← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المخلوق وللأمر في اللغة وجوه تجيء ومعناه الإرادة والحال ومصدر أمرت، وتختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [سورة الروم، الآية: ٥٤] . والمعنى الأمر كله له لا شريك معه في شيء ولا معين، ولا وزير، ولا ظهير. وإنّ إرادته هي النافذة لا ترتد ولا تبوء، ولا تتوقّف، ولا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب ولا نصب. قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة غافر، الآية: ٦٤] تمجيد وتجليل، وهذا تعليم من الله كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الفاتحة، الآية: ٢] ، تعليم كيف يحمد، والعالمين الخلائق. وقال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، وقيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم والطّابع لأنه يختم بهما الشيء ويطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. وقوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة فصّلت، الآية: ٩] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ تبكيت للمخاطبين وإزراء بهم. وإنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها ولا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. وتلخيص الكلام أتكفرون بمن هذه آثاره، وتجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب وخالق الأرض والسّماوات، وهو لنا ولكم بمرصاد. ومعنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان التكوين، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصّلت، الآية: ١١] بيان حسن الطاعة، وسرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء والجواب بالألفاظ المستعارة والأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم وتعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، وأساليب التّصاريف في الاستفهام والأفهام، وإخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، وإن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب والمجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة والدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ أين من بنى دورك وأسّس ربوعك وعرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، وهذا كاف لمن تدبّر. فأمّا الطّوع والكره والطائع والمكره واستعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف ويهون أو يشتد فظاهر، وقد قال الله تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ [سورة

стр. 37

المائدة، الآية: ٣] أي سهّلته عليه ودمثته. وأما التأنيث في قال لها وقالتا فللفظ السّماء والأرض وكونهما في لغتهم مؤنثين، وأما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، وقد مضى مثله. وروي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، واستقام خلقها في الاثنين، وبارك فيها وجعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: ١١] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما وفرغ منهما قال الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع وقيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، والأول أحسن في النّظم وأجود، ويجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد لبنائها من غير فصل ولا زمان كما يقال لمن كان في عمل وأريد منه إتمامه وترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه ومعنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ [سورة فصّلت، الآية: ١٠] أي جبالا ثوابت تمسكها، وهذا كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً [سورة النبأ، الآية: ٦، ٧] وقوله: سَواءً المنتصب على المصدر أي استوت سواء، واستواء، ويجوز الرفع على معنى وهي سواء أي مستويات. ويجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً [سورة فصّلت، الآية: ١٠] والمعنى مستويات. وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [سورة فصّلت، الآية: ١١] المراد بالوحي الإرادة والتكوين، والمعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه وقدّرها من مراده قال تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [سورة الأحزاب، الآية: ٣٨] وكما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [سورة الطلاق، الآية: ١٢] وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً [سورة فصلت، الآية: ١٢] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا ونهارا، وقال: وَحِفْظاً لأنها باللّيل رجوم للشياطين، وانتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، وحفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة فصلت، الآية: ١٢] نبه على حكمته فيما فعل وقدرته وأنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته. ومنه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [سورة الفرقان، الآية: ٦١] إلى شُكُوراً أراد بالبروج الحمل، والثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، وكل برج منها ثلاثون قسما، ويسمى الدّرج وإنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ

стр. 38

القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، وهي التي تسمّى الشهور القمرية، وجعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وقريب من ربع يوم ويستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع والصّيف والخريف والشّتاء. ولهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس. فلّما كانت العرب تراعي القمر ومنازله، وهي ثمانية وعشرون منزلا في قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور مراعاة عجيبة. ولهم في ذلك من صدق التأمّل واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب والجدب، ويعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن والإقامة ذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم فيها، وعلى جميع الخلق ودعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة نوح، الآية: ١٥] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [سورة يونس، الآية: ٥] فقوله: تَبارَكَ تعليم منه أي قولوا تبارك، والمعنى دام ذكره وثبت بركته عليكم ويمنا واستدامة الخير ونفعا. وأصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه وقوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجاً [سورة الفرقان، الآية: ٦١] أي الشّمس وقد كرر ذكر الأنوار والظّلم في عدة مواضع؛ ولم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، وذلك لشيء حسن وهو أنّ الضّياء والنّور والمصباح وما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شيء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد وحمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، ولا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، وكشف الله تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [سورة النبأ، الآية: ١٣] . والوهج ضوء الجمر واتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن وصفت بالسّراج وهذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٦٢] أي مختلفة يجيء هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا، ويجوز أن يريد به أنها تجيء وبعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع وتختلف في قصورها ويكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٠] . وانتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، وقوله: لِمَنْ أَرادَ مفعولا ثانيا لجعل، والمعنى صير اللّيل والنّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، واللّام في لمن تعلق بجعلنا، ويجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، واللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم ومن أجلهم والوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،

стр. 39

وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته «١» عمله من التّذكّر والتّشكر كان له في اللّيل مستعتب ومن فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب. وتلخيص الآية من أراد الاستدلال على الله، فتفكر في آلائه التي لا تضبط وتذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل والنّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، والشّكر كل ما كان طاعة وثناء على الله، ويكون بالفعل والقول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: ١٣] قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* [سورة القمر، الآية: ١٧] ومن تأمّل هذا التّوسيع من الله عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا وله أن ينقطع فيه إلى الله من غير تضيق ولا مدافعة على أنّ الله تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال. ومنه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [سورة المرسلات، الآية: ٢٩] إلى لِلْمُكَذِّبِينَ قوله تعالى: انْطَلِقُوا لم يرد به الأمر بالانطلاق وإنما هو مقدمة يأس من المأمور وبعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [سورة ص، الآية: ٦] وهذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، وأقبل يأمر بكذا، وقم بنا نفعل وإن لم يكن، ثم اقبال وقيام ويقولون: ذهب يقول في نفسه وإن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك وفي صورته وعلى هذا قولهم: تعال نفعل كذا وهلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث والنّشور وملائكة الله وكتبه ورسله وشيء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه وتخوفون له فلا تعبأون به ولا تنزجرون لمكانه وهذا تبكيت وتقريع. قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المرسلات، الآية: ٣٠] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم ويساقون إلى النّار ولا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه وأليم سخطه. ويكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، وكالتّفسير له والمراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل ولا روح فيه ولا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة ولهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، وكأنّها في عظمها جمالات صفر، والجمالات جمع جمالة، وزيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. وهذا كما يقال: بحر وبحارة وذكر وذكارة، وقد قرأ ابن

стр. 40

مسعود جمالة، وقرىء جمالات وهو أكثر في القراءة وأقوى ولا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، ويراد بالجمالات الطّوائف، وهذا كما يقال: جمال، وجمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، ويكون جمالات، وجمال كحبال، وحبالات، وبيوت، وبيوتات للطّوائف، وقد قيل: رجال ورجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت وبينت لأنّ رجال نهاية الجمع ورجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، ومعنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب. وقد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [سورة المرسلات، الآية: ٣٢] قيل فيه: واحد القصور والتّشبيه بها لعظمها، وقيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، وهي الغليظ من الشّجر وقرىء كالقصر بفتح الصاد وهي أعناق الإبل. فأما تكرير التّشبيه وجعلها أولا كالقصر وفي الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشرّرة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد وللجمع والله أعلم. وقوله تعالى: لا ظَلِيلٍ فهو كقولهم: داهية دهياء، ونهار أنهر، وليل أليل، وليلة ليلاء يتبعون الشيء بصفة مبنية منه. والمراد المبالغة والتأكيد. وقال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المراسلات، الآية: ٣٠] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها وعلى هذا كل ذي ظل إذا تأملته ويشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [سورة الزمر، الآية: ١٦] . وقال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٥] ، وقال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، وأنه لا يغني من اللهب وأنّها ترمي بالشّرر كالقصر، وتحصيل هذا ذي ثلاث صفات. ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة، الآية: ٧٥] إلى الْعالَمِينَ قوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يكون قوله: فَلا نفيا لشيء قد تقدّم، وتكون الفاء عاطفة عليه وابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ ويجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [سورة الحديد، الآية: ٢٩] ، والمعنى لأن يعلم، وقال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، وقال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، وإزالة لما يعترض فيها من التّجوز والتّسمح؛ وإذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور وخلوصه من الشّك أبين وأوضح من أن

стр. 41

يتكلّف إثباته بالإيمان. وعلى هذا يكون قوله: وإنّه لقسم يراد به أنّ الحلف بمواقع النّجوم عظيم ممّن أقسم بها، وقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ بعث على الفكر في المحلوف فيه وبما يتضمّنه مما يعظم موقعه في الصّدور عند تأمّل الأحوال المبهجة للاستدلال؛ وقيل: أراد بالنّجوم الأنواء وما يتعلق بها من حاجات النّفوس ومن المآرب والهموم على اختلاف المعتقدات فيها. وقيل: بل المراد بها فرق القرآن لأنّ الله تعالى أنزله نجوما لما عرفه من مصالح المكلّفين والمدعوّين إلى الدّين، ويكون الشّاهد لهذا الوجه قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة، الآية: ٧٧] ، ويكون الطّريق فيمن جعلها الأنواء التّنبيه على وجوه النّعم في الأنداء والغيوث، وما به قوام الخلق في متصرفاته. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ جواب اليمين عند من أثبته يمينا وفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [سورة الواقعة، الآية: ٧٨] يجوز أن يريد به اللّوح المحفوظ لأنه أودع التّنزيل اللّوح، ثم فرّق منه نجوما ويشهد لهذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا [سورة الزخرف، الآية: ٤] وذكر الأم كما قيل في المجرّة أم النّجوم، وكما قيل مكة أمّ القرى، ومعنى كريم أنّه خلص من جميع الأدناس، وطهرّ من الشّوائب، يشهد لهذا قوله تعالى في صفة المؤمنين: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [سورة الفرقان، الآية: ٧٢] . وهذا كما يقال: في صفة الشيء العظيم الخطير هو مكرم علي أي يجلّ موقعه، والمراد بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: ٧٩] الملائكة إذا جعلت الكتاب اللّوح المحفوظ، والمعنى لا يصل إليه ولا يقرّبه غيرهم وذلك على حسب ما يصرفون فيه عند تنزيله، وإن جعلت الكتاب المكنون ما حكم الله به من قضاياه وتعبّد به عباده من أصناف العبادات، وشاهد هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر، الآية: ٩] وإنّ حفظ الشيء وصيانته وكنه واحد، والشّاهد في أنّ الكتاب المكنون هو الحكم المفروض. قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء، الآية: ٦٦] ، وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة البقرة، الآية: ١٨٣] ، فحينئذ يكون معنى لا يمسّه لا يطلبه كما قال: مسسنا من الإباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضح وقد حكي أنّ اللمس والالتماس والمس متفقات، والحجة في أنّ اللمس مثل الالتماس قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [سورة الجن، الآية: ٨] . وقول الشاعر: ألام على تبكّيه ... وألمسه فلا أجده فقوله: لا أجده يشهد بأنّ المراد بالمس الطّلب لا غير، وقد أحكمت القول في هذا: في (شرح الحماسة) ، وقال بعض النّظار: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: ٧٩] ، لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي، والمعنى لا يتناولن المصاحف إلّا

стр. 42

المطهّرون، فليس يجوز للجنب والحائض مسّ المصاحف، تعظيما لها وإجلالا. قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الواقعة، الآية: ٨٠] تصديق للنبيّ ﵌ في جميع ما دعا إليه من الإيمان بالله تعالى أو في إبطاله دعاويهم وشهاداتهم في القرآن وسائر العبادات، وارتفع تَنْزِيلٌ على أنّه صفة لقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، أو على أنّه خبر مبتدأ محذوف. ومنه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ [سورة الإسراء، الآية: ٤٢] ، كما يقولون إلى حَلِيماً غَفُوراً ذكر الله تعالى فيما وعظ من قبل قوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ [سورة الإسراء، الآية: ٣٩] ثم أتبعه بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [سورة الإسراء، الآية: ٤١] ، والإنذار بالتّبكيت الشّديد والوعيد الممض إلزاما للحجّة، وإظهارا للعناد منهم، وأنه هداهم فلم يهتدوا، وذكّرهم فلم يعبأوا إعجابا برأيهم، وذهابا عند التّدبّر، والنّظر ليومهم وغدهم ودنياهم وآخرتهم، ثم أخذ يحاجهم على لسان نبيّهم فقال: قل لهؤلاء الذين ضلّوا عن الرّشاد، وعموا عن الصّواب، إنّ الله تعالى لو شركه في ملكه غيره كما تدّعون لفسدت الأحوال، وتقطّعت الوصل والأسباب. ولعلا بعضهم على بعض وكان يطلب كلّ الاقتسار، وتسليم الأمر له، كما قال هو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] . وكان لا ينفع الاستثناء فيما بينهم وترك الخلاف وإظهار الرّضاء، لأنّ الاستبداد، أو طلبه وإن لم يظهر فعلا من واحد منهم فلا مهرب من تجويزه عليهم؛ وجوازه لن يحصل إلّا عن تقدير استضعاف، ومن قدر فيه ضعف فإنه لا يكون إلها وهذا بيّن. قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [سورة الإسراء، الآية: ٤٢] ، أي لطلبوا إلى أخصّهم بالملك، وأولاهم بالأمر منازعته ومجاذبته ومساواته ومسامته؛ قوله: ذِي الْعَرْشِ يجوز أن يريد به ذا السلطان والعزّ، ويجوز أن يريد به ذا السّرير الذي حمله في السّماء والملائكة يطوفون حوله. كما أنّ البيت المعمور في السّماء الرابعة. وقال بعضهم: أي العرش، وأنشد قول الشّماخ: (فأدمج دمج ذي شطن بعيد) . قال: يريد أدمج شطن، فزاد ذي، فكذلك قوله: إلى ذي العرش، يريد إلى العرش، والمعنى لطلبوا إلى الاستيلاء على العرش، والاستواء عليه طريقا، قال ومثله لفظ حي أنشد أبو زيد: يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد ... قد كنت خائفه على الأحماق يريد أنّ أباك خويلد، فزاد قوله: حي، وقوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ الظّالمون بمعنى علا، والمعنى جلّ، وارتفع عما يقول المشركون أكده بقوله: عُلُوًّا ، ووصف العلو بالكبر مبالغة في التّبعيد. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [سورة الإسراء، الآية: ٤٤] . يريد ما من شيء إلّا وبما فيه من أثر الصّنعة يدلّ على قدرة الله تعالى ويشهد.

стр. 43

بإلهيته، ويدعو إلى عبادته وينفي عنه مشابهة لخلقه، وجميع ما لا يليق بحكمته. ومعنى يسبّح بحمده أي ينزهه، إما إعرابا باللّسان، أو دلالة بواضح البرهان، وفائدة قوله: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي فيما يظهر من حكمته في خلق ما خلق. والأنعام على من أنعم حمدا له إذا لم يكن إعداد الشّكر في مقابلة النّعم أكثر من إضافة النّعم إلى المنعم، فإذا كان الحمد تولية النعمة ربّها وإشادة ذكره ونسبتها إليه، فآثار النعم حامدة شاكرة لمسديها. ألا ترى إلى قول القائل: (ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب) . فنسبة الثناء إلى الحقائب كنسبة التّسبيح بالحمد لله إلى الدّال عليه والمقيم له. وهذا حسن بالغ. قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [سورة الإسراء، الآية: ٢٢] أي تجحدونه، أو تعرضون عنه فعل من لا يفهم وهذا كقوله تعالى يصفهم: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [سورة الأعراف، الآية: ١٧٩] ، ثم قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٩] . قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [سورة الإسراء، الآية: ٤٤] ، يريد هو حليم حين لم يعاجلهم فيما ادّعوه بالعقوبة ولكن تركهم إمهالا ورفقا، وهو غفور لمن أناب وإن ارتكب كلّ منكر قبيح رحمة منه لعباده وحسن تفضّل. ومنه قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ [سورة الحديد، الآية: ٢] إلى عَلِيمٌ ، أثبت الله لنفسه أنه القادر الغالب، فهو يملك وجميع ما تدركه الأبصار والأوهام من أصناف العالم جليلها ودقيقها، خيرها وشرّها، يتصرّف فيها كما شاء؛ واختار تصرّف الملاك، فهو ملك مالك يبدئ، ويعيد، ويحيي ويميت، وقد أقرّت له الصعاب. وتذلّلت له الرّقاب. لا يمتنع عليه مراد وإن عزّ وشقّ. ولا يوجد عنه ذهاب فيما ثقل أو خفّ. إليه آماد الأعمار، والأرزاق، ومصارف البقاء والفناء فهو القادر الحكيم، والعالم الغني، لا يخفى عليه معلوم وإن دقّ، ولا يعزب عن الظّهور له مطلوب وإن رقّ، الأول في الوجود لقدمه لا عن ابتداء مدة، والآخر بعد فناء كل شيء خلقه في الدّنيا لبقائه لا إلى غاية، لم يزل ولا يزال على ما هو عليه من ديموميته، وحكمته، وصواب فعله وقدرته، يحيي الأموات إذا شاء، ويميت الأحياء إذا شاء، ويفني المخلوقات إذا شاء، ويعيدها إذا شاء. الظّاهر بما له من آياته التي لا تخفى، وعبره التي لا تفنى، والباطن لأنه لا تدركه الأبصار ولا تحصله الحواس، وهذا وجه في الآية. وقيل: أراد بالظّاهر أنّه غالب على كل شيء، بما دلّ به على نفسه، من أصناف صنعه كما قال تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [سورة الصف، الآية: ١٤] ، أي عالين غالبين، ويقال: ظهرت على الجلي الواضح الذي هو كالجمر. وقيل في الباطن التي هي في خفائها كالسّر فهو بما تجلّى منها ظاهر، وبما خفي منها باطن، وهذه آية لها جوانب تقتضي الكلام عليها وأنا إن شاء الله أبلغ الغاية بمقدار فهمي.

стр. 44

اعلم أنّ الله تعالى قال في موضع من كتابه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [سورة الرحمن، الآية: ٢٦، ٢٧] ما قال على الموت لأنّ الموت إنّما نعدم به الحياة، والله تعالى قال: كلّ من عليها، ولم يقل حياة من عليها، وقال بعده: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ، والميت جيفة تبقى، وإذا كان كذلك فلا فضيلة في البقاء مع الشركة فيه، وإذا سقطت الفضيلة فلا تمدّح لرب العالمين، وقال تعالى في موضع آخر: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة العنكبوت، الآية: ٨٨] . وذكر في صفات نفسه هو الأول، والآخر، والظّاهر، والباطن. وكلّ هذه الآي دالّة على أنّه تعالى يصير منفردا بالوجود، كما كان منفردا به من قبل أن يخلق الخلق وأنه تعالى يفني كل ما خلقه إفناء لا يبقى له أثر ولا رسم حتى يصير بالفناء في حكم ما لم يخلق ولم يوجد، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [سورة الروم، الآية: ٢٧] وفي آخر: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [سورة الأعراف، الآية: ٢٩] ، والمعاد هو وجود على صفة لا زيادة عليها، وهو أن يتقدّم الوجود للشيء فيبطل، ثم يعاد إلى الذي كان عليه من الوجود، وإذا كان السمع قد أثبت معادا، وحقيقة المعاد ما ذكرناه من أنّ ما سميّناه في الأول إحداثا ومحدثا سمّيناه، وقد بطل واستجد الجادة في الثاني معادا، ومستجدا فقد وضح معنى قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ والآي التي معها. فإن قيل الذي يعرفه أهل اللغة من معنى الفناء هو نفاد المركب قليلا قليلا كنفاد الزّاد والاضمحلال والهزال هو تحلّل الأجزاء؛ والاستحالة هو تغيّر مزاج الشيء. قلت: الفناء بطلان الشيء دفعة واحدة، وهو ضد الإنشاء والاختراع فإذا تجاوزت هذا الموضع فاستعماله على ضرب من التّشبيه به فقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [سورة الرحمن، الآية: ٢٦] ، يريد أنّ جميع ما خلقه قبل الوقت الموعود للثّواب والعقاب يبطله بمعنى يخزعه، إذا حصل فنى به الأجسام، والأعراض كلّها. فناء الضّد بالضّد، وليس ذلك المعنى بمقدور للعباد. والبقاء لا يجوز عليه، فإذا أفناهم بعزته الغالبة بذلك المعنى أعادهم بقدرته الواسعة كما كانوا قبل الفناء، ولا يصح ما أجمع عليه المسلمون من أمر المعاد والفناء إلّا على ما ذكرناه، وهو اللغة والشّرع، والنّاظر فيما ذكرناه بيّن له معرفة الفناء مثل ما بين له من معرفة المعاد. وحكمة وضع اللّغة لأنّ الذي ينقطع وجوده بالموت كالحي منّا ظاهر التميز عما لا ينقطع وجوده بالفناء، وما أشبهه من الأعراض. وإذا كان كذلك فإنّا نثبته بالسّمع كما ثبت جواز كونه وخلق الله له بالعقل ولكّل معرفة حقيقة إلى الله تعالى، كما قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] . ويكون من جملة ما استأثر بعلمه، وإذا أعادهم حشرهم النّظر في أعمالهم في مواقف مختلفة، كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [سورة الغاشية، الآية: ٢٥، ٢٦] . وكما قال تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [سورة إبراهيم، الآية: ٤٧] ، وكما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ

стр. 45

مِيقاتاً [سورة النبأ، الآية: ١٧] إلى سَراباً فإن سأل سائل عن معنى قوله: فَكانَتْ أَبْواباً [سورة النبأ، الآية: ١٩] . وعن وجه التشبيه بالسّراب قلت: معنى قوله: أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة، وليس المعنى صارت كلّها أبوابا، كما أنّ قوله: كانت فراخا بيوضها صارت كلّها فراخا، لأنها إذا صارت كلّها أبوابا عادت فضاء، وخرجت من أن تكون أبوابا. وأما التّشبيه بالسرّاب، فالمراد به بيان إلماعها، وتخلخلها في نفسها، والسّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد، ويقال: سرب الماء يسرب، إذا سال، والمراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود، وقد أخرج الله تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لا ختلاف أحوال المسوفين، وكرر ذكرها، وحذّر منها، ونبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [سورة المرسلات، الآية: ٨] إلى لِيَوْمِ الْفَصْلِ ، وقال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ [سورة الحجر، الآية: ٤٨] الآية، فتبديل الأرضين والسّماوات وإطفاء الضّوء وتفريج السّماء وتحليل عقدها حتى تصير أبوابا وطمس نجومها؛ وانتشار كواكبها، ونسف جبالها كلّ ذلك، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء، وإزالة معاقد الأرض والسّماء. وقد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها، ووسائطها، وأواخرها فمن ذلك قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [سورة النازعات، الآية: ٦] إلى بِالسَّاهِرَةِ . وقال تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ أي الوعد به صدق، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون والآخرون، ويجتمع متفرّق الأسباب، ومتمزّق الأجلاد، ويعود غائب الأرواح، ويحشر الأفواج. وقد قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى [سورة النازعات، الآية: ٣٤] والطّامة هي العالية على ما قبلها. وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [سورة الانفطار، الآية: ١] إلى وَأَخَّرَتْ ، وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [سورة الانشقاق، الآية: ١] إلى وَتَخَلَّتْ وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [سورة التكوير، الآية: ١] وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [سورة الزلزلة، الآية: ١] ، وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [سورة الأعراف، الآية: ١٨٧] إلى آخر السورة. وهذا السؤال، والجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها [سورة النازعات، الآية: ٤٤] مثل قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [سورة البروج، الآية: ١٢] والإبداء إبداعه الخلق كلّه لا من شيء والإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة، والبعث، والحشر، وإعداد الثّواب والعقاب. وحكي عن الأصمعي أنه قال: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى.

стр. 46

قال أبو العباس المبرّد: وهذا خطأ لأنّ قوله: أول هو موقع لما بعده وذلك أن تأتي بعده بما شئت، ولا يكون آخر إلّا لشيء قبله غيره، وإنّما هو مأخوذ من آخره. وقيل: لما كان لا أول له. قال المبرد: ولا يجوز هذا إلّا في صفة القديم تعالى، فهو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن. وقال الفقهاء: إذا قال الرجل: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين جميعا معا لم يعتق واحد منهما، وإن ملك بعد ذلك عبدا آخر لم يعتق أيضا لأنه ليس بأول، ولو قال: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ونصف عبد عتق العبد ولم يعتق النّصف لأنّ هذا أول عبد ملكه، والنّصف لا يسمّى عبدا واحدا، ولو قال آخر: امرأة أتزوّجها من النّساء فهي طالق، فتزوّج امرأة، ثم تزوّج أخرى، ثم طلّق الأولى، ثم تزوّجها، ثم مات فإنّ الطّلاق يقع على الثانية التي تزوّجها وما يقع على التي تزوّجها أول مرة وليست بآخر، والتزوج بها ثانيا لا يخرجها من كونها أول امرأة. ألا ترى أنه لو نظر إلى امرأتين، فقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما، ثم تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين يتزوجها لأنها آخر امرأة تزوّجها منهما ولو تزوّج الأولى بعد الثانية لم تطلق، وكان المبرد إنما قال: لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم لمكان الآخر لأنه لم يزل ولا يزال، أولا وآخرا، والواحد منّا ليس كذلك فاعلمه. ومنه قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [سورة طه، الآية: ١٤] وفي موضع آخر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] إلى مَقاماً مَحْمُوداً ، وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ يريد أدمها واثبت عليها فلان لا يقوم لكذا، وهذا يقوم علي بكذا، فله تصرّف في الأمر واسع. قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي يحتمل وجهين: أحدهما أقم الصّلاة لتذكرني بها أي الصّلاة ذكرى لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٥] وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي إذا ذكرتني، فأقم الصّلاة كأنه يرجع النّسيان كالذّكر في الوجه الأول تسبيح الله وتمجيده بصفاته الكريمة، وفي الوجه الثاني الرّجوع إليه بعد ذهول يسبق ونسيان يلحق، واللّام من قوله: لذكري أي عند ذكري، وكذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي عنده ولام الإضافة يدخل في الكلام لوجوه. أ- التمليك: كقوله تعالى: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ* [سورة النجم، الآية: ٣١] وكقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [سورة الجن، الآية: ١٨] . ب- أن يكون الشيء سببا لغيره، وعلّة له مثل قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [سورة الإنسان، الآية: ٩] . ج- أن يكون دخوله لمعنى الإرادة كقولك: قمت لأضرب زيدا أي قمت إرادة

стр. 47

لضربه، ولكي أضربه أي قمت من أجل هذه الإرادة، وقد يحذف اللام من هذا وأشباهه. د- أن يكون بمعنى في كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر، الآية: ٢] أي في أول الحشر. هـ- أن يكون لمرور الوقت على الشيء كقول النابغة شعرا: توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام، وذا العام سابع أي عرفتها وقد أتت عليها ستة أعوام، أو توهّمتها لذلك، ويقال أتى للصبّي سنتان عليه وكم سنة أتت لك؟ و أن يكون لمعنى بعد كقوله ﵌: «صوموا لرؤيته» ، وقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ [سورة الطلاق، الآية: ١] والعدة ها هنا ظرف للطّلاق وبمنزلة وقت له لا علة ولا سبب، كما لم يكن الحشر علة لإخراج الذين كفروا إنما كان علة إخراجهم كفرهم، والدليل على ما قلنا أنه قال: لأول الحشر جعل له أولا. ز- أنه يدخل لما ذكرناه أولا، وهو قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لا صفرارها عند غروبها دلكت فهي دالك وقال ابن عباس: لدلوك الشّمس لزوالها الظهر، والعصر وأنشد: شادخة «١» الغرّة غراء الضّحك ... تبلج الزّهراء في جنح الدّلك فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس، وقال أبو حاتم: روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها فعلى هذا يجوز أن يكون المفروض بالآية أربع صلوات الظّهر- والعصر، والمغرب، والعشاء- باللّيل. ويجوز أن يكون إلى غسق في موضع مع، فيدل على فرض صلاتين من اللّيل والنّهار، وثالثة يدل عليها: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] . ثم سائر الصّلوات يدلّ عليها بغير هذه من الآيات وقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] يريد، وأقم قرآن الفجر، والمعنى أقم الصلاة بالقراءة، وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، فالضمّير في به يرجع إلى القرآن، ومعنى كانَ مَشْهُوداً أي حقّه أن يشهد أي يخرج له إلى المساجد، ويقام مع الجماعة فيشاهد وقيل أراد تشهده الملائكة، وقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [سورة الإسراء، الآية: ١٧] معنى تهجد اسهر يريد استيقظ، ومعنى به أي بالقرآن ويقال هجدّ أيضا بمعنى نام.

стр. 48

قال: هجدنا، فقد طال السّرى ... وقدرنا أنّ خنا الدّهر غفل يريد يومنا ومثل هجد، وتهجّد قولهم حنث وتحنّث لأنّ معنى حنث لم يبر في اليمين، ومعنى تحنث ألقى الحنث عن نفسه. وهذا الأمر اختص به النّبي ﵌ تفضيلا له على جميع الخلق. ومعنى نافلة لك عطاء لك وتكرمة لذلك أتبعه بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء، الآية: ٧٩] أي افعل ذلك رجاء أن تثاب هذا الثواب العظيم. وقيل في المقام المحمود إنّ المراد به الشفاعة للمذنبين، والذي عليه الناس أنّ الدّلوك مغيب الشّمس، ويذهب العرب لذلك إلى أنّ قول القائل: هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح يدل على صحة قولهم وأصله أنّ السّاقي يكتري على أن يسقي إلى غيبوبة الشّمس، وهو في آخر النّهار يتبّصر هل غابت الشّمس. قوله: براح أي يضع كفه فوق عينه ويتبصر، قال: ويسلم للحديث ما جاء أنّ ابن عباس قال: إنّ غسق اللّيل ظلمته الأولى للعشاء والمغرب، فإذا زادت قليلا، فهي السّدفة، وقوله: (نافلة لك) ليست لأحد نافلة إلّا للنّبي ﵌ لأنه ليس من أحد إلا يخاف ذنوبه غيره فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فعمله نافلة. ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [سورة هود، الآية: ١١٤] إلى الْمُحْسِنِينَ ، وقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: ٢] الآية طرفا النهار النهار الفجر والعصر وكما ثنى الطرف هنا جمع في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ* [سورة الحجر، الآية: ٣٩] إلى وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى [سورة طه، الآية: ١٣٠] لذلك اختلف النّاس فبعضهم جعله من أوقات الصلوات المفروضة، والقائل بهذا يكون عنده الفجر من النّهار محتجا بأنه ابتداء الصوم لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] والذين يخالفونه يجعلونه من اللّيل، ويدعون أنّ ابتداء النّهار طلوع الشمس وانتهاءه غروبها، وإذا زالت الشّمس انتصف النّهار فأما قوله تعالى: وَأَطْرافَ النَّهارِ [سورة الحجر، الآية: ٣٩] فيجوز أن يجعل النهار للجنس حتى يصير له أطرافا، ويجوز أن يجعل الجميع مستعارا للتثنية لأنّ أرباب اللغة قد توسعوا في ذلك ألا ترى قوله: يا ناحة ودخيلا، ثم قال: طرفا فتلك لهما تنمى، وكقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [سورة التحريم، الآية: ٤] وليس

стр. 49

بمستنكر أن تسمى الساعات أطرافا، كما قيل أصيلالة وعشيّات في آخر الأصيل، والعشية. قال أبو العباس ثعلب أطراف النّهار قيل يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر، وهو وجه أن جعل الظهر، والعصر من طرف النّهار الآخر، ثم يضم الفجر إليهما فيكون أطرافا، وقال أبو العباس المبرد: معناه أطراف ساعات النّهار أي من اللّيل سبّحه وأطعه في أطراف ساعات النّهار (الأناء) الساعات واحدها أنى، ويكون من آنيت- أي أخرّت ومن قول الشّاعر: وأنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الإناء وقال العجّاج: طال الإناء، وانتظر النّاس الغير من أمرهم على يديك، والتور طال الإناء وزايل الحق الأشر. وفي القرآن: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ فأما قوله تعالى: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود، الآية: ١١٤] ، فالزّلف السّاعات ومن أبيات الكتاب: طيّ اللّيالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتّى احقوقفا والزّلفة واحدة الزّلف، ويقال لفلان عندي زلفة، وزلفى، وهي القربة، وفي القرآن: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* [سورة الشعراء، الآية: ٩٠] أي قرّبت، وسميت المزدلفة لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، وانتصب سماوة على المفعول من طي اللّيالي، والمعنى أنّ اللّيالي طوت شخص الهلال، ونقصته شيئا شيئا حتى ضمر ودقّ. قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود، الآية: ١١٤] يجوز أن يريد أنّ الحسنات من أفعال النبيّ ﵌، والمؤمنين يبطلن سيئات الكفّار والمجرمين، وهذا بشارة من الله للمؤمنين بأنه سيعلي كعبهم، وينفذ كلمتهم كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [سورة الأنبياء، الآية: ١٨] ويجوز أن يكون مثل قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة النساء، الآية: ٣٠] ويكون هذا مثل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* [سورة التوبة، الآية: ٣٣] ، وقوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [سورة هود، الآية: ١١٤] أي أخبرناك بما أخبرنا من ضمان النصّرة، وقمع الباطل، وإعلاء كلمة الحق لكي تتذكر به فيزداد حرصا على الإدخار والإصلاح ولأنك إذا أقررت به والتزمته فتذكرته تيسّر لك المطلوب وقد قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [سورة ق، الآية: ٣٧] يريد أنّ المأمور بهذا، أو الموعوظ إذا قبله حصل لك بذلك ذكر في الذّاكرين، وهذا ترغيب لأنّ ما يبقى به الذّكر ليس كما يلغى وينسى. قال: فقال له هل تذكرنّ مخبرا ... يدل على غنم ويقصر معملا

стр. 50

أي هل تعتد بهذا الخبر فتذكره به، فأما قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: ٢] أي من النّصف، أو زد عليه، فانتصاب اللّيل إلّا قليلا أي قبله بقليل أو بعده بقليل لأنّ بيان أو انقص منه، أو زد عليه ذلك، والمعنى قم نصف اللّيل، أو انقص من نصفه حتى يرجع إلى الثلّث، أو زد على نصفه حتى يبلغ الثلثين، وفي هذه الأشياء منها أنّه جعل نصف اللّيل قليلا منه سواء جعلته بيانا للقليل المستثنى، أو جعلته بيانا للباقي الواجب لأنّ الكلام يقوم على الوجهين جميعا ومنها أنّ قوله: أو انقص منه قليلا بمعنى إلّا قليلا في التّحصيل ولكنّه ذكر مع الزيّادة، وكان كالمكرّر، وكثير من أهل النّظر يذهبون إلى أنّ القلة تقع على ما دون الثلّث لقوله ﵇ لسعد في الوصيّة: «والثلّث كثير» ومنها أنّ هذا التّنويع يدل على أنّه تعالى لم يفرضها عليه لكنّه على سبيل التّرغيب لأنّ الفرائض التي يفرضها الله على عباده ليس يجعل الأمر فيها إليهم فينقصوا ما شاؤوا، ويزيدوا فيها ما شاؤوا، وقد قيل: إنّ الله تعالى كان فرض على رسوله وعلى المؤمنين قيام اللّيل، ثم نسخه إذ كان شقّ عليهم فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [سورة المزمل، الآية: ٢٠] أي يعلم مواقيتها ويعلم أنكم لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذاك والقيام فيه، فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن، قالوا: وهذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالمكتوبات الخمس. وقوله تعالى: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ يجوز أن يكون من دنا الشّيء إذا سفل، فنزل كما قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أي نزل، ومنه قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ [سورة الأحزاب، الآية: ٥٩] أي يرسلن، وقال بعضهم: معنى أدنى أدون، لكنّه قلب فقدّم اللّام وقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [سورة المزمل، الآية: ٥] يجوز أن يكون المعنى قولا يثقل العمل به، ويجوز أن يريد به قولا له وزن، وخطر بين الكلام إذا ميّز أي ليس بالسّفّساف الدّون، ومعنى يلقي ينزل فيتلقنه. ومنه قولهم: ألقيت على فلان مسألة كذا، فأعييته. وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [سورة السجدة، الآية: ٢٣] فبعضهم يجعله من هذا أي لا تلك في شك من نزول هذا الكتاب قبلك، وكان شيخنا أبو علي ينكر أن يكون القيت من لقيت، ويقول: إن لقي يتعدّى إلى مفعول واحد يقول: لقيت زيدا فلو كان ألقيت من لقيت لوجب أن يتعدّى إلى مفعولين. كما أنه إذا دخل على ما لا يتعدى إلى المفعول عداه إلى واحد يقول: خرج زيد وأخرجته وذهب زيد، وأذهبته. وتقول في المتعدي: قرأ كذا وأقرأته أنا كذا، وسمع زيد شرا، وأسمعته أنا خيرا. وإذا كان كذلك، ووجدنا لقى يتعدّى إلى مفعول واحد، وألقيت مثله يتعدّى إلى مفعول واحد

стр. 51

وعلمنا أنهما من أصلين فاعلمه. قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [سورة المزمل، الآية: ٦] يريد السّاعة منشأ الحدوث ويقال فلان ناشئ ونشأت السّحابة من قبل البحر، ويجوز أن يكون ناشئة يراد بها الحدث لا الفاعل فيكون كاللاغية في قوله تعالى: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [سورة الغاشية، الآية: ١١] أي لغوا وكالكاذبة في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [سورة الواقعة، الآية: ٢] أي كذب ومثل ذلك قم قائما أي قم قياما. قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [سورة المزمل، الآية: ٦] أي أبلغ في القيام وأبين في القراءة لما في اللّيل من السكون والقرار، ويجوز أن يريد أنها أشد على الإنسان وأشقّ لأنّ اللّيل للتودّع والرّاحة. وقرىء وطاء بالواو والمد والمعنى أشدّ مواطاة للقلب إذا نقله السّمع. ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [سورة الانشقاق، الآية: ١٦] إلى لا يَسْجُدُونَ أول السورة إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ والانشقاق والانفطار، والانفتاح يتقارب في المعنى وذلك من أهوال القيامة، وما يتغيّر فيها من الأمور، ويتبدّل. وقيل: المراد انشقّت بالغمام كقوله تعالى في موضع آخر: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [سورة الفرقان، الآية: ٢٥] . وجواب إذا محذوف لما يدل عليه ما عرف من أهوال القيامة وشدائدها وتخمر في النفوس وتقرّر. والمراد إذا انشقت السّماء كان من أشراط القيامة فيكم ما عرفتموه، وتكرر عليكم وصفه، وقيل جوابه في قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: ٦] وقيل جواب إذا مضمر مقدم، والمراد اذكر إذا حدثت هذه الحوادث. وقيل جوابه أذنت، والواو زائدة. والنّحويون على اختلافهم يردّون هذا وكأنّ قائله شبهه بقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [سورة الزمر، الآية: ٧١] لأنّ المعنى عنده فتحت والأجود عندي أن يكون جواب إذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ [سورة الانشقاق، الآية: ٦] أي في ذلك الوقت يكون ذلك حالك، ومعنى أذنت لربّها أطاعت، واستمعت، وأجابت، وحقّت أي وجب ذلك عليها، وكانت محقوقة بالانشقاق. وقوله تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [سورة الانشقاق، الآية: ٣] كأنّه بسط مجموعها وأخرج مضمونها وموعدها حتى تخلّت. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [سورة الانشقاق، الآية: ٦] عموم دخلت الكافة تحته، وقوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: ٦] يشير إلى ما قاساه مدة حياته واكتسبه في متصرّفاته ونيل فيه من سعادة وشقوة وحياة وإماتة، وما تزوّده من دنياه وأعدّه لأخراه، أي تسعى سعيا قد أتعبك وتلاقي له كل ما قدّمته من عملك وتصير من حميته إلى ما تستحقّه بفعلك. قال: وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقوله: فَمُلاقِيهِ من قولك: لاقيت من كذا جهدا وأذى، وقاسيت من كذا

стр. 52

مكروها. والضّمير في ملاقيه إن شئت جعلته للكدح والأجود أن تجعله للرّب، والمعنى تلاقي جزاءك منه فيكون على حذف المضاف. والشفق الحمرة تبقى من الشّمس في المغرب إلى وقت العشاء. وقال بعضهم: هو البياض الذي إذا ذهب صلّيت العشاء الآخرة لأنّ الحمرة تذهب عند الظّلام. قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشّفق وكأن أحمر. قوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ [سورة الانشقاق، الآية: ١٧] أي جمع وأدرك من مقتضياته، وهوله ويجوز أن يكون وسق بمعنى، طرد يريد وما جاء به واحتمله، والوسيقة الطّريدة. وقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [سورة الانشقاق، الآية: ١٨] يريد استتبّ، واستوسق لثلاث عشرة وأربع عشرة، ويجوز أن يريد باتّساقه استمراره في سيره وتناهيه في ازدياد ضيائه: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [سورة الانشقاق، الآية: ١٩] كما قيل سادوك كابرا، عن كابر، والمعنى كبيرا عن كبير أي يتردّدون بعد أحوال مختلفة، ويخرجون من بعضها إلى بعض من نشر وحشر وفناء وإعادة؛ و (الطّبق) الشّدة قال: (قد طرقت ببكرها أم طبق) . وقال: فلو رآني أبو حسّان وانحسرت ... عنيّ الأمور إلى أمر له طبق يقال: رغب، ورهب أنت بينهما حب الحياة، وهول الموت والشّفق وفائدة القسم تأكيد الوعيد على المخاطبين بهذا الكلام، وهو قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [سورة الانشقاق، الآية: ١٩] وقرىء لتركبنّ جعل الخطاب للنبيّ ﵌، والمراد لتركبنّ طبقا من طباق السّماء. وقوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [سورة الانشقاق، الآية: ٢٠] لفظة استفهام معناه الإنكار، والتبكيت يقول: ما الذي منعهم من الإيمان، وقد وضحت الدلائل والسّبل، وتكرّرت الآيات والنّذر، وضاقت المعذرة وحقّت الكلمة. قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [سورة الانشقاق، الآية: ٢١] اكبارا وإعظاما وإيمانا، وإيقانا وهو من المعجزات الباهرة والإلزامات المسكتة. وهل ذهابهم عن تدبّره واشتغالهم إلّا عناد فبشّرهم بعذاب أليم. أصل البشارة من البشرة استبشر بشيء انبسط جلده، ونضر وجهه، وهذا وأمثاله إذا استعملت في غيره كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع. أي يقيمون بدل التّحية عند اللّقاء ذلك، فأما قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر، الآية: ١] فإنما معناه سينشق القمر، ومن أثبت ذلك دليلا لا ختص به عبد الله بن مسعود، وإنّ سائر النّاس لم يروه لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة، أو غير ذلك. ويجوز أن يكون غير عبد الله بن مسعود قد رأى ذلك، فاقتصر في نقله على رؤية عبد الله، وعلى ما نطق به القرآن من ذكر،

стр. 53

وكان الجاحظ ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن يختلف التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة فلو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسير. ومنه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة الملك، الآية: ٣] إلى وَهُوَ حَسِيرٌ أوّل السورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [سورة الملك، الآية: ١] وليس تفاعل هذا كتفاعل الذي يفيد التكلّف للشيء عن غير موجب له نحو تخازر، وتعارج، وتساموا، وتجاهلوا لكنّه بمعنى فعل وأصل البركة البقاء والزيّادة، وكذلك لفظة تعالى في صفة الله، فهي بمعنى علا ومثله لعلا وتكبّر بمعنى كبر وعلا، وهذا كما يقال: علا قرنه، واستعلاه وقال زهير: وكان أمرين كلّ أمرهما يعلو. ومثله قرّ واستقر، وهزأ، واستهزأ، ويشهد لما قلنا قول امرئ القيس: تجبر بعد الأكل فهو نميص. وإنّما يصف نبتا قد رعي ثم عاد منه شيء فتجبر بمعنى جبر من قوله: قد جبر الدّين الإله فجبر. وقد كشف عن المراد بقوله: فهو نميص أي لقصوه كأنّه ينمص بالنّماص، وهو المنقاش، ومتى جعلت تجبر صار كالجبارة، وهي النّخلة التي فاتت اليد طولا وأوقع آخر الكلام أوّله لأنّ المنموص لا يتجبّر ولا يطول. وعلى هذا قوله تعلّى الندى في متنه وتحدّرا يريد علا وحدر، وأنشد أبو عبيدة: تخاطأت النّبل أحشاءه معناه أخطأت، فهذا شاهد ﵎، ومثل هذا أجاب، واستجاب وقوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [سورة الملك، الآية: ١] أي يملك الملك الذي يمكّن عباده منه، ويصرفهم فيه، فالبقاء له والقدرة والتمكّن، والقمر بأمره وحكمه، وإضافة الفعل إلى اليد ضرب من التّوسع يقال: وفي يدي وملكي وفي قبضي، وهو قبضي. قال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة الزمر، الآية: ٦٧] أي يحكم فيها حكما لا قصور فيه عن المراد، ولا تجاوز إلى أكثر من المرتاد، ففعله وفق إرادته ووفق قصده وإرادته، فخلق الحياة لمن يريد استبقاءه ليعبده، والموت إلى غير ما هو عليه إخبارا منه لطاعة المطيع منهم، فيشيبه ومعصية العاصي منهم فيعاقبه، وهو العزيز فلا يفوته الهارب، القدير فلا يعجزه المغالب. قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي بعضها فوق بعض وعلى حدة، فيطابقه، ويشابهه، ولا يخالفه فيباينه وقال الشاعر شعرا: إذا نزل الظلّ القصير بنحره ... فكان طباق الخف أو قل زائدا ويقال: طابق فلان فلانا على كذا إذا وافقه عليه. ويقال: النّاس طبقات أي بعضهم فوق بعض. ومنه قولهم: طابق البعير إذا وضع خفيّ رجليه في موضع خفّي يديه. وقد قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [سورة فصلت، الآية: ١٢] فقوله الدّنيا يدل على أن

стр. 54

بين السّماوات تقاربا، وتباعدا، وأن التي هي فوق هذه ليست بالدّنيا منه، قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [سورة الملك، الآية: ٣] وقرىء من تفوت أي بنى ما خلقه على حكمه فلا يفوت بعضه بعضا ولكنه يتعادل، وفي هذا المعنى قالوا: وجه مقسم إذا كان الحسن مقسوما فيه فأعطى كل جزء نصيبه منه حتى لا استبداد فيه، وقالوا: ما أحسن قسمة وجهه وهذا بخلاف ما ذكرناه في تفسير المتفاوت لأنّ المتفاوت ما يزيد على الاعتدال، أو يخرج عن القدر الملائم بالانتقاص، وذلك ضد التقدير وقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك، الآية: ٣] المراد به أيّها الإنسان قد أعطيت من الآلات، ورتّب في عقلك وتحصيلك من البيّنات ما تدرك به حينا، أو تقديرا تراكيب الأشياء وسلامتها مما يشينها إذ دخولها فيما يجتذب وجوه الفساد إليها، فتأمّل ما صنعه الله واخترعه في هذا الخلق العظيم واقتف آثاره فيها، وردّد طرفك وعقلك في ظواهرها وبواطنها ومفرداتها؛ ومركباتها وتأمّل بعد تقصّي وسمك واستفراغ جهدك، ورد المجمل على المفصّل والمشاع على المقسوم، هل تجد فيه خللا، أو هل تتبيّن فيه عيبا؟ وقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً [سورة الملك، الآية: ٤] بعث على الكشف والبحث وتأكيد في المبالغة فيهما وإنّما قال هذا لما يعتقده العرب من أنّ النظرة الأولى حمقاء فينبغي أن لا يكتفى بها في المزاولات، والتتبّع في المستكشفات حتى أنّ بعضهم قال في صفة امرأة شعرا: لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرّت الأبصار كان لها العقب يقول لهذه المرأة، على من يستقري محاسنها النّظرة الأولى، فإن لم يقنعهم ذلك، فأخذوا يستنبطون في المعاودة، ويحيلون الطّرف في العين والأثر كان لها البسطة أيضا، فإن أبوا إلّا أن يكرروا الأبصار، وردّدوا النّظر حالا بعد حال كان لها العقب، وهو ما يسلم على التّعاقب من أواخر البحث فقوله تعالى: كَرَّتَيْنِ تأكيد على ما ذكرناه، وحكي لي عن بعض أهل النظر أنه قال: إنّ الله تعالى أمر بكر البصر ثلاث مرات لأنه قال: ارجع البصر، ثم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ، وهذا الذي ذكره وعوّل عليه من ذكر الكرّتين لا يحصل له المراد، بل يفسد عليه ما اعتمده لأنّه قال تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك، الآية: ٣] وهذا لا يقتضي إلّا مرة واحدة، وقال من بعد: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [سورة الملك، الآية: ٤] ، ولو اقتصر الكلام على فارجع البصر، ولم يأت بذكر المرّتين لكان للسامع أن يتجاوز إلى ما فوقها من الكرّات لأنّ ثم لا يقتضي الحصر، ولا يوجب الوقوف. فلما قال: كرّتين علم أنه أكّد به ما ذكر من الرّجعتين على أنّ قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ ليس قبله فعل مذكور فيكون الرّجوع عن ذلك الفعل لأنه قال تعالى: ما تَرى فِي

стр. 55

خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ [سورة الملك، الآية: ٣] فكان المراد انظر، فارجع، ثم ارجع أي لا ترض بالنظرة الأولى ولكن راجع بعدها، ثم راجع، وإذا كان التكرار هو الرّجوع إلى الأول، والأول هنا النّظر المضمر فقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ كرّر أوّل إلى النظر المستدل عليه، وقوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ، وإذا كان الأمر على هذا لم تحصل ثلاث كرّات فلذا اتّبع الكلام بقوله كرّتين وهذا جيد بالغ، وقوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي من شقوق وصدوع. وقوله تعالى: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً [سورة الملك، الآية: ٤] المعنى إنك إن أدمت النّظر، واتبعت البصر تطلب العيب في حكمة الله والفطور في صنعه رجعت من مطلوبك خاسر الصفقة، صاغر الرجعة، خائب الطلبة بعيدا من البغية، والخاسيء من قولك خسأت الكلب إذا طردته وبعدته خسأ ولا تقل انخسأ، والحسير الكال المعي. ويقال: إبل حسرى لأنّ حسيرا فعيل بمعنى مفعول، فهو كجريح، وجرحى. ومنه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ [سورة الرحمن، الآية: ٣٧] الآية، وقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [سورة الفرقان، الآية: ٢٥] خضراء ملساء متّصلة الجوانب والأكناف مرتبة الوسائط، والأطراف محفوظة من مسترقة السّمع بما أعدّ لها من الارصاد. وتلخيص هذا يبين إذا ضمّ إلى قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وإلى قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [سورة البقرة، الآية: ٢١٠] لأنّ المعنى يأتيهم أمر الله، والسّماء كالوردة، وقد انفطرت بالغمام أي تنشق بها، والملائكة تنزل منها في الغمام فكأنها تنشق، وهم في تكاثفهم، وتراكمهم بما معهم كظل من الغمام وهذا كما يقال: رعف الباب بفلان- أي جاه من قبله، وسال الوادي ببني فلان إذا خرجوا منه، وكقول الشاعر: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح وكما قال: ألا صرمت حبائلنا الجنوب ... ففرّقنا ومال بنا قضيب قضيب: واد باليمامة، والمعنى أنجدنا لما افترقنا، وانهمت هذه المرأة ويقال: نزل بقارعة الوادي- أي أعلاه، وقوله: مال بها، كقوله: سالت الأباطح بأعناق المطي قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [سورة الرحمن، الآية: ٣٧] يريد تحوّلها عما كانت، والورد الأحمر وليس بمشبع قال:

стр. 56

فهو ورد اللّون في ازبئرار ... وكميت اللّون ما لم يزبئر وقال الفراشية: تلوّن السّماء تلون الوردة من الخيل لأنّها تكون في الرّبيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ البرد كانت وردة حمراء، فإذا كانت بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة قال عبد بني الحسحاس شعرا: فلو كنت وردا أحمرا لعشقتني ... ولكنّ ربّي شانني بسواديا وقيل في الدّهان: إنها جلود حمر، وقيل: هي جمع دهن- أي تمور كالدّهن صافية، والشاهد لهذا قوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [سورة الطور، الآية: ٩] أي تتميع. وقال تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ [سورة المعارج، الآية: ٨] وهو الصفّر المذاب، وكان التّشبيه وقع بالذّوب، فيكون المور والذّوب على طريقة واحدة، وقوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [سورة الفرقان، الآية: ٢٢] ، وقوله تعالى في سورة الرّحمن: عند ذكر وعيد الكفار، والإنذار من يوم الحشر، والمعاد وما يجري مجراه من الاقتصاص، والأمر بالعدل والإنصاف: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* [سورة الرحمن، الآية: ١٣] . سأل سائل: أي شيء في هذا من الآلاء حتى ذكره الله ممتنا به في جملة ما عدّده من صنوف النّعم، ووجوه القسم في الأولى والآخرة. والجواب إن الله تعالى منعم في كل حال ومذكّر بما يزيد المتعبد استبصارا في الأمر الأولى ونفورا، وزهدا في الدّنيا، وواعظ بما يكون السّامع له أقرب إلى الطّاعة فيما يعمله من الاستطاعة، وإذا كان الأمر على هذا فنعمه على خلقه في الإنذار والإعذار مثل نعمه في التّبشير والتّحذير إذ كان الصّارف عن الشر بلطفه مثل الباعث على الخير بفضله، وقد توعّد الله جاحدي نعمه والمهملين لآياته ونذره بالخسف والرّجف والخزي الثّابت، والبعث المفاجئ، والمسخ المرصد والرّيح العاصف والزّلازل، والصّواعق بعد أن أمضى بها أو بأكثرها الحكم على من حقت عليه الكلمة فمن سعد ووعظ بغيره فأجاب حين دعي، وأدرك لما بصر ونفعته المهلة والإملاء، واستسعد بالإعادة، والإبداء ونبهه ضرب الأمثال والمبالغة في الإبلاغ. ثم عرف حال أولئك المستمرين في الضّلالة والذّاهبين عن طريق الهداية ومصائر أحوالهم، فإنه إذا راجع نفسه درى عظم نعم الله عليه فيما وفقه، أو يسرّ أخذه به من العدول عن سلوك مناهجهم، وأوجب على نفسه شكرين (الأول) لاهتدائه، (والثّاني) لما زاده الله من الاستضاءة بنور الهدى وقربه من التقوى.، ألا ترى قوله تعالى: حاكيا عن أهل الجنة وقد استقروا في منازلهم منها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [سورة الأعراف، الآية: ٤٣] قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ [سورة البقرة، الآية: ٢١٠] نصف

стр. 57

عقبي حالهم وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة يونس، الآية: ١٠] وقال تعالى بين أحوالهم قبل ذلك: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ [سورة مريم، الآية: ٦٧] إلى وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [سورة مريم، الآية: ٧٢] فعلى هذا الذي بنينا الكلام عليه قدر الله نعمه على الجن والإنس في دنياهم، وأخراهم، ثم قال: يأيها تكذبون وكل ما تتصرفون فيه من حياة وممات ونعمة ونقمة وتيسير وتعسير، وتقريب وتبعيد آثار إحساني فيها ناطقة وأعلام آلائي فيها سنة واضحة وهذا بمن الله ظاهر. ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] إلى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] الخلق هو الاحداث على تقدير من غير احتذاء مثال ولذلك لا يجوز إطلاقه إلّا في صفة الله تعالى لأنه لا أحد جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء أمثال إلّا الله وإنما جمع السّماوات، ووحّد الأرض لأنّ الأرضين لتشاكلها تشبه الجنس، والواحد كالرّجل، والماء الذي لا يجوز جمعه إلّا أن يراد الاختلاف، وليس يجري السّماوات مجرى الجنس المتفق لأنه دبّر في كل سماء أمرها بالتّدبير الذي هو حقّها قوله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يجوز أن يكون من الخلاف كالسّواد والبياض لأنّ أحدهما لا يسدّ مسد الآخر في الأحوال. ويجوز أن يكون من الخلف لأنّ كل واحد منهما يخلف صاحبه على طريق المعاقبة والنّهار في اللغة يفيد الاتساع أيضا، ويقال: انهرت العنق إذ أوسعته، وذكر الله تعالى هذه الآيات مجموعة معظما شأنها ليصرف بكريم عطفه وحسن نظره أوهام المخاطبين بها إليها، وإلى النظر في تراكيبها وابتداع خلقها مدرجا إلى الاستدلال بها على خالق لا يشبه الأشياء ولا يشبه من جهة أنه لا يقدر على خلق الأجسام إلا القديم الذي ليس بجسم ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولا بدّ له من محدث لاستحالة التسلسل، فتقديم السماوات والأرضين في الذّكر لأنها المعظم في المشاهدات والأصل وما عداها تبع لها، ولتكون الحواس إلى تمييزها أسرع، والأذهان إلى تبحثها أميل، والنّفوس في الكشف عن سرائرها أرغب، والعقول عنها أفهم، واختلاف اللّيل والنّهار يدلّ على عالم مدبر لأنه متقن في الصنع محكم في التدبّر قريب التحوّل بعيد التأخر، فهو أبلغ أداء وأبين مأخذا، وأفصح برهانا، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] لأنه فعل منعم عالم بما يكون قبل أن يكون هيأ الله لمنافع الناس ومن جرى مجراهم لكي يفكروا، مع كثرة بلواهم بها، ومع تعذر فعل مثلها عليهم منها وليعلموا بمواقع حاجاتهم وتيسر مرافقهم بها أنّ الله لهو الحكيم الرؤوف المحدث لهم، والمنشئ والمصرف والمسخر. فأما الماء المنزل من السّماء، فيدل على الرازق المنعم المبدع لما شاء لا يعجزه شيء

стр. 58

مروم، ولا يتكأده مطلوب، لا يخطئ تدبيره، ولا يقصر عن الحاجة تقديره آخر مراده وفق أوله لائق بآخره. وأما إحياء الأرض بعد موتها فتمثيل للحشر والبعث، وتنبيه على أنه تعالى تتجدد منحه حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت ليكون للعائشين بها أهنأ، وفي إظهار القدرة عليها أحكم، ويجوز أن يقال: وصفت الأرض بالحياة لينشأ النبات عنها كنشوء النتاج عن الحيوان فقيل: إذا كانت عامرة حيّة، وإذا كانت هامدة ميتة، ويجوز أن يقال: وصفت بذلك لأنّها تخرج ما تحيي به النّفوس من الثمار والزّروع. قوله: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يريد من جهة السّماء ومن نحو السّماء، وفي موضع آخر: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٤٨] يجوز أن يكون بدلا من الماء، أو تبيينا له وتفسيرا، أو يكون كالفطور وأمثاله فلا يدل على الكثرة، وإذا جاز ذلك فيه فليس لأحد من الفقهاء أن يتعلق بظاهر الآية فيقول: إنّ طهورا فعول، وهو صفة للماء فيجب أن يدل على الكثرة والمبالغة في الحكم الذي يجب في فعول إذا كان صفة لأنّ فعولا قد يكون كالفطور فلا يدل على الكثرة، ولأنه قد يجوز أن لا يكون صفة للماء بل يكون بدلا وتفسيرا، ويسقط التعلّق بظاهر الآية. وأما قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] فيستدلّ به على الاقتدار على ما لا يتأتى للعباد إن ميسرها لأوان فقرهم إليها إن شاء جعلها السّبب في إهلاكهم بها، فهو مذكّر واعظ ومبشّر قادر، ومعنى تصرفها تحوّلها من حال إلى حال ومن جهة إلى جهة، وكذلك صرف الدّهر تقلبه، وقال الحسن: الصّرف النافلة، والعدل الفريضة. قوله تعالى: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] أصل البث التفريق، ثم توسع فيه فقيل بث فيه الشّراب والسّم، ويريد بالفلك السّفن إذا أصعدوا في البحر للتجارات وما يجري مجراها، ويقع على الواحد، والجمع قال تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* [سورة الشعراء، الآية: ١١٩] وإذا أنث فلأنه أريد به الجمع، وأصله الدّوران، ومنه تفلّكت الجارية إذا استدار ثديها، وإنّما استوى الواحد، والجمع فيه لأنّ فعلا وفعلا يشتركان كثيرا كمثل قولهم: العرب العرب، والعجم، والعجم، والبخل، والبخل، فمن قال: في أسد أسد، قال: في فلك فلك، فجمعه على فعل، ومثل هذا قولهم: هجان لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع، كقولك: قضيب وقضب، وكتاب وكتب، فمن قال: كريم وكرام، وطويل، وطوال يلزمه أن يقول: هجين، وهجان. فإن قال قائل: لم جمعت اللّيل ولم يجمع النهار؟ قلت: النّهار بمنزلة المصدر، فهو كقولك: الضيّاء والظّلام، فوقع على القليل

стр. 59

والكثير، واللّيلة مخرجها مخرج الواحد من اللّيل على أنه قد جمع في الشذوذ على نهر قال: لولا الثّريد إن هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر وأصل التّسخير: التّذليل، والمراد إنّ الله يمسكه، وتسكين الأجسام الثقال بغير دعامة ولا علاقة فعل من لا شبيه له ولا نظير، فهو القادر الذي لا يعجزه مراد قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة، الآية: ١٦٤] يريد أنّ هذه البراهين على التّوحيد، وبطلان التّشبيه يستدل بها العقلاء، فيصلون إلى العلم بما يلزمهم، ثم العمل بها ففيه مدح المفسرين المتأملين، وذمّ لمن سلك غير طريقهم، فأهملوا مع المهملين. ومنه قوله تعالى في سورة النّمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [سورة النّمل، الآية: ٥٩] إلى قوله: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [سورة النمل، الآية: ٦٦] . اعلم أنّ هذه الآي تشتمل على فوائد كثيرة ومسائل جمة عجيبة. فمنها بيان الفائدة في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وكيف جعل قرآنا متلوا؟ والظاهر أنه من كلام جبرائيل مخاطبا للنبيّ ﷺ عند أداء المنزل إليه، ومنها: كيف مورد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ [سورة النّمل، الآية: ٥٩] والقصد إلى تبكيت المعاندين وإنذارهم وجمع الحجّة عليهم وقل إنكارهم بدلالة قوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة النمل، الآية: ٥٩] إلى غير ذلك مما سنبيّنه شيئا بعد شيء إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق. أما لفظة قل: فحيث ما جاء في التّنزيل مبتدأ كان، أو متوسطا، فهو أمارة كونه من كلام الله خطابا للنّبي ﷺ تبصيرا عند افتتاح القول، وتهذيبا، أو إسقاطا للسؤال، يوجهه المعاندون نحوه امتحانا، فكان النّبي ﷺ ينتظر في مثل هذه الأحوال ما يلقنه من وحي فيدفع به مضرّتهم، أو يبطل به حجّتهم، أو يتوصّل به إلى تعجيزهم ورد كيدهم في نحورهم، أو يستظهر به داعيا عند طلب السّلامة عليهم ظهر الابتداء المعقب بقل والله يمده بما يعلو به أمره، ويشتد به أزره فلا يجيء لفظة قل في القرآن إلّا وهو تلقين للنّبي ﷺ وكموعد ينتظر إنجازه على هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] وقوله تعالى: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف، الآية: ٩] ، وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ [سورة ص، الآية: ٦٥] وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [سورة الكافرون، الآية: ١] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص، الآية: ١] وقُلْ أَعُوذُ* [سورة الفلق، الآية: ١] وما أشبهها.

стр. 60

وأما قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ فإن القوم لما تقرر الكلام عليهم واستمرارهم في لزوم الجحد ومباينتهم لنهج الحق جعل الله ابتداء الكلام خطبة على عادة العرب في مقاماتهم وعند تصرّفهم في منافراتهم لأنهم يبدؤون في مقارضاتهم بحمد الله، والثّناء عليه والصّلاة على رسوله يأخذون في مآربهم ويستقرّون في وجه القول مدارجهم لتكون طرق البيان بها أوسع، وبراهين الموجبات فيها أثبت فقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي ابتدأ بالثناء على الله فيما آتاك من فضله واختصك به من كرامته، ثم اتبعه بالتّسليم على إخوانك من الأنبياء الذين اصطفاهم الله كما اصطفاك، وحمّلهم من أعباء الرسالة مثل ما حمّلك، ثم سل هؤلاء الذين ينازعونك الأمر، ويرادونك فيما تدعو إليه القول، وقل الله خير أم ما تجعلونه شركاءه. ومثل هذا من الكلام يستعمل مع من حقت عليه الشّماتة ولزمت الحجة وتبرأت منه المعذرة فيقرع لسوء اختياره به ويرى بعدما بين أمريه فيه، ثم أخذ تعالى في إحصاء نعم الله التي تفرد بإنشائها يقرّرهم على ما يضطرون إلى تسليمها ونقص يد المنازعة فيها من خلق السّماء والأرض وإنزال الغيث الذي تنبت به الحدائق، ويحيي به الموات، ويعيش منه الناس والأنعام كما قال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [سورة الزمر، الآية: ٢١] الآية. يقول: انظر كيف أنزل الغيث، وكيف أحيي به الأرض؟ ثم جعله فيها ينابيع إلى أن أخرج به المرعى فجعله غثآء أحوى. ووجه التّقرير بهذا تأنيسهم بما كانوا لا ينكرونه لأنهم كانوا معترفين بأنّ ما يدعونه من الشّركاء لم ينبتوا شجرها، فكيف ما عداها، وأنّ مثل الشّركاء في العجز عنها مثلهم في أنفسهم لا تباين ولا تمايز لتساوي أحوالهم وتقارب آماد قواهم، فقال ذات بهجة، ولم يقل ذوات لأنه لمّا كانت الجموع مؤنثة اكتفى بالتأنيث عن الجمع ومثله القرون الأولى، والأسماء الحسنى قوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [سورة النمل، الآية: ٦٠] أم فيه لتحوّل الكلام، عن حال إلى أخرى فهي أم المنقطعة لا المعادلة، وفي قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ هي المعادلة والمفسرة بأي، وفي كلّ منهما تبكيت شديد وتعنيف بليغ وإن اختلف طريقاهما لأنّ قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ [سورة النمل، الآية: ٦٠] ممتزج بوعيد وتعجيب. وقوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ [سورة النمل، الآية: ٥٩] ممتزج بتسخير ولو قيل إلها بإضمار فعل جاز. ومثله: أعبدا حلّ في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبا لك واغترابا وقوله تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [سورة النمل، الآية: ٦٠] حكم بأنّ الكلمة حقّت عليهم لعبادتهم ألا ترى أنه تابع بين البراهين السّاطعة والإلزامات الدّامغة، فأخذ يسألهم عن

стр. 61

الأرض ومصيرها قرارا للخلق وما في خلالها من الأنهار، وما ثبت بها من الجبال، وعن البحرين والحاجز بينهما، وعن إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف من يقيمها فيقول: من أنشأها وجعلها كذلك تكرّر التفريع، ومثل هذا من القول مع المصر الجاحد أبلغ من كل وعيد، وأوعظ من كلّ نكير. قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [سورة النمل، الآية: ٦٢] يجري مجرى الالتفات في كلام البلغاء لأنه تعالى بعد تعداد آلائه عليهم وعلى جميع الخلق معهم، وبعد إظهار الآيات البيّنة وذهابهم عن المناهج المستقيمة وأنّهم لا يرجون بالنّذر ولا يرعون للعبر. قال: بلغت المقال في نكوصهم إليهم ويقبح فيما يؤثرونه من صوابهم لديهم: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ، وهو لا يثبت بالقليل شيئا وإنما هو نفي خالص فكأنه قال: لا تذكرون شيئا، ويجوز أن يكون انتصاب قليلا على الظّرف وعلى أن يكون صفة لمصدر محذوف قوله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [سورة النمل، الآية: ٦٣] يريد من يسيّركم ويرشدكم إلى القصد والسّمت في تلك الحال، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [سورة النمل، الآية: ٦٣] أي أمام الغيث ناشرة، أو مبشرة، فقد قرىء نشرا بالنّون، وبشرا بالباء، ومعنى النّشر ضد الطي أي تفتح الأرض، وتعرج أطباقها للمطر والنّبات كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [سورة الحجر، الآية: ٢٢] ، وختم الكلام بإعادة التّبكيت لأنّ هذه المسائل لا أجوبة لها تعالى الله عما يشركون، ثم قال تعالى: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [سورة النمل، الآية: ٦٤] جعل الخطاب في هذا الفصل، وفي فصلين قبله وهما: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ [سورة النمل، الآية: ٦٢] وأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بلفظ المستقبل بعد أن ساق في أول الفصول الكلام على بناء الماضي فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [سورة النمل، الآية: ٦٠] وأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً [سورة النمل، الآية: ٦١] لأنّ بعض أفعاله تعدم وحصل محصل المستكمل المفروغ منه، وفعل ما يساء في خلقه حالا بعد حال، فهو كالمتّصل الدائم لذلك خالف الآخر الأول، وقال بعد المسائل التي رتّبها معجزاتها: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [سورة النمل، الآية: ٦٤] على مقالتكم، واستأنف تعليم النّبي ﷺ بما يورده عليهم في إنكارهم البعث واستعجالهم من النّشور بعد الموت لما قالوا: أَإِذا كُنَّا تُراباً [سورة النمل، الآية: ٦٧] وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [سورة النمل، الآية: ٦٧] لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [سورة النمل، الآية: ٦٨] فقال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [سورة النمل، الآية: ٦٥] فما غاب عنكم كيف تحكمون عليه بالبطلان والامتناع، وقد استوى المخلوقون في استبهام أمر الساعة عليهم فلا يشعرون متى يبعثون ألا تسمع قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٧] وإذا

стр. 62

كان القيامة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه لما تعلق بخفائه من مصالح المكلفين، فالمتكلم فيه أمّن الكفار واقف من مطلوبه موقف الخزي والخيبة، والرّاجع من مرتاد القيامة يفوت السّلامة. قوله تعالى: بل أدرك علمهم في الآخرة استهزاء بهم جعل علمهم كالثّمر المنتظر ينعه وتكامله، فإذا تم بلوغه قيل أدرك، وقرىء بل إدارك علمهم، والمعنى تدارك، وهو أبلغ في المعنى لأنّ تفاعل بناء لما يحصل شيئا بعد شيء على هذا قولهم: تداعى البناء وتلاحق القوم وما أشبهه، ثم قال مرزيا بهم ومبطلا لظاهر ما أعطاهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [سورة النمل، الآية: ٦٦] فانظر كيف ارتجع منهم ما بذله وعلى أي ترتيب رتّبه لأنه قال: بل أدرك علمهم بلسان التّهكم والهزء، ثم حطّهم عن تلك الرّتبة فقال: بل هم في شك منها فضعف علمهم وإدراكهم بالشّبهة العارضة لهم إذ كان الشّك لا يحصل إلا لعارض شبهة، ثم قال: يجهلهم ويردّهم إلى أسوأ منازل الباحث، فقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ، وقال بعض أصحاب المعاني: بلغني عن ابن عبّاس أنه قرأ: بلى إدارك يستفهم، ويشدّد الدال، وهو وجه جيد لأنه أشبهه بالاستهزاء بأهل الجحد كقولك للرّجل بكذبه والعمى المذكور بإنما هو من الرّي دون البصر، وهذا بيّن والحمد لله. ومنه قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [سورة النور، الآية: ٣٥] إلى وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة النور، الآية: ٣٥] أراد بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنّ الآيات الباهرة الدالة عليه وعلى أنه لا نظير له ولا شبيه، وأنّ العبادة لا تحق إلا له مبينة مضيقة لعذر من شبه بخلقه ظاهرة ظهور المصباح لذي وصفه في المشكاة التي بين أمرها إذا كان الله تعالى خالق الظلم والأنوار، ثم جعل المصباح في زجاجة صافية تشرق إشراق الكوكب المضيء الوقّاد، وقد استصبح ذلك السّراج بزيت من شجرة زيتون قد بورك فيها ثابتة على خط استواء لا شرقية، فيكون خطها منها العشيات فقط بل تستوفي قسطها مما ينمّيها ويربّيها كل وقت حتى إنّ عصيرها إذا اعتصر يقرب من أن يشرق وإن لم تمسه نار، ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ [سورة النور، الآية: ٣٥] يعني نور المصباح، ونور الزّجاجة، ونور الزّيت يدل على أنّ أسبابه متعاونة في الإضاءة فكلّ موادها نور مفرد لو اكتفى به في الإشراق لأغنى عن غيره، فيقول: إنّ هذه الأنوار المجتمعة المترادفة مثل لآيّات الله في وضوحها، والدّلالة على وحدانيته، فلا شبهة تعرض لناظر ولا مرية يتسلط على خاطر فكلّ من ضل عمّا دعي إليه فإنما أتى من قبل نفسه وسوء تأنّيه، أو من هو يجذبها إلى الضّلال فيرديه. فإن قيل: هل تعرف في نظوم كلامهم مثل هذا التركيب، والتّلفيق؟ أو هل تعرف في الأمثال المضروبة لتأكيد القصص والأخبار ما أسس هذا التأسيس؟

стр. 63

قلت: هم يقولون مثل هذا إذا قصدوا التّنبيه على تناهي الشيء وبلوغه أقصى مأخذه حتى يستغرق أكثر أوصافه على ذلك قول الأعشى، وهو يهول أمره ويعظمه فيما قاساه في الغزل حتى بلي فيه بما لا مزيد على شأنه فقال: علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرّجل وعلقته فتاة ما يخاف لها ... من قومها ميت يهذي بها وهل وعلقتني فتاة ما تلا يمني ... فاجتمع الحبّ حبا كلّه تبل فكلّنا هائم يهذي بصاحبه ... فآب ودان مخبول ومختبل فهذا من الباب الذي نحن فيه، وقد فعل الله مثل ذلك فيما ضربه من المثل للكفر والضّلال فقال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ الآية، فكما ضرب للهدى المثل بالنّور على ذلك الحدّ من التأكيد ضرب للكفر مثله وعلى حده. فأما قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [سورة النور، الآية: ٣٥] فإنه يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [سورة الزمر، الآية: ٢٢] وقوّى بصيرته ونوّر منهاجه وقصده، ويجوز أن يريد بالنّور الذي يهديه له ما يفعل الله بالمؤمنين من إرشادهم إلى طريق الجنة، كما قال في صفتهم: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [سورة التحريم، الآية: ٨] ، ومثل قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قوله تعالى في صفة النبي ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً* [سورة الفتح، الآية: ٨] الآية، وهذا واضح بيّن. قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ إلى شِهاباً رَصَداً [سورة الجن، الآية: ٨] يقال لمس والتمس بمعنى طلب وحمل عليهما المس أيضا، فالحجة في الأول قوله الام على تبكيه فلا أجده يكشف ذلك قوله: فلا أجده، وفعل، وافتعل يتصاحبان كثيرا، وأما المس وخروجه إلى معنى اللمس فقد استشهد له بقوله: مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضع فقيل المعنى طلبنا في نسب آبائنا هل فيه ما يقتضي ما أنكرناه من أخلاقهم لأنّ المس بالجارحة لا يتأتى في الأنساب، والأحساب، ثم حمل قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: ٧٩] ، وقيل معناه لا يطلب النّظر في أدلة الله المنصوبة في كتابه العزيز للاقتباس من آدابه وحكمه، والاعتبار بأمثاله، وحججه إلا المطهرون من دنس الشرك ودغل الكفر، ويكون على هذا التأويل الكلام خبرا.

стр. 64

وقيل فيه أيضا: إنّ المس هو التّناول باليد، ويكون على هذا اللّفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى النّهي كأنه نهى الحائض والجنب، ومن جرى مجراهما من تناول المصاحف تنزيها لها، وتعظيما لشأنها، والوجهان قريبان، فأما الآية فهي إخبار عن الجن المسترقة للسّمع وأنهم كانوا قبل الإسلام يقعدون من السّماء مقاعد تقرب الاستماع إلى الملائكة وتسهله في السّماء الدّنيا، فكانوا يلتقطون من تجاورهم وتذاكرهم بما يوحى إليهم امتحانا لهم ما يلقونه على ألسن الكهنة حتى يتصوروا للنّاس بصورة من يعلم الغيب، فيؤمنوا بهم وذلك من الإضلال، وفساد الأدلة ما لا خفاء فيه، فقالوا: قد كان هذا فلما بعث النبي ﷺ منعنا من ذلك بما أرصد لنا من ثواقب النّجوم. وقد اعتقد قوم أنّ انقضاض الكواكب ظهر في الإسلام لأنها جعلت رجوما للشياطين فيه، وقد جاء في الشعر القديم تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بمنقضّ الكواكب، فالأقرب في هذا أنه كثر في الإسلام، ومن قبل كان يتفق نادرا، أو يكون جعلها رجوما إسلاميا وفيما تقدم من الزّمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [سورة الملك، الآية: ٥] وقوله تعالى لا يبدل ولا يدخل التسمح بل هو الوحي المحقق والخبر المصدق. فإن قيل: من أين لك أنّ الملائكة كان يرد عليهم الوحي فيتدارسونه بينهم ويجاذبونه حتى توصّلت الشّياطين منه إلى الاستماع. قلت: يدل على مثل ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [سورة البقرة، الآية: ٣٠] الآية، فتبيّن أنّه قدّم إلى الملائكة خبر ما أراده من آدم ﵇ وما كان من ذريته في الأرض امتحانا لهم. قوله تعالى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [سورة الجن، الآية: ٨] يعني الملائكة فدعاهم حرسا لما كان منهم من منع الشّياطين من السّمع. والحرس جمع حارس، ومثله غائب، وغيب. والشهب جمع شهاب، وهو النّار ولولا فعل الله تعالى ذلك لكان الوحي إلى النّبي يتخلّله الفساد، بما يكون من الجن فله الحمد والشكر على نعمه في كل حال وسيجيء من الكلام من بعد فيه ما تزداد به هذه الجملة انشراحا إن شاء الله تعالى. ومنه قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: ٣٦] الآية، نبّه الله تعالى على عدد الشّهور العربية، وهي التي تسمّى شهور القمر. وميزان السنة اثنا عشر شهرا لأنّ القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، ألا ترى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [سورة يونس، الآية: ٥] وكذلك فعلت الفرس بقسمة أيام السنة باثني عشر قسما، وجعلوا أيام كل شهر ثلاثين يوما، وزادوا في آخر (ماه ابان) خمسة أيام سموها اللّواحق، والمسرقة،

стр. 65

وسمّوها الكبيسة وإنما زادوا ذلك لتتم سنة الشّمس. وكذلك زادت الرّوم في أيام شهورهم ونقصت، وكبست ليكون أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وذكر بعضهم أنّ العرب كانت تعمل الكبيسة أيضا لئلا تتغير أحوال فصول سنتهم، وكان شتاؤهم أبدا في جمادي الأولى، وجمادي الآخرة، ويجمد الماء في هذين الشّهرين ولذلك سموهما بهذا الاسم، ويكون صيفهم في شهر رمضان، وشوال، وسموا رمضان بهذا الاسم لشدّة الحر فيه، ووجدوا أيام السّنة القمرية ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما، وتنقص عن أيام السّنة الشّمسية نحو أحد عشر يوما، وأحبوا أن تكون فصول سنتهم على حال واحدة لا تتغيّر، وكانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، ويجعلون سنتهم ثلاثة عشر شهرا ويسمّونها النّسي إلى أن بعث محمد ﷺ ، وأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّمَا النَّسِيءُ [سورة التوبة، الآية: ٣٧] الآية فلم يكبس بعد ذلك، فصار شهر رمضان يتقدم في كلّ سنة نحو أحد عشر يوما، ويدور على جميع فصول السنّة في نحو ثلاثين سنة، ولا يلزم نظاما واحدا، وهذا الذي حكاه هذا الإنسان يبطله ما ذكره الله تعالى، ورواته نقلة الأخبار، وسأبيّنه من بعد. فقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: ٣٦] فالكتاب ها هنا هو الحكم والإيجاب ألا ترى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ* [سورة البقرة، الآية: ٢١٦] وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [سورة الأنعام، الآية: ١٢] ، والمعنى إنّ الواجب عند الله أنّ عدد الشهور على منازل القمر وأنّ أعياد المسلمين وحجّهم وصلواتهم في أعيادهم وغير ذلك تدور وأنه أجراها على هذا المنهاج: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، [سورة التوبة، الآية: ٣٦] ثم قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ يريد من الأشهر، أي جعل لها حرمة كما جعل البلد الحرام، والبيت الحرام ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة التوبة، الآية: ٣٦] يريد دين الإسلام قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [سورة التوبة، الآية: ٣٦] أي لا تدعوا مقاتلة عدوكم إذا قاتلوكم في هذه الأشهر، فتكونوا معينين على أنفسكم وظالمين لها بكشف هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [سورة البقرة، الآية: ٢١٧] ، والمعنى عن قتال في الشهر قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [سورة البقرة، الآية: ٢١٧] وقد تم جواب السؤال لكن الله تعالى زاد في الكلام ما انشرحت به القصة وأتى من وراء القصة، فقال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: ٢١٧] ، فقاتلوهم فإنكم معذورون، ومعنى قوله تعالى: كَافَّةً جميعا، ومحيطين بهم ومجتمعين. وانتصابه على الحال، ومثل كافة قولهم: قاموا معا لا يدخلها الألف واللام، وكذلك قاموا جميعا، وقال الزّجاج: اشتقت من كفة الشيء

стр. 66

وهي حرفه وكأنها مأخوذة من كف لأنّ الشيء إذا انتهى إلى ذلك كفّ عن الزّيادة ولا يثنّى ولا يجمع لأنّها مصدر في الأصل كالعاقبة، وقم قائما، وكقولهم: العامّة والخاصة. ومن هذا قولهم: لقبته كفة كفة، والمعنى كفة ككفة، أو كفة إلى كفة، قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة، الآية: ٣٦] ضمان منه يقال لنصرة المؤمنين قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [سورة التوبة، الآية: ٣٧] النّساء، التأخير، وقال: نسأ الله في أجله، ومنه النّسيء في تأخير الدّين يقول: فالذي يفعله الكافرون في تقديم الأشهر الحرم على أوقاتها التي جعلها الله لها وتأخيرها زيادة في كفر الكافرين، واستمرار في ضلالهم وذهاب عن الواجب عليهم وإنّما كانوا يفعلون ذلك فيحلّون الشهر من هذه الشّهور في بعض الأعوام ويحرّمونه في العام الآخر ليوافقوا بالتّحليل تحريم الله تعالى فيحلّوا الحرام ويحرّموا الحلال. قوله تعالى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ [سورة التوبة، الآية: ٣٧] أي استحسنوا من ذلك ما هو سيىء وأتى بلفظ الخبر، عن المفعول ولا فاعل، ثم ومثله قولهم: أعجب بنفسه، وعنى بكذا وهذا كان من عادتهم كما كانوا يفعلونه في البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي حتى أبطلها الله تعالى بما أنزل فيه: (والبحيرة) كانت النّاقة إذا انتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا شقّوا أذنها، وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تمنع عن ماء وكلاء ولا يركبها المعي إذا لقيها. والسّائبة: كان الرّجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برء من علّة يقول: ناقتي سائبة، أو عبدي سائبة فلا يستعان بعد ذلك به ولا يحادث عما يريده. والوصيلة: هي الغنم إذا وضعت أنثى كانت لهم وإن وضعت ذكرا جعل لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا، وأنثى قالوا؛ وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم. والحامي: كانوا إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحملون عليه ولا يمنعونه من ماء ومرعى. فصل في بيان النسيء فيما قاله النّاس نقلة الأخبار والمفسرون ذكروا أنه كان قوم من بني كنانة يقال لهم بنو فقيم يتولّون ذلك إذا اضطروا إليه عند اتفاق حرب عظيمة وداعية خطب قوية يرى في الواجب عليهم الاشتغال في المحرّم به، فكان في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب لموسمهم يقوم مناد فينادي: الآن استنسانا، واستفرضنا إلا أن المحرم صفر، وأنّ صفر هو المحرم

стр. 67

الأكبر، فكانوا يحلّون في المحرم ما كان فيه من قتال وسفك دم واستباحة حريم، ويحرمون في صفر ما كان مباحا عندهم وفي مذهبهم ليواطئوا العدة، ويبلغوا فيما رأوه من الإرادة، والمواطاة: الموافقة. وحكى ثعلب أنّ الكناني كان يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس الموسم في الجاهلية فيقوم إذا أرادوا الصّدر عن منى فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أخاب، ولا يرد لي قضاء فيقولون: صدقت انسينا شهرا، ويريدون أخّر عنّا حرمة المحرم، واجعلها في صفر فيفعله، ولهذا ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى أنّ الأشهر الحرم كانت في الجاهلية عشرون. من ذي الحجة، ثم المحرم، ثم صفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر، وفي الإسلام هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ثلاثة متناسقة، وواحد منفرد، وكانت العرب تعظم رجبا، وتسميه منضل الأسنّة، ومنضل الآل لأنّهم كانوا ينزعون الأسنّة من الحراب والرّماح توطينا للنّفوس على الكف عن المحظور فيه في مذهبهم ويسمّونه أيضا شهر الله الأصم لأنه كان لا يسمع فيه تداعي القبائل ولا قعقعة السلاح. قالوا: فلما قام الدّين لمحمد ﷺ أنزل الله في النسيء ما أنزل ولتأكيد الأمر فيه ذكره ﷺ في خطبة الوداع فقال: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات والأرض السّنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان» . ثم انتسب الناس بعد فراغه مما أراد تأكيدا للقول فيه فقال: في أي يوم يخطب؟ ومن أي شهر هو؟ حتى أجابوه فأشهد الله على ما فعل فقال: «ألا هل بلغت اللهم فاشهد» . فهذا الأمر النسيء، ومعنى قوله ﵇: قد استدار كهيئته هو أنهم كانوا يحلون المحرم ويحرمون صفرا كما ذكرنا. ثم كانوا يحتاجون في سنة أخرى إلى تأخير صفر إلى الشّهر الذي بعده كحاجتهم في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك دعة، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك، وكان يتدافع شهرا شهرا حتى دار التّحريم على شهور السّنة كلّها. وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به وذلك بعد دهر متطاول، فكان النبي ﷺ أراد رجعة الأشهر إلى مواضعها وبطل النسىء. وروي عن مجاهد أنه قال: كانت العرب في الجاهلية يحجّون عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجّة، فلمّا كانت السّنة التي حج فيها أبو بكر ﵁ كان الحج في السنة الثانية من ذي القعدة، وهي حجة قراءة براءة قرأها علي كرّم الله وجهه على النّاس، ثم

стр. 68

حج النبيّ ﷺ فلما كانت السّنة التي حجّ فيها النبيّ ﷺ عاد الحج إلى ذي الحجة، فذلك قوله: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض» . ثم قال لما فرغ من خطبته: «أيّ يوم هذا» ؟ قالوا: يوم حرام، قال: «أي شهر هذا» قالوا: شهر حرام. قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، فقال: «ألا إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا اللهم هل بلّغت» . ومراد النبيّ ﷺ أنه قد ثبت الحج في ذي الحجة على ما كان عليه في أيام إبراهيم ﵇، فهذا أيضا طريقه، والأول أشبه وأشهر وجميع هذا، أو أكثره حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام أيضا. وقيل: إنما قيل رجب مضر لأنّها كانت تعظّمه، وتحرّمه، ولم يكن يستحلّه العرب إلّا حيّان خثعم وطيء فإنهما كانا يستحلان الشهور، فكان الذين ينسؤن الشّهور أيام الموسم يقولون حرمنا عليكم القتال في هذه الشهور إلّا دماء المحلّين. فصل في تأويل أخبار مروية عن رسول الله ﷺ والصّحابة وبيان ما يحمد ويذم من معتقدات العرب في الأنواء والبوارح وهذا الفصل لائق بما قدّمناه من التّنزيل، فلذلك جعلناه من تمامه. روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب، والنّياحة، والاستسقاء بالأنواء» . فالإستسقاء بها منكر، كما قال ﷺ إلّا أنّ العرب مختلفون فيما يراعونه من قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور، ولهم في ذلك من صدق التأمل، واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم، يدل على ذلك أنّ كل ما حكموا به قديما عند طلوع هذا المنازل من تحت شعاع الشّمس بالغدوات في ناحية المشرق وسقوط نظائرها في المغرب من أحوال فصول السّنة، وأوقات الحر، والبرد، ومجيء الأمطار والرّياح فإنّها تجري على ما حكمت به إلى أن لا يتغير ولا يتبدل إلّا على طريق الشذوذ، وعلى وجه لا يحصل به الاعتداد وعلى ذلك فهم مختلفون. فمنهم من اعتقد أن تلك الحوادث من أفعال الكواكب، وأنها هي المدبرة لها والآتية بها حتى صارت كالعلل فيها والأسباب؛ وأنّ للأزمنة تأثيرا في أهلها كما أنّ للأمكنة تأثيرا في أهلها ولذلك أخذ قرن عن قرن النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قالوا: فتصاريف الأزمان تؤثّر في الخلق والأخلاق والصّور والألوان والمتاجر، والمكاسب والهمم والمآرب والدّواعي والطّبائع واللّسن؛ والبلاغات والحكم والآداب، فذّم الله تعالى طرائقهم ونعى عليهم عقائدهم، وقال حاكيا عنهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [سورة الجاثية، الآية: ٢٤] الآية، وهذا تجهيل من الله تعالى لهم، وذكر بعضهم أنّ

стр. 69

الذي يدلّ على أنّ شأنهم كان تعظيم الرّجال والاستسلام للمنشأ والذّهاب مع العصبيّة والهوى ما نجد من اعتقاد أكثر أهل البصرة وسوادهم لتقديم عثمان، واعتقاد أهل الكوفة لتعظيم علي، ومن اعتقاد أكثر الشاميين لدين بني أمية وحب بني مروان حتى غلط قوم فزعموا أنّ هذا لا يكون إلّا من قبل الطالع، أو من قبل التّربة، كما تجد لأهل كل ماء وهواء نوعا من المنظرة والرّأي والطّبيعة واللّون واللّغة، والنّشوء والبلدة ولو كان ذلك كما ظنّوا لما حسن الأمر والنّهي ولا كان لإرسال الرّسل معنى، ولما جاز الثّواب والعقاب بلى لإستمالة النّاس بالتّرغيب والتّرهيب والاصطناع والتّقريب؛ والذّهاب مع المألوف شأن عجيب. وذكر بعض المفسرين وهو عبد الله بن عباس في قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [سورة الواقعة، الآية: ٨٢] أنه القول بالأنواء وقرأ علي، وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، فأما قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [سورة البقرة، الآية: ٧٨] فإنّ للالف والعادة سلطانا على النّفوس والقلوب قويا وأخذا بالبصائر، والعيون عزيزا. وكانوا إذا استهجنوا مستكرما، واستقبحوا مستحسنا، وعدلوا عن مألوف إلى متروك، وعن معمول إلى مرفوض وتنقلت بهم الأحوال وتبدّلت لهم الأبدال طلبوا المعاذير والعلل، وصرفوا الفكر في الأسباب والدّواعي من جوانب الالف والعادة لا من نواحي النّظر والتّدبر لطلب الإصابة، فرضوا بأن يعملوا الظّنون، والأوهام، وتحمّلوا تلك الأفاعيل على الأسماء فضلا عن الذّوات ثقة بما يشاهدون واغترارا بآرائهم فيما يحكمون لذلك قال النبي ﷺ : «لا تسبوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر» لأنه رآهم يقولون لذلك الاعتقاد الفاسد: أباد بني فلان الدّهر، وأفناهم الليالي كقول بعضهم شعرا: يا دهر قد أكثرت فجعتنا إذا ... بسراتنا ووقرت في العظم وسهلتنا ما لست تعقبنا به ... يا دهر ما أنصفت في حكم وكقول الآخر: وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكا لدّهر لا عار بما فعل الدّهر ومعنى قوله ﷺ لا تسبّوا الدّهر أي لا تسبّوا الذي يفعل هذه الأشياء فإنّكم إذا سببتم فاعلها فإنّما يقع السّب على الله تعالى. ومنهم من اعتقد أنّ تلك الحوادث من فعله تعالى لكنّه أجرى العادة بأن يفعلها عند طلوع تلك النّجوم، أو أفولها لأنّهم مختلفون في ذلك أيضا كأنهم يعدّون تلك التّغيرات أوقاتا لها، وأمارات وسمّوها الأنواء باتّفاق منهم لأنّ النوء يكون السّقوط والطّلوع، وهذا قريب في الدّين والعقل لا إنكار فيه، وعلى هذا يحمل قول عمر للعبّاس حين استسقى: يا عمّ رسول الله كم بقي من نوء الثّريا. فإنّ العلماء بها يزعمون أنها تعرض في الأفق سبعا لأنّ هذا أمر عيان على مجار قائمة ومسير مركب، وقد جعل الله

стр. 70

تعالى في علم هذا وما أشبه مما ضمّنه هذا الفلك عبرا كثيرة، وآية مبصرة، ودلالة صادقة عم بجليله أكثر هذا الخلق، وخصّ بلطيفه خصائص منهم مدحهم حين تبينوه وأقاموا الشّكر عليه فقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي مضيئة: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] الآية، وقرأ بعضهم مبصرة فيكون مثل قول عنترة: والكفر مخبثة لنفس المنعم. وإذا وضعت مفعلة في معنى فاعل كفت من الجمع والتأنيث يقولون: الولد مجبنة، وهذا العشب ملينة مسمنة فاعلمه. وقال في آية أخرى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [سورة الأنعام، الآية: ٩٧] الآية، وقد علمنا أنّ خلقا كثيرا هلكوا بتفويض التّدبير إلى النّجوم ولإفراطهم في الأنواء قال رسول الله ﷺ : «ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبحت طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا فأمّا من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكواكب» . وروي عنه أيضا من وجه آخر: «لو أن الله حبس المطر عن النّاس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون مطرنا بنوء المجدح» ومما يدل على ذلك قول الشاعر شعرا: يا سحم من نتج الذّراعين أنأقت ... مسائله حتّى بلغن المناجيا المناجاة المكان المرتفع لا يبلغه السّيل. وقال آخر شعرا: وأخلف نوء المرزم الأرض قرّة ... لها شبم فيه شفيف وجالد وقال آخر: تربّع من جنبي قنا فعوارض ... نتاج الثّريا نوؤها غير مخدج «١» ولو كان مرادهم بقوله: مطرنا بنوئه كذا: أي مطرنا في نوئه على التّشبيه بقول النّاس: مطرنا في غرّة الشّهر لم يكن مكروها، وكذلك مذهبهم في تأمّل الغيث أن لو كان على نحو توقّع النّاس أياما للأوقات المعروفة بالمطر لم يكن به بأس، لأنّ النّاس جميعا يعلمون أنّ للحر والبرد والمطر والرّيح من السّنة وقتا جرت العادة بتقدير الله تعالى أن يكون فيه أكثر ما

стр. 71

يكون، وإن كان الله تعالى يأتي به إذا شاء لولا ذلك ما عرفوا وقت حرث ولا بذر ولا ركوب بحر ولا بر، ولا انتظر حين لمجيء شيء ولا لانصراف شيء، ولكانوا ومن يعاملهم كذلك في أجهل الجهل فمما هو ظاهر في زوال المكروه عنه قولهم: إذا طلعت الشّعرى سفرا ولم يروا مطرا فلا تعدون أمره ولا أمرا، لأنّهم وجدوا ذلك مستمرا في العادة ومنه قول الشّاعر شعرا: إذا ما قارن القمر الثّريا ... لخامسة فقد ذهب الشّتاء لأنّ مقارنة الثّريا في الليلة الخامسة من مهلّه لا يكون أبدا إلّا في قبل الدجفاء وكقول الآخر شعرا: إذا كبد النّجم السّماء بشقوة ... على حين هرّ «١» الكلب والثّلج خاسف لأنه موافاته كبد السّماء في أوّل اللّيل يكون في صبارة الشّتاء ومما يكون على العكس من هذا في موافقة المكروه قول الآخر شعرا: هنأناهم حتّى أعان عليهم ... عوافي السّماك ذي السّجال السّواجم قال أبو حنيفة الدينوري: هذا الشّعر لجاهلي واتبع أثره بعض الإسلاميين فقال: هنأناهم حتّى أعان عليهم ... من الدّلو أوعو السّماك سجالها قال وهنوء القوم أن يكفّهم مؤنة وقد يجيء من كلامهم ما يغمض، فيرد بالتّأويل إلى كل واحد من النّاس، وللقائلين بالأحكام في النّجوم مضاهاة للقوم في إثباتهم السّعد والنحس بمقتضيات الكواكب إلا من عصمه الله تعالى ولله الأمر والحكم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مناص من قضائه. وقد روي عنه ﷺ : «من تعلّم بابا من النّجوم تعلّم بابا من السّحر ومن زاد استزاد» . كما روي عنه ﷺ في بعض خطبه أنه قال: «ما بال أقوام يقولون إنّ كسوف هذه الشّمس، وخسوف هذا القمر وزوال هذه النّجوم عن مطالعها لموت رجال قد كذبوا» . الزّوال، والزّولان بمعنى وهذا يمكن حمله على قوله: إنّ من البيان لسحرا، فيكون الكلام مدحا لهذا العلم، وللمشتغلين به إذا تبرءوا من الحول والقوة ومما يدخلهم في الإشراك بالله والتّسليم إلى الكواكب. وقال ابن عباس لعكرمة مولاه اخرج فانظر كم مضى من اللّيل؟ فقال: إني لا أبصر النّجوم فقال له ابن عبّاس: نحن نتحدى بك فتيان العرب وأنت لا تعرف النّجوم، وقال:

стр. 72

وددت أني أعرف هفت، ودوازده يريد النّجوم السّبعة السيّارة، والبروج الاثني عشر، وقال معاوية لدغفل بن حنظلة العلّامة وقد ضمه إلى يزيد علّمه العربية والأنساب والنّجوم: أترى هؤلاء حضّوا على الضّلالة، ورغبوا في السّفاهة، فتأمّل ما ذكرته فإنه واضح. فإن قيل: إذا كان القول في قضايا النّجوم على ما ذكرته فما وجه قول إبراهيم ﵇ مخاطبا لقومه وهم يعبدون الأصنام ليقربهم إلى الله زلفى: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [سورة الصافات، الآية: ٨٧- ٩٠] قلت: قد تكلم النّاس في هذا فقال بعضهم النّجوم جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، ونظر نظرة معناه تفكّر ليدّبر حجّة فقال: إني سقيم يريد سقيم من كفرهم وإيمانهم بغيره، وهذا كما يقال أنا مريض القلب من كذا وإنما تخلف عنهم لما أضمر من كيد أصنامهم لأنّ حجته عليهم في تعطيل عيدهم فلمّا غابت عيونهم جعلها جذاذا. وسئل ابن الأعرابي عن معنى قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ [سورة الأنبياء، الآية: ٦٠] معنى يذكرهم يعيبهم وأنشد: لا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب قال أبو إسحاق الزّجاج: قال ذلك لقومه، وقد رأى نجما فقال: إني سقيم يوهمهم أنّ به الطّاعون، فتولّوا عنه مدبرين فرارا من أن يعذبهم الطّاعون، وإنّما قال: إني سقيم لأنّ كل أحد وإن كان معافى لا بدّ له من أن يسقم ويموت. قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [سورة الزمر، الآية: ٣] أي أنك ستموت فيما تستقبل فكذلك إني سقيم أي سأسقم لا محالة. وروي في الحديث لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا في ثلاث وإنّ هذه الثلاث وقعت فيها معارضة. وذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا على معنى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [سورة الأنبياء، الآية: ٦٣] فقد فعله كبيرهم، وقوله في سارة: هي أختي في الإسلام. وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [سورة الصافات، الآية: ٨٩] على ما فسرناه، وقال أبو مسلم: عطف بالفاء هذا الكلام على ما تقدم من أمره في مخاطبة قومه بقوله: ماذا تعبدون، قال: ونظرة في النّجوم هو الذي أخبر الله تعالى به عنه إذ يقول الله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ [سورة الأنعام، الآية: ٧٠] إلى وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة الأنعام، الآية: ٧٩] فكانت نظرته تلك للتبين. فلما أراه الله الآيات في نفسه، وفي الآفاق كما قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ الآية، قال لقومه: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [سورة الصافات، الآية: ٨٦] وذلك حين قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [سورة

стр. 73

الأنعام، الآية: ٧٩] الآية، وكان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ قبل التّبين، وأراد بالسّقيم أنه ليس على يقين ولا شفاء من العلم ويقول الرّجل إذا سأل عن شيء فصدّق عنه وبين له: شفاني فلان فلما كان العلم واليقين شفاء صلح تسمية الحال التي قبل كنه البيان سقما. وقد قال الله تعالى في قوم لم يكونوا على إيمان محض: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ* [سورة البقرة، الآية: ١٠] ، وهذه الحال التي انتسب فيها إبراهيم ﵇ إلى السّقم هي الحال التي فيها البلوغ، ووقوع التّكليف من الله ولزوم أمره ونهيه، والفاء في قوله تعالى: فَتَوَلَّوْا فاء عطف أيضا ينعطف بها ما هي معه من الكلام على قوله: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ، فلما دعاهم إلى الله تعالى، وأنكر عليهم عبادة ما يعبدون دون الله تولوا عنه مدبرين. وزعم قوم لا يعقلون أنّ إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات هي واحدة منها، وحاش للرّسول الذي اتّخذه الله خليلا أن يكذب، أو يأتي بالقبائح، والذي توجبه التلاوة وشهادة بعض القرآن لبعض، ويحسن في أوصاف أنبياء الله وصفوته من عباده هو ما ذكرناه، وتلخيص ما في هذه القصّة منذ ابتداء ذكر إبراهيم إلى حيث انتهينا أنّ الله تعالى أثنى على إبراهيم بأنّه وافق نوحا في الإيمان والإخلاص حتى توفّاه الله على ذلك سليم القلب لئلا يشرك به شيئا وأنه نظر فيما خلق الله من النّجوم فاستدلّ على خالقها بها وتبيّن له بالتأمل لها أنّ إلها وآلهة واحد ليس كمثله شيء وهو رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين ودعا قومه إلى مثل ما أراد الله، وهداه له وزرى عليهم، وعاب اختيارهم في عبادة الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم ولا عن أنفسها شيئا، فتولّى القوم عنه مدبرين عند ذكره ربّه كما قال تعالى في الكافرين من قوم النبي ﷺ : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [سورة الإسراء، الآية: ٤٦] وقال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [سورة المدثر، الآية: ٤٩] الآية. وقال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ [سورة الزمر، الآية: ٤٥] الآية. وقال بعض أهل النّظر إنه ﵇ رآهم يعتمدون فيما يعن لهم ويحدث وفيما يستأنفون من مبادئ الأمور، ومفاتحها على النّظر في النّجوم وأحكامها، فاقتدى بهم تأنيسا لهم وأخذا بعادتهم ليسكنوا إليه بعض السّكون وإن لم يركنوا كلّ الرّكون. وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ ، وإن قاله متأوّلا، ففيه استبناء، ورجاء رفق منهم إمّا لعلة، وإما للتّربص به حتى يأمنوا شرّه، ويشهد لهذا قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [سورة الصافات، الآية: ٩٠] وهذا حسن قريب. وقال بعضهم: قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ [سورة الصافات، الآية: ٨٨] يعني به ما ينجم من نبات الأرض كأنه كان يقلب الأدوية متخيرا منها ما يقرب الشّفاء عنده، وقيل

стр. 74

أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصّل إلى ما يهم به في آلهتهم، وبماذا ابتدئ ومن أين مخلصه إذا أقدم ويكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ اختداعا منه لهم وإيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكائد، وهذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [سورة الصافات، الآية: ٩٣] يريد مال عليها بالضّرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطّريق أي عدله، وقوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، وقيل: هي يمين كان حلف بها، وهي قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [سورة الأنبياء، الآية: ٥٧] وقيل بالقدرة كما قال: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين وقيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثّعلب، وكذلك قوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ أي لم يرد أن يشعروا به. فصل آخر [في بيان معنى الرؤية لله تعالى الواردة في القرآن] وذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أنّ قول النّبي ﷺ : «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: ٢٦] أنّ هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم وساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأنّ الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، ألا ترى أنّ قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، وتشديد للتّيقن، وتبعيد من اعتراض الشّبه على العلم به تعالى، وإذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصّلات نحو: علمت أنّ زيدا منطلق، وأحسب النّاس أن يتركوا فلمّا سدّ ما جرى في الصّلتين مسد المفعولين، ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنّه ترونه متيقنا، ونحو ذلك وأن يقال: إنّ ما ذكر سدّ مسد المفعول الثّاني أقيس. ألا ترى أنّ ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سدّ مسدّ المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، واختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، ومثل هذا قوله: أعنده علم الغيب فهو يرى لأنّ القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأنّ علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحسّ شيئا، وإنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأنّ من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد. فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أعنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد والمبتدأ والخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدّلالة عليهما وقد قال الأعشى:

стр. 75

فأنبيت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن وقال الكميت: (ترى حبّهم عارا علي وتحسب) ، فالدّلالة من الفحوى والمعنى في الآية على المفعولين المحذوفين كالدلالة عليهما في البيتين لجري ذكرهما فيهما وإنما ذكرنا ما قاله لغرابته. فصل آخر في جواب مسائل للمشبهة من الكتاب والسّنة مما تستدل به المشبهة أنهم قالوا قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [سورة غافر، الآية: ٧] وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [سورة الزمر، الآية: ٧٥] ثم قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [سورة طه، الآية: ٥] وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ* [سورة يونس، الآية: ٣] كما قال: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [سورة يونس، الآية: ١٠٠] ولا فصل بين الكلامين وقال أيضا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] والكرسي والعرش بمعنى ومما جاء في الخبر قول النبيّ ﷺ حيث حكم في بني قريظة: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات» (وعنه) حين قال: «فأقوم على يمين العرش» ولا يكون يمين إلا لما له يسار، قالوا فقول الله: وَمَنْ حَوْلَهُ وحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ فيه دلالة على أنّ العرش مطاف يطاف به، ودوار يدار عليه وهذه المواضع وأشباهها عمدهم. والجواب عنها أنّ للعرش مواضع عدة في كلام العرب منها الملك والعز وقوام أمر الرّجل وملاكه ويشهد له قولهم ثل عرش فلان إذا أزيل وحطّت رتبته ومنها سرير الملك ويشهد له قوله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [سورة النمل، الآية: ٢٣] وقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [سورة النمل، الآية: ٤٢] ويجمع على العرشة والاعراش. ومنها سقف البيت وما يستظل به والعرش كذلك، ومنه قيل عرش المكرم فهو عرش وقالوا عرش السّماك لكواكب أربعة تشبّها به لأنه على صورة النّعش. ومنها طي البير بالخشب بعد ما يطوى موضع الماء منها بالحجارة، ويقولون عرّشوا بيركم وإذا ثبتت هذه الوجوه حقيقة وتشبّها في لفظة العرش، فالواجب حملها حيث جاءت على الأليق بالمعنى مع قرائنه والأقرب في الاستعمال والأشبه في قضية السّمع والعقل وهذا الذي ذكرناه هو الميزان عند طلب الرّجحان حيث حصل الاشتراك في الألفاظ وغيرها. فأما الخبر المروي وهو: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات» فقوله من فوق ظرف لقوله حكم الله ومتعلق به فهو كما يقال حكم الله العالي المكان الرّفيع المحل
следующие страницы →