Полный текст (562 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يكون، وإن كان الله تعالى يأتي به إذا شاء لولا ذلك ما عرفوا وقت حرث ولا بذر ولا ركوب بحر ولا بر، ولا انتظر حين لمجيء شيء ولا لانصراف شيء، ولكانوا ومن يعاملهم كذلك في أجهل الجهل فمما هو ظاهر في زوال المكروه عنه قولهم: إذا طلعت الشّعرى سفرا ولم يروا مطرا فلا تعدون أمره ولا أمرا، لأنّهم وجدوا ذلك مستمرا في العادة ومنه قول الشّاعر شعرا:
إذا ما قارن القمر الثّريا ... لخامسة فقد ذهب الشّتاء
لأنّ مقارنة الثّريا في الليلة الخامسة من مهلّه لا يكون أبدا إلّا في قبل الدجفاء وكقول الآخر شعرا:
إذا كبد النّجم السّماء بشقوة ... على حين هرّ «١» الكلب والثّلج خاسف
لأنه موافاته كبد السّماء في أوّل اللّيل يكون في صبارة الشّتاء ومما يكون على العكس من هذا في موافقة المكروه قول الآخر شعرا:
هنأناهم حتّى أعان عليهم ... عوافي السّماك ذي السّجال السّواجم
قال أبو حنيفة الدينوري: هذا الشّعر لجاهلي واتبع أثره بعض الإسلاميين فقال:
هنأناهم حتّى أعان عليهم ... من الدّلو أوعو السّماك سجالها
قال وهنوء القوم أن يكفّهم مؤنة وقد يجيء من كلامهم ما يغمض، فيرد بالتّأويل إلى كل واحد من النّاس، وللقائلين بالأحكام في النّجوم مضاهاة للقوم في إثباتهم السّعد والنحس بمقتضيات الكواكب إلا من عصمه الله تعالى ولله الأمر والحكم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مناص من قضائه.
وقد روي عنه ﷺ : «من تعلّم بابا من النّجوم تعلّم بابا من السّحر ومن زاد استزاد» .
كما روي عنه ﷺ في بعض خطبه أنه قال: «ما بال أقوام يقولون إنّ كسوف هذه الشّمس، وخسوف هذا القمر وزوال هذه النّجوم عن مطالعها لموت رجال قد كذبوا» . الزّوال، والزّولان بمعنى وهذا يمكن حمله على قوله: إنّ من البيان لسحرا، فيكون الكلام مدحا لهذا العلم، وللمشتغلين به إذا تبرءوا من الحول والقوة ومما يدخلهم في الإشراك بالله والتّسليم إلى الكواكب.
وقال ابن عباس لعكرمة مولاه اخرج فانظر كم مضى من اللّيل؟ فقال: إني لا أبصر النّجوم فقال له ابن عبّاس: نحن نتحدى بك فتيان العرب وأنت لا تعرف النّجوم، وقال:
стр. 72
وددت أني أعرف هفت، ودوازده يريد النّجوم السّبعة السيّارة، والبروج الاثني عشر، وقال معاوية لدغفل بن حنظلة العلّامة وقد ضمه إلى يزيد علّمه العربية والأنساب والنّجوم: أترى هؤلاء حضّوا على الضّلالة، ورغبوا في السّفاهة، فتأمّل ما ذكرته فإنه واضح.
فإن قيل: إذا كان القول في قضايا النّجوم على ما ذكرته فما وجه قول إبراهيم ﵇ مخاطبا لقومه وهم يعبدون الأصنام ليقربهم إلى الله زلفى: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: ٨٧- ٩٠] قلت: قد تكلم النّاس في هذا فقال بعضهم النّجوم جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، ونظر نظرة معناه تفكّر ليدّبر حجّة فقال: إني سقيم يريد سقيم من كفرهم وإيمانهم بغيره، وهذا كما يقال أنا مريض القلب من كذا وإنما تخلف عنهم لما أضمر من كيد أصنامهم لأنّ حجته عليهم في تعطيل عيدهم فلمّا غابت عيونهم جعلها جذاذا.
وسئل ابن الأعرابي عن معنى قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[سورة الأنبياء، الآية: ٦٠] معنى يذكرهم يعيبهم وأنشد:
لا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
قال أبو إسحاق الزّجاج: قال ذلك لقومه، وقد رأى نجما فقال: إني سقيم يوهمهم أنّ به الطّاعون، فتولّوا عنه مدبرين فرارا من أن يعذبهم الطّاعون، وإنّما قال: إني سقيم لأنّ كل أحد وإن كان معافى لا بدّ له من أن يسقم ويموت. قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[سورة الزمر، الآية: ٣] أي أنك ستموت فيما تستقبل فكذلك إني سقيم أي سأسقم لا محالة.
وروي في الحديث لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا في ثلاث وإنّ هذه الثلاث وقعت فيها معارضة. وذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
على معنى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[سورة الأنبياء، الآية: ٦٣] فقد فعله كبيرهم، وقوله في سارة: هي أختي في الإسلام. وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
[سورة الصافات، الآية: ٨٩] على ما فسرناه، وقال أبو مسلم: عطف بالفاء هذا الكلام على ما تقدم من أمره في مخاطبة قومه بقوله: ماذا تعبدون، قال: ونظرة في النّجوم هو الذي أخبر الله تعالى به عنه إذ يقول الله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٠] إلى وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[سورة الأنعام، الآية: ٧٩] فكانت نظرته تلك للتبين.
فلما أراه الله الآيات في نفسه، وفي الآفاق كما قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
الآية، قال لقومه: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
[سورة الصافات، الآية: ٨٦] وذلك حين قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة
стр. 73
الأنعام، الآية: ٧٩] الآية، وكان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
قبل التّبين، وأراد بالسّقيم أنه ليس على يقين ولا شفاء من العلم ويقول الرّجل إذا سأل عن شيء فصدّق عنه وبين له: شفاني فلان فلما كان العلم واليقين شفاء صلح تسمية الحال التي قبل كنه البيان سقما.
وقد قال الله تعالى في قوم لم يكونوا على إيمان محض: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ*
[سورة البقرة، الآية: ١٠] ، وهذه الحال التي انتسب فيها إبراهيم ﵇ إلى السّقم هي الحال التي فيها البلوغ، ووقوع التّكليف من الله ولزوم أمره ونهيه، والفاء في قوله تعالى:
فَتَوَلَّوْا
فاء عطف أيضا ينعطف بها ما هي معه من الكلام على قوله: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، فلما دعاهم إلى الله تعالى، وأنكر عليهم عبادة ما يعبدون دون الله تولوا عنه مدبرين.
وزعم قوم لا يعقلون أنّ إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات هي واحدة منها، وحاش للرّسول الذي اتّخذه الله خليلا أن يكذب، أو يأتي بالقبائح، والذي توجبه التلاوة وشهادة بعض القرآن لبعض، ويحسن في أوصاف أنبياء الله وصفوته من عباده هو ما ذكرناه، وتلخيص ما في هذه القصّة منذ ابتداء ذكر إبراهيم إلى حيث انتهينا أنّ الله تعالى أثنى على إبراهيم بأنّه وافق نوحا في الإيمان والإخلاص حتى توفّاه الله على ذلك سليم القلب لئلا يشرك به شيئا وأنه نظر فيما خلق الله من النّجوم فاستدلّ على خالقها بها وتبيّن له بالتأمل لها أنّ إلها وآلهة واحد ليس كمثله شيء وهو رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين ودعا قومه إلى مثل ما أراد الله، وهداه له وزرى عليهم، وعاب اختيارهم في عبادة الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم ولا عن أنفسها شيئا، فتولّى القوم عنه مدبرين عند ذكره ربّه كما قال تعالى في الكافرين من قوم النبي ﷺ : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
[سورة الإسراء، الآية: ٤٦] وقال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[سورة المدثر، الآية: ٤٩] الآية. وقال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
[سورة الزمر، الآية: ٤٥] الآية. وقال بعض أهل النّظر إنه ﵇ رآهم يعتمدون فيما يعن لهم ويحدث وفيما يستأنفون من مبادئ الأمور، ومفاتحها على النّظر في النّجوم وأحكامها، فاقتدى بهم تأنيسا لهم وأخذا بعادتهم ليسكنوا إليه بعض السّكون وإن لم يركنوا كلّ الرّكون.
وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
، وإن قاله متأوّلا، ففيه استبناء، ورجاء رفق منهم إمّا لعلة، وإما للتّربص به حتى يأمنوا شرّه، ويشهد لهذا قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: ٩٠] وهذا حسن قريب.
وقال بعضهم: قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
[سورة الصافات، الآية: ٨٨] يعني به ما ينجم من نبات الأرض كأنه كان يقلب الأدوية متخيرا منها ما يقرب الشّفاء عنده، وقيل
стр. 74
أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصّل إلى ما يهم به في آلهتهم، وبماذا ابتدئ ومن أين مخلصه إذا أقدم ويكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
اختداعا منه لهم وإيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكائد، وهذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
[سورة الصافات، الآية: ٩٣] يريد مال عليها بالضّرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطّريق أي عدله، وقوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، وقيل: هي يمين كان حلف بها، وهي قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[سورة الأنبياء، الآية: ٥٧] وقيل بالقدرة كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وقيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثّعلب، وكذلك قوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ
أي لم يرد أن يشعروا به.
فصل آخر [في بيان معنى الرؤية لله تعالى الواردة في القرآن]
وذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أنّ قول النّبي ﷺ : «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: ٢٦] أنّ هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم وساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأنّ الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، ألا ترى أنّ قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، وتشديد للتّيقن، وتبعيد من اعتراض الشّبه على العلم به تعالى، وإذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصّلات نحو: علمت أنّ زيدا منطلق، وأحسب النّاس أن يتركوا فلمّا سدّ ما جرى في الصّلتين مسد المفعولين، ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنّه ترونه متيقنا، ونحو ذلك وأن يقال: إنّ ما ذكر سدّ مسد المفعول الثّاني أقيس.
ألا ترى أنّ ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سدّ مسدّ المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، واختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، ومثل هذا قوله: أعنده علم الغيب فهو يرى لأنّ القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأنّ علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحسّ شيئا، وإنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأنّ من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد.
فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أعنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد والمبتدأ والخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدّلالة عليهما وقد قال الأعشى:
стр. 75
فأنبيت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
وقال الكميت: (ترى حبّهم عارا علي وتحسب) ، فالدّلالة من الفحوى والمعنى في الآية على المفعولين المحذوفين كالدلالة عليهما في البيتين لجري ذكرهما فيهما وإنما ذكرنا ما قاله لغرابته.
فصل آخر في جواب مسائل للمشبهة من الكتاب والسّنة مما تستدل به المشبهة
أنهم قالوا قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[سورة غافر، الآية: ٧] وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[سورة الزمر، الآية: ٧٥] ثم قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: ٥] وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*
[سورة يونس، الآية: ٣] كما قال: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
[سورة يونس، الآية: ١٠٠] ولا فصل بين الكلامين وقال أيضا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] والكرسي والعرش بمعنى ومما جاء في الخبر قول النبيّ ﷺ حيث حكم في بني قريظة: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات» (وعنه) حين قال: «فأقوم على يمين العرش» ولا يكون يمين إلا لما له يسار، قالوا فقول الله: وَمَنْ حَوْلَهُ
وحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
فيه دلالة على أنّ العرش مطاف يطاف به، ودوار يدار عليه وهذه المواضع وأشباهها عمدهم.
والجواب عنها أنّ للعرش مواضع عدة في كلام العرب منها الملك والعز وقوام أمر الرّجل وملاكه ويشهد له قولهم ثل عرش فلان إذا أزيل وحطّت رتبته ومنها سرير الملك ويشهد له قوله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[سورة النمل، الآية: ٢٣] وقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
[سورة النمل، الآية: ٤٢] ويجمع على العرشة والاعراش. ومنها سقف البيت وما يستظل به والعرش كذلك، ومنه قيل عرش المكرم فهو عرش وقالوا عرش السّماك لكواكب أربعة تشبّها به لأنه على صورة النّعش. ومنها طي البير بالخشب بعد ما يطوى موضع الماء منها بالحجارة، ويقولون عرّشوا بيركم وإذا ثبتت هذه الوجوه حقيقة وتشبّها في لفظة العرش، فالواجب حملها حيث جاءت على الأليق بالمعنى مع قرائنه والأقرب في الاستعمال والأشبه في قضية السّمع والعقل وهذا الذي ذكرناه هو الميزان عند طلب الرّجحان حيث حصل الاشتراك في الألفاظ وغيرها.
فأما الخبر المروي وهو: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات» فقوله من فوق ظرف لقوله حكم الله ومتعلق به فهو كما يقال حكم الله العالي المكان الرّفيع المحل
стр. 76
والقدر وأنت تصف الحكم ولا يجوز أن يكون متعلقا بلفظة الله لأنه تعالى لا تحويه الأماكن ولا تحيط به الأقطار والجوانب والمعنى بحكم يشبه حكم الله الذي محلّه ومكانه من الإصابة والغلبة والعلو فوق سبع سموات وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
[سورة غافر، الآية: ٧] ومنهم من يطوف به وكلّهم يسبح لله بالحمد له والاعتراف بنعمه والإيمان بجميع ما تعبد الله به خلقه ويستغفرون لمن في الأرض إلى الشفاعة التي قال الله تعالى ما حالهم وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
وقوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: ١٧] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: ١٨] يريد أن جميع من خلق الله من البشر في ذلك اليوم يعرضون بأعمالهم وأقوالهم، وكلّ ما أعلنوه وأسرّوه أيام حياتهم فيحاسبون عليه، وذلك كما يستعرض السلطان جنده بأسلحتهم ودوابهم وآلاتهم، فأما العدد المذكور فهو مما استأثر الله به ومثله مما رأى الله تعالى إيهام الأمر فيه والكف عن بيانه كثير، وذلك لتعلّق المصلحة بأن يكون حازما وسائر ما سألوا عنه إذا أجملناه.
فإنّا نقول في جوابهم الشامل لمقالهم المسقط لكلامهم لمّا أن كان أسفل الأشياء الثّرى وكان أعلى الأشياء السّماء السّابعة ثم الكرسي ثم العرش فكان الله تعالى قد جعل للأعلى في القلوب من التّعظيم والقدر والشّرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظّم بعض الشّهور وبعض الأيام وبعض اللّيالي وبعض السّاعات، وبعض البقاع وبعض المحال، وكان قد جعل للعرش ما لم يجعل للكرسي وجعل للكرسي ما لم يجعل للسّماء السّابعة ذكر العرش والكرسي والسّماء بما لم يذكر به شيئا من سائر خلقه فذكر مرة العرش والكرسي والسماء في جملة الخلق، وأنّه عال على جميعها بالسلطان والقدرة والقوّة حيث قال تعالى:
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٠٦] وحيث قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
[سورة الكهف، الآية: ٤٥] وقد يقول الرّجل فلان شديد الإشراف على عمّاله وليس يذهب إلى اشراف بدنه ورأسه، قد خبّر الله أنه على كلّ شيء قدير ومقتدر وحافظ وظاهر، وقد قال: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[سورة الحديد، الآية: ٣] والعرش شيء هو عال عليه بالقدرة، والظّاهر عليه بالسّلطان وإنّما خصّه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالنّباهة وأنّه فوق جميع الخلق فذكر مرة في الجملة ومرة بالإبانة قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] فخبّر أنه عال عليه وحافظ له ومانع له من الزّوال وقوله كُرْسِيُّهُ
كقوله بيته ولو كان متى ذكر أنّ له كرسيا وعرشا فقد أوجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد أوجب أنّه ينزله ويسكنه وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق، ولو كنّا إذا قلنا: سماؤه فقد جعلناه فيها كنّا إذا قلنا أرضه فقد جعلناه فيها قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
стр. 77
وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[سورة البقرة، الآية: ٩٨] فأدخلهما في جملة الملائكة ثم أبانهما إذ كانا بائنين من سائر الملائكة، وكذلك سبيل القول في العرش والكرسي والسّماء والأرض والحوت، والثّرى، لأنّ الكرسي إذا كان مثل السّماوات والأرض والعرش أعظم منه فمتى ذكر أنّه عال على العرش وظاهر عليه فقد خبّر أنّه على كل شيء قدير، وقد يكون العلوّ بالقدرة والاعتلاء، فمرة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر السّماء دون الكرسي ومرة يقول: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[سورة الأنعام، الآية: ٣] بعد أن قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ
وترك ذكر الأرض فلو كان إذا ذكر السّماء دون الأرض كان ذلك دليلا على أنه ليس في الأرض كان في ذكره أنه على العرش، دليل على أنه ليس في السّماء وقد قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ
[سورة الملك، الآية: ١٧] ومرة يذكر معاظم الأمور، وجلائل الخلق، وكبار الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة كلّ شخص كيف كان وحيث ما كان كقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[سورة المجادلة، الآية: ٧] الآية. وقد قال أيضا على هذا المعنى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وقال: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
[سورة الواقعة، الآية: ٨٥] .
فإن زعم القوم أنّه إنما ذهب إلى معنى القدرة والعلم لأنّ قربه منهم كقربه من العرش قلنا: فقد صرتم إلى المجازات وتركتم قطع الشّهادة على ما عليه ظاهر الكلام، فكيف نعيتم ذلك علينا، حين زعمنا أنّ تأويل قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: ٥] ليس على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلو والقدرة والحفظ والإحاطة والظهور بالسلطان والقوّة وهذا بين والحمد لله.
فإن قالوا: ما تأويل استوى؟ وما فائدة على؟ قلنا: قد زعم أصحاب التفسير عن ابن عباس وهو صاحب التّأويل والنّاس عليه عيال، أنّ تأويل قوله: استوى استولى، وقد قال تعالى لنوح: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: ٢٨] ولم يرد الله تعالى أنّهم كانوا مائلين فاعتدلوا، وإنما معناه فإذا صرتم في السّفينة فقل: كذا وكذا، وقد يقول الرّجل: قلت كذا وكذا ثمّ استويت على ظهر الدّابة بعد أن لم أكن عليها فقلت كذا وقال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[سورة يوسف، الآية: ٢٢] وإنما يريد: فلما انتهى وبلغ جعلناه حكيما، وكما يقال للغلام المقدود: هذا غلام مستو فإن قالوا: قد عرفنا هذه الوجوه ولكن ما معنى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[سورة فصلت، الآية: ١١] قلنا معناه: ثم عمد إلى السّماء فخلقها كما قال ابن مقبل شعرا:
أقول وقد قطعن بنا شرورى ... عوامد واستوين من الضّجوع
стр. 78
أي خرجن، وقال الآخر:
استوت العير إلى مروان ... مسير شهر قبله شهران
ولفظة على تختلف مواقعها، فمنها قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: ٢٥] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: ٢٦] وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[سورة القيامة، الآية: ١٧] فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
[سورة القيامة، الآية: ١٨- ١٩] وقوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
والمراد في الجميع اللّزوم والوجوب ومنها قول الفرزدق شعرا:
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار
وإنّما قال هذا حين ندم على تطليق امرأته نوّار وأوّله:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلّقة نوار
والمعنى لو ملكت أمري فكان عليّ أن أختار للقدر، ولم يكن على القدر أن يختار لي، ومنها قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: ٢٨] وقوله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[سورة هود، الآية: ٧] وهذا كما أنّ السّماوات بعضها على بعض، ويجوز أن يكون عليه على جهة الالتزاق. ومنها قوله تعالى:
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
[سورة البقرة، الآية: ٢٣٣] وهذا من قولهم: على فلان نذر، وعليه حتم وعليه يمين. ومنها قوله:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام
ومنها قول الآخر شعرا:
ولا الحيّ على الحدثان قومي ... على الحدثان ما تبني السّقوف
يقول: لا ألوم قومي أن يحنوا عليّ وأن يحدثوا الأحداث. فعليّ احتمال ذلك بنى بيت السّؤدد. ومنها قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٩] فمعنى مر على قرية مر بجنباتها، ولم يرد أنّه مر فوقها، وقوله: هي خاوية على عروشها: يريد وهي خالية على عروشها أي هي على ما بها من السّقوف خالية كما يقال: زيد على كثرة محاسنه متواضع. وقال بعضهم: أراد بقيت حيطانها لا سقوف لها وما قلناه أشبه. وقال أبو عبيدة، هي الخيام وبيوت الأعراب، ومنها قولهم: عليك الجادة والطريق الأعظم في الإغراء بها وفي القرآن: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[سورة المائدة، الآية: ١٠٥] هذا ما حضر من مواضع علي.
стр. 79
فصل آخر وهو بيان قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[سورة الأنعام، الآية: ١٢٤]
وبيان قول القائل: الله أعلم بنفسه من خلقه والفصل بينهما.
أما قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[سورة الأنعام، الآية: ١٢٤] فلا يجوز أن يكون انتصاب حيث على حد انتصابه إذا كان ظرفا لأنّ علمه تعالى في جميع الأماكن على حدّ واحد لا يدخله التّزايد والتّناقص، وإذا لم يسقم حمل أفعل على زيادة علم في مكان فيجب أن يحمل على انتصابه انتصاب المفعول به، ويكون العامل فيه فعلا مضمرا يدلّ عليه قوله: (أعلم) ويحصل الاكتفاء بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ
ثم أعلم يدل على يعلم مضمر أو التّقدير الله أعلم العالمين يعلم حيث يجعل رسالاته فيختار لأدائها من يصطفيه ومثل هذا قول الشّماخ شعرا:
وجلاهما عن ذي الأراكة عامر ... أخو الحضر يرمي حيث تكوى النّواجر
فقوله: حيث مفعول لأنه هو المرمي إذ لم يجز أن يكون المعنى يرمي شيئا في ذلك المكان وهذا مثل قول الآخر:
أكروا حمى للحقيقة منهم ... واضرب منّا بالسيوف القوانسا
انتصب القوانس بفعل مضمر دلّ عليه قوله واضرب منا.
وأما قول القائل: الله أعلم بنفسه من خلقه حتى قيل: لم يزل معلوما لنفسه فاعلم أنّ هذا الكلام له منصرفات بعضها يجوز ويحسن في وصفه تعالى، وبعضها يمتنع، فإن أردت بقولك نفسه صفة لأنه به حسن، وجاز ويكون هذا كقوله في صفة قدرته وتدبيره وعظمته وإرادته وكرمه ورحمته: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٩] وكذلك إن أردت أنّ علم العبد قد يعترض فيه الشّك ويتسلّط عليه النّسيان ويعتريه الآفات كالغشي والنّوم والموت فتعطله وعلم الله يدوم ويثبت على حد واحد كان صوابا وقائما وصحيحا (وإن أردت أنّ علمه بذاته متكامل فهو يسعها وعلم خلقه بها متناقص فيعزّ عن الإحاطة بها كان غير لائق به وممتنعا من تجويزه فيه، وكذلك إن أجريت مجرى قول القائل إنّ جبرائيل أعلم بالله من الإنسان، تريد أنّ علمه أعلق به وألزم له كما يزداد حبّا على حبّ، ويكون تعين أثبت من تعين امتنع أيضا وذكر النّفس ليس يثبت به شيء غير الذات وكذلك الوجه في قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[سورة الرحمن، الآية: ٢٧] وليس ذلك على ما ينسب إلى المحدثين من الأعضاء وكذلك العين إذا قلت عين الشيء ويصح أن يقال:
الله أعلم بنفسه من خلقه ويراد أنه أذكر لوجوه القدرة وصنوف ما تدل عليه الحكمة والعظمة
стр. 80
ولجميع صفاته العلى وأسمائه الحسنى فلا أمد لعلمه، ولا نهاية ولا مدد ولا غاية. وشاهد هذا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[سورة لقمان، الآية: ٢٧] الآية، وهذا لأنّ العبد لا يكون ذاكرا من وجوه القدرة والحكمة كلّها إلّا ما علم منها والله تعالى ذاكر لها كلّها، ويكون هذا كما يقال فلان أعلم بالله من فلان، ويراد أنه قد عرف أنّ الدّنيا محدثة من وجوه عدة، وأنّ الآخر لا يعرف ذلك إلا من وجه واحد، وقد ظهر بما بيّناه الفصل بين ما يسأل عنه في الموضعين جميعا.
فصل في تبيين المحكم والمتشابه
من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
والحكمة في إنزاله مقسما بين الوجهين المذكورين والكلام في المعارف والمعجز.
اعلم أنّ الله تعالى لمّا ابتلى العقلاء بتكاليف الدّين بعد إزاحة العلل وتسهيل السّبل وبعث الرّسل رتّب في مراسمه مراتب، وجعل لكلّ مرتبة قدرا من الجزاء والمثوبة ترغيبا في الاستكثار من طاعته، وحضّا على التّنافس في أشرف المنازل لديه ومن أجل تلك المراسم ما ندب إليه من تدبّر كتابه الحكيم الجامع للأوامر والنّواهي وأصول الحلال والحرام، والمندوب إليه والمباح، وقصص الأمم السّالفة، وأخبار الأنبياء معهم، والمواعظ والأمثال، والحكم والآيات والنّذر والمثلات، والعبر والامتنان بأنواع النّعم، والإخبار بالشيء، قبل كونه والتّنبيه على مغيبات الأمور وسرائر القلوب من دونه، هذا وقد أنزله علما لنبيّه يتحدى زمان الفصاحة، وأوان التّبلغ بالبلاغة جعل بعضه جليا واضحا وبعضه خفيّا متشابها، ليعمل من تسمو نفسه إلى أعلى الدرجات فكره، فيمتاز في العاجل بما يستنبطه ويثيره من جليل العلم ودقيقه عن غيره ممن لم يسع سعيه، وإن جاهد في ربه ويجتاز في الأجل عند الله من الزّلفة وجزيل المثوبة ما يقرب من غايات الأنبياء وذوي العزم والنّصيحة فلولا حكمة الله فيما ذكرته لبطل التّفاضل فيما هو أشرف وتدانت الأقدار فيما هو أفخم.
ألا ترى أنّ الصّبر في أعمال القلب وأعمال الفكر وكد الرّوح لنتائج النّظر ليس كالصبّر في إتعاب الجوارح وإنصاب الأراب والمفاصل، لذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[سورة العنكبوت، الآية: ٦٩] فأما ما روي من أن لكل آية ظهرا وبطنا ومطلعا فالمعنى لكلّها لفظ ومعنى، ومأتى أي طريق يؤتى منه فيتبيّن علمه من ذلك الطّريق وقيل أيضا فيه: الظّهر للإخبار عن مخالفة الأمم وهلاكها والبطن يكون تحذيرا أي لا تفعلوا فعلهم فتهلكوا هلاكهم.
стр. 81
وحكى عن النّظام أنه قال القرآن كلّه أو بعضه جاء على كلام العامّة في أمثالهم إياك أعني فاسمعي يا جارة. وقد ظهر وجه الحكمة بما بينّاه في تنزيله بعض الكتاب محكما وبعضه متشابها فأمّا التّنبيه على كلّ نوع منهما فإنّا نقول وبالله التّوفيق:
اعلم أنّ المحكم من الآي هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فيوافق ظاهره باطنه إذا تأوّل كأنّه أحكم أمره ومنع متدبّره من تسليط الشّبهة عليه كما منع هو في نفسه من أن يتورده الاحتمال، وأصل الأحكام المنع. ومنه حكمة الدابة فإن قيل: إنّ الله تعالى قد وصف آيات القرآن كلّها بمثل هذه الصفة لأنه قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
[سورة هود، الآية: ١] وإذا كان كذلك فالمتشابه محكم أيضا ويؤدّي ظاهر الآيتين إلى تناقض قلت: إنّ قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ
معناه أتقنت وأتي بها على حدّ من الوثاقة في النّظم والإصابة في المواضع لا يتخلّلها اختلال، وهذا كما يقال للبناء الوثيق محكم. وقد قال الله تعالى في موضع آخر: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
[سورة يونس، الآية: ١] فجعل الكتاب حكيما بما تضمّنه من الحكمة وإذا وضح ذلك فقد سلم ما قلناه ولم يحصل بحمد الله تناقض، ويشهد لما تأوّلنا عليه المحكم أنّه جعل في مقابلة المتشابه.
وجوّز بعض المتأوّلين أن يكون معنى أحكمت آياته أجملت من حيث جاء بعده، ثم فصّلت إذ كان الإجمال والتّفصيل يتعاقبان، وهذا الذي قاله لا يعرف في اللغة، والمتشابه هو الذي دخل في شبه غيره فيعتوره تأويلات أو أكثر، ومن شرطه أن يرد إلى المحكم فيقضي به عليه، لهذا قال تعالى في صفة ثمر الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[سورة البقرة، الآية: ٢٥] فقيل المعنى يشبه بعضه بعضا في الجودة والحسن. وقال المفسرون: يشبه بعضه بعضا في الصّورة ومختلف الطعوم وقد وصف تعالى الكتاب كلّه بالمتشابه كما وصفه بالحكيم، وكما وصف آية بالإحكام فقال: كتابا متشابها والمعنى يصدّق بعضه بعضا فلا يختلف ولا يتناقض. وقل عليّ لابن عباس حين وجّه به إلى الشّراة «١» قبل القتال لا تناظروهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، ولكن ناظروهم بالسّنة فإنّهم لا يكذبون عليها فقوله:
حمّال أي: يحمل عليه كل تأويل، وهذا يترجم عن معنى المتشابه ومثال المحكم نحو قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[سورة النحل، الآية: ١٤٥] وكقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[سورة النحل، الآية: ٩٠] .
فأمّا وجوه المتشابه فمختلفة، (منها) اتّفاق اللّفظين مع تنافي المعنيين في ظاهر آيتين كقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
[سورة فاطر، الآية: ٣] فهذا محكم لفظه استفهام
стр. 82
ومعناه نفي، والمراد لا منشئ إلا الله. ثم قال تعالى في موضع آخر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[سورة المؤمنون، الآية: ١٤] فقلنا الخلق في كلامهم يكون الإنشاء ويكون التّقدير يقال: خلقت الأديم إذا قدّرته قال: ولأنت تعزي ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يعزى، والآية النّافية تقضي على المثبتة بأنّ الخلق يكون فيه التّقدير لا غير لأنّ الذي يخلص لله تعالى من معنى الخلق فلا يشارك فيه هو الإنشاء ومثله قوله تعالى: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[سورة محمد، الآية: ١١] مع قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ
[سورة يونس، الآية: ٣٠] لأنّ المولى في اللغة يقع على السيّد والعبد والمعتق والولي والنّاصر وابن العم، فمعنى لا مولى لهم: لا ناصر، ولا ولي ومعنى مولاهم الحق الإله والسّيد الذي لا شك فيه يوم يكون الحكم والأمر له وهذا بيّن. (ومنها) : التّنافي بين المعنيين في ظاهر آيتين وإن لم يكن عن اتفاق لفظين مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
[سورة الزلزلة، الآية: ٦] مع قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
[سورة الكهف، الآية: ٩٩] وهاتان حالتان إحداهما حالة الورود وهي عند البعث والنّشور، والأخرى حالة الصّدور والانسياق إلى المعد من الثّواب والعقاب، وهذا معنى ليروا أعمالهم فالمحكمة التي يرد إليها يصدر الناس أشتاتا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٤] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٥- ١٦] وهذا واضح ومثله قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
[سورة النمل، الآية: ٨٣] أي يدفعون ويستعجلون مع قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[سورة مريم، الآية: ٩٥] ومعنى فردا لا عدد معه ولا عضد ولا عدّة ولا ذخيرة والمحكمة التي ترد إليه هذه قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً
[سورة مريم، الآية: ٨٠] وإذا كان كذلك انتفى التّشابه.
ومنها استغلاق الآية في نفسها وبعدها باشتباهها عن وضوح المراد منها ومن جعل وجه التّشابه هذا وما يجري مجراه استدل بقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[سورة آل عمران، الآية: ٧] وجعل وجه الأحكام ظهور المعنى وتساوي السّامعين في إدراك فهمه ولذلك مثل كثير من أهل العلم المحكمات بالآي الثّلاث التي في آخر الأنعام وهي قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: ١٥١] إلى ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[سورة الأنعام، الآية: ١٥٣] ، والمتشابهات بقوله تعالى: الم*
، والر*
، وكهيعص
، وطه
وما أشبهها. ومنها ألا يعلم السّبب الذي نزلت الآية فيه على كنهه وحقه لاختلاف قديم يحصل فيه بين الرّواة، وادّعاء بعضهم النّسخ فيه ولغرابة القصّة وقلّة البلوى بمثلها والصّواب عندي في مثل هذا أن يؤثر ما يكون لفظة الكتاب أشهد له وأدعى إليه،
стр. 83
ومثاله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ
[سورة المائدة، الآية: ١٠٦] إلى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا
[سورة التغابن، الآية: ١٦] .
ومنها أن يروى في تفسير الآية عن طرق كثيرة وعن رجال ثقات عند نقّاد الآثار ورواتها، أخبار يختلف في أنفسها ولا يتّفق ولا يستجاز مخبرها أو يستبعد، ثم تجد إذا عرضتها على ظاهر الكتاب لا تلائمه من أكثر جوانبها ولا توافقه وذلك مثل قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٩] إلى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٩٠] ومثل قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٢] إلى أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٧٣] والوجه في الآيتين وأشباههما عندي أن يراعى لفظ الكتاب بعد الإيمان به ويبدل المجهود في انتزاع ما يتفق فيه أكثر الرّواة من جهة الأخبار المروية وما هو أشبه بالقصة، وأقرب في الندين، ثم يفسر تفسيرا قصد لا يخرج فيه عن قصة الرّواية واللفظ ولا يترك الاستسلام بينهما للجواز والانقياد للاستبشار لما عرف من مصالحنا فيما يمنعنا علمه أو يقنعنا عليه ألا ترى قوله تعالى فيما استأثر بعلمه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: ٨٥] وقوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[سورة الأعراف، الآية: ٨] بعد قوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
[سورة المدثر، الآية: ٢٩] عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[سورة المدثر، الآية: ٣٠] ومثل هذا الاستبشار ما فعل الله من الصّرفة بيعقوب وبنيه حين انطوى عليهم خبر يوسف وكان بينه وبينهم من المسافة ما كان بينهم. ويشبهه الصّرفة التي ذكرناها ما يفعل الله من سلب الانبساط من الكفّار فيكون ذلك سببا للتسلّي فيما يبتلون به من العقاب وذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
[سورة الزخرف، الآية: ٣٩] .
ومنها الالتباس حال التاريخ أو ما يجري مجراه في آيتين تتعارضان أو آية وخبر فتختلف في النّاسخة منهما والقاضية على الأخرى وذلك كما روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: ٤٩] وهو أمر بالحكم فنسخت ما قبلها وهو: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
[سورة المائدة، الآية: ٤٢] وهو تخيّر. وروي السدّي عن عكرمة في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[سورة المائدة، الآية: ٤٢] قال نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: ٤٩] وهذا قول أهل العراق ويرون النّظر في أحكامهم إذا اختصموا إلى قضاة المسلمين والأئمة، ولما روي من رجم النبيّ ﷺ اليهودية واليهود، وأمّا أهل الحجاز فلا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون
стр. 84
إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو من أعظم الحدود التي يأبون ويتأولون في رجم النبي ﷺ اليهوديين على أنّ ذلك كان قبل أن يؤخذ منهم الجزية والمقارة على شركهم وفي هذا القدر بلاغ للمتأمّل.
فأمّا الكلام في المعرفة بالله تعالى ووجوبها وبيان فساد قول القائلين بالإلهام فإنا نذكر طرفا منه ونقول: اختلف النّاس في ذلك فزعم قوم أنّ المعرفة لا يجب على العاقل القادر وأنّها تحدث بإلهام الله تعالى وكل من لم يلهمه الله المعرفة به فلا حجة عليه ولا يجب عليه وقالوا: إنّ الذين قتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا كفارا وإنّما قتلوا على سبيل المحنة، كما يقتل التّائب والطّفل ولا يجب عليهم عقاب لأنّ الله تعالى لا يجوز أن يغضب وعلى من لم يرد إغضابه.
وقال الجاحظ: إنّ المعرفة غير واجبة ولكنّها تحدث بالطبع عند النّظر، وقال: إنّ الذين قتلهم رسول الله ﷺ كانوا عارفين بالله معاندين واحتج بقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[سورة النمل، الآية: ١٤] وقال لا يأخذ الله الإنسان بما لم يعلم ولا بما أخطأ فيه ألا تراه يقول تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[سورة البقرة، الآية: ٢٢٥] واستدلّوا على صحة مذهبهم بأن قالوا إن الاعتقاد لا يعلم أنه حسن أو قبيح حتى يعلم أنّه علم أو ليس بعلم فإذا علم أنّه علم فقد علم المعلوم لأنّ العلم بالعلم علما هو علم بالمعلوم فإذا علم المعلوم فقد استغنى عن اكتساب العلم به وإن كان لا يعلم أنه علم فإذا لا يجب على هذا الإنسان فعل ما لا يأمن أن يكون قبحا.
وقال أكثر أهل العلم إن المعرفة واجبة وهي من فعل الإنسان وإنّ أول المعرفة يقع متولدا عن النظر ولا يجوز أن يقع مباشرا ثم ما بعد ذلك لا يجوز أن يقع مباشرا وأنّ كلّ من أكمل الله عقله وعرّفه حسن الحسن وقبح القبيح فلا بدّ من أن يوجب عليه المعرفة به، وأن يكلفه فعل الحسن وترك القبيح وبعضهم يضيف إلى هذه الجملة وقد جعل شهوته فيما قبحه في عقله ونفور نفسه عما حسنه في عقله.
ويستدل على وجوب معرفة الله فإنه لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله لحسنها وقبّح الذّهاب عنها أو لم يكلّفنا وتركنا مهملين، فإن كان قد كلّفنا فهو الذي يزيد، وإن كان تركنا سدى فإنّ الإهمال لا يجوز عليه. ويقال أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم، ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن نعرف المنعم لنشكره.
واعلم أنّ المعجز هو ما لا يقدر عليه في صفته أو في جنسه، فأمّا لا يقدر عليه في جنسه فهو مثل إحياء الموتى وأمّا ما لا يقدر عليه في صفته فهو فلق البحر. لأنّا نقدر على تفريق
стр. 85
الأجسام المؤتلفة، ولكن على تلك الصّفة وتلك الحالة لا نقدر عليه، فأمّا الخبر عن الغيوب فليس بمعجز ولا وقوع المخبر على ما أخبر به معجز إذ يجوز على الخبر عن الغيب أن يكون صدقا أو كذبا وإذ قد ثبت أن يخبر الإنسان عن الشيء أنه يكون فيكون وليس يعلم في حال الخبر أنّ المخبر به يقع على ما أخبر به عنه ولا يعلم أنه معجز وإنّما العلم بأنّ الشيء يكون قبل أن يكون يعجز بلى من سمع النبي ﷺ يذكر أنه سيكون كذا وكذا ويخبر عن الغيب ثم يبقى إلى الحالة يكون فيها ما ذكره فحينئذ يكون ذلك دلالة وحجة عليه، فأمّا من لم يبق إلى تلك الحالة فهو ليس تقوم عليه الحجّة في وقت الإخبار ولا يصح الاستدلال بذلك بل يجب أن يدلّه الله بدليل آخر.
فإن قال قائل: كيف يصحّ أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشيّاطين ولا يخلو من أن يكون الذي يرمى به الشّيطان ليحرقه كوكب فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب وقد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشّعاع من الكواكب ويتّصل بالجنّي حتى يحرقه، إذ لو لم يتّصل به لم يحترق وهذا أيضا لا يجوز لأنّ الكواكب لا تحتك. قيل له: إنّ كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها كما قال قوم في المجرة إنها كلّها كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشّعاع ويحترق الجنّي، وكلّ ذلك ليس بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.
وأما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا لو انشقّ حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن نختلف التّقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة، فلو انشقّ القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير، فأمّا قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[سورة القمر، الآية: ١] فإنّما معناه سينشقّ ونحن نثبته ونقول:
يكون ذلك دليلا خصّ به عبد الله بن مسعود ﵁ وأنّ سائر النّاس لم يرده لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها ويجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله وعلى ما نطق به القرآن من ذكره.
فصل الاستدلال بالشّاهد على الغائب
لأنّه الأصل في معرفة التّوحيد، وحدوث الأجسام وصدق الرّسل. قال الله تعالى:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[سورة البقرة، الآية: ١- ٣] قيل معناه يؤمنون بما غاب عنهم من أمر الآخرة وقيل: يؤمنون بما غاب من
стр. 86
البعث والنّشور، وأخبرهم به النبي. وقيل: المراد يؤمنون بالله ورسوله وما أنزل إليه، يظهر الغيب لا كالمنافقين الذين يقولون للمؤمنين إنا معكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنّا معكم، إنّما نحن مستهزءون، ومثله قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
[سورة يوسف، الآية: ٥٢] وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ*
[سورة الأنبياء، الآية: ٤٩] .
واعلم أن من لا يفعل ذلك لم يجز له أن يعرف شيئا إلا من جهة المشاهدة أو ببداهة العقل، أو بخبر ممن شاهده ولو كان كذلك لسقط الاستدلال والنظر، ولما جاز أن يعرف الله ولا حدوث الأجسام، ولا صدق الرّسل فيما أتت به من عند الله، لأنه يجوز أن يعرف الله بالمشاهدة ولا ببداهة العقل لأنّه لا يشاهد، ولأنه لو عرف ببداهة العقل لاستوى العقلاء في معرفته، فوجب بهذا أن لا يعرف الله إلّا بدلالة المشاهدة، وكذلك حدوث الأجسام، ولسنا نريد باستشهاد الشاهد أن يستدلّ به على ما لم نشاهده إلا بأن نشاهد نظيره، ومثله ألا ترى أنّا لو شاهدنا في هذا البلد إنسانا لم نعرف بذلك أن في غير هذا البلد إنسانا آخر من غير أن نشاهده، ولكن هو أنا إذا وجدنا الجسم في الشّاهد إنّما كان متحركا لوجود حركته، ثم وجدنا حركته لا توجد إلا فيه، ومتى بطلت حركته لم يكن متحركا دلنا ذلك على أن كلّ جسم متحرّك فيما لم نشاهده لم يكن متحركا إلا لوجود حركته، ولا توجد حركته إلا فيه، ومتى بطلت حركته لم يكن متحركا؛ لأنّه لو جاز أن يكون متحركا في الغائب مع عدم حركته لجاز في الشاهد مثله، وكذلك إذا وجد الجسم في الشاهد إنّما كان جسما لأنّه طويل عريض عميق ومتى عدم طوله أو عرضه أو عمقه لم يكن جسما لزمه أن يعلم بدلالة الشّاهد أنّ الجسم الغائب إنمّا كان جسما لمثل ذلك.
وكذلك إذا وجد الجسم في الشّاهد لا يكون في مكانين في وقت واحد لأن وجوده في أحد المكانين ينافي وجوده في المكان الآخر كان علينا أن نجري القضية في الغائب على حده. وكذلك القول في امتناع اجتماع الضّدين، والحركة والسّكون والسّواد والبياض، والاجتماع والافتراق بحسب أن يراعى حالها في الشّاهد فيحمل الغائب عليها وإذا كان الأمر كذلك وجب أيضا أن يكون إذا وجدنا الفعل في الشّاهد لا يوجد إلّا من فاعل، ولا يحصل موجود إلا بفعله له، ثم وجدنا فعلا لم نشاهد له فاعلا أن نعلم بدلالة الشّاهد أنّ له فاعلا وإن كنّا لم نشاهده، ولا يجب إذا لم نجد إلا أجناسا من الأشياء أن لا يثبت في الغائب خلافا لما شاهدنا، لأنّ الأعمى الذي لم يشاهد الألوان قط لا يجوز له أن يثبت شيئا إلّا من جنس ما شاهده بسائر جوارحه، إذ قد ثبت الألوان التي هي خلاف جميع ما شاهده، وإن كان هو لم يشاهد وكذلك الحياة والقدرة والعلم لا يشاهد ولا شوهد نظائرها ولا يجب مع ذلك أن لا نثبتها مع وضوح الأدلّة عليها فلم يجب علينا لمن أراد منّا نفي القديم إذ كنا لم
стр. 87
نشاهد له مثلا ولا نظيرا أن ننفيه من أجل ذلك إذ كان يجوز أن نثبت بالأدلّة ما لا نظير له كما مثلّناه.
وإنّما يجب تكذيب من وصف الغائب لصفة الشّاهد ثم أزال عنه المعنى الذي استحقّ الشّاهد به تلك الصفة، فأمّا متى أثبت في الغائب شيئا مثبتا من غير أن يكون بصفة المشاهد الذي وجبت له هذه الصّفة لعلّة، وقال مع ذلك: إنه غير مثبت لما شوهد لم يجز أن نبطل قوله بما شاهدنا، إذ كان يجوز أن يكون ما ادّعاه خلافا لما شاهدناه، كما لم يكن للأعمى إنكار الألوان إذا أخبرناه بها من حيث كانت مخالفة لما شاهده بسائر جوارحه، ولم يكن لأحد أن ينكر الحياة والقدرة لأنهما خلاف ما شاهده، ولكن يجب أن يطالب بالدّلالة على صحّة الدّعوى، فإذا ثبتت ثبت مدلولهما، وإلا سقطت الدعوى، وهذا أصل القول في استشهاد الشّاهد على الغائب فاعلمه.
فصل في أسماء الله وصفاته وأحكامه (وبيان الأصوات كيف تكون حروفا، والحروف كيف تصير كلاما)
اعلم أنّ الأصوات جنس من الأعراض تحته أنواع تعلم، فإذا توالى حدوثها منقطعة بمخارج الفم وما يجري مجراها سمّيت حروفا، لذلك قيل: الكلام (مهمل) و (مستعمل) .
(فالمستعمل) ما تناولته المواضعة أو ما يجري مجراها من توقيف حكيم، فجعل عبارة عن الأعيان أنفسها وعنها بأحوالها. (والمهمل) ما خالف ذلك، وإنما قلنا هذا لأنّ جنس الصّوت لا يقتضي كونه حرفا ولا كلاما متى لم تطرأ المواضعة عليها، وما جرى مجراها، والمواضعة لا تصح إلا مع القصد إليها لذلك قيل: ما ينقسم إليه الكلام من الخبر والأمر والنّهي والاستخبار لا يكاد يحصل مفيد إلا بإرادة غير القصد إلى المواضعة، لهذا متى ورد الكلام من سفيه لم يفد السّامع شيئا، كما يفيده إذا ورد من الحكيم على المخاطب العارف بالمواضعات لمّا تعذرت معرفة قصده وصار الصّدق والكذب يستوي حالاتهما وتقام صور أنواع الكلام بعضها مقام الآخر حتى يوجب ذلك التّوقف عن قبول الأخبار وترك القطع على ما يسمع منها إلا مع البينة.
واعلم أن الحاجة إلى المواضعة بالأصوات هي البيان عن المراد لما كان الكلام المستعمل تنبها عليه، فلذلك يستغني الحكيم فيما عرف مراده عن الخطاب إلا عند كونه لطفا في فعل المراد ومتى أمكنه بالإشارة والإيماء بيان غرضه عدل عن الخطاب إلا أن يكون لطفا كما ذكرناه. ولما كان الأمر على ذلك اختلفت العبارات لاختلاف المراد واحتيج إلى التبين بعد ذلك، إذ كان الكلام بنفسه لا يدل على ما وضع له ولا بالمواضعة أو التوقيف.
стр. 88
فإن قيل: فما الفرق بين (المهمل) و (المستعمل) ؟ حينئذ قلت: الفرق بينهما أنّ الحكيم متى تكلّم بكلام مستعمل صحّ أن يعرف السّامع لكلامه مراده بما يقارنه من الدليل غير الكلام، ومتى تكلم بكلام مهمل لم يجز أن يعلم مراده وإن قارنه ما قارنه وكان وجوده وعدمه بمنزلة، ولو كان الكلام دليلا يجوز الاستطراق منه إلى ما وضع له قبلها، لأن الدلالة لا تحتاج في كونها دلالة يجوز الاستطراق منها إلى مدلولها إلى المواضعة وإنما يحتاج في تسميتها دلالة إلى المواضعة لأنهم يسمونها دلالة إذا أراد فاعلها عند فعلها الاستطراق منها إليه ولذلك لا يجوز أن يسمّى فعل اللص دلالة عليه، وكذلك فعل البهيمة، وإن جاز الاستطراق منها إليه، ولهذا جاز أن يعرف الله بدلائله من لا يعرف شيئا من المواضعات.
واعلم أنّ الكلام لمّا وضع للإبانة عن مراد المخاطب للمخاطب، لأنّ الغرض فيه إعلامه حدوث الشيء إذ إعلامه أنّه يريد منه إحداثه أو إعلامه أنه يكره منه إحداثه، والحدوث لا يكون إلا للذّوات ولم يكن بدّ من إعلامه العبارات عن ذوات الأشياء ليجوز منه أن يفرق الحدوث بها على وجه المراد انقسم الكلام أربعة أقسام:
الأول: عبارة عن الأعيان أنفسها وهي الأسماء.
الثّاني: عبارة عن حدوث الشيء وهو الخبر عنه.
الثالث: عبارة عن إرادة إحداثه وهي الأمر به.
الرّابع: عبارة عن كراهية إحداثه وهي النّهي عنه.
والأسماء على ضربين:
الضّرب الأول: اسم وضع لتعريف المسمّى به وليكون علما له دون غيره فيقوم مقام الإشارة إليه عند غيبته، أو لاشتمالها عليه، ويسمّى هذا الضّرب لقبا ولا يفيد في المسمّى به شيئا ولذلك لا يدخله الحقيقة والمجاز إذ كان لا يتعلّق بفعله ولا بحاله ولا بشيء، مما يحلّه أو يحلّ بعضه، ولا يوجب الاشتراك فيها اشتراكا في غيرها كما لا يوجب الاشتراك في غيرها اشتراكا فيها وقال بعضهم هذا القبيل ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وضع تعريفا لآحاد الأشخاص كزيد وعمرو.
القسم الثاني: وضع تعريفا لآحاد أجمل الأشخاص وليقوم مقام تعداد ذكر جميعها كقولك: إنسان وأسد وحمار وطائر، ولذلك لا يتعلق بشيء من أوصافها ولا بما يحلّها، ويوجب الاشتراك فيها اشتراكا في الصورة دون غيرها وتسمية أهل اللّغة الجسم جسما من هذا لأنه وجب له هيئته وتركيبه ولذلك لم يجز إجراءه على الله تعالى.
стр. 89
القسم الثالث: وضع تعريفا لآحاد جمل الأجناس المختلفة المشتركة في باب التّعلق بغيرها على وجه واحد، ليقوم مقام ذكر جميع الأجناس الدّاخلة تحتها، وهذا كاللّون والكون والاعتقاد والسّهو وما يجرى مجراها، وهذا النّوع يسمّى جنس الفعل ويلزم الاشتراك فيها اشتراكا في نوعيتها.
الضرب الثّاني: على وجهين:
الوجه الأول: اسم على المسمّى به تعريفا لجنسه وللتميز بينه وبين ما خالفه وإن شاركه في التّسمية غيره من طريق القياس لاشتراكهما في الفائدة، ورسم بأنه اسم جنس لمّا كانت المسمّيات به أعدادا كثيرة مماثلة وهذا كالسّواد والبياض والحمرة والخضرة والحلاوة وما جرى مجراها، يوجب مماثلة الموصوفين بها فلذلك استحال اشتراك المختلفين بالذّوات في اشتقاق الوصف بها.
النوع الثاني: اسم جرى على المسمّى ليفيد فيه ما يفارق به غيره مما لم يشاركه فيه من غير أن يكون افتراقهم في الوصف موجبا لمخالفتهم كما لم يوجب اشتراكهم في ذلك مما يليهم في اللفظ بل في المعنى أوجب ذلك لكونه جواهر ورسم بأنه صفة، وإذا قصد به الإكرام في التعلق قيل: إنّها مدح كما إذا قصد بها الاستخفاف قيل إنها ذم، إذ كانت لا تخلو من الحسن أو القبح وهي على وجوه:
الوجه الأول: صفة تفيد في الموصوف معنى حالا فيه وذلك كقولك: متحرّك وساكن، وأسود وأبيض، وحلو وحامض، ورسمت هذه الصّفات بصفات المعاني لأنها علل في إجراء الوصف على محالها من طريق الاشتقاق، فلذلك أخذ الاسم من لفظها، والاشتراك في هذه الصفة يوجب الاشتراك فيما أفادته، ويقتضي مماثلة الموصوفين في المعنى لكونها جوهرا.
الوجه الثاني: صفة تفيد كون الموصوف فاعلا لمقدوره والاسم يجري عليه مشتقا من لفظ اسم فعله، وهذا كقولك: ضارب وشاتم ومتكلم، ورسمت هذه الصّفات لصفات الفعل ولا يوجب الاشتراك في هذه الصّفة تماثل الموصوفين لا بالمعنى ولا باللّفظ كما أوجب في الأولى.
الوجه الثالث: صفة تفيد الإضافة والنّسبة وذلك كقولك: هاشميّ وبصريّ ودار زيد، وغلام عمرو، فباتّصال الياء المشدّدة بالاسم صار صفة بعد أن كان علما أو غير صفة.
الوجه الرّابع: صفة تفيد وجود الموصوف بها يجري عليه هذه الصفة ويرجع إلى غيره وهذا كوصف الاعتقاد بأنه علم أو جهل، أو تقليد أو ظن. ووصف العلم بأنه غم أو سرور.
стр. 90
ووصف السّهو بأنه نسيان، وكوصف الكون بأنه حركة أو سكون، أو مجاورة أو مفارقة، وكوصف الحروف بأنّها كلام والكلام بأنه خبر أو أمر أو نهي. ووصف الإرادة بأنّها عزم أو قصد أو خلق وكذلك جميع ما يجري. والاشتراك في هذه الصّفات يوجب اشتراك الموصوفين بها فيما أفادته دون غيرها مما يجري مجرى تماثل ذواتها واختلافها.
الوجه الخامس: صفة تفيد كون الموصوف بها على حال من الأحوال وهذا كوصف الشّيء بأنه معدوم أو موجود، أو حي، أو قادر أو عاجز أو معتقد، أو عالم أو جاهل، أو ساه أو مريد، أو كاره أو سميع أو بصير. وعلى الأحوال التي إذا كان عليها إدراك المدركات يسمّى به الشّيء لتهيأ ذكره والإخبار عنه وهو قولهم شيء ونفس وعين وذات. وكذلك الأسماء المضمرة والمبهمة نحو هو وأنت، وذلك وهذا والهاء في ضربته والياء في ضربني.
وفرّقوا في بعضها بين المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع. وهذه الصّفات والأسماء التي نوّعناها وأشرنا إليها مقتسمة بين الحقيقة والمجاز، وسنبيّن كيفية وضعها واستمرارها أو انقطاعها في البابين إن شاء الله تعالى.
فصل آخر [في أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط]
اعلم أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط وذلك أنه إن كان الله تعالى واضعها على ما يذهب إليه أكثر العلماء، وعلى ما أخبر به عند قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[سورة البقرة، الآية: ٣١] فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكيم الذي بيّنها لعباده لا يجوز عليه الغلط وإن كان يجوز أن يكون قد ذهب عنهم بعض ما بينه لآدم ﵇ وأحدثوا أبدالا منه، أو زادوا عليه على حسب الدّواعي والحاجة، ولو كانوا فعلوا ذلك لما جاز أن يعلم أحد تغيّرهم لذلك إلا بخبر من الله ينزله على نبي من أنبيائه لأن اللّغات لا تعرف إلا من جهة السّمع ولا تعرف بدلالة العقل، ولو كانوا غيّروها بأسرها لما أنزل الله القرآن بها على لسان محمد ﷺ ، وإن كان ابتداء اللّغة من كلام العباد وتواضعهم على ما يقوله بعضهم فلا يجوز أن يقع فيها أيضا غلط لأنّهم إنما سمّوا الأشياء بأسماء جعلوها علامات لها لتعرف بها وليكون التّباين والتّمايز منها، وإذا كان أصل كلامهم ولغتهم جروا فيه على ما بيّنا فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكمة تلحقه ولا تفارقه في الحالتين جميعا، وإذا ثبت ما بيّناه من أمر اللغة ووجدنا انقسامها إلى الحقيقة والمجاز والحقيقة ما وضع من الأسماء للمسميّات على طريق اللّزوم لها، والاطراد فيها لأنّها يحق لها عند التعبير عنها وأمثلتها ما قدّمناه، والمجاز ما أجري على الشّيء وليس له في أصل الوضع، تجوزا على طريق الاستعارة، وتفاصحا منهم وافتنانا ويكون قاصرا عن الأصل وزائدا عليه ومماثلا له، وكيف اتّفق يكون
стр. 91
مستفاده أبلغ من مستفاد الحقيقة ولذلك عدل إليه نظرنا فوجدنا طريق استحقاق الموصوفين من وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: طريق الاختصاص والاستبداد وهو المرسوم لصفات النّفس ليفيد في الموصوف أنه مستبد بها، ومستغن بكونه عليها عن غيره وأنه مختص بها من غير أن يجعل نفسه كالعلّة الموجبة للعلل، ولا قائمة مقامها وهذا كوصف المحدث بأنه موجود وحي وقادر وعالم وسميع وبصير وما جرى مجراها، ولذلك رسمت بصفات التّوحيد لمّا توحّد الله بطريق استحقاقها فلم يشاركه فيها غيره مع جواز وصفهم بها لاستحقاقهم لها من غير هذا الوجه.
الوجه الثاني: طريق المعاني الموجبة لها وهو المرسوم بصفات العلل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بالعلّة الموجبة له عند تعلّقها به دون غيره وهذا كوصف المحدث بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير ووصف كل موصوف بأنه مريد وكاره، وكقولهم مشته ونافر النّفس وما شاكل ذلك.
الوجه الثالث: من طريق القادرين وهو المرسوم بصفات الفعل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بكون القادر قادرا عند فعله وإيجاده إيّاه دون غيره، وهذا كوصف المحدث بأنه موجود لما كان معدوما ومقدور القادر عليه وليس في الأحوال ما يتعلق بالقادر غير المعدوم الموجود.
الوجه الرّابع: من طريق استحالة ضدّها على الموصوف بها ورسمت بالصّفات اللّازمة ليفيد في الموصوف بها أنه مستحق لها على طريق اللّزوم له من غير أن يكون محتاجا في ذلك إلى غير ما يوجبها له، كالعلّة وما يجري مجراها ومن غير أن يكون مختصا به كصفات النّفس وهذا كوصف الشّيء بأنّه معدوم، ومعنى المعدوم أنه لا يجوز أن يحصل له من أحكامه التي تخصه وصفاته الجائزة عليه شيء، كما أنّ الموجود هو الذي يكون على حاله يلزمه جميع أحكامه به والموجبة له، فلذلك قلنا إنّه لا يكون معدوما بفاعل ولا بمعنى ولا بنفسه لمّا لم يكن له واسطة بين الوجود والعدم، فلذلك لزمه العدم عند استحالة الوجود عليه، فأمّا الأوصاف التي تتعلق بالأعيان ممّا لا يكون عبارة عن أحوالها بل هي إخبار عنها وعن غيرها لاختصاصها بها في باب الحلول أو التّعلق أو ما يجري مجراهما فليس لها علة ولا ما يجري مجراها ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك بالفاعل.
واعلم أنّ أعمّ الأشياء قولنا شيء لأنّه يتعلّق بالمسمّى لكونه معلوما فقط ومستحيل أن يكون ذات غير معلومة أو ذات على حال غير معلومة عليها أو غير جائز أن يكونا معلومين، فإن كان العلم لا يحصل بالحال التي عليها لأن العلم بالذّات هو الّذي منه يصل إلى العلم
стр. 92
بالحال، ولذلك كان الذّات لا يخلو من الوجود والعدم معا إذ لو لم يكن الذّات معلومة في العدم للقديم تعالى لم يصح منه القصد إلى اختراعها وإيجادها وليس قولنا شيء مثل قولنا موجود، بدلالة أنّك تقول هذا شيء زيد، فتضيفه ويمتنع أن يقال: هذا موجود زيد، وكان يجوز أن يحدّ القديم بأنه الشيء لم يزل والمحدث بأنّه الشيء عن أول كما يقال هو الموجود لم يزل والموجود عن أوّل، وإذا كان قولنا معلوم غير متعلق بفائدة فيه وإنمّا تتعلّق فائدته بغيره فالواجب أن لا يكون قولنا شيء مفيدا من هذا الوجه.
ويمكن أن يقال: إنه يفيد الذّات فكلّ ذات يسمّى شيئا وكلّ شيء يسمّى بذات، ويمكن أن يقال أيضا إنه يفيد المعلوم، فصلا بينه وبين ما يسمّى محالا كاجتماع الضّدين لأنّ مثل ذلك لا يصحّ علمه، قال وليس يخرج الذّات من أن يكون على حال مع كونه عليها يجوز أن يستحقّ غيرها ولا يجوز، فإن كان يجوز عبّر عنها بأنها موجودة، وإن كان لا يجوز عبّر عنها بأنها معدومة، فلذلك يسمّى المعدوم بالشّيء كما يسمّى الموجود به لما كانا معلومين في الحالين جميعا لذلك قلنا: المراد بقولنا موجود إفادة حال من أحواله أيضا وحالة له أخرى وهي العدم. وفائدة قولنا معلوم أنّ عالما علمه لذلك جاز أن يقال معلوم زيد للشّيء الذي هو مجهول عمرو، والحال واحدة ويستحيل أن يقال للشيء إنه موجود زيد أو معدوم عمرو على الأحوال كلها.
واعلم أنّ الله تعالى لما أوجب في حكمته عند تكليف المكلّفين مداواة دائهم بالرّحمة لهم والعطف عليهم والحلم عنهم، وطلب صلاحهم من حيث لا يدرون ويؤلفهم من جانب لا يشعرون رسم لهم في تعبّدهم الرّجوع إليه في مهماتهم وسوغ لهم دعاءه في رفع مأربهم فقال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٦] الآية ثم أنزل في محكم كتابه من أسمائه ما بصّرنا وهدانا ومن صفاته ما قوّى إيماننا وإرشادنا، لولا ذلك والتأسّي بالنّبي ﷺ في أفعاله وقبول أقواله التي بها إبطال الضّلال، وإذا كان كذلك فإنّ ما أثبتته التّلاوة يضاف إليه ما دوّنته الرّواية عن الصّحابة والتّابعين وما عدا ذلك مما لهج به ألسنة فصحاء الأمة والصّالحين من أهل اللغة.
فقد روي في التّفسير أنّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] أنه تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وجاء في الحديث أنّ: «اسم الله الأعظم الله» وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لله مائة اسم غير واحد من أحصاها دخل الجنة» فيجب أن ينظر فيه فيما سبكه التّحصيل، وكما ذكرنا وينقى من درن الغباوة ويتلقّى بالقبول فيما يجوز إطلاقه على القديم تعالى، والباقي يتوقّف فيه والوصف والصّفة
стр. 93
جميعا لا يكونان إلا كلاما وقولا فهو كالوعد والعدة. وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي يقول: أسماء الله تعالى كلّها صفات في الأصل إلّا قولنا الله والسّلام لأنّ السّلام مصدر، ولفظ الله بما أحدث من صفة ولزوم الألف واللّام له، يعدّ من الصفات فصار متبوعا لا تابعا كالألقاب يريد يتبعه الصفات ويقدم به، ومعناه الذي تحق له العبادة، فإذا قلنا لم يزل إلها الذي حقّت له العبادة من خلقه إذ أوجدهم. وقولنا إله نكرة ويجمع على الآلهة قال تعالى:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[سورة القصص، الآية: ٥] واشتقّ منه تألّه الرّجل إذا تنسّك، قال:
سبّحن واسترجعن من تألّه ... لله درّ الغانيات المبدره
وروي عن النبي ﷺ : «أن عيسى ﵇ قال له رجل: ما الله؟ قال: الله إله الآلهة» . وروي عن ابن عباس أنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وروي في قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٢٧] أنّ معناه وعبادتك، فالأصل إله حذفت الهمزة منه وجعل الألف واللّام عوضا منه لازما وأدغم في اللّام التي هي عين الفعل، فصار الاسم بالتّعويض والإدغام مختصا بالقديم حتى كأنّه ليس من الإله في شيء، قال سيبويه: ومثله أناس والنّاس يريد في حذف الهمزة لا في التّعويض بدلالة قوله:
إنّ المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
فجمع بين الألف واللّام والهمزة، ولو كان عوضا لما جاز الجمع بينهما، وقد قيل في قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٦٥] إنّ الاسم الذي لا سمّي له فيه هو قول القائل: الله بهذه البنية الصفية، وقولهم في صفات الفعل: يا غياث المستغيثين، ويا رجاء المرتجين، ويا دليل المتحيّرين، موضوع موضع الاسم وكلّ ذلك مجاز وتوسّع، وكذلك قولنا: قديم إنما وجب له هذا لتّقدمه لا إلى أول، فهو صفة لذاته وليس ثبت بهذا معنى يسمّى قدما. وقوله تعالى: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[سورة يس، الآية: ٣٩] وفي آخر:
هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
[سورة الأحقاف، الآية: ١١] يراد به تقدّم له وإن كان القصد إلى المبالغة.
فإن قيل: فهل يوجب إجراء لفظ القديم على الله تعالى وعلى الواحد منّا كما ذكرت تشبّها به؟ قلت: لا وذلك لأنّ الله تعالى قدم وتقدّم لنفسه والمحدث يقدم بأن الفاعل فعله في الأوقات المتقدّمة، وإذا كان كذلك فقد اختلف موجب الصّفتين فلم يجب منهما تشبيه، وعلى هذا قولنا: عالم في القديم والمحدث وقادر وسميع وبصير وحي وقدير وعزيز وملك ومالك ومليك، على أنّه لو ساعدت العبارة لكان تفرد ما يستحق للذات بعبارة تلزمه، ويخالف بها غيره وكانت الحيطة في ذلك، لكنهم استطالوا ذلك وكان يكتفي بعلم الذات من لا يعلم حالها المختصة بها، فاقتصدوا في العبارة كما اقتصدوا في الأخبار في بابي التذكير
стр. 94
والتأنيث، فأجروا ما لا يصح وصفه بالتّذكير الحقيقي ولا التأنيث الحقيقي مجرى غيره في العبارة.
وكذلك في الاخبار عن الله تعالى وإضمار أسمائه في الاتصال والانفصال إذ قلت هو وأنت وإياك ورأيته ورأيتك ومثل ذلك اقتصادهم في صفات ما غاب عنّا من أمور الآخرة وأهوال القيامة وطي السّماوات وتبديل الأرض غير الأرض إلى غير ذلك مما أخفيت حقائقه عنّا فاقتصروا في بيانها على عبارات لا تستوفيها، وعلى كنهها لا يؤديها، وهي ما نستعمله إذ عبّرنا عمّا نشاهده.
فأمّا الفصل بين السّامع والسّميع حتّى قيل: لم يزل الله سميعا وامتنع لم يزل الله سامعا فهو أنّ السّميع لا يقتضي مسموعا فيعدى إليه والسّامع لا بدّ له من مسموع، والمسموع لا يكون مسموعا حتى يكون موجودا وذلك يدافع قوله: لم يزل وهذا كما يقول: هو عالم وعليم في كل حال ثم تمنع من أن يقول: لم يزل الله عالما بأنه خلق زيدا إذ كان ذلك يوجب وجود زيد في الأزل، وعلى ما ذكر من الاقتصاد والاقتصار تركوا العبارة عن أشياء وإن أدركها الفهم لقلّة البلوى بها وذلك تركهم وضع في الصناعات المستجدّة ما أحدث من الأسماء ووضع في الشّرع أو نقل ما وضع ونقل.
وأما الأسماء المشتقة من الأعراض التي ليست مهيات كقولهم: فاعل ومحدث وعادل وجابر وصادق وكاذب ومريد وكاره فإنها لا توجب تشبها وذلك أن الإنسان قد يكون فاعلا لفعل لا يحلى به، والفعل لا يختلف به هيئته عند أحد ممن يدركه، (ألا ترى) أنّ هيئته لا تختلف لما يفعل في غيره من الحركات والتأليف والافتراق والعدل والجور ولا الإرادة والكراهة ولا الأمر والنّهي فلم يجب أن تكون تسميتنا بهذه الأسماء للمسمّى بها إذا استحقها تشبها له، لأن التّشبه في الشاهد لا يعقل إلا من وجهين اثنين، أحدهما: اشتباه بالهيئة كالأسود والأسود والطويل، أو يشبهان بأنفسهما وأن يكونا من جنس واحد نحو البياض والبياض، والتقدم والتقدم، والتأخّر والتأخّر، وما جرى هذا المجرى من الأجناس المتفقة بأنفسها، فلما كانت تسميتنا بالفاعل لا توجب جنسيته ولا هيئته لم يوجب تشبها وهذا كقولهم آمر وناه وقائل ومعلوم ومذكور، فأما رحيم ورحمن فهما من الرّحمة وبناءان للمبالغة وحقيقة الرحمة النعمة إذا صادفت الحاجة.
وذكر بعضهم أنّ الرّحمن هو الاسم الذي لاسم القديم سبحانه فيه وليس كذلك لأنهم قالوا لمسيلمة رحمن، وقالوا أيضا فيه رحمن اليمامة، وذكر بعضهم أنه لمّا سمعوا النبي ﷺ يذكر الرّحمن قالت قريش: أتدرون ما الرّحمن؟ هو الذي كان باليمامة، وإذا كان كذلك فما بقي إلا أن يكون لفظة الله هي التي لا سمّي فيها، فإن قيل: فقد نرى الفاعل هيئته يخالف
стр. 95
هيئة من ليس بفاعل والقائل منا له هيئته السّاكت، قيل له: لم تخالف هيئته هيئة السّاكت بالقول وإنما خالفت هيئاتهما بالسكون الذي في شفتي السّاكت وبالحركات التي في لسان المتحرك، لا بالكلام، فإذا كان الله يفعل الكلام والأمر والنهي من غير أن تحل فيه حركة صحّ أنه لا تكون تسميتنا إياه آمرا وناهيا أو متكلما تشبيها.
وعلى هذا قولنا: العالم والحي والقادر والسميع والبصير لأن شيئا من ذلك لا يوجب تجنيسا ولا تركيبا ولا هيئة، فإن قال: أليس العالم في الشاهد يحل العلم فيه أو في بعضه، وكذلك الحي فلم زعمتم أن الحيزين لا يشتبهان لحلول الحياة فيهما؟ قلت: إن الحياة ليست بهيئة لهما فيشتبهان بها عند حلولها فيهما، ولو كانا مشتبهين بسائر هيئاتهما، فإن قال: فيلزمكم أن لا يكون من وصف الله تعالى بأنه يحله العلم والحياة مشتبها بخلقه، قيل:
ليس هو بهذا القول مشبها، ولكن بتجويزه حلول الأعراض فيه يكون مشبها لأن ذلك يرجع إلى الهيئة.
واعلم أنّ الصفة قد تجري على الموصوف من وجهين في أحدهما: يجب له عن اختصاص واستبداد فيكون للذّات ويقترن بما لم يزل وفي الثاني: يقصر غايته فنقف دون موقف الأول، وذلك كقولنا: بصير ومبصر لأنهما للذات، إلّا أنّ مبصرا يتعدى إلى مبصر موجود، ولذلك لم يجز أن يقال لم يزل مبصرا، كما قيل: لم يزل بصيرا وعلى هذا قولك رأى يتصرف على وجهين.
فإن أريد أنه عالم قلت لم يزل الله رائيا وإن أريد أنه مبصر للمبصرات امتنع منه؛ لأنّ المرئي المدرك لا يكون إلا موجودا، وعلى هذا قولك الصّمد إن جعلته بمعنى السّيد قلت لم يزل الله صمدا، وإن قلت هو من الصّمد إليه من العباد والقصد امتنع أن يقال لم يزل صمدا.
ومثله كريم يراد به العز فيقال: لم يزل كريما وهو أكرم عليّ، ويراد به الإفضال فيكون من صفات الفعل، ومثله حكيم يكون بمعنى عالم فيقال لم يزل حكيما وإن أريد به أنه يحكم الفعل لحق بصفات الفعل، والصفات المستحقة من طريق اللغة الحقيقية والمجازية فإنها تجري عليه تعالى متى لم يمنع مانع من جهة العقول والشّرع، فإن التبس الحال يختار الأكرم فالأكرم والأبعد من التشبيه فالأبعد، وذلك لمجانبتنا لأنّ نصفه بأنه يعقل أو يحس أو يفقه ويستبصر ويتيقن أو يفطن أو يفهم أو يشعر لما تتضمنه هذه الألفاظ من الأحوال التي حصولها لا يليق بالله تعالى.
فإن قيل: هو شاهد وشاهد كل نجوى وقريب مجيب ومطّلع على الضّمائر قلت:
أجرينا عليه هذه الألفاظ مجازا وتوسعا ولأنها بكثرة دورانها في ألسنة السّلف الصالح، والإشارة بها إلى ما لا يخيل ولا يلتبس من القصود السّليمة انتفى عنها ما يلابس غيرها من
стр. 96
كل موهم، ولمثل هذا أجرى قوي في صفة مجرى القادر وامتنع في شديد ومتين وما أشبهه من أن يجري مجراه، فأما قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[سورة البقرة، الآية: ١٥] وسَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[سورة التوبة، الآية: ٧٩] وما جرى مجراه فمثله في البلاغة يسمى المجانسة والمطابقة وهو ضرب من المجاز سمّي الثّاني فيه بالأول ليعلم أنه جزاؤه وقد أجرى إلى مثله، والمعنى يجازيهم جزاء الاستهزاء والسّخرية ونحو قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[سورة الشورى، الآية: ٤٠] والثاني لا يكون سيئة.
فإن قيل: فهل يجري التهاتف والتّهكم مجرى السخرية فتجيزه عليه اتساعا؟ قلت: لا يجوز ذلك؛ لأن المجاز لا يقاس، ألا ترى أنّ أرباب اللغة مجمعون على أنه لا يجوز سل الجبل، وإن جاء سل القرية، ومثل هذا قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة النور، الآية: ٣٥] وامتناعنا من بعد من أن تقول الله سراج السماوات، أو شمسها أو قمرها إذ كانت المجازاة لها انتهاء تجاوزها إلى ما ورائها محظور، هذا مع توافق الصفات، فكيف إذا اختلفت؟ ويقارب هذا قولهم في الله لطيف ورحيم، والمراد به الإنعام، ثم امتنعوا فيه من رفيق ومشفق لرجوعهما إلى رقة القلب واستيلاء الخوف، فأما الغضب والسخط والإرادة والكراهة والحب والبغض والرضاء والطالب والمدرك والمهلك فمن صفات الفعل، والله يحدثها لا في مكان إذ كان جميعها لا يوجب تصويرا ولا تهيئة ولا تركيبا، وإنما تفيد عقابا للمكلفين أو إثابة أو إيجابا لإيقاع الفعل، أو نفيا له وإذا كانت كذلك انتفت عن المحال على أنه لو أحدثها في المحال لعادت المحال الموصوفة بها.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقع منّا إرادة لا في محل؟ قلت: لا وذلك أنّ أفعالنا تقع مباشرة، أو متولدة عن مباشرة، فلا بدّ لها من محل وأفعال الله تعالى بخلافها. فإن قيل:
هل يجوز أن يوصف الله بأنه راع، وأنه خفير، وحارس كما وصف بأنه رقيب وحافظ؟
قلت: قد جاء رعاك الله وحرسك وحاطك في دعاء المسلمين ومعانيها صحيحة، لكن بناء اسم الفاعل منها في صفاته لم يجيء وهم يستغنون بالشيء عن شبهه في اللغة، فيذهب عن الاستعمال ومع ذلك فوصفه يجب أن يكون كريما، ولفظة الحارس والرّاعي والحائط ليس مما يستكرم فيقرن بيا للاختصاص، فيقال يا حارس أو يا راعي، أو يا حائط ومما ينفر منه فيترك قول القائل في الله يا معلم وإن كان قد جاء الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[سورة الرحمن، الآية: ١- ٢] لاشتهاره في صفات المحترفين به، على أنّ الفرق بين ما يجعل إخبارا وبين ما يجعل خطابا ويصدر بحرف النّداء ظاهر. وإذا كان كذلك فلفظ الخطاب بيا كالمترجم عن تواضع وفاقة فيجب أن يختار معه من الصّفات ما يؤكّد الحال ويحرّر السؤال ويشبه ما نحن فيه أنّهم قالوا في صفاته علّام الغيوب.
стр. 97
ثم امتنعوا من علامة وإن كانت تاء التأنيث زائدة في المبالغة لما يحصل في اللّفظ من علامة التأنيث ولا تنحط رتبته عن رتبة التّذكير. ولأنهم جعلوا اللّفظ مؤنثا لاقتران علامة التأنيث فقالوا للبيضتين الاثنيان، ووصف بعضهم المنجنيق وهو مؤنث في اللّغة فقال وكل أنثى حملت أحجارا، فأمّا الخفير فمعناه لا يصح على الله لأنه من السّتر ومنه خفرت المرأة.
وقول القائل ثابت في صفة الله قليل الاستعمال ومعناه صحيح فيه وهو الكائن الذي ليس بمنتف، وقولهم: وتر، وفرد وفذ جميعه جائز عليه لأنّ معناه معنى التّوحيد، إلا الفذ، لأن معناه القلّة. وقولهم إبراهيم خليل الله فمعناه الاختصاص، ولا يقال الله خليل إبراهيم، لأنّه يخص الله بشيء ولا يقاس الصّديق ولا الوامق ولا العاشق على الخليل، ولا على المحب، ولا يوصف الله بالكامل، ولا الوافر لأنّ معناه الذي تمّت أبعاضه وتوفّرت خصاله ولا يوصف الله بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم على أنه مع ذلك متناوله مذموم وليس كالسّرور. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
[سورة هود، الآية: ١٠] ومما يقلّ استعماله وصفه بالسّار والبار، وإن كان معناهما صحيحا إذا كان تعالى يسر أولياءه ويبرّهم سمعه وطوله.
فإن قيل: أفيجوز أن يقال في الله تعالى: إنه يمكنه أن يفعل، ويستطيع أن يفعل ويطيق أن يفعل؟ قلت: كلّ ذلك جائز إلا قولك: يطيق أن يفعل، لأن الطّاقة استفراغ الجهد فيما يقصده الإنسان وقوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ
[سورة غافر، الآية: ٣] حسن جائز لأن معنى ذو الطّول وله الطّول واحد فاعلمه.
واعلم أنّ قول القائل: ما زال زيد يفعل كذا من العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر يفيد الزّمان دون الحدث، وإذا كان كذلك فزيد هو الذي كان مبتدأ وهو المخبر عنه، والخبر ما بعده، ولا يستقل بنفسه كما أنّ المبتدأ لا يستقلّ بنفسه وما زال مثل كان وأصبح وأمسى في أنه أفاد الزّمان، إلا أنه بدخول حرف النفي عليه عاد إلى الإثبات، لأن نفي النّفي إثبات، وممّا صدّر بحرف النفي من إخوانه ما برح وما فتىء، وما انفك، وقال سيبويه: تقول زايلته مزايلة وزيالا والتزايل تباين الشيء، وزيلت بينهم فرقت.
فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: ما زال زيد يقطع الكلام به، والمراد ثبت زيد. قلت:
إن أخرجته من جملة العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر وجعلته فعلا تاما يستغني بفاعله، ويفارق ما لا يتم إلا بخبره، لم يمتنع ذلك فيه، وحينئذ يصير مثل كان الذي يفسر يحدث وجاء في القرآن: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ
[سورة البقرة، الآية: ٢٨٠] وعلى هذا قوله تعالى:
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
[سورة يوسف، الآية: ٨٠] لأن تقديره لن أبرح من الأرض لأن برح لا يتعدى مثل زال، والأرض مخصوص لا يكون ظرفا، وهذا غير المستعمل في قولهم لم يزل
стр. 98
الله واحدا سميعا بصيرا، ومثله أصبح الذي يمثل باستيقظ، وأمسى الممثل بنام.
وقد فسّر سيبويه ما برح بما زال، ولم يجعله من البراح إيذانا بالفرق بين ما جعل عبارة وبين غيره، وقال تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
[سورة طه، الآية: ٩١] وفي موضع آخر: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
[سورة الكهف، الآية: ٦٠] والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ، ولو جعل من البراح لدافع قوله حتى أبلغ، لأنّ الثّابت في موضعه لا يكون متبلغا، ومما يشرح هذا الذي قلناه امتناعهم من قول القائل: ما زال زيد إلا كذا حتى ردّوا على ذي الرّمة قوله:
حراجيح «١» ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخف أو ترمي بها بلدا قفرا
وقالوا الاستثناء ممتنع هنا وإنّما هو حراجيح ما ينفك مناخة أي لا يزال شخوصا مجهودة، وحمل إلا على الكثرة والجنس، ومنهم من قال: ما تنفكّ من قولهم فككته فانفكّ كأنه يخرجه من أن يكون مما يدخل على المبتدأ والخبر، ويجعله مستقلا بفاعله مثل كان التامة، ويكون المعنى لا ينخل قواه إلا في هذه الحالة وعلى هذا ما فتىء وفي القرآن:
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[سورة يوسف، الآية: ٨٥] أي لا تفتؤ ولا تزال.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه ذخر وسند؟ قلت: هذا لا يكون إلا مجازا وما لا يجب من جهة الحقيقة لا يجوز عندنا وصف القديم به إلّا إذا كثر في كلام أهل الدين وأخبار أرباب اللغة فيصير تبعا فيه لهم، وذلك أنّ الذّخر ما يذخره الإنسان ويحرزه لنفسه وليوم حاجته، ويكون في الوقت كالمستغني عنه فيقال: أذخر هذا لطوارق الزّمان ونوائب الدهر والأيام وعلى هذه الطريقة لا يجوز ذلك على الله لأنّ الحاجة إليه دائمة فهذا في الذّخر وكذلك السند في الحقيقة هو ما أسند الإنسان إليه ظهره والله متعال عن هذه الصفة. فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف الله بأنه نجي وولي؟ قلت: النجيّ فعيل ويراد به الذي يناجي، ووصف به الجمع في قوله تعالى: خَلَصُوا نَجِيًّا
[سورة يوسف، الآية: ٨٠] وإن كان على لفظ الواحد كما جاء فعول في قوله تعالى: عَدُوٌّ لِي*
[سورة طه، الآية: ٣٩] وإذا كان كذلك فليس هو كالنكير والنّذير لأنهما مصدران، ولكنّه بمنزلة العلي والولي ونحوه مما يكون، والوالي والولي بمعنى واحد، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[سورة البقرة، الآية: ٢٥٧] وقال تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[سورة الرّعد، الآية: ١١] ، وكذلك النجيّ ومثله الصّديق والخليط في أنه بلفظ الواحد ووصف به الجمع، وقوله: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه. فأنجيه كقولهم كثيب وأكثبة ورغيف وأرغفة شبه الصفة بالاسم فكسرت تكسيره
стр. 99
وقوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى
[سورة الإسراء، الآية: ٤٧] وصف بالمصدر كما وصف بالعدل والرضى، وإذا كان الكلام بيانا عن المعاني فعلى المتكلم أن يبيّن المعاني التي يخبر عنها بكلامه وإلا كان بمنزلة من يلغز ويعمّي كلامه لئلا يفهم، وفاعل هذا مختار عابث فأما قولنا: وكيل علينا أي متول لأمورنا وقائم، بحفظنا ونصرتنا، ولا يجوز أن يقال: وكيل لنا لأنّ الوكيل لنا هو النائب عنّا وخليفتنا فيما يليه لنا فأما قولنا: توكلّنا على الله، فليس من الوكالة في شيء وإنما معنى يتوكل يلتجئ ويعتمد وإذا كان كذلك فإنّا نقول: الله وكيل علينا، ولا نقول: متوكّل علينا.
فإن قيل: كيف جاز مجيء تفعل وتفاعل في صفاته وممّا من أبنية التكلّف والتّكلف لا تجيزه على الله. قلت: قوله المتكبّر والكبير المتعالي في صفاته كالكبير والعالي والمباني كما يتفرد بالمعاني أو يكثر مجيئها لها فإنها قد تتداخل وتتشارك حتى لا تمايز ولا تباين، وإذا كان كذلك فقول القائل تعلى وتعالى وعلا بمعنى واحد قال: (تعلّى الذي في متنه وتحدّرا) بمعنى علا وحدر وقال شعرا:
ومستعجب مما يرى من إناتنا ... ولو زينة الحرب لم يترمرم
بمعنى عجب. وقال أوس:
وقد أكلت أظفاره الصّخر كلّما ... تعايا عليه طول مرقي توصّلا
بمعنى أعيى، وهذا كثير ظاهر فاعلمه. ومنه قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
[سورة الأعراف، الآية: ١٦٧] بمعنى آذن. واعلم وقد انتهى هذا الباب وكمل بما ضمّ إليه من أخبار الرّسول ﷺ وغيرها، جامعا إلى الوفاء بما وعدته ومجيئه على المثال الذي خططته، أني لم آل جهدا في اختيار ما كانت الحاجة إلى بيانها أمس، والنّفس إلى تبينها أتوق، حتى بلغ حدا يمكن الاستعانة به، مع أدنى تأمّل على فتح كثير مما يستغلق من نظرائه، وكلّ ذلك بعون الله وحسن توفيقه، وأنا الآن مشتغل بالباب الثّاني والكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فيهما والله بحوله وقوّته يعين على بلوغ ما نعرب منه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 100
الباب الثاني في ذكر أسماء ومعان للزّمان والمكان
ومتى تسمّى ظروفا، ومعنى قول النّحويين الزّمان ظرف للأفعال، والرّد على من قال في بيانهما بغير الحق من الأوائل والأواخر. وهذا الباب يشتمل على ما ذكر ماهية الزّمان والمكان وحكاية أقوال الأوائل فيهما، محقّهم ومبطلهم وإبطال الفاسد منها وما يتعلق بذلك وفصوله أربعة:
فصل [في أن أسماء الزّمان والمكان إنما تسمّى ظروفا إذا كانت محتوية لما هي ظروف لها]
اعلم أن أسماء الزّمان والمكان إنما تسمّى ظروفا إذا كانت محتوية لما هي ظروف لها فإن لم تكن محتوية فليست بظروف، بل هي أسماء تبيّن ما وقعت عليه من غيره كسائر الأسماء، كقولك: مكانكم طيب، وخلفك واسع، وأمامك الصحراء، ويوم الجمعة مبارك، وشهر رمضان شهر طاعة وإنابة، فإنما هذا كقولك: عبد الله كريم، وزيد مبارك، وموضع كونها ظروفا أن تقول: سرت يوم الجمعة وضربت زيدا يوم السبت، فاليوم مفعول فيه.
وسنذكر قطعة واسعة من الأزمنة تأتيا بأسمائها إلى أن نتمكن من شرح جملها وتفاصيلها، ونأتي على حقها وحقيقتها ويندس في أثنائها الكثير من مبهمات الأمكنة لأنها هي التي تكون ظروفا دون محدوداتها، واتّسع باب الأزمان، لأنّ الأحداث انقسمت بانقسامها فهي تتضمنها دون الجثث والأشخاص، ولذلك قال سيبويه: المكان أشبه بالأناسى فلها صور تثبت عليها وحدود تنتهي إليها وتتباين بها.
فمن أسماء الزّمان: اليوم واللّيلة والبارحة الأولى وأمس وأول من أمس، وأول من أول من أمس، وإذ مضافة إلى جملة كالفعل والفاعل والابتداء والخبر وقط وعصر وزمان ودهر ووقت في الزّمان والمكان، وأسبوع وشهر وعام وسنة فيما مضى وحقب، وغد وأبد في المستقبل، وإذ مضافة إلى فعل وفاعل، وذات مرة، وذات المرار، ولا يستعملان إلا ظرفا، وذات العويم وإبّان وإفان وقبل وبعد، ولا يرفعان، وبعيدات بين، وكذلك، وليس قبل وبعد ولا بعيد من أسماء الزّمان، ولا بعيدات بين، ولا من أسماء ساعاته.
стр. 101
وكذلك ذات مرّة لأن قبل وبعد يفيدان التقدّم والتأخر، وبعيدات جمع بعد مصغرا، ولذلك ضعفن، وذو صباح، وذو مساء وحرى دهر وابنا سمير والملوان والجديدان والأجدان، وملء من الدّهر، والمرّة، كقولك: ضربه وما كان اسما في الدهر للظمأ والرّعي وغير ذلك مما يعتاد كالوجبة والغب والرفة والثّلث والرّبع والخمس والسّدس ما كان ممرا في اليوم، واللّيلة نحو سحر وبكر وغدوة وهو علم، وبكرة وهو مجهول على عدد، وغداة وضحوة وضحى والضحاء ممدود، ونصف النهار وسواء النهار والهجير والهاجرة والظّهير والظّهيرة ودلوك الشمس، وغسق الليل، والعصر وقصر العشي والأصيل، واستعمالهم إيّاه مصغرا تقريبا للوقت، نحو أصيل وأصيلال وأصيلان، وكذلك المغرب في قولك مغيربان ومغيربانات والعتمة والغداة ومقصر وظلام ووهن وهدا وهداة وهدو وصباح ومساء وصباح مساء مبنيين، وسير عليه ذا صباح وشطر الليل ويومئذ وهذا مما حذف منه وصار التّنوين بدلا من المحذوف فيه وحينئذ وساعتئذ ويوم وحين مضافة إلى متمكن وإلى غيره، والسدف والسدفة وأي حين، ومذ ومنذ ومتى وأيان، ودخول كم على متى للعدد، ودخول حتّى وإلى للمنتهى على أسماء الزمن وقولك ربّما للتقليل، وربما بما في ذلك من اللغات، وقد التي بمعنى ربما، والساعات وألقاب أيام الأسبوع وتسمية العرب لها وذلك قولهم للأحد أول وللاثنين أهون، وللثلاثاء جبار للأربعاء دبار، وللخميس المونس وللجمعة العروبة، وللسبت شيار وقولهم الوهن والموهن، وتسميتهم سير اللّيل لا تعريس فيه إلا ساد، وسير النهار لا تعريج فيه التّأويب.
وقولهم: لا أكلمك السّمر والقمر، واختلاف الأزمنة كالصّيف والخريف والشّتاء والرّبيع وما ينسب إليها من نتاج أو عشب، وتسميتهم بالحر شهري ناجر، والشّهرين الموصوفين بالبرد شهري قماح وقماح، وما نفع من المصادحينا نحو: مقدم الحاج، وخقوق النّجم، وخلافة فلان، ووقعة فلان، والتواريخ، وتقديمهم اللّيلة على اليوم، وقولهم بعد فنك من اللّيل، وهزيع والأناء وما واحدها، وأيام الأسبوع والفصل بينها والأوان والآن.
وصفات الزّمان: كقولهم حول كريت وقميط ومجرم وفعله قليلا وكثيرا وطويلا وقصيرا، وقولهم النسيء في الأزمنة والنسيئة «١» في الدّين واليمين والشّمال وأعلى وأسفل وخلف وقدّام وأيام العجوز، وهذه تجري مجرى المقدمات وسيأتي التّفسير عليها منوعة.
стр. 102
فصل في ماهية الزّمان
ذكر بعض القدماء أن الزمان هو دوران الفلك، وقال أفلاطون: هو صورة العالم متحركة بعد صورة الفلك. وقال آخر: هو مسير الشّمس في البروج حكى جميع ذلك النّوبختي، ووجوه هذه الأقوال تتناسب. وحكى أبو القاسم عن أبي الهذيل أنّ للزمان مدى ما بين الأفعال، وأنّ اللّيل والنّهار هما الأوقات لا غيره. وزعم قوم أنه شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك، وليس بجسم ولا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق الله شيئا إلّا في وقت، ولا يفنى الوقت فيقع أفعال لا في أوقات، لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدم بعضها على بعض، ولا تأخّر بعضها عن بعض، ولم يبين ذلك فيها وهذا محال.
وقال بعض المتكلّمين: الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض، ويجب أن يكون الوقت والموقت جميعا حادثين، لأن معتبرهما بالحدوث لا غير، ولذلك لم يصح التّوقيت بالقديم تعالى ثم مثل، فقال: ألا ترى أنك تقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، وتقول: طلع الفجر وقت تغريد الدّيك، فيصير كلّ واحد من طلوع الفجر وتغريد الدّيك وقتا للآخر ومبينا به للمخاطب حدوثه وهذا على حسب معرفته بأحدهما وجهله بالآخر، لأنّ ذلك في التوقيت لا بدّ منه. وقال المحصّل من النّحويين الزمان ظرف الأفعال وإنما قيل ذلك لأن شيئا من أفعالنا لا يقع إلا في مكان وإلا في زمان وهما الميقات.
قال الخليل: الوقت مقدار من الزّمان وكلّ شيء قدرت له حينا فهو موقت، وكذلك ما قدرت له غاية فهو موقت، قال تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ*
[سورة الحجر، الآية: ٣٨] والميقات مصير الوقت قال تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
[سورة الأعراف، الآية: ١٤٢] والآخرة ميقات الخلق ومواضع الإحرام مواقيت الحج وفي التّنزيل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
[سورة البقرة، الآية: ١٨٩] والإهلال ميقات الشّهر وفي القرآن: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
[سورة المرسلات، الآية: ١١- ١٢] وإنما هي وقّتت ويقال: وقت موقوت وموقت. والزّمان قد يعلم باسمه. وقد يبين بصفاته، فالأول كالسّبت والأحد ورمضان وشوّال، والثّاني كقولك الخميس الأدنى، والجمعة الآتية، وقد يبين بقرينة تضاف إليه كقولك: عام الفيل، ووقت ولاية فلان. وقد يقصد المتكلم بيان قدر الوقت أو صورته أو اتصاله أو انقطاعه بما يكون نكرة كقولك فعلته ليلا وثابرت عليه حولا، وأقمت عنده شهرا.
وفي الاتصال والانقطاع يقولون: فعلته ليلا ونهارا أو غدوا وعشيا وزرته ذات مرة وبعيدات بين. فأما قول من قال: هو الفلك بعينه فقد أخطأ، لأنّ الأفلاك كبيرة في الحال وليست الأزمنة كبيرة في الحال، لأنّ الزّمان ماض ومستقبل وحاضر، والفلك ليس كذلك،
стр. 103
وهذا ظاهر، وذلك قول من قال: حركات الفلك هي الزّمان لأن أجزاء الزّمان إذا توهّمت كانت زمانا، وأجزاء الحركة المستديرة إذا توهّمت لم تكن حركة مستديرة، ولأنّ الحركة في المتحرّك وفي المكان الذي يتحرّك إليه المتحرّك، والزّمان ليس هو في المتحرّك ولا في المكان الذي يتحرك إليه المتحرّك، بل هو في كل مكان ثم قد يكون حركة أسرع من حركة، ألا ترى أنّ حركة الفلك الأعلى أسرع من حركة زحل والبطء والسّرعة لا يكونان في الزّمان لأنّ الحركة السّريعة هي التي تكون في زمان يسير والبطيئة هي التي تكون في زمان كثير.
وحكى حنين بن اسحاق عن الاسكندر أنه قال في حد الزمان: إنه مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم والمتأخر. قال والعدد على ضربين: عدد يعدّ غيره وهو ما في النفس، وعدد يعدّ بغيره، والزّمان مما يعد بغيره وهو الحركة لأنّه على حسبها وهيئتها وكثرتها وثباتها، وإنما صار عددا من أجل الأول والآخر الموجودين في الحركة، والعدد فيه أوّل وآخر فإذا توهّمنا الحركة توهّمنا الزّمان، وإذا توهّمنا الزّمان توهّمنا الحركة، وإنّما صار عدد حركة الفلك دون غيرها لأنه لا حركة أسرع منها، وإنما يعد الشيء ويذرع ويكال بما هو أصغر منه. قال: والزّمان عدد وإن كان واحدا لأنه بالتّوهم كثير فيكون أزمنة بالقوة والوهم لا بالوجود والعمل.
وهذا يقارب ما حكاه أبو القاسم عن أبي الهذيل في حدّ الزمان، لأن قوله: مدى ما بين الأفعال، وإن اللّيل والنّهار هما الأوقات إذا حصل يرجع إلى معنى قوله مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم والمتأخّر، وإن كان لفظ أبي الهذيل أجزل وأغرب، ألا ترى أنّ الاسكندر قال: والبرهان على أن الزّمان ليس بذي كون ولا ابتداء ولا انتهاء والفرقة التي زعمت أن الزّمان شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك، وليس بجسم ولا عرض إلى آخر الفصل، فإنّا سنتكلم به على الملاحدة والخارجين من التّوحيد إلى وراء التشبيه إن شاء الله تعالى.
اعلم أن العبارة عن الوقت قد حصلت من القديم تعالى ولا فلك يدور ولا شمس في البروج تسير، وعبر أيضا عن أوقات القيامة فمرة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[سورة المعارج، الآية: ٤] ومرّة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[سورة السجدة، الآية: ٥] وقال تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة الحديد، الآية: ٤] وقال تعالى في صفة أهل الجنّة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٦٢] ولا بكرة ثم ولا عشية، فجميع ذلك أجري لأوقات مؤقتة لمعاني قدّرها الله تعالى على أحوال رتّبها ومراتب صورها فمنها ما هو أطول، ومنها ما هو أقصر، على حسب آماد الأمور المقدورة فيها، فمثّل كلّا بما تقرّر به النفوس غايته وأمده ومقداره وموقعه ممّا
стр. 104
كنّا نعرفه ونألفه ونشاهده ونتصرّف فيه، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا وحصل من الحكيم التّوقيت على ما بيّنا ظهر كثير من عاداتهم فيه وأنهم تخيّروا ما كان في الاستعمال أبين وفي العرف أمتن، وعلى المراد أدل، وفي التّمثيل أنبّه وأجل.
واعلم أنّ الحادث متى حصل فقد حصل في وقت، والمراد أنه يصحّ أن يقال فيه: إنه سابق لما تأخر عنه، وإنّ وقته قبل وقته، أو متأخر عما تقدّمه وإنّ وقته بعد وقته أو مصاحب لما حدث معه، وإنّ وقته هذا هو المراد فقط، ولسنا نريد أنه حدث معه شيء سمّي زمانا له، أو سبقه أو احتاج في الوجود إليه، فلو تصورنا أوّل الحوادث وقد اخترعه الله مقدّما على المحدثات كلّها لصلح أن يقال فيه: إنه سابق لها وإنه أول لها، وهذا توقيت، ولو تصوّرنا أنه بقي مفردا بعد حدوثه لم يتبع بغيره لكان يصح تقدير هذا القول فيه وتوهّمه، إذ كان الله تعالى قادرا على الإتيان بأمثاله وأغياره معه وقبله وبعده.
وهذا معنى قول النّحوي: الفعل ينقسم بانقسام الزّمان ماض ومستقبل وحاضر، وإذا كان الأمر على هذا فقد سقط مؤنة القول في أنّ الوقت حادث لا في وقت، وأنه لو احتاج الوقت إلى وقت لأدّى إلى إثبات حوادث لا نهاية لها. وأما من قال: إنّ الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض وتمثيله بأن القائل يقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، وطلع الفجر وقت تغريد الديك فإنّ كل واحد من التّغريد صار وقتا للآخر، فإنّه جاء إلى فعلين وقعا في وقت واحد، فعرف الوقت مرة بالإضافة إلى هذا، وجعل ذلك الآخر موقتا به، ومرة بالإضافة إلى ذلك، وجعل هذا مؤقتا به، ولم يتعرّض للزّمان وكشف حده وضبطه وهذا كما يقال: حججت عام حج زيد وحج زيد عام حججت.
ومن الظاهر أن العام غير الحجين وأنهما إنما وقعا فيه، وهذا بيّن على أن ما أتى به واشتغل بتمثيله هو من قبيل ما يكون زمانا وهو ما يصلح أن يكون واقعا في جواب متى ولم يستوفه أيضا، وترك ما يخرج في جواب كم رأسا، وذلك كقولهم: يصوم زيد النّهار ويقوم اللّيل، وما فعلته قط، ولا أفعله أبدا، وأقمت بالبلد شهرا وهجرت زيدا يوما إلى كثير مما ستراه في أبواب هذا الكتاب وفصوله.
واعلم أنّ الزمان وإن كان حقيقة ما ذكرنا، فإنّ الأمم على اختلافها أولعوا في التّوقيت بذي اللّيالي والأيام، والشّهور والأعوام، لما يتعلّق به من وجوه المعاملات والآجال المضروبة في التجارات، ومن تقرير العدات، وإدراك الزّراعات، وآماد العمارات، ومن فعل أهل الوبر في المحاضر والمزالف والمناجع والمجامع، وإقامة الأسواق، وتوجيه المعاش، ومن اشتغال أرباب النّحل بما افترض عليه عندهم من تقرّب وعبادة، ودعوا إلى الأخذ به في دينهم من فرض ونافلة، وأمروا بالتوجه إليه من سمت وقبلة، ولما أجرى الله
стр. 105
تعالى العادة به فيه من حدوث حر وبرد، وجزر ومد، وتبدّل خصب وجدب، ورخاء عيش وبؤس، ومن ظهور نبات وأوان لقاح، أو ولاد وصبوب أمطار وهبوب أرواح لذلك قال النبي ﷺ : «تعلّموا من النّجوم ما تعرفون به ساعات اللّيل والنّهار، وهداية الطّرق والسّبل» فقدّر أكثر الناس أنّ الزّمان لا يكون غيرها ولا يعدوها إلى ما سواها، ولهذا الّذي تبينته، أو أشرت إليه ذكر أبو الهذيل بعد تحديد الزّمان اللّيل والنّهار هما الأوقات لا غير.
واعلم أنّ الذين زعموا أن الزّمان شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك وليس بجسم ولا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق الله شيئا إلّا في وقت ولا يفنى الوقت، فيقع أفعال لا في أوقات لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدّم بعضها على بعض ولا تأخّر بعضها عن بعض، ولم يتبيّن ذلك فيها، وهذا محال قولهم داخل في أقوال الذين يقولون: إن الزّمان والمكان المطلقين، ويعرب عنهما عند التّحقيق بالدّهر والخلاء جوهران قائمان بأنفسهما، والكلام عليهم يجيء بعد تنويع فرقهم وبيان طرقهم فنقول: بالله الحول والقوة من زعم أنّ الأزلي أكثر من واحد أربع فرق:
الأولى: الذين يقولون هما اثنان الفاعل والمادة فقط ويعني بالمادة الهيولى.
الثانية: الذين يدّعون أنّ الأزلي ثلاثة الفاعل والمادّة والخلاء.
الثّالثة: الذين يدّعون أنه الفاعل والمادة والخلاء والمدّة.
الرّابعة: الفرقة التي زعيمهم محمد بن زكريا، المتطبب لأنه زاد عليهم النّفس الناطقة، فبلغ عدد الأزلي خمسة بهذيانه.
وشرح مذهبهم أنه لم يزل خمسة أشياء، اثنان منها حيّان فاعلان وهما: الباري والنفس، وواحد منفعل غير حي وهو الهيولى الذي منه كوّنت جميع الأجسام الموجودة، واثنان لا حيّان ولا فاعلان ولا منفعلان وهما الخلاء والمادة، إلى خرافات لا تطيق اليد بيانها بالخط، ولا اللّسان تحصيلها باللّفظ، ولا القلب تمثيلها بالوهم، فمما يزعمه أن الباري تام الحكمة لا يلحقه سهو ولا غفلة، وتفيض منه الحياة كفيض النّور عن قرصة الشّمس، وهو العقل التام المحض، والنفس تفيض منه الحياة كفيض النور، وهي مترجّحة بين الجهل والعقل كالرّجل يسهو تارة، ويصحو أخرى، وذلك لأنها إذا نظرت نحو الباري الذي هو عقل محض غفلت وأفقت، وإذا نظرت نحو الهيولى التي هي جهل محض غفلت وسهت، وأقول متعجبا لولا الكرى لم يحلم وهذا كما قال غيري، أليس من العجائب هذيانه في القدماء الخمسة، وما يعتقده من وجود العالم لحدوث العلّة وما يدّعيه من وجود الجوهرين الأزليين أعني الخلاء والمدّة لا فعل لهما ولا انفعال، فلولا خذلان الله إياه، وإلا
стр. 106
فماذا يعمل بجوهر لا فاعل ولا منفعل؟! ولم يضع الأرواح المقدّسة قبالة الأرواح الفاسدة، ولم يحدث العلة من غير نقص ولا آفة ولم يذكر شيئا ليس فيه جدوى ولا ثمرة وهذا الفصل إذا أعطي مستحقّه من التّأمل ظهر منه ما يسقط به سخيف كلامهم، وإن لم يكن مورده مورد الحجاج عليهم.
ألا ترى أنّ من لم يثبت القديم تعالى فيما لم يزل واحدا لا ثاني له، وعالما بالأشياء قبل كونها وبعده، وقادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا، وحيا لا آفة به، وغنيا لا حاجة به إلى غيره في شيء من إرادته، وحكيما لا يبدو له في كل ما يأتيه ويفعله، فننقل إلى ما هو أعلى منه، بل لا يفعل إلا ما هو حسن وواجب في الحكمة والصّواب، فقد جعله قاصرا ناقصا، تعالى الله وجلّ عن صفات المخلوقين، وهذا كما أنّ من الواجب أن يعلم أنّ القديم لو لم يبدع العالم أصلا لاستحال أن يتوقّف على وجوده، أو يتوصل إلى إثباته، لأن ذاته لم تكن ظاهرة للعيان، ولا مستدركا بالحواس، وأنّ الشيء قد يصح إثباته من طريق أفعاله كما يصح إثباته من جهة ذاته، والأسباب وإن كانت متقدمة لمسبباتها بالوجود فلا يمتنع أن يكون في العقول أسبق إلى الوضوح.
وإذا كان كذلك فالعالم بثبات هذا العالم المحسوس موصول إليه من طريق الإدراك والمشاهدة، والعلم بصانعه من طريق النّظر والمباحثة، وقد تكلّم الناس في المعرفة بالله تعالى واختلفوا فزعم قوم أن المعرفة لا تجب على القادر العاقل وأنها تحدث بإلهام الله، فكل من لم يلهمه الله المعرفة فلا حجة عليه، ولا يجب عليه عقاب، لأن عذر من ترك الشيء لأنه لم يعلم كعذر من ترك الشيء لأنه لا يقدر عليه، والذي يدل على أن المعرفة لا تكون ضرورة لأنا يمكننا التشكك فيه. ألا ترى أنه كلما اعتقدنا الشيء بدليل فاعترضت شبهة في أصل الدّليل يخرج من العلم بذلك الشيء حتى تثبت حجّة بمحل تلك الشّبهة، ولو كانت بالضّرورة لم يكن التّشكك، وكان العقلاء كلّهم شرعا واحدا في العلم، كما صاروا شرعا واحدا في أخبار البلدان المتواترة عليهم، فبان بذلك أنها ليست بضرورة، وأكثر الناس على أنها واجبة وهي من فعل الإنسان، وإنما يقع أوّلها متولّدا عن النّظر.
قال البغداديون مستدلين: لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله معرفته أو لا يكون كلّفنا وتركنا مهملين، وتركنا سدى، وإهمالنا لا يجوز عليه ويقال لهم في ذلك: إنّ الإهمال هو تضييع ما يلزم حفظه، وترك مراعاة ما يجب مراعاته، ألا ترون أنّ من لم يحفظ مال غيره لا يقال أهمله، لما كان لا يلزمه حفظه فثبتوا أولا أن المعرفة بالله واجبة، ثم ادّعوا الإهمال إذا لم يكلفناها. وقالوا أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن يعرف المنعم لشكره.
стр. 107
فإن قال قائل: فهل يجوز أن نعلم القديم تعالى من طريق الخبر؟ قلت: لا، لأنّ الخبر على قسمين: فمنه ما يضطر السّامع إلى العلم بالمخبر به كالخبر عن البلدان والأمصار، وقد علمنا أنه لا يجوز أن نعلم الله من هذه الجهة، لأنا وجدنا العقلاء يشكون من أنّ لهم صانعا مع إخبار المخبرين به، ولو كان يعلم من طريق الخبر لكان لا فرق بين خبر من زعم أنّ الصّانع واحد وبين من قال اثنان أو ثلاثة، على أنّ الخبر إنّما يضطر إذا كان المخبر يخبر عن مشاهدة، لأنه لا يجوز أن يكون حال المخبر يعلم ضرورة ومن الخبر ما يعلم من طريق الاستدلال، كخبر النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يعلم الله من هذه الجهة، لأنّ القائل بهذا القول أحد رجلين، إمّا أن يقول لا يعلم الله إلا من جهة الخبر، فيلزمه أن يكون النبي لا يعرف الله إلّا بنبي آخر وذلك يوجب التّسلسل إلى ما لا نهاية، وإمّا أن يقول: إنه يعلم من جهة النبي ومن جهة أخرى أيضا، وهذا فاسد لأنه ليس في النبيّ أكثر من إظهار المعجزات والمعجزات لا تدل على حكمة فاعلها، فكيف يكون خبر النبي طريقا إلى العلم بالله وإذ قد ذكرنا وجوب معرفة الله تعالى والطريق إليه هاهنا، وممّا تقدّم فإنّنا ننكر الكلام على الملحدة والمتحيرين.
فصل [في بيان أنواع الضّلال]
اعلم أنّ أنواع الضّلال ثلاثة: المعاندة والحيرة والجهالة.
فالمعاندة على الإطلاق ينبغي أن لا يحصل لأحد منّا علم حقيقي ولا معرفة تفضي إلى يقين، وإنما هي ظنون وخواطر لا تسكن النّفس إليها، وتسميتنا لها ولأمثالها بالعلوم توسع ومجاز. والوجه في مدافعتهم أن يقال لهم: أتقولون ما ذكرتم عن خلوص علم، أو تسلط ظن؟ فإن ادّعوا العلم فقد ناقضوا، وإلّا حصلوا على عناد، وقد ذكر أبو عثمان الجاحظ في الكفار الذين قتلهم النبي ﷺ أنّهم كانوا عارفين بالله معاندين.
واعترض عليه فقيل: إنّ العناد يجوز على العدد اليسير، فأمّا الجماعة الكثيرة فلا يصح عليها ذلك، ونحن نعلم من أنفسنا وقد كنا على مذاهب فتركناها لفسادها أنّا لم نكن في حال اعتقادنا معاندين ولا كاذبين لأنفسنا، وإنّما تركنا الاستدلال، فكذلك أولئك الكفار قد علموا فيما أظهره النبي ﷺ أنها معجزات، لكنهم تركوا الاستدلال بها على ثبوته وصدقه.
والمتحيرون هم الذين يزعمون أنّ العلم بالمحسوسات قد يصح، ولكن ما عداها مما يحال فيه على العقل نحن شاكون فيه ومتوقفون، والكلام عليهم طريقه أن تقلب عليهم نفس ما أوردوه فيقال: تدفعون مقتضيات العقول بالمشاهدات أو بحجج العقول ولا فلاح لهم أي الطّريقين سلكوا.
стр. 108
والجاهلون الملاحدة والخارجون من نور التّوحيد والاستقامة إلى ظلمة الشّرك فرق، والضّلالة في عددهم في ازدياد ووفور، وإفسادهم وجوه وفنون وقد فسّرت فقيل: ربما كانت من الحضانة والتربية وقلة الخواطر وغباوة الخليط وجهد المجاورة، وربّما كان من تعظيم الأسلاف، أو من وجه الآلاف، أو من غباوة الدّاعية ونسل صاحب المقالة، وكونه صاحب سن وسمت وإخبات وطول صمت، ولله تعالى الحجّة البالغة عليهم، وعلى طوائف المبتدعة من أهل الصّلاة على اختلاف أهوائهم، وسيعلم الجافي على نفسه كيف ينقلب وقد فاته الأمر. ذكر بعضهم حاكيا عن قوم من الأوائل، أنّ الدّهر والخلاء قائمان في فطر العقول بلا استدلال، وذاك أنه ليس من عاقل إلا وهو يجد ويتصور في عقله وجود شيء للأجسام بمنزلة الوعاء والقراب، ووجود شيء يعلم التقدم والتأخّر، وأنّ وقتنا ليس هو وقتنا الذي مضى، ولا الذي يكون من بعد بل هو شيء بينهما، وأن هذا الشيء هو ذو بعد وامتداد.
وقال: قد توهم قوم أنّ الخلاء هو المكان، وأنّ الدّهر هو الزّمان، وليس الأمر كذلك بإطلاق، بل الخلاء هو البعد الذي خلا منه الجسم، ويمكن أن يكون فيه الجسم، وأمّا المكان فالسّطح المشترك بين الحاوي والمحوى، وأما الزّمان فهو ما قدرته الحركة من الزّمان الذي هو المدة غير المقدرة، فصرفوا معنى الزّمان والمكان المضافين إلى المطلقين، وظنوا أنهما هما والبون بينهما بعيد جدا، لأنّ المكان المضاف هو مكان هذا المتمكّن وإن لم يكن متمكنا لم يكن مكانا، والزّمان المقدّر بالحركة يبطل أيضا ببطلان المتحرك ويوجد بوجوده، إذ هو مقدر حركته، فأمّا المكان بإطلاق فهو المكان الذي يكون فيه الجسم وإن لم يكن، والزّمان المطلق هو المدة قدّرت أو لم تقدّر، وليس الحركة فاعلة المدة بل مقدرته، ولا المتمكّن فاعل المكان بل الحال فيه، قال: فقد بان أنهما ليسا عرضين بل جوهرين لأنّ الخلاء ليس قائما بالجسم لأنه لو كان قائما به لبطل ببطلانه، كما يبطل التّربيع ببطلان المربّع.
فإن قال قائل: إنّ المكان يبطل ببطلان المتمكن قيل له: أما المضاف فإنّه كذلك لأنّه إنما كان مكان هذا المتمكّن، فأمّا المطلق فلا، ألا ترى أنا لو توهّمنا الفلك معدوما لم يمكنا أن نتوهم المكان الذي هو فيه معدوما بعدمه، وكذلك لو أنّ مقدرا قدّر مدة سبت كان، ولم يقدر مدة يوم آخر، لم يكن في ترك التقدير بطلان مدة ذلك اليوم الذي لم يقدر، بل التّقدير نفسه، فكذلك ليس في بطلان الفلك أو في سكونه ما يبطل الزّمان الحقيقي الذي هو المدة والدّهر، فقد ينبغي أنهما جوهران لا عرضان، إذ كانا ليسا بمحتاجين إلى مكان ولا إلى حامل فليسا إذا بجسم ولا عرض، فبقي أن يكونا جوهرين.
وزاد على هذا الوجه الذي حكيناه بعضهم فقال: طبيعة الزّمان من تأكيد الوجود في
стр. 109
ذاتها وقوّة الثّبات في جوهرها، بحيث لا يجوز عدمها رأسا ولم تكن قط معدومة أصلا، فلا بدء لها، ولا انتهاء، بل هي قارة أزلية.
ألا ترى أنّ المتوهّم لعدم الزّمان لم يخلص له وهمه إلا إذا ثبت مدة لا زمان منها، والمدة هي الزّمان نفسه، فكيف يوهم عدم ما تأكّد لزوم جوهره؟ ويفني العقل الصّحيح تصور عدمه وتلاشيه؟ أو كيف يسوغ إلحاق عدمه بالممكنات؟! ووجوده من الواجبات الأزليات؟ فهذا ما حكي عن الأوائل. وابن زكريا المتطبّب يحوم في هذيانه عند حجاجه حول ما ذكرناه عنهم ولم يبين بيانهم ولا بلغ غايتهم، فلذلك جعل تابعا لهم وإذ قد أتينا على مآلهم بأتم استقصاد، فإنّا نشتغل بالكلام عليهم، وإن كان فيما قدّمناه قد صورنا خطأهم تصويرا يغني عن مقايستهم ومحاجّتهم.
ذكر بعض المنطقيين أنّ الزمان في الحقيقة معدوم الذّات، واحتج بأنّ الوجود للشيء إمّا أن يكون بعامة أجزائه كالخط والسّطح أو بجزء من أجزائه كالعدد والقول، وليس يخفى علينا أنّ الزّمان ليس يوجد بعامة أجزائه إذ الماضي منه قد تلاشى واضمحلّ، والغابر منه لم يتمّ حصوله بعد وليس يصح أيضا أن يكون وجوده بجزء من أجزائه إذ الآن في الحقيقة هو حدّ الزّمانين وليس بجزء من الزّمان، وكيف يجوز أن يعد جزءا ولسنا نشك أنّ حقيقة الجزء هو أن يكون مقدارا له نسبة إلى كلّه، كأن يكون جزءا من مائة جزء، أو أقل أو أكثر، فأما أن يتوهّم جزء على الإطلاق غير مناسب لكلّه فممتنع محال وليس الآن في ذاته بذي قدر مناسب لما يفوض من الزّمان الآتي والماضي، ولو وجد له قدر ما لصلح أن يجعل قدره عيارا يمسح به الكلّ حسب جواز ذلك على كافة ما يعد جزءا من الشّيء وإذا لم يكن الآن في جوهره ذا مقدار أصلا، والجزء من الشيء لا يجوز أن يعرى من المقدار، فليس الآن بجزء من الزّمان، وإذا كان الأمر على ذلك فالزّمان إذا ليس يصح وجوده لا بعامة أجزائه ولا ببعض أجزائه، وإن شيئا يكون طباعه بحيث لا يوجد بأجزائه كلّها ولا ببعض منها فمن المحال أن يلحق بجملة الموجودات، وإذا كان ذات الزّمان غير موجود أصلا فليس بجائز أن نعده في الكميات، فإنّ ما لا وجود له لا آنية له، والذي لا آنية له لا يوصف بوقوعه تحت شيء من المقولات.
وقولهم في الزّمان هو المدة التي تفهم قبل وبعد أجلها، فإن كان المراد أنّ قول القائل: قبل وبعد يفيد أنّ تقدّم المذكور وتأخره من غير أن ثبت بهما جوهران ليسا بجسم، ولا يفنيان ولا يجوز أن يخلق الله شيئا من دونهما فهو صحيح، ويكون سبيلهما سبيل لفظ مع إفادتهما معنى الصّحبة إذا قلت زيد مع عمرو، وكما تقول للأعيان أحوال ثم لا تصفها بأكثر من تميز بعضها عن بعض بها، وإن أريد بقبل وبعد غير ذلك فقد تقدّم القول في بطلانه
стр. 110
وبطلان ما قالوه في الخلاء والمكان، على أنا نقول معيدين عليهم إن أردتم أنّ المكان يكون المتمكّن وإن لم يوجد الجسم لم يوجد المكان لأنه قائم بالجسم، وليس بشيء ذي وجود في نفسه فهو صحيح، وإن أردتم للمكان جوهرا يبقى إذا ارتفع المتمكن، وأنّ الذي بطل بارتفاعه هو النّسبة إليه والإضافة، ويبقى المكان المطلق مكانا كما كان وهو الخلاء الفارغ وليس فيه جسم فهذا إحالة على شيء لا الإدراك يثبته ولا الوهم يتصوّره. فإن قالوا: المكان حينئذ يكون مكان ما يمكن أن يكون فيه كالزّق الخالي من الشّراب، فإنّه مكان الشّراب الذي يمكن أن يكون فيه.
قلنا: صور في وهمنا من الخلاء مثل ما نتصوّره إذا توهّمنا الزّق والشّراب وذلك مما لا يقدرون عليه، لأنّ كلامهم فارغ لا يفضي إلى معنى محصل، وأيضا فإنّ الأجسام لا يخلو من أن تكون ثقيلة فترسب، أو خفيفة فتطفو، والخلاء عندهم ليس بثقيل ولا خفيف، فيلزمهم أن يكون النقطة هي الخلاء لأنّها ليست بثقيلة ولا خفيفة، ويلزمهم على قولهم بأن المتحرك لا يتحرك إلا في الخلاء أن يتحرك أبدا ولا يستقر إذا لم يوجد شيء يضاده أو يسكن دائما فلا يتحرّك إذ لا سبب هناك يوجب تحركه، أو إذا تحرّك في الخلاء أن يتحرك إلى جميع الجهات ولا يختص بجهة دون جهة لأنّ الخلاء كذلك. فإن قالوا: إن الذي تسميه خلاء هو الهواء، أسقط قولهم بأن الهواء يقبل اللّون ويؤدي الصّوت والخلاء ليس كذلك وهذا بيّن.
وأعجب من هذا أن الباري مخترع لجميع ما خلقه وأنه لا يعجزه مطلوب ولا ينكاده معلوم، ثم أقاموا معه في الأزل الهيولى وهو المادة، ورتّبوا معه الصورة ليكون جميع ذلك كالنّجار والخشب والنّجارة والله تعالى يقول: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصلت، الآية: ٩] إلى قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصّلت، الآية: ١٢] ولم يقل ذلك إلا وأهل العلم إذا فكّروا فيه أدركوا منه الآية البيّنة والحجّة الواضحة، وبيّنوا أنه ليس في العالم شيء إلا وهو منتقص غير كامل، وذلك هو الدّليل على أنه مقهور لا يستغنى به، ولا بدّ له من قاهر لا يشبهه ولا يوصف بصفاته على حدّها، لأن ذلك آية الخلق وآية الخلق لا تكون في الخالق.
فصل آخر يزداد النّاظر فيه والعارف به استبصارا فيما وضع الباب له
اعلم أنّ الاستدلال بالشّاهد على الغائب هو الأصل في المعرفة بالتّوحيد وحدوث الأجسام لا يعرف ببداهة العقل ولا بالمشاهدة لأنّه لو عرف ذلك لاستوى العقلاء في معرفته كما استووا فيما شاهدوه، وإنما يتهيأ أن يعرف بما علم من تعاقب الأعراض المتضادّة عليها، وإنّما لا تنفك منها عل حدوثها إلا بمشاهدة الأجسام وإذا ثبت حدوث الأجسام فلا
следующие страницы →