← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المرزوقي أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (ت ٤٢١ هـ) كان من أهالي أصفهان. وكان خارق الذكاء عالي المواهب ومن أهل الاستدلال والبرهان، صاحب تآليف راقية. قرأ كتاب سيبويه على يد أبي علي الفارسي وأخذ يتلقى العلوم حتى لمع في سماء العلم والمعرفة. يذكر الصاحب بن عباد بأن أصفهان تضم ثلاثة من أساطين العلم وهم: الحائك والحلاج وإسكاف والمراد بالحائك هو نفس المرزوقي. وكان أستاذا لأولاد بني بوية في أصفهان. آثاره الكتب التي وصلت بأيدينا منه على ما يقوله ياقوت هي: شرح الحماسة، شرح المفضليات، شرح الفصيح، شرح أشعار هذيل، الأزمنة والأمكنة، شرح الموجز، شرح النحو.

стр. 2

الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة نضع بين يدي قرائنا الكرام كتاب الأزمنة والأمكنة فهو كتاب جامع شامل الموضوعات لها من الأهمية شأن كبير في معرفة علوم زاد الاهتمام بها في الماضي كثيرا وما يزال الاهتمام بها في العصر الحاضر يأخذ مجالا واسعا لكونها تبحث في الطبيعة وفي حركة الكواكب وتسمياتها وقوانينها وهي قاعدة انطلاق أساسية في العصر الحاضر للتعرف على الفضاء وعلى معرفة جوانب منه ما زالت غامضة وتشغل الكثير من العلماء في العصر الحاضر ويعتبر الكشف عنها أو البحث فيها يخدم الإنسانية فهي مترابطة إلى حد بعيد مع بعضها فالعلوم جميعا تكمل بعضها البعض فإثبات صحة تجربة علمية أحيانا وللتأكد من نجاحها يتطلب إجراء اختبارات لها في الفضاء لهذا فإن أجدادنا العرب في الماضي اهتموا كثيرا بالعلوم التي كان لها علاقة مباشرة بحياتهم في حلّهم وترحالهم ومن أهم هذه العلوم علم الفلك الذي كان له دور كبير ومرتبطا ارتباطا وثيقا بهم لمعرفة أحوال الجو وللاهتداء بالنجوم والكواكب في السير ولمعرفة الزمن وأقسامه، وأدركوا مدى الارتباط بين الزمان والمكان وأهمية هذا الترابط الوثيق بينهما لدرجة أنه لا يمكن لأحدهما أن يكون بدون الآخر. وقد قسّم الكتاب إلى أبواب وفصول اشتملت على مضمون الكتاب حسب تسلسل الحروف الأبجدية وقد بدأها في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم الله تعالى على خلقه في آناء الليل والنهار وفي ذكر أسماء الزمان والمكان ومتى تسمى ظروفا ومعنى قول النحويين الزمان ظرف الأفعال. المهم أن العناوين تجسدت فيها روح النصوص ولم تنفصل عن بعضها البعض فكلها أعطت للكتاب أهمية خاصة في جعله وحدة متكاملة مثل أسماء الشمس وأسماء القمر وختمها في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة وغيرها المتحركة. أما المؤلف فقد كان له باع طويل في رفد العلم بمؤلفاته الفريدة في فنون العلوم فقد

стр. 3

ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ج ١٧/٤٧٥ فقال إمام النحو أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء ٥/٣٤، ٣٥ كما ذكره صاحب كتاب انباه الرواة وغيره وقد عاش أبو علي وعمر طويلا فقد قارب التسعين عاما وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وكان له أكبر الأثر في إتحاف المكتبة العربية بمؤلفاته العلمية والأدبية.

стр. 4

[مقدمة المصنف] (الجزء الأول) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا تحصى آلاؤه بتحديد، ولا تعد نعماؤه بتعديد، خالق الظّلم والأنوار بعجائب صنعته، ومالك المدد والأقدار بغرائب حكمته، فله في كلّ ما أنشأ وابتدع، وفي جميع ما أوجب واخترع، عند تناسخ الأزمنة في أهاليها وتعاقب الملل والدّول بين مترفيها، آماد ورتب وآيات وعبر لا يجمع جملها إلّا إدراكه وعلمه، ولا ينوّع تفاصيلها إلّا إحصاؤه وحفظه، وإن كان كثير منها يحصله العيان ويصوّره الأذهان من الأفلاك وبروجها، ومنازل النّيرين فيها واستمرار مسيرها في حدي الاستقامة والرّجعة والبطر، والسّرعة، وتكوير اللّيل على النّهار، وتكوير النّهار على اللّيل وتبدّل رطوبتها وبردها وحرها ويبسها ولينها، وتغيّر أدوار النّجوم في طلوعها وأفولها، قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [سورة التكوير: الآيات ١٥- ١٨] وفي الاختفاء عن بعض الأمصار وظهورها وتساوي الجميع في الدّلالة على حكم الآثار، وله الخلق والأمر، وإليه المرجع والمستقر، تبارك الله أحسن الخالقين وصلاته على من اختاره للنّذارة، وتبليغ الرّسالة، فصدع بأمره وأدّى حقّ نعمته في خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإنّ الإنسان وإن كان ذا لدد وخصام، وجدال فيما يهوى وجذاب بتيقن الحوادث بوجه الثّبت، ويتسبّب إلى الازدياد، بحب التّوسع فيرى جلائل الأقدار كأنّها تواريه أو تلاعبه، ويحسب غوائل الأخطار كأنّها تساوفه أو تسابقه، ترشح بما رشح له عناصره عند الاختبار، وتجليه لما هيئ له مكاسره لدى الاعتبار، فهم فيما يتردّدون فيه طلعة خباءة، وعن صفايا غنائمهم غفلة نومه لا يردون مستنكرا، ولا يجدون عند الزّلة مستمسكا، نجدهم على تفاوت من أجسامهم، وأقدارهم، ومناشئهم، ومدارجهم، وأسماحهم، وإيابهم، ومآخذهم في استقراء مآربهم، وفي أداتهم، ولغاتهم، وصورهم وهيآتهم واقتراحاتهم وشهواتهم وأقواتهم، ومطاعمهم وحرفهم ومكاسبهم، وتباين ألسنتهم وألوانهم، وعلى تنافس بينهم شديد، وتحاسد في خلال أحوالهم عجيب، وتضاغن يلوح من مستكن سرائرهم، وتباغض يبوح به تداني جوارهم.

стр. 5

قد جبلوا على ما إليه سيقوا، وخلقوا لما عليه أدبروا، متوافقين في الانجذاب إلى مدى من حب الوطن والسّكن، والصّبر على مراري الزّمن، والاستظهار في تخليد الذّكر باتّخاذ المصانع المؤبّدة، والمباني المشيّدة، كالخورنق، والحضر، والأبق الفرد، وغمدان، والمشقر، والهرمين، ومنف، وهو مسكن فرعون وتدمر والشّعراء ذكروها في ذلك قوله: اشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعا ... في رأس غمدان دار أمنك محلالا تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فماذا بعد أبوالا وقول الآخر: شعرا: ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد أرض تخيّرها الطّيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ داود وقول الآخر شعرا: وأخو الحضر إذ بناه وإذ ... دجلة نحيى إليه والخابور شاده مرمرا وجلّله كلسا ... فللطّير في ذراه وكور وقول النابغة: وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفائح والعمد وكإيوان كسرى أنوشيروان، وهي من الأبنية القديمة والتّهالك في مناصب القرون الخالية، والأرزاء بمناصبهم وطلب التقدّم عليهم فيما حمدوا فيه وإن كان كلّ منهم يذمّ زمانه ويحمد زمان غيره حتى روي قول لبيد شعرا: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومن قول عائشة ﵂ فيه ما روي: وسار متى قصروا عنه ذمّوا ... وإن ما هم استأنسوا فيه ملّوا لا جرم أنهم ابترموا مما اختبر لهم فيجمعوا أيديهم عليه موثرين لقبوله، ومقتنعين بحصوله كمن اطّلع على ما أبدله في القسم فاغتنمه، وأوذن بما أعدله عند السّوم فاختصبه، فترى ذكر الزّمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم ومشرع الرّوح لأفئدتهم ومستمد لذّاتهم، ومشتكى أحزانهم، به يكشف البلوى ويستنزل المطر، فليسوا

стр. 6

بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر، واستطلاع المستنجد من العين والأثر، لذلك قال شاعرهم: وكنت فيه كممطور ببلدته ... فسر إن جمع الأوطان والمطرا وقد قيل: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، فلولا ما منّ الله تعالى به على طوائف الأمم وعصائب الزّمر من الألطاف في تحبيب ما حب وتأنيس من أنس، والمنع من الاستيثار والاقتدار، والاجتهاد بنهمة الاقتار، لما رضيت المهج الكريمة بمجاورة البلاد والدّيار، ولا سكنت القلاع، في قلل الجبال والتّلاع، ولا عمرت المهاري والأرانب في مساكن الأسود والضّباع، ولا نبت حبال الألفة. ونقطع نظام ما له فسبحان من جعل الاختلاف سببا للائتلاف، وبدل التنافر فصيّره داعيا إلى التّوافق، ولله الحمد على ما أمضى وقدر، ونسأله التّوفيق فيما أتى وغبر، وقل عن اشتمام الأبنية الرّفعة إلى غاية ما في نفوسهم، بل يدّعون منه شياحين يلزمهم اسم التمام والفراغ ليس للكلام نهاية، ولا لاختلافهم غاية، لأنّ عددهم كثير، والنّظر فيهم قديم وطبائعهم مختلفة، وقواهم متفاوتة وألسنتهم مرسلة، وخواطرهم مطلقة، ولو كان الفاسد يشعر فساده، والمنقوص يجد مسّ نقصه لكان الفاسد صالحا والنّاقص وافرا. وروي عن النّبي ﵌: «من باع دارا أو عقارا، فلم يجعل ثمنها في مثلها كان كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف» . وذكر أحمد بن أبي طاهر أنه سمع آذرباد المؤبد يقول: إنّه وجد في حكم الفرس تربة الصّبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة، ومما قيل في الوطن: عجبت لعطار أتانا يسومنا ... بدسكرة القيوم دهن البنفسج فويحك يا عطار هلّا أتيتنا ... بضغث حزار أو بخوصة عرفج وقالوا: خلق الله آدم من تراب فهمته في التّراب، وخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم فهمتها في الرّجال، ومما يعرف به موقع الوطن والزّمن من ذوي البصائر السليمة والعقائد الصّحيحة قول جرير: سقى الله البشام وكلّ أرض ... من الغورين أنبتت البشاما فيا نعمى الزّمان به علينا ... ويا نعمى المقام به المقاما فجمعهما في قول، وأنشدني أبو أحمد العسكري، قال أنشد الصّولي: سقى الله دار الغاضريّة منزلا ... ترفّ عليه الرّوض خضر الرّفارف

стр. 7

وأيامنا والغاضريّون خضر ... وعيشي بهم يهتز لدن المعاطف ورأينا الله تعالى قسم مصالح خلقه ولذائذهم بين المقام والطّعن فجعل أكثر مجاري الأرزاق مع الحركة والاضطراب، واغتنام الأرباب بعد التقادي في البلاد لذلك قال الشاعر: فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وقال آخر: سررت بجعفر والقرب منه ... كما سرّ المسافر بالإياب وقد شهد أصحاب المعاني لابن الرومي، فقالوا: لم يبن أحد العلة في الحنين إلى الوطن إبانته حين قال: وحبّب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا وقد قال الأسدي أيضا شعرا: أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ ورضوى أن نصوب سحابها بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها وأخذه ابن ميّادة فقال: بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وقطّعن عنّي حين أدركني عقلي وقال بعض أصحاب المعاني: العلّة التي من أجلها تساوت الطّباع المختلفة في الحنين إلى الألّاف، وحب ما مضى من الزّمان هي أنّ الذّوات فينا ومنا لما كانت لا تحصل إلّا في مكان وزمان صارت لتضمّنها لهما ولكونهما ناشئة حياتها وفاتحة شبيهتها، وطالعة نمائها، تشوقهما وتستنشىء على البعد أرواحهما حتى كأنّهما منها. وفسّر بعضهم قول ابن الرومي، فقال: يريد بالمآرب المقضيّة للشبّاب ما أقامه الصبيّ من روادف الهوى، وقد ظفر بالمرتاد، أو كان على استقبال من العمر وقوة من الركن، واستعلام من الأمل، واستخبار من الأجل، وتماسك من الجوارح وتساعد من الأعضاء الحوامل، ورخاء من البال وأمن من عوارض الآفات. والذي شرحه هذا المفسر الزائد فيه على مذهبهم كالواصل إليه لاجتماعهما في غواشي العشق والصّبر تحت بيان الحب رجاء الفوز بالمراد، وأظنّ جميعه في قول امرئ القيس: وهل ينعمن إلا خليّ مخلّد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال

стр. 8

وهذا في قضايا الأوقات كما اقتصّ الجاحظ من تعصّبه لمصره، فقال: من فضلة البصرة ما خصّت به من أرض الصّدقة إنه لا يسوغ تغيّرها ولا يتهيّأ تبديلها، ومن المد والجزر المبخر خصوصا لأهلها المجمول نوما بين قاطنها ومسافرها، ومصعدها، ومنحدرها على مقابلات من الأوقات ومقادير من السّاعات، وعلى منازل القمر في زيادة النّور وامتلائه، ونقصان ضوئه واستسراره، فلا يعرف مصر جاهلي، ولا إسلامي أفضل من البصرة، ولا أرض جرى عليها الآثار أشرف من أرض الصّدقة، ولا شجرة أفضل من النّخلة ولا بلد أقرب برا من البصرة، فهي واسطة أبجر، وخضراء من بداو، وريعاء من فلاة، وقانص وحش من صائد سمك، وملاحا من جمال من البصرة. فهي وسطة الأرض وفرضة البحر ومضبض الأقطار، وقلب الدّنيا فساحله بعض المتقضية للغيث، وبلاده بأن قال: الكرمة أفضل الأشجار، والعنب سيّد الثمار، ناعمة الورق كأنّها سرقة ناضرة الخضرة بديعة الشكل، سلسة الأفنان، رقيقة الجلد عند المذاق يسرح في البدن نورها، وفي القلب سرورها، مع ذكاء العرق وصحّة الجوهر إن عرشت على عمد الخشب، وطبقات القصب تضاعف علتها، وتكامل حسنها ودخلها ورأفة جهارتها وأنق ينعها، وإن بسطت أغصانها على الدّار التي هي فيها أظلّت وإن مدّت على الجدران وقيدت إلى حدود الجيران سامحت قائدها وقلّ اعتياضها تغني عن الشارات والفساطيط، وتكفّ صيد الحر في حمارة القيظ، واحتدام الشمس أوان الحاجة إلى الرّوح وترّد عواصف الرّياح وقواصفها، بكثافة ورقها، وضفاقة ظلّها في كلام يتّصل بين الفريقين ولا ينقضي. وليس من همتي ولا سدمي إنما أردت التّنبيه على أنّ كلّ ذي أرب همّته في نظرية بلدته طبعا لا تكلفا وكل ذي سبب نهمته في تزكية ممكنة عمدا لا سهوا، ثم حسن الشّيء وقبحه وفضله ونقصه لما عليه في نفسه لا لجوى راصد أو ألف جاذب. والحديث شجون، والفخر بالشيء فنون، لكنّ الله تعالى لمّا ذكر الدّيار فخبر عن موقعها من عباده حتّى سوّى بين قتل نفسهم والخروج من ديارهم في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء: ٦٦] وفي موضع آخر: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا [سورة البقرة: ٢٤] جعل لهم في الأرض بيتا نسبه إلى نفسه بإزاء البيت المعمور لملائكته، وصيّره حرما وأمنا، ومثابة للناس، ومطافا يلوذ به الخائف ولو كان من الوحش. كما يأوي إليه الهارب من الأنس عظيما شأنه منيعا جاره لا يغشى أهله غضاضة الامتهان، ولا سأمة الابتذال، فهم على مر الأيام وكلة وحمس في أديانهم متمنعة، وقد كان من الفيل والحبشة ما أرّخ به الزّمن كما أرّخت الحوادث والنّحل، وكما قيدت أيام النّبوات

стр. 9

بما يكشفها من أنباء الفترات وأحوال الأنبياء والمعجزات، وذكر الله تعالى النعمة على قريش، فانبأ عن رحلة الشّتاء والصّيف بعد أن دعا إبراهيم ﵇ لسكان مكّة فقال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة: ١٢٦] ، وقد كان قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: ٣٧] فاستجاب الله دعوته فهم يصيفون (الطائف) ، ويشتون (جدّة) وأنواع الخير منهم بمرصد وفعل مثل ذلك في الزّمان فعظّم ليلة القدر وجعلها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ بما ضمّنها من تنزّل الملائكة بقضاياه إلى رأس الحول، ولأنّها ليلة السّلامة والأمن من كل داء وبلاء إلى مطلع الفجر. فالحمد لله الذي بنوره اهتدينا وبفضله غنينا، حين أدب الأخلاف بما درج عليه الأسلاف، وقرن العبادة باعتبار ما أمضى عليه القرون الماضية في الدّهور الخالية فإنهم وإن مضوا سلفا فقد السّبيل عليهم، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وقد أكثرت، وظهر الفرض فيما أبدأت، وأعدت، والتّرفية عن المطبة أعون في إملاء قطع الدود أنّ من نكص عن المنهاج تاه في الفجاج، فإنمّا هذا الكلام وصلة إلى كتاب في الأزمنة والأمكنة، وما يتعلّق بهما من أسماء اللّيل والنّهار والبوارح «١» ، والأمطار، والمزالف، والمآلف، وما أخذ أخذها مما تعداده يطول وينطق به الحدود بعد هذا. والفصول فقد قدّمت ذكرها، وقد غبرت مدة من الزّمان، وهذا الكتاب منّي ببال أتصفّح ورقه بأيدي فكري، وأتصوّر مضمونه في مطارح فهمي، فينيلني إذا صادفته جموحا، ويوليني إذا صافحته ازورارا، وشسوعا، كأنه يطلب لنفسه حظا زائدا على ما أوتيه، وسهما عاليا لما أجيله فأعطيه إلى أن تبوأ من علو الوكد، والاهتمام في أعلى الرّبى، ومن مرتقى التّوفر في الاعتناء في أسنى الذرى. فحينئذ أطلع الله على ضميري نور الأستاذ النفيس أبي علي إسماعيل بن أحمد أدام الله رفعته، وبرهان سلفه قرنا بعد قرن، وكابرا عن كابر من كمال النبل، وجماع الفضل والجمال الظّاهر، والكرم الغامر، والنّهوض بأعباء الرّئاسة، والاستظهار في أنحاء السّياسة، وتدبير المسالك والمهالك، والمدائن والممالك، والميل إلى ذوي الأخطار، وأعلام الآداب. فهم يكرعون من جداهم في أعذب المشارع، وأكرم الموارد. هذا إلى ما حباه الله في خاص وعام قصده من محييات القلوب، ومزيات القبول. فإنّ العزيز الشريف والنّبت الرّفيع إذا أشر بالدّونة المعطف، وسهولة الملتقى، والمختبر ترجما عن الكمال، ووفرا ابهة الجلال. وهذا الثناء منّي ليس على طريقة المادحين فأتجوّز، ولا

стр. 10

قصدي فيه قصد المجتدير فأتسّمح، بل إملاء طول الصّحبة بلسان الخبرة، فعليه فيه حكم الحق والمعلوم مع تواطؤ الأخبار عنه وشهادة الإثار له، وتوارد الوسائل فأقبل بتغاير أبوابه، وانثال عليّ وتسابق أجزائه، وفصوله تنساق إليّ كأنه كان من رباط الشّد في عقال فأنشط، ومن حفاظ المنع في وثاق فأهمل، وبيد الله تعالى أمره تسهيل المراد وتعجيل الفراغ بحوله ومنه. واعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، وفارس، والهند، والروم وهم على طبقاتهم في الذكاء والكيس، والدّهاء، والكيد، والجمال، والعناد وتملك الممالك والبلاد، والسّياسة والإيالة، واستنباط العلوم وإثارة الحكم في جوامع الأمور ومعلوم شأنهم معروف أمرهم، وما في على طبقاتهم في الغباوة والعظاظة وسوء الفهم والدّراية والقسوة، والغذامة، والنّوك، والجهالة مراعون لما رهنوا به وقيضوا له، وقد صاروا إلى وجوه المعاش، وفنون الممارسات، والإغراب في أسرار الصناعات، والإبداع في أنواع التّركيبات، انفتح لهم من أبواب المعرفة، وحسن التّوفيق في الإصابة، ما لم ينفتح لهم في سواه وذلك ما لا يدرك غوره من غرائب حكمة الله تعالى فيما دبر، وامضى وإن كان للعرب خاصة طبع عجيب في الأخبار، والاستخبار، والمباحثة، والاستكشاف، وسرعة إدراك ما يسفر عن الأواخر عند النّظر في الأوائل، فحصل لهم بذلك أخلاق عادت مفاخر، وأفعال صارت مناقب، مع ثبات فيما يعز، وجلد، وبيان ولدد، وافتنان في الخطب والشّعر والرّجز على اختلاف أنواعها وتصاريف أساليبها، وعلى كثرة الأمثال الحكيمة، وطرائف الآداب الكريمة. ثم لهم الفراسة الصّحيحة، والكهانة العجيبة، وصدق الفأل الحسن، والحسّ المصيب مع العلم بأثر القدم في الصّخر الأصم، والقاع العفراء، وقيافة الأثر مع قيافة البشر، ليست لغير العرب لأنّهم يرون المتفاوتين في الطّول والقصر، والمختلفين في الألوان والنّعم فيعلمون أنّ هذا الأسود ابن هذا الأبيض، وهذا القصير ابن أخ هذا الطّويل، مع الرّعاية لأنسابهم وأيّامهم، ومحاسن أسلافهم ومساوىء أكفائهم، للتّعاير بالقبيح والتّفاخر بالجميل، وليجعلوه مبعثة على اصطناع الخير، ومزجرة عن ادخار الشّر، ولهم تبين أحوال النّجوم سعدها ونحسها، والأنواء ومقتضياتها والأمطار ومواقيتها، وبوارح الرّياح في إبّانها وحينها، والزّجر المغني عن التّنجيم وحسن الاهتداء في المسالك المهلكة، والمرامي غير المسلوكة. وهم على كلّ حال من عيشهم يخافون مأثور الحديث ويتجرّعون من غوارب البحار، ويحبّون المادحين وتقريظهم، ويؤثرون على أنفسهم الخيل، وعلى عيالهم الضّيفان أصحاب حياء وأنفة، وجود، وفروسية، وفخر، وهمة لا تطل دماؤهم ولا يعجز طوائلهم، ولا

стр. 11

ينسيهم طول الأيام دفائن أحقادهم، يراعون الذّمم، ويوفون بالمواثيق، ويوجبون الجوار باعلاق الدّلو بالدلو وشد الطّنب بالطّنب حتى قال زهير: وجار سار معتمدا علينا ... أجابته المخافة والرّجاء فجاور مكرما حتّى إذا ما ... دعاه الصّيف وانصرم الشّتاء ضممنا ما له فغدا علينا ... جميعا نقصه وله النّماء ثم لم يرضوا لأنفسهم بالاسم الواحد، والكنية الواحدة، والنّعت الشّريف والذّكر الرّفيع والمنصب المفخم، والفخر المقدّم حتى تنقلوا في أسامي وكنى كما اكتنى حمزة بن عبد المطّلب بأبي يعلى- وأبي عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب بأبي لهب- وأبي عتبة، وصخر بن حرب بأبي سفيان- وأبي حنظلة، وحسان بن ثابت بأبي الوليد وأبي الحسام، وعثمان بن عفان بأبي عبد الله وأبي عمرو، أو أبي ليلى وعبد الله بن الزّبير بأبي بكر، وأبي خبيب وأبي عبد الرّحمن. والذين أسماؤهم كنى كثير في العرب يسمّي بعضهم بعضا بسمات تفيد التّفخيم والتّعظيم كقولهم: ملاعب الأسنة، وسم الفرسان وزيد الخيل، ومحكم الأقران وأشباه ذلك. فهذه الخصال تختصّ بهم إلى كثير ممّا إن شغلنا الكلام به خرجنا عن الغرض المنصوب ولله تعالى في خلقه أن يفعل ما شاء، ويصطفي بفضله من شاء، وهو الحكيم العليم، ولولا اهتزازي لتقديم ما يتعلق به همّة برّ أشاد النّفيس، وسرعة إجابتي إذا أهاب لما رهبته، وليحصل لي به الفأل الحسن والذّكر المؤبّد، والالتذاذ بالدّخول في جملة أهل الفضل والاستنان بسننهم في إذاعة ما تكسيهم الأيام ويفيدهم الاجتهاد لبقيت في حجر الفن بما أورده لما أرى في أهل الزّمان من اطراح العلم، واحتقار أهل الفضل، ولا أزيد على هذا مخافة الخروج إلى ما يعد سرفا، بل أنشد قول الأول شعرا: إذا مجلس الأنصار حفّ من أهله ... وحلّت مغانيه غفار وأسلم فما النّاس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدّهر بالدّهر الذي كنت أعلم واعلم أنّ قرب الشيء في الوهم ليس بموجب حصوله، ولا بعده فيه يقتضي بطوله، وهذا الكتاب ليس اختياري لعلمه لغلبته، ولا اشتغالي به عن شبهه لكنّي حصنته تحصين الحزم، وصنته صون العرض المكرم، فهو مذخورة المتلهف، وعقد المعتال المحتكم، ثمره عند الينع لا يخلف، وماؤه على الميح لا يكدر. وقد قيل لحاضنك عليك حق اللّبن، ولتربتك حبّ الوطن، ولنسلك حرمة السّكن، ولطربك خلع الرّسن، كما أنّ لما تخلد به ذكرك من نثر أو نظم عليك شرف التّحلية، وحسن

стр. 12

النّعت والتّسمية، وجمع الفوائد الزّكية، وهجر الهوى والعصبيّة، وبيد الله تبليغ المراد وتوطير المرتاد. واعلم أنّ مدار الأدب على الطّلب، وعمدته البحث، ومصرفه الرّغبة، والحث وأزمة الجميع بيد القريحة فإذا سلمت القريحة من عوارض الآفات وتملست من شوائب الأقذار، والعاهات، وترقّت في مدارجها من دلائل الرّسوم إلى حقائق الحدود أقبلت تصنع في نيل المطلوب صنعة من طبّ لمن حبّ، وإني وإن أنشأت هذا الكتاب فما في نفسي ادعاء الفضل على الأسلاف؛ وكيف أستجيز ذلك ومن ذكرتهم ننفق، وبشهاداتهم نتوثّق، وبين المسلم والمنازع ما بينهما من برزخ التّضاد، ولكن لمن ضمّ النّشر، وسوّى في البناء النّضد وتأنق في الإثارة، ثم بلغ وتناهى إلى الغاية، فسدّد حقه من العمل. نسأل الله تعالى حسن التّوفيق فيما نأتي ونذر، وعليه المعوّل في إيزاعنا شكر نعمته، وإعانتنا على ما تعرب من رحمته، ونعم المولى ونعم النصير. هذا كتاب الأزمنة والأمكنة، وبيان ما يختلف من أحوالها ويتّفق من أسمائها، وصفاتها، وأطرافها، وإقطاعها، ومتعلقات الكواكب منها في صعودها وهبوطها وطلوعها وغروبها، وجميع ما يأخذ أخذها، أو يعدّ معها، أو لا ينفكّ في الوقوع والاستمرار منها، أو متسبّب بضرب من ضروب التّشابه، أو قسم من أقسام التّشارك إلى الدّخول في أثنائها موشّحة بما يصححها من أشعارهم وأمثالهم، وأسجاعهم ومقامات وقوفهم ومنافراتهم جادّين وهازلين، ومن كلام روّادهم وورّادهم وكتّابهم في ظعنهم وإقامتهم وتتبّعهم مساقط الغيث وبوارح الرّيح، وعندما يقيمون من الجدب، والخصب والسلم والحرب، وقري الضّيف في الشّتاء والصّيف، وأعيادهم، وحجهم، ونسكهم، ووجوه معايشهم ومكاسبهم، وآدابهم. وقد صدرته بجميع آي من كتاب الله تعالى بعض حقائقه لتردد المعاني إذا شافهت الالتباس، بين الوجوب والجواز والامتناع فيتّسع أمد القول ويمتد نفسه بحسب الحاجة وعلى قدر العناية، ومن أنكر في طلب الحق واجبا، أورد جائرا، أو جحد ممتنعا فقد صافح الخذلان. كما أنّ من قصر وكده على ما لا يرد من دينه فائتا ولا يعمر ثابتا، فقد جانب حسن التّوفيق. وعلى الله في الأحوال كلها المعوّل والتّكلان. وبعد الفراغ من ذلك أتبعته بالكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فهما بعد تتبّع لما أصله شديد، وبحث عنه بليغ، وردّ للسّابق من دعاويهم على اللّاحق «١» على الوارد إذ كانا عندي كالأصل في إلحاد أكثر الملحدين من الأوائل

стр. 13

والمتأخرّين، وإذ كنت قد شيّدت من قبل فصول ما ذكرت، ووصوله بلمع من الكلام في المحكم والمتشابه والاستدلال بالشّاهد على الغائب، وبيان أسماء الله تعالى وصفاته، وما يجوز إطلاقه عليه أو يمتنع لأنّ أطراف هذه الأبواب متعلقة بموارد الآي التي تكلّفت الكلام فيها ومصادرها، ومستقية من العيون التي تحوم أطيارها حوله، وفي جوانبها ولأنّ الاشتغال به هو الغرض المرمي في تأليف حل هذا الكتاب وترتيبه، وتنسيقه هذا إلى غير ذلك مما خلا منه مؤلفات اللّغويين والنّحويين والباحثين عن طرائق العرب، وما يراعونه من معتقداتهم في الأنواء وغيرها، وإيمان من آمن منهم بالكواكب حتى عبدوها لما ألفوه من استمرار العادات بهم واطرادها على حد سالم من التبدّل والتحوّل. ثم شرعت في الكتاب وتبويب معاطفه وتنويع أساليبه ومدارجه، وأستعين الله تعالى على بلوغ ما يزلف عنده، ويستحقّ به مزيد الإحسان وأصحاب التوفيق الكامل منه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 14

ذكر أبواب الأزمنة والأمكنة، وفصولها هي ثلاثة وستّون بابا، ونيّف وتسعون فصلا: أ: في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم الله تعالى على خلقه في آناء اللّيل والنّهار، وبيان النّسيء، وفي ذكر أخبار مروية، وفي ذكر الأنواء، وذكر معتقدات العرب فيها وفيما يجري مجراه، وذكر فصل في جواب مسائل للمشهد من الكتاب والسّنة، وفي بيان المحكم والمتشابه وغيرهما، وبيان أسماء الله تعالى وصفاته، وهو يحوي تسعة وعشرين فصلا. ب: في ذكر أسماء الزّمان والمكان، ومتى تسمى ظروفا، ومعنى قول النّحويين الزّمان ظرف الأفعال، والرّد على من قال فهما بغير الحق من الأوائل والأواخر، ويحتوي على فصول أربعة. ج: هو يشتمل على بيان اللّيل والنّهار، وعلى فصول من الإعراب تتعلق بظروف الأزمنة والأمكنة، وفصوله ثلاثة. د: ذكر ابتداء الزّمان، وأقسامه، والتّنبيه على مبادئ السّنة في جميع المذاهب، وما يشاكل من تقسيمها على البروج. هـ: في قسمة الأزمنة ودورانها واختلاف الأمم فيها. و: في ذكر الأنواء واختلاف العرب فيها، ومنازل القمر مقسّمة الفصول على السّنة، وأعداد كواكبها، وتصوير مأخذها ضارة، ونافعة، وفصوله أربعة. ز: في تحديد سنيّ العرب، والفرس، والرّوم، وأوقات فصول السّنة. ح: في تقدير أوقات التّهجد التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن نبيّه والصّحابة، وتبيين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس في البروج الاثني عشر. ط: في ذكر البوراح، والأمطار مقسمة على الفصول، والبروج، وفي ذكر المراقبة، وهو فصلان.

стр. 15

ي: في ذكر الأعياد والأشهر الحرم والأيّام المعلومات والأيام المعدودات، والصلوات الوسطى، وهو فصلان. يا: في ذكر سحر، وغدوة، وبكرة، وما أشبهها والحين والقرن والآن وأيان، وأوان، والحقبة، والكلام في إذ، وإذا، وهما للزّمان وإبان، وافان، وهو فصلان. يب: في لفظة أمس، وغد، والحول، والسّنة، والعام، وما يتلو تلوه، ولفظة حيث، وما يتّصل به، والغايات كقبل وبعد، وذكر أول وحينئذ، وقط، وإذ، وإذا المكانية، ومنذ، ومذ، ومن، وعلى وهو فصلان. يج: فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان، واللّيل، والنهار، ومن أسماء الكواكب وترتيب الأوقات وتنزيلها، وهو أربعة فصول. يد: في أسماء الأيام على اختلاف اللّغات وقياسات اشتقاقها وتثنيتها وجمعها. يه: في أسماء الشّهور على اختلاف اللغات، وذكر اشتقاقاتها، وما يتّصل بذلك من تثنيتها وجمعها، وهو فصلان. يو: في أسماء الدّهر واقطاعه، وما يتّصل بذلك، وهو فصلان. يز: في اقطاع الدّهر، وأطراف اللّيل والنّهار، وطوائفهما وما يتّصل بذلك من ذكر الحوادث فيها، وهو ثلاثة فصول. يج: في اشتقاق أسماء المنازل، والبروج، وصورها، وما يأخذ مأخذها، وهو فصلان. يط: في اقطاع اللّيل، وطوائفه، وما يتّصل بذلك ويجري مجراه. ك: في اقطاع النّهار، وطوائفه، وما يتّصل بذلك ويجري مجراه. كا: في أسماء السّماء والكواكب، والفلك والبروج، وهو ثلاثة فصول. كب: في برد الأزمنة، ووصف الأيّام واللّيالي به. كج: في حرّ الأزمنة، ووصف الأيّام، واللّيالي به. كد: في شدّة الأيّام ورخائها وخصبها وجدبها، وما يتّصل بذلك. كه: في أسماء الشّمس وصفاتها، وما يتعلّق بها. كو: في أسماء القمر وصفاته، وما يتصل بها من أحواله، وهو فصلان. كز: في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره، وما ورد عنهم فيها من الأسجاع، وغيرها.

стр. 16

كح: في أسماء الأوقات، والأفعال الواقعة في اللّيل والنّهار، وأسماء الأفعال المختصة بأوقات في الفصول والأزمان. كط: في ذكر الرّياح الأربع، وتحديدها بها، وما عدل عنها، وهو فصلان. ل: في أسماء المطر وصفاته وأجناسه، وهو فصلان. لا: في السّحاب، وأسمائه وتحليه بالمطر، وهو فصلان. لب: في الرّعد والبرق، والصّواعق وأسمائها وأحوالها، وهو فصلان. لج: في قوس قزح وفي الدائرة حول القمر، وفي البرد من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [سورة النور، الآية: ٤٣] ، وهو ثلاثة فصول. لد: في ذكر المياه والنبات ممّا يحسن وقوعه في هذا الباب، وهو ثلاثة فصول. له: في ذكر المراتع الخصبة والمجدبة، والمحاضر، والمبادي، وهو فصلان. لو: في ذكر أحوال البادين والحاضرين، وبيان تنقّلهم وتصرّف الزّمان بهم. لز: في ذكر الرّواد وحكاياتهم، وهو فصلان. لح: في ذكر الورّاد ومن جرى مجراهم من الوفود. لط: في السّبر والنّعاس، والميح، والاستقاء، وورود المياه. م: في ذكر أسواق العرب. ما: في ذكر مواقيت الضّراب والتّاج. مب: فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء والفصول، وتفسيرها، وهو فصلان. مج: في ذكر الصّيام، والقيافة، والكهانة، وهو ثلاثة فصول. مد: في ذكر ما لهم من الأوقات حتى لا يبين للسّامع وما شرح منه. مه: في الاهتداء بالنّجوم وجودة استدلال العرب بها وإصابتهم في أمهم. مو: في صفة ظلام اللّيل واستحكامه، وامتزاجه. مز: في صفة طول اللّيل والنّهار وقصرهما، وتشبيه النّجوم فيهما. مح: في ذكر السرّاب، ولوامع البروق، ومتخيّلات المناظر، ووصف السّحاب. مط: في تذكر طيب الزّمان، والتّلهف عليه والحنين إلى الألّاف، والأوطان.

стр. 17

ن: في ذكر أنواع الظلّ وأسمائه ونعوته. نا: في ذكر التّاريخ وابتدائه، والسّبب الموجب له وما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث والمواليد، وهو فصلان. نب: فيما هو متمم لما عند العرب ومن داناهم وأدركوه بالتفقد وطول الدّربة، ولم يدخل في أسجاعهم. نج: في انقلاب طبائع الأزمنة، وثباتها، وامتزاجها، والاستكمال والامتحاق، وأزمان مقاطع النّجوم في الفلك، ومعرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، ومواقيت الزّوال على طريق الإجمال. ند: في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب، وامتداده بلواحق الخصب. نه: ويشتمل من حدّها على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان. نو: في ذكر الكواكب اليمانية، والشّمامية، وتمييز بعضها عن بعض، وذكر ما يجري مجراها من تفسير الألقاب. نز: في ذكر الفجر، والشّفق، والزّوال، ومعرفة الاستدلال بالكواكب وتبين القبلة. نح: في معرفة أيّام العرب في الجاهلية، وما كانوا يحرفونه ويتعايشون منه، وذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم. نط: في ذكر أفعال الرّياح لواقحها، وحوائلها، وما جاء من خواصها في هبوبها وصنوفها. س: في ذكر الأيام المحمودة للنوّء والمطر وسائر الأفعال، وذكر ما يتطيّر منه، أو يستدفع الشّربة. سا: في ذكر الاستدلال بالبرق، والحمرة في الأفق وغيرهما على الغيث. سب: في الكواكب الخنّس، وفي هلال شهر رمضان. سج: في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمّى الثابتة، وهذه التّسمية على الأغلب من أمرها إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.

стр. 18

الباب الأول [في تعظيم شأن القرآن وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف] اعلم أنّ الله تعالى عظّم شأن القرآن، وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف على سائر الكلام، وإن وافقه في مبانيه، ومعانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، وفنون الآداب والعذر، وجوامع الأحكام والسير، وطرائف الأمثال والعبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصّافية، ولا في بعد فوائده أو لو المعارف الوافية، وإن تلاحقت آلاتهم، وتوافقت أسباب التّفهم والافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمّل له، وقد صرف فكره إليه، وقصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحيانا فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السّماع نسيه استغرابا لمراسمه، واستجلاء لمعالمه، وذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التّحدي به إلى الأبد، ويختتم بترتيله وآدابه البذارة إلى انقضاء السّند، على ألسن الرّسل، جعله من التّنبيهات الجليّة والخفيّة، والدّلالات الظّاهرة والباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، والمتدبّر، والمهمل. وإن كان في أثنائه أغلاق لا تنفتح الأشياء بعد شيء بأفهام ثاقبة، وفي أزمان متباينة، ليتّصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التّكليف، ولتجدّد في كل أوان بعوائده وفوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، ونتائج الاعتبار، فيتبيّن ثناؤه الرّاسخ المتثبّت، والنّاظر المتدبّر عن قصور الزّائغ المتطرّف وتقصير الملول الطّرف. لذلك اختلفت الفرق، واستحدثت المذاهب والطّرق، فكلّ يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، وإن ضلّ عن سواء السّبيل من ضلّ لسوء نظره وفساد تأنّيه، وعدو له عن منهاج الصّحابة والتّابعين وصالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، وكان الله تعالى فيما شرع من دينه وحدّ عليه من عبادته، ودعا إليه من تبيّن صنعه وتنبّه ما أقامه من أدلّته. قال: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٤] مبيّنا أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقا لا باطلا وحتمالا عبثا لتوفّر على طوائف خلقه منافعها، ومثبتها من يصدق بالرّسل، ويميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التّحصيل وتراجع الأفهام، والأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التّكليف.

стр. 19

ثم كرّر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها وتصاريفها لما يكشفها من الغموض، وكان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدّمة ثم تجاوزت إلى ما سواها والله المعين على تسهيل المراد منه بمنه. فمن ذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] الآية، وصف الله تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كلّ فصل منها عند التأمّل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، ودالة على كثير من صفاته التي استبدّ بها. فالفصل الأول قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ، والمعنى في قوله: بالحق، أنّ الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدلّ على نفسه بها ويظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقّق إلهيته وتثبت قدمه، وربوبيته ويظهر أنّ ما سواه مدبر مخلوق ومسخّر مقهور، وأنه الحق تمّ له ما أحدثه، وأنشأه لا بباطل، ووجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجّته بينّة وآياته محكمة، لا تخفى على النّاظر، ولا تلتبس على المتأمّل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، والحواس لا تلحقه، فعرّف عباده قدرته، وألزمهم بما غمرهم من منافعه ونعمة عبادته، فلا مانع لما منح، ولا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليما لأمره ورضى بحكمه. والفصل الثاني قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] قوله: ويوم نصب على الظّرف، والعامل فيه ما يدل عليه قوله الحق، ولا يجوز أن يكون العامل قوله: يقول لأنه قد أضيف اليوم إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وقوله: فيكون معطوف على يقول، وما بعد القول، وهو جملة تكون حكاية في كلامهم، وكن في موضع المفعول ليقول، وقد أبان الله هذا المعنى في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة النّحل، الآية: ٤] لأنّ معنى الحكاية ظاهر فيه ومفهوم منه، وإذا كان الأمر على هذا فقوله: كن، حكاية، والمعنى فيه إيجاب خروج الشّيء المراد من العدم إلى الوجود. وقوله: فيكون بيان حسن المطاوعة من المراد وتكوّنه، وليس ذلك على أنّه مخاطبة المعدوم، ولكنّ الله تعالى أراد أن يبين على عادة الآمرين إذا أمروا كيف يقرّب مراده إذا أراد أمرا، فأخرج اللّفظ على وجه يفهم منه ذلك، إذ كان لا لفظ في تصوير الاستعجال، وتقريب المراد أحضر من لفظة كن فاعلمه. وتلخيص الآية وإذا كان يوم البعث والنّشر والسّوق إلى الحشر يوجب وقوع المكون بقولنا: كن، فيقع بحسب الإرادة لا تأخير فيه ولا تدافع، لأن حكمنا فيه المحقوق الذي لا يبدّل، ولأنّ الملك فيه للملك الذي لا يغالب ولا

стр. 20

يمانع، فقوله في الفصل الأول: بالحق- أي بما وجب في الحكمة وحسن فيها. وقوله في الفصل الثّاني قوله الحق- أي المحقوق الذي لا يحول ولا يغيّر إذ كان البدء لا يجوز عليه، وأوائل الأمور في علمه كأواخرها. والفصل الثالث قوله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] يريد به أنه في ذلك الوقت متفرّد بتدبير الفرق والأمم وتنزيلهم منازلهم من الطّاعة والمعصية، كما أبدأهم فكما كان تعالى الأوّل لقدمه يكون الآخر لبقائه، لا مشارك له، ولا مؤازر، وأبين منه قوله في موضع آخر: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر، الآية: ١٦] وهذا حال المعاد، والمعنى إذا أردنا سوقهم بعد الإماتة للنّشر لم يخف علينا شيء من أحوالهم لأنّا نملكهم، فأمرنا حتم لا تخيّر وفور لا تأخير، والإحصاء يجمعهم، والإدراك يعمهم. وقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] لم يشر به إلى وقت محدود الطّرفين ولكن على عادة العرب في ذكر الزّمان الممتد الطويل باليوم، فهو كما يقال: فعل كذا في يوم فلان، وعلى عهد فلان. الفصل الرابع: قوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سورة الأنعام، الآية: ٧٣] يريد أنّه لا يخفى عليه ما فيه لأنّه العالم لنفسه فلا يغرب عنه أمر، والغائب عنده كالحاضر والبعيد كالقريب وهو حكيم فيما يقضيه عليم فيما يقضيه. لا يذهب عليه شيء من أحوال عباده، ومن مواعيده فيحشرهم جميعا، ويوفّيهم مستحقّهم موفورا. ومنه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [سورة يس، الآية: ٣٧] إلى يسبحون، قوله: نسلخ منه النّهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النّهار، ألا ترى قوله في موضع آخر: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [سورة الأعراف، الآية: ١٧٥] ، وفي هذا دلالة بيّنة على ما تذهب إليه العرب من أنّ اللّيل قبل النّهار لأنّ السّلخ والكشف بمعنى واحد يبين ذلك أنّه يقال: كشطت الإهاب، والجلد عن الشّيء، وسلخته أي كشفته، والسّلاخ الإهاب نفسه، وسلخت المرأة درعها نزعته، وسلخت الشّهر: صرت في آخر يوم منه، وسلاخ الحيّة جلدها، وإذا كان ذلك، وكان الله تعالى قال: اللّيل نسلخ منه النهار، والمسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فيجب أن يكون اللّيل قبل النّهار، كما أنّ المغطّى قبل الغطاء قوله: فإذا هم مظلمون- أي داخلون في الظّلام يقال: أظلم اللّيل إذا تغطى بسواده، وأظلمنا دخلنا في ظلمات، وهذا كما يقول: أجنبنا وأشملنا- أي دخلنا في الجنوب والشّمال، وأنجدنا، وأتهمنا أي أتيناهم، ثم قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [سورة- يس، الآية: ٣٨] وهذا يحتمل وجوها من التّأويل. أ- أن يكون المراد جريها لاستقرار يحصل له إذا أراد الله وقوفها للأجل المضروب

стр. 21

لانقضاء وقت عادتها في الطلوع والأفول. ب- أن يكون المراد بالمستقر وقوفها عنده تعالى يوم القيامة، والشّاهد لهذا قوله في آية أخرى: كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [سورة القيامة، الآية: ١٠، ١١] فهو كقوله في غير موضع: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* [سورة الحديد، الآية: ٥] ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* [سورة البقرة، الآية: ٢٤٥] . ج- أن يكون المعنى أنها لا تزال جارية أبدا ما دامت الدّنيا تظهر وتغيب بحساب مقدر كأنها تطلب المستقر الذي علمها صانعها فلا قرار لها؛ ويشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ والشّمس تجري لا مستقر لها، وذلك ظاهر بيّن يوضحه قوله تعالى بعقبه: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* [سورة يس، الآية: ٣٨] ، أي تقدير من لا يغالب في سلطانه ولا يجاذب على حكمته، قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ [سورة يس، الآية: ٣٩] ، الآية. برفع القمر على، وآية لهم اللّيل وإن شئت على الابتداء، وينصب على، وقدّرناه والعرجون) عود لعذق الذي تسمّى الكباسة تركبه الشمّاريخ مثله الأثكول والعثكول من العذق، فإذا جفّ وقدم دقّ وصغر وحينئذ يشبهه الهلال في أول الشهر وآخره. وقال أبو إسحاق الزّجاج: وزنه فعلول لأنّه من الانعراج، وقال غيره: هو فعلول لأنه كالفثلول، ومعنى الآية وقدّرنا القمر في منازله الثمانية والعشرين، وفي مأخذه من ضوء الشّمس، فكان في أوّل مطلعه دقيقا ضئيلا، فلا يزال نوره يزيد حتى تكامل عند انتصاف الشّهر بدرا، وامتلائه من المقابلة نورا، ثم أخذ في النقصان بمخالفته لمحاذاة، وتجاوزه لها حتى عاد إلى مثل حاله الأولى من الدّقة والضؤلة وذلك كلّه في منازله الثمانية والعشرين لأنه ربّما استتر ليلة، وربما استتر ليلتين فمشابهة الهلال للعرجون في المستهل والمنسلخ صحيحة. فأما قوله: حتى عاد فكأنه جعل تصوّره في الآخر بصورته الأولى في الدّقة مراجعة، ومعاودة. والقديم يراد به المتقادم كما قال في قصة يعقوب ﵇: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [سورة يوسف، الآية: ٩٥] . وقال الفرّاء القديم يقال لما أتى عليه حول. وقيل أيضا: معنى عاد صار، ويشهد لذلك قول الشّاعر: أطعت العرس في الشّهوات حتّى ... تعود لها عسيفا عبد عبد ولم يكن عسيفا قط، وقال امرؤ القيس: وماء كلون البول قد عاد آجنا ... قليل به الأقوات ذي كلأ مخل أي صار، وقال الغنوي:

стр. 22

فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: ٤٠] ، يعني ينبغي لها. أي: لو كانت تطلب إدراك القمر لما حصلت لها بغيتها، ولا ساعدتها طلبتها يقال: بغيت الشيء، فانبغى لي. أي طلبته، فأطلبني، وإذا لم ينبغ لها لو طلبت، فيجب أن لا يحصل الفعل منها البتّة، لأنّ الإدراك معناه اللّحوق وسببه الذي هو البغاء ممنوع منه، فكيف يحصل للسّبب؟ وأيضا فإنّ سرعة سير القمر وزيادته على سير الشّمس ظاهر فهو أبدا سابق لها بسرعته، وتلك متأخرة لبطؤها، وقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [سورة يس، الآية: ٤٠] محمول على وجهين. الأول: أن يكون المعنى بالسّبق أوّل إقباله وآخر إدبار النّهار. والثاني: أن يكون المعنى آخر إدبار النّهار وأول إقبال الصّبح، وسبق اللّيل النّهار بإقباله أن يقبل أول اللّيل قبل آخر إدبار النّهار وهذا ما لا يكون. وأما سبقه إيّاه بإدباره، فإن سبق آخر إدبار اللّيل أوّل إقبال الصّبح قبل كونه، وهذا أيضا لا يكون، ولا يجوز كونه لأنهما ضدّان يتنافيان ويتعاقبان فلذلك لم يجر سبق اللّيل النّهار في شيء من أحواله. وقيل معنى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أي ليس لها أن تطلع ليلا، ولا القمر له أن يطلع نهارا لأنّ لكلّ منهما شأنا قدّر له ووقتا أفرد به، فلا يقع بينهما زاجر فيدخل أحدهما في حد الآخر قوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس، الآية: ٤٠] أي كلّ واحد منهما له فلك يدور فيه فلا يملك انصرافا عنه؛ ولا تأخّرا إلى غيره، ولفظ الفلك يقتضي الاستدارة أي وكلّ له مكان من مسبحه مستدير يسبح فيه أي يسير بانبساط، ومنه السّباحة، وقال تعالى لنبيّه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمل، الآية: ٧] ولا يمنع أن يكون يشير بقوله: في فلك إلى الذي هو فلك الأفلاك، وإذا جعل على هذا فهو أبهر في الآيات، وأدلّ على اقتدار صانعه وإنمّا قال: يسبحون لأنّه لمّا نسب إليها على المجاز والسعة أفعال العقلاء المميّزين جعل الاخبار عنها على ذلك الحد، ومثله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [سورة يوسف، الآية: ٤] وهذا كثير. ومنه قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] الآية نبه بهذه الآية، وبقوله إنّ عدّة الشهور الآية على نعمه على خلقه فيما إن شاء حالا بعد حال لهم، وابتدعه وما عرف مصالحه وقتا بعد وقت، فيما قدّر لهم فكر وذكر ونصب للحاضرة والبادية من الأعلام والأدلة بالمنازل والأهلّة، ومطالع النّجوم السّيارة وغير السّيارة حتى جعلت

стр. 23

مواقيت وآجالا، ومواعيد، وآمادا، فعرفوا حلالها وحرامها ومسالمها ومعاديها وذا العاهة منها مما لا عاهة معها؛ وتبيّنوا بطول التّجارب أضرّها أنواء، وأعودها أمطارا، وأعزّها فقدانا، وأهونها أخلاقا، فأخذوا لكلّ أمر أهبته، ولكلّ وقت عدّته، إلى كثير من المنافع والمضار التي تتعلق باختلاف الأهواء وتفاوت الفصول والأوقات؛ ومن تدبّر قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] . ثم فكّر في تميز أحدهما عن الآخر باختلاف حالهما في النّور، والظّلمة، والظّهور والغيبة، ولماذا صارا يتناوبان في أخذ كلّ واحد منهما من صاحبه، ويتعاقبان في إصلاح ما به مصالح عباده وبلاده؟ وكيف يكون نموّ القمر من استهلاله إلى استكماله ونقصه، وانمحاقه من ليالي شهره وأيامه؟ وأنّى يكون اجتماع الشّمس وللقمر، وافتراقهما، وتساويهما، وتباينهما، ظهر من حكمة الله تعالى له إذا تدبّره، وردّ آخره على أوّله، وولي كلّ فصل منه ما هو أولى به. ثم سلك مدارجها، وتتبع بالنّظر معالمها ومناهجها أدّاه الحال إلى أن يصير من الرّاسخين في العلم به تعالى وبمواقع نعمه، وآثار ربوبيته، ألا ترى أنّه لو جعل اللّيل سرمدا، أو جعل النّهار أبدا لا نقطع نظام التّعايش، وانسدت أبواب النّمو والتزايد، وتأدّى انقلاب التّدبر إلى ما شرحه بتعذر فسبحانه من حكيم رؤوف بعباده رحيم. وقد سئل النّبي ﵌ عن نقصان القمر وزيادته، فأنزل الله تعالى أنّ ذلك لمواقيت حجكم، وعمرتكم، وحل ديونكم وانقضاء عدة نسائكم، وقوله تعالى: آيَةَ اللَّيْلِ ، وآيَةَ النَّهارِ إضافتهما على وجه التّبيين والشّيء، قد يضاف إلى الشيء لأدنى علاقة بينهما، قال تعالى: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [سورة العنكبوت، الآية: ٥] . ولما كان هو المؤجل، وقال في موضع آخر: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ* [سورة الأعراف، الآية: ٣٤] لما كان الأجل لهم، فكذلك قوله: آيَةَ اللَّيْلِ ، وآيَةَ النَّهارِ ، يعني الآية التي يختصّ بهما هذا في إضافة الغير إلى الغير. فأما إضافة البعض إلى الكل فقولك: خاتم حديد، وثوب خز، فلا يمنع دخوله فيما نحن فيه، ويكون المعنى أنّ الآية الممحوة كانت بعض اللّيل، كما أنّ الخاتم، يكون بعض الحديد، كأنّ اللّيل ازداد بالمحو آيتها سوادا، ويقال؛ دمنة ممحّوة إذا درست آثارها وآياتها، ويقال: محوت الشيء، أمحوه، وأمحاه وفي لغة علي محيته، وحكى بعضهم: محا الشيء ومحاه غيره، وكتاب ماح، وممحو ومحوة، اسم لريح الشّمال لأنها تمحو السّحاب، والمحوة المطرة التي تمحو الجدب ومن كلامهم تركت الأرض محوة إذا جيدت كلها. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عنى بآية النّهار الشّمس، وبآية اللّيل القمر، وعنى بالمحو ما في ضوء القمر من النّقصان، وحكي عن السّلف أنّ المراد بالمحو الطّخاء الذي

стр. 24

في القمر قوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [سورة الإسراء، الآية: ١٢] هو على طريق النّسبة أي ذات إبصار، وفي موضع آخر: وَالنَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: ٦٧] أي مضيئا وكما يقال هو ناصب أي ذو نصب، ويجوز أن يكون لما كان الإبصار فيها جعله لها، كما يقال رجل مخبت إذا صار أصحابه خبتا، ونهاره صائم، وليله قائم. وقال أبو عبيد يريد قد أضاء للنّاس أبصارهم، ويجوز أن يكون كقولهم: أصرم النّخل أي أذن بالصّرام، وأحمق الرّجل إذا أتى بأولاد حمق وقوله: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] مثل قوله في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: ٦٧] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٤٧] وفي آخر: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النبأ، الآية: ١١] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: ٧٣] وهذه الآي، وإن تشابهت في معانيها، فقد اختلفت تفاصيل نظومها، فقوله: جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي يغشى كلّ شيء من الحيوان وغيره فيصير ذا دعة وسكون وانقطاع عما يعالجه في النّهار لابتغاء الفضل فيه، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي وقت معاش، والمعاش، والمعيش ما أعان على الحياة به ممّا الحياة به، وليس الحياة، قال أمية: ما أرى من معيشي في حياتي غير نفسي وقد قال أبو العباس محمد بن يزيد: ثم يرى تفسيرهما جملة ثقة بأنّ السّامع يرد كلّا إلى ماله يريد مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، ثم قال: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا والسّكون في اللّيل، والابتغاء في النّهار، ومثله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنّما هو من أحدهما، فإن قال قائل: ما تصنع على هذا بقول سيبويه: لا يقول لقيته في شهري ربيع إذا كان اللقاء في آخره قال: وكذلك لا يجوز أن يقول لقيته في يومين، واللقاء في أحدهما. قلت: هذا الذي قال صحيح لأنّ ذكرك الشّهر الذي لم يكن فيه اللّقاء، فصل ولكن لو وصفت الشّهرين بما يكون في واحد منهما فجمعت الصّفة فيهما كان جيدا، وذلك قولك في الشتاء يكون المطر ويقعد في الشّمس أي هذا وهذا، وكذلك في شهري ربيع تأكل الرّطب والتمر أي هذا في أحدهما، وهذا في أحدهما كما يقول: لو لقيت زيدا وعمرا لوجدت عندهما نحوا أو خطّا، إن كان النّحو عند أحدهما، والخط عند الآخر فليس هذا بمنزلة الأوّل لأنّ اللقاء في أحد الشّهرين والآخر لا معنى لذكره البتّة. قال أبو العبّاس: ومن ذلك قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [سورة الرحمن، الآية: ١٩] بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [سورة الرحمن، الآية: ٢٠] ثم خبر بفضائلهما فقال:

стр. 25

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [سورة الرحمن، الآية: ٢٢] وإنما خرج من الملح لا من العذب ولكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه. وكذلك قوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: ٧٣] ، فالسّكون في اللّيل والاكتساب في النّهار، ولكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء، افتنانا في النظم وتبحرا في السّبك وثقة بأنّ اللّبس عنه بعيد كيف رتب وفي قوله تعالى: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ* [سورة الإسراء، الآية: ١٢] إشارة إلى التّواريخ وضبط مبالغ الدّيون والمعاملات وآمادها ومواقيتها، وما فيه معاشهم ورياثهم وعليه تبتنى منافعهم ومصالحهم، وقد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [سورة الإسراء، الآية: ١٢] وإن كانت هدايته أبلغ، ومجامع بيانه من اللّبس أبعد، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللّيل لباسا أي للتّودع والسّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع. قال امرؤ القيس شعرا: ألا إنّ بعد العدم للمرء فنية ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا وقال ابن أحمر: لبست أبي حتّى تملّيت عمره ... وملّيت أعمامي وملّيت خاليا ويجوز أن يريد باللّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شيء وستره كما قدّمنا، والأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] وجعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا وقوله: وَالنَّوْمَ سُباتاً أي راحة وأمنا ويقال: رجل مسبوت إذا استرخى ونام وسبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل واستراح وانسبتت البسرة، إذا لانت وقوله: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٤٧] مثل قوله: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمّل، الآية: ٧] أي ذهابا وتصرّفا في طلب الرّزق، ولمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه، كقولك: فلان أكل وشرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف، أو لغلبة الفعل عليه، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا: ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار وهو يصف وحشية. قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا: حتى يقول النّاس مما رأوا ... يا عجبا للميت النّاشر

стр. 26

وهو في هذا الموضع الانتباه من النوم والاضطراب من الدّعة، وكما سمّى الله تعالى نوم الإنسان وفاة بقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [سورة الزمر، الآية: ٤٢] كذلك وفّق بين إبقاء من الموت في التّسمية بالنّشور. ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ [سورة الفرقان، الآية: ٤٥] الآية قوله ألم تر لفظ استفهام وحقيقة البعث على النّظر والمعنى انظر حتى تتعجب إلى ما مدّه الله من الظّل وإنّما قلنا هذا لأنّ المد مدرك متبيّن وتبيّن كيفيته يبعد في الوهم فكيف في الإدراك فلا يعلمه إلا الله وهذا على عادتهم في التّفاهم بينهم يقولون: أرأيت كذا، والمراد أخبرني وأ رأيتك وأ لم ترك كذا وهل رأيت كذا، ولم تر إلى كذا، وأ لم تر كيف كذا؟ والفصل في أكثره أن تعق المخاطب على ما تجب منه من المدعو إليه، وقد استعمل هل رأيت معدولا به من حيث المعنى على ظاهره أيضا؟ وذلك كقول القائل: متى إذا جنّ الظلام، واختلط جاءوا بمذق؟ هل رأيت الذئب قط؟ ويسمّى مثل هذا التّصوير لأنّ المعنى جاؤوا بمذق أورق فصوّروا الورقة بلون الذئب، فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٨] فمعناه أرأيت كالذي حاجّه بين ذلك ما عطف عليه من بعد لأنه تعالى قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] لأنّ المعنى على ذلك، والكلام جار على التعجب، ولفظة إلى تأتي إذا حملت أرأيت على النظر. فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [سورة الفيل، الآية: ١] فالمعنى ألم تعلم ولا يحتاج إلى ذكر إلى. والمراد بالظّل عند بعضهم الذي يكون بعد طلوع الفجر في انبساط وقبل طلوع الشّمس وظهورها على الأرض، وقد قال أهل اللغة في الفرق بين الظّل والفيء إنّ الظّل يكون بالغداة والعشيّ، والفيء، لا يكون إلا بالعشي لأنه اسم للذي فاء من جانب إلى جانب. ومنه قولهم فيء المسلمين للغنائم والخراج الرّاجعة إليهم. وقد جاء ما يفيد فائدته في صفة الظّل في مواضع، منها أكلها دائم وظلّها. ومنها قوله: وظلّ ممدود، فجعل ما في الجنة ظلالا فيئا، وكان رؤبة يقول: الظل ما لم تنسخه الشّمس، وهو أول والفيء ما نسخته الشّمس، وهو آخر، وقالوا: الظل بالغداة والعشي، والفيء بالعشي، وقيل أيضا: الظل يكون ليلا ونهارا، والفيء لا يكون إلّا بالنّهار، وما نسخته الشمس ففيء وكان في أول النهار فلم تنسخه الشّمس، وقيل الظّل للّيل في كلام العرب قال: وكم هجرت وما أطلقت عنها ... وكم ربحت وظلّ اللّيل دان فجعل للّيل ظلا وقول الآخر وتفيئوا الفردوس ذات الظّلال، اتّساع أيضا لأنه جعل للأفياء ظلالا فأما قوله شعرا:

стр. 27

فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي نذوق فقد فصل بينهما قوله: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: ٤٥] سئل عنه متى كان متحركا فقيل: معنى السكون ها هنا الدوام والثبات، ألا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم وراكد ويمكن أن يقال: إنّ السّاكن ها هنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام وثبت. وقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [سورة الفرقان، الآية: ٤٥] يراد به أنّه لولا الشّمس لما عرف الظل، فالله تعالى يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار، وعلى هذا يكون الدّليل بمعنى. الدّال. وقال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظّل حتى ذهبت به ونسخته أي أتبعناها إياه قال: ويدلّك على ذلك قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [سورة الفرقان، الآية: ٤٦] أي شيئا بعد شيء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال، وروي عن الحسن أنه كان يقول: يا بن آدم أما ظلّك فسجد لله، وأما أنت فتكفر بالله. وقال بعضهم: وقد أحسن ما قال: الظلّ من آيات الله العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه، فدلّ بذلك على لزوم القمر له ولسائر الخلق قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: ٤٨] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس، وحتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا، قبيل غروب الشّمس وإلى غروبها. ثم يدوم اللّيل كلّه، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى، فالشّمس دليل عليه لولا الشّمس ما عرف الظّل، فالله بقدرته القاهرة يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار. وإنّما قال: قَبْضاً يَسِيراً لأنّ الظّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة، ولا يقبل الظلام كلّه جملة واحدة، وإنّما يقبض الله تعالى ذلك الظّل قبضا خفيا وشيئا بعد شيء، ويعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللّيل حتى يذهب كلّه، فدلّ الله على لطفه في معاقبته بين الظّل والشّمس واللّيل، ومن كلامهم وردته والظّل عقال وطباق وحذاء. وقال: ولو احقت أخفافها طبقا ... والظّلّ لم يفضل ولم يكر أي لم ينقص، ويقولون: لم يزل الظّل طاردا أو مطرودا، ومحولا، وناسخا، ومنسوخا، وسارقا، ومسروقا، وكلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان وتفصيل لما أجمل فيما قدّمته، وسيجيء من صفات الظّل وأسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه.

стр. 28

وأما قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [سورة النحل، الآية: ٤٨] الآية فقوله: من شيء من دخلت للتّبيين كدخولها مع المعرفة في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [سورة الحج، الآية: ٣٠] والمعنى من شيء له ظّل كالشّخوص، ومن هذه قد تجيء مع النّكرة فتلزم ولا تحذف تقول: من ضربك من رجل وامرأة فاضربه. هذا في الجزاء كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وإنّما كرهوا حذف من لأنهم خافوا أن يلتبس الكلام بالحال إذا قلت إلى ما خلق الله شيئا، ومعنى الحال ها هنا بعيد فألزموه من ليعلم به أنه تفسير وتبيين لما قد وقع غير مؤقت يكشف هذا أنّك لو قلت: لله درّه من رجل، جاز أن يقول: لله دره رجلا، ومن رجال فإنك قد أمنت الالتباس بالحال إذا لم يكن ذلك موضعه. فأما قولك: لله درك قائما، فإنّما جاز سقوط (من) لأنّ الذي قبله مؤقت فلم يبال التباسه بالحال، قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [سورة النحل، الآية: ٤٨] معناه ما قدّمته في بيان قوله تعالى: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: ٤٥] وكشفه أن جميع ما خلقه ظلّه يدور معه ويمتدّ لا ينفك منه حتى لو رام انسلاله من دونه لما قدر عليه يصحبه مقبلا ومدبرا، وكيف مال زائدا عليه وناقصا منه ليذكره عجزه، ويصوّر له أنه على تصرفه المتين في لزام أضعف قرين وذلك تفيؤة أي ترجعه يمنة ويسرة ومتنعلا من تحت، ومعتليا من فوق على حسب اختلاف الأحوال، فيكون للأشخاص فيء عن اليمين والشمائل إذا كانت الشّمس على يمين الشخص، كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، وقيل: أول النّهار عن يمين القبلة، وفي آخره عن شمال القبلة، ومعنى قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: ٤٨] انها بآثار الصّنعة فيها خاضعة لله تعالى، وذكر السّجود قد جاء في هذا المعنى في غير هذا الموضع قال: (غلب سواجد لم يدخل بها الحصر) ، وقال آخر: بجمع تضلّ البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر والمراد الاستسلام بالتسخير والانقياد. فأما قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ [سورة الكهف، الآية: ١٧] بعد أن قال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [سورة الكهف، الآية: ١١] فمعنى ضربنا على آذانهم أي أمتناهم، ومنعناهم الإدراك، ويقال في الجارحة: إذا أبطلتها ضربت عليها، وفي الممنوع عن التصرف في شيء ضربت على يده، ومعنى تزاور، وتزور تنحرف عنهم، أي تطلع على كهفهم ذات اليمين ولا تصيبهم، والعرب تقول: قرضته ذات اليمين، وقرضته ذات الشمال، وقرضته قبلا وقرضته دبرا، وحذوته ذات اليمين وذات الشمال، أي كنت بحذائه من كلّ ناحية، وأصل القرض القطع- أي تعدل عنهم وتتركهم.

стр. 29

وقيل: إنّ باب الكهف كان بإزاء بنات نعش فلذلك لم يكن الشّمس تطلع عليه وإنما جعل الله تعالى ذلك آية فيهم، وهو أنّ الشّمس لا تقربهم في مطلعها ولا عند غروبها. وقال الله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [سورة الرحمن، الآية: ٦] وقد بيّن الله المراد بما ذكرنا في آية أخرى فقال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [سورة الرعد، الآية: ١٥] يريد الانقياد في الطاعة من الملائكة والمؤمنين في السّماوات والأرضين، وأنه يستسلم من في الأرض من الكافرين كرها وخوفا من القتل، وظلالهم بالغدوّ، والآصال يؤدّي ما أودع من آيات الحكم وغرائب الأثر فسبحانه من معبود حقّت له العبادة من كلّ وجه، وعلى كل حال فلا يتوجه إلا إليه وإن قصد بها غيره، ولا تليق إلا به دون من سواه والدّاخر: الصّاغر، ويقال: تفيّأت الشّجرة بظلها إذا تميلّت. فأما قوله شعرا: تتبّع أفياء الظّلال عشيّة ... على طرق كأنّهن سبوب فإنما أضاف الأفياء إلى الظّلال لأنه ليس كلّ ظل فيئا، وكل فيء ظل، وتحقيق الكلام تتبع ما كان فيئا من الظلال، ومثله في الاتساع قول الآخر: لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفاز باللّحم للقوم المراجيل لأن المنصوبة هي الأخبية، ويقال: أظلّ القوم عليهم أي أوقعوا عليهم ظلالهم، وإنما قال: وهم داخرون، لأن المنسوب إليها من أفعال العقلاء، فأعيرت عبارتهم، وقد مضى مثل هذا. ومنه قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [سورة الروم، الآية: ١٧] إلى تظهرون. اعلم أنّ قولك: سبحان مصدر كقولك: كفران، وغفران إلا أنّ فعله لم يستعمل، ولو استعمل لكان سبح مثل كفر وغفر، ومعناه التّبعيد من أن يكون له ولدا، ويجوز الكذب عليه والتّنزيه له، والبراءة من السّوء وكل ما ينفى عنه إلا أنه التزم موضعا ولم يجر مجرى سائر المصادر في التّصرف والاستعمال. وذلك أنّه لا يأتي إلا منصوبا مضافا وغير مضاف، لكنّه إذا لم يضف ترك صرفه فقيل: سبحان من زيد، قال الأعشى شعرا: أقول لمّا جاءني فخر ... فسبحان من علقمة الفاخر فلم يصرفه لأنّه معرفة في آخره ألف ونون زائدتان فهو كعثمان، وسفيان كأنّه أجرى مجرى الإعلام في هذا، وهم يحملون المعاني على الذّوات في تخصيصها بأشياء كالأعلام لها، وعلى ذلك أسماء الأفعال، فأمّا قولهم: سبّح تسبيحا، فهو فعل بني على سبحان، ومعنى سبّح الله، أي قال: سبحان الله فهو عروض قولهم: بسمل إذا قال بسم الله، وقد

стр. 30

أطلق سبّح في وجوه سوى هذا. منها الصلاة النّافلة يشهد لهذا قوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [سورة الصافّات، الآية: ١٤٣] أي من المصلّين، وهو مستفيض أنّ السّبحة هي النافلة، وكان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة. ومنها الاستثناء كقوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: ٢٨] أي لولا تستثنون. وقيل: هي لغة لبعض أهل اليمن وليس للكلام وجه غيره لأنّه تعالى قد قال: قبل ذلك: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ [سورة القلم، الآية: ١٧- ١٨] ثم قال: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: ٢٨] فأذكرهم تركهم الاستثناء، والمراد من الله تعالى أن يعرفنا عبادته ويعلمنا حمده وما يستحق به إذا أقمناه وكأنه قال: سبّحوا الله في هذه الأوقات وتذكّروا في كلّ طرف منها ما يجدد عندكم من أنعامه، ثم قابلوا عليه بمقدار وسعكم من الحمد والتّسبيح. قوله: حين تمسون وحين تصبحون- أي إذا أفضيتم إلى الصّباح والمساء وحق النّظم أن يكون حين تمسون وحين تصبحون وعشيا وحين تظهرون، لكنه اعترض بقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [سورة الروم، الآية: ١٨] ومثل هذا الاعتراض إلا أنه أبين الفعل والفاعل قوله شعرا: وقد أدركتني والحوادث جمّة ... أسنّة قوم لا ضعاف ولا نكل عزل وفي القرآن: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة، الآية: ٧٥- ٧٦- ٧٧] ، ففصل بين اليمين وجوابها كما ترى، وحسن ذلك لأن المعترض يؤكّد المعترض في الأوّل، والحمد إذا اقترن بالتّنزيه والتّسبيح صار الأداء أوفر بهما وأبلغ، والصّبح، والصّباح، والإصباح كالمسي، والمساء، والإمساء، وهذا مما حمل فيه النّقيض على النّقيض، وعلى هذا المصبح والممسي، وجاء فالق الإصباح، ويعني به الصّبح وصبّحت القوم أتيتهم صباحا، أو ناولتهم الصّبوح، ويقولون: يا صباحاه إذا استغاثوا، والمصباح السّراج، واصطبحت بالزّيت، والصّباح قرط المصباح الذي في القنديل والعشي آخر النهار، فإذا قلت عشيّة: فهي ليوم واحد، والعشي السّحاب لأنه يغشى البحر بالظّلام الذي يتلخّص به الآية أن يعلم أنّ المساء منه ابتداء الظّلمة كما يكون من الصّبح ابتداء النّور، والظّهيرة نصف النّهار، وفلان يرد الماء ظاهرة إذا ورد كلّ يوم نصف النّهار يقول، فعلموا الله تعالى بما يدلّ عليه آياته في الصّباح والمساء، والغدو، والرّواح فإنّ في معنى كلّ لمحة من هذه الأوقات بما يحويه من غرائب صنع الله في تبديل الابدال، وتحويل الأحوال وإيلاج اللّيل في النهار والنّهار في اللّيل إيجاب شكره علينا معشر عبيده مؤتنف،

стр. 31

وإلزام حمده ببقاء الزّمان متّصل قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [سورة الروم، الآية: ١٨] يريد به في أهل السّماوات والأرض، فهو على حذف المضاف كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ والمراد أهلها، والمعنى أنه محمود في كلّ مكان وبكلّ لسان. وذكر بعض المفسرين أنّ قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [سورة الروم، الآية: ١٧] الآية دالّة على أوقات الصلاة، وهذا سائغ وإن كانت الفوائد فيما ذكرناه أعمّ وقد قال الله تعالى في موضع آخر: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] الآية، منبها على أوقات الصلاة مجملا، وتاركا تفصيلها وبيانها للنبي ﷺ ، والدّلوك مختلف فيه فمنهم من يجعله الزّوال ومنهم من يجعله الغروب، وهذا كما اختلفوا في الآية الأخرى وهي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة، الآية: ٢٣٨] ، فمنهم من قال: أراد بالوسطى العصر، ومنهم من قال: أراد بها الفجر ويجوز أن يكون المفروض بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] أربع صلوات في النّهار صلاتان: الظهر والعصر، وفي اللّيل صلاتان: المغرب والعشاء الآخرة. وقوله تعالى: كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] أي يشهده الملائكة، ويجوز أن يكون المراد حقه أن يشهد، والغسق الظّلمة. فأما اختصاص السّماوات والأرض بالذّكر من بين الأشياء كلّها فلشمولها لكل مخلوق، ومثله قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: ٣] والمعنى وهو الذي يحق له العبادة، وإذا كان كذلك فكلّ مذكور معلوم داخل فيهما، ويكون قوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: ٣] خبرا ثانيا أي هو إله في الأرض كما هو إله في السّماء لا يخفى عليه خافية. ويحتمل أن يكون المراد وهو الله في السّماوات أي هو معبود فيها، وقد تم الكلام ويكون قوله: وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: ٣] على أنه خبر ثان، والمراد أنه معبود في جميع ذلك عالم بالسر والجهر. وقيل في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [سورة الزخرف، الآية: ٨٤] أنّ الخلق يؤلهون إليه- أي يفزعون في الشدائد إليه مستعينين به «١» وأهل الأرض متساوون في حاجتهم إلى رحمته وجميل تفضله. فأما قوله: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [سورة الزخرف، الآية: ٨٤] فإله مشترك غير مخصوص وجاز فيه الجمع كما جاء: اجشاء الآلهة إلها واحدا. وكما قال: اجشاء لنا إلها كما لهم آلهة وهو يعمل عمل الفعل، ألا ترى أنّ قوله:

стр. 32

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ الظّرف فيه متعلق بما في الإله من معنى الفعل وفي تقديره وإعرابه عدة وجوه: منها أن يقال: إنّ العائد إلى الذي محذوف كأنّه قال: وهو الذي هو في السّماء إله وفي الأرض إله، وساغ حذف العائد بطول، وهي قوله في السّماء إله وفي الأرض إله، وهذا كما حكى عنهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وقد قال الخليل: إني أستحسنه إذا طال الكلام فهذا وجه، ويجوز أن يقال: إنه مرتفع بالابتداء وخبره في السّماء وفي الأرض والعائد إلى الذي هو الذي يعود إلى إله لأنّ الذي هو في المعنى والحمل على المعنى مذهب أبي عثمان، وقال مع ذلك لولا كثرته لرددته، ومثله قول القائل: أنت الذي فعلت، وقوله: (أنا الذي سمتني أمي حيدره) والقياس فعال، وسمته وقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: ٣] الظّرف لا يتعلق بالاسم أعني لفظة الله على حد ما يتعلق بإله إلا على حد ما ذكره لك، وهو أنّ الاسم لما عرف منه معنى التّدبير للأشياء وإبقائها بحفظ صورها في نحو: أنّ الله يمسك السّماوات والأرض أن تزولا، ونحو: ويمسك السّماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ونحو: أمن جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، صار إذ ذكر كأنه ذكر المدبّر والحافظ فيجوز أن يتعلّق الظّرف بهذا الذي هو الاسم العالم بعد أن صار مخصوصا وفي حكم أسماء الأعلام التي لا معنى فعل فيها، فهذا بمعنى الاسم، وما كان يدل عليه من قبل من معنى الفعل. وعلى هذا تقول: هو حاتم جوادا، وهو أبو حنيفة فقيها، وهو زهير شاعرا، فتعلق الحال مما دخل في هذه الأسماء من معنى الفعل لاشتهارها بهذه المعاني، فلا ترى أنك لا تقول: هو زيد جوادا ما لم يعرف بذلك وعلى هذا تقول: هو حاتم كلّ الجواد، وهو أبو حنيفة كل الفقيه. ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: ٣] الآية، لما كان الله تعالى خالق الأشياء ومبتدعها، ومدبّر الأفلاك ومسخّرها، وكانت الأبصار لا تدركه، والأقطار لا تحده، وأراد مع ذلك أن يعرف نفسه إلى من يتعبّده من خلقه لتسكن نفوسهم إلى مصطنعهم فيعتصموا به ويتمسكوا بدعائه أحالهم على مراده من ذلك بآثاره وآياته في أرضه وسمائه، إذ كان الطريق إلى معرفة الشيء أما أن يكون بما يؤدي إليه رواتب الحس، وهي الأجسام والأعراض، أو بما يبرهن عليه دلائل الصّنع، وهو ما يكشف عند الاستدلال، فأعلم المشركين فيما أنزله أنّ الذي يجب تعظيمه ويحق ربوبيته هو خالق السّماوات والأرض في ستة أيام، فتوصّلوا إلى معرفة ما نصبه من أدلّته، فسيشهد لكم من جلائل قوّته وعزّته ما يزيد في البيان على ما يصل إليه الواحد منكم بحاسّته ويصوّر لكم النّظر بما مهل في أوائل عقولكم ما تميّز الشّك من اليقين لكم وتخلّص الصفو من الكدر

стр. 33

في معتقدكم، فالآلة تامة، والعلّة منزاحة، وما كلف بما كلفتم إلّا بحكمة بينة، وطريقة في فنون الصّواب ثابتة، وإنما خلقهما في ستة أيام ليعرف عباده أن الرفق في الأمور، وترك التّعجل هو المرضى المختار في التّدبير لأنّه تعالى لو شاء أن يخلقهما في أدنى اللّمحات، وأوحى «١» الأوقات لما مسّه فيما يأتيه إعياء ولا لغوب، ولا أعجزه كلال ولا فتور. وإنّما أراد أن يحدثه حالا بعد حال لتدرك ثمرات عبرهم شيئا بعد شيء، وليتأدّب أولو البصائر بآياته، وحمله قرنا بعد قرن، يبيّن هذا أنه تعالى نهى نبيّه ﵇ فيما يتلقّاه من وحيه، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه، الآية: ١١٤] وقال أيضا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [سورة الإنسان، الآية: ٢٣- ٢٤] ، ثم جعل فيما نزّله مجملا ومطلقا ولو شاء لجعل الكلّ مفسرا، ونعى على الكفار لما قالوا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. وقال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [سورة الفرقان، الآية: ٣٢] وهذا أحسن. وقال بعض مشايخ أهل النّظر: لو أراد الله تعالى أن يخلقها ويخلق أضعافا كثيرة معها لفعله، وهو عليها قادر لكنه جعلها في ستة أيام ليعتبر بذلك ملائكته الذين كانوا يشاهدونه، وهو يحدث شيئا بعد شيء في هذه الأيام الستّة عبرة مجددة، ويستدل بكل ما يحدث دلالة مستأنفة وليكون ذلك زيادة في بصائرهم، والحجة التي يقيمها عليهم، فقيل له في ذلك: إن كان ذلك حكمة فيجب أن يطرد في جميع ما خلقه وليس الأمر على هذا على أنّ ذلك ليس بسائغ لأنّ الملائكة لا يستغنون عن مكان يحويهم وإذا كان لا مكان في العالم إلّا السّماء والأرض فليس يعقل كون الملائكة قبل كونهما. ويمكن أن يقال: في هذا والله أعلم أنه تعالى أعلمنا أنه أحدث شيئا بعد شيء حتى وجدت عن آخرها في ستّة أيام، وبيّن لنا بذكر الأيّام السّتة ما أراد أن يعلّمنا إياه من الحساب الذي لا سبيل لنا إلى معرفة شيء من أمور الدّنيا والدّين إلا به، كما قال: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [سورة يونس، الآية: ٥] الآية. فأصل جميع الأعداد التّامة ستة، ومنها: يتفرع سائر الأعداد بالغا ذلك ما بلغ إذ كان ما عداها من الأعداد ناقصا، أو زايدا. ألا ترى أنّ لهذا النّصف وهو ثلاثة والثّلث، وهو اثنان، والسّدس، وهو واحد، وإذا حسبت جميعها كانت ستة، وعند من يعتني بهذا الشأن أن نظير الستة من العشرات ثمانية وعشرون، وكذلك لها في كل من المئتين والألوف نظير واحد، فالسّتة أول الأعداد التامة

стр. 34

كما أنّ التسعة منتهى الأنواع كلها الآحاد والعشرات والمئات والألوف لاشتمالها على الفرد، وهو واحد والزّوج وهو اثنان والزّوج والفرد، وهو ثلاثة والزّوجين، وهو أربعة، وقد انتهى أنّ ما يجيء من بعد يكون مكررا، وإذا حسبت الجميع كان تسعة، فكأنه سبحانه من حكيم أراد أن يكون انتهاء خلقه للعالم بأسره إلى عدد تام فيما يحصى كما أنّه في نفسه تام لا بخس فيه ولا شطط فيما يروى ويتلى. ونظير هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: وإن كان فيه زيادة بيان، وسنحكم القول في جميعه لأنّ ما فيه من زيادة بيان نقيضه إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [سورة فصّلت، الآية: ٩] إلى فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [سورة فصلت، الآية: ١٠] يريد ما أضيف إليه لولا ذلك لما كان لقوله سواء للسائلين معنى فكأنه قال في تمام أربعة أيام سواء لمن يسأل عن ذلك، ثم قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ [سورة فصّلت، الآية: ١١] إلى فِي يَوْمَيْنِ [سورة فصّلت، الآية: ١٢] . واعترض بعض الملاحدة فقال: هذا باطل إنكم وفقتم بين التفصيل في هذه الآية وبين الإجمال في الآية المتقدّمة، بأن تقولوا: قوله في أربعة أيام، يريد مع اليومين الذين خلق الأرض فيهما، فما قولكم في قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الآية. فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السّماء. وقال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها إلى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [سورة النازعات، الآية: ٢٧، ٣٠] فدلت هذه الآية على أنه خلق السّماء قبل الأرض. والجواب أنه إنما كان يحد الطّاعن متعلقا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها، أو أنشأها وإنّما قال: دحاها، فابتدأ الخلق في يومين، ثم خلق السّماوات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها ومدها وأرساها بالجبال وأنبت فيها الأقوات في يومين فتلك ستة أيام وليس أحد أنه تعالى لها في ستة أيام إلا كتكوينه إياها في غير مدة ولا زمان لكن الحكمة التي دللها عليها أوجبت تقسيمها والإتيان بها على ما ترى. وقال في موضع آخر: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: ٣] وكان عرشه على الماء، وهذا أبلغ في الأعجوبة أن يكون العرش هذا البناء العظيم على الماء وإنما يراعى في أسباب الأبنية ووضع قواعدها أن يكون على أحكم الأشياء فهو مثل ابتداع أعيانها وإقامتها بلا عهد ولا علاقة. وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: ١١] أي قصد خلق السّماء كما خلق الأرض سواء، وعمد إليها بعقب خلقها من غير

стр. 35

حائل بينهما وذلك تكوينه لهما جميعا كما أراد. وهذا كما يقال: فعلنا كذا، ثم استوينا على طريقنا، أو استمررنا فيها سائرين ولم يشغلنا عن الامتداد شاغل. قال زهير في مصداق ذلك: ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم ... ماء بشرقي سلمى فيداور كل ويروى ثم استووا، وتنادوا، وقد كان الله تعالى قبل تسويته إياها على ما هي عليه خلقها دخانا، فكون بعد ذلك من الدّخان سماء وشمسا وقمرا وكواكب ومنازل وبروجا وقوله: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ* [سورة يونس، الآية: ٣] يريد الاستيلاء، والملك يدل عليه قول بعيث: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق يعني بشر بن مروان لما ولي العراق، والعرش يحتمل أن يكنى به عن الملك وإن كان الأصل فيه ما يتخذه الملوك من الأسرّة، ولهذا قيل لقوّام أمر الرّجل العرش، وإذا اضطرب قيل ثلّ عرشه، ويحتمل أن يراد به السّماوات والأرض لأنّ كلها سقف عند العرب، ويقال: عرشت الشيء، وسمكت، وسقفت، وسطحته بمعنى، ويكون مجيء ثمّ على هذا النّسق خبرا على خبر لا لترتيب وقت على وقت ومثل هذا قول الشاعر: قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ... ثم قد ساد بعد ذلك جدّه وذكر بعض شيوخ أهل النظر أنّ ثم إنما هو لأمر حادث، واستيلاء الله على العرش ليس بأمر حادث بل لم يزل مالكا لكل شيء، ومستوليا على كل شيء فيقول: إنّ ثم لرفع العرش إلى فوق السّماوات وهو مكانه الذي هو فيه فهو مستول عليه ومالك له فثمّ للرفع لا للإستيلاء، والرّفع محدث، قال ويشبه هذا قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ [سورة يونس، الآية: ٣١] لأنّ حتّى يكون لأمر حادث وعلم الله ليس بحادث. وإنّما المعنى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك وإنّما قال هذا لأنه لم يعرف ما ذكرناه من الوجه الثّاني في ثم، ومعنى يغشى اللّيل النّهار أي يغطي ضياءه ونوره، فهو كقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ* [سورة لقمان، الآية: ٢٩] قوله: يطلبه حثيثا أي يطلب اللّيل النّهار، والحثيث السّريع، وذلك كما قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: ٤٠] جعل التّعاقب كالطلّب وقد مرّ القول في ذلك مستقصى. قوله تعالى: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ* [سورة النحل، الآية: ١٢] أي بإرادته وانتصب القمر وما بعده بالفعل، وهو خلق، ومسخّرات انتصبت على الحال أي سخّرت بالسير، والطّلوع والغروب. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] المراد بالخلق

стр. 36

المخلوق وللأمر في اللغة وجوه تجيء ومعناه الإرادة والحال ومصدر أمرت، وتختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [سورة الروم، الآية: ٥٤] . والمعنى الأمر كله له لا شريك معه في شيء ولا معين، ولا وزير، ولا ظهير. وإنّ إرادته هي النافذة لا ترتد ولا تبوء، ولا تتوقّف، ولا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب ولا نصب. قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة غافر، الآية: ٦٤] تمجيد وتجليل، وهذا تعليم من الله كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الفاتحة، الآية: ٢] ، تعليم كيف يحمد، والعالمين الخلائق. وقال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، وقيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم والطّابع لأنه يختم بهما الشيء ويطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. وقوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة فصّلت، الآية: ٩] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ تبكيت للمخاطبين وإزراء بهم. وإنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها ولا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. وتلخيص الكلام أتكفرون بمن هذه آثاره، وتجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب وخالق الأرض والسّماوات، وهو لنا ولكم بمرصاد. ومعنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان التكوين، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان حسن الطاعة، وسرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء والجواب بالألفاظ المستعارة والأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم وتعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، وأساليب التّصاريف في الاستفهام والأفهام، وإخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، وإن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب والمجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة والدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ أين من بنى دورك وأسّس ربوعك وعرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، وهذا كاف لمن تدبّر. فأمّا الطّوع والكره والطائع والمكره واستعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف ويهون أو يشتد فظاهر، وقد قال الله تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ [سورة

стр. 37

المائدة، الآية: ٣] أي سهّلته عليه ودمثته. وأما التأنيث في قال لها وقالتا فللفظ السّماء والأرض وكونهما في لغتهم مؤنثين، وأما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، وقد مضى مثله. وروي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، واستقام خلقها في الاثنين، وبارك فيها وجعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: ١١] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما وفرغ منهما قال الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع وقيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، والأول أحسن في النّظم وأجود، ويجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد لبنائها من غير فصل ولا زمان كما يقال لمن كان في عمل وأريد منه إتمامه وترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه ومعنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ [سورة فصّلت، الآية: ١٠] أي جبالا ثوابت تمسكها، وهذا كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً [سورة النبأ، الآية: ٦، ٧] وقوله: سَواءً المنتصب على المصدر أي استوت سواء، واستواء، ويجوز الرفع على معنى وهي سواء أي مستويات. ويجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً [سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى مستويات. وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [سورة فصّلت، الآية: ١١] المراد بالوحي الإرادة والتكوين، والمعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه وقدّرها من مراده قال تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [سورة الأحزاب، الآية: ٣٨] وكما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [سورة الطلاق، الآية: ١٢] وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً [سورة فصلت، الآية: ١٢] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا ونهارا، وقال: وَحِفْظاً لأنها باللّيل رجوم للشياطين، وانتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، وحفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة فصلت، الآية: ١٢] نبه على حكمته فيما فعل وقدرته وأنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته. ومنه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [سورة الفرقان، الآية: ٦١] إلى شُكُوراً أراد بالبروج الحمل، والثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، وكل برج منها ثلاثون قسما، ويسمى الدّرج وإنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ

стр. 38

القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، وهي التي تسمّى الشهور القمرية، وجعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وقريب من ربع يوم ويستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع والصّيف والخريف والشّتاء. ولهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس. فلّما كانت العرب تراعي القمر ومنازله، وهي ثمانية وعشرون منزلا في قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور مراعاة عجيبة. ولهم في ذلك من صدق التأمّل واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب والجدب، ويعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن والإقامة ذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم فيها، وعلى جميع الخلق ودعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة نوح، الآية: ١٥] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [سورة يونس، الآية: ٥] فقوله: تَبارَكَ تعليم منه أي قولوا تبارك، والمعنى دام ذكره وثبت بركته عليكم ويمنا واستدامة الخير ونفعا. وأصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه وقوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجاً [سورة الفرقان، الآية: ٦١] أي الشّمس وقد كرر ذكر الأنوار والظّلم في عدة مواضع؛ ولم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، وذلك لشيء حسن وهو أنّ الضّياء والنّور والمصباح وما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شيء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد وحمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، ولا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، وكشف الله تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [سورة النبأ، الآية: ١٣] . والوهج ضوء الجمر واتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن وصفت بالسّراج وهذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٦٢] أي مختلفة يجيء هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا، ويجوز أن يريد به أنها تجيء وبعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع وتختلف في قصورها ويكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٠] . وانتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، وقوله: لِمَنْ أَرادَ مفعولا ثانيا لجعل، والمعنى صير اللّيل والنّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، واللّام في لمن تعلق بجعلنا، ويجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، واللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم ومن أجلهم والوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،

стр. 39

وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته «١» عمله من التّذكّر والتّشكر كان له في اللّيل مستعتب ومن فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب. وتلخيص الآية من أراد الاستدلال على الله، فتفكر في آلائه التي لا تضبط وتذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل والنّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، والشّكر كل ما كان طاعة وثناء على الله، ويكون بالفعل والقول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: ١٣] قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* [سورة القمر، الآية: ١٧] ومن تأمّل هذا التّوسيع من الله عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا وله أن ينقطع فيه إلى الله من غير تضيق ولا مدافعة على أنّ الله تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال. ومنه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [سورة المرسلات، الآية: ٢٩] إلى لِلْمُكَذِّبِينَ قوله تعالى: انْطَلِقُوا لم يرد به الأمر بالانطلاق وإنما هو مقدمة يأس من المأمور وبعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [سورة ص، الآية: ٦] وهذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، وأقبل يأمر بكذا، وقم بنا نفعل وإن لم يكن، ثم اقبال وقيام ويقولون: ذهب يقول في نفسه وإن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك وفي صورته وعلى هذا قولهم: تعال نفعل كذا وهلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث والنّشور وملائكة الله وكتبه ورسله وشيء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه وتخوفون له فلا تعبأون به ولا تنزجرون لمكانه وهذا تبكيت وتقريع. قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المرسلات، الآية: ٣٠] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم ويساقون إلى النّار ولا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه وأليم سخطه. ويكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، وكالتّفسير له والمراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل ولا روح فيه ولا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة ولهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، وكأنّها في عظمها جمالات صفر، والجمالات جمع جمالة، وزيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. وهذا كما يقال: بحر وبحارة وذكر وذكارة، وقد قرأ ابن

стр. 40

مسعود جمالة، وقرىء جمالات وهو أكثر في القراءة وأقوى ولا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، ويراد بالجمالات الطّوائف، وهذا كما يقال: جمال، وجمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، ويكون جمالات، وجمال كحبال، وحبالات، وبيوت، وبيوتات للطّوائف، وقد قيل: رجال ورجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت وبينت لأنّ رجال نهاية الجمع ورجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، ومعنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب. وقد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [سورة المرسلات، الآية: ٣٢] قيل فيه: واحد القصور والتّشبيه بها لعظمها، وقيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، وهي الغليظ من الشّجر وقرىء كالقصر بفتح الصاد وهي أعناق الإبل. فأما تكرير التّشبيه وجعلها أولا كالقصر وفي الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشرّرة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد وللجمع والله أعلم. وقوله تعالى: لا ظَلِيلٍ فهو كقولهم: داهية دهياء، ونهار أنهر، وليل أليل، وليلة ليلاء يتبعون الشيء بصفة مبنية منه. والمراد المبالغة والتأكيد. وقال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المراسلات، الآية: ٣٠] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها وعلى هذا كل ذي ظل إذا تأملته ويشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [سورة الزمر، الآية: ١٦] . وقال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٥] ، وقال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، وأنه لا يغني من اللهب وأنّها ترمي بالشّرر كالقصر، وتحصيل هذا ذي ثلاث صفات. ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة، الآية: ٧٥] إلى الْعالَمِينَ قوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يكون قوله: فَلا نفيا لشيء قد تقدّم، وتكون الفاء عاطفة عليه وابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ ويجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [سورة الحديد، الآية: ٢٩] ، والمعنى لأن يعلم، وقال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، وقال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، وإزالة لما يعترض فيها من التّجوز والتّسمح؛ وإذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور وخلوصه من الشّك أبين وأوضح من أن
следующие страницы →