← Сира

Сира · id 11450

مزاعم وأخطاء وتناقضات وشبهات بودلي في كتابه الرسول، حياة محمد دراسة نقدية

مهدي بن رزق الله أحمد

Полный текст (175 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الله وعلى أقاربه وأرحامه كثيرة، تجدها مبسوطة في كتب مناقب الصحابة التي أشرنا إليها في الحواشي، وذكرنا بعضها حين الكلام عن إنفاقه يوم تبوك في كتابنا السيرة النبوية.. (١) . وكان طلحة بن عبيد الله ﵁ تاجراً ناجحاً، ولكنه أيضاً كان سخياً. ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد (٢) من أن طلحة باع أرضاً له [من عثمان] (٣) بسبعمائة ألف، فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقاً من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه. روى ابن سعد (٤) عدة آثار تدل على كثرة ماله وجوده وسخائه، كلها من طريق شيخه الواقدي، ما عدا الرواية المذكورة آنفاً، أي التي فيها أنه باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف، ورواية أخرى من حديث الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة ذات يوم، فقلت: مالي أراك، أرابك شيء من أهلك فَنُعْتِبَ؟ قال: نعم، حليلة المرء أنت، ولكن عندي مال قد أهمني أو غمني، قالت: اقسمه. فدعا جاريته، فقال: ادخلي عليَّ قومي. فأخذ يقسمه، فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف (٥) .

стр. 37

وروى المحب الطبري (١) كذلك آثاراً في كثرة ماله وجوده، منها ما ذكرناه من مصادر أخرى، ومنها ما لم نذكره، فليراجع لزيادة الفائدة. ورحم الله من قال: لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم ... الجود يُفْقر والإقدامُ قَتَّال وعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض لكثرة إنفاقه في سبيل الله (٢) . قال ابن عبد البر (٣) : إن طلحة اشترى مالاً بموضع يقال له بيسان، فقال رسول الله ﷺ : "ما أنت إلا فياض"، فسمي الفياض. وروى أبو نعيم (٤) أن طلحة نحر جزوراً وحفر بئراً يوم ذي قرد، وسقاهم، فقال النبي ﷺ : "يا طلحة الفياض"، فسمي طلحة الفياض. وروى المتقى الهندي (٥) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن طلحة بن عبيد الله ابتاع بئراً بناحية الجبل، وأطعم الناس، فقال الرسول ﷺ : "يا طلحة الفياض" (٦) .

стр. 38

وروى ابن سعد (١) والطبراني (٢) وابن عساكر (٣) وأبو نعيم (٤) من حديث قبيصة بن جابر، قال: "صحبت طلحة فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسالة منه". وكان الزبير بن العوام تاجراً ناجحاً. قال ابن عبد البر (٥) : كان الزبير تاجراً مجدوداً (٦) في التجارة، فقيل له يوماً: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيباً، ولم أرد ربحاً، والله يبارك لمن يشاء. ويروى أنه كان له ألف مملوك يؤدون الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم درهم (٧) . وروى أبو نعيم (٨) أن الزبير ترك أربع نسوة [حين استشهد يوم الجمل] فورثت كل امرأة منهن ربع الثمن ألف ألف درهم، وخلَّف عشرين ولداً: عشرة ذكوراً، وعشرة إناثاً. وكان كريماً جواداً، ينفق من ماله على أبناء أصحابه الذين يوصونه بهم،

стр. 39

وممن أوصى إليه: عثمان والمقداد وابن مسعود وابن عوف ومطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع (١) . ومن هؤلاء من كان من أثرياء تجار الصحابة، وهم: عثمان وابن عوف وأبو العاص بن الربيع. وروى المحب الطبري (٢) أن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ : من كان أكرم الناس على عهد رسول الله ﷺ ؟ قالوا: الزبير وعلي ﵄. وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور في صحيح البخاري (٣) . وكان عبد الرحمن بن عوف تاجراً ناجحاً، فقد روى البخاري (٤) أن الرسول ﷺ عندما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، طلب ابن الربيع من ابن عوف أن يشاطره ماله، فرفض ابن عوف أخذ شيء من مال أخيه سعد، وطلب منه فقط أن يدله على سوق المدينة، فدله على سوق يهود بني قينقاع. فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن؛ ثم أخذ يتردد إلى السوق، يبيع ويشتري، حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد وغيره، وتزوج، وكثر ماله.

стр. 40

قال أبو عمر - ابن عبد البر (١) -: "كان تاجراً مجدوداً في التجارة، وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع.."، وروي أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً (٢) . وروى أبو عمر (٣) أثراً من حديث الإمام أحمد وغيره بأسانيدهم إلى أم المؤمنين أم سلمة ﵄، قالت: دخل عليَّ عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا أمه، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالاً، قالت: يا بني: أنفق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه.." الخبر. ليت بودلي تابع إميل درمنجهم ـ شيخه ـ في إقراره بحذق ابن عوف التجارة وما ناله من ثراء (٤) . وروى ابن أبي عاصم (٥) بسنده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "خيركم خيركم لأهلي من بعدي"، قال: فباع عبد الرحمن بن عوف حديقة بأربعمائة ألف، فقسمها في أزواج النبي ﷺ ". ورويت عنه أخبار كثيرة في الإنفاق في سبيل الله منها الضعيف والقوي، فقد روى الطبري (٦) - مثلاً - عدة آثار، في بعضها أنه تصدق يوم تجهيز

стр. 41

جيش تبوك بأربعين أوقية من ذهب، وفي بعضها مائة أوقية من ذهب، وفي بعضها أربعة آلاف دينار، وفي بعضها ألفي دينار، وفي بعضها أربعمائة أوقية، وفي بعضها أربعة آلاف درهم. وروي أن الرسول ﷺ قال له: "تسمى في السماء أميناً، يسلطك الله على مالك بالحق" (١) . لا عجب أن يكون من هذا حاله مضرب الأمثال في الإنفاق. فهو الذي روى حديث الرسول ﷺ : " قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه بهن، وأروح بهن، أخذه المال من غير حله وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه" (٢) . وروى ابن سعد (٣) من حديث شيخه الواقدي أن عبد الرحمن أوصى أن يعطى من ماله في سبيل الله خمسين ألف دينار، وفي رواية ثانية له - كما سبق ذكرها - أنه ترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة (٤) . وفي رواية ثالثة أن نصيب زوجته تماضر بنت الأصبغ كان مائة ألف.

стр. 42

وروى ابن سعد (١) ، من غير طريق الواقدي، أنه عندما توفي كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مَجَلَتْ [أي كَلَّت] أيدي الرجال منه. وترك أربع نسوة، فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألف. وفي الرواية الثانية: أنه ترك ثلاث نسوة، فأصاب كل واحدة مما ترك ثمانون ألفاً ثمانون ألفاً. كان هؤلاء التجار الذين ذكرناهم من أوائل السابقين إلى الإسلام في مكة، ويتضح من الأمثلة التي ذكرناها عن سيرهم أنهم كانوا من علية أغنياء الصحابة. ويعجب المرء أن يتابع بودلي أساتذته الذين يقلبون الحقائق، ويهمل الرجوع إلى مصادر الإسلام المشهورة المختلفة ويعتمد على دراسات المغرضين شيوخه المستشرقين. والروايات الضعيفة والقوية فيها تشير إلى أن ما ذكره بودلي يجافي الحقائق التاريخية والمنهجية العلمية في الدراسات التاريخية.

стр. 43

٧- يزعم بودلي أن غالب أصحاب النبي ﷺ كانوا كذلك من الساخطين على أوضاعهم (٢) : جاءت هذه الفرية مقرونة بالصفة المزعومة السابقة التي تناولناها. فنقول في دحضنا لهذا الزعم أو الفرية: إن المتتبع لسير أصحاب الرسول ﷺ ، خاصة السابقين منهم إلى الإسلام، يلحظ عكس ما زعم بودلي. فقد كان أغلبهم من أبناء قريش وغيرها من قبائل العرب، لا كما يزعم بودلي وغيره من المستشرقين ومن تأثر بهم من الكتاب المسلمين أن غالبية أو معظم أصحاب

стр. 44

الرسول ﷺ الأوائل كانوا من المستضعفين أو الموالي والأرقاء الساخطين على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، فاعتنقوا الإسلام للتخلص منها. قام الأستاذ صالح أحمد الشامي (١) بدراسة هذه المسألة، وخلص إحصائيا إلى أن من مجموع السبعة والستين الذين سبقوا إلى الإسلام، كان منهم ثلاثة عشر فقط من الموالي والأرقاء، أي نحو الخمس، وما كان كذلك لا يقال عنه "أغلبهم" أو "عامتهم". ثم إن السخط لم يكن دافعاً للموالي والأرقاء في أن يسبقوا لاعتناق الإسلام، وذلك بدليل أن عدد الموالي والأرقاء في مكة كان أضعاف أضعاف عدد من سبقوا إلى الإسلام. وقد جعلهم لامنس (٢) ـ أحد مشايخ بودلي ـ جيشاً جراراً خاضت به قريش حروبها ضد المسلمين. وخطأ بودلي المتكرر هو أنه لا يأخذ معلوماته عن المصادر الأصلية مباشرة، بل يأخذ عن أصحاب الأغراض والأهواء من أساتذته المستشرقين كما قلنا أكثر من مرة.

стр. 45

٨- إهمال التنبيه على التفريق بين مرويات الروافض ومرويات أهل السنة في السيرة النبوية: اعتمد بودلي (٣) على الزيادة التي أقحمها الروافض على خبر اجتماع الرسول ﷺ بشيوخ رهطه بني هاشم، عندما نزل قول الله :

стр. 46

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . إن مضمون الرواية الصحيحة أنه قال لهم: "من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ " فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحراً، فمن يقوم بهذا؟ وسكتوا جميعاً، فأعاد الرسول ﷺ القول، ولكن ظل القوم سكوتاً، وهنا خرج علي من صمته، وقال: أنا. هذا هو القدر الذي رواه أئمة الحديث والمغازي والسير من عدة طرق، وعلى رأسهم الإمام أحمد (١) وابن إسحاق (٢) والطبري (٣) . أما الزيادة التي ذكرها بودلي على هذا الحديث، فهي: فلف محمد ذراعه حول ابن عمه، وقال: "فأنت..وصيي ووارثي وخليفتي من بعدي". فهذه الزيادة المتعلقة بالوصية ووراثة الخلافة من بعده من مزاعم الروافض وافتراءاتهم على الرسول ﷺ . فهي من رواية عبد الغفار بن القاسم أبي مريم (٤) ، وهو متروك الحديث كذاب شيعي. اتهمه علي بن المديني (٥) وغيره بوضع الحديث، وضعفه أئمة آخرون، يرحمهم الله. فلو كان بودلي منصفاً لذكر الروايات المختلفة في الموضوع، ثم يرجح ما

стр. 47

يراه صواباً حسب قواعد المنهج العلمي في الترجيح والرد والقبول، بل كان عليه أن يتابع شيخه إميل درمنجهم، الذي استشهد بالرواية التي فيها: فوضع محمد يده على عنق الغلام علي، وقال: "هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم [أي بني عبد المطلب] ، فاسمعوا له وأطيعوا" (١) .

стр. 48

٩- جَعْلُه عدد المهاجرين المسلمين إلى الحبشة مائتي شخص بزعامة عثمان بن عفان ﵃ ، سنة ٦١٥م (٢) . وهذا خطأ تاريخي واضح، لأن المعروف أن عدد من هاجر من المسلمين إلى الحبشة في الهجرة الأولى كانوا اثني عشر رجلاً وأربع نسوة (٣) ، وفي رواية ثانية أحد عشر رجلاً وأربع نسوة (٤) ، وفي رواية ثالثة: عشرة رجال وأربع نسوة (٥) . وكان عدد الذين هاجروا في الهجرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة، سوى أبنائهم الذين خرجوا معهم صغاراً أو ولدوا بالحبشة (٦) . وفي رواية: نحواً من ثمانين رجلاً، بدون ذكر النساء (٧) . وفي رواية ثلاثة

стр. 49

وثمانين رجلاً وإحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب (١) ، وفي رواية نيفاً وثمانين رجلاً وست عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم، أو ولدوا بها (٢) . وخلاصة الأمر أن عددهم لم يتعد المائة واثنين من الجنسين في الهجرة الثانية، وخمسة عشر رجلاً وامرأة في الهجرة الأولى، فكيف أوصلهم بودلي إلى مائتي شخص؟!! والغريب أن شيخه آرفنج (٣) يذكر أن عدد المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية كان ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة من النساء غير الأطفال، وهذه رواية إمام المغازي محمد بن إسحاق عند ابن هشام. فلا هو تابع شيخه آرفنج كعادته، ولا تابع المصادر التي أخذ عنها آرفنج، بل تابع تخميناته العشوائية!! هكذا يكتب المستشرقون السيرة النبوية، ونتحمس لترجمتها إلى لغة القرآن دون التنبيه العلمي لما فيها من طامَّات. وليتنا نشرناها بلغتها الأصلية - أي كتاباتهم - مع دحض مزاعمهم وتصحيح أخطائهم، وبيان فساد منهجهم في التأليف والاستدلال والفهم.

стр. 50

١٠- ترديده فرية الغرانيق وبعض أخطائه التاريخية: يردد بودلي قصة الغرانيق التي لا يكاد يخلو منها كتاب مستشرق (١) ؛ فهو يقول عنها: ولكنه ـ محمداً ﷺ على الرغم من تلميحه لهم ـ أي كفار قريش ـ يوماً أن اللات والعزى ومناة قد يُرجى نفعها مع الله، إلا أنه قد عاد ونقض ذلك، فقد فطن إلى أن الأمر الذي يضطلع به لا يقبل مساومة، وأنه لن يجد مخرجا سهلاً.. (٢) . وقد دحضت هذه الفرية في كتابي: "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" (٣) ، مما لا شك فيه أنه قد سبقني آخرون إلى هذا، أفدت منهم كثيراً على رأسهم الشيخ ناصر الدين الألباني ـ يرحمه الله ـ، الذي ألف فيها كتابه: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق". يقول في معرض كلامه على هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة إن عبد الله بن أبي بكر وأخته عائشة أقبلا إلى غار ثور، حيث كان يستخفي الرسول ﷺ وأبو بكر، ومعهما راحلتان ودليل يثقون فيه (٤) . وهذا خطأ تاريخي، لأن المصادر التي بين أيدينا تذكر أن الذي أتاهما بالراحلتين في الغار هو الدليل عبد الله بن أريقط، وأتاهما في ذات اليوم عامر ابن فهيرة مولى أبى بكر؛ وتحرك الأربعة صوب المدينة (٥) .

стр. 51

ثم إن عائشة ﵂ لم يرد لها دور في الهجرة، لأنها كانت صغيرة السن حين ذاك، لم تتعد التاسعة من العمر (١) . فمن أين لبودلي هذه المعلومات المغلوطة؟! وأين المنهج العلمي هنا لتدوين التاريخ؟!.

стр. 52

١١- إضفاء صفات غير حقيقية على النبي ﷺ وكبار الصحابة ﵃ : ومثال ذلك وصفه أبا بكر وعمر وعليا ﵃ بأنهم كانوا أعراباً - بدواً - لم يثقفوا (٢) . ويصف كذلك الرسول ﷺ بأنه كان أعرابياً (٣) . ففيما يتعلق بوصفه الرسول ﷺ بأنه كان أعرابياً، يكفينا رده على نفسه حين يقول في مكان آخر من كتابه: إن محمداً لم يكن بدوياً (٤) . وفي هذا دليل على تناقضه في كثير من أقواله، وقد وقفنا على بعضها سابقاً. أما أبوبكر وعمر وعلي ﵃ فقد كانوا من أهل مكة، وهي من الحضر، ولم يعرف عنهم أنهم عاشوا في الصحراء مع البدو ولو لفترة قصيرة في أي مرحلة من مراحل حياتهم. ويقول بودلي نفسه عن مكة: وكانت مكة من أعظم بقاع تلك المنطقة حضارة، على الرغم من موقعها المنعزل، وجوها البغيض، وكانت تتمتع بكل الترف، فقد كانت صنوف الحرير والأقمشة والجواهر والعطور ترد إليها، فكان المكيون يحسبون أنهم في

стр. 53

نعيم مقيم، فما كانوا يرون من سبب لتبديد رخائهم (١) . ويصفها كذلك بأنها كانت من أعظم المراكز الدينية والتجارية في بلاد العرب.. إلخ من عبارات الإعجاب بثرائها وترفها (٢) . وإذا كان أبوبكر ـ مثلاً ـ في نظره بدوياً، فلماذا يقول: إنه لم يألف حياة التقشف! وإنه من أصحاب الملايين في مكة (٣) . إنه التناقض الذي يلازمه، فهو ينقض ما يثبته ولو بعد صفحة واحدة.

стр. 54

١٢- المبالغة في صفات بعض أزواج النبي ﷺ : يقول بودلي (٤) - مثلا- عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄ بالذات، إنها كانت جميلة، ويبدو هنا أنه أخذ معلوماته عن شيخه درمنجهم، الذي وصف حفصة ﵂ بالجمال والحسن (٥) . ولكن الحقيقة التي تذكرها مصادر السيرة هي أن حفصة لم تكن كما زعم بودلي وغيره، وتكفينا هنا شهادة أبيها عمر ﵁ حين رآها تقف في صف عائشة ﵂ في قصة اعتزال الرسول ﷺ زوجاته، فقال لها كما روى البخاري (٦) : "يا بنية، لا يغرنك هذا التي أعجبها حسنها حبُّ رسول الله ﷺ إياها -

стр. 55

يريد عائشة ﵂". وقال في رواية مسلم (١) : "ولا يغرنك أن كانت جارتك ـ أي ضرتك ـ هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك - يريد عائشة". وفي لفظ إحدى روايات مسلم (٢) زيادة، هي: ".. والله: لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك. ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ ". ويصف كذلك جميع زوجات النبي ﷺ بأنهن كن جذابات جميلات (٣) . ويناقض نفسه حين يقول عنهن: "وكان منهن خمس دميمات" (٤) ، ولم يوضح من منهن - في زعمه - كانت دميمة، ومن كانت جميلة جذابة. ولا يخفى على العالمين بمناهج المستشرقين المغرضين ما يسعون إليه بكل وسيلة للانتقاص من الرسول ﷺ والتشكيك في صدق رسالته ونبوته. ومن ذلك تهمة تعدد الزوجات لأهداف حسية جسدية مادية أو شهوانية، ويريد بودلي هنا أن يعزز هذه الفرية بالكلام عن حسن أو جمال أو جاذبية زوجاته.

стр. 56

١٣- الزعم بأن حب الوحدة هو الغالب على حياته: يزعم بودلي (٥) أن محمداً كان في أغلب أوقاته يميل إلى الوحدة، ولما لم يتيسر له الفراغ لذلك لفقره عمل راعياً أجيراً. والصواب أن عمله راعياً كان في صباه، وعندما بلغ مبلغ الرجال عمل

стр. 57

بالتجارة. والميل إلى الوحدة في غار حراء كان قبيل البعثة، ولفترة محدودة، وليس في مرحلة الصبا التي مارس فيها الرعي، وعصمه الله من ممارسة اللهو الذي عرفه مجتمعه في زمانه، مثل الاستماع إلى الغناء (١) . ثم إن بودلي كعادته يقول كلاماً ثم ينقضه أحياناً في الصفحة نفسها، مثل ما حدث في هذا الزعم. فهو يقول مرة: إن محمداً كان ميالاً إلى معاشرة الناس (٢) ، ويقول مرة أخرى: "فإن نفسه لم تمل إلى فكرة اعتكاف الرجال وعزلتهم.." (٣) . وهنا التناقض، كيف يكون ميالاً إلى معاشرة الناس وعدم الميل للاعتكاف والاعتزال وميالاً إلى الوحدة في أغلب أوقاته؟! الثابت في مصادر السيرة النبوية أن الرسول ﷺ كان ميالاً إلى معاشرة الناس. وكان يحث على هذا، كما في مثل قوله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" (٤) . وفي مثل قوله: "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس" (٥) . وسيرة الرسول ﷺ كلها نموذج عملي لمعاشرة كل من حوله من الناس صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، بل ألفته

стр. 58

الحيوانات والنباتات والجمادات. وقد ذكرنا أمثلة لهذا كثيرة في الفصل الذي عقدناه عن معجزات الرسول ﷺ من كتابنا: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، الطبعة الثانية. أبعد هذا يحق لبودلي وغيره أن يتهم حتى القرآن الكريم بالتناقض وفقدان خاصية الفنية فيه (١) ؟ !

стр. 59

١٤- الزعم بأن الإسلام تأثر باليهودية والنصرانية: يزعم بودلي -وغيره من غلاة المستشرقين- أن الإسلام تأثر بالديانة اليهودية والنصرانية، عن طريق أشخاص بأعيانهم، ولفظه: ".. وأما حقيقة القوى النابتة في الديانتين القديمتين ظاهرة في كل وجه من وجوه الديانة الجديدة، فترجع إلى ما سمعه محمد في رحلاته، وتعود إلى تعاليم بحيرى وورقة ابن نوفل وقس بن ساعدة حبر نجران،. وحالة محمد هي حالة وثني تحوَّل إلى التوحيد، وقد امتص نظرياته وتطبيقاته من حلقات العابدين والإنصات إلى الوعاظ المرشدين، وما درس سطراً واحداً مكتوباً من كتاب مقدس" (٢) . ويقول في مكان آخر من كتابه: ".. وكان معظم ما عرفه محمد عن التوراة والتلمود والإنجيل نتيجة محاوراته ورقة بن نوفل وما التقطته أذناه في رحلاته، وإن هذه المعلومات مجتمعة، لهي التي جعلت محمداً يشرد بذهنه أثناء عمله، ويتكاسل فوق راحلته.." (٣) . ويقول: ".. وما نعلمه عن بداية المسيح جد قليل، ولكن هذه البداية

стр. 60

تتشابه عموماً مع حالة محمد، فقد كان المسيح غلاماً ذكياً تعلم سريعاً، واحتمال حصوله على عمل في يسر، كما حدث لمحمد، احتمال كبير، فقد كان يتميز مثله بالروح الواعية، التي تنبت فيها الأفكار دون وعي. وقد بقيت هذه الأفكار نائمة سنين طويلة، كما حدث لمحمد، ولم تبد هذه الأفكار في جلاء لكلا الرجلين حتى ظهرا كأصحاب وحي، فأصبح من المتعذر على كل من محمد والمسيح التعرف على ذكرياتهما التي تطورت إلى أفكار جديدة. فقد كانا يعتقدان اعتقاد اليقين أن الله يوحي إليهما، ومن المحتمل أن يكون ذلك صحيحاً " (١) . ويقول في مكان آخر: ".. وقد اختلف محمد عن زملائه من التجار، فإنه بعد أن ينقضي يومه يقضي وقته في السوق أو في دار صديق، حيث يجتمع المغنون ورواة القصص والشعراء، ولطالما أنصت هناك إلى الفلاسفة ورجال الأديان يتلاحون في أمور دينهم وعقائدهم.." (٢) . ويقول عن لقاء النبي محمد ﷺ بالراهب بحيرى، عندما سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام تاجراً وهو صغير: ".. فأخبر بحيرى محمداً بعقيدة عيسى، وسفه عبادة الأصنام، أرهف محمد إلى ما ينطق به الرجل، إذ كان غريباً يخالف ما نشأ عليه واعتقد فيه.." (٣) . ويعلق مترجما كتاب بودلي إلى العربية على هذا بقولهما: "يمهد المؤلف

стр. 61

بهذا لأن يقول في الفصول الأخيرة: إن محمداً قد تعلم من بحيرى ما جاء في القرآن من نصوص تتفق مع نصوص الكتاب المقدس، على الرغم من أن محمداً لم ير الكتاب المقدس، وإن هذا التعليل واه، فقد كان محمد في العاشرة من عمره (١) ، ومن غير المعقول أن مقابلة واحدة بين بحيرى ومحمد صلى الله عليه وسلموهو في سن العاشرة تترك كل هذا الأثر. وإن من حظ بحيرى أن قابل محمداً. فلولا هذه المقابلة لاندثر كما اندثر ملايين الرهبان قبله وبعده " (٢) . أضيف هنا إلى ما قاله المترجمان: إنه لم ترد معلومات صحيحة أو غير صحيحة في مصادر السيرة النبوية تفيد بأن بحيرى أخبر محمداً بعقيدة عيسى أو سفه ـ أي بحيرى ـ عبادة الأصنام، فكل الذي ذكرته المصادر هو أن الراهب بحيرى عندما قال للرسول ﷺ : "يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه"، قال له الرسول ﷺ : "لا تسألني باللات والعزى، فو الله ما أبغضت شيئاً بغضهما" (٣) . إن فرية أَخْذ محمد ﷺ عن بحيرى متداولة في مؤلفات المستشرقين، ومن

стр. 62

مراجع بودلي التي تناولتها بهذه الصورة: آرفنج، في كتابه: "حياة محمد "، ومما قاله بهذا الصدد: ".. وأعجب بحيرى كثيراً بعقلية الصبي محمد ورغبته في الاستزادة من العلم، وبخاصة في المسائل الدينية، وتبادل الراهب مع محمد الحديث في عدة مواضيع.. وينسب الكثيرون معلومات محمد عن الدين المسيحي إلى محادثاته مع ذلك الراهب، وقد لعبت هذه المعلومات دوراً كبيراً في حياة محمد فيما بعد" (١) . ومن أساتذة بودلي الذين روجوا لهذا الزعم هنري لامنس (٢) . وقد رددنا على لامنس في هذه الفرية في بحث مستقل، بعنوا ن: " افتراءات المستشرق لامنس على السيرة النبوية"، وأنه كله لا يعدو كونه تخمينات وافتراءات وتخرصات لا تسندها نصوص قوية أو ضعيفة. ومن مراجعه كذلك في هذه الناحية تور أندريه (Tor Andree) (٣) ، الذي يقول: ".. لاشك أن الأصول الكبرى للإسلام مستقاة من الديانتين اليهودية والمسيحية، وهذه لا يحتاج إثباتها إلى جهد كبير". إن مزاعم بودلي بأن الرسول ﷺ تأثر برجال آخرين أمثال ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة الإيادي والفلاسفة..إلخ فما ذكر فيما نقلناه عنه من نصوص، كلها مجرد استنتاجات باطلة لا تستند إلى حقائق تاريخية أو روايات

стр. 63

صحيحة أو ضعيفة، ولذا يجب الإعراض عنها، فهي سمة بارزة مشتركة في كتابات المستشرقين من أصحاب الأهواء والأغراض، فهم يريدون أن يوهموا قراءهم بأن محمداً ﷺ ألَّف القرآن وفق هذه المعطيات التي يوردونها (١) . ولا يفوتنا أن نذكر أن مزاعم استقاء أصول القرآن الكريم وتلقيها من الديانات السماوية وغير السماوية السابقة قال بها كفار قريش ويهود المدينة، وسجلها القرآن الكريم. ومثال ذلك قول الله في رده على كفار قريش: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] .

стр. 64

١٥- الزعم باشتراك غير مسلمين في القتال مع المسلمين يوم بدر: يزعم بودلي (١) بأن جماعة من غير المسلمين اشتركوا في القتال مع المسلمين ضد كفار قريش في معركة بدر الكبرى، وأنهم ما خرجوا إلا للسلب. ومما يدل على بطلان هذا الزعم ما رواه مسلم (٢) من أن الرسول ﷺ قال لرجل مشرك أراد أن يشترك مع المسلمين في القتال يوم بدر: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، قال له ذلك عندما عرض له في ثلاثة أماكن على الطريق إلى بدر. وعندما أقر الرجل بالإسلام قبله الرسول ﷺ . ورفض الرسول ﷺ كذلك الاستعانة باليهود المشركين يوم أحد (٣) ، وقد أقر بودلي (٤) بهذا. علماً بأن رواية رفض الرسول ﷺ اشتراك المشرك الكافر يوم بدر وردت في الصحيح، ورواية رفض اشتراكه اليهود الكفار المشركين يوم أحد ليست في الصحيح!! كما تلحظ في حاشيتنا هنا. وهكذا يظل التناقض والجهل يلازمان بودلي في مزاعمه الكثيرة. وقد أفرد الشيخ عبد العزيز بن باز ـ يرحمه الله ـ نحو ست عشرة

стр. 65

صفحة من كتابه: " نقد القومية العربية"، لبيان عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب. أما تجويزه لذلك في فتواه ـ مع غيره من العلماء الخاصة بتحرير الكويت، فهو من باب الضرورة التي تبيح المحظور. ولم نقف على رواية قوية أو ضعيفة تؤيد ما ذهب إليه بودلي في زعمه المذكور.

стр. 66

١٦- تزييف الحقائق التاريخية في سيرة هند بنت عتبة ﵂: يزعم بودلي أن هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان بن حرب، ووالدة معاوية ﵃، كانت شهوانية، ولها عشاق، ورفضت أن يمسها أحدهم حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، وأنها لم تُسْلم، وماتت كافرة (١) . لم تذكر المصادر المعروفة المعتبرة هذه الصفة في هند بنت عتبة، لأنها كانت من الحرائر، ولها شرف في قومها، وكان زوجها زعيم قريش وقائدها في الحروب، وكان والدها عتبة وعمها شيبة ابنا ربيعة من سادة قريش وزعمائها، ولها موقف واضح من هذه الصفة المذمومة، وهو أنه عندما كان الرسول ﷺ يأخذ البيعة من النساء في اليوم الثاني من فتح مكة، وعندما قال ".. ولا تزنين"، قالت هند: وهل تزني الحرة (٢) ؟!. ولعل بودلي يشير في هذا الزعم إلى قصة طلاقها من الفاكه بن المغيرة المخزومي، حين اتهمها بأبي سفيان (٣) ، يأتي ذكر هذا قريباً.

стр. 67

أما قوله إن هنداً لم تُسْلم وماتت كافرة، فلا أساس له من الصحة. فقد ذكرنا من رواية الطبري (١) أنها كانت ممن بايع الرسول ﷺ على الإسلام في اليوم الثاني لفتح مكة، وروى ذلك أيضاً ابن سعد (٢) . وروى البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥) خبر مجيئها إلى النبي ﷺ وقولها له: "يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحبَّ إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك..". أما زعمه بأنه كان لها عشاق، فلم نقف على مصدر هذه المعلومة. والذي نرجحه أنه يشير هنا إلى حديث مسافر وهند، وخلاصته من رواية ابن حبيب (٦) وأبي الفرج الأصفهاني (٧) أن مسافر بن أبي عمرو كان يعشق هنداً بنت عتبة، فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة، فلم ترض ثروته وماله، فوفد على النعمان بن المنذر اللخمي ليستعينه على أمره. فبينما هو عند

стр. 68

النعمان، بلغه خبر زواجها من أبي سفيان، فمرض من الغم، فاستسقى بطنه، فكوي، فمات في طريق عودته إلى مكة. وواضح من هذه القصة أن عشق مسافر لهند لم يكن عشق فجور، بل عشق عذري يفضي إلى الزواج. وهو أمر لا تنكره الشرائع السماوية. وفي قصة هند مع الفاكه بن المغيرة دليل على أنها لم تكن ممن يتخذ العشاق. وخلاصة القصة أن هنداً كانت زوجاً للفاكه بن المغيرة قبل أبي سفيان، فطلبت منه الطلاق حين اتهمها في شرفها، فتزوجها أبو سفيان بعد طلاقها (١) . إن اتخاذ النساء العشاق وممارسة البغاء في الجاهلية لم يكن من ممارسات الحرائر، بل من ممارسات الإماء، اللائي كن يُكْرهن أحياناً على البغاء كما ذكر الله في القرآن: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] . ولا يعدو هذا الكلام في هند سوى الإساءة إلى أحد رموز الإسلام، معاوية ﵁. وأما زعمه بأن هنداً رفضت أن يمسها أحد عشاقها حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، فهو كذلك زعم باطل. إذ إن الذي تذكره المصادر أنها أقسمت ألا تبكي على أبيها وأخيها وعمها وبقية أهل بيتها الذين قتلوا ببدر، وألا تمس

стр. 69

الدهن، ولا تقرب فراش زوجها، حتى تأخذ ثأرها من محمد وأصحابه (١) . فأين هذه الرواية من كلام بودلي؟ ! إنه التشويه المتعمد لحقائق التاريخ (٢) .

стр. 70

١٧- ويشوه سيرة والدة عمرو بن العاص ﵁: يزعم بودلي (٣) أن والدة عمرو بن العاصرضي الله عنه كانت عاهرة في الجاهلية. لقد أخذ بودلي هذا الزعم من شيخه درمنجهم (٤) ، واختصره وزاد فيه على الرغم من أن درمنجهم لم يذكر مصدراً أو مرجعاً لروايته هذه. أشار مترجم كتاب درمنجهم إلى العربية ـ زعيتر ـ إلى عدم الوقوف على مصدره. ولم نقف بدورنا على هذه الرواية في المصادر الموثوقة. ولا يعدو هدفه من هذا الزعم سوى الإساءة إلى أحد رموز الإسلام، عمرو بن العاص ﵁.

стр. 71

١٨- يزعم بودلي أن هنداً بنت عتبة ﵂ وعدت وحشياً الحبشي بالعتق إن هو قتل حمزة بن عبد المطلب (٥) . الثابت في الصحيح أن الذي وعد وحشياً بالعتق إن هو قتل حمزة هو

стр. 72

مولاه جبير بن مطعم، ثأراً لعمه طعيمة بن عدي، الذي قتله حمزة بأمر من النبي ﷺ صبراً وهو في الأسر، حين العودة من غزوة بدر (١) . وفي رواية للواقدي (٢) أن التي وعدته بالحرية إن هو قتل حمزة، هي مولاته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل، ويروي بصيغة التمريض، وبجملة اعتراضية، فيذكر:"ويقال كان جبير بن مطعم". وتقول هذه الرواية نفسها: إن وحشياً عندما أيقن بمقتل حمزة على يده، تذكر هنداً وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها يوم بدر، فشق بطن حمزة، وأخرج كبده، وجاء بها إلى هند، وقال لها: ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت: سَلَبي، فمد إليها كبد حمزة، فمضغتها، ثم لفظتها، ثم أعطته ثيابها وحليها، ووعدته بعشرة دنانير حين رجوعها إلى مكة، وطلبت منه أن يريها مصرع حمزة وجسده، ففعل، فمثلت به (٣) . ولم نقف على رواية تشير إلى أن هنداً وعدت وحشياً بالحرية إن هو قتل حمزة يوم بدر، ويبدو أن بودلي قد اعتمد على تخليط أحد أساتذته المستشرقين (٤) .

стр. 73

١٩- هل كانت مقاطعة الثلاثة الذين خُلفوا مدة شهر ؟! يزعم بودلي (١) أن مقاطعة الرسول ﷺ والمسلمين للمخلفين الثلاثة كعب ابن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، في غزوة تبوك كانت شهراً. والصواب أنها كانت خمسين ليلة كما في حديث كعب بن مالك ﵁ الطويل عند البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما (٤) .

стр. 74

٢٠- هل خضعت الطائف للإسلام بالطريقة التي صورها بودلي ؟! يزعم بودلي (٥) أن هناك سرايا أغارت على الطائف بعد رفع حصار المسلمين عنها، وأن الطائف سلمت للرسول ﷺ بعد حضور وفدها إلى النبي ﷺ ، وبعد رفع الحصار عنها. ولا أساس لهذا الزعم في مصادر السيرة المعروفة، فالرسول ﷺ رفع الحصار عن الطائف وعاد إلى المدينة عندما رأى عدم جدوى حصارها (٦) . ولم يرسل سرايا لتغير عليها بعد ذلك. وعندما جاءه وفد ثقيف معلناً الإسلام بعد نحو عام من رفع الحصار، وأرادوا أن يشترطوا على الرسول ﷺ شروطاً

стр. 75

منها: إعفاؤهم من أداء الصلاة، بحجة عدم استساغتهم الركوع والسجود، ومن الوضوء بحجة أن بلادهم باردة الطقس، فلم يقبل، وقبل إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقال: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" (١) . ولا توجد شروط تتعلق بتسليم الطائف. فقد تركهم الرسول ﷺ وشأنهم منذ أكثر من عام، وكل الشروط المذكورة في المصادر الإسلامية الموثوقة لم تتضمن مسألة تسليم الطائف. ويزعم أن خسارة المسلمين في حصار الطائف، كانت مروعة، وأن الرسول ﷺ فقد بعضاً من أحسن قواده (٢) . لم تكن خسارة المسلمين مروعة أيام حصار الطائف، لأن عدد شهداء المسلمين كان حينها اثني عشر رجلاً فقط (٣) ، ولم يفقد الرسول ﷺ بعضاً من أحسن قواده. فقد ذكر ابن إسحاق (٤) أسماءهم، وليس من بينهم من عرف أنه كان من كبار قادته، ولكن أشهرهم عبد الله بن أبي بكر ﵄، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي، وهما من السابقين إلى الإسلام (٥) ، ولكنهما لم يكونا من أحسن القادة.
следующие страницы →