← Сира

Сира · id 11450

مزاعم وأخطاء وتناقضات وشبهات بودلي في كتابه الرسول، حياة محمد دراسة نقدية

مهدي بن رزق الله أحمد

Полный текст (175 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مزاعم وأخطاء وتناقضات وشبهات بودلي في كتابه " الرسول ـ حياة محمد " دراسة نقدية إعداد: الأستاذ الدكتور / مهدي رزق الله أحمد أستاذ الدراسات الإسلامية بقسم الثقافة الإسلامية التعريف ببودلي وكتابه " الرسول ـ حياة محمد " هو المستشرق البريطاني R.V.C. BODLLY. التحق بالجيش البريطاني عام ١٩٠٨م، وتدرج في رتبه إلى أن وصل رتبة كولونيل. عمل في وحدة الجيش البريطاني بالعراق، ثم في شرقي الأردن عام ١٩٢٢م، ثم مستشاراً لسلطنة مسقط عام ١٩٢٤م. كان أول من عبر الربع الخالي، وكشف عن أسراره المجهولة بين عامي ١٩٣٠-١٩٣١م. عندما ترك الخدمة الحكومية ذهب ليعيش بين عرب الصحراء، لأنه -كما يقول في مقدمة كتابه- كان ضجراً من التعقيدات التافهة التي جاءت عقب الحرب العالمية الأولى، وبقي مع الأعراب سبع سنين، وسمع عن محمد الرجل الذي وحَّد حفنة من القبائل المتنافرة المتنافسة، وجعلهم دعامة إمبراطورية من أعظم إمبراطوريات العالم قوة، وسمع عنه أنه الرجل ذو القلب الحار الذي حَوَّل الوثنيين وعبدة الأصنام إلى مؤمنين صادقين، يؤمنون بإله واحد وباليقين وبالموت والبعث في الحياة الأخرى. هذا ما قاله في مقدمة كتابه: "الرسول". لم أقتنع بتحليل بودلي وسبب مجيئه من عاصمة الضباب –لندن- ليعيش سبع سنين مع بدو الصحراء. والراجح عندي -والله أعلم- أنه كان يقوم بمهام استخباراتية استعمارية تنصيرية لمصلحة التاج البريطاني، وهي ظاهرة معروفة في الدوائر الاستشراقية والاستعمارية والتنصيرية.

стр. 2

والمثال الأول على هذه الظاهرة: جون اسبنسر درمنجهام المستشرق البريطاني الذي أرسلته جمعيتان تنصيريتان بريطانيتان إلى إفريقية لدراسة مجتمعاتها الإسلامية وغيرها في إفريقية. وكان نتيجة عيشه وسط الشعوب الإفريقية كتابة مؤلفاته الكثيرة التي شملت معظم أنحاء إفريقية، أشهرها: الإسلام في غربي إفريقية، تاريخ الإسلام في غربي إفريقية، الإسلام في شمالي إفريقية، الإسلام في السودان، الإسلام في إثيوبيا، الإسلام في شرقي إفريقية، وأثر الإسلام في إفريقية. هذا ما كشفه لنا، أما التقارير السرية المبنية على دراساته المذكورة فذاك سر من أسرار المهنة لا يعطى إلا لمن انتدبه من أجله. والمثال الثاني: الرحالة والمستشرق الألماني زيتزن ZEETZEN، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم يدعى الحاج موسى، وتظاهر بأداء الحج عام ١٨٠٩م. والمثال الثالث: المستشرق السويسري الأصل والبريطاني بالتجنس بوركهارت، الذي اختلف الكتاب في إسلامه: أحقيقي أم ادعاء، تسمى بإبراهيم عبد الله، وأدى مناسك الحج مع المسلمين عام ١٨١٤م. والمثال الرابع: الرحالة الإسباني المستشرق دومينغو بديا، الذي اتخذ اسم علي بك العباسي ليزور مكة عام ١٨٠٧م. والمثال الخامس: المستشرق الإنجليزي السير ريتشارد برتون (١٨٢١ـ١٨٩٠م) ، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم ـ الشيخ عبد الله.

стр. 3

والمثال السادس: المستشرق الهولندي الشهير سنوك هرجرونيه (١٨٥٧- ١٩٣٦م) ، الذي ادعى الإسلام، وتسمى بعبد الغفار عام ١٨٨٤م، ومكث بمكة خمسة شهور، ولكن انكشف أمره قبل أن يشهد الحج مع المسلمين في ذلك العام. وعندما عاد بودلي من الصحراء، انقطع للدراسة والكتابة بصفة خاصة عن المنطقة التي عاش فيها. ومن مؤلفاته: "الرسول ـ حياة محمد "، وهو موضوع بحثنا هذا، و " عاصفة في الصحراء"، [Wind in the Sahara] ، و" دراما محمد الصحراوية ". ترجم كتابه "الرسول.." إلى العربية: محمد محمد فرج وعبد الحميد جودة السحار، عام ١٩٤٥م، في ٤٣٩ صفحة مع مقدمتين، وطبعته الإنجليزية في ٣٥٥ صفحة. ويتكون من أربعة وعشرين فصلاً، وخاتمة. ذكر في الخاتمة شيئاً يسيراً عن سير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي ﷺ وسراريه، وشرح بعض الكلمات الواردة في كتابه، مثل كلمة عبد وأبو وال وأمير وحج.. إلخ. وذكر في نهاية كتابه المراجع التي اعتمد عليها، وعددها ثمان وعشرون، ليس فيها من المراجع العربية سوى ثلاث ترجمات لمعاني القرآن الكريم، بأيدي مستشرقين، وعمل فهرساً للأعلام الوارد ذكرها في كتابه (١) .

стр. 4

أهداف البحث: لم يهتم مترجما كتاب بودلي بالتصحيح اللازم لأخطائه وشبهاته، لذا كان لزاماً على أحد أبناء الأمة الإسلامية أن يقوم بالتصحيح اللازم، ودحض شبهاته ومزاعمه، التي تشوه سيرة الرسول ﷺ ، وتخدم أهداف وأغراض أعداء الإسلام، ولا سيما أن الكتاب أصبح متداولاً بين الناس باللغتين: الإنجليزية والعربية. ومنه نسخة بالعربية وأخرى بالإنجليزية بمكتبة جامعة الملك سعود. وقد نَوَّه بالأخطاء الكثيرة في هذا الكتاب مختصون في دراسة الظاهرة الاستشراقية، ومثاله ما جاء في كتاب: " الإسلام والمستشرقون" تأليف نخبة من العلماء، (ص ٢٣٠) . "ومن نماذج كتب المستشرقين المليئة بالأخطاء والشبهات في سيرة الرسول ﷺ كتاب المستشرق (ز. ف. بودلي) ، الذي ترجم إلى العربية دون الاعتناء بإجراء التصحيح اللازم لأخطائه.." وما جاء في كتاب " المستشرقون " لنجيب العقيقي: ".. وقد آمن في مقدمة كتابه "الرسول" بسلامة العقيدة الإسلامية، وضلَّ من بعدُ في تفسير الزكاة والجنة والنار والقضاء والقدر". ودراسة مثل هذا الكتاب تبصر طلاب الحقيقة من المستشرقين المنصفين بحقائق الإسلام ومناهج المغرضين من المستشرقين في تناول سيرة الرسول ﷺ . وتبصر أبناء الأمة الإسلامية الذين ينخدعون بكتابات المستشرقين ويعتمدون عليها في أبحاثهم عن الإسلام وتاريخه وحضارته.

стр. 5

المقدمة: لا تخلو مقدمة بحث عن الاستشراق عامة أو عن مستشرق بعينه من ذكر أهداف الاستشراق ووسائله ودوافعه، المنحصرة في الأهداف والدوافع: الدينية والسياسية والاستعمارية والعلمية والتجارية والشخصية. وتجنباً للتكرار، فالراجح عندي من خلال سيرة بودلي أن الأهداف السياسية هي التي جاءت به ليعيش مع بدو صحراء الحجاز، ليقدم لبلاده المعلومات الاستخباراتية التي تريدها؛ لرسم سياستها الاستعمارية في هذه المنطقة الاستراتيجية؛ وذلك بدليل أن كتابات بودلي لا تحمل الطابع العلمي في أدنى مستوياته، والذي نلحظه في كتابات المستشرقين الذين استقى منهم معلوماته عن سيرة النبي ﷺ ؛ وبقائه تلك المدة الطويلة في البادية - سبع سنوات. لأن من يريد أن يكتب عن سيرة محمد ﷺ لا يحتاج إلى البقاء في مهد الإسلام هذه المدة، بل يحتاج إلى قضاء نحو خمس هذه المدة فقط، وقضاء أربعة الأخماس الباقية في المكتبات، حيث مصادر السيرة النبوية الأصلية. إن علاقة مثل هذه الشخصيات التي تعد استشراقية بدوائر الاستعمار، من الظواهر البارزة في تاريخ الاستشراق. ولعل الدور الاستعماري لبودلي بالذات هو دراسة حياة الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة وطبيعتهم وخصائصهم، وهل بالإمكان استعمارهم؟! ومعرفة الاتجاهات والحركات المناهضة للاستعمار في المناطق المجاورة في آسية وإفريقية. أما تفكير بودلي في تأليف الكتب التي أشرنا إليها عن هذه المنطقة، فهو كما يبدو مشروع لاحق، فكَّر فيه عندما رجع واستقر في بلاده، واستهوته شخصية محمد ﷺ التي وجد تأثيرها العميق في هذه المنطقة.

стр. 6

لقد اتبعت المنهج التحليلي في دراسة كتابه المذكور، إذ أوردت آراءه، ثم نقدتها في ضوء مصادر السيرة الأصلية. وإلى القارئ أبرز مزاعمه وأخطائه وتناقضاته وشبهه:

стр. 7

أبرز مزاعمه وأخطائه وتناقضاته وشبهه التشكيك في الوحي ... ١- التشكيك في الوحي: يزعم بودلي (١) أن محمدا ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة، ثم يبني على هذا الزعم أن القرآن من تأليف محمد ﷺ . جاء هذا في معرض كلامه على عمه أبي لهب وزوجته أم جميل، إذ يقول عن النبي ﷺ : "ولم يكن في استطاعته أكثر مما احتمل، ففارقه طبعه الكريم، فلعن عمه وزوجته في صوت عال واضح النبرات، وأضاف إلى اللعن أن أم جميل ستحمل حطب الجحيم. وقد وصف الجحيم وصفاً مروعاً، وقد عنى كل ما قاله، وجاءت هذه اللعنة فيما بعد في سورة (١٠١) من القرآن: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد:١] . ولما كان العرب بطبعهم قوماً يتطيرون، ولما كانت لعنة محمد في غاية من الحبكة والبلاغة، فقد انسحب أبو لهب وأم جميل من مجلسه، فانسحب القرشيون في أثرهم.. " (٢) . وجاء ذلك في معرض كلامه عن عطف زوجته خديجة عليه في مراحل الوحي الأولى، فيقول: ".. وإن هذا العطف قد دفع محمداً فيما بعد أن يكتب هذه الآيات كجزءٍ من القرآن: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا

стр. 8

وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى َلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى: ١ـ١١] (١) . وجاء في معرض كلامه على القرآن: "ولكَمْ حاسب نفسه لكي لا يكون في رسالته أثر لإنسان، فكان يفضل أن تكون الآيات التي يأتي فيها ذكر الله مبتدئة بـ ﴿قُلْ﴾ (٢) . ويقول: ".. وقد كتب محمد في السورة الثانية، ثم في السورة الخامسة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٦٩] " (٣) . ويقول أثناء كلامه عما دار من لغط حول أحداث نتائج سرية عبد الله بن جحش - سرية نخلة -: ".. فلما هدأت الضجة الأولى، لجأ إلى شيء كان يفعله كلما وجد حرجاً، وهو أنه يوحى إليه، وأن هذا الوحي يحمل إليه رأي الله في الأمر الذي يقلق رسوله، قال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية" [البقرة: ٢١٧] (٤) .

стр. 9

ويقول في تحليلاته لحديث الإفك: ".. وعرف محمد أنه الوحيد الذي يلام، فإن الفضيحة ستستمر ما دام مترددا، فمن واجبه أن يحكم ببراءة عائشة أو إدانتها، فقام بعمل حاسم كما هي عادته في المعارك.." (١) . ويصور عقوبة الإفك بأنها تشريع من محمد، فيقول: "فلما انتهى أمر تنفيذ العقوبة التي شرعها الآن في حسان وحمنة ومسطح، وكان مسطح صديقاً لأبي بكر (٢) ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة" (٣) . وقال عن مسألة حرمة الزواج من الوثنيات وجوازه من الكتابيات: "وأكد ذلك محمد في القرآن بقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ " [المائدة: ٥] (٤) . ويقول في معرض كلامه على جمع القرآن: ".. فلما جمع زيد كل كلمة كتبها محمد.." (٥) ، و: "لقد عمل زيد بإخلاص لا يمكن تصوره حتى إنه لما انتهى من نشر القرآن، كان الكتاب من عمل مؤلفه خالصاً، ومؤلفه فقط" (٦) . ويعني بمؤلفه هنا الرسول محمد ﷺ .

стр. 10

لولا كثرة ترديده مزاعم نسبة تأليف القرآن إلى الرسول ﷺ لقلنا إنه ربما يعني في هذه العبارة أن المؤلف المعني هنا هو الله . وقال عند كلامه على غزوة تبوك: ".. وكان يعلق على أقوال هؤلاء الذين جاؤوا إليه يعتذرون في سخرية جارحة. قال للذين اعتذروا بحرارة شمس جزيرة العرب في الصيف: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾ [التوبة: ٨١] " (١) . ويقول أثناء مزاعمه حول الإسراء والمعراج: "..وإن كل ما جاء فعلاً عن هذه الرحلة الإلهية على لسان محمد، هو ما ذكر في سورة الإسراء.." (٢) . ويقول عند تعرضه وتحليله لأحداث غزوة حنين: ".. فكتب في السورة التاسعة عشرة.." (٣) . ويقول في فصله الذي عقده عن القرآن: "وقد كتب محمد القرآن بمفرده، وقد استغرق ذلك منه ما يقرب من عشرين سنة.." (٤) .ويقول: "..وضع محمد قوانين محكمة للطلاق..وقد ختم ضرورة معاملة المطلقة معاملة عادلة: ففي السورة الثانية من القرآن نجد: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٢٩] " (٥) .

стр. 11

ويقول في أثناء كلامه على محمد ﷺ في قومه: ".. وقلما فكرت فيه كمؤلف للقرآن.." (١) . ومن أقواله الدالة كذلك على تشكيكه في الوحي، قوله عن القرآن الكريم عند تقديمه لكتابه هذا: ".. إنه انعكاس هذا الفكر الثاقب.." (٢) . وحقيقة الوحي عنده مجرد احتمال، إذ يقول في معرض الكلام عن نقاط التشابه بين محمد وعيسى ﵉: "فقد كانا يعتقدان اعتقاد اليقين أن الله يوحي إليهما، ومن المحتمل أن يكون ذلك صحيحاً" (٣) . ويقول مرة عن موضوعات القرآن الكريم: ".. ربما كانت جميعها وحياً سماوياً" (٤) . ويقول مرة أخرى عنها: ".. وإنها لتعطي فكرة عن نوع العقل الذي كان يتمتع به محمد، وإنها لتجعل المرء يعجب كيف عرف كل هذا، ومتى فكر في كل هذا، وأين تعلم نظم الشعر المرسل الرنان؟ " (٥) . وتلاحظ في هذه العبارة أنه يردد زعم كفار قريش بأن القرآن شعر، كما في الآيات ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . و: ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ

стр. 12

مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] . و: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] . وقد رد الله عليهم في هذا بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤١] . و: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] . إن الزعم بأن محمدا ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة، وأنه هو مؤلف القرآن الكريم، مما ردده كثير من المستشرقين. وواضح أن بودلي قد تأثر بأشد أساتذته تعصباً ضد الإسلام، وهو المنصر المستشرق هنري لامنس، الذي أفردنا له بحثاً عن افتراءاته على السيرة النبوية، وآخر عن افتراءاته على التاريخ الإسلامي. والغريب في الأمر أن شيخه آرفنج لم يتعرض لمسألة معرفة محمد ﷺ القراءة والكتابة، وأن شيخه درمنجهم أقر بأن أبا طالب حين كفل محمداً بعد وفاة جده، لم يكن غنياً، وكذا لم يتح له تعليم الصبي الذي بقي أمياً طوال حياته (١) . وقبل أن نخوض في الكلام لدحض هذه المزاعم والافتراءات، نقرر حقيقة واضحة هي أن بودلي متناقض في مزاعمه مثل غيره من كثير من المستشرقين المغرضين، فهو يقول –مثلا- عن القرآن الكريم: ".. فبين أيدينا الآن كتاب معاصر، فريد في أصالته وفي سلامته، لم يشك في صحته كما أنزل أي شك جدِّي" (٢) . ويقول: "إن ورقة بن نوفل قد مات قبل أن يبدأ محمد في تدوين

стр. 13

ما أوحى به إليه جبريل، وقبل أن يبدأ محمد في تنسيق القرآن بكثير" (١) . ويقول في ثنايا كلامه عن المنافقين في غزوة تبوك: "فقد نزل الوحي يتبعه الوحي في القرآن" (٢) . ويقول: "ينفرد محمد في تاريخ الديانات بأنه كان يوحى إليه جميع ما كان يفعله.." (٣) . وعلى الرغم من تناقض بودلي في موقفه من القرآن الكريم، فهو يتهم القرآن بالتناقض حين قال عنه:".. فهو أحياناً غير فني، ويناقض نفسه.." (٤) . فهو يردد هنا بلا وعي فرية أسلافه من مشركي مكة، ويهود المدينة. فقد جاء في كتب التفسير المعتمدة أن سبب نزول قول الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] . و: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] ، أن المشركين قالوا: ألا ترون محمداً، يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً يرجع عنه غداً. ما هذا إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً (٥) .

стр. 14

لا يخفى على أحد من طلاب العلم أن زعم بودلي وغيره من المستشرقين المغرضين بأن محمداً لم يكن أمياً، الغرض منه الوصول إلى الطعن في الوحي، أصل العقيدة والشريعة الإسلامية، أو التشكيك فيه، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه ليقول من شاء إنه من وضع محمد وليس من الله. إن أول من أثار هذه الفرية أو الزعم هم كفار مكة، الذين استخدموا شتى الوسائل والأساليب لمحاربة الرسول ﷺ ، والتشكيك في رسالته وفي شخصه. وفي القرآن الكريم ردٌّ لكل مزاعمهم. ومما قاله سبحانه بشأن معرفة الرسول ﷺ القراءة والكتابة: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨- ٤٩] . وتواترت أقوال المفسرين من الصحابة ﵃ والتابعين على أن الله قد نفى عن نبيه محمد ﷺ صفة القراءة والكتابة في هذه الآية المحكمة (١) . ووصف الله رسوله ونبيه محمداً ﷺ بأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، مثل ما جاء في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ

стр. 15

بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧] . وفي قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . ورويت أحاديث وآثار تدل على أمية الرسول ﷺ . فمن الأحاديث، قوله ﷺ : "إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد،.." (١) ، وقوله: "أنا محمد النبي الأمي ـ قالها ثلاثاً ـ ولا نبي بعدي.." (٢) . ورحب به موسى ﵊ في خبر الإسراء والمعراج، قائلاً له: "مرحباً بالنبي الأمي" (٣) . ومن الآثار المروية بهذا الشأن، قول علي ﵁: "والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ ألاّ يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق" (٤) . وتجدر الإشارة هنا إلى أنه روي أثر يدل على نفي أمية الرسول ﷺ ، فرح

стр. 16

به المستشرقون والمتفيهقون، وهو من رواية ابن أبي شيبة وغيره، ولفظه: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ"، وهو أثر موضوع كما حققه الشيخ الألباني (١) . واستدل بعض العلماء بعبارات وردت في بعض أحداث السيرة النبوية، فسروها على غير حقيقتها، على أن الرسول ﷺ عرف الكتابة والقراءة في أواخر سني عمره. ولما لم يُثر بودلي هذه المسألة، فقد آثرنا عدم الخوض فيها. ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الكتابات التي ردت عليهم، من ذلك كتاب الأستاذ علي شواخ إسحاق: "ماذا حول أمية الرسول ﷺ " وكتاب الدكتور قحطان عبد الرحمن بن علي: "الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر". أما الأدلة النقلية والعقلية التي تدحض مزاعم بودلي ومن دار في فلكه المتعلقة ببشرية القرآن الكريم فقد ذكرناها في بحثنا الآخر الموسوم بـ" افتراءات المستشرق هنري لامنس على السيرة النبوية".

стр. 17

٢- الزعم بأن زيد بن حارثة كان نصرانياً وقبيحاً، تأثر به محمد: يقول بودلي (٢) : "وكان زيد بن حارثة نصرانياً، اختطفه قريب لخديجة في غارة على الشام.. وكان زيد شديد السمرة، قبيح الشكل..".

стр. 18

في هذا النص عدة مزاعم أو أخطاء تابع فيها بودلي غيره من المستشرقين استناداً إلى روايات لا تثبت أمام الحقائق التاريخية المقبولة. فهل كان زيد نصرانياً كما يزعم بودلي؟ لقد تبنى فرضية نصرانية زيد مستشرقون آخرون من قبل ومن بعد بودلي، أشهرهم كايتاني (١) ، شيخ المستشرق الفرنسي المشهور هنري لامنس، الذي تبنى فرضية شيخه، ليزعم أن محمداً تأثر بزيد، أي أخذ عنه مبادئ النصرانية ليضيفها إلى مصادره المكونة لإسلامه (٢) ، والراجح عندي أن بودلي أخذ هذه الفرضية عن شيخه لامنس في كتابه: "جمهور مكة التجارية"، لأنه من بين مراجعه التي ذكرها. ولمزيد من الأدلة على دوران فرضية نصرانية زيد في كتابات المستشرقين، اقرأ مادة زيد بن حارثة في دائرة المعارف الإسلامية - النسخة الإنجليزية القديمة (٣) - بقلم المستشرق ف. قاكا. وما يمكننا قوله باختصار شديد هو أنه لم تَرِدْ رواية قوية أو ضعيفة في مصادر تاريخنا الإسلامي الموثوقة تشير من قريب أو بعيد إلى أن زيداً كان نصرانياً (٤) . ولا يعدو الأمر كونه فرضية استنتجها المستشرقون من الشواهد

стр. 19

التي تشير إلى وجود نصارى من قبيلة كلب التي ينتمي إليها والد زيد، ومن قبيلة طيئ التي تنتمي إليها والدة زيد (١) . وهل اختطف زيداً قريب لخديجة في غارة على الشام؟ المعروف في مصادر التاريخ الإسلامي الموثوقة أن سعدى بنت ثعلبة بن عامر، والدة زيد بن حارثة بن شرحبيل بن عبد العزى بن امرئ القيس، زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على منازل بني معن، رهط سعدى، فاحتملوا زيداً وهو يومئذ غلام يافع، فوافوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له (٢) . وهكذا تظهر لنا منهجية بودلي في التعامل مع حقائق تاريخنا الإسلامي والجهل أو التزييف واضحة في هذه المسألة، مما يغني عن الإطالة. وهل كان زيد شديد السمرة قبيح الوجه كما يزعم بودلي؟! تذكر مصادرنا الحديثية والتاريخية المعتمدة أنه لم يكن كما وصفه بودلي. فقد قال أبو داود (٣) : وسمعت أحمد بن صالح يقول: كان أسامة بن زيد أسود شديد السواد مثل القار، وكان زيد والده أبيض من القطن. وفي رواية: كان

стр. 20

أسامة أسود وكان زيد أبيض (١) . وروى البخاري ومسلم (٢) ، من حديث عائشة ﵂، قالت: "إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تريْ إلى مُجزَّز نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض". وفي رواية: ".. ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل عليَّ فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٣) . قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة، لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي ﷺ بذلك لكونه كافًّا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك. وقد أخرج عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن أم أسامة، وهي أم أيمن مولاة النبي ﷺ كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود. وقد وقع في الصحيح عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي ﷺ ، ويقال كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطلب، فوهبها

стр. 21

لعبد الله، وتزوجت قبل زيد عبيد الحبشي، فولدت له أيمن، فكنيت به.. قال القاضي عياض: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة، لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود. قلت - أي ابن حجر -: يحتمل أنها كانت صافية، فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك (١) . قلت: فما دام قد ثبت أن أم أيمن كانت من أصل حبشي، فهذا يعني عدم استبعاد أن يكون سواد بشرة أحد أجدادها من جهة الأم أو الأب مثل سواد الحفيد أسامة. وهذا أمر ملاحظ ومعروف جداً في إفريقية، وبخاصة في المناطق التي اختلطت فيها أعراق العرب بأعراق الزنوج أو الحاميين الأفارقة، مثلما في السودان. وهذا من بدهيات علم الوراثة أو الجينات. وبذلك لا حجة لمن يستنكر شدة سواد بشرة أسامة. إن الذي يهمنا من هذا كله أن زيداً لم يكن شديد السمرة قبيح الوجه كما يزعم بودلي وغيره، بل الذي كان شديد السمرة ابنه أسامة ﵁، لأن أم أسامة ﵁ كانت حبشية. ويبدو أن بودلي اعتمد على أساتذته المستشرقين الذين اعتمدوا على رواية الواقدي عند ابن سعد (٢) ، حيث يقول: "وكان زيد رجلاً قصيراً آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس". وربما أخذ هؤلاء رواية الواقدي بطريق غير مباشر، وبخاصة من ابن عبد البر (٣) .

стр. 22

والواقدي لا يحتج به، فهو "متروك مع سعة علمه" كما يقول ابن حجر في التقريب (١) . ومن العيب المنهجي الواضح الاحتجاج بالروايات الضعيفة جداً مع وجود الروايات الصحيحة. ولو افترضنا جدلاً أن زيداً كان كما وصف بودلي وغيره استناداً إلى رواية الواقدي، فإن في هذا دليلاً من الأدلة الكثيرة على عظمة الرسول ﷺ الذي أحبه هو وابنه أسامة وهما بهذا الشكل. فقد عرف زيد بأنه حِبُّ رسول الله ﷺ وكذلك ابنه أسامة. روى البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما (٤) أن الرسول ﷺ عندما أمَّر أسامة على الجيش الذي أمر بتجهيزه في مرض وفاته، طعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل [يعني عندما أمره على سرية مؤتة] ، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده". وآخى الرسول ﷺ بينه وبين عمه حمزة، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر في سرية مؤتة (٥) .

стр. 23

٣- زعمه أن مراعي ديار بني سعد كانت خصبة ممتدة (١) : إن هذا القول من بودلي ليس صحيحاً على إطلاقه، وذلك بدليل أن السنة التي قدمت فيها المرضعات البدويات إلى مكة وأخذت فيها حليمة السعدية محمداً ﷺ لترضعه، كانت سنة شهباء، كما قالت حليمة السعدية (٢) أي سنة جدب وقحط، لأن الأرض تكون فيها بيضاء. وقالت كذلك: "ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها". وكان من بركات الرسول ﷺ عليها ـ كما روت ـ أن أغنامها تجد ما تأكله من العشب فتشبع وتحلب كثيرا بينما أغنام الآخرين لا تجد ما تأكله، فترجع جوعى، وليس في ضرعها قطرة لبن لإنسان. ففي هذا الخبر دليل على أن مراعي بني سعد لم تكن خصبة ممتدة كل عام كما يزعم بودلي، وبخاصة العام الذي قدم فيه الرسول ﷺ إليهم مسترضعاً. ولأن بودلي وغيره من المستشرقين لا يؤمنون بالمعجزات والكرامات والبركات والخوارق (٣) ، فنراهم لا يأبهون لها ولو ثبتت بنص قرآني.

стр. 24

٤- زعمه تحرك غرائز الرسول ﷺ الجنسية في أواخر أيامه: يزعم بودلي (١) أن غرائز الرسول ﷺ الجنسية كانت خامدة، ثم تحركت في أواخر أيامه. وهذا الزعم في أصله لشيخه إميل درمنجهم (٢) ، ونصه: "شعر محمد في العقد الأخير من عمره بميل كبير إلى النساء..". يستنتج بودلي ومشايخه من المستشرقين (٣) مثل هذه المزاعم من حقيقة تعدد زوجات الرسول ﷺ بعد وفاة خديجة ﵂، حيث كان عمره حينها خمسين عاماً. ولو كان هؤلاء موضوعيين أو منصفين لنظروا أولاً في سيرة كل واحدة من زوجاته والظروف والبواعث التي أحاطت بزواجه من كل واحدة منهن، قبل أن يروِّجوا لتلك المزاعم. وهذا ما فعلناه في كتابنا "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٤) ". وخلاصة ذلك: (١) زواجه ﷺ من خديجة بنت خويلد ﵂: إن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج – كغيره – هو عدم اهتمام الرسول ﷺ بأسباب المتعة الجسدية، بدليل أنها كانت أكبر منه سناً بخمس عشرة سنة، ولم يتزوج عليها إلا بعد وفاتها عن خمس وستين سنة، وكان

стр. 25

عمره حين وفاتها خمسين عاماً، وكانت ثيباً عندما تزوجها، إذ تزوجت بعتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له بنتاً، وتزوجت أبا هالة بن النباش التميمي، فولدت له ابنها هنداً وبنتاً. وكانت هي التي سعت للزواج من الرسول ﷺ (١) . (٢) زواجه ﷺ من سودة بنت زمعة: كانت من المؤمنات المهاجرات إلى الحبشة في سبيل الله مع زوجها السكران بن عمرو، الذي توفي عنها، فخشي النبي ﷺ أن يبطش بها قومها الكفار لعدم رضائهم بهجرتها، فتزوجها على الرغم من كبر سنها (٢) ، وعندما طعنت في السن، وذهبت حاجتها في الفراش، خشيت أن يطلقها الرسول ﷺ وتحرم بذلك من الحشر في أزواجه، وهبت ليلتها لعائشة ﵂ (٣) . (٣) زواجه ﷺ من عائشة بنت أبي بكر ﵄: رأى رسول الله ﷺ في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن رجلاً يحملها إليه في قطعة بيضاء من جيد الحرير، قائلاً: (هذه امرأتك) ، فيكشف فيراها، فيقول: "إن كان هذا من عند الله يمضه. (٤) " وكفى بهذا دليلاً على انتفاء

стр. 26

الشهوانية، ولم يتزوج بكراً غيرها (١) ، وكان لوالدها دور كبير في نصرة الإسلام، فحرص الرسول ﷺ في مصاهرته لتوثيق عرى المحبة بينهما. (٤) زواجه ﷺ من حفصة بنت عمر ﵄: تزوجها للحكمة ذاتها التي تزوج من أجلها عائشة وسودة ﵄، وإضافة إلى رغبته في تخفيف حزنها لفقد زوجها خُنَيس بن حذافة البدري وصاحب الهجرتين (٢) ، الذي استشهد نتيجة جراح يوم أحد (٣) ، وحزن والدها لحزنها، فعرضها والدها عمر ﵁ على صاحبيه أبي بكر وعثمان ﵄، فاعتذر الثاني وسكت الأول لعلمه برغبة النبي ﷺ في مواساتها بالاقتران بها (٤) ، وعندما طلقها الرسول ﷺ أتاه جبريل ﵇، وقال له: "راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة" (٥) . (٥) زواجه ﷺ من زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂: قيل: إن زوجها عبيدة بن الحارث استشهد يوم بدر (٦) ، وقيل: إنه عبد الله ابن جحش الذي استشهد يوم أحد (٧) ، وكانت قبلهما تحت الطفيل بن

стр. 27

الحارث بن عبد المطلب، فطلقها (١) ، وقيل: كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث (٢) . ودعيت في الجاهلية بأم المساكين لرحمتها بهم (٣) . إن امرأة تعاقب عليها هذا العدد من الأزواج، وما عرف عنها من الصلاح والرأفة على المساكين، لجديرة بتكريم الرسول ﷺ لها بالزواج. (٦) زواجه ﷺ من أم سلمة المخزومية ﵂: كانت من شهيرات المجاهدات يوم أحد والحديبية، والمهاجرات إلى الحبشة والمدينة. استشهد زوجها إثر إصابة يوم أحد، وترك لها أربعة من الذرية، فأراد الرسول ﷺ أن يواسيها بجبر مصابها ورعاية أيتامها. (٧) زواجه ﷺ من جويرية بنت الحارث ﵄: كانت من بين سبايا غزوة بني المصطلق، وهي ابنة زعيم القوم الحارث ابن أبي ضرار، فتنازل له عنها من وقعت في سهمه، فأعتقها وتزوجها ترغيباً لأبيها وقومه في الإسلام، فكان أن جاء والدها مسلماً وأسلم معه قومه، وإكراماً لمصاهرة الرسول ﷺ قومها أعتق المسلمون سبي قومها.

стр. 28

(٨) زواجه ﷺ من زينب بنت جحش ﵂: هي ابنة أميمة، عمة الرسول ﷺ ، زوجها الرسول ﷺ لمولاه زيد بن حارثة، الذي أعتقه وتبناه، وأراد الله أن يطلقها ليتزوجها النبي ﷺ لإبطال عادة التبني، ونزل في هذا قرآن كما في الآية: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (١) [الأحزاب:٣٧] . (٩) زواجه ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄: هاجرت إلى الحبشة، فارتد زوجها هناك، فأراد الرسول ﷺ أن يكرمها لثباتها، ولكيلا يشمت بها الكفار، على رأسهم والدها، الذي كان يتزعم معارضة الدعوة الإسلامية بضراوة، وأراد ﷺ أن يكسر حدة عداوة والدها وقومه بني أمية (٢) . (١٠) زواجه ﷺ من صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية: كان في زواجه منها ذات الحكمة في زواجه من جويرية ﵂؛ فهي ابنة زعيم يهودي، مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضد الرسول ﷺ (٣) ، فكان لا بد من أن تكون من الصفي بإثر سقوط خيبر، ليتزوجها، فيكسر ذلك حدة عداوة اليهود، وإعطاء الدليل العملي على نفي تهمة العنصرية ضد اليهود.

стр. 29

(١١) زواجه ﷺ من ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂: كان عمه العباس حريصاً على هذا الزواج، لمعرفته بتقواها، فهي أخت زوجته أم الفضل (١) ، ومما يدل على تقواها قول ضرتها عائشة ﵂: "أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم" (٢) . وفي الاقتران بمثلها تحبيب لقومها في الإسلام. (١٢) تسرّيه ﷺ مارية القبطية: أهداه إياها مقوقس مصر، فقبلها (٣) حرصاً على ترغيب القبط في الإسلام، وعندما ولدت له ابنه إبراهيم أعتقها، وقال في هذا: "أعتقها ولدها" (٤) . وأصبح هذا الحديث من أدلة الحكم الفقهي في أمهات الأولاد (٥) . (١٣) زواجه ﷺ من ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة: قيل إنها من بني النضير، وقيل من قريظة، اصطفاها لنفسه فأعتقها وتزوجها (٦) . ويقال عن حكمة زواجه منها ما قلناه عن حكمة زواجه من صفية وجويرية ومارية. إن هذا الإصهار من قبائل شتى وأعداء ألداء يحمل في طياته حكمة بالغة

стр. 30

يعرف قريباً منها المستشرقون من تاريخ ما عرف بالزواج الدبلوماسي في تاريخ الأسر المالكة في التاريخ الغربي وغيره.

стр. 31

٥- الزعم بأن النبي ﷺ كان فاشلاً في التجارة: يزعم بودلي (١) أن الرسول صلى الله عليه وسلملم يكن من أمراء التجارة، وأنه كان فاشلاً فيها. وينقض بودلي هذا الادعاء في مكان آخر من كتابه، فيقول:"عرف محمد بالأمانة والجد، فما تخطى الخامسة والعشرين من عمره حتى كان من أكبر تجار القوافل وأنشطهم غربي بلاد العرب، فعهد إليه كثيرون غير عمه بأمر تجارتهم.." (٢) . ويعتدل أحياناً فيقول: "ولم يجمع مالاً كثيراً لنفسه، فقد كان يعمل أجيراً، ويتقاضى نصيباً من الأرباح، وعلى الرغم من ذلك لم يصبح غنياً، وما أثرت المادة في نفسه.." (٣) . إن هذا التناقض في كلام بودلي يدل دلالة واضحة على عدم فهمه لطبيعة شخصية محمد ﷺ . فمن أول مفاتيح شخصية النبي محمدصلى الله عليه وسلم التجارية هو أنه كان يكسب المال وينفقه في أوجه الخير؛ لأن روحه كانت فوق الماديات الأرضية، فهو غني النفس طوال حياته، حتى عندما فتح الله له أبواب الرزق من كل مكان..وقد جاءته الأموال من كل مكان من دولته، فكان يوزعها في

стр. 32

أبوابها الشرعية التي حددها الله على الفور. وقصته مع زوجاته في أمر الإنفاق مشهورة وثابتة بالقرآن وصحيح السنة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.

стр. 33

٦- يزعم أن أتباع محمد ﷺ كانوا في الغالب من التجار المخفقين (١) : لم يكن أتباع محمد ﷺ كما يزعم، بدليل سير أصحابه الكبار الذين كانوا تجاراً، أمثال: أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف. فمثلاً: أبوبكر ﵁ كان تاجراً ناجحاً، ولكنه كذلك أنفق كل ماله في سبيل الله، كما هو مشهور معروف مذكور في المصادر التاريخية الموثوق بها. فهو الذي قال عنه الرسول ﷺ : "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر"، فبكى أبوبكر ﵁ عندما سمع هذا الحديث، وقال: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله" (٢) . وأعتق من ماله مجموعة من الأرقاء (٣) لوجه الله، منهم بلال (٤) .

стр. 34

ومن المشهور الذي روي عنه أنه خرج بنفسه وكل ماله في سبيل الله عندما أراد الهجرة إلى المدينة (١) . وروي أن عائشة ﵂ قالت: "فخرت بمال أبي في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية ـ وفيه ـ فقال النبي ﷺ : "اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع" (٢) . وقال ابن حجر (٣) في الإصابة:"وأخرج أبو داود في الزهد بسند صحيح عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أسلم أبوبكر وله أربعون ألف درهم، وقال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك ديناراً ولا درهماً"، وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبوبكر وله أربعون ألفاً فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس. والغريب أن بودلي (٤) يناقض نفسه حين قال عن أبي بكر: إنه كان من أصحاب الملايين في مكة. ثم إن إميل درمنجهم (٥) ـ أحد مراجع بودلي

стр. 35

الرئيسة - يقول إن أبابكر كان من ذوي الغنى واليسار بما قام به من التجارة. وهكذا يتضح لنا أن بودلي يناقض نفسه في المسألة الواحدة وينتقي من مصادره المعلومات التي تساعده على فكرته، وهو منهج يتبعه كثيراً غلاة المستشرقين (١) . وكان عمر بن الخطاب ﵁ تاجراً ناجحاً، ولكن بعد إسلامه أصبح مضرب الأمثال في الزهد كذلك. فقد ثبت أنه أراد أن يسابق أبابكر في التصدق، عندما حثهم الرسول ﷺ على الصدقة، فجاء بنصف ماله للرسول ﷺ صدقة، وجاء أبوبكر بكل ماله، ولذا أقسم عمر ﵁ ألا يسابق أبابكر إلى شيء بعد هذا (٢) . وتصدق بمائة أوقية لتجهيز جيش غزوة تبوك (٣) . وكان عثمان بن عفان ﵁ تاجراً ناجحاً، ويكفي ما رواه البخاري (٤) والترمذي (٥) وغيرهما من أنه جهز جيش العسرة، جيش غزوة تبوك. وروى أحمد (٦) والترمذي (٧) والحاكم (٨) أن رسول الله ﷺ قال عن عثمان في ذلك اليوم: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" (٩) . وأخباره في الإنفاق في سبيل

стр. 36

الله وعلى أقاربه وأرحامه كثيرة، تجدها مبسوطة في كتب مناقب الصحابة التي أشرنا إليها في الحواشي، وذكرنا بعضها حين الكلام عن إنفاقه يوم تبوك في كتابنا السيرة النبوية.. (١) . وكان طلحة بن عبيد الله ﵁ تاجراً ناجحاً، ولكنه أيضاً كان سخياً. ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد (٢) من أن طلحة باع أرضاً له [من عثمان] (٣) بسبعمائة ألف، فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقاً من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه. روى ابن سعد (٤) عدة آثار تدل على كثرة ماله وجوده وسخائه، كلها من طريق شيخه الواقدي، ما عدا الرواية المذكورة آنفاً، أي التي فيها أنه باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف، ورواية أخرى من حديث الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة ذات يوم، فقلت: مالي أراك، أرابك شيء من أهلك فَنُعْتِبَ؟ قال: نعم، حليلة المرء أنت، ولكن عندي مال قد أهمني أو غمني، قالت: اقسمه. فدعا جاريته، فقال: ادخلي عليَّ قومي. فأخذ يقسمه، فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف (٥) .

стр. 37

وروى المحب الطبري (١) كذلك آثاراً في كثرة ماله وجوده، منها ما ذكرناه من مصادر أخرى، ومنها ما لم نذكره، فليراجع لزيادة الفائدة. ورحم الله من قال: لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم ... الجود يُفْقر والإقدامُ قَتَّال وعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض لكثرة إنفاقه في سبيل الله (٢) . قال ابن عبد البر (٣) : إن طلحة اشترى مالاً بموضع يقال له بيسان، فقال رسول الله ﷺ : "ما أنت إلا فياض"، فسمي الفياض. وروى أبو نعيم (٤) أن طلحة نحر جزوراً وحفر بئراً يوم ذي قرد، وسقاهم، فقال النبي ﷺ : "يا طلحة الفياض"، فسمي طلحة الفياض. وروى المتقى الهندي (٥) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن طلحة بن عبيد الله ابتاع بئراً بناحية الجبل، وأطعم الناس، فقال الرسول ﷺ : "يا طلحة الفياض" (٦) .

стр. 38

وروى ابن سعد (١) والطبراني (٢) وابن عساكر (٣) وأبو نعيم (٤) من حديث قبيصة بن جابر، قال: "صحبت طلحة فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسالة منه". وكان الزبير بن العوام تاجراً ناجحاً. قال ابن عبد البر (٥) : كان الزبير تاجراً مجدوداً (٦) في التجارة، فقيل له يوماً: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيباً، ولم أرد ربحاً، والله يبارك لمن يشاء. ويروى أنه كان له ألف مملوك يؤدون الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم درهم (٧) . وروى أبو نعيم (٨) أن الزبير ترك أربع نسوة [حين استشهد يوم الجمل] فورثت كل امرأة منهن ربع الثمن ألف ألف درهم، وخلَّف عشرين ولداً: عشرة ذكوراً، وعشرة إناثاً. وكان كريماً جواداً، ينفق من ماله على أبناء أصحابه الذين يوصونه بهم،

стр. 39

وممن أوصى إليه: عثمان والمقداد وابن مسعود وابن عوف ومطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع (١) . ومن هؤلاء من كان من أثرياء تجار الصحابة، وهم: عثمان وابن عوف وأبو العاص بن الربيع. وروى المحب الطبري (٢) أن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ : من كان أكرم الناس على عهد رسول الله ﷺ ؟ قالوا: الزبير وعلي ﵄. وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور في صحيح البخاري (٣) . وكان عبد الرحمن بن عوف تاجراً ناجحاً، فقد روى البخاري (٤) أن الرسول ﷺ عندما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، طلب ابن الربيع من ابن عوف أن يشاطره ماله، فرفض ابن عوف أخذ شيء من مال أخيه سعد، وطلب منه فقط أن يدله على سوق المدينة، فدله على سوق يهود بني قينقاع. فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن؛ ثم أخذ يتردد إلى السوق، يبيع ويشتري، حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد وغيره، وتزوج، وكثر ماله.

стр. 40

قال أبو عمر - ابن عبد البر (١) -: "كان تاجراً مجدوداً في التجارة، وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع.."، وروي أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً (٢) . وروى أبو عمر (٣) أثراً من حديث الإمام أحمد وغيره بأسانيدهم إلى أم المؤمنين أم سلمة ﵄، قالت: دخل عليَّ عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا أمه، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالاً، قالت: يا بني: أنفق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه.." الخبر. ليت بودلي تابع إميل درمنجهم ـ شيخه ـ في إقراره بحذق ابن عوف التجارة وما ناله من ثراء (٤) . وروى ابن أبي عاصم (٥) بسنده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "خيركم خيركم لأهلي من بعدي"، قال: فباع عبد الرحمن بن عوف حديقة بأربعمائة ألف، فقسمها في أزواج النبي ﷺ ". ورويت عنه أخبار كثيرة في الإنفاق في سبيل الله منها الضعيف والقوي، فقد روى الطبري (٦) - مثلاً - عدة آثار، في بعضها أنه تصدق يوم تجهيز
следующие страницы →