ولدته أمّه، فإذا رجع من الحجّ المبرور، رجع وذنبه مغفور، ودعاؤه مستجاب» (١). فلذلك يستحبّ تلقيه والسّلام عليه وطلب الاستغفار منه. وتلقي الحاج مسنون. وفي «صحيح مسلم»، عن عبد الله بن جعفر، قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من

стр. 109

سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فأدخلنا المدينة، ثلاثة على دابّة (١). وقد ورد النهي عن ركوب ثلاثة على دابة في حديث مرسل، فإن صحّ حمل على ركوب ثلاثة رجال، فإنّ الدّابة يشقّ عليها حملهم بخلاف رجل وصغيرين. وفي «المسند» و «صحيح الحاكم»، عن عائشة، قالت: أقبلنا من مكّة في حجّ أو عمرة، فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقّون أهاليهم إذا قدموا (٢). وكذلك السّلام على الحاج إذا قدم ومصافحته، وطلب الدعاء منه. وفي «المسند» بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا لقيت الحاجّ فسلّم عليه، وصافحه، ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته؛ فإنّه مغفور له» (٣). وفيه أيضا عن حبيب بن أبي ثابت، قال: خرجت مع أبي نتلقّى الحاجّ ونسلّم عليهم قبل أن يتدنّسوا. وروى معاذ بن الحكم، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن الحسن، قال: إذا خرج الحاج فشيّعوهم وزوّدوهم الدعاء، وإذا قفلوا فالقوهم وصافحوهم قبل أن يخالطوا الذّنوب؛ فإنّ البركة في أيديهم. وروى أبو الشيخ الأصبهانيّ وغيره من رواية ليث، عن مجاهد، قال: قال عمر: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاجّ بقيّة ذي الحجّة، ومحرّم، وصفر، وعشر من ربيع الأول (٤). وفي «مسند البزار» و «صحيح الحاكم» من حديث أبي هريرة مرفوعا: «اللهم اغفر للحاجّ، ولمن استغفر له الحاج» (٥).

стр. 110

وروى أبو معاوية الضّرير، عن حجاج، عن الحكم، قال: قال ابن عباس: لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحقّ لأتوهم حين يقدمون حتّى يقبّلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس. ما للمنقطع حيلة سوى التعلّق بأذيال الواصلين. هل الدّهر يوما بوصل يجود … وأيّامنا باللّوى هل تعود زمان تقضّى وعيش مضى … بنفسي والله تلك العهود ألا قل لزوّار دار الحبيب … هنيئا لكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضا … فنحن عطاش وأنتم ورود أحبّ ما إلى المحبّ سؤال من قدم من ديار الحبيب. عارضا بي ركب الحجاز أسائل … هـ متى عهده بأيّام سلع واستملاّ حديث من سكن الخي … ف ولا تكتباه إلاّ بدمعي فإنني أن أرى الدّيار بطرفي … فلعلّي أرى الدّيار بسمعي من معيد أيّام جمع على ما … كان منها وأين أيّام جمعي لقاء الأحباب لقاح الألباب، وأخبار تلك الديار أحلى عند المحبين من الأسمار. إذا قدم الرّكب يمّمتهم … أحيّي الوجوه قدوما ووردا وأسألهم عن عقيق الحمى … وعن أرض نجد ومن حلّ نجدا حدّثوني عن العقيق حديثا … أنتم بالعقيق أقرب عهدا ألا هل سمعتم ضجيج الحجيج … على ساحة الخيف والعيس تحدا فذكر المشاعر والمروتين … وذكر الصّفا يطرد الهمّ طردا أرواح القبول تفوح من المقبولين، وأنوار الوصول تلوح على الواصلين.

стр. 111

تفوح أرواح نجد من ثيابهم … عند القدوم لقرب العهد بالدّار أهفوا إلى الرّكب تعلو لي ركائبهم … من الحمى في أسيحاق وأطمار يا راكبان قفا لي واقضيا وطري … وحدّثاني عن نجد بأخبار ما يؤهّل للإكثار من التردّد إلى تلك الآثار إلاّ محبوب مختار. حجّ عليّ بن الموفّق ستين حجّة، قال: فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكّر في حالي وكثرة تردادي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل منّي حجّي أم ردّ. ثم نمت فرأيت في منامي قائلا يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلاّ من تحبّ؟ قال: فاستيقظت وقد سرّي عني. ما كلّ من حجّ قبل، ولا كلّ من صلّى وصل. قيل لابن عمر: ما أكثر الحاجّ! فقال: ما أقلّهم! وقال: الرّكب كثير، والحاجّ قليل. حجّ بعض المتقدمين فتوفي في الطريق في رجوعه، فدفنه أصحابه ونسوا الفأس في قبره، فنبشوه ليأخذوا الفأس، فإذا عنقه ويداه قد جمعت في حلقة الفأس، فردّوا عليه التراب، ثمّ رجعوا إلى أهله فسألوهم عن حاله، فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله، فكان يحجّ منه. إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجّت العير لا يقبل الله إلاّ كلّ صالحة … ما كلّ من حجّ بيت الله مبرور من حجّه مبرور قليل، ولكن قد يوهب المسيء للمحسن. وقد روي أنّ الله تعالى يقول عشيّة عرفة: «قد وهبت مسيئكم لمحسنكم». حجّ بعض المتقدمين، فنام ليلة، فرأى ملكين نزلا من السّماء، فقال أحدهما للآخر: كم حجّ العام؟ قال: ستمائة ألف، فقال له: كم قبل منهم؟ قال: ستة، قال: فاستيقظ الرّجل وهو قلق ممّا رأى. فرأى في الليلة الثانية
следующие страницы →