← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11462

وجوب تطبيق الحدود الشرعية

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (60 стр.). Показаны 36–60 · переход к 41.

стр. 36

هذه المفاسد التي ذكرناها آنفاً هي في الحقيقة جزء من مفاسد السجون وليست استقصاء لها، ولقد كنا نغفل الطرف عن بعض هذه المفاسد لو كانت هناك حكمة ترتجي أو نفع يؤمل أو قطعاً لدابر الشر والفساد، بل على العكس من ذلك فالسجن في حقيقته مدرسة للفساد والإجرام، ولا تغتر بأن بعض (المشايخ) يترددون على السجون لوعظ السجناء وتذكيرهم وإرشادهم، فإن هذه كذبة كبيرة لا مجال لتفنيدها هنا، أو أن هناك في السجون ما يسمى بالباحث الاجتماعي، فأنى للباحث أن يرقع هذه الشقوق النفسية والاجتماعية هذا إذا كان يحسن الترقيع؟. ولا تظن أن هناك علاجاً لمشكلات السجن كأن تملأه بوسائل الترفيه، وتوجد السجون المختلطة للرجال والنساء معاً و.. و.. فإن هذا هو عين الفساد والانحلال والشر.. وكنت أظن أن مثل هذه المفاسد لا تخفى على من يتصدر للفتوى فلا يفتي في دين الله بغير علم، ولا يحمل الشريعة المطهرة رجس القوانين الوضعية. ولكن.. المشتكى لله. سابعاً: لا يجوز ترقيع القوانين الوضعية بفتاوى شرعية: أقمنا الدليل بحول الله وقوته وبحمده على أن "الحبس" ليس عقوبة شرعية وأن هذه العقوبة لا حكمة مطلقاً ولا معقولية لها، ثم بينا بالدليل أيضاً مفاسد السجون وأضرار هذه العقوبة التي تفقد معناها

стр. 37

الإنساني والأخلاقي أيضاً فضلاً عن فقد مبررها الشرعي، ولا نعلم مبرراً للإبقاء عليها في بلداننا الإسلامية إلا نوعاً من التبعية العمياء للقوانين الأوروبية البلهاء، أو إبقاء على التعسف والقهر.. واليوم نأتي إلى الغاية والهدف من سوقنا لكل الأدلة السابقة، وهو التحذير من ترقيع القوانين الوضعية بفتاوي شرعية، وقد قلنا في بدء عرضنا لهذا الموضوع أن هذا غير جائز شرعاً (وهي كلمة رقيقة جداً) . وهذه أدلة عدم جواز ذلك: الإسلام قضية واحدة: ونعني بذلك أن هذا الدين الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد وحدة واحدة فإما أن نأخذه كله وبذلك ندخل فيه ونكون من أتباعه، أو نتركه كله، وذلك إن ترك شيء منه عن غير اضطرار وهذا التحذير قد فسره الله لرسوله في آيات كثيرة فيها تهديد ووعيد ومعلوم أن الرسول ﷺ معصوم أن يترك شيئاً من شريعة الله، ولكن هذا تحذير لنا نحن، والخطاب موجه فيها للرسول لبيان أهمية الأمر وأن المفرط فيه لا ينجو من عذاب الله رسولاً أو غيره، وذلك أنه عدوان على حق الربوبية والألوهية الخاصة بالله. فمن حق الرب أن يحكم عباده بما يشاء وأن يشرع لهم ما يريد والاعتراض على حكم واحد أو تشريع واحد من تشريعاته طعن في حكمته وبالتالي في ربوبيته. فإذا علمنا أن إطاعة الكفار في تحليل الميتة شرك فلنعلم أن الله قال لرسوله: ﴿لئن أشركت

стр. 38

ليحبطن عملك ولتكونن من ... الخاسرين﴾ (الزمر: ٦٥) ، وقال تعالى أيضاً: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (الحاقة: ٤٥، ٤٦) ، أي نياط القلب، وقال تعالى أيضاً لرسوله: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (الإسراء: ٧٤، ٧٥) ، فإذا كان الرسول ﷺ وهو من هو بأبي وأمي أفديه فكيف بغيره؟! والشاهد من كل ما قدمنا وسردنا من أدلة أنه لا يجوز بتاتاً طاعة غير الله في تشريع إلا كرهاً أو عذراً وحرجاً، وأما خلع عباءة الإسلام على قوانين الكفر فهذا هو الباطل بعينه، وذلك أننا إن فعلنا ذلك فإننا نوهم العامة أن هذه القوانين حق وأن الشريعة الإسلامية تسمح بها أو ترضى عنها، وهذه جريمة عظيمة لأنه تبديل لشرع الله وكلامه.. ثم إن هذا أعظم إقرار للباطل وتمكين له في بلاد المسلمين، فما أقر الباطل في ديار المسلمين إلا عندما استعار من الشريعة الإسلامية اللباس الظاهري ووضع على جبينه زوراً الآية والحديث كما فعل نابليون بونابرت عندما دخل مصر فاتحاً فألبسه العلماء الجبة والعمامة.. وبهذا استقر له المقام في بلاد الإسلام، وكما يريد اليهود اليوم أن يمكنوا لأنفسهم في فلسطين بآيات من القرآن كما أوهموا العالم الغربي المسيحي الأعمى بأن نصوص التوراة تؤيد

стр. 39

حقهم في فلسطين وفي كل مكان من أرض الإسلام تريد القوانين الجائرة أن تجد سندها ودعمها وبقاءها من آيات القرآن وأحاديث الرسول. وبغفلة أحياناً وسذاجة أحياناً.. يستدرج الباطل بعض الشيوخ فيفتيه بأنه حق وأنه موافق للشريعة الإسلامية أو على الأقل لا تمانع الشريعة الإسلامية في بقائه ووجوده وإذا كانت عقوبة السجن جريمة إنسانية وقبحاً وباطلاً ومناقضة شرعية للعقوبات المطهرة والزاجرة وأيضاً الرحيمة التي شرعها الله فكيف نخلع عليها بعد ذلك لباساً شرعياً؟

стр. 40

ثامناً: الرجم عقوبة شرعية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع: لم نأبه للآراء الشاذة التي نشرت على صفحات الوطن منسوبة إلى الشيخ الدكتور سعاد جلال لأسباب كثيرة منها أن هذه الآراء كانت قد ظهرت للدكتور سعاد في أوائل الستينات. ونشر هذه الأقوال والآراء من جديد نعلم أنها محاولة يائسة لتجديد فكر عفى عليه الزمان ولا يسمع له إلا المروجون له، ولذلك لما رغب إلى بعض إخواني أن أرد على هذا المنشور للشيخ سعاد أخبرتهم أن صغار طلاب العالم اليوم يعلمون زيف هذه الآراء (كانت هذه الآراء في قضية حجاب المرأة حيث أنكر ما يشبه أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة) . ولكنني فوجئت بنشر آراء جديدة لذلك الشيخ يزعم فيها أن الرجم ليس هو حكم الله في الزاني المحصن ويدعي أن الرجم ليس في كتاب الله!! ويرمي بالكذب من قال أنه في كتاب الله الذي يثبت الرجم في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .. ولما كان نشر هذه الآراء الضالة في مكان أشرف عليه في الصحيفة قد حصل دون اطلاعي عليه وقد يؤدي إلى ظن بعض الناس أن هذا من جملة المقبول شرعاً كان لا بد لي من الرد على هذه الآراء الشاذة مع إيماني أيضاً أنه قد ولى الزمن الذي يسمع فيه المهتدون إلى مثل هذه الآراء أو يعيرونها بالاً.

стр. 41

القضية: وتتلخص القضية التي نحن بصددها فيما يلي: زعم الدكتور سعاد جلال أن حكم الرجم ليس ثابتاً في القرآن وليس موجوداً في السنة إلا في أحاديث أحادية لا تثبت بها حجة!! ولم يحصل إجماع عليها في سلف الأمة. ومسألة الرجم في نظره مسألة خلافية يجوز في زعمه استحداث رأي جديد بشأنها أو أخذ بعض الآراء القديمة الشاذة التي لا ترى الرجم وإنما ترى الجلد فقط حكماً للزاني محصناً كان أو بكراً. وهذا هو الرأي الذي رآه الدكتور سعاد جلال ورجحه ومستنده في هذا شيء عجيب جداً وهو على حد تعبيره "ارتقاء المشاعر الإنسانية في هذا العصر وشفافيتها وعمق فكرة التسامح والرحمة الحاصل بتقدم المدنية والفهم العلمي لقهر الدوافع الطبيعية وما قد يخالطها من الأمراض النفسية كل ذلك يصنع مجتمعاً لا يسمح بتطبيق هذه العقوبة القاسية في هذا العصر" هذا هو مستند سعاد جلال في خروجه على الناس بالقول أن حكم الجلد أولى من حكم الرجم وحتى يلبس رأيه الشاذ لباساً إسلامياً فإنه عمد كما أسلفنا إلى نفي أن يكون حكم الرجم ثابتاً بالقرآن. أو بسنة متواترة قطعية. وإن وروده في سنة مشهورة أو أحادية لا يفيد ذلك القطع والعلم. وأنه لا إجماع على ذلك في الأمة بل زعم أن الأمة مختلفة حول هذا الحكم. وقد بنى على ذلك في زعمه أنه ما دام أنه قد وقع خلاف وليس هناك نص قطعي فإنه يجوز الاجتهاد، وزعم لنفسه هذه المنزلة!!

стр. 42

ورجح أن كل مجتهد مصيب وأن الحق في المسألة الواحدة يتعدد وليس الحق محصوراً كما زعم في رأي واحد وبالتالي فرأيه الذي رآه صواباً لا يجوز لأحد أن يخطئه. ونحن نرد على كل ذلك بحول الله فقرة فقرة. ومسألة مسألة مبينين زيف ما ذهب إليه. أ- الرجم ثابت بالقرآن: رجم الزاني المحصن ثابت في القرآن في عدة آيات أولها قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ . وهذه الآية كانت في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت لا تخرج منه حتى تموت ثم جعل الله لهن سبيلاً وهذا السبيل هو الناسخ لهذه الآية كما قال ابن عباس ﵁ كان الحكم لذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم وهذا السبيل الذي جعله الله هو الذي أعلنه الرسول في الحديث الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: [خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم] . ورواه أيضاً مع مسلم أصحاب

стр. 43

السنن وقال الترمذي حسن صحيح. وهذا دليل أن الرجم ثابت بالقرآن لأن الله أشار إليه وأخبر به ثم أوحى به الرسول ﷺ المبين للقرآن كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فالرسول هو الذي بين بأمر الله السبيل الذي عناه الله بقوله ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ . وأصرح من هذا الحديث في الدلالة على أن القرآن قد نزل بالرجم الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك الله ألا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه، وكان أفقه منه فقال. صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي يا رسول الله!! "أي أن ابدأ بعرض القضية" فقال النبي ﷺ : [قل] !! فقال: إن ابني كان عسيفاً "أي أجيراً، أو خادماً" في أهل هذا فزنى بامرأته فاقتديت منه بمائة شاة وخادم "أي عبد أو جارية" وإني سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا، الرجم فقال ﷺ : [والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم ردّ عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ويا أنيس اغد على امرأة هذا فسلها فإن اعترفت فارجمها] فاعترفت فرجمها (اللؤلؤ والمرجان ص٤٢٣، ٤٢٤) . وهذا نص صريح قطعي الدلالة أن الرسول ﷺ حكم بالقرآن في زانيين

стр. 44

أحدهما بكر وهو الأجير والثاني ثيب وهي المرأة المتزوجة فحكم على الأول بالجلد مائة وتغريب عام وعلى المرأة "الثيب" بالرجم وقال النبي في هذا الحكم [والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله] وكتاب الله هنا القرآن ولا شك المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ . وكذلك فالذين تخاصموا إلى الرسول ﷺ في هذه القضية ناشدوه الله أن يقضي بينهم بكتاب الله! فهل بعد ذلك يقول الدكتور سعاد جلال رداً على من ذكره بأن رأيه الشاذ هذا مخالف للقرآن "تقول لهم إذا قالوا أنه مخالف للقرآن هذا هو الكذب الصراح فإن نصوص القرآن المتعلقة بحكم الزنا ليس فيها ذكر للرجم أصلاً بل القرآن هو حجتنا الكبرى عليكم" نص كلامه ونحن نقول له يا من تتهم الصادقين بالكذب أكان رسول الله ﷺ لا يفهم عندما حكم بذلك وحلف أن هذا حكم الله في القرآن؟ أم أنك تكذب رسول الله أيضاً الذي يقسم بأن هذا حكم الله في القرآن؟! أم أن هذا من عمى البصيرة علاوة على عمى البصر. وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على أن القرآن قد أثبت الرجم ما رواه البخاري ومسلم أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁ جلس على المنبر فقال في خطبة طويلة: "إن الله بعث محمد ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ورجمنا بعده فاخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل منهم والله لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف".

стр. 45

وهذا الأثر الذي أخرجه هنا أصحاب السنن دليل واضح أن الرجم قد نزل في آيات من القرآن عمل بها رسول الله والخلفاء بعده وهذا الأثر دليل الإجماع لأن عمر بن الخطاب ﵁ خطب في ذلك بمحضر من الصحابة جميعاً ولم ينكر عليه أحد ونقل هذا عنه الكافة وعنهم الكافة إلى يومنا هذا لا مخالف لذلك إلا من طمس الله بصائرهم من الخوارج المارقين وشذاذ من متفلسفة المسلمين أمثال النظام المعتزلي والذين جاء الدكتور سعاد جلال ليسير على درب غوايتهم وضلالهم. وفي هذا الأثر دليل أيضاً على أن آية الرجم كانت في القرآن نصاً فنسخت تلاوتها وبقي حكمها كما هو شأن آية الرضاع أيضاً ومعلوم أن النسخ في القرآن على ثلاثة أوجه فمنها نسخ التلاوة مع بقاء الحكم وهذا شأن الرجم. ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة كآيات في الخمر، والقتال، والوصية لا يتسع المجال لذكرها، ونسخ الحكم والتلاوة معا. وكل هذا مصدق لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (البقرة: ١٠٦) . والخلاصة أن آية الرجم نصاً كانت في القرآن ونسخ تلاوتها وبقي حكمها عمل به الرسول والمسلمون بعده مجمعون على ذلك إلى يومنا هذا. ومما يدل أيضاً على أن حكم الرجم ثابت بالقرآن قوله تعالى:

стр. 46

﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (المائدة: ٤٣) ، وقد نزلت هذه الآية في سبب معروف وهو ما رواه الشيخان أيضاً البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : [ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟] فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما فيها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة. وهذا دليل واضح صريح أن الرجم في القرآن وأن الله قال لرسوله في شأن هؤلاء أنفسهم: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ (المائدة: ٤٢) . وها قد حكم الرسول بينهم بالقسط وهو حكم الله المنزل في التوراة والقرآن وأنما أمرهم رسول الله أن يأتوا بالتوراة ليلقمهم الحجر فقط ويلزمهم الحجة لا أنه عدل عن حكم القرآن إلى حكم التوراة فإنه لا يجوز في حقه ولا حق اتباعه أن يحكموا بالتوراة المنسوخة بل أتى بالتوراة لأنها تطابق حكم القرآن فأراد أن ينفذ فيهم حكم الله بشهادة كتابهم إلزاماً لهم وبياناً لرقة دينهم وتحايلهم على كتاب ربهم، وهذا ولا شك أصرح الأدلة على أن حكم الرجم ثابت في القرآن لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا جاء في شرعنا ما

стр. 47

يثبتها ويؤيده وشريعة الرجم شريعة بني إسرائيل قد جاء في شرعنا ما يثبتها ويؤيدها فهي حكم الله على بني إسرائيل وأمة محمد ﷺ وكل ذلك ثابت في القرآن وعلى لسان محمد ﷺ ولا شك بعد في كل ما قدمنا أن حكم الرجم ثابت بالقرآن الكريم ثم بعد ذلك بسنة سيد المرسلين ﷺ والأحاديث الصحيحة التي سردناها برهان لذلك ثم بإجماع المسلمين جيلاً بعد جيل وخطبة عمر في محضر الصحابة برهان ذلك وفعل الخلفاء ومن بعدهم من التابعين ومن سار على دربهم إلى اليوم برهان ذلك، وأما المنافقون والخوارج المكذبون لذلك فإنه يصدق فيهم قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ (النساء: ١١٥) ، فسبيل المؤمنين جيلاً بعد جيل إثبات الرجم والعمل به وهذا هو فعل الرسول وأمره وهو قول الله وحكمه ومن شاقق هؤلاء فقد قال الله في شأن المشاقين: ﴿نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ وفي الفصل الآتي تفصيل بحول الله لهذا الإجمال وردود أخرى للمسائل الأصولية التي أراد الشيخ سعاد أن يلبس بها على الناس. ب- الرجم ثابت بالسنة النبوية: ذكرنا آنفاً أن الرجم ثابت بالقرآن في آيات كثيرة ونبين الآن ثبوت حد الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة. فنقول:

стр. 48

تواترت الأخبار والروايات عن الرسول ﷺ في شأن حد الرجم، ونقلها الكافة من الصحابة وعنهم نقلها الكافة من التابعين وهكذا إلى أن وصلتنا وثبوت الرجم عن الرسول ﷺ أشهر من ثبوت كثير من الغزوات المشهورة ولا يستطيع المرء أن يكذب أو يشكك في غزوات الرسول أو في أحداث السيرة المشهورة فقد سارت بها الركبان وتناقلها الرواة جيلاً بعد جيل وحوادث الرجم المأثورة كثيرة متكررة فقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا. ونزل في شأن ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة. وأحاديث تروى إلى قيام الساعة. في الصحيحين والسنن وجميع دواوين السنة، ورجم رسول الله ﷺ أيضاً ماعزاً الأسلمي، بعد أن اعترف على نفسه أربع مرات بالزنا، ورجم أيضاً الغامدية بعد أن اعترفت أربع مرات وردها الرسول حتى تضع حملها، وردها أيضاً حتى تفطم وليدها، ورجم أيضاً امرأة زنت مع عسيف "اجير" عندها بعد أن اعترفت على نفسها. وأعلن رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة أن الرجم هو حكم الله في كتابه وما أوحي به لرسوله محمد ﷺ . أفبعد ذلك يشكك مشكك أن الرجم لم يثبت إلا بأحاديث أحاد لا يقطع بثبوتها ولا تفيد العلم الضروري؟ وهل هناك شيء في الأرض يفيد العلم الضروري أكثر من هذا؟ إليك بعضاً من هذه الأحاديث الصحيحة في شأن الرجم علاوة على ما ذكرناه فيما سلف:

стр. 49

الحديث الأول: حديث أبي هريرة وجابر ﵄. قال أبو هريرة أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: [أبك جنون] قال: لا. قال: [فهل أحصنت] قال: نعم. فقال النبي ﷺ : [اذهبوا به فارجموه] !! قال جابر: فكنت فيمن رجمه. فرجمناه بالمصلى. "أي مصلى العيد خارج المدينة" فلما أزلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وفيه دليل على أن الذي يأتي معترفاً بالزنا يجب أن يشهد على نفسه أربع مرات وإنه إذا كان محصناً رجم، وأن رسول الله رجم الزاني المحصن. الحديث الثاني: روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن بريده عن أبيه: قال جاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني. وأنه ردها. فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني؟! لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً. فوالله إني لحبلى!! قال: [أما لا فاذهبي حتى تلدي] فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته!! قال: [اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه] . فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام!! فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها

стр. 50

فحفر لها إلى صدرها. وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضخ الدم على وجه خالد. فسبها فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها فقال: [مهلاً يا خالد!! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس (المكس هو الربا والإتاوة والضريبة وهي أكل لأموال الناس بالباطل) لغفر له] ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت. وفي هذا الحديث دليل على أن الرجم هو حد الزنا المحصن. وأن المرأة إذا كانت حبلى من الزنا لا تحد حتى تضع أو تفطم. وأن أكل أموال الناس بالباطل عن طريق المكوس وهي الضرائب المأخوذة ظلماً من الناس لمرور البضائع ونحو ذلك أكبر من الزنا. وفي الحديث أيضاً دليل على عدم جواز سبب المحدود التائب من ذنبه، وأن الحدود كفارات. الحديث الثالث: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس ﵄ أنه ذكر التلاعن عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً ثم انصرف. فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلاً. فقال عاصم ما ابتليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي ﷺ . فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفراً قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلاً ادم كثير اللحم. "خدلاً: أي ضخما عظيم الجثة". فقال النبي ﷺ : [اللهم بين] !! فجاءت به "أي المولود" شبيهاً بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي ﷺ بينهما.

стр. 51

قال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال النبي ﷺ : [لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت هذه؟ فقال: لا. تلك امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام] انتهى. والشاهد فيه قوله ﷺ [لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت هذه] وهي امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام كما قال ابن عباس أي يبدو من مظهرها وسلوكها وقرائن أحوالها أنها تزني ولذلك قال الرسول أنه لو جاز له أن يرجم بغير بينة لرجم تلك المرأة والحال أنه لا يجوز الرجم إلا ببينة خاصة وهي الاعتراف أربع مرات أو شهادة أربعة رجال برؤيتهم للزنا وللفعلة نفسها، ولا يجوز إقامة الحد بوجود القرائن فقط. بل إن اتهام الرجل لزوجته وملاعنتها وشهادته وإيمانه أربع مرات عليها بالزنا. ثم ولادتها لولد مشابه للمتهم معها كل ذلك ليس دليلاً شرعياً على إقامة الحد. والشاهد في هذا الصدد أن الرسول ﷺ هدد بالرجم للزانية المحصنة. وبتضافر هذه الأدلة وردود هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين السنة وخاصة في أصح الكتب بعد كتاب الله وهي البخاري ومسلم ونقل الكافة من المسلمين لها عن الكافة واشتهار ذلك في كل آفاق الدنيا هذه أدلة على الرجم حكم الله في القرآن والتوراة، وشريعته إلى يوم القيامة التي نفذها رسول الله ﷺ ونفذها الخلفاء من بعده، وأجمعت الأمة عليها جيلاً بعد جيل لم يخالف في ذلك إلا أفراد من المنافقين ممن لا يؤبه بقولهم ولا يلتفت إلى خلافهم. ومن هؤلاء المخالفين الخوارج المارقين وهذه ليست بأول بدعهم فقد نفوا سورة يوسف جميعها من القرآن زعماً منهم أنها تتكلم عن الحب والعشق وأن هذا لا يليق بكلام الله!! وأما النظام

стр. 52

المعتزلي فلم يترك أصلاً من أصول الإسلام إلا حاول النيل منه، ثم جاء من ينسج على منوال النظام المعتزلي والخوارج المارقين، ويريد أن يعارض بذلك كتاب الله المبين. وسنة رسوله ﷺ الأمين، وإجماع الأمة المهتدية من الخلفاء الراشدين المهديين، والأئمة الأربعة ويسمى فعله هذا "اجتهاداً" ويقول "لا يزعجنا مخالفة ما يسمى عندكم بالسنة الصحيحة لأن هذه السنة الصحيحة دليل ظني يحتمل الكذب مرجوحاً، وكذلك سائر السنن الصحيحة". انتهى بلفظه من المنشور في الوطن ٢٧-٨-١٩٨٢. وهذا الذي لا يزعجه أن يخالف السنة الصحيحة الموافقة للقرآن التي أجمعت عليها أمة محمد ﷺ وتلقتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل وعمل بها خلفاء الرسول ﷺ الراشدون الصادقون. وأفتى بها أئمة الدين المؤتمنون كيف يكون من جملة المجتهدين؟ والدكتور سعاد جلال نفسه قد نشر مؤخراً مقالاً في المصور عدد (٣٠٢١) بتاريخ ٣-٩-١٩٨٢م. يقول فيه بالنص "القول برفض أخبار الآحاد جملة خطأ بعيد عن التحقيق لأن هذا يقتضي إلغاء جميع أحاديث الكتب الصحيحة الستة وفي مقدمتها البخاري ومسلم وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول. قال ابن خلدون "وانعقد الإجماع على صحتهما" فرفض هذا التراث الضخم الذي تلقته الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل لا يتفق مع حكم العقل لكن يمكن القول بأنه يجوز النظر في حديث بعينه تقوم ضد صحته قرائن وأدلة فنرفض هذا الحديث بخصوصه. وإذن فالخبر المتواتر لا يجوز رفضه أصلاً وقد انعقد الإجماع على ذلك إجماع السلف والخلف أما رفض

стр. 53

حديث بعينه أو جملة أحاديث بعينها لقيام الدليل القرين ضد صحتها فهذا أمر يمكن القول به". ونحن هنا نتفق مع الشيخ الدكتور فيما قاله ونقول ان أحاديث الرجم قد قامت كل الأدلة والقرائن على ثبوتها وذلك لتعدد مواردها، وكثرة رواتها ونقل الكافة لها جيلاً بعد جيل، وعدم وجود مخالف قط في الصحابة أو التابعين وأتباعهم المشهود لهم بالخير، وشهادة القرآن للرجم في آيات كثيرة كما بينا ذلك في المقال السابق. وعمل المسلمين بذلك وجميع الأئمة ويستحيل أن يجتمع كل أولئك على خطأ. ولا يمكن أن نقول بعد ذلك أن أحاديث الرجم أحاديث آحاد بل هي أحاديث متواترة لا شك في إفادتها العلم اليقيني ولا مجال للتشكيك في ثبوتها وصحتها. والحمدلله رب العالمين. جـ- الرجم ثابت بالإجماع: الشبهات التي أثارها الدكتور سعاد جلال حول حكم رجم الزاني في الشريعة الإسلامية كثيرة جداً وقد أجبنا عن أهم هذه الشبهات وهي كون القرآن لم يتعرض -في زعمه- لحكم الرجم. وزعمه أيضاً أن أحاديث الرجم في السنة أحاديث آحاد لا يثبت بها الحد وقد أثبتنا بحمد الله بما لا يدع مجالاً لشك أن حكم الرجم ثابت بالقرآن، وأن ثبوته بالسنة إنما كان بأحاديث متواترة حيث تعددت وقائع الرجم في حياة النبي ﷺ . ونقل ذلك الحجم الغفير من الصحابة وعنهم الجم الغفير إلى يومنا هذا ومثل الرجم لا يخفى ولا يستتر لأنه من

стр. 54

الأمور المعلنة والتي قد أمر الله بإشهارها وإعلانها كما قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ فالرجم يشترك فيه العدد الكبير وهو من الأحداث المثيرة التي لا بد وأن يشهدها الصغير والكبير ويتناقلها الناس ويتحدثون بها ومثل هذه الأحداث المتكررة يستحيل عقلاً إخفاؤها كما يستحيل عقلاً انتحالها والخطأ فيها. فلا مجال للقول بأن ثبوت الرجم في السنة مظنون. والآن نأتي إلى الإجابة عن طائفة أخرى من الشبهات التي أثارها د. سعاد جلال وتبدأ بطعنه أيضاً في إجماع المسلمين جيلاً بعد جيل على أن الرجم هو حكم الله في الزاني المحصن. فقد شكك في هذا الإجماع بأن الخوارج قد خالفوه وبأن النظام المعتزلي قد أفتى بغير الرجم. وقد أشرنا في المقالين السابقين أن الأمة أجمعت سلفاً وخلفاً على هذا الحكم وأن الخوارج طائفة منهم فقط وهم الأزارقة الذين نفوا حكم الرجم عن الزاني المحصن، والخوارج وإن لم يكفرهم المسلمون إلا أنهم لا وزن لهم ولا دخول لهم في إجماع الأمة. لسبب قريب جداً وهو أنهم خوارج!! فقد خرجوا على إجماع الأمة في معتقدات كثيرة حيث كفروا فاعل المعصية المسلم واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم ونساءهم وكفروا علي بن أبي طالب وكل من حاربه وحارب معه!! وأنكروا سورة يوسف من القرآن ومثل هؤلاء لا دخول لهم في اجتماع الأمة. فالإجماع الشرعي هو اتفاق الصحابة

стр. 55

على قول واحد في الدين وليس في الخوارج صحابي واحد (قال ابن حزم في تعريف أهل الإجماع: "وصفة الإجماع هو ما يتعين أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام.. وإنما نعني بقولنا العلماء من حفظ عنه الفتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة أهل الحديث ومن تبعهم، ﵃ أجمعين. ولسنا نعني أبا الهذيل العلاف ولا ابن الأصم ولا بشر بن المعتمر، ولا إبراهيم بن سيار، ولا جعفر بن حرب ولا جعفر بن بشر ولا تمامة ولا أبا عفار ولا الرقاشي ولا الأزارقة والصفرية، ولا جهال الاباضية ولا أهل الرفض" أ. هـ (مراتب الإجماع لابن حزم ص١٢-١٤)) . والإجماع الأصولي الذي يراه عامة الفقهاء حجة هو اتفاق علماء المسلمين في عصر ما على مسألة من مسائل الدين. والخوارج ليسوا من علماء المسلمين باتفاق علماء المسلمين جميعاً. وكون سعاد جلال لم يجد إلا الخوارج ليؤيد مذهبه واجتهاده فشيء يدعو للرثاء.. وذلك أن خلاف الخوارج ليس خلافاً مع الأمة. فقط وإنما هو خلاف أيضاً مع نصوص القرآن ومتواتر السنة. وما يقال عن الخوارج يقال أيضاً عن النظام المعتزلي فمروق واحد من المعتزلة عن حكم الله وإجماع الأمة لا يضيق النص الشرعي ولا يقدح في إجماع الأمة. د- حكم الرجم ليس مسألة اجتهادية: وأما قول سعاد جلال أن الرجم مسألة اجتهادية لأنه لم يثبت فيها دليل قطعي فمعلوم الآن بطلانه لأن القرآن الذي أثبت حكم الرجم، والسنة المتواترة، وإجماع الأمة كل هذه أدلة قطعية ومعلوم أن لا اجتهاد في موضع النص وإنما مجال الاجتهاد في غير ذلك من شؤون الأمور الحادثة والتطبيقات لا في إثبات تشريع جديد، أو

стр. 56

نفي تشريع قائم، ومعلوم أن شريعة الرجم شريعة قائمة ثابتة بما قدمنا فلا مجال لإحداث تشريع جديد أو زعم اجتهاد ينبع فيه من زعم لنفسه الاجتهاد رأياً شاذاً. هـ- الحد لا ينفى بالشبهات: ومن أكثر الشبهات تدليساً وغشاً في مقالات سعاد جلال قوله: "اننا استقرأنا الأدلة الشرعية الجزئية في أبواب الحدود وهي محصورة يمكن ضبطها فوجدناها جميعاً متضافرة على إسقاط الحد عن الجاني بالشبهة، وأنه إذا وجدت شبهة في طريق إقامة الحد اعتبرها الشارع من إقامة الحد على الجاني بل ان الشارع لتصيد الاحتمالات الدارنة للحد عن الجاني ويتحيل الحيل الواضحة لدفعه"!! (هكذا) .. ثم يستطرد قائلاً: "ومن ذلك على سبيل المثال قوله لماعز بن مالك لما اعترف له بين يديه بالزنا: [لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت] وفي رواية: [اشربت خمراً] قال: لا. وفي رواية عن ابن عباس قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ولم يستبح رجمه إلا بعد أن أقر على نفسه بالزنا أربع مرات هو يرده عن مجلسه في ثلاثة إقرارات حتى كانت المرة الرابعة وهو يقر. فأمر برجمه". والتلبيس في هذا الاستدلال واضح إذ ان الرسول ﷺ لم يقم الحد على ماعز حتى شهد على نفسه أربع مرات وحتى أوصله هل يعرف الزنا أم لا وذلك أن هذا الحد لأنه عقوبة مغلظة وشدد الشارع الحكيم في إثبات الجريمة فجعلها بالإقرار المتكرر مع جواز

стр. 57

النكول عن الإقرار ورفع الحد. وجعلها أيضاً بشهادة أربعة عدول يشاهدون الفعل نفسه. وقاعدة درء الحدود بالشبهات صحيحة والذي يدرأ العقوبة لا المشروعية. فالقاضي والحاكم يجب أن يتثبت ويتيقن قبل أن يصدر الحكم على الجاني وعليه أن يدفع العقوبة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً إذا وجد أن هناك احتمالاً يكذب الشهود، أو التعجل في الاعتراف، أو نقص الأدلة. وليس معنى هذا هو اللجوء إلى الشبهات لدرء مشروعية الحد من أساسه والطعن في شريعة الله وهذا تماماً ما فعله د. سعاد جلال حيث ذهب يتبع الشبهات والغرائب ويبحث في التراث عن الشذاذ والمخالفين لإجماع الأمة وسنة سيد المرسلين وكتاب رب العالمين ليدفع بهم الحد الشرعي والشريعة الثابتة المطهرة العادلة الرحيمة. الرجم وروح العصر: الشبهة السادسة التي تذرع بها الدكتور لنفي حد الرجم هي قوله: "ان روح العصر الحاضر، ومشاعر الناس في هذا الزمن لم تعد تحتمل وقع هذه العقوبة الشنيعة، وأصبح ذلك موضع نقد موجه إلى أحكام الفقه الإسلامي الاجتهادي"، والرد على هذه الشبهة من وجوه: أولها أن هذا اعتراف بها من الدكتور نفسه بأن الرجم كان شريعة متبعة في عصور الإسلام الأولى وهو ما حاول جاهداً أن ينفيه. وأما قوله أن مشاعر الناس لم تعد تحتمل وقع هذه العقوبة الشنيعة فأين رأى ذلك؟!

стр. 58

والحدود الشرعية في عامة بلاد الإسلام معطلة منذ زمن!! وإذا كان بعض الناس الآن أو أغلبهم يكرهون هذا الحد الشرعي فإن الكراهية أيضاً موجهة لقطع يد السارق، وجلد الزاني وهي حدود ثابتة بالقرآن ولا يستطيع الدكتور أن ينفيها والنفوس التي تشمئز من الرجم تشمئز أيضاً من الجلد والقطع. وما رأي الشيخ أيضاً في عقوبة "المحارب" الذي تقطع يده ورجله من خلاف ثم يصلب حتى الموت الثابتة في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ هل مشاعر الناس الذين يتحدث عنهم تحتمل هذه العقوبة؟! وما رأيه أيضاً في القصاص: عين بعين وسن بسن وأنف بأنف!! لا شك أن المشاعر الرقيقة!! التي راعاها الدكتور سعاد والتي تستنكر الرجم في زعمه تستنكر هذا أيضاً فهل سيسعى أيضاً إلى البحث عما يغير به حكم الله!؟ ثم نحن نقول أي مشاعر هذه التي ارتقت في عصرنا عصر الإجرام والقتل والتخريب ورجم النساء والأطفال والشيوخ بالقنابل والصواريخ؟ أي مشاعر ارتقت ونحن في عصر الشذوذ الجنسي والإباحية والمعارض الجنسية التي تباع فيها كل أعضاء الذكورة والأنوثة المصنعة؟! أي مشاعر ارتقت ونحن نعيش عصر هتك أعراض الأطفال. إننا نعيش عصر الاغتصاب والبلادة وضياع المشاعر الإنسانية.. وهل يقارن هذا العصر بالعصر الذي كان الرجل والمرأة يقترف فاحشة الزنا فيعتصر ألماً ولا تهدأ ثورة نفسه وغليان قلبه إلا بالاعتراف فالرجم!!

стр. 59

ثم إذا كان في حد الرجم قوة وزجر فإن الشارع جعل ذلك مناسباً للجريمة الشنيعة لرجل ثيب سبق له زواج وامرأة ثيب سبق لها زواج تدنس فراش زوجها وتدخل على زوجها ما ليس من ولده. فأي جريمة أغلظ وأشنع. ومع بشاعة الجرم شدد الله سبحانه في إثباته فجعل الاعتراف أربعاً مع جواز النكول والتوبة، وجعل الشهادة بأربعة عدول يشاهدون "الإيلاج" نفسه لا مجرد وجود رجل على بطن امرأة!! فأي تثبت أكبر من هذا؟! من هم أهل الاجتهاد ؟ الشبهة السابعة والأخيرة التي نرد عليها هي زعم الدكتور سعاد جلال لنفسه منزلة الاجتهاد في هذه المسألة حيث في ختام مقالاته حول هذه القضية "ولم يبق إلا أن يحتج علينا محتج بانغلاق باب الاجتهاد. وقد نزعنا في هذه المسألة منزع المجتهدين فلا يسعنا في الجواب إلا أن نقول ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهو حسبنا ونعم الوكيل". ونقول لسنا بحمد الله ممن يرى قفل باب الاجتهاد في الدين ولكننا نقول الاجتهاد لمن؟ وكيف؟ فأولاً معلوم أن لا اجتهاد في موضع النص. وفي هذه القضية عشرات النصوص والإجماع فماذا يعني الاجتهاد هنا لدفع نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة؟ ثم الاجتهاد مفهومه هي بذل الوسع والجهد للوصول إلى ظن بحكم شرعي. وهذا يعني أن الرأي الاجتهادي مظنون وهو رأي ومهما يكن من اجتهاد

стр. 60

د. سعاد جلال هنا فهو معارض بقول كل الصحابة الذين أثبتوا الرجم وعملوا به وكل أئمة الإسلام من الفقهاء الأربعة وأتباعهم وجميع علماء الأئمة إلى يوم القيامة "ورأي" سعاد جلال لا وزن له أمام إجماع الأمة واجتهاد علماء المسلمين ثم المجتهد إنما يسعى للتعرف على حكم الله ويجتهد للوصول إلى ما يرضي الله وإلى ما يظن أن الله لو أنزل قرآناً أو أرسل حياً فإن يحكم بما يوافق هذا الاجتهاد. فهل تصور الشيخ سعاد جلال هذا وهو يلقي باجتهاده هل تصور أنه يسعى للتعرف على حكم الله في هذه المسألة أم أنه غلب الهوى؟. وختاماً فدين الله أكبر من أن يناله المشككون واعتقاد وجوب الرجم حكماً على الزاني المحصن من المعلوم بالدين ضرورة ونفي هذا الحكم كفر.. والرجم وإن كان قضية فرعية إلا أن اعتقاد وجوبها قضية أصولية عقائدية. هذه عجالة سريعة من الرد وقد ضربنا صفحاً عن شبهات صغيرة أخرى يعرف المتابع الجواب عنها من ثنايا ردنا والحمد لله رب العالمين. ****