← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11462

وجوب تطبيق الحدود الشرعية

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجوب تطبيق الحدود الشرعية

стр. 2

مقدمة الطبعة الثانية الحمدلله جل شأنه من إله عليم قادر، وتعالى اسمه وتباركت أسماءه وصفاته، الملك العدل الحق المبين والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة المبعوث بالحق لإقامة العدل، وقطع دابر المفسدين.. صلوات الله وسلامه عليه. وعلى آله وأصحابه وأنصاره ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب وجوب تطبيق الحدود والشرعية نعيد طبعه بعد أن اشتدت الحاجة إليه بحمد الله وتوفيقه وبعد أن أضفنا له الردود على ما أثاره الدكتور سعاد جلال على صفحات جريدة الوطن بشأن الرجم حيث اتبع مذهب الخوارج السابقين في إنكار هذه الفريضة الجليلة، وحيث تشدق بمقابلته بعض المتشدقين ممن يريدون إقصاء الشريعة المطهرة عن حياة الناس ننشر ذلك -بحمد الله وتوفيقه- تنفيذاً للميثاق الذي أخذه الله على من حمل علماً أن ينشره ولا يكتمه نسأل الله أن يكون في هذا أداء لبعض الحق الذي لله علينا، ونستغفره ونعوذ به من العجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال وأسأل الله أن ينفع بهذه الرسالة، وأن يجعلها لنا في ميزان الحسنات والله ولي التوفيق إنه هو السميع العليم. عبد الرحمن عبد الخالق الكويت في ٤ صفر ١٤٠٤هـ الموافق ٩ نوفمبر ١٩٨٣

стр. 3

مقدمة الطبعة الأولى الحمدلله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، والذي أكمل الله له الدين وأتم عليه وعلى أمته النعمة وبعد. فإن شريعة الإسلام المشتملة على كل ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم قد أبعدت عن حياة الناس إلا في قضايا العبادات، وأما قضايا المعاملات والحدود والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإن عامة دول المسلمين إلا قليلاً قد استبدلت بتشريع الله فيها تشريعات من اختراع الإنسان. وكان لذلك أسباب، وليس هذا مجال ذكرها، ولكن الصحوة الإسلامية الحالية حملت معها وجوب العودة إلى الشريعة، والمطالبة الدائمة من جماهير المسلمين بوجوب الحكم بشريعة الله، ولكن أعداء هذه الشريعة لا يكادون يسمعون ذلك حتى تقفز قلوبهم إلى الحناجر وتحمر عيونهم ويصرخوا في كل ناد، ومن فوق كل منبر. دعونا من الشريعة أتريدون أن تعودوا بنا إلى الهمجية والوحشية؟

стр. 4

وبما أن معظم منابر التوجيه وأجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفاز ومدارس قد أضحت بيد من يجهلون هذه الشريعة ومن يعادونها، فإن هذه المنابر أصبحت تستخدم للتنفير من شريعة الله والصد عن سبيله. وقد رأيت من واجبي التصدي لبعض هذه الحملات الظالمة بجهدي القليل فنشرت مقالات في صحيفة الوطن الكويتية بوجوب العودة إلى الشريعة، تطبيقاً وتحكيماً وخاصة في قضايا الحدود، وبينت بركات هذه العودة على الجميع، وبينت بحمد الله وتوفيقه فساد العقوبات الوضعية القائمة الآن والتي أصبحت بديلاً من الشريعة المطهرة، ورددت في هذه المقالات أيضاً على فتوى نشرت لأحد العلماء بجواز السماح للسجين بمعاشرة زوجته مبيناً أن هذه الفتوى باطلة لأن السجن أصلاً ليس عقوبة شرعية (أي منصوصاً عليها، وإنما السجن في الشريعة عقوبة تعزيرية اجتهادية. فيما لا يتعدى الأيام القليلة) ، ولذلك فلا يجوز أن يسند بالرأي الشرعي حتى لا نرقع القوانين الوضعية بالشريعة السماوية فنضفي بذلك على قوانين الظلم والجهل القداسة والطهارة وهي براء من ذلك. ثم رأيت من واجبي جمع ذلك في هذه الرسالة مع إضافات وفقني الله إليها في بيان حكمة الشريعة ووجوب الأخذ بها، وذلك

стр. 5

نشراً لهذه القضية الهامة وتحذيراً لأئمة المسلمين وعامتهم من الركون والرضا بالشرائع الباطلة، وتنويهاً إلى وجوب العمل لوضع شريعة الله موضعها الصحيح حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله غالب على أمره، وهذا أداء لبعض الواجب عليّ. أسأل الله أن ينفع بها وأن تكون حافزاً لنا جميعاً بأن نعود إلى شريعة الله نحكمها في كل شئوننا وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. عبد الرحمن عبد الخالق الكويت في ١٨ رجب سنة ١٣٩٩هـ

стр. 6

أولاً: فضل إقامة حدود الله في الأرض مدخل: لما عصى آدم ربه في السماء، وأهبطه الله إلى الأرض كلمه قائلاً: ﴿قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ (طه: ١٢٣-١٢٤) ، في هذه الآية بيان أن شريعة الله لآدم والرسل من بعده هي العاصمة من الضلال في الدنيا، والشقوة في الآخرة. ولذلك لم تقتصر شريعة الله للأنبياء على ما يقومون به من فروض تعبدية نحو الله بل شملت تنظيم سائر حياة البشر من زواج وطلاق وميراث، ومعاملات مالية، بل وكل ما يحتاجه الإنسان ليؤسس حياة طيبة طاهرة على الأرض. ولكن الشيطان الذي أخذ على نفسه عداء آدم وذريته استطاع أن يجتال طائفة كبيرة من بني آدم عن طريق ربهم ويصرفهم عن شريعته بشرائع أخرى اخترعوها لأنفسهم فوقع بها الشر والفساد والظلم في الأرض. وإذا كانت البشرية في عصورها السابقة لم تمتلك التجارب الكافية لتقارن بين نتائج تطبيق شريعة الله وشرائع الشيطان فإنها في عصرنا هذا تمتلك تراثاً ضخماً للإسلام والجاهليات المختلفة عبر العصور وتستطيع أن تشاهد إلى أي مدى يوجد الفارق الشاسع بين تطبيق شريعة الله حيث يحل النور والعدل والصلاح وبين تطبيق شرائع الشيطان حيث ينتشر الفساد والظلم بكل الصور والأشكال.

стр. 7

ولا شك أن شريعة الإسلام المنزلة على محمد ﷺ هي أكمل شرائع الله ففيها رفع الله الآصار والأغلال والتضييق الذي كان على الأمم السابقة ولم يجعل سبحانه فيها علينا حرجاً بوجه من الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: ٧٨) ، وقد أتمها الله لتشمل شئون حياتنا كلها فلا تحتاج بعدها إلى غيرها ولا نحتاج لمزيد عليها كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (المائدة: ٣) ، وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ (النحل: ٨٩) . بركات الشريعة: ولا شك أيضاً أن بركات الشريعة المطهرة لا تحصى، فأول ذلك أن الله قد أناط خير الدنيا بتطبيق شريعته. قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ (المائدة: ٦٦) ، وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا أنها تنسحب علينا أيضاً، وقال أيضاً سبحانه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا

стр. 8

فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ (الأعراف: ٩٦) ، ولذلك ما أرسل الله رسولاً إلا ذكر قومه أن طاعة الله هي السبيل إلى استدرار رحمته في الدنيا، كما قال نوح لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً* يرسل السماء عليكم مدراراً* ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً﴾ (نوح: ١٠-١٢) ، وكذلك قال هود لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ (هود: ٥٢) ، ونفس هذا تقريباً ما أعلنه الله في شريعة محمد ﷺ حيث استفتح سورة من القرآن بقوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير أن لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير* وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمىّ ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾ (هود: ١-٣) ، ولا شك أن المؤمنين يصدقون بوعد الله ويعلمون يقيناً أن خير الدنيا والآخرة في اتباع مرضاته. وإذا كان ثم من يكذب بهذا الوعد ولا يرى رابطاً وسبباً بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم، وبين نزول المطر ووفرة الزراعات ورواج التجارات. فإن ثمة روابط مادية أيضاً يشاهدها كل ذي بصر من مؤمن وكافر بين هذا وذاك، فالصلاة والصيام تربية وتزكية لضمير الفرد وتوجيه له نحو البر والإحسان، ومحبة الخير للناس، ولا شك أن من هذا صفته أجاد

стр. 9

صناعته وزراعته، ولم يغش في تجارته، ولم يقبل رشوة إن كان موظفاً، وحافظ على الأموال العامة من الضياع، ولا شك أن مجتمعاً تكون عامته وأكثريته على هذا النحو سيكون مجتمعاً للرخاء والثروة وزيادة الإنتاج. ولا شك أيضاً أن في إخراج الزكاة أعظم فائدة لنماء الأموال والقضاء على الثورات والشحناء التي تشل الاقتصاد وتوصل البلدان إلى الخراب والدمار. وفضل الحج وهو عبادة في التقريب بين الشعوب الإسلامية لا ينكر ومع التقريب تحصل المودة وتتبادل المنافع التجارية والصناعية والزراعية، والعالم كله يسعى إلى إقامة مؤتمر كالحج تنتفي فيه الفروق بين البشر ولا يستطيع، وهذا في العبادات وأما المعاملات فهي أبلغ من ذلك لأنها تستهدف أصلاً رفع الظلم وإقامة العدل في الأرض، ولا شك أن الظلم يتبعه الخراب، وأن العدل يتبعه الرخاء والنماء. فلماذا لا تكون إقامة شريعة الله، تعني انفتاح البركات وزيادة الخيرات. ولا شك أيضاً عند كل ذي لب من مؤمن وكافر أن إقامة الحدود أعني العقوبات الشرعية هي من أكبر أسباب زيادة الخيرات والبركات فقطع يد السارق يعني المحافظة على الأموال وخروجها من المخابىء ليعمل بها في التجارات والزراعات والصناعات، لأن رأس المال جبان -كما يقولون- فإذا توفرت له الحماية خرج، وإذا انتشرت اللصوصية والظلم اختبأ أو هرب، ولا شك أيضاً أن قتل القاتل ردع عن هذه الجريمة المسببة لخراب العمران وتقطيع أوصال المجتمعات، وناهيك بتنفيذ حد الزنا حيث يقطع دابر البغاء، وإنفاق الأموال في غير وجهها، ويقطع الطريق على إنجاب أولاد الزنا الذين هم آفة المجتمعات، فالطفل الذي ينشأ لا يعلم له أباً

стр. 10

يمتلئ قلبه بالحقد والكراهية للمجتمع، ولا شك أنه يظلم الناس إذا وجد الفرصة لذلك. ولهذا كان عامة المنحرفين والمجرمين من هؤلاء. والمجتمع الإسلامي الذي يظهر على هذا النحو من النظافة والطهر لا شك أنه سيكون مجتمع الخير والبركة والنماء. فلماذا تنكر إذن أن يكون هناك رابط وسبب مباشر تراه كل عين ويفقهه كل قلب بين تطبيق الشريعة المطهرة وبين الرخاء المادي والسعادة الدنيوية. وصدق الله القائل: ﴿من عمل عملاً صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (النحل: ٩٧) . ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: [إقامة حد في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً] رواه النسائي وابن ماجة. ثانياً: التحذير من ترك إقامة الحدود ولا يظنن ظان أن الله قد أنزل شريعته وترك لنا الخيار في العمل بها أو إلغائها، أو أنه يأجرنا ويبارك لنا إذا أخذنا بها، ولا يعاقبنا إن تركناها. أعني ليس تنفيذ الشريعة من باب المستحب والمستحسن، بل من باب الفرض والواجب. فكما أن على تطبيق الشريعة يحصل الفلاح في الدنيا والآخرة، فإن على تركها وإهمالها يتوجب الخسار والدمار في الدنيا والآخرة أيضاً، وإليك الأدلة الشرعية والعقلية على ذلك.

стр. 11

(أ) الأدلة الشرعية: قال تعالى آمراً رسوله بتنفيذ حدوده ﴿سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾ (النور: ١) ، وهذه الآية هي مطلع سورة النور وفيها يعلن الله فرضية هذه السورة التي شرع فيها حد الزنا، والقذف، وضوابط اللعان، وكذلك كثيراً من آداب الإسلام الأخرى كالحجاب والاستئذان وطاعة الرسول. وبدأ الله سورة المائدة بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١) ، وهذا أمر بأن نوفي أي نكمل ونتمم كل ما عاهدنا الله عليه ثم ذكر الله في هذه السورة كثيراً من العقود والحدود، ومنها تحريم أنواع من الأطعمة، ووجوب العدل مع الأعداء، والوضوء والتيمم، والقتال، والقصاص، والسرقة، وقال في هذه السورة سبحانه بعد ذكر طائفة من هذه العقود والحدود. ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾ (المائدة: ٤٨) ، وقال أيضاً: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون. ومن أحسن من الله

стр. 12

حكماً لقوم يوقنون﴾ (المائدة: ٤٩-٥٠) . وهكذا أوجب على رسوله أن يحكم بين الناس بما أنزل الله إليه، وحذره أن يخرج عن بعض هذا المنزل، وبالطبع هذا الأمر للرسول أمر للأمة كلها، والتحذير تحذير للأمة وخاصة من بيدهم الحكم ومن ولاهم الله شئون المسلمين. وفي هذه السورة أيضاً سورة المائدة حذرنا الله من أن يحل بنا ما حل باليهود والنصارى الذين بذلوا وتركوا ما أنزله الله عليهم من التوراة والإنجيل، ولذلك كفرهم وفسقهم بذلك كما قال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (المائدة: ٤٤) ، ومعلوم أن هذا نص عام، فكما كفر اليهود بترك كتابهم فإن هذه الأمة تكفر بترك كتابها ثم بين أنه كتب على اليهود القصاص وأنهم تركوا ذلك فظلموا وخرجوا من الدين حيث قال سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (المائدة: ٤٥) . وذكر نحو هذا في النصارى أيضاً وحكم عليهم وعلى أمثالهم ممن تركوا الشريعة بالفسق والمروق من الدين حيث قال سبحانه: ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم

стр. 13

مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (المائدة: ٤٧) . ولقد كان هذا الترك للشريعة المنزلة سبباً في لعن الله لليهود وغضبه عليهم، كما قال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ (المائدة: ٧٩) ، ومعلوم أن أكبر إنكار ونهي عن المنكر هو إقامة الحدود التي هي بمثابة الزواجر عن ارتكاب الفاحشة والظلم في الأرض، ولو أقاموا الحدود لكان هذا أكبر نهي عن المنكر، ولم يلعنهم الله في الآخرة فقط بمعنى أن يطردهم من رحمته، بل عاقبهم في الدنيا بألوان من الخزي والعار كما قال تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (آل عمران: ١١٢) . ومعلوم أيضاً أن ترك الحدود أعظم دليل على الكفر بآيات الله، وقد ذكر أن هذه العقوبات ستظل أبدية عليهم إلا ما استثناه الله في الآية السابقة: ﴿إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ حيث يقول: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك

стр. 14

سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ (الأعراف: ١٦٧) ، ولقد قال هذا سبحانه في سورة الأعراف بعد أن ذكر اعتداءهم في السبت بصيد السمك في يوم حرم عليهم العمل فيه ثم ترك بعضهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومثل هذه الآيات القوارع جاء مثلها بشأن النصارى أيضاً كما قال تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤) ، وكل من قرأ تاريخ النصرانية يعلم إلى أي حد فتكت عداوة النصارى -بعضهم بعضاً- بهم ومزقتهم كل ممزق. وما ادخره الله للكافرين منهم في الآخرة أعظم من ذلك. ولا يظنن ظان أيضاً أن المسلمين من أمة محمد ليسوا كذلك، بل كل ما هدد به السابقون يقع مثله بالأمة إن فعلت فعلهم. إلا ما شاء الله كما قال تعالى في شأن إهلاك قرى لوط: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ (هود: ٨٢-٨٣) ، أي وما الحجارة التي أهلك الله بها قوم لوط ببعيدة عن الظالمين من أمة محمد إن فعلوا فعلهم وساروا على منوالهم. وكذلك قال سبحانه: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به﴾ (النساء: ١٢٣) ،

стр. 15

أي كل من عمل سوءاً من يهودي أو نصراني أو مسلم فإنه يجازي به لأن الله لا يحابي أحداً. وكذلك قال سبحانه: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ (يونس: ١٠٢) . وقال أيضاً: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير. فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾ (هود: ١١١-١١٣) ، وهذه الآيات كلها قوارع وزواجر تبين أن هذه الأمة يجب عليها أن تستقيم على أمر الله كما شرع الله، وأنها إن تركت ذلك وركنت إلى الظالمين في شيء من تشريعهم الباطل فإن لعنة الله وعقوبته تحل بهم كما حلت بالأمم السالفة. وهذا الذي أخبر الله به واقع أمامنا نراه ونشاهده كل يوم، فاندحار هذه الأمة وذلتها وتشريد أبنائها، وركوعها أمام اليهود وكل أعداء الله في الأرض، ثم فرقتها وشتاتها أليس كل ذلك شاهد واضح على صدق وعد الله وأنه سبحانه لا يخلف، وأنه لا يحابي أحداً سبحانه، وأن أمة محمد لا تنصر إلا بتطبيق شريعته وابتغاء مرضاته سبحانه، فهل بعد هذا يماري مجادل في أننا لا نعتز إلا بتطبيق شريعته وأن ذلتنا الحاضرة إنما هي من ترك هذه الشريعة الغراء.

стр. 16

(ب) الأدلة العقلية: يستطيع أي عاقل منصف ينظر إلى الشريعة الإسلامية ومنهجها في الزجر عن الفساد في الأرض واستئصال دابر الجريمة، وكيفية إقامة العدل بين الناس أن يصل إلى يقين بأن ترك هذه الشريعة يعني زرع الفساد في الأرض. وخاصة أرض العرب إذ أن هذا الجنس من البشر لا يجتمع إلا على سلطان ديني، فما اجتمع العرب في تاريخهم الطويل إلا على هذا السلطان الذي ألف بين قلوبهم ووحد صراطهم ومنهجهم في الحياة، وردع أهل الشر منهم والفساد عن شرهم وفسادهم، ولا يكاد يخرج هذا الدين من أوساطهم حتى يعودوا إلى مثل الجاهلية الأولى شراً وفساداً وفرقة. ولا نعني بهذا أن الدين لا يصلح إلا للعرب خاصة، بل الدين فيه صلاح العالمين والعرب على وجه الخصوص واليقين. فالعالم اليوم يعج بأحط أنواع الفساد والانحلال. فالظلم والطغيان في ظل القوانين الاقتصادية الجائرة أمر شاهد لكل عين سواء في ظل النظام الرأسمالي الذي يبيح الربا وأنواعاً من الاحتكار أو في ظل النظام الشيوعي الذي ينتهك حرمة الإنسان بتجريده من أهم ما يقوم حياته وهو رأس المال ووسيلة الإنتاج. ويجعل منه عبداً لصنم يسمى (المجموع) وحيث يذهب المال في النهاية إلى طوائف من المنتفعين ممن يبقون على رأس السلطة في المجتمعات الشيوعية والاشتراكية. وكذلك الحال في النظام السياسي فبإقصاء الشريعة عم الظلم وناهيك بالنظم الاجتماعية والأخلاقية حيث

стр. 17

انهارت الأسرة وفقد التواصل والترابط بين الأرحام وكل ذلك بانتشار الزنا وإباحة اللواط حيث انعدم الوفاء والإخلاص والحب الحقيقي بين الزوجين وبالتالي بين الأم وأبنائها، والأب وأولاده، والإخوة بعضهم مع بعض، وأصبح المجتمع أشبه بمجتمع الحيوانات، حيث يتقاتل الذكور على الإناث وقت السفاد دون خجل أو حياء، ومثل هذا المجتمع الذي يفقد الإنسان فيه آدميته ويلتحق بالبهائم لا شك أنه مجتمع شر وفساد. وهل من الممكن أن تصلح هذه المجتمعات دون نظام إسلامي يردع عن الفواحش ويضع العلاقة بين الرجل والمرأة في مكانها الصحيح ويقيم أسس الاجتماع على التراحم بين الأقارب، ويعرف الإنسان فيه أباً حقيقياً وأماً رحيمة وأخوة يشاركونه نفس الأب. وكذلك أعماماً وأخوالاً وأحفاداً، بدلاً من أن يعيش الناس في مجتمع لا يشكلون فيه أكثر من أرقام عددية كهذه الأرقام التي نعلقها على الطيور والحيوانات في مزارع تربية الماشية والدواجن. وإذا كان العالم اليوم يشكو من السرقة التي استفحل أمرها، ومن حوادث الاغتصاب التي باتت تهدد كل فتاة، ومن حوادث القتل التي لا تكاد تأمن منها نفس، فمن لهذا العالم يخرجه من الفساد إلا نظام الله وقانونه الذي ما إن يطبق في مجتمع ما تطبيقاً عادلاً حتى تستقر الأوضاع ويأمن الناس وينقطع دابر الشر والفساد. ومثل هذه الدعوى التي ندعيها لا تحتاج إلى برهان لأن التاريخ كله شاهد بذلك قديماً وحديثاً. ومقارنة يسيرة إلى أي

стр. 18

مجتمع جاهلي يطبق قوانين الإنسان الجاهلية، ومجتمع مسلم طبق قانون الله العليم سيطلع أي منصف على الفارق الشاسع بين نظام البشر حيث الجهل والظلم والانحراف وبين نظام الله حيث الرحمة والعدل والطهارة. ولذلك فكل عاقل من البشر مدعو أن يطالب بملء فهمه وبغاية جهده أن يعود الناس إلى نظام الله لنأمن في الدنيا ونسعد قبل الآخرة، وأقول كل إنسان سواء كان مؤمناً أو كافراً يجب أن يسعى لهذا ما دام يملك شيئاً من الإنصاف والحق. وذلك أن كل منصف وصاحب حق سواء اهتدى إلى الإيمان أم لم يهتد سيجد في تشريع الله ضالته المنشودة في إقامة العدل بين الناس وفيما يسمى بالمجتمع الفاضل والمدينة الفاضلة، فالحريات السياسية والدينية قد كفلها الله للجميع في ظل هذا النظام والمحافظة على عقول الناس وأعراضهم وأموالهم، ودمائهم ونسلهم ودينهم قد شرع الله لها من التشريعات ما يصونها ويحفظها، وهل يريد أي عاقل أن يعيش في مجتمع خير من هذا المجتمع الذي يصون له كل مقومات حياته، ويطلق يده في كل باب من أبواب الخير يعود عليه بالنفع. بالطبع لا يعارض إلا المجرمون من أهل الظلم والسرقات والغضب أو من أهل الخنا والخسة والدناءة الذي يحبون أن تشيع الفاحشة ليعيشوا في حمأتها وأن ينتشر الزنا ليصيبوا منه ما وسعهم ولا يسألون بعد ذلك على بناتهم أو أمهاتهم أو أرحامهم. أمثال هؤلاء هم الذين تشرق حلوقهم بذكر تشريع الله ويصيبهم الهلع والجزع إذا سمعوا بحدوده ويتحسون ظهورهم وأيديهم وأعناقهم خوفاً من الجلد والقطع لما اقترفوه من زنا وفاحشة وسرقة وقتل وفساد.

стр. 19

والواجب ألا نعبأ بهؤلاء لأن هؤلاء هم آفة المجتمعات وسوسها وتخليص المجتمعات من شرورهم هو أكبر رحمة للبلاد والعباد. فهل يتنادى العقلاء بعد ذلك من كل ملة وجنس بالعودة إلى تشريع الله وتطبيق حدوده في الأرض؟

стр. 20

ثالثاً: رد الحكم الشرعي كفر تثير الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية خوفاً وهلعاً عند فئات شتى. فالحكام يخافون على مناصبهم، وأصحاب الأموال يخافون على ثرواتهم، وأهل الفجور والمعاصي يخافون على ما هم فيه من دنس وقذارة. وقد يكون في وسط هؤلاء وهؤلاء بعض من يصلون ويزعمون حب الله ورسوله والامتثال برسالة الإسلام. وحتى يكون في هذا الكتاب موعظة لكل هؤلاء فإننا نذكرهم جميعاً بما يلي: - ١- رد الحكم الشرعي كفر: لا يشك مسلم أن من لوازم الإيمان الإقرار بشرع الله سبحانه، والتسليم لأمره، وهذا معنى الإسلام أي التسليم والإذعان والانقياد لأمر الله، وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ وكقوله جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ ، وفي هذه الآية تعجب الله سبحانه ممن يدعي الإيمان وهو يريد أن يتحاكم إلى غير حكم الله وحكم رسوله وأخبر أنه لا يؤمن إلا من حكم الله ورسوله في كل شجار يكون بينه وبين آخرين، ورضي بحكم الله وحكم رسوله وسلم تسليماً كاملاً لذلك. ولا شك أن الحدود الشرعية للجرائم المعروفة: السرقة، والقتل،

стр. 21

والزنا، وشرب الخمر، وقطع الطريق، والإفساد في الأرض، وغير ذلك من الجرائم. وهذه الحدود الشرعية أعني العقوبات المقدرة شرعاً لهذه الجرائم أصبحت لاشتهارها من المعلوم في الدين ضرورة، ولا يكاد بل لا يصح من المسلم أن يجهل ذلك. وإذا كان هذا ثابتاً ومعلوماً في الدين فإن تكذيبه أو رده كفر مخرج من ملة الإسلام، وهذا الحكم لا خلاف فيه بتاتاً، أعني كفر من رد حكماً من أحكام الله الثابتة في كتابه أو على لسان رسوله خاصة إذا كان هذا الرد معللاً بأن هذا التشريع لا يناسب الناس، أو يوافق العصر، أو أنه وحشية، أو غير ذلك لأن حقيقة عيب التشريع هي عيب المشرع، والذي شرع هذا وحكم به هو الله ، ولا يشك مسلم في أن عيب الله أو نسبة النقص أو الجهل له كفر به وخروج عن ملة الإسلام. ولذلك فالأمر الأول الذي ينبغي أن يتعلمه الذين يردون هذا الحكم أنهم ليسوا من جماعة المسلمين ولا ينتمون إلى هذه الأمة أصلاً. إلا أن يعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله . ٢- لا يخاف العقوبة إلا المجرم: نحن نعلم يقيناً أن كثيراً من الذين هالهم وأخافهم تنفيذ العقوبات الشرعية هم من الكفار الأصليين (الكافر الأصلي هو الذي لم يدخل الإسلام قبل كاليهودي والنصراني) وإن كانوا يتكلمون بحرص كاذب على الإسلام والمسلمين، ونعلم يقيناً كذلك أنه لا

стр. 22

يخاف العقاب إلا المجرم، فالذين يثورون اليوم مذعورون خائفين ما أخافهم إلا أن ينالهم العقاب يوماً. ولذلك فهذه الضجة المفتعلة التي أججها من أججها بكل هذا الذعر والخوف والصراخ يعلم الجميع دوافعه ودوافنه، فهذه العقوبات لا تنال في الشريعة إلا المجرمين فقط، ولا تكون في مواقعها الشرعية إلا بتوفر شروط صارمة، فالزنا لا يتوفر إثباته الشرعي إلا بشهادة أربعة عدول يشهدون الجرم نفسه، وهذا لا يتأتى إلا أن تفعل هذه الفاحشة في الهواء الطلق. وليس هناك من إثبات آخر لهذه الجريمة سوى الاعتراف، والمعترف هو يريد الطهارة لنفسه. وأما حد السرقة فبالرغم من أنه يثبت بشهادة عدلين وطرق أخرى، وبالرغم من الشدة الواضحة فيه فلا يشك منصف أن هذا موقعه تماماً ليس من حيث أن الله وحده شرع ذلك وهو العزيز الحكيم بل وأيضاً عند ذي عقل متجرد عن الغواية والهوى، فاليد التي تمتد خفية إلى أموال الآخرين وقد كفل لها الدين الأمن والسلامة والعدل والإنصاف، لا شك أنها يد آثمة تستحق القطع، ولا شك أن عنصر الخوف من القطع وازع عظيم، والأيدي القليلة التي قطعت في الإسلام بهذه الجريمة حفظت من الأموال والدماء والأعراض ما يفوقها ملايين المرات، ودين يقطع الأيدي الخائنة من مجتمعه جدير بالتعظيم والإجلال، وأما الشرائع التي تضع الأيدي الخائنة في مستوى المسئولية وتؤمنها على الأعراض والأموال لا شك أنها شرائع فاسدة، ونحن نعيش الآن في عالم يظهر فيه كل يوم فضيحة سياسية في قمة السلطة، وهذه الفضائح ليست أخلاقية فقط بل ومالية أيضاً، وهذه الفضائح التي تطفو على سطح هذا العالم المهترىء لا تمثل إلا جانباً يسيراً فقط

стр. 23

من جوانب الفساد الحقيقية المنتشرة في هذا العفن والفساد، والذي يسمى بالحضارة الحديثة. فإذا حاول المسلمون اليوم أن يعودوا لتطبيق هذا الزواجر الشرعية فإنما يعني هذا في أقل صورة القضاء على المستوى المهين الذي وصلنا إليه عبر العقوبات التافهة، والصيغ الملتوية للتحايل على الإجرام والفساد. ولذلك فإن أي منصف لا يستطيع أن يصف الصارخين في كل مكان بإبعاد الحدود الشرعية عن واقع التطبيق إلا أنهم كارهون للدين تدفعهم هذه الكراهية إلى معاداة كل شيء فيه حتى لو كان زكاة، أو تحريم ربا، أو تحريم ظلم واستغلال، أو أنهم مجرمون منتشرون، يستطيعون العيش على أموال الناس وأعراضهم في ظل قوانين هشة تخدم الفساد والشر.

стр. 24

رابعاً: الحبس ليس عقوبة شرعية ولذلك فلا يجوز ترقيعه من الشريعة اطلعت على ما نشرته (الوطن) يوم السبت ٢٣-١٢-١٩٧٨م حول الفتوى التي نسبتها إلى لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف وذلك بإباحة الشرع للسجين أن يعاشر زوجته أثناء فترة سجنه، وقرأت التبرير الذي نسب إلى الشيخ عطية صقر والذي برر به هذه المعاشرة وجاء في معرض قوله: "عقوبة السجن يقصد بها التهذيب والتقويم". وقوله: "وإننا نرى أنه لا بأس من أن يكون للسجين فرصة للقاء زوجته على أن لا يكون ذلك بصفة دائمة، أو مرات متقاربة حتى لا يستمرئ حياة السجن ما دامت مطالبته ومشتهياته كلها في متناوله، بل يكون هذا اللقاء في فترات متباعدة ليبقى لديه الإحساس بمرارة الحرمان والندم على ذنبه"أ. هـ. وحيث أن هذه الفتوى تعد ترقيعاً خطيراً للقانون الوضعي (المخالف للشريعة الإسلامية) وكذلك تعتبر تأييداً وتدعيماً لعقوبة "لا إنسانية" وهي السجن، فإننا رأينا من واجبنا أن نرد على ذلك مبينين أن عقوبة السجن ليست عقوبة شرعية حتى يستفتي المسلمون في شأن إصلاحها، وكذلك فالسجن أيضاً ليست عقوبة إنسانية، بل نراها جريمة ترتكب باسم العدالة، وإليكم الأدلة والبيان لما قدمنا:

стр. 25

أولاً: عقوبة السجن ليست عقوبة شرعية: وهذا الحكم تقريباً من المعلوم في الدين ضرورة فلم ترد كلمة السجن والحبس في الكتاب والسنة كعقوبة محكمة (غير منسوخة) قط. والذي جاء في الكتاب والسنة مما قد يفهمه بعض الناس أنه عقوبة سجن هو: (أ) قوله تعالى في شأن الزانيات ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ (النساء: ١٥) . وقد أمر هنا سبحانه بإمساك الزانية في البيوت حتى الموت أو إلى أن يفصل الله في شأنهن بأمر آخر، وقد فعل الله ونسخ هذا الحكم وحكم في شأنهن بالجلد إذا كانت بكراً كما قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (النور: ٢) ، وأما المحصن والمحصنة فقد حكم الله فيهما ورسوله بالرجم وأخبر الرسول أن الجلد والرجم هو السبيل الذي أشار الله إليه في آية النساء الماضية: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ ، كما قال ﷺ : [خذوا عني، خذوا عني!! قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد

стр. 26

مائة والرجم] (رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي) ، والشاهد من كل ذلك أن الحبس في البيوت منسوخ بآية (النور) والحديث الآنف. ولا شك أن الحبس في البيوت أيضاً المنسوخ ليس هو كالحبس المعروف في أيامنا هذه (وسيأتي لهذا تفصيل آخر) . (ب) وأما الدليل الآخر الذي قد يفهم منه بعض الناس أن الحبس عقوبة شرعية، فهو النفي أو التغريب، الذي جاء في قوله تعالى في شأن المفسدين في الأرض: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ (المائدة: ٣٣) الآية. وقد ذكر الله هذا (النفي) على أنه عقوبة شرعية، وكذلك جاء في حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه آنفاً في شأن عقوبة الزاني البكر قوله ﷺ : [والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام] ، فالتغريب المذكور هنا في الحديث يعني الإبعاد عن مسرح الجريمة.. وقد فهم بعض الناس كما ذكرت آنفاً أن (النفي والتغريب) في الآية والحديث يعني السجن، أو يقوم السجن مقامه، وهذا قياس بعيد جداً فالمنفي يمارس حياته كاملة في منفاه وإن كان يراقب أو (تحدد إقامته) كما هو اصطلاح العصر وكذلك من حكم عليه بالتغريب فإنه يمارس أيضاً حياته كاملة. والسجن أيضاً عقوبة تختلف عن هذا تماماً. بل هو جريمة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (جـ) وقد يستدل بعض الناس أن السجن عقوبة شرعية لأن بعض الخلفاء قد اتخذوا السجون، وعاقبوا بهذه العقوبة.

стр. 27

فالجواب عن ذلك أنه لم يعاقب خليفة راشد قط بالسجن كعقوبة لحد من حدود الله تعالى كسرقة وقتل وزنا ونحو ذلك من العقوبات التي جاء لها حدود في الشريعة الإسلامية وإنما عاقب بعض الخلفاء بالسجن كعقوبة تعزيرية في الجرائم التي لم ينزل تحديد شرعي بعقوبتها. كما عاقب عمر بن الخطاب ﵁، في النشوز، والهجاء وقد كانت هذه العقوبة واحداً أو أياماً قليلة، وهذا في الحقيقة نوع من التوقيف والتعزيز، وليس هذا عقوبة شرعية ولذلك نص من أباح السجن في مثل هذه التعازير أن لا يزيد عن سنة بحال حتى لا يجاوز الحد الشرعي في التغريب. وهذا على كل حال ليس دليلاً شرعياً لأن هذا اجتهاد لسنا ملزمين بالأخذ به وخاصة إذا كانت كل الشواهد تدل على أن السجن قد أضحى مدرسة للإجرام وليس إصلاحاً وتهذيباً كما يزعمون.

стр. 28

ثانياً: السجن هو صلب العقوبات الوضعية: وبينما نرى أن الشريعة المطهرة استبعدت "السجن" تماماً كعقوبة شرعية (أي منصوص عليها، وإنما السجن في الشريعة مجرد إيقاف احتياطي على ذمة التحقيق أو تعزيراً باجتهاد القاضي لا يتعدى الأيام المعدودة) ، فإن القوانين الوضعية جعلت عقوبة السجن هي العقوبة الأساسية في كافة الجرائم على اختلاف صورها وأشكالها. فالسجن هو عقوبة في جرائم القتل، والعدوان على ما دون النفس، والسرقة، والنصب والتزوير وكل الجرائم المالية، وكذلك جعلته عقوبة للاغتصاب وما تعتبره جرائم خلقية، والأدهى من ذلك أيضاً أنها جعلته عقوبة فيما يشبه الجريمة وليس بجريمة أصلاً كقتل الخطأ الذي لا يد فيه للقاتل، وكحيازة الأسلحة، بل ومن أعجب العجب أنها جعلته عقوبة لما أسمته بجرائم الرأي، وقد بالغت القوانين الوضعية في هذه العقوبة فحكمت بالسجن المؤبد مطلقاً حتى الموت بل والسجن مائة سنة ومائة ونيف، ومن المعلوم عادة أن الإنسان لا يعمر على هذا النحو.. وكان لا بد لكل منصف أن يعلم أن الشريعة تنزيل من حكيم حميد، وأن يسأل نفسه لماذا استبعدت الشريعة عقوبة السجن على هذا النحو؟! ولماذا أقرت الشرائع الوضعية العمياء هذه العقوبة على هذا النحو أيضاً؟ ولن يخفى بالطبع عند النظر والفهم لهذه العقوبة الباطلة أنها جريمة وليست عقوبة. وإليك تفصيل هذا في الفصلين الآتيين.

стр. 29

خامساً: أهداف العقوبات الشرعية للعقوبة في الإسلام أهداف وحكم محددة هي: التطهير، والقصاص، والتعويض، والزجر، و"السجن" كعقوبة لا يحقق شيئاً من هذه الحكم ولا الأهداف، بل على العكس من ذلك فإنه يحقق من الفساد أضعاف ما قد يوجد فيه من مصالح تافهة وإليك التفصيل في كل ذلك: أولاً: التطهير: فرض الله الحدود في الإسلام (العقوبات الشرعية المنصوص عليها) مطهرات للذنوب التي ارتكبها أصحابها وعوقبوا عليها كما في حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: [بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له] الحديث. وهذه الكفارة مطلوبة عند المسلم الذي يخاف عقوبة الله في الآخرة وكذلك هي ماحية للذنب عند الله سبحانه في الآخرة حتى لو لم يرد (المحدود) المعاقب في حد شرعي بالتطهير. وهذا في ذاته نفع لصاحبه. ومعلوم قطعاً أن الذي ينفذ فيه حد غير شرعي كالسجن مثلاً فإن جانب التطهير منتف منه لأن الطهارة الشرعية من الذنب حق من حقوق الله تعالى إذ لا يغفر الذنوب إلا هو

стр. 30

سبحانه وتعالى، ولا يغفر الله الذنب إلا بالطرق التي شرعها لذلك. ومعنى هذا أن الذين تطبق عليهم عقوبات وضعية فإنما نفتنهم ونعذبهم فقط دون أن يعود عليهم مردود ديني وهذا في نفسه ظلم للعباد كما أنه جريمة في حق الله لأننا بذلك نعذب العباد بما لا يرضاه الله وما لم يشرعه. وهذا ظلم آخر. ثانياً: الزجر: الحكمة الثانية التي من أجلها شرع الله الحدود في الإسلام هي الزجر أعني ردع المجرم نفسه عن معاودة الجرم، وكذلك ردع غيره إذا رأى العقوبة وعاين جزاء الجرم، ولذلك فرض الله في عقوبة الزنا أن يشهدها طائفة من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (النور: ٢) ، وهذه الشهادة من أقوى عوامل الردع والزجر عن المعصية. وقد أثبتت المشاهدات، والاستقراء على أن الحدود الشرعية ما طبقت في مكان ما إلا وقتلت الجريمة في مهدها وأمن الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم. والعكس تماماً في "السجن" كعقوبة وضعية، فقد دلت الإحصائيات والمشاهدات والاستقراء أن غالبية المسجونين يعودون بعد خروجهم، إلى نفس الجرم الذي سجنوا من أجله، وأن هذه العقوبة لا تشكل أي زجر للناس لأنها تفعل في السر ونادراً ما يراها عامة الناس، بل من الناس من لا

стр. 31

يعرف شيئاً عما يدار في السجون أصلاً. ولذلك فهي لا تشكل أي نوع من الزجر عن الجريمة، وهذه حكمة أخرى منتفية من هذه العقوبة الوضعية. ثالثاً: القصاص: الحكمة الثالثة من العقوبات الشرعية هي القصاص ومعنى القصاص أن نأخذ من الجاني بقدر جنايته فالنفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والسن بالسن والقصاص عادل وجزاء مكافئ تماماً للجريمة فليست نفس الجاني ولا عينه بأعز وأغلى من نفس وعين المجني عليه.. والسجن إذا استبدل بالقصاص فإنه أولاً جزاء غير مكافئ للجريمة، وهذا في نفسه ظلم وتحيز من المجتمع أو المشرع للجاني، فكأن الجاني هو أولى بحماية المجتمع من البريء المعتدى عليه، فإذا أضاف المجتمع تعهد السجون بالعناية والرفاهية فكأنه يقدم للمجرمين برهاناً جديداً على أنهم أولى في نظره من المظلومين البريئين المعتدى عليهم، وهذا غاية في الجهل والحماقة. والشريعة المطهرة بريئة من هذه الحماقات الوضعية في أبواب الجرائم، ولذلك نسمع كل يوم بأنواع من الإجرام لم تكن معلومة، في السابق، كالجرائم "السادية" ومصاصي الدماء، والجرائم الجنسية المروعة.. وهذا بالفعل إفراز طبيعي لهذه القوانين التي تحمي المجرمين وترضى بوقوع الظلم على المسالمين.

стр. 32

رابعاً: التعويض: والحكمة الرابعة من حكمة العقوبات في الإسلام هي التعويض للمجني عليه كالدية، في جرائم القصاص، وتغريم أثمان المتلفات وهذا في ذاته عدل لأن التعويض المالي للمعتدى عليه حق له إذا فقد نفسه فهو لورثته وإذا فقد عضواً منه، وكذلك إذا فقد شيئاً من ممتلكاته. وأما السجن للمجرم فهو لا يعوض المجني عليه شيئاً من ذلك، فماذا يستفيد المجني عليه من سجن الجاني سنة، أو سنتين فهذا لا يشفي صدره، ولا يعوضه شيئاً عن مظلمته. وهكذا يفقد السجن كعقوبة عمياء كل حكمة العقوبات الشرعية ويبقى التمسك به نوعاً من التمسك بالباطل واتباعاً لسبيل المجرمين الذين استبدلوا تشريع لله بتشريع أهل الأهواء والعمى من واضعي القوانين. فإذا أضفنا إلى هذا أيضاً مفاسد السجون فإن هذه العقوبة تصبح أمامنا هي الجريمة بعينها.

стр. 33

سادساً: هذه بعض مفاسد السجون بينا سابقاً في ردنا على من أفتى بالجواز الشرعي لمعاشرة السجين لزوجته أثناء تأدية العقوبة القانونية أن هذه فتوى غير جائزة لأن السجن ليس عقوبة شرعية، وكذلك لأن السجن لا يحقق حكماً ولا غاية من العقوبات في الإسلام وقد أقمنا بحمد الله الدليل على كل ذلك. والآن نأتي إلى فاصل جديد لنبين أن للسجن كعقوبة مفاسد عظيمة. وإليك أهم هذه المفاسد: أولاً: السجن دورة للإجرام: وهذه قضية لا ينكرها إلا مكابر، فالسجناء يجتمعون بجرائم مختلفة ويقضون أيام سجنهم معاً في (عنابر) غرف واسعة يأكلون وينامون جميعاً، ولا تكاد تدور أحاديثهم في ليلهم ونهارهم إلا حول جرائمهم ومشكلاتهم وأمانيهم بعد الخروج، وذلك لمن له أمل في الخروج، ولذلك فالسجن في حقيقته مدرسة للإجرام يتعلم البسطاء من المجرمين أساليب جديدة من أساطين المهنة، ولا تستطيع الدول علاجاً لهذه الظاهرة أن تعمل بالسجن الانفرادي لأنه يكلف باهظاً. ثم هو أدهى وأمر من السجون العامة لأن السجين وحده ينهار نفسياً عندما لا يجد من يكلمه أو يشكو إليه عدداً من الأيام، والسجن الانفرادي أشد تعذيباً من القتل لأنه في حقيقته قتل بطيء لا توصف آلامه النفسية.

стр. 34

ثانياً: السجن مدرسة للشذوذ والانحراف الجنسي: وهذه كذلك مشكلة المشاكل في السجون، فالسجناء وخاصة الذين يقضون مدداً طويلة ينتشر بينهم الفساد والشذوذ الجنسي بكل صوره وأشكاله. والعجيب حقاً أن القوانين العمياء التي تسجن على الجرائم الخلقية تضطر السجين إلى فعل الجرائم الأخلاقية داخل أسوارها، وهذا غاية الفساد والسفه. ومن يطالع إحصائيات الأمراض الجنسية يعلم مدى انتشار هذه الأمراض بين السجناء. ولنا أن نفكر في مدى العنت والكبت الجنسي الذي يلاقيه السجناء داخل السجون وخاصة الذين يمضون فترات طويلة تمتد إلى خمس وعشر سنوات. فبالله عليكم ما وضع السجين الذي أدخل السجن في قبلة واحدة لفتاة فحكم عليه بخمس سنوات وسط بركة عظيمة للإجرام والفساد؟! ثالثاً: السجن عبء اقتصادي على الأمة: هل فكرتم بالنفقات الباهظة التي تكلفها السجون في الدولة، إنها ليست فقط نفقات البناء وطعام السجناء. إنها أيضاً مشكلات الحراسة، إن هذا العدد الضخم من الضباط والجنود الذين يتناوبون حراستهم ليلاً ونهاراً. وهذا يكلف الدولة عظيماً من النفقات وليته في شيء له طائل أو مردود. ثم إننا نحجب السجناء عن العمل الذي كانوا يعملونه خارج أسوار السجن، وهذا فساد اقتصادي جديد، ولا يجوز بتاتاً أن نفرح بالخزعبلات التي يتلهى فيها السجناء كعلاقات المفاتيح وصناعة المسابيح و (القحافي) .

стр. 35

رابعاً: السجون في حقيقتها: السجون هي الدور السرية التي يمارس فيها الطغاة والجبارون من الملوك والرؤساء تعذيب الخارجين عليهم، وإهدار كرامتهم وآدميتهم. ففي السجون وبعيداً عن أعين الشعوب يمارس الطغاة كل ألوان الخسة والنذالة وقتل الإنسانية وظلم الذين يأمرون بالقسط من الناس. وفي كل يوم ينزل طاغوت عن عرشه تكتشف الشعوب أن إخوانهم وأبناءهم كانوا يلاقون الكي بالنار والنفخ في الأدبار، والتعليق من الأرجل، والشرب من البول والتعري، وفعل الفواحش في بعضهم بعضاً.. وأمور أخرى يندى لفعلها الجبين ويستحي من ذكرها الكريم. ولو كانت الشريعة الإسلامية مطبقة، وطبقت الحدود الإسلامية هكذا في الشوارع أمام الناس، لما تمكن الحاكم الظالم من أن يجعل السجون قمعاً للحرية وإذلالاً للناس. خامساً: هل فكرتم بأسر السجناء ؟ وإذا كان السجناء يلاقون الموت البطيء والذل والكبت في السجون، فإن وراء كل واحد منهم أسرة تتعرض للمهانة الاجتماعية والضياع، وفقد العائل. فماذا تفعل زوجة يغيب عنها زوجها عشر سنوات مثلاً؟ والعجب أن القوانين لا تفرض مثلاً لأسر السجناء ما يحميهم ذل الفقر والحاجة بل تكتفي بإلقاء السجين في الظلمات تاركة أهله وأولاده خارجاً يلاقون مصيراً يكون أحياناً أظلم من مصيره.

стр. 36

هذه المفاسد التي ذكرناها آنفاً هي في الحقيقة جزء من مفاسد السجون وليست استقصاء لها، ولقد كنا نغفل الطرف عن بعض هذه المفاسد لو كانت هناك حكمة ترتجي أو نفع يؤمل أو قطعاً لدابر الشر والفساد، بل على العكس من ذلك فالسجن في حقيقته مدرسة للفساد والإجرام، ولا تغتر بأن بعض (المشايخ) يترددون على السجون لوعظ السجناء وتذكيرهم وإرشادهم، فإن هذه كذبة كبيرة لا مجال لتفنيدها هنا، أو أن هناك في السجون ما يسمى بالباحث الاجتماعي، فأنى للباحث أن يرقع هذه الشقوق النفسية والاجتماعية هذا إذا كان يحسن الترقيع؟. ولا تظن أن هناك علاجاً لمشكلات السجن كأن تملأه بوسائل الترفيه، وتوجد السجون المختلطة للرجال والنساء معاً و.. و.. فإن هذا هو عين الفساد والانحلال والشر.. وكنت أظن أن مثل هذه المفاسد لا تخفى على من يتصدر للفتوى فلا يفتي في دين الله بغير علم، ولا يحمل الشريعة المطهرة رجس القوانين الوضعية. ولكن.. المشتكى لله. سابعاً: لا يجوز ترقيع القوانين الوضعية بفتاوى شرعية: أقمنا الدليل بحول الله وقوته وبحمده على أن "الحبس" ليس عقوبة شرعية وأن هذه العقوبة لا حكمة مطلقاً ولا معقولية لها، ثم بينا بالدليل أيضاً مفاسد السجون وأضرار هذه العقوبة التي تفقد معناها

стр. 37

الإنساني والأخلاقي أيضاً فضلاً عن فقد مبررها الشرعي، ولا نعلم مبرراً للإبقاء عليها في بلداننا الإسلامية إلا نوعاً من التبعية العمياء للقوانين الأوروبية البلهاء، أو إبقاء على التعسف والقهر.. واليوم نأتي إلى الغاية والهدف من سوقنا لكل الأدلة السابقة، وهو التحذير من ترقيع القوانين الوضعية بفتاوي شرعية، وقد قلنا في بدء عرضنا لهذا الموضوع أن هذا غير جائز شرعاً (وهي كلمة رقيقة جداً) . وهذه أدلة عدم جواز ذلك: الإسلام قضية واحدة: ونعني بذلك أن هذا الدين الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد وحدة واحدة فإما أن نأخذه كله وبذلك ندخل فيه ونكون من أتباعه، أو نتركه كله، وذلك إن ترك شيء منه عن غير اضطرار وهذا التحذير قد فسره الله لرسوله في آيات كثيرة فيها تهديد ووعيد ومعلوم أن الرسول ﷺ معصوم أن يترك شيئاً من شريعة الله، ولكن هذا تحذير لنا نحن، والخطاب موجه فيها للرسول لبيان أهمية الأمر وأن المفرط فيه لا ينجو من عذاب الله رسولاً أو غيره، وذلك أنه عدوان على حق الربوبية والألوهية الخاصة بالله. فمن حق الرب أن يحكم عباده بما يشاء وأن يشرع لهم ما يريد والاعتراض على حكم واحد أو تشريع واحد من تشريعاته طعن في حكمته وبالتالي في ربوبيته. فإذا علمنا أن إطاعة الكفار في تحليل الميتة شرك فلنعلم أن الله قال لرسوله: ﴿لئن أشركت

стр. 38

ليحبطن عملك ولتكونن من ... الخاسرين﴾ (الزمر: ٦٥) ، وقال تعالى أيضاً: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (الحاقة: ٤٥، ٤٦) ، أي نياط القلب، وقال تعالى أيضاً لرسوله: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (الإسراء: ٧٤، ٧٥) ، فإذا كان الرسول ﷺ وهو من هو بأبي وأمي أفديه فكيف بغيره؟! والشاهد من كل ما قدمنا وسردنا من أدلة أنه لا يجوز بتاتاً طاعة غير الله في تشريع إلا كرهاً أو عذراً وحرجاً، وأما خلع عباءة الإسلام على قوانين الكفر فهذا هو الباطل بعينه، وذلك أننا إن فعلنا ذلك فإننا نوهم العامة أن هذه القوانين حق وأن الشريعة الإسلامية تسمح بها أو ترضى عنها، وهذه جريمة عظيمة لأنه تبديل لشرع الله وكلامه.. ثم إن هذا أعظم إقرار للباطل وتمكين له في بلاد المسلمين، فما أقر الباطل في ديار المسلمين إلا عندما استعار من الشريعة الإسلامية اللباس الظاهري ووضع على جبينه زوراً الآية والحديث كما فعل نابليون بونابرت عندما دخل مصر فاتحاً فألبسه العلماء الجبة والعمامة.. وبهذا استقر له المقام في بلاد الإسلام، وكما يريد اليهود اليوم أن يمكنوا لأنفسهم في فلسطين بآيات من القرآن كما أوهموا العالم الغربي المسيحي الأعمى بأن نصوص التوراة تؤيد

стр. 39

حقهم في فلسطين وفي كل مكان من أرض الإسلام تريد القوانين الجائرة أن تجد سندها ودعمها وبقاءها من آيات القرآن وأحاديث الرسول. وبغفلة أحياناً وسذاجة أحياناً.. يستدرج الباطل بعض الشيوخ فيفتيه بأنه حق وأنه موافق للشريعة الإسلامية أو على الأقل لا تمانع الشريعة الإسلامية في بقائه ووجوده وإذا كانت عقوبة السجن جريمة إنسانية وقبحاً وباطلاً ومناقضة شرعية للعقوبات المطهرة والزاجرة وأيضاً الرحيمة التي شرعها الله فكيف نخلع عليها بعد ذلك لباساً شرعياً؟

стр. 40

ثامناً: الرجم عقوبة شرعية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع: لم نأبه للآراء الشاذة التي نشرت على صفحات الوطن منسوبة إلى الشيخ الدكتور سعاد جلال لأسباب كثيرة منها أن هذه الآراء كانت قد ظهرت للدكتور سعاد في أوائل الستينات. ونشر هذه الأقوال والآراء من جديد نعلم أنها محاولة يائسة لتجديد فكر عفى عليه الزمان ولا يسمع له إلا المروجون له، ولذلك لما رغب إلى بعض إخواني أن أرد على هذا المنشور للشيخ سعاد أخبرتهم أن صغار طلاب العالم اليوم يعلمون زيف هذه الآراء (كانت هذه الآراء في قضية حجاب المرأة حيث أنكر ما يشبه أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة) . ولكنني فوجئت بنشر آراء جديدة لذلك الشيخ يزعم فيها أن الرجم ليس هو حكم الله في الزاني المحصن ويدعي أن الرجم ليس في كتاب الله!! ويرمي بالكذب من قال أنه في كتاب الله الذي يثبت الرجم في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .. ولما كان نشر هذه الآراء الضالة في مكان أشرف عليه في الصحيفة قد حصل دون اطلاعي عليه وقد يؤدي إلى ظن بعض الناس أن هذا من جملة المقبول شرعاً كان لا بد لي من الرد على هذه الآراء الشاذة مع إيماني أيضاً أنه قد ولى الزمن الذي يسمع فيه المهتدون إلى مثل هذه الآراء أو يعيرونها بالاً.
следующие страницы →