وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ ، قال:
«إنّ الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١).
وروى ابن جرير وغيره، عن ابن عبّاس ﵄: إنّ الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسمي سماء، ثمّ أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين، ثم استوى إلى السّماء وهي دخان، وكان ذلك الدّخان من نفس الماء حين تنفّس، ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات (٢).
وعن وهب: إنّ العرش كان قبل أن تخلق السماوات والأرض على الماء، فلمّا أراد الله أن يخلق السّماوات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة، ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا، ثم قضاهنّ سبع سماوات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها في مكان البيت، ثم دحا الأرض منها (٣).
стр. 38
والآثار في هذا الباب كثيرة، وهذا كلّه يبيّن أنّ السماوات والأرض خلقت من الماء، والخلاف في أنّ الماء هل هو أول المخلوقات أم لا؟ مشهور، وحديث أبي هريرة يدلّ على أنّ الماء مادّة جميع المخلوقات، وقد دلّ القرآن على أنّ الماء مادة جميع الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ [النّور: ٤٥].
وقول من قال: إنّ المراد بالماء النّطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أنّ النّطفة لا تسمّى ماء مطلقا بل مقيّدا؛ لقوله: ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].
والثاني: أنّ من الحيوانات ما يتولّد من غير نطفة، كدود الخلّ، والفاكهة
(*) أخرجه: أحمد (١٩٧، ٢/ ١٧٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، وقد صححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٧٦).
стр. 39
ونحو ذلك؛ فليس كلّ حيوان مخلوقا من نطفة. والقرآن دلّ على خلق جميع ما يدبّ وما فيه حياة من ماء، فعلم بذلك أنّ أصل جميعها الماء المطلق؛
ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقول النّبيّ ﷺ : «خلقت الملائكة من نور» (١)، فإنّ حديث أبي هريرة ﵁ دلّ على أنّ أصل النّور والنّار الماء، كما أن أصل التّراب الذي خلق منه آدم الماء، فإنّ آدم خلق من طين، والطين تراب مختلط بماء، والتّراب مخلوق من الماء كما تقدّم عن ابن عبّاس وغيره. وزعم مقاتل: أنّ الماء مخلوق من النّور، وهو مردود بحديث أبي هريرة هذا وغيره.
ولا يستنكر خلق النّار من الماء، فإنّ الله جمع بقدرته بين الماء والنّار في الشّجر الأخضر، وجعل ذلك من أدلة القدرة على البعث، وذكر الطبائعيون: أنّ الماء بانحداره يصير بخارا، والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارا، والله أعلم.
وقوله ﷺ لأبي هريرة حين سأله عن بناء الجنّة، فقال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزّعفران» (٢). وقد روي أيضا هذا عن النّبيّ ﷺ من حديث ابن عمر مرفوعا، خرجه الطبرانيّ.
فهذه أربعة أشياء:
أحدها: بناء الجنّة، ويحتمل أنّ المراد بنيان قصورها ودورها، ويحتمل أن
стр. 40
يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه. وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا وموقوفا وهو أشبه: «حائط الجنّة لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ودرجها الياقوت واللؤلؤ» (١). قال: وكنّا نتحدّث (٢) أنّ رضراض (٣) أنهارها اللؤلؤ وترابها الزّعفران. وفي «مسند البزار» عن أبي سعيد مرفوعا: «خلق الله الجنّة لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك، فقال لها تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» (٤).
وممّا يبيّن أن المراد ببناء الجنّة في هذه الأحاديث بناء سورها المحيط بها ما في «الصحيحين» عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «جنّتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما» (٥).
وقد روي عن أبي موسى مرفوعا وموقوفا: «جنّتان من ذهب للمقرّبين، وجنّتان من فضّة لأصحاب اليمين» (٦). وفي الصحيح أيضا عن النّبيّ ﷺ ، أنّه قال: «إنّها جنان كثيرة» (٧) وقد روي أنّ بناء بعضها من درّ وياقوت.
وخرّج ابن أبي الدّنيا من حديث أنس مرفوعا: «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة
стр. 41
من درّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزّعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت:
قد أفلح المؤمنون، قال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» (١).
وروى عطية، عن أبي سعيد، قال: إنّ الله خلق جنّة عدن من ياقوتة حمراء، ثم قال لها: تزيني فتزيّنت، ثم قال لها: تكلّمي فقالت: طوبى لمن رضيت عنه؛ ثم أطبقها وعلّقها بالعرش، فهي تفتح في كلّ سحر، فذلك برد السّحر. وعن ابن عبّاس، قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنّة، ثم اتخذ دونها أخرى، وطبّقهما بلؤلؤة واحدة لا يعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.
وذكر صفوان بن عمرو، عن بعض مشايخه، قال: الجنة مائة درجة:
أولها: درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضّة، وترابها المسك. والثانية:
ذهب، وأرضها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. وثالثها: لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم تلا، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧].
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «يقول الله : أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧] (٢).
стр. 42
وفي «صحيح مسلم» عن المغيرة بن شعبة يرفعه: «سأل موسى ربّه، قال:
يا ربّ، ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنّة الجنّة، فيقال له: ادخل الجنّة، فيقول: يا ربّ، كيف وقد أخذ النّاس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدّنيا؟ فيقول: رضيت يا ربّ، فيقول: ذلك لك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربّ، فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال: فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الّذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧]» (١).
الثاني: ملاط الجنة وأنّه المسك الأذفر، وقد تقدّم مثل ذلك في غير حديث والملاط: هو الطّين، ويقال: الطّين الذي يبنى منه البنيان. والأذفر:
الخالص.
ففي «الصحيحين» عن أنس، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «دخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» (٢). والجنابذ: مثل القباب. وقد قيل: إنّه أراد بترابها ما خالطه الماء، وهو طينها، كما في «صحيح البخاري»، عن أنس، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال في الكوثر: «طينه المسك الأذفر» (٣).
وقد قيل في تأويل قوله : ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطفّفين: ٢٦] أنّ المراد بالختام ما يبقى في سفل الشراب من الثّفل، وهذا يدلّ على أنّ أنهارها تجري
стр. 43
على المسك، ولذلك يرسب منه في الإناء في آخر الشراب، كما يرسب الطين في آنية الماء في الدّنيا.
الثالث: حصباء الجنّة وأنّه اللؤلؤ والياقوت، والحصباء: الحصى الصغار، وهو الرّضراض. وفي «المسند» عن أنس، عن النّبيّ ﷺ في ذكر الكوثر أن رضراضه اللؤلؤ (١). وفي رواية: حصباؤه اللؤلؤ (٢). وفي الترمذي من حديث ابن عمر عن النّبيّ ﷺ : «أنّ مجراه على الدّرّ والياقوت» (٣).
وفي الطّبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «حاله المسك الأبيض، ورضراضه الجوهر، وحصباؤه اللؤلؤ» (٤). وفي «المسند» من حديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «حاله المسك، ورضراضه التّوم» (٥)، والتّوم: الجوهر، والحال: الطين.
قال أبو العالية: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الرّبّانيين من أمّة محمد ﷺ ، انتدبوا لدار أرضها زبرجد أخضر، تجري عليها أنهار الجنّة، فيها الدّرّ واللؤلؤ والياقوت، وسورها زبرجد أخضر متدلّيا عليها أغصان (٦) الجنّة بثمارها (٧).
стр. 44
الرابع: تراب الجنّة، وأنّه الزّعفران، وقد سبق في رواية أخرى: الزّعفران والورس. وقد قيل: إن المراد بالتراب ها هنا تربة الأرض التي لا ماء عليها.
فأمّا ما كان عليه ماء فإنّه مسك، كما سبق. وسبق أيضا في بعض الروايات:
حشيشها الزّعفران، وهو نبات أرضها وترابها.
فأمّا حديث «ترابها المسك» فقد قيل: إنه محمول على تراب يخالطه الماء، كما تقدم. وقيل: إنّ المراد أنّ ريح ترابها ريح المسك، ولونه لون الزّعفران. ويشهد لهذا حديث الكوثر: أنّ حاله المسك الأبيض، فريحه ريح المسك، ولونه مشرق لا يشبه لون مسك الدّنيا، بل هو أبيض. وقد يكون منه أبيض، ومنه أصفر، والله أعلم.
وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد أنّ النّبيّ ﷺ سأل ابن صيّاد (١) عن تربة الجنّة، فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، فصدّقه النّبي ﷺ . وفي رواية أن ابن صيّاد سأل النّبيّ ﷺ وصدّقه (٢).
وفي «المسند» والترمذي عن البراء بن عازب أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تربة الجنّة درمكة. ثم سأل اليهود فقالوا: خبزة، فقال: الخبز من الدّرمك» (٣).
والذي تجتمع به هذه الأحاديث كلّها أنّ تربة الجنّة في لونها بيضاء، ومنها ما يشبه لون الزّعفران في بهجته وإشراقه، وريحها ريح المسك الأذفر
стр. 45
الخالص، وطعمها طعم الخبز الحوّاري الخالص. وقد يختصّ هذا بالأبيض منها، فقد اجتمعت لها الفضائل كلّها، لا حرمنا الله ذلك برحمته وكرمه.
وقوله ﷺ : «من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» إشارة إلى بقاء الجنّة وبقاء جميع ما فيها من النّعيم، وأنّ صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغيّر أبدا، وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا، وقد دلّ القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة، كقوله:
﴿وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التّوبة: ٢١].
وقوله: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرّعد: ٣٥]. وقوله: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ [النّساء: ٥٧]، في مواضع كثيرة. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: «من يدخل الجنّة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (١).
وفيه أيضا عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إذا دخل أهل الجنّة الجنة نادى مناد: إنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا» ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (٢). وفي رواية لغيره زيادة «و [إنّ لكم] أن تحيوا فلا تموتوا أبدا» (٣).
وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: «أهل الجنّة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم» (٤). وعن أبي سعيد مرفوعا: «يدخل أهل الجنّة
стр. 46
الجنّة أبناء ثلاثين، لا يزيدون عليها أبدا» (١). ومن حديث عليّ مرفوعا: «إنّ في الجنّة مجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها؛ يقلن:
نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنّا له» (٢).
وخرّج الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: «إن مما يتغنين به - يعني الحور العين -: نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنّه» (٣).
ومن حديث أمّ سلمة مرفوعا: «إن نساء أهل الجنّة يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن النّاعمات فلا نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنّا له وكان لنا» (٤).
وفيما ذكره ﷺ في صفة من يدخل الجنّة تعريض بذّمّ الدّنيا الفانية، فإنّه من يدخلها وإن نعم فيها فإنّه يبأس، ومن أقام فيها فإنّه يموت ولا يخلّد، ويفنى شبابهم، وتبلى ثيابهم، بل (٥) تبلى أجسامهم.
فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التّوبة: ٣٨]. وقال عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ [غافر: ٣٩].
والمتاع: هو ما يتمتّع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى. فما عيبت الدّنيا بأبلغ من ذكر فنائها وتقلّب أحوالها، وهو أدلّ دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدّل صحتها بالسّقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس، وعمارتها بالخراب، واجتماعها بفرقة الأحباب، وكلّ ما فوق التّراب تراب.
قال بعض السّلف في يوم عيد، وقد نظر إلى كثرة النّاس وزينة لباسهم: هل ترون إلاّ خرقا تبلى، أو لحما يأكله الدّود غدا؟ كان الإمام أحمد ﵁ يقول:
يا دار، تخربين ويموت سكانك. وفي الحديث: «عجبا لمن رأى الدّنيا وسرعة تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها» (١). قال الحسن: إنّ الموت قد فضح الدّنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا. وقال مطرّف: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيما لا موت فيه.
وقال بعضهم: ذهب ذكر الموت بلذة كل عيش وسرور كلّ نعيم، ثم بكى وقال: واها لدار لا موت فيها. وقال يونس بن عبيد: ما ترك ذكر الموت لنا قرّة عين؛ في أهل ولا مال. وقال يزيد الرّقاشي: أمن أهل الجنّة الموت فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام، فهنيئا لهم في جوار الله طول المقام.
عيوب الدّنيا بادية، وهي بعبرها ومواعظها منادية، لكنّ حبّها يعمي ويصمّ، فلا يسمع محبّها نداءها، ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها.
قد نادت الدّنيا على نفسها … لو كان في العالم من يسمع
стр. 49
كم واثق بالعمر أفنيته … وجامع بدّدت ما يجمع
كم قد تبدّل نعيمها بالضرّ والبؤس، كم أصبح من هو واثق بملكها، وأمسى وهو منها قنوط يئوس. قالت بعض بنات ملوك العرب الذين نكبوا: أصبحنا وما في العرب أحد إلاّ وهو يحسدنا، وأمسينا وما في العرب أحد إلا وهو يرحمنا، ثم قالت:
وبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
فأفّ لدار لا يدوم نعيمها … تقلّب تارات بنا وتصرّف
دخلت أمّ جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه، وقالت: هجم عليّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة، وأنا أزعم أنّ ابني جعفرا عاقّ لي.
كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السّرف في إنفاق المال، حتّى إنّها زوّجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار، فما مضى إلا قليل حتى رئيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل النّاس.
خلع بعض خلفاء بني العبّاس وكحل وحبس ثم أطلق، فاحتاج إلى أن وقف يوم جمعة في الجامع وقال للناس: تصدّقوا عليّ فأنا من قد عرفتم.
اجتاز بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول في غنائها:
ألا يا دار لا يدخلك حزن … ولا يزري بصاحبك الزّمان
ثم اجتاز بها عن قريب وإذا الباب مسودّ، وفي الدّار بكاء وصراخ، فسأل عنهم، فقيل: مات ربّ الدّار، فطرق الباب وقال: سمعت من هذه الدّار قائلة تقول كذا وكذا، فبكت امرأة وقالت: يا عبد الله، إنّ الله يغيّر ولا يتغيّر، والموت غاية كلّ مخلوق، فانصرف من عندهم باكيا.
стр. 50
بعث أبو بكر الصّدّيق ﵁ في خلافته وفدا إلى اليمن، فاجتازوا في طريقهم بماء من مياه العرب، عنده قصور مشيدة، وهناك مواش عظيمة، ورقيق كثير، ورأوا نسوة كثيرة مجتمعات في عرس لهنّ، وجارية بيدها دفّ، وهي تقول:
معشر الحسّاد موتوا كمدا … كذا نكون ما بقينا أبدا
فنزلوا بقربهم فأكرمهم سيّد الماء، واعتذر إليهم باشتغاله بالعرس، فدعوا له وارتحلوا.
ثم إنّ بعض أولئك الوفد أرسلهم معاوية إلى اليمن، فمرّوا بالقرب من ذلك الماء، فعدلوا إليه لينزلوا فيه، فإذا القصور المشيدة قد خربت كلّها وليس هناك ماء ولا أنيس، ولم يبق من تلك الآثار إلاّ تلّ خراب، فذهبوا إليه، فإذا عجوز عمياء تأوي إلى نقب في ذلك التّلّ، فسألوها عن أهل ذلك الماء، فقالت:
هلكوا كلّهم، فسألوها عن ذلك العرس المتقدم، فقالت: كانت العروس أختي، وأنا كنت صاحبة الدّفّ، فطلبوا أن يحملوها معهم فأبت، وقالت:
عزيز عليّ أن أفارق هذه العظام البالية حتّى أصير إلى ما صارت إليه. فبينما هي تحدّثهم إذ مالت فنزعت نزعا يسيرا ثم ماتت، فدفنوها وانطلقوا.
حمل إلى سليمان بن عبد الملك في خلافته من خراسان ستة أحمال مسك إلى الشام، فأدخلت على ابنه أيوب، وهو وليّ عهده، فدخل عليه الرسول بها في داره، فدخل إلى دار بيضاء وفيها غلمان عليهم ثياب بياض وحليتهم فضّة، ثم دخل إلى دار صفراء فيها غلمان عليهم ثياب صفر وحليتهم الذّهب؛ ثم دخل إلى دار خضراء فيها غلمان عليهم ثياب خضر وحليتهم الزمرّد، ثم دخل على أيوب وهو وجاريته على سرير، فلم يعرف أحدهما من الآخر لقرب شبههما، فوضع المسك بين يديه فانتهبه كلّه الغلمان، ثم خرج الرسول فغاب
стр. 51
بضعة عشر يوما، ثم رجع فمرّ بدار أيوب وهي بلاقع، فسأل عنهم، فقيل له:
أصابهم الطاعون فماتوا.
كان يزيد بن عبد الملك، وهو الذي انتهت إليه الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز، له جارية تسمّى حبّابة، وكان شديد الشّغف بها، ولم يقدر على تحصيلها إلاّ بعد جهد شديد، فلمّا وصلت إليه خلا بها يوما في بستان وقد طار عقله فرحا بها، فبينما هو يلاعبها ويضاحكها إذ رماها بحبّة رمّان أو حبّة عنب وهي تضحك، فدخلت في فيها فشرقت بها فماتت، فما سمحت نفسه بدفنها حتّى أراحت، فعوتب على ذلك فدفنها. ويقال: إنّه نبشها بعد دفنها. ويروى أنه دخل بعد موتها إلى خزائنها ومقاصيرها ومعه جارية لها، فتمثلت الجارية فقالت:
كفى حزنا بالواله الصّبّ أن يرى … منازل من يهوى معطّلة قفرا
فصاح وخرّ مغشيّا عليه، فلم يفق إلى أن مضى هويّ من الليل، ثم أفاق فبكى بقيّة ليلته ومن الغد، فدخلوا عليه فوجدوه ميتا. قال بعض السّلف:
ما من حبرة إلاّ تتبعها عبرة، وما كان ضحك في الدّنيا إلاّ كان بعده بكاء.
من عرف الدّنيا حقّ معرفتها حقرها وأبغضها، كما قيل:
أما لو بيعت الدّنيا بفلس … أنفت لعاقل أن يشتريها
ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها.
عباد الله، هلمّوا إلى دار لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبّانها، ولا يتغيّر حسنها وإحسانها، هواؤها النّسيم، وماؤها التّسنيم، يتقلّب أهلها في رحمة أرحم الرّاحمين، وينعمون بالنظر إلى وجهه كلّ حين، ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
стр. 52
قال عون بن عبد الله بن عتبة: بنى ملك ممن كان قبلنا مدينة، فتنوّق في بنائها، ثم صنع طعاما ودعا الناس إليه، وأقعد على أبوابها ناسا يسألون كلّ من خرج: هل رأيتم عيبا؟ فيقولون: لا، حتّى جاء في آخر النّاس قوم عليهم أكسية، فسألوهم: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا: عيبين. فأدخلوهم على الملك، فقال: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا: عيبين، قال: وما هما؟ قالوا: تخرب، ويموت صاحبها. قال: فتعلمون دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها؟ قالوا: نعم. قال:
وما هي؟ قالوا: الجنة، فدعوه فاستجاب لهم وانخلع من ملكه وتعبّد معهم.
فحدّث عون بهذا الحديث عمر ابن عبد العزيز، فوقع منه موقعا، حتّى همّ أن يخلع نفسه من الملك، فأتاه ابن عمّه مسلمة، فقال: اتّق الله يا أمير المؤمنين في أمّة محمد ﷺ ، فو الله لئن فعلت ليقتتلنّ بأسيافهم. قال: ويحك يا مسلمة، حمّلت ما لا أطيق، وجعل يردّدها، ومسلمة يناشده حتّى سكن.
بنى بعض ملوك العرب الخورنق والسّدير، فنظر إلى ملكه يوما فقال: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فقالوا: لا، ورجل منهم ساكت، فقال: أيّها الملك، إن أذنت لي تكلّمت، فقال: تكلّم، قال: أرأيت ما جمعت، أشيء هو لك لم يزل ولا يزول، أم هو شيء كان لمن قبلك وزال عنه، وصار إليك، وكذلك يزول عنك؟ قال: بل كان لمن قبلي، وصار إليّ، ويزول عنّي. قال:
فسررت بشيء تزول عنك لذّته وتبقى تبعته عليك، تكون فيه قليلا وترتهن به طويلا؟ فبكى وقال: أين المهرب؟ قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة ربّك، وإما أن تنخلع من ملكك وتقيم وحدك وتعبد ربّك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت، وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم، وملك جديد لا يبلى. فقال: فأيّ خير فيما يفنى؟ والله لأطلبنّ عيشا لا يزول أبدا، فانخلع من ملكه، وسار في الأرض. وفيه يقول عديّ بن زيد أبياته المشهورة السائرة:
стр. 53
أيّها الشّامت المعيّر بالدّه … ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من … الأيّام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون أخلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى، كسرى الملوك أنو شر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك … الرّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كل … سا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكّر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تفكير
سرّه ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه وقال وما غب … طة حيّ إلى الممات يصير
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ … فألوت به الصّبا والدّبور
ثمّ بعد الفلاح والملك … والإمّة وارتهم هناك القبور
***
стр. 54
وظائف شهر الله المحرم
ويشتمل على مجالس:
المجلس الأول في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول
خرّج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «أفضل الصّيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصّلاة بعد الفريضة قيام الليل» (١).
الكلام على هذا الحديث في فصلين: في أفضل التطوع بالصيام، وأفضل التطوع بالقيام.
الفصل الأول في أفضل التطوع بالصّيام
وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تطوّع به من الصّيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوّع بصيامه كاملا بعد رمضان. فأمّا التطوّع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه، كصيام يوم عرفة، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال، ونحو ذلك.
стр. 55
ويشهد لهذا ما خرّجه الإمام أحمد والترمذيّ من حديث عليّ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أخبرني بشهر أصومه بعد شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم ويتوب على آخرين» (١). وفي إسناده مقال.
ولكن يقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان يصوم شهر شعبان، ولم ينقل عنه أنّه كان يصوم المحرم، إنما كان يصوم عاشوراء. وقوله في آخر سنة: «لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع» (٢) يدلّ على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك. وقد أجاب النّاس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف.
والذي ظهر لي - والله أعلم - أن التطوّع بالصّيام نوعان:
أحدهما: التطوع المطلق بالصوم، فهذا أفضله المحرم، كما أن أفضل التطوّع المطلق بالصّلاة قيام الليل.
والثاني: ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله وبعده، فهذا ليس من التطوّع المطلق، بل صيامه تبع لصيام رمضان، وهو ملتحق بصيام رمضان، ولهذا قيل: إنّ صيام ستة أيام من شهر شوال يلتحق بصيام رمضان، ويكتب بذلك لمن صامها مع رمضان صيام الدّهر فرضا.
وقد روي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم، فأمره النّبيّ ﷺ بصيام شوال، فترك الأشهر الحرم وصام شوالا (٣). وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 56
فهذا النوع من الصّيام يلتحق برمضان، وصيامه أفضل التطوّع مطلقا. فأما التطوّع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم. وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنه أمر رجلا أن يصوم الأشهر الحرم، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرّم، ويشهد لهذا أنه ﷺ قال في هذا الحديث: «وأفضل الصّلاة بعد المكتوبة قيام اللّيل»، ومراده بعد المكتوبة ولواحقها من سننها الرّواتب، فإنّ الرّواتب قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء؛ لالتحاقها بالفرائض. وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية. فكذلك الصّيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان، وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوّع المطلق بالصّيام صيام المحرّم.
وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل:
فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرّم، ورجّحه طائفة من المتأخرين. وروى وهب بن جرير، عن قرّة بن خالد، عن الحسن، قال:
إن الله افتتح السّنة بشهر حرام، وختمها بشهر حرام. فليس شهر في السّنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرّم، وكان يسمى «شهر الله الأصمّ»؛ من شدّة تحريمه. وقد روي عنه مرفوعا ومرسلا.
قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو هلال الراسبيّ، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصّلاة بعد المكتوبة الصّلاة في جوف الليل الأوسط، وأفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرّم، وهو شهر الله الأصمّ» (١).
وخرّج النسائي من حديث أبي ذرّ، قال: سألت النّبيّ ﷺ : أيّ الليل خير،
стр. 57
وأي الأشهر أفضل؟ فقال: «خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرّم» (١). وإطلاقه في هذا الحديث «أفضل الأشهر» محمول على ما بعد رمضان، كما في رواية الحسن المرسلة.
وقال سعيد بن جبير وغيره: أفضل الأشهر الحرم ذو الحجّة. بل قد قيل:
إنه أفضل الأشهر مطلقا، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وزعم بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب، وهو قول مردود.
وأفضل شهر المحرّم عشره الأوّل. وقد زعم يمان بن رئاب أنه العشر الذي أقسم الله به في كتابه، ولكن الصحيح أنّ العشر المقسم به عشر ذي الحجّة، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.
وقال أبو عثمان النّهديّ: كانوا يعظّمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجّة، والعشر الأول من المحرّم، وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب «فضائل العشر» لابن أبي الدّنيا، عن أبي عثمان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ : أنّه كان يعظم هذه العشرات الثلاث، وليس ذلك بمحفوظ. وقد قيل: إنه العشر الذي أتمّ الله به ميقات موسى ﵇ أربعين ليلة، وأن التّكليم وقع في عاشره.
وروي عن وهب بن منبه، قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن مر قومك أن يتقربوا إليّ في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليّ أغفر لهم.
وعن قتادة أن الفجر الذي أقسم الله به في أوّل سورة الفجر هو فجر أول يوم من المحرّم، تنفجر منه السّنة.
стр. 58
ولما كانت الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقا، وكان صيامها مندوبا إليه، كما أمر به النبيّ ﷺ ، وكان بعضها ختام السّنة الهلاليّة، وبعضها مفتاحا لها، فمن صام ذا الحجّة سوى الأيام المحرّم صيامها منه، وصام المحرّم، فقد ختم السّنة بالطّاعة وافتتحها بالطّاعة، فيرجى أن تكتب له سنته كلّها طاعة، فإنّ من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة، فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
وفي حديث مرفوع: «ما من حافظين يرفعان إلى الله صحيفة فيرى في أوّلها وفي آخرها خيرا إلاّ قال الله لملائكته: أشهدكم أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفيها» (١). خرّجه الطبرانيّ وغيره، وهو موجود في بعض نسخ كتاب الترمذي.
وفي حديث آخر مرفوع: «ابن آدم اذكرني من أوّل النّهار ساعة ومن آخر النّهار ساعة أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر أو تتوب منها» (٢).
وقال ابن المبارك: من ختم نهاره بذكر كتب نهاره كله ذكرا. يشير إلى أنّ الأعمال بالخواتيم، فإذا كان البداية والختام ذكرا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملا للجميع. ويتعيّن استفتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذّنوب السالفة في الأيام الخالية.
قطعت شهور العام لهوا وغفلة … ولم تحترم فيما أتيت المحرّما
فلا رجبا وافيت فيه بحقّه … ولا صمت شهر الصّوم صوما متمّما
ولا في ليالي عشر ذي الحجّة الذي … مضى كنت قوّاما ولا كنت محرما
стр. 59
فهل لك أن تمحو الذّنوب بعبرة … وتبكي عليها حسرة وتندّما
وتستقبل العام الجديد بتوبة … لعلّك أن تمحو بها ما تقدّما
وقد سمّى النبيّ ﷺ شهر المحرّم شهر الله. وإضافته إلى الله تدلّ على شرفه وفضله، فإنّه تعالى لا يضيف إليه إلا خواصّ مخلوقاته، كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته.
ولما كان هذا الشهر مختصّا بإضافته إلى الله، وكان الصّيام من بين الأعمال مضافا إلى الله؛ فإنّه من بين الأعمال، ناسب أن يختصّ هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه، المختصّ به، وهو الصّيام.
وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله : إنه إشارة إلى أنّ تحريمه إلى الله ليس لأحد تبديله، كما كانت الجاهلية يحلّونه ويحرّمون مكان صفر، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرّمه، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك ولا تغييره.
شهر الحرام مبارك ميمون … والصّوم فيه مضاعف مسنون
وثواب صائمه لوجه إلهه … في الخلد عند مليكه مخزون
الصّيام سرّ بين العبد وبين ربّه، ولهذا يقول الله تعالى: «كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به، إنّه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» (١).
وفي الجنة باب يقال له «الرّيّان» لا يدخل منه إلاّ الصائمون، فإذا دخلوا
стр. 60
أغلق فلم يدخل منه غيرهم (١)، وهو جنّة للعبد من النّار كجنّة أحدكم من القتال.
وفي «المسند» عن النبي ﷺ ، قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى بعّده الله من نار جهنّم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما» (٢). وفيه أن أبا أمامة قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: «عليك بالصّوم فإنّه لا عدل له»، فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رئي في بيتهم دخان بالنّهار علم أنه قد نزل بهم ضيف (٣).
وممن سرد الصوم عمر وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة، وخلق كثير من السّلف. وممن صام الأشهر الحرم كلّها ابن عمر والحسن البصريّ وغيرهما. قال بعضهم: إنما هو غداء وعشاء، فإن أخّرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين.
«للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه» (٤) إذا وجد ثواب صيامه مدخورا.
سمع بعضهم مناديا ينادي على السّحور في رمضان: ياما خبّأنا للصوّام،
стр. 61
فانتبه لذلك وسرد الصوم. وروي أنّ الصائمين توضع لهم مائدة تحت العرش، فيأكلون والناس في الحساب، فيقول الناس: ما بال هؤلاء يأكلون ونحن نحاسب؟ فيقال: كانوا يصومون وأنتم تفطرون. وروي أنّهم يحكّمون في ثمار الجنّة والناس في الحساب.
روى ذلك ابن أبي الدنيا في «كتاب الجوع». قال الله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقّة: ٢٤].
قال مجاهد وغيره: نزلت في الصّوّام. من ترك لله طعامه وشرابه وشهوته عوّضه الله خيرا من ذلك طعاما وشرابا لا ينفد، وأزواجا لا تموت.
في التوراة: طوبى لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الرّيّ الأكبر، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، طوبى لمن ترك طعاما ينفد في دار تنفد، لدار ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرّعد: ٣٥].
من يرد ملك الجنان … فليذر عنه التّواني
وليقم في ظلمة اللّي … ل إلى نور القران
وليصل صوما بصوم … إنّ هذا العيش فاني
إنّما العيش جوار … الله في دار الأمان
كان بعض الصالحين يكثر الصوم، فرأى في منامه كأنّه دخل الجنة، فنودي من ورائه: يا فلان، تذكر أنك صمت لله يوما قط؟ قال: إي والله، يوم ويوم ويوم، فإذا صواني النّثار قد أخذته يمنة ويسرة.
كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته، فمات فرئي بعض.
стр. 62
أصحابه في المنام، فسئل عن حاله، فقال:
قد كسي حلّة البهاء وطافت … بأباريق حوله الخدّام
ثم حلّي وقيل: يا قارئ ارقه … فلعمري لقد براك الصّيام
صام بعض التابعين حتى اسودّ من طول صيامه. وصام الأسود بن يزيد حتى اخضر جسمه واصفرّ، فكان إذا عوتب في رفقه بجسده يقول: كرامة هذا الجسد أريد. وصام بعضهم حتى وجد طعم دماغه في حلقه. كان بعضهم يسرد الصّوم، فمرض وهو صائم، فقالوا له: أفطر، فقال: ليس هذا وقت ترك. وقيل لآخر منهم وهو مريض: أفطر، فقال: كيف أفطر وأنا أسير لا أدري ما يفعل بي.
مات عامر بن عبد الله بن الزّبير وهو صائم ما أفطر. ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم وهو في النّزع، وهو صائم، فعرضوا عليه ماء ليفطر، فقال: أغربت الشّمس؟ قالوا: لا، فأبى أن يفطر، ثم أتوه بماء وقد اشتدّ نزعه، فأومأ إليهم: أغربت الشمس؟ قالوا: نعم، فقطّروا في فيه قطرة من ماء ثم مات. واحتضر إبراهيم بن هانئ صاحب الإمام أحمد وهو صائم، فطلب ماء، وسأل: أغربت الشمس؟ فقالوا: لا، وقالوا له: قد رخّص لك في الفرض وأنت متطوّع، قال: امهل، ثم قال: امهل، ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ [الصّافات: ٦١]، ثم خرجت نفسه وما أفطر.
الدنيا كلّها شهر صيام المتقين، وعيد فطرهم يوم لقاء ربّهم، ومعظم نهار الصوم قد ذهب، وعيد اللّقاء قد اقترب.
وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
ولما كان الصّيام سرّا بين العبد وربّه اجتهد المخلصون في إخفائه بكلّ طريق، حتى لا يطّلع عليهم أحد.
стр. 63
قال بعض السلف: بلغنا عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه من دهنه، حتى ينظر إليه الناظر فيظنّ أنه ليس بصائم. وعن ابن مسعود ﵁، قال: إذا أصبح أحدكم صائما فليترجّل، يعني يسرّح شعره ويدهنه؛ وإذا تصدّق بصدقة عن يمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلّى تطوعا فليصلّ داخل بيته. وقال أبو التّيّاح: أدركت أبي ومشيخة الحيّ، إذا صام أحدهم ادّهن ولبس صالح ثيابه.
صام بعض السّلف أربعين سنة لا يعلم به أحد؛ كان له دكّان، فكان كلّ يوم يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج إلى دكّانه، فيتصدّق بهما في طريقه، فيظنّ أهله أنه يأكلهما في السوق، ويظنّ أهل السوق أنه قد أكل في بيته قبل أن يجيء.
اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصّيام فكان يقوم يوم الجمعة في مسجد الجامع فيأخذ إبريق الماء، فيضع بلبلته في فيه ويمصّها والنّاس ينظرون إليه ولا يدخل حلقه منه شيء؛ لينفي عن نفسه ما اشتهر به من الصّوم.
كم يستر الصّادقون أحوالهم وريح الصّدق ينمّ عليهم.
ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.
كم أكتم حبّكم عن الأغيار … والدّمع يذيع في الهوى أسراري
كم أستركم هتكتموا أستاري … من يخفي في الهوى لهيب النّار
ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فكلّما اجتهد صاحبه على إخفائه فاح ريحه للقلوب فتستنشقه الأرواح، وربّما ظهر بعد الموت ويوم القيامة.
فكاتم الحبّ يوم البين منهتك … وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
لمّا دفن عبد الله بن غالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرئي في
стр. 64
المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد في قبره، فقال: تلك رائحة التلاوة والظّمإ.
وجاء في حديث مرفوع: «يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح صيامهم؛ أفواههم أطيب من ريح المسك» (١).
وهبني كتمت السّرّ أو قلت غيره … أيخفي على أهل القلوب السّرائر
أبى ذاك أنّ السّرّ في الوجه ناطق … وأنّ ضمير القلب في العين ظاهر
***
стр. 65
الفصل الثاني في فضل قيام الليل
وقد دلّ حديث أبي هريرة ﵁ هذا على أنه أفضل الصّلاة بعد المكتوبة.
وهل هو أفضل من السّنن الراتبة؟ فيه خلاف سبق ذكره. وقال ابن مسعود ﵁: «فضل صلاة اللّيل على صلاة النّهار كفضل صدقة السّرّ على صدقة العلانية» (١). وخرّجه الطبراني عنه مرفوعا، والمحفوظ وقفه.
وقال عمرو بن العاص: ركعة بالليل خير من عشر بالنّهار. خرّجه ابن أبي الدنيا. وإنما فضّلت صلاة الليل على صلاة النّهار؛ لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص.
كان السّلف يجتهدون في إخفاء تهجّدهم؛ قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زوّاره، فيقوم من الليل يصلّي ولا يعلم به زوّاره. وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت. وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة، فيبكي طول ليلته وهي لا تشعر. وكان محمد بن واسع يصلّي في طريق الحدّ طول ليله في محمله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه. وكان بعضهم يقوم من وسط الليل ولا يدرى به، فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن، يوهم أنّه قام تلك الساعة.
стр. 66
ولأن صلاة الليل أشقّ على النفوس؛ فإنّ الليل محلّ النّوم والراحة من التعب بالنهار؛ فترك النّوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة.
قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النّفوس، ولأنّ القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التّدبّر؛ فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمّل: ٦].
ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا، ولهذا كانت صلاة الليل منهاة عن الإثم، كما يأتي في حديث خرّجه الترمذيّ. وفي «المسند» عن أبي هريرة ﵁ أن النّبي ﷺ قيل له: إنّ فلانا يصلّي من الليل، فإذا أصبح سرق، فقال: «سينهاه ما تقول» (١).
ولأن وقت التهجّد في الليل أفضل أوقات التطوّع بالصّلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه، وهو وقت فتح أبواب السّماء واستجابة الدعاء، واستعراض حوائج السائلين.
وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته، فقال تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقال: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال:
стр. 67
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وقال لنبيّه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٦]. وقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وقالت عائشة ﵂ لرجل: «لا تدع قيام الليل؛ فإنّ رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض - أو قالت كسل - صلّى قاعدا» (١). وفي رواية أخرى عنها، قالت: بلغني عن قوم يقولون: إن أدّينا الفرائض لم نبال ألاّ نزداد، ولعمري، لا يسألهم الله إلاّ عمّا افترض عليهم، ولكنّهم قوم يخطئون بالليل والنّهار، وما أنتم إلا من نبيّكم، وما نبيّكم إلاّ منكم، والله ما ترك رسول الله ﷺ قيام الليل، ونزعت كلّ آية فيها قيام الليل.
فأشارت عائشة إلى أنّ قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان: الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، والتأسي به، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وتكفير الذنوب والخطايا؛ فإنّ بني آدم يخطئون باللّيل والنهار؛ فيحتاجون إلى الاستكثار من مكفّرات الخطايا، وقيام الليل من أعظم المكفرات، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «قيامك في
стр. 68
جوف الليل يكفر الخطيئة»، ثم تلا ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ الآية [السجدة: ١٦]. خرجه الإمام أحمد وغيره (١).
وقد روي أنّ المتهجّدين يدخلون الجنة بغير حساب. وروي عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق: سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الّذين كانوا يحمدون الله في السرّاء والضرّاء، فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الناس» (٢). خرّجه ابن أبي الدنيا وغيره. ويروي عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس ﵄ من قوله (٣). ويروى نحوه من حديث أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر مرفوعا، وموقوفا. ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصّامت، وربيعة الجرشيّ، والحسن، وكعب من قولهم.
قال بعض السلف: قيام الليل يهوّن طول القيام يوم القيامة، وإذا كان أهله يوم القيامة يسبقون إلى الجنّة بغير حساب، فقد استراح أهله من طول الموقف
стр. 69
للحساب. وفي حديث أبي أمامة وبلال مرفوعا: «عليكم بقيام اللّيل؛ فإنّه دأب الصّالحين قبلكم، وإنّ قيام الليل قربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للدّاء عن الجسد» (١). خرّجه الترمذي.
ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد، ويطرد عنه الدّاء.
وكذلك صيام النهار: ففي الطبراني، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا:
«صوموا تصحّوا» (٢). وكما أنّ قيام الليل يكفر السيئات، فهو يرفع الدّرجات، وقد ذكرنا أنّ أهله من السّابقين إلى الجنة بغير حساب.
وفي حديث المنام المشهور الذي خرّجه الإمام أحمد والترمذيّ: أن الملأ الأعلى يختصمون في الدّرجات والكفارات، وفيه أن الدّرجات: إطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، والصّلاة بالليل والنّاس نيام (٣). وفي المسند والترمذي وغيرهما، عن النبي ﷺ من وجوه: «إنّ في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وأنّها لأهل هذه الخصال الثلاثة» (٤).
стр. 70
وفي حديث عبد الله بن سلام المشهور المخرّج في السّنن: أنه أوّل ما سمع النبي ﷺ يقول عند قدومه المدينة: «يا أيّها الناس، أطعموا الطّعام، وأفشوا السّلام، وصلوا الأرحام، وصلّوا باللّيل والنّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام» (١).
ومن فضائل التهجّد: أن الله تعالى يحبّ أهله، ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعاءهم. روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدّرداء ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة يحبّهم الله ويضحك إليهم، ويستبشر بهم» (٢).
فذكر منهم الذي له امرأة حسناء وفراش حسن، فيقوم من الليل، فيقول الله: يذر شهوته فيذكرني، ولو شاء رقد؛ والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب، فسهروا ثمّ هجعوا، فقام من السّحر في سرّاء وضرّاء.
وخرّج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة يحبّهم الله» فذكر منهم: وقوم ساروا ليلهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به، فوضعوا رءوسهم، قام يتملّقني ويتلو آياتي (٣). وصححه الترمذي.
وفي «المسند» عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «عجب ربّنا من: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبّه إلى صلاته، فيقول ربّنا تبارك
стр. 71
وتعالى: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه من بين حبّه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي» (١) وذكر بقية الحديث.
وقوله: «ثار» فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم.
ويروى من حديث عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر؛ رجل قام من جوف الليل فأحسن الطّهور فصلّى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد، لو شاء أن يذهب لذهب» (٢).
وخرّجه ابن ماجه من رواية مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الله ليضحك إلى ثلاثة: الصفّ في الصّلاة، والرجل يصلّي في جوف الليل، والرجل يقاتل، أراه قال: خلف الكتيبة» (٣).
وروينا من حديث أبان، عن أنس، عن ربيعة بن وقاص، عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاث مواطن لا تردّ فيها دعوة: رجل يكون في برّية حيث لا يراه أحد، فيقوم فيصلي، فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربّا يغفر
стр. 72
الذنب، فانظروا ما يطلب، فتقول الملائكة: أي ربّ، رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له. ورجل يقوم من الليل، فيقول الله :
أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا، فقام عبدي هذا يصلي، ويعلم أن له ربّا، فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا، فتقول الملائكة:
يا رب، رضاك ومغفرتك، فيقول: اشهدوا أنّي قد غفرت له» (١). وذكر الثالث الذي يكون في فئة فيفرّ أصحابه ويثبت هو. وهو مذكور أيضا في كلّ الأحاديث المتقدّمة.
وفي «المسند» و «صحيح ابن حبّان» عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطّهور، وعليه عقد، فيتوضأ، فإذا وضّأ يديه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلّت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلّت عقدة. فيقول الربّ للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له» (٢).
وفي «الصحيحين» أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «نعم الرّجل عبد الله - يعني ابن عمر - لو كان يصلّي من الليل. فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا» (٣).
стр. 73
كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: «أرأيتم لو أنّ أحدكم أراد سفرا، أليس يتّخذ من الزّاد ما يصلحه ويبلّغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم، حجّوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يوما شديدا حرّه لحرّ يوم النّشور، صلّوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة (١) القبور، تصدّقوا بصدقة لشرّ يوم عسير» (٢).
أين رجال الليل، أين الحسن وسفيان وفضيل؟
يا رجال الليل جدّوا … ربّ داع لا يردّ
ما يقوم اللّيل إلاّ … من له عزم وجدّ
ليس شيء كصلا … ة اللّيل للقبر يعدّ
صلّى كثير من السّلف صلاة الصّبح بوضوء العشاء عشرين سنة، ومنهم من صلّى كذلك أربعين سنة. قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر. قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة، وتنعّمت به عشرين سنة أخرى، أفضل قيام الليل وسطه. قال النبيّ ﷺ : «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٣). وكان رسول الله ﷺ إذا سمع الصّارخ يقوم للصّلاة. والصّارخ: الدّيك، وهو يصيح وسط الليل.
وخرّج النسائي عن أبي ذر، قال: سألت النبيّ ﷺ : أيّ الليل خير؟ قال:
«جوفه» (٤). وخرّج الإمام أحمد، عن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : «أيّ
стр. 74
قيام الليل أفضل؟ قال: «جوف الليل الغابر، أو نصف الليل، وقليل فاعله» (١).
وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «جوف الليل الأوسط». قال: أيّ الدّعاء أسمع؟ قال: «دبر المكتوبات» (٢).
وخرّجه الترمذي والنسائي، ولفظهما «أنه سأله: أيّ الدّعاء أسمع؟ قال:
جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات» (٣).
وخرّج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أنه سمع النبيّ ﷺ يقول:
«أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (٤).
ويروى أن داود ﵇ قال: يا ربّ، أيّ وقت أقوم لك؟ قال: لا تقم أوّل الليل، ولا آخره، ولكن قم وسط الليل حتّى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إليّ حوائجك. وفي الأثر المشهور: كذب من ادّعى محبّتي، فإذا جنّه الليل نام عنّي، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه، فها أنا ذا مطّلع على أحبابي، إذا جنّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري، غدا أقرّ أعين أحبابي في جناني.
اللّيل لي ولأحبابي أحادثهم … قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
стр. 75
لهم قلوب بأسراري لها ملئت … على ودادي وإرشادي لهم طبعوا
سروا فما وهنوا عجزا ولا ضعفوا … وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا
ما عند المحبّين ألذّ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم، هو شفاء قلوبهم، ونهاية مطلوبهم.
كتمت اسم الحبيب عن العباد … وردّدت الصّبابة في فؤادي
فوا شوقا إلى بلد خليّ … لعلّي باسم من أهوى أنادي
كان داود الطائي يقول في الليل: إلهي! همّك عطّل عليّ الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق منّي اللذات، وحال بيني وبين الشهوات. وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإنّي لك محبّ، وإن ترحمني فإنّي لك محبّ.
لو أنّك أبصرت أهل الهوى … إذا غارت الأنجم الطّلّع
فهذا ينوح على ذنبه … وهذا يصلّي وذا يركع
من لم يشاركهم في هواهم وذوق حلاوة نجواهم، لم يدر ما الذي أبكاهم.
من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.
من لم يبت والحبّ حشو فؤاده … لم يدر كيف تفتّت الأكباد
كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدّنيا. وسط الليل للمحبّين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسّحر للمذنبين للاستغفار من ذنوبهم، فوسط الليل خاصّ لخلوة الخواصّ، والسّحر عامّ لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج، فمن عجز عن مسابقة المحبّين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن
стр. 76
مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم. صحائف التائبين خدودهم، ومدادهم دموعهم. قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم.
رسائل الأسحار تحمل ولا يدري بها الفلك، وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملك.
صحائفنا إشارتنا … وأكثر رسلنا الحرق
لأنّ الكتب قد تقرا … بغير الدّمع لا تثق
لا تزال القصص تستعرض وتوقّع عليها بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر. ينزل الله كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر. فلذلك كانوا يفضّلون صلاة آخر الليل على أوله.
نحن الذين إذا أتانا سائل … نوليه إحسانا وحسن تكرّم
ونقول في الأسحار هل من تائب … مستغفر لينال خير المغنم
الغنيمة تقسم على كلّ من حضر الوقعة، فيعطى منها الرجّالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة، وفازوا بالفخر، وحمدوا عند الصّباح السّرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر ممّا جرى.
كان بعض الصالحين يقوم الليل، فإذا كان السّحر نادى بأعلى صوته: يا أيّها الرّكب المعرّسون، أكلّ هذا الليل ترقدون؟ ألا تقومون فترحلون؟ فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم؛ فيسمع من هنا باك، ومن هنا داع، ومن هنا تال، ومن هنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: «عند الصّباح يحمد القوم السّرى».