Полный текст (562 стр.). Показаны 526–562 · переход к 531.
стр. 526
الباب السّتّون في ذكر الأوقات المحمودة للنّوء والمطر وسائر الأفعال، وذكر ما يتطيّر منه أو يستدفع الشّر به
اعلم أنّ العرب تحمد الولد إذا ولد في الهلال، فإن حملته في قبل الطّهر كان ذلك أعجب إليها، ولذلك قالت الفارعة أخت لقمان بن عاديا لإمرأة إني امرأة نزور وزوجي رجل محمق، وأنا في ليلة طهري، فهي لي ليلتك، واسميني على فراشك فإذا رجع لقمان من عند الشّرب ثملا، فوجدني على فراشك وقع عليّ، وهو رجل منجب فعسى أن ألد منه ابنا نجيبا، فأجابتها إلى ذلك، فوقع عليها لقمان فحبلت بلقيم بن لقمان. ولذلك قال النّمر بن تولب لقيم بن لقمان: فإنّ ولدته قبل النّهار كان ذلك الغاية. قال:
ولدت في الهلال من قبل الطّهر ... وقد لاح للصّباح بشير
وقال الرّاعي:
وما أمّ عبد الله إلّا عطية ... من الله أعطاها امرأ فهو شاكر
هي الشّمس وافاها الهلال فنسلها ... نجوم بآفاق السّماء نظائر
والمنجّمون يزعمون أنّ الهلال نحس، ونحن نجد عامة حاجات النّاس إنما تجزىء مع الأهلة منها التاريخات كلّها، ومحل الدّيون، وفراغ الصّناع والتّجار، ويوم الفطر، وآجال المستغلات، وقدوم الولاة، وزيادة المد، ونقصان الجزر، ما بين الصّيبين إلى المزار، والمواعيد، والإجارات، وأكثر الحيض الذي جعله الله مصحة أبدان النساء. ثم نزول الغيث الذي نشر الله به رحمته فأحيا به الأرض بعد موتها، وفي حياتها حياة من عليها ولأسد بن ناغضة جاهلي في شأن عبيد بن الأبرص شعر:
غداة توخّى الملك يلتمس الحيا ... فصادت نحسا كان كالدّبران
وللأسود بن يعفر يهجو رجلا:
ولدت بحادي النّجم يحدو قرينه ... وبالقلب قلب العقرب المتوفّر
стр. 527
وقال آخر جاهلي:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
وقال آخر:
فإنّك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور
وقال آخر:
فإن يك كوكب الصّمعاء نحسا ... به ولدت وبالقمر المحاق
وقال الأصمعي: إذا كان المطر عندهم في سرار الشّهر كان محمودا، ورجوا غزارته، وكثرة الخيرات به. وأنشد للرّاعي:
تلقّى نوءهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما لقي السّرار
وقال الكميت:
هاجت له من جنوح اللّيل رائحة ... لا الضبّ ممتنع منها ولا الورل
في ليلة مطلع الجوزاء أوّلها ... دهماء لا قرح فيها ولا رجل
يريد إنّ هذه الليلة من السّرار، فلا ضوء في أوّلها، وهو القرح، والقرح: بياض وجه الدّابة. وقوله: مطلع الجوزاء أوّلها يريد أنّها من الشّتاء، والجوزاء في الشتاء يطلع أوّل اللّيل.
وقال الحطيئة:
باتت لها بكسيب حريه ليلة ... وطغاء بين جماديين درور
قوله: بين جماديين يريد أنّها ليلة لا يدري أهي آخر من الشّهر الأول، أو أوّل ليلة من الشّهر الثاني. وأراد أنّ المطر كان في السّرار أو في الغرّة.
وإذا كان أيضا في الغرة كان محمودا.
قال الكميت:
والغيث بالمتألّقات ... من الأهلّة في النّواحر
النّواحر: جمع ناحرة وهي اللّيلة التي تنحر الشهر، أي تكون في نحره.
وقال ابن أحمر:
ولا مكللة راج الشّمال بها ... في ناحرات سرار بعد إهلال
стр. 528
وقد توافقوا كلّهم على هذا إلا أبا وجزة، فإنّه ذكر نصف الشّهر فقال:
في ليلة لتمام النّصف من رجب ... خوارة المزن في أقتارها طول
وليس يحمدون المحاق إلّا في المطر وحده، وقال جران العود، وذكر امرأة تزوّجها فلم يستوفقها: قال شعرا:
أتوني بها قبل المحاق بليلة ... وكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
وحكى المفضّل أنّ زبّان بن سيار خرج غازيا ومعه النّابغة فرأى جرادا، فقال النّابغة:
جرادة تجرد ذات ألوان. فانصرف متطيّرا، ومضى زبّان فغنم وسلم فلما قفل قال شعرا يخاطب به النّابغة من ذلك قوله شعرا:
شعر:
تعلّم أنّه لا طير إلّا ... على متطيّر وهو الثّبور
بلى شيء يوافق بعض شيء ... يفاجئنا وباطله كثير
ومن يبرح به لا بدّ يوما ... يجيئ به نعيّ أو بشير
وقال الكميت:
اللّورق الهواتف أم لباك ... عمّ عمّا يزنّ به غفول
الباكي: الغراب يقول: يزن بأنه ينعب بالفراق وهو غافل عن ذلك. وقال الكميت لجذام في انتقالهم إلى اليمن شعرا:
وكان اسمكم لو يزجر الطير عائف ... لبينكم طيرا منبئة الفأل
أي اسمكم جذام، والزّجر فيه الانجذام، وهو الانقطاع. وقال أيضا يمدح زيادا:
واسم امرئ طيره لا الظبي معترضا ... ولا النّعيق من الشّحاجة النعب
فقال اسمه زياد، فالزّجر فيه الزّيادة والشّحاجة الغربان.
وقال آخر:
دعا صرد يوما على ظهر شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
وقال في مخالفته آخر:
وقالوا: قاب قلت: عقبى من النّوى ... دنت بعد هجر منهم ونزوح
стр. 529
فزجر في العقاب الخير ثم قال:
وقالوا حمام قلت حمّ لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح
وقالوا تغنّى هدهد فوق ليلة ... فقلت هدى نغدو به ونروح
قال أبو العباس المبّرد: ولم أرهم زجروا في الغراب شيئا من الخير لكنّي سمعت بيتين أنشدهما بعضهم في المدح والتفاؤل به أحدهما:
نعب الغراب فرقّ بالمشتاق ... فدنا وصاح برؤية وتلاق
لا سلّ ريشك إذا نعبت بقربهم ... ووقاك من ريب المنيّة واق
والآخر:
نعب الغراب برؤية الأحباب ... ولذاك صرت أحبّ كلّ غراب
لا سلّ ريشك إذ نعبت بقربهم ... وسقيت من نام صبيب سحاب
وسكنت بين حدائق في جنة ... محفوفة بالنّخل والأعناب
ولم أسمع غير ذلك، ويقال للعائف الحازي، وكان أصل التّطير في الطّير، وكذلك الرّجز بأصواتها وعددها والتغلّي والتّنسف، ثم صاروا إذا عاينوا الأعور والأعضب والأبتر زجروا وزجروا بالسّنوح والبروح. وقد تقدّم فيه كلام وقال رؤبة:
يشقى به العرّان حتّى أحسبا ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا
اللّياح: الثّور الأبيض، وكانوا يتشاءمون بالمغرب وقال:
قد علم المرهتون الحمقى ... ومن تجزي عاطسا أو طرقا
ألا نبالي إذ بدرنا الشّرقا ... أيوم نحس أم يكون طلقا
وقال:
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... سديد مسك الجنب فعم المنطق
وقال:
وخرق إذا وجّهت فيه لغزوة ... مضيت ولم يحسبك عنه الكوادس
الكداس: العطاس وكانوا يتطيّرون منه. وكانوا إذا عطس العاطس قالوا: قد أنجمنا أي منعنا. وقال ابن الأعرابي: يقال: عطست فلانا النّجم أي أصابه الهلاك الذي يتطيّر فمات، قال والنّجم أيضا دويبة صغيرة. وقال ذو الرّمة:
ولا أبالي النّجم العواطسا
стр. 530
وقال طرفة:
لعمري لقد مرّت عواطس جمة ... ومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمع
قال عواطس لأنّه رأى أشياء مما يتشاءم بها، فجعل كلّ واحد كالعاطس وجعل الظّبي مصمعا: وهو الصّغير الأذن استقباحا له. وقيل: المصمع: المسرع. قال:
وعجراء دفث بالجناح كأنّه ... مع الفجر شيخ في بجاد مقنّع
فإن تمنعي رزقا لعبد يصيبه ... ولن تدفعي بؤسي وما يتوقع
قال الفرزدق:
إذا وطنا لمغتنيه ابن مدرك ... فلقيت من طير العراقيب أخيلا
ويقال: صبّحهم بأخيل: أي بشؤم. ويقال: بعير مخيول: إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه. وقال الأعشى:
انظر إلى كفّ وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني صابر
جعله مثلا لأنّهم كانوا ينظرون إليها يستدلّون بها. وقال جرير في طريقته:
وما كان ذو شغب يمارس عيصنا ... فينظر في كفيّه إلا تندّما
العيص: الأكمة شبّه حسبهم بها، ومعنى ينظر في كفيه أي إذا تعيف علم أنّه لاق شرا.
وقال المرقم السّدوسي مخالفا لهم شعرا:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
الواق: الصّرد، والحاتم: الغراب. وأنشد الجاحظ:
ولست بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول: عداتي اليوم واق وحاتم
ولكنّه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
الخثارم: المتطهّر من الرّجال.
قال الجاحظ: ولإيمان العرب بباب الطّيرة والفأل عقدوا التمائم والرّتائم وعشّروا إذا دخلوا القرى كتعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمرة والنّاحية والمتربّص، وهي غير قداح الإيسار ويشتقّون من اسم الشيء المعاين أو المسموع ما يقيمون به العادة في ذلك، فجعلوا الحمام مرة من الحمام ومرة من الحميم، ومرة من الحمى. وجعلوا البان مرّة من البين، ومرّة من البيان.
стр. 531
وقال الحارث بن حلزة، وكان ينكر الطّيرة: يا أيها المزمع ثم انثنى. الأبيات وقد مرّت في باب العيافة والقيافة. وأنشد المفضّل شعرا:
تغتال عرض الرّويّة المذالة ... ولم ينطعها على غلاله
إلّا بحسن الخلق والنّباله ... آذن بالبين صريد الصّاله
فبات منه القلب في البلباله ... ينزو كنز والطّير في الحباله
صريد: تصغير صرد، وأضاف إلى الصّالة، وهذا كما يقال: غراب البين.
ولقي النبي ﷺ حضرميّ بن عامر في ناس من قومه فنسبهم النّبي ﷺ وقال: «من أنتم؟» فقيل: نحن بنو الزّنية فقال ﵇: «بل أنتم بنو الرّشدة» فقالوا: لا نرغب عن اسم أبينا، ولا نكون مثل بني محوله، يعنون بني عبد الله بن غطفان. قال: «بل أنتم بنو عبد الله فسمّوا بني محوله» .
وما ذكرناه في هذا الباب كاف في موضعه، وقد استقصيت الكلام في فنونه وشعبه في كتابي المعروف (بعنوان الأدب) وذلك في الباب الجامع لذكر الرّموز والعادات. وهو باب كثير الفوائد، غريب الموارد.
وفي الحديث: أنه كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة، واعترض بعضهم عليه فقال: إذا كان الفأل لا يوجب إلّا مثل ما توجب الطّيرة فيما يرجى أو يخاف، فلا فصل بينهما وذاك أن قول القائل يا واجد وأنت باغ، لا يوجب أمرا بخلاف ما يوجبه قوله: يا مضلّ، لأنّ مطلوبك على ما كان عليه لا حقيقة تبدّله، ولا مجاز يغيّره، فيؤدّي الحالتين على طريقة واحدة. قلت: إن تسمع كلمة في نفسها مستحسنة وتكون قد أحدثت من قبل طمعا في أمر من عند الله تعالى فيعجبك سماعك لها إذ كان الطّمع خلاف اليأس، ولأنّ الكلمة واقفته.
ومثاله أن تسمع وأنت خائف يا سالم، فالفأل لا يوجب السّلامة، ولكن كأنّه يبطل اليأس، ويدفع سوء الظّن، والرّجاء بالله وحسن الظّن به محمود مندوب إليه، وإذا ظنّ أنّ المرجو من حيث وافق تلك الكلمة كالأقرن، ففرح بذلك فلا بأس عليه. وإذا كان الأمر على هذا فالطّيرة بعيدة من هذا، وكذلك المتطيّر فيما يأتيه أو يذره وهذا ظاهر.
وحكى الجاحظ عن الأصمعي، قال: هرب بعض البصريّين من بعض الطّواعين فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه ويقول: لن يسبق الله على حمار، ولا على ذي ميعة مطار أن يأتي الحتف على مقدار، قد يصبح الله أمام السّاري، فلمّا سمع ذلك رجع بهم، ومن أعجب ما لهم قول الشّاعر:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحقّ له الفقود
стр. 532
وقول آخر:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغّمر
لأنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم كانوا إذا شكوا سلامة رميهم رقوا نبالهم برقية، ونفثوا فيها نفث السّواحر في عقد ما يبرمونه من سحرها. وهذا كما اعتقد في النّيران وهي كثيرة ينسب بعضهم إلى العجم، وبعضهم إلى العرب وفي أثنائها نيران الدّيانات حتى عبدت. ويذكر هنا ما يأخذ كتابنا هذا منه بحظ، فقد استقصى الجاحظ القول فيها، وذكر أحوال المعظمين لها والمستهينين بها وقد قال الله تعالى في ذكر الثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[سورة الرّحمن، الآية: ٣٥- ٣٦] وليس يريد أنّ التعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، ولكنّه أراد التّحذير بخلقه لها والوعيد بها غير إدخال النّاس فيها، وإحراقهم بها، وفي ذلك نعمة من الله مجدّدة، إذ كان حال من حذر مخالفا بحال من أهمل وترك وما يختاره. وقال الشاعر يد الخصب شعرا:
في حيث خالطت الخزامي عرفجا ... يأتيك قابس أهله لم يقبس
ومن أمثالهم: في كلّ شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وفي الجاهلية الأولى إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد البلاء، واشتدّ الجدب، واحتالوا إلى استمطار جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السّلع والعشر ثم صعدوا بها في جبل وعر وأشعلوا فيها النّار وضجّوا بالدعاء والتّضرع، وكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب السّقيا. لذلك قال أمية بن أبي الصّلت:
سنة أزمة تخيل بالنّاس ... ترى للعضاة فيها صريرا
سلع ما ومثله عشر ما ... عايل ما وعالت البيقورا
ويقال: بقر وباقر وبيقر وبيقور وبقير. وقال بعضهم: تقرّبوا بذلك، كما تفرّد بعضهم بقربان تأكله النّار فإنهم كانوا يأتون بالقرابين ويوقدون نارا عظيمة وتدنى تلك القرابين في لخلف منها وهم يطوفون حولها ويتضرّعون، فإذا أكلت النّار وقد أشعلوها تلك القرابين عدّوا ذلك قبولا لها، وإسعافا بالمطالب منها. وأنشد القحذمي للورل الطّائي في لاستمطار:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وعلى ذكر النّار فللعرب منها ما يذكر في الرّموز. ومنها ما يجعل علامة لحوادث كحذر. ومنها ما يضرب بذكره مثل، أو يعقد به ديانة، أو يقام به تشبيه وسنّة، والجاحظ قد
стр. 533
أثار الرّهج في جمعها ووصفها، والكلام عليها وعلى المتدّينين بعبادتها، وأنا أذكر منها هنا ما يكتفى به إن شاء الله تعالى.
قال الجاحظ: قال الله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[سورة يس، الآية: ٨٠] النار من أكبر الماعون، وأعظم المرافق، ولو لم يكن فيها إلّا أنّ الله تعالى جعلها الزّاجرة عن المعاصي، لكان في ذلك ما يزيد في قدرها ونباهة ذكرها وقال تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
[سورة الواقعة، الآية: ٧٣] فالعاقل المعتبر إذا تأمل قوله تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
تصوّر ما فيها من النّعم أولا ومن النقم آخرا. وقد عذّب الله تعالى الأمم بأنواع العذاب ولم يبعث عليهم نارا لأنّه جعلها من عذاب الآخرة.
قال: ومن النّيران بعدما ذكرها من أنّ العرب في الجاهليّة كانت تستمطر بالنّار التي كانوا يوقدونها عند التّحالف، فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها، وكانوا يقولون في الحلف:
الدّم الدّم والهدم الهدم لا يزيده طلوع الشّمس إلا شدّا، وطول اللّيالي إلا مدّا، وما بلّ البحر صوفة، وما أقام رضوى في مكانه، إذ كان جبلهم رضوى أو ما أنفق من مشاهير بلادهم يؤكّدون العقود بمثل ذلك، وعلى هذا ما ورد في الخبر أنّ النبي ﷺ قال للأنصار لمّا أرادوا أن يبايعوه، فقال أبو الهيثم بن التّيهان: إنّ بيننا وبين القوم حبالا نحن قاطعوها ونخشى إن الله أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «لا بل الدّم الدّم، والهدم الهدم، واللّدم اللّدم» أي حرمتي مع حرمتكم أطلب الدّم بطلبكم، وأعفو بعفوكم، فأجرى الكلام ﷺ على ما كان يجرونه حينئذ عند التّحالف وقال الشّاعر:
ثم الحقي بهدمي ولدمي: أي أصلي وموضعي. والهدم متحركا المهدوم. وقال أوس يصف عيرا:
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهول حالف
وكان قوم اختلفوا عند نار فغشوها حتّى محشتهم النّار، فسمّوا المحاش. لذلك قال النّابغة يخاطب رئيسهم.
جمع محاشك يا يزيد فإنّني ... جمّعت يربوعا لكم وتميما
ونار أخرى: وهي التي كانوا يوقدونها خلف المسافر والزائر الذي لا يريدون رجوعه.
لذلك قال بشار:
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... وردّ عليك الصّبيّ ما استعارا
ونار أخرى توقد لجمع النّاس للحرب، وتوقّع جيش عظيم. قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
стр. 534
ونار أخرى: وهي نار الحرّتين وهي نار خالد بن سنان، ولم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله، وهو الذي أطفأ الله تعالى به نار الحرّتين، وكان حرّة ببلاد عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّء ينفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق فتأتي على ما تقابله فتحرقه. وإذا كان النّهار فهي دخان يفور فبعث الله تعالى خالد بن سنان ﵇، فأطفأها وله قصة مرويّة.
وروي أنّ ابنته قدمت على رسول الله ﷺ فبسط لها رداءه وقال: «هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه» وأنشدوا شعرا:
كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرّجل البصير
ونار أخرى وهي التي أطفأها خالد بن الوليد لمّا أرسله رسول الله ﷺ إليها، وكان السّادن احتال حتى رماه بشرر يوهمه أنّه لتعرّضه لها فقال: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، فكشف الله تعالى ذلك الغطاء برسول الله ﷺ .
فأما نيران السّعالي والجن والغيلان فلها شأن آخر. والنّار التي توقد للظّباء وصيدها معلومة.
ومن النّيران المذكورة نار أبي حباحب، ونار الحباحب أيضا، وقيل أبو حباحب رجل كان لا ينتفع به في ماعون ولا في موقد نار، فجعل ناره مثلا لكلّ نار تراها العين، ولا حقيقة لها عند التماسها ونسبت إليه. وقال القطامي:
ألا إنّها نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
ويشبه نار الحباحب نار البرق.
ونار اليراعة، واليراعة: طائر صغير يصير باللّيل كأنّها شهاب قذف أو مصباح يطير.
وكانوا ربّما أوقدوا نارا واحدة وربّما أوقدوا نيرانا عدة، وربّما أوقدوا نارين. فالواحدة توقد للقرى، ويستدلّ بها الضّالّ والمتحيّر في الظّلمة في اللّيل البهيم. والمطعام يوقد اللّيل كلّه في الشّتاء. ولذلك قال الشّاعر شعرا:
له نار تشبّ بكلّ واد ... إذا النيران ألبست القناعا
وما أن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقال مزرد:
وشبّت له ناران نار برهوة ... ونار بني عبد المدان لدى الغمر
فامّا الإكثار من النيران في مجمعهم فكما يكثرون من الذّبح فيه مخافة أن يجزرهم
стр. 535
جازر، فيستدل بقلّة الذّبح والنّيران على قلّة العدد وضعف العدد، وهذا من مكائدهم.
ومن أحسن ما قيل في نار الضّيافة قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في بقاع يحرق
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق
رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نفرق
وقول الحطيئة أحسن منه وهو:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ونار أخرى وهي نار الميسم: ويقال: ما نارك؟ فيقول: علاطة أو خباطة، أو كذا لذلك قال بعض الحزاب:
تساكني الباعة أين دارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
فكلّ دار لأناس دارها ... وكلّ نار المسلمين نارها
قد وفرّنا قسط هذا الباب لفوائده، وقد أتى الجاحظ على ذكر نيران العرب والعجم ونيران الدّيانات، فبلغ الغاية، ولم يترك لمتتبّع مقالة، وإن كان أخلّ بذكر نارين، إحداهما:
نار الغدر، وهي التي أرادها زبير في قوله شعرا:
وتوقد ناركم شررا ويرفع ... لكم في كلّ مجمعة أواء
والثانية: نار الوشاة: وهي التي أرادها أبو ذؤيب في قوله:
أبى القلب إلا أمّ عمرو فأصبحت ... تحرّق ناري بالشّكاة ونارها
стр. 536
الباب الحادي والسّتون في ذكر الاستدلال بالبرق، والحمرة في الأفق، وغيرهما على الغيث
قال أبو عمرو تقول العرب في السّحابة: تنشأ إن تبهزت متنكبة ووميضها ضعيف يخفى مرّة ويظهر أخرى، فقد أخلفت ومعنى تبهّزت: تقطّعت والبهز حفر تكون في الأرض، ومعنى تنكّبت: عدلت عن القصد، ومنه النّكباء في الرّياح.
وحكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث؟ قال: ما ألقحته الجنوب ومرته الصّبا، ونتجه الشّمال، وإذا كان السّحاب أبيض يبرق بضوء فذاك دليل مائه، ويقولون: إذا رأيت السّماء كأنه بطن أتان قمراء، فذلك الجود. قال الشّاعر:
وأضحى يحطّ المعصمات حزيرة ... وأصبح رجّاف اليمامة أقمرا
الرّجاف: ما رجف من السّحابة. وقال آخر: وهو المتنخّل الهذلي يذكر مطرا شعرا:
تمدّ له حوالب مشعلات ... تجلّلهنّ أقمر ذو انعطاط
قالوا: وإذا كانت السّحابة تبرق كأنها حولاء ناقة، وهو ما يخرج مع الولد فذلك من علامات.
وإذا كانت السّحابة نمرة فهي خليقة بالمطر لذلك قال قائلهم: أرينها نمرة- أركها مطرة. والنّمرة التي ترى سحابها صغارا بتداني بعضها من بعض، ويكون كلون النّمر، وإذا كان السّحاب بطيئا في سيره، فذاك دليل على كثرة مائه ولذلك قال الهذلي يصفه:
وأقبل مرّا إلى بحدل ... سباق المقيد يمشي رسيفا
وقال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح
جعل له هدبا يتدلّى لثقله ودنّوه من الأرض.
стр. 537
شعر:
فمن بنحوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح
ومثله قول الآخر:
أسدف منشقّ عراه فذو الأدماث ... ما كان كذي الموئل
الأسدف: الأسود وجعل عراه ينشقّ بالماء والدّمث: السّهل اللّين، والموئل: المكان المرتفع الذي يئل النّاس إليه من السّيل.
وروي أن المعقّر البارقي سأل ابنته عن السّحابة وقد كفّ بصره، وإنمّا سمع صوت رعدة فقالت: أرى سحما عفاقة، كأنّها حولاء ناقة ذات هيدب دان وسير وان فقال: يا بنية وائلي بي إلى جنب قفلة، فإنها لا تنبت إلا بمنجاة من السّيل. القفل: ضرب من الشّجر لا ينبت إلا مرتفعا من السّيل وإذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك دليل على أنه لا ماء فيه وعلى الجدب. قال النابغة شعرا:
صهباء ظمّاء أبين البين عن عرض ... يزجين غيما قليلا ماؤه شبما
وقال أمية بن أبي الصّلت يذكره شدّة الزّمان في الشّتاء:
وشوّذت شمسهم إذا طلعت ... بالجلب هفا كأنّه الكتم
شوّذت: عليت وعمّمت، ويقال للعمامة المشوّذ والجلب: سحاب لا ماء فيه، والهف: الرّقيق. وذلك من علامات الجدب.
وقد يعترض في الأفق حمرة بالغداة والعشيّ من غير سحاب في الشّتاء فيستدلّ به على قلّة الخير وشدّة الزّمان. وقال النابغة شعرا:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله ... صرّ الشّتاء من الإمحال كالآدم
يريد: لا يخلون في هذا الوقت، والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في المسير. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها ... لشيبان أو ملحان فاليوم أشهب
وقال الفرزدق:
يغضّون بأطراف العصيّ تلفّهم ... من الشّام حمر الضّحى والأصائل
يريد حمر الآفاق: أوّل النّهار وآخره، فهذه الحمرة التي بيّنتها ودللت عليها بشواهدها
стр. 538
من الشّعر وغيره هي التي تدلّ على الجدب.
وقد يستدلّ بالحمرة إذا اشتدّت جدا في السّحاب المخيّل وإنّما تكون من شعاع الشّمس عند الطّلوع وعند الغروب على المطر. والفرق بينهما أنّ تلك تكون بغير سحاب أو تكون مع شيء رقيق منه، وحمرة الغيث تكون شديدة عند الطّلوع وعند الغروب في سحاب متكاثف مخيل. والحمرة التي يشير إليها إنما هي من قرص الشّمس لأنّك تراه في المشرق والمغرب للغبار والبخار، والضّباب المعترض بينك وبينها أحمر وأصفر للهواء الملابس لها، وقد توجد النّار تختلف على قدر اختلاف النعظ الأزرق والأبيض والأسود.
وذلك كلّه يتغيّر في مرأى العين بالعرض الذي يعرض للعين، وعلى قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان تجدها حمراء أو صفراء أو خضراء.
ولذلك يوجد برق السّحاب مختلفا في الحمرة والبياض على قدر المقابلات والأعراض، وتجد السّحابة بيضاء، فإذا قابلت الشّمس بعض المقابلة فإن كانت السّحابة غربيّة والشّمس منحطة، رأيتها صفراء ثم حمراء ثم سوداء تعرض العين لبعض ما يدخل عليه، وقال الفلتان الفهمي في النّار:
ويوقدها شقراء في رأس هضبة
وقال مزرّد:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء يشز للعيون النّواظر
وقال الراعي وهو يريد أن يصف لون ذئب:
كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان حزم عرفجاء ميلولا
المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد وهو يشويها وجعله غرثان لأنه لغرثه لا يميز الرّطب من اليابس، فهو يشويها بما حضره، وأدلّة هذا الكلام كلّه ليكون لون الدخان ولون الذئب الأطحل متّفقين، فأما شيم البروق فكانوا يقولون: إذا بلغت سبعون برقة انتقلوا ولم يبعثوا رائدا لثقتهم بالمطر، وإذا كان البرق عندهم وليفا وثقوا بالمطر. والوليف: الذي يلمع لمعتين. قال الهذلي شعرا:
لشمّاء بعد أشتاب النّوى ... وقد بتّ أجنبت برقا وليفا
وإذا تتابع لمعانه كان مخيلا للمطر.
ويقال: ارتعج البرق إذا كثر وتتابع. وقال الرّاجز شعرا:
سحّا أهاضيب وبرقا مرعجا ... يجاوب الرّعد إذا تبّوجا
стр. 539
وإذا تتابع بلمعتين لمعتين شبّه بلمع اليدين. قال امرؤ القيس شعرا:
أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيّ مكلّل
الحبي: السّحاب المشرف، مكلّل بعضه على بعض.
ويقال: مكلّل بالبرق وإذا كان خفوا كان دليلا على الغيث. وقال حميد بن ثور شعرا:
خفا كاقتذاء الطّير وهنا كأنّه ... سراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما
واقتذاء الطّير: تغميضها أعينها وفتحها إيّاها، كأنّها تلقي القذى منها، وكلّهم يجعل البرق يمانيا ولا يجعله أحد شاميا، لأنّ الشّامي أكثره خلّب عندهم، وهذا يدلّ على أنّ المطر للجنوب لأنّها يمانية. وقال آخر شعرا:
ألا حبّذا البرق وحبّذا ... جنوب أتانا بالعشيّ نسيمها
ويقال: أوسم البرق إذا بدا وألاح إذا أضاء ما حوله. وأنشد لأبي ذؤيب شعرا:
رأيت وأهلي بوادي الرّجيع ... من آل قيلة برقا مليحا
ويقال: أوسمت المرأة؛ إذا بدا ثديها ينوء. قال أبو عبد الله وقال العقيلي: إذا رأيت السّماء قد اصحامت فكأنها بطن أتان قمراء. ورأيت السّحاب متدليا كأنه اللّحم الثنت، مستمسك منه ومنهرت، فحينئذ الغياث. وقال أبو صالح الفزاري: كنا نقول: إذا رأيت البرق في أعلى السّحابة أو في جوانبها فهي بإذن الله ماطرة غير مخلفة، وإذا رأيت البرق في أسافلها فقد أخلفت.
стр. 540
الباب الثّاني والستون في الكواكب الخنّس وفي هلال شهر رمضان
قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ
[سورة التكوير، الآية: ١٥- ١٦] وقد تقدّم القول في أنّها خمسة: زحل- والمشتري- والمريخ- والزهرة- وعطارد. وأنّها سيّارة كالشّمس- والقمر. وقد يسمّى بعضها بغير هذه الأسماء المريخ بهرام. ويسمّى المشتري البرجيس- ويسمّى الزّهرة أناهيد- ويسمّى زحل كيوان- ويسمّى القمر ماه- وتسمّى الشمس مهر- ويسمى عطارد نير- وقال رؤبة:
أسقيه نضّاح الصبّا بجيسا ... كافح بعد النّثرة البرجيسا
البجيس: المتفجّر، وفي القرآن: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
[سورة الأعراف، الآية: ١٦٠] .
ويقال: هذه أرض تنبجس عيونا، وكافح: واجه. والنّثرة: من ذوات الأنواء، والبرجيس: هو المشتري، ولا حظّ له في المطر عندهم، وظن رؤبة أنه من ذوات الأنواء، وهذا كما أنّ الكميت قال وهو يصف ثورا بشدّة العدو شعرا:
ثم استمر وللأشباه تذكرة ... كأنّه الكواكب المريخ أو زحل
أراد أن يشبّهه بكوكب منقض، فظنّ أنّ المريخ وزحل ينقضّان، وقيل في عذر رؤبة:
إنه كان سمع البرجيس وإنه اسم كوكب، وخفي عليه أنه اسم المشتري في لسان غيرهم.
وقيل في عذر الكميت: إنّ انقضاض الكوكب إسلامي رجم به مسترقة السمع، ولم يعرف قبل الإسلام فلذلك خفي عليه أنّ المريخ وزحل ليسا من الرّجوم. وإنما سمّيت هذه الكواكب خنّسا لأنها تسير في الفلك ثم ترجع، بينا أحدها في آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، ولذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا، وإنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها.
وذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس فتصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب، فترى كذلك حينا ثم تكرّ راجعة نحو
стр. 541
الشّمس حتى تجاورها، فتصير بين يديها فتظهر حينئذ في المشرق بالغداة، هكذا هي أبدا، فمتى ظهرت في المغرب فهي مستقيمة ومتى ظهرت في المشرق فهي راجعة، وكل شيء استمرّ ثم انقبض فقد خنس، ومنه سمّي الشّيطان خناسا لأنه يوسوس في القلب، فإذا ذكر الله خنس، وسمّيت كنّسا بالاستسرار كما تكنس الظّباء. وصفات الخنّس الزّهرة أعظمها في المنظر، وأشدّها بياضا ثم المشتري في مثل هيئتها. وفي زحل كمودة. وفي المرّيخ حمرة وفي عطارد صفرة. وقد تقدّم القول في استسرار القمر، وأنّه يقطع المنازل في استسراره كما يقطع في ظهوره. وأنهم يسمّون آخر ليلة في الشهر البراء لتبرّؤ القمر من الشّهر فيه. وأما قول الشّاعر شعرا:
يا عين بكّي عامرا وعبسا ... يوما إذا كان البراء بخسا
فالمراد إذا لم يكن فيه مطر، لأنّ المطر يستحبّ في سرار القمر.
فأمّا هلال شهر رمضان فقد قال رسول الله ﷺ : «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدة» . وهذه رواية ابن عباس ﵄.
وفي حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فاقدروا له» رواية ابن عمر ﵄. ومعنى أقدروا له: قدّروا له المسير والمنازل.
يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى، والتّقدير له يكون إذا غمّ على النّاس ليلة ثلاثين في آخر شعبان لليلة ويعلم أنّه يمكث ستة أسباع ساعة من أوّلها ثم يغيب وذلك في أدنى مفارقته للشّمس، ولا يزال يزيد في كلّ ليلة على مكثه في اللّيلة قبلها ستة أسباع ساعة، فإذا كان في اللّيلة السّابعة غاب في نصف اللّيل، وإذا كان في ليلة أربع عشرة طلع مع غروب الشّمس، وغرب مع طلوعها ثم يتأخّر طلوعه عن أول ليلة خمس عشرة ستة أسباع، ولا يزال يتأخر طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة فإن لم ير صبح ثمان وعشرين، علم أن الشّهر ناقص وعدته تسعة وعشرون يوما.
وإن رؤي علم أن الشّهر تام وعدّته ثلاثون، وقد يعرف أيضا بمكث الهلال في ليالي النّصف الأوّل من الشّهر ومغيبه، وأوقات طلوعه ليالي النّصف الآخر من الشّهر، وتأخرّه عن أوّل اللّيل، ويتعرّف من المنازل بأنّ الهلال إذا طلع في أوّل ليلة من شعبان في الشّرطين، وكان شعبان تاما طلع في أول ليلة من شهر رمضان في الثّريا، وإن كان شعبان ناقصا طلع في البطين، وهذا أمر يضيق ويصعب على الناس، ويكثر فيه التّنازع والاختلاف، فنسخه رسول الله ﷺ بقوله: «إذا غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» ولا يمكن أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس وبالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد، ولكن يمكن ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة، وإذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
стр. 542
وأما ما روي من قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» فإن اللّام فيه بمعنى بعد ومثله قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[سورة الطلاق، الآية: ١] واللّام لإضافة عدّة مواضع.
وقد ذكرتها أو أكثرها في غير هذا الموضع، وقال بعض أهل النظر: المراد صوموا لما أقبل من رؤيته.
وكذلك طلّقوهنّ لما أقبل من عدّتهن. قال وقبل كلّ شيء وجهه وأوّله، كما أنّ دبره آخره، وكلّما يؤقّت فله أوّل وآخر، فما دام زائدا فهو مقبل، فإذا أخذ في النّقصان فهو مدبر مثل النّهار فهو مقبل من الفجر إلى الاستواء لأنّه في الزّيادة ثم مدبر، لأنّه في النّقصان إلى اللّيل، ولا يقال: هو مقبل وقد أقبل إلّا عند دخول وقته. ومنه قوله ﷺ : «إذا أقبل اللّيل وأدبر النّهار فقد أفطر الصائم» . ولا يجوز أن يقال: أقبل اللّيل إلّا بعد مغيب الشّمس، لأنّ الصّائم لا يعود مفطرا إلا به لقوله: فقد أفطر الصّائم. أي انقضى صومه لذهاب وقته ودخول وقت آخر لا يكون الصّوم فيه ويؤيد هذا الّذي ذكرناه قول الرّاجز شعرا:
وقلّة الطّعم إذا الزّاد حضر ... وتركي الحسناء في قبل الطّهر
لأنّ المراد أوّل طهرها لا ما قبله من الحيض، فمراد الشّاعر فيه مثل مراد الأخطل حين قال شعرا:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بإطهار
وقد بيّن غيره بأتمّ من هذا الذي قال:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النّساء عواقب الأطهار
وهذا ظاهر ولو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضدّه لكان الصّائم مفطرا قبل مغيب الشّمس، إذ اللّيل عنده يقبل في إدبار النّهار، وقبل انقضائه كلّه وهذا لا يقوله أحد. وإذا كان الأمر على هذا فأذن الله تعالى في الطّلاق بقوله: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[سورة الطلاق، الآية: ١] لا يكون واقعا إلا بعد دخول وقت العدّة التي أذن الله في الطّلاق له، والطّهر وبعد انقضاء إدبار الوقت الذي منع من الطّلاق فيه وانتهائه وهو الحيض، فكذلك قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» يعني الهلال والصّوم لا يكون إلا بعده بساعات ووقت مديد، ومن مواضع اللّام قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[سورة طه، الآية: ١٤] لأنّ المعنى أدم الصّلاة لتسبّحني وتمجّدني، وذلك هو الذّكر إذ كان علة له وسببا، وهذا يخالف: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] لأنّ دلوك الشمس بيان وقت، ومثله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ
[سورة الحشر، الآية: ٢] في أنه بيان وقت، ألا ترى أنّ الحشر لم يكن علة لإخراجهم، بل كان علة إخراجهم كفرهم وإباؤهم الإسلام.
стр. 543
الباب الثالث والسّتون في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمّى الثّابتة وهذه التّسمية على الأغلب من أمرها
إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.
قال أبو حنيفة: اعلم أنّ سير هذه الكواكب على خفائه مستمر على تأليف البروج الاثني عشر لا يعرض لشيء منها رجوع، فقد ميّز قدماء العلماء كواكب السّماء على وجه الدّهر وصنّفوها فجعلوها منزلة في منازل سبعة من الأقدار فجعلوا كبارها في القدر الأول، وهي التي يسمّيها العرب الدّراري، والواحد دري منسوب إلى الدرّ في الصّفاء والحسن، وفي التنزيل: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ
[سورة النّور، الآية: ٣٥] وقال الرّاجز:
أنّى على أوني وانجراري ... أؤم بالمنزل والدّراري
الأون: الثقل، والانجرار: أن يترك الإبل في مسيرها وعليها الأحمال ترى.
يقال: جرّ الإبل يجرّها جرّا ويعني بالمنزل والدّراري منازل القمر ودراري الكواكب، وهي مشبوباتها ذوات السّطوع والتّوقّد. قال الشّماخ:
وعنس كألوان الأران لضاتها ... إذا قيل للمشبوبتين هماهما
لضاتها ونساتها بمعنى أي زجرتها وهيّجتها. وقيل: أراد بالمشبوبتين الشعريين. وقيل الزّهرة والشّعرى العبور وهما أنور نجوم السّماء. فالذي أحصى العلماء من دراري النّجوم سوى الخمسة المتحيّرة خمسة عشر كوكبا، وهي في القدر الأوّل من العظم وهي الشّعريان- وسهيل- والمحنّث- العيّوق- والسّماكان- واليدان- وقلب الأسد- والنّسر الواقع- والصّرفة- ومنكب الجوزاء- ورجلها وأضوأ كواكب الفرعين.
والذي أحصوا مما هو دون هذه وهي في القدر الثّاني من العظم خمسة وأربعون كوكبا: كالفرقدين وبنات نعش الكبرى وقلب العقرب والرّدف والنّسر الطائر، ورأس الغول- والعناق- وقلب الحوت- وأشباهها مما ترك ذكر سائرها للأقدار الباقية لأنّ مواضعها غير
стр. 544
كتابنا هذا. وقد ميّز أصحاب الأحكام من المنجّمين من هذه الكواكب الستّين ثلاثين كوكبا وجعلوا لكلّ كوكب منها خراجا من طبائع الكواكب الخمسة المتحيّرة ووضعوها أساسا للأقضية التي يحلفونها والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فإن قيل: كيف تميّز للعلماء مواضع هذه الكواكب ومقاديرها في سيرها على خفائها وعجز الحس عن إدراكها؟ قلت: أدركوا ذلك في الأزمنة المتعاقبة والدّهور المترادفة، فكان أحدهم يقف في عمره مع تفقّده البليغ لها على بعض أحوالها، ثم يرسم ما يقف عليه لمن يخلف بعده، وقد شاركه فيما مضى ثم قاس الأخلاف بعدهم قرنا بعد قرن، فوجدوها وقد تقدّمت عن تلك الأماكن الأول، وكذلك فعل الأخلاف للأخلاف، وقد ضبطوا تواريخ تلك الأزمنة معتبرين فوجدها تتحرك بأسرها معا حركة واحدة، فتقطع في كلّ مائة عام درجة واحدة، حينئذ حكموا بما قالوا، فهذه حال هذه الكواكب المسمّاة ثوابت، إلّا كوكبا واحدا، فإنّه سيّار خلاف سيرها، وخلاف سير السّيارات كلّها وهو الكوكب الذي سمّاه المنجّمون ذا الضفيرة وذا الذّؤابة وهو الذي تسمّيه العامّة كوكب الذّنب، وإنّما يظهر في الزّمان بعد الزّمان ولأصحاب الملاحم فيه روايات.
فعلى هذا عرف العلماء مواضع هذه الكواكب من الفلك وحكموا بما حكموا في كتبهم من شأنها.
ولما أرادوا تميّز كواكب السّماء قسمّوا الفلك قسمين، فسموا أحد القسمين جنوبيا، والنّصف الآخر شماليا، ولذلك سمّوا ما وقع من البروج والكواكب فيهما، وسمّت العرب تلك الشّمالية شآمية، والجنوبية يمانية، ولا فرق بين المقصودين، ولذلك جعلوا ما بين رأس الحمل إلى رأس الميزان من البروج شآمية، وما بين رأس الميزان إلى رأس الحمل من البروج يمانية.
وكذلك جعلوا ما بين الشّرطين من المنازل إلى السّماك شآمية، وجعلوا ما بين الغفر إلى الرّشاء يمانية، وجميع ذلك قد تقدم القول فيه، فأقرب مشاهير الكواكب إلى القطب بنات النّعش الصّغرى وهي شآمية سبعة كواكب في نظم بنات نعش الكبرى، أربعة منها نعش وثلاث بنات، والمنجّمون يسمّونها ذنب الدّب الأصغر. فمن الأربعة الفرقدان وهما المتقدّمان المضيئان، والآخران وراءهما خفيّان. ومن البنات وهي ثلاث أوّلها: الكوكب الذي يسمّى الجدي وهو الكوكب الذي يتوخى النّاس بها القبلة، لأنّه لا يزول وتسميه العرب جدي بنات نعش، يكبّ على اليدين فيستدير. وقال الأخطل وذكر بني سليم شعرا:
ولا يلاقون فراضا إلى نسب ... حتى يلاقي جدي الفرقد القمر
стр. 545
نسب الجدي إلى الفرقد كما نسبه الآخر فقال يذكر المطايا:
تياسرن عن جدي الفراقد في السّرى ... ويا من شيئا عن يمين المغاور
وهذا الجدي ليس من البروج ولا منازل القمر فهو لا يلقى القمر أبدا، وكذلك بنات نعش، لذلك قال بعضهم وهو يهجو:
أولئك معشر كبنات نعش ... خوالف لا تسير مع النّجوم
خوالف: أي متخلّفة عن النّجوم، والخالفة ما لا خير فيه فيقول: لا نفع عندهم ولا فائدة من جهتهم.
ويروى: ضواجع ومعناه: رواكد لا غناء عندهم، كما أنّ بنات نعش لا نوء لها ولا نسب شيء إليها. وقال بشر بن أبي حازم في دورانها حول القطب:
أراقب في السّماء بنات نعش ... وقد دارت كما عطف الظّوار
يريد أنّه سهر ليلته كلّها إلى أن دارت بنات نعش وهي تنقلب في آخر اللّيل وخص بنات نعش لأنّها لا تغيب لذلك لا يجعلون الاهتداء بها وبالفرقدين. وقال الراعي شعرا:
لا يتّخذنّ إذا علونا مفازة ... إلّا بياض الفرقدين دليلا
قال أبو حنيفة: فالكواكب الثّلاثة التي هي البنات وكوكبان من النّعش فيهما أحد الفرقدين، هؤلاء الخمسة في شطر فيهما واحد كقوس، وقد قابله شطر آخر مثله فيه كواكب خفيّة متناسقة، أخذت من الجدي إلى الفرقدين حتى صار هذان الشّطران شبهان بخلقة السّمكة، والنّاس يسمّونها بالفأس تشبها بفأس الرّحى التي القطب في وسطها، يظنّون أنّ قطب الفلك في وسط هذه الصّورة. قال: وليس كذلك بل القطب بقرب الكوكب الذي يلي الجدي من هذا الشّطر الخفي الكواكب فوجدت هذه الكواكب أقرب كواكب السّماء كلّها من هذا القطب، لم أجد بينه وبين القطب إلّا أقلّ من درجة واحدة. وليس القطب بكوكب بل هو نقطة من الفلك.
ومن الشآمية بنات نعش الكبرى، وهي أيضا سبعة كواكب على عدد الصّغرى وفي شبيه تنظمها ثلاث بنات وأربعة نعش، والعرب تسمّي الأوّل من البنات، وهو الذي في الطّرف القائد: وتسمّي الأوسط العناق: وتسمّي الثّالث الذي يلي النّعش، الجون: وإلى جانب الكواكب الأوسط منها كويكب صغير جدا يكاد يلزق به ويسمّى السّهى وبه جرى المثل في قولهم: أريه السّهى ويريني القمر، ويقال له: الصّيدق ويعيش والنّاس يمتحنون به أبصارهم فمن ضعف بصره لم يره.
стр. 546
ويروى أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يفعلون ذلك، وتقول العرب لبنات نعش بنو نعش وآل نعش. قال:
تمزّزتها والدّيك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصّوبوا
وإنما قال: دنوا فتصوّبوا لأنّه لما أخبر عنها كما يخبر عن العاقلين جعل ضميرها ضمير العاقلين. وقال الشّاعر:
فنيت وأفناني الزّمان وأصبحت ... لداي بنو نعش وزهر الفراقد
وقال آخر:
وهل حدّثت عن أخوين داما ... على الأيّام إلّا ابني شمام
وإلّا الفرقدين وآل نعش ... خوالد ما تحدّث بانهدام
وقال آخر يذمّ قوما:
وأنتم كواكب مسحولة ... ترى في السّماء ولا تعلم
فهذا في طريقة قوله:
أولئك معشر كبنات نعش
والمسحولة: المرذولة. وبالقرب من الفرقدين كوكبان مقترنان بينهما في رأي العين بعد القامة، إذا اعترض الفرقدان انتصبا، وإذا انتصب الفرقدان اعترضا، يسمّيها العرب:
الحرّين ويسمّيان أيضا: الذّنبين، ويسمّيان أيضا: العوهقين.
وقال الرّاجز:
بحيث بارى العوهقين الفرقدا ... عند مسدّ القطب حيث استوسقا
وقال أبو زيد الكلابي: الحرّان كوكبان أبيضان بين العوائذ، والفرقدين بينهما قدر ثلاثة أذرع في رأي العين، ويسمّيان الذّنبين، وقدّامهما كواكب صغار تسمّى: أظفار الذّئب، وهناك كوكبان أوسع من كوكبي الحرّين يقال لهما: كوكبا الفرق وعند الأعلى منهما كواكب صغار خفيّة مستديرة تسمّى: القدر والقرحة كوكب أسفل من كوكبي الفرق كموضع قرحة الدّابة من الأذنين. وزعموا أنّ القرحة إذا طلعت استقبلت قبلة الكوفة وفيما هنالك الهلبة:
وهي كواكب ملتّفة يظنّ من لم يتثبّت من تأملها أنّها الثّريا، والعامة تسمّيها السّنبلة ومعنى الهلبة الخصلة من الشّعر. والعرب تسمّي هلبة الأسد، وهي فيما بين البنات من بنات نعش الكبرى.
وأمّا الصرفة فهي الكوكب النّيّر المنفرد الذي على أثر الزبرة، والعرب تقول:
стр. 547
ضرب الأسد بذنبه فنغزت الظّبأ، ونغزات الظبأ ثلاث: كلّ نغزة منها كوكبان متقاربان كأثر ظلفي الظّبي.
ويقال لها أيضا: النّوافز والفقرات ويسمّى أيضا القرائن وأشعيلبات، والظّبا كواكب خفيّة مستطيلة مثل الحبل الممدود من عند الهلبة إلى العيّوق، وأولاد الظبأ كواكب صغار فيما بين الظبأ والفقرات. وفيما هنالك الحوض وليس بمتّصل الاستدارة والعوائذ وهي كواكب أربعة مربعة غير متباعدة في وسطها كوكب كأنّه لطخة غيم يسمى الرّبع شبّههنّ بأنيق أربع، عطفن على ربع وهي من الشآمية عن يسار النّسر الواقع فيما بينه وبين بنات نعش.
ومن الشآمية الفكة: وهي كواكب مستديرة فيها مرجة، والعامّة تسميها قصعة المساكين من أجل الثّلمة التي فيها. ومن كواكبها كوكب هو أنورها يقال له: منير الفكة والأوائل من المنجمين سمّوا الفكة الإكليل الشّمالي وإذا توسّطت الفكّة السّماء أو قاربت فنظرت إليها رأيت السّماك الرّامح بين يديها، ورأيت رأية السّماك خلفه بينه وبين الفكّة وهو كوكب منتبذ عنه، يعارضه كوكب بالقرب منه كأنه عذبة في رمح. ولذلك قيل له: الرّامح وذو السّلاح وقيل للسماك الآخر الأعزل.
والنّسقان: شطران ابتدأ أحدهما إلى قرب النّسر الواقع، وهو النّسق الشآمي، والآخر إلى جهة النّعام الوارد حتّى شرع في المجرّة وهو النّسق اليماني.
ويقال لما بين النّسقين الرّوضة، وفي داخل الرّوضة كوكب أبيض منفرد يقال له الرّاعي. وبالقرب منه كواكب صغار، ويقولون هي غنمة يرعاها في الرّوضة، وفي أضعاف تلك الكواكب كوكب وباض صغير، يقولون: هو كلبة ويقال للنّسق النّسيق أيضا.
ومن الشآمية النّسر الواقع، وإليه ينتهي النّسق الشآمي وهو كوكب أزهر خلفه كوكبان منه كأنهما وإياه أثافي قدر، وكذلك تسمّيها العامّة، وإنّما قيل له: الواقع لأنّ الكوكبين اللّذين معه بمنزلة جناحيه قد ضمّهما إليه، ولأنّ هناك نسرا آخر يقال له: الطائر، وسمّى القدماء من المنجمين النّسر الواقع الاوزة.
وبإزاء النّسر الواقع مما يلي الجنوب النّسر الطائر ثلاثة كواكب مصطفة والأوسط منها هو أنورها، وهو النّسر والآخران جناحاه، وقد بسطهما ولذلك قيل له الطّائر، والعامّة تسمّيه الميزان، لاستواء كواكبه في اصطفافها واعتدال الأوسط منها بين الآخرين.
ورواء النّسر الواقع كواكب أربعة على اختلاف قد قطعت المجرّة عرضا ويسمّيه العرب الفوارس، تشبيها بفوارس أربعة يتسايرون.
ووراءها بالقرب كوكب أزهر منفرد في وسط المجرّة تسمّيه العرب الرّدف كأنّه ردف
стр. 548
الفوارس يتبعها، والمنجّمون يسمّون هذا الكوكب: ذنب الدّجاجة، وقد وضعوه في الاصطرلاب للقياس به، ويسقط الفوارس والرّدف مع طلوع النّثرة وتطلع مع طلوع الشّولة.
وكذلك النّسران وهما من الكواكب الشآمية، وعلى أثر النّسر الطائر كواكب أربعة مصلّبة النّظم تسمّيها العامّة الصّليب، وتسمّيها العرب القعود ويسقط الصّليب مع طلوع سهيل، وتطلع مع سقوط الشّعرى.
ووراء الرّدف في حومة المجرّة كفّ الثّريا الخضيب، وهي كواكب خمسة بيض مختلفة النّظام وهي أيضا سنام النّاقة، والنّاقة في مثل خلقة النّجيب الضّامر الدّقيق الخطم، وخطمها في جهة الجنوب، وعنقها كواكب تتابعت من عند الرّأس، فانحدرت انحدار العنق، ثم ارتفعت إلى سنامها، وهنالك لطخة سحابيّة في مثل موضع الفخذ، يقولون: هي وسم النّاقة، وهذه اللّطخة هي معصم الثّريا ورأس الحوت في لبّة النّاقة، وهو في مثل صورة السّمكة غير أنّها عظيمة.
وفي جملتها كوكب هو أضوؤها يقال له: قلب الحوت. وفوق رأس النّاقة حوت آخر، ورأس النّاقة ذنبه وهو أقصر من الحوت الأسفل وأعرض.
ووراء الكفّ الخضيب العيّوق، وهو كوكب عظيم نيّر في حاشية المجرّة التي تلي الشّمال يقال له: عيّوق الثّريا، وذلك كأنّهما يطلعان معا، وإذا توسّطا السّماء تدانيا في رأي العين. قال الشاعر شعرا:
كأنّ صديا والملامة ما سقى ... لكالنّجم والعيّوق ما طلعا معا
يقول: لا يتخلّف اللّوم عن صدى كما لا يتخلّف واحد من الثّريا والعيّوق عن صاحبه، وفي إضافة العيّوق إلى الثّريا قال الشاعر:
وعاذلة هبّت بليل تلومني ... وقد غاب عيّوق الثّريا فعّردا
ولتدانيهما إذا توسّطا السّماء قال بشر:
وعاندت الثّريّا بعد هدء ... معاندة لها العيّوق جار
ظنّ أنّ الثّريا تركت طريقها وعاندت إلى العيّوق وذلك من أجل البعد الّذي بينهما في المطلع والقرب الذي بينهما في وسط السّماء، وهو فيعول من العوق والعيق جميعا والعوق الذي لا حرّ فيه.
ويقال: العيق وهو من قولهم ما يعيق به حرّ ولا يليق. ووراء العيّوق غير بعيد كواكب
стр. 549
ثلاثة: زهر مصطفّة متقوّسة قد قطعت المجرّة عرضا ويسمّى: توابع العيوق. ويقال لها:
الأعلام أيضا. ويقال للذي تحته: رجل العيّوق.
ومن أمثالهم فيما يبعد من الطمع: هو أبعد من العيّوق، كما يقولون: هو أبعد من الثّريا. وهناك سطر من كواكب امتدّت في الشّمال على انعطاف تسمّى: الكفّ الجذماء لقصرها، ويقولون للثّريا: الرّأس فيما بين اليدين وفي اليمنى كواكب هي أنورها فيها العاتق وهو أقربها إلى الثّريا، ثم المنكب بعده، ثم المرفق كويكب صغير يقال له: إبرة المرفق، وهنالك أيضا المابض.
أما ابرة المرفق من الإنسان فهو طرف عظم السّاعد وهو الذي يذرع بذراع والطرف الآخر الذي يثنى إذا قبضت ذراعك إليك يقال له: القبيح. حيث تلاقي الإبرة القبيحا.
ويقال لما بين المرفق والمعصم الساعد ويصغّر فيقال: السّويعد. ويقال ما بعد المعصم وهي الكف، الخضيب كف الثّريا. وهناك كوكب نيّر قدر كوكبي المرفق والعضد فهو معهما في صورة مثلّثة واسعة كلّ كوكب في زاوية من زواياها والمنجّمون يسمّون هذا الكوكب: رأس الغول. وقريب منه كوكب نيّر فيما بين قلب الحوت ومرفق الثّريا يسمّى:
عناق الثريّا وهي غير العناق الذي في بنات نعش.
ورى ابن الأعرابي عن العرب: قال عند بنات نعش كوكب يقال له: رأس الحية ورأس الحية مثل رأس الخلخال، والتّنين فيما وصفه المنجّمون هناك عند رأسه.
ويوجد من بنات نعش كوكب أحمر يقال له: الذّبح. وهو ذكر الضّباع. وهناك كواكب صغار فيما بين القرحة والجدي. والرّاعي كوكب من كواكب الشاء. وكلب الراعي: كوكب صغير قريب منه.
وأسفل من بنات نعش كواكب كثيرة مختلطة يقال لها الضباع.
ويوجد كواكب صغار عن يمين الضّباع بينها وبين بنات نعش. والخباء كواكب في مثل هيئة الخباء أسفل من أولاد الضّباع.
وخلف العاتق كوكبان بينه وبين العنق يسمّيان: المرجف والبرجس.
وقال عن يمين الكف الجذماء البقر أسفل من الكفّ الجذماء متّصلة بالثّريا فهذه مشاهير الكواكب الشّامية.
ونذكر الآن الكواكب اليمانية فمنها: منكبا الجوزاء وهما أيضا يداها. والأيمن منهما كوكب أحمر، وقد وضع في الاصطرلاب، والعرب تسمّيه مرزم الجوزاء، والهقعة بين
стр. 550
المنكبين وهي عند العرب رأس الجوزاء لأنّ الجوزاء في المنظر شبيهة بصورة الإنسان.
وربّما سمّوا المنكب الأيسر النّاجذ.
وأمّا الكواكب البيض المستعرضة في وسط الجوزاء الوباضة فإنّ العرب تسمّيها النّظم وتسمّيها أيضا: نطاق الجوزاء وفقار الجوزاء. ويسمّون الكواكب الثلاثة المنحدرة من عند هذه الأولى الجواري وكأنّها في موضع الرّجل من ظاهر الصّورة.
وهناك كوكب أبيض وباض في مثل القدم يقال له: رجل الجوزاء اليسرى وقد وضعه المنجّمون للقياس، ورجلها اليمنى كوكب أبيض أصغر من الأول وقال الشّاعر:
فلمّا رأى الجوزاء أوّل صابح
وضرتها الكواكب التي معها. وقال الآخر فيهما جميعا. وفتية غيد من التّسهيد.
الأبيات. وقد مضت في الباب السّادس والخمسين، ومن نظر إليها وهي على الأفق بان له حسنها.
وتحت كلّ واحدة من رجل الجوزاء كواكب أربعة تسمّى كرسي الجوزاء، وأحد الكرسيين أبين من الآخر، ويسمّى كرسي الجوزاء النّهل.
وفوق رأس الجوزاء كواكب صغار كالعقد الموزج يسمّى تاج الجوزاء ويسمّيها العرب أيضا ذوائب الجوزاء.
وأسفل من الجوزاء على يسارك إذا نظرت إليها الشّعرى العبور، وهي الكوكب العظيم الوباض، وقد ذكرنا الأخرى في منازل القمر، وإنّ المجرّة تمرّ بين الشّعريين وأسفل من كرسي الجوزاء.
ومن الشّعرى العبور ثلاثة كواكب بيض مختلفة التّثليث تشبهها العرب عذرة الجوزاء وقد يجعلها قوم خمسة كواكب. وهناك كواكب إن ضمّ بعضها إلى الثّلاثة صارت خمسة، وقد تسمّيها العرب: العذارى وهي في حاشية المجرّة الغربيّة.
وإذا انحطّت الجبهة عن كبد السّماء فنظرت رأيت بينها وبين الشّعرى الغميصا أربعة كواكب مربعة فيها استطالة كهيئة وجه الفرس، تسمّى رأس الحيّة، وقد امتدت من عنده كواكب متناسقة على تعريج، حتى قربت من عرش السّماك الأعزل، وهذه الكواكب هي بدن الحيّة، وفيها كوكب هو أضوأ كواكبها يسمّيها المنجّمون: عنق الحيّة، ومنهم من يسمّيه فقار الحية، لأنّه بعيد من الأوّل، وقد وضع هذا الكوكب في الاصطرلاب، والعرب تسميه الفرد، وإيّاه عنى الشّاعر بقوله:
وقد مالت الجوزاء بالكوكب الفرد
стр. 551
وسمّي فردا لانفراده عن أشباهه.
والخيل كواكب كثيرة أكثر من العشرة نيّرة، وفيها ستّة كواكب في ثلاثة أمكنة متفرقة في كلّ مكان منها كوكبان. وفيما بين كواكب الخيل كواكب صغار تسمّى أفلاء الخيل، وهي كلّها بين يدي الشّولة فوق المجرّة وأسفل من الخيل.
ومن شولة العقرب كواكب يقال لها: القبّة، وإذا رأيت الزّبانيين مرتفعتين عن أفق المشرق رأيت فيما بينهما وبين عرش السّماك أسفل منها كواكب مجتمعة نيّرة مختلطة على غير نظم، تسمّى الشّماريخ، لأنّها كأنّها شماريخ كباسة.
وإذا توسّطت الشّعرى العبور السّماء ثم نظرت على سمتها قريبا من الأفق رأيت سهيلا قد توسّط مجراه أو قريبا وذلك أرفع ما يكون في السّماء وهو قليل العلو، قريب المجرى من الأفق، وهو عند المنجّمين طرف سكّان السّفينة، وهو كوكب منير عظيم أحمر منفرد عن الكواكب، وأقرب مجراه من الأفق تراه أبدا يضطرب، ولما يعرض لسهيل من ذلك ولانفراده قال الشّاعر:
أراقب لوحا من سهيل كأنّه ... إذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف
يعارض عن مجرى النّجوم وينتحي ... كما عارض الشّول البعير المؤلف
ولو بيضه وشعاعه وانفراده. قال الآخر يصف ثورا شعرا:
خبّأت عذوبا للسّماء كأنّه ... قريع هجان يتبع الشّول جافر
شبّهه في انفراده بفحل انقطع عن الضّراب فتنحّى عن الإبل ولتوهّجه قال الآخر:
حتّى إذا شال سهيل بسحر ... كعشوة القابس ترمي بالشّرر
وطلوعه بالعراق لأربع ليال بقين من آب وذلك مع طلوع الزّبرة، ويطلع بالحجاز لأربع عشرة ليلة تمضي من آب مع طلوع الجبهة. قال الشّاعر شعرا:
إذا أهل الحجاز رأوا سهيلا ... وذلك في الحساب بشهر آب
ويسمّى سهيل كوكب الخرقاء. قال الشّاعر:
إذا كوكب خرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
يريد أنّ الخرقاء لعبت صنعها، وضيّعت وقتها، ولم تغزل، فلّما طلع سهيل وجاء الشّتاء وضاق الوقت استغزلت قرابها، وفي نحوه قال الآخر شعرا:
علّك أن تنسجي وتدأبي ... إذا سهيل فاق كلّ كوكب
فتعلّمي قرضك غير معجب
стр. 552
وإذا طلع مغرب الشّمس استبدلت الإبل الأسنان قال:
إذا سهيل مغرب الشّمس طلع ... فابن اللّبون الحق والحق جذع
وفي مجرى سهيل كوكبان يقال لهما: حضار والوزن وهما يطلعان قبل سهيل ومن كلامهم حضار والوزن محفان.
وذلك أنه إذا طلع أحدهما فرآه الرّائي قال لصاحبه: طلع سهيل فيقول صاحبه: ليس بسهيل فيتماريان حتى يحلفا، فلا بدّ من حنث أحدهما، وإذا كان الشيء يعرض فيه الشّك كثيرا قيل: إنه لمحلف ومحنث، ولذلك قيل كميت محلف قال:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصّرف غلّ به الأديم
وهنالك أيضا الفرود وهي كواكب صغار عند حضار. قال الشّاعر:
أرى نار ليلى بالعقيق كأنّها ... حضار إذا ما أعرضت وفرودها
وذكر ابن الأعرابي أنّ في مجرى قدمي سهيل من خلفهما كواكب زهر ألا ترى بالعراق يسمّيها أهل تهامة الأعيار.
وبعد السّعود الأربعة المذكورة في منازل القمر، سعود ستّة متناسقة في جهة الدّلو كلّ سعد منها كوكبان، بينهما كنحو ما بين سعود المنازل، وهي أربعة، وهي كواكب خفيّة غير نيّرة، فأوّلها سعد ناشرة، وهو أسفل من سعد الأخبية وهو يطالع الشّرطين أي يطلع مع طلوعه.
وعلى أثره سعد الملك ثم سعد البهام، ويقال له: مربق البهام، وأسفل منه كواكب صغار تسمّى: الرّبق، والرّبق: حبل يمد بين وتدين يربق إليه البهم، وعلى إثره سعد البارع ثم سعد مطر.
وروى ابن الأعرابي عن العرب في الكواكب اليمانية أشياء، قال: سهيل اليمن وتحته سهيل بلقين وهو غير حضار وغير الوزن، وقال: فيما بين الفرد وبين زباني العقرب الخباء.
قال أبو حنيفة: إن كان عنى بالخباء عرش السّماك فذاك، وإلّا فليس هناك خباء غيره، وقال: على أثر الخباء كواكب يقال لها: الشّراسيف وهي كواكب مستطيلة مثل الحبل.
وقال: بين الشّراسيف والخباء كواكب مستديرة متبدّدة على غير نظام يقال لها:
المعلف. قال: وبعد المعلف: الشّماريخ.
ووراء القبة الصّردان، أحدهما يجري قريبا من الأفق والآخر فوقه بحياله. قال:
وخلف الصّرد الأعلى اليمامتان: وبينهما وبين الصّردين في رأي العين نحو من عشرين
стр. 553
ذراعا. قال: وهنالك: القطا، وهي كواكب متقاطرة كتقاطر القطاء وهي كواكب غير نيّرة إلّا كوكبان.
قال: وثم الظّليمان فوق ذلك وهما كوكبان نيّران بينهما في رأي العين إذا استويا في السّماء قدر مائة ذراع وبينهما الرّال.
وقال السّفينة كواكب خفيّة متتابعة متقدمها عند سعود البهائم ومؤخّرها السّمكة.
وقال: في مقدّمها الضّفدع الأوّل في مؤخرها الضّفدع الآخر.
فهذا ما أردنا ذكره من مشاهير الكواكب.
تم الباب وبتمام هذا الباب تم الكتاب ولله الحمد بلا عدد. وعلى المصطفى محمد، وآله وأزواجه وذريّاته وأصهاره وأصحابه وأنصاره أبد الأبد صلوات ورضوان وسلام وغفران.
فرغت منه ضحوة يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة، حامدا الله تعالى على نعمه وأياديه الظّاهرة والباطنة، ومصلّيا على أنبيائه ورسله ومسلما.
قال الشّيخ أبو علي المرزوقي ﵀ هذا الفصل خاتما به كتابه حرس الله ما خوّلك من الشّتات، وحفظ ما نوّلك من عارض الانبتات، وأعانك في طلب الأدب على الازدياد. ووفقك في سائر متصرّفاتك لصلاح البدء والمعاد.
قد سهّل الله تعالى وله المنّ ما تمنيّت بلوغه من الفراغ من كتاب الأزمنة فجاء على حدّ من الكمال، طاب له العيش وخفّ على النّفس فيه التّعب، وما أدّاني إلى ذلك إلا لطيف هداية الله تعالى جدّه وكريم كفايته، فبهما اشتدّ أزري واستبد ما اختلّ من خاطري وذهني، فأمّا ما كنت أشكوه من قبل حتى استطيلت مدة الانتظار في عمله، فلما ألزم حواملي وجوارحي من الضّعف العارض والوهن الحادث، وقد أبدل الله تعالى على كريم عادته به استجمام الأمل في زواله واستحكام الطّمع في انحسامه على تطوّل الله المعول في تحقيق المرجو وهو حسبنا وحده ونعم الوكيل.
واعلم أنّ هذا الكتاب ينقسم أقساما ثلاثة وهذا الحكم يتناول جماهير أبوابه وفصوله لا يختصّ به بعض دون بعض.
أحدها: التّنبيه على نعم الله ﷻ فيما نصب للمكلّفين في آناء اللّيل والنّهار من الأدلّة الواضحة والحكم البالغة، وأفادهم فيما سخّره لهم وأعانهم به في جوانب البر والبحر من النّعم الظّاهرة والباطنة قولا وفعلا وجملا وتفصيلا في بداهة العقل، وعلى ألسنة الرّسل
стр. 554
فإنّ صلة إحدى النّعمتين بالأخرى فيهما كصلة الإبصار بالضّوء- والأنفاس بالجو- وكما هدى إلى الاستدلال بالشّاهد على الغائب- وبالجلي على الخفي، وكثر ما أشرت إليه يمرّ عليه المارّون، وهم عنها معرضون.
والثّاني: التّذكير بحكم العرب في لغاتهم- وآدابهم- وعاداتهم- ومآربهم- مع تلاحق أقطارهم- وتضايق أوطانهم- ورضاهم بالعفو من مقاماتهم- ومآبهم على اختلاف أسبابهم- وطرقهم، واقتنان هممهم- ووجههم- هذا إلى ما خصّوا به من الفضائل دون الأمم، وتوحّدوا به من جلائل المنح والنّعم، وفوائد هذين القسمين في الاتّساع كالشّمس في ضيائها- والرّيح في هبوبها يتكافأ في نيل الحظ منهما المحب والكاره، ويعترف بهما إذا أنصف المسلم والمعاند.
والثّالث يحوي لمعا من الأشعار- وغررا من النّوادر والآثار- اقتضى ذكرها مناسبتها للأزمان التي هي من همّنا وفرضنا على أنفسنا الوقوف تحت ظلّها، ولو تقصّينا أبوابها لفني العمر وبقي منه الكثير فتطرّفنا منها ما تطرّفنا إيذانا بأنّ الغفلة لم تحل دونها ولئلا تخلو تضاعف الأبواب من بعضها فليعذر النّاظر فيه هذا الكتاب. إذا انتهى إلى المواضع التي أشرنا إليها متصوّرا حالنا، وليحذر إلحاق الغائب بنا، ففي مستحسنه إن شاء الله ما يشغل عن مستهجنه، والشّمس يطمس نورها- ما أحاط من الكواكب بها- وقد قيل: لكلّ حسناء ذامّ.
واعلم أنّ من حقّ المصنّف إذا جمع الأصول بحقائقها- واستوفى الفروع بلواحقها- أن يمنع الخاطر من تجاوز الأنس بالميسور، إلى وحشة المعسور، ويدفع الهاجس من الخروج عن مساعدة الألوف إلى مشامسة الثّغور، حرصا على بلوغ غاية شأوه لا يلحقها، ودفعا في وجه ممكنة جهده لا يحيط إلا بها، لأنّ التّحفظ مع الإقلال أقرب- وهو مع الإكثار أبعد- ونصرة الرّأي في مجاذبة الهوى حصن من النّدامة- وأمن من الملامة، ولأنّ البليغ وإن كان مؤيدا في خصله مسددا في نقده، يصحب التّثبت ويجتنب التّجوّز لا يعجزه ما غاب- ولا يغلبه ما راب، فمن الواجب عليه أن يجتنب الاستبداد- عند الاستعداد- ويحاذر الملال- قبل حصول الكلال، لأنّ من عاف مصادر الغرور- لم يركن إلى موارد الحبور- فتراه يصافح المذموم بيد الاحتقار- متهاتفا فيطرحه، ويكافح المرذول بسيف القباحة متأنفا فيتنزّه عنه وترك الشّر قبل الاختيار- أفضل من ملابسة على الاغترار والأدب حبس العقول، والتأدّب اكتساب القلوب- والاستنباط جوالب الأفكار، والبحث عن المكامن بأداة البصائر والأبصار، ولكلّ منها أسباب مكرمة- وأعلام مرفعة- يسيره كاسب الجمال- وكثيره كاسي الجلال ولا غرو فإنّ السّجايا تدخلها المتاجرة والمرابحة، فمنها ما هو أمحض من الكرم- وأنزه من الدّنس- وفي الثّناء الباقي الدّهر خلف من نفاد العمر.
стр. 555
تقريظ وجد آخر الأصل
بسم الله براعة الاستهلال، والتّخلص بالصّلاة على محمد رسوله والآل. ثم براعة الختام عليه وعلى آله وصحبه السّلام، وبعد فمن قابل أبواب هذا الكتاب وسلك أرجاءه المطرزة بالآداب وجد حديقة موشّحة ببديع الطّريقة، مرصّعة بدراري البيان موشّعة بلوامع التّبيان، مرشحة بعقود اللآلئ، مدبّجة كالغزالي، منسجمة الألفاظ والمعاني، موزونة الأركان والمباني، مطيبة بأفواه البلاغة، مسوّرة بلجين لا لجين الصّناعة، فكأنّ بانيها قد خطّها في ذهنه الوقّاد قبل الشّروع، ومهّد أصولها لاستنباط الفروع ثم أسّسها بأساس التّحقيق، ورفعها بلبن التّدقيق، وزّينها بمصابيح الفصاحة، وأنارها بثوابت السّماحة، حتى أتت جنة عالية، قطوفها دانية، فيها أعين فوائد جارية، وحور خرائد لقلوب المدنفين فارية، وموائد للمعاني وللمعاني قارية، وغرائب لم تكن على الأفئدة طارئة، وطرائق للسّالكين واضحة كافية، ودبارق لقلوب العاشقين فنون البلاغة شافية، بيد أنها جامعة للّغة الغريبة، والنّكت العجيبة وخرائد الأذهان الحصان، التي لم يطمثهن أنس قبله ولا جان، فبخّ له من لوذعي نحرير، وألمعي تنقيح وتقرير، ما أرشق براعة استهلاله وتخلّصه، وما أوفق حسن مقطعة وتربصّه، إلى أن حافظ على براعة الختام، بأوقات الصّلاة بخير اهتمام، وجعلها تذكرة مدة الأعوام والأيام، وها أنا أختم بالسّلام على سيّدنا محمد خير الأنام، وعلى آله الأعلام وخير صحبه الماسكين زمام الإسلام.
стр. 556
فهرس كتاب الأزمنة والأمكنة
стр. 557
الفهرس المقدمة ٣
مقدمة المصنف ٥
ذكر أبواب الأزمنة والأمكنة، وفصولها ١٥
الباب الأول ١٩
فصل في بيان النسيء ٦٧
فصل في تأويل أخبار مروية عن رسول الله ﷺ والصحابة وبيان ما يحمد ويذم من معتقدات العرب في الأنواء والبوارح ٦٩
فصل آخر في جواب مسائل للمشبهة من الكتاب والسنة مما تستدل به المشبه ٧٦
فصل في تبيين المحكم والمتشابه ٨١
فصل الاستدلال بالشاهد على الغائب ٨٦
فصل في أسماء الله وصفاته وأحكامه (وبيان الأصوات كيف تكون حروفا، والحروف كيف تصير كلاما) ٨٨
الباب الثاني: في ذكر أسماء ومعان للزمان والمكان، ومتى تسمى ظروفا، ومعنى قول النحويين الزمان ... وإبطال الفاسد منها وما يتعلق بذلك وفصوله أربعة: ١٠١
فصل في ماهية الزمان ١٠٣
الباب الثالث: ويشتمل على بيان الليل والنهار على فصول من الأعراب يتعلق بهما وهي ظروف الفصل الأول ١١٣
الباب الرابع: في ذكر ابتداء الزمان وأقسامه والتنبيه على مبادئ السنة في المذاهب كلها وما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج ١٢٠
الباب الخامس: في قسمة الأزمنة ودورانها واختلاف الأمم فيها ١٢٦
стр. 558
الباب السادس: في ذكر الأنواء، واختلاف العرب فيها، ومنازل القمر، مقسمة الفصول على السنة وأعداد كواكبها وتصوير مأخذها ضارة ونافعة ١٣٢
فصل في بيان الاختلاف الواقع بين العرب في أوقات الأنواء والكلام في الضيقة ١٤٦
الباب السابع: في تحديد سني العرب والفرس والروم وأوقات فصول السنة ١٥٠
الباب الثامن: في تقدير أوقات التهجد التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن نبيه والصحابة ويبين ما يتصل بها من ذكر حلول الشمس البروج الاثني عشر ١٥٤
الباب التاسع: في ذكر البوارح والأمطار، مقسمة على الفصول والبروج، وفي ذكر المراقبة ١٦٠
الباب العاشر: في ذكر الأعياد، والأشهر الحرم، والأيام المعلومات، والأيام المعدودات، الصلاة الوسطى ١٦٥
الباب الحادي عشر: في ذكر- سحر- وعدوة- وبكرة- وما أشبهها، والحين والقرن والآن وإيان وأوان والحقبة والكلام في إذ وإذا وهما للزمان وما أشبهها ١٧٢
فصل في المحدود من الزمان وغير المحدود ١٧٥
الباب الثاني عشر: في لفظ أمس- وغد- والحول- والسنة- والعام- وما يتلو تلوه، ولفظ حيث- وما يتصل به- والغايات- كقبل- وبعد- وذكر أول- وحينئذ- وقط- ومنذ ومذ وإذ المكانية ١٨٠
الباب الثالث عشر: فيما جاء مثنى من أسماء الزمان والليل والنهار، ومن أسماء الكواكب وترتيب الأوقات وتنزيلها ١٨٩
فصل في ترتيب الأوقات وتنزيلها ١٩٣
الباب الرابع عشر: في أسماء الأيام على اختلاف اللغات ومناسبات اشتقاقها وتثنيتها وجمعها ١٩٩
الباب الخامس عشر: في أسماء الشهور على اختلاف اللغات، وذكر اشتقاقاتها، وما يتصل بذلك من تثنيتها وجمعها وهو فصلان ٢٠٥
الباب السادس عشر: في أسماء الدهر وأقطاعه، وما يتصل بذلك وهو فصلان ٢١٤
الباب السابع عشر: في أقطاع الدهر وأطراف النهار والليل- وطوائفهما وما يضارعهما من أسماء الأمكنة أو يداخلها من ذكر الحوادث فيها. وهو ثلاثة فصول ٢٢١
الباب الثامن عشر: في اشتقاق أسماء المنازل والبروج وصورها، وما يأخذ مأخذها والكواكب السبعة وهو فصلان ٢٣٠
فصل في بيان الكواكب السبعة ٢٣٦
الباب التاسع عشر: في أقطاع الليل- وطوائفه- وما يتصل به ويجري مجراه ٢٣٩
стр. 559
الباب العشرون: في أقطاع النهار وطوائفه- وما يتصل به ويجري مجراه ٢٤٧
الباب الحادي والعشرون في أسماء السماء والكواكب والفلك والبروج وهو ثلاثة فصول ٢٥٥
فصل ٢٥٥
فصل ٢٥٨
فصل في بيان امر المجرة وشرح بعض أحوالها ٢٦٠
الباب الثاني والعشرون في برد الأزمنة ووصف الأيام والليالي به ٢٦٣
فصل فيما وضع على السنة البهائم ٢٦٩
الباب الثالث والعشرون في حر الأزمنة ووصف الليالي والأيام به ٢٧١
الباب الرابع والعشرون في شدة الأيام ورخائها وخصبها وجدبها وما يتصل بها ٢٧٦
الباب الخامس والعشرون في أسماء الشمس وصفاتها وما يتعلق بها ٢٨٥
الباب السادس والعشرون في أسماء القمر وصفاته وما يتصل بها من أحواله ٢٩٤
فصل ٢٩٤
فصل في أسماء ليال من أول الشهر ٣٠٠
الباب السابع والعشرون في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره وما ورد عنهم فيها من الاسجاع وغيرها ٣٠٢
الباب الثامن والعشرون في ذكر أسماء الأوقات لأفعال واقعة في الليل والنهار وأسماء لأفعال مختصة بأوقات في الفصول والأزمان ٣٠٦
الباب التاسع والعشرون في ذكر الرياح الأربع وتحديد مهابها وما عدل عنها ٣١٤
الفصل الأول ٣١٤
الفصل الثاني في تبيين ما ذكر من كلام الأوائل في ذلك ٣٢١
الباب الثلاثون في أسماء المطر وصفاته وأجناسه ٣٢٣
الفصل الأول ٣٢٣
الفصل الثاني في علة ما ذكرنا من كلام الأوائل ٣٢٧
الباب الحادي والثلاثون في السحاب وأسمائه وتحليه بالمطر ٣٢٩
فصل ٣٢٩
فصل في كلام الأوائل يتبين منه حال الأندية والأمطار والعيون والانهار وغيرها ٣٣٤
الباب الثاني والثلاثون في الرعد والبرق والصواعق وأسمائها وأحوالها ٣٣٦
فصل ٣٣٦
فصل في الرعد والبرق والسحاب من كلام الأوائل ٣٣٩
стр. 560
الباب الثالث والثلاثون في قوس قزح وفي الدائرة حول القمر ٣٤١
فصل في قوس قزح ٣٤١
فصل في كلام الأوائل في البرد والطل والدمق ٣٤٣
فصل في أسباب الطل ٣٤٤
الباب الرابع والثلاثون في ذكر المياه والنبات مما يحسن وقوعه في هذا الباب ٣٤٥
فصل ٣٤٥
الباب الخامس والثلاثون في ذكر المراتع المخصبة والمجدبة والمحاضر والمبادي ٣٥١
فصل ٣٥١
فصل في ذكر ما كانت العرب تفعله وقت إمساك القطر ٣٥٤
الباب السادس والثلاثون في ذكر أحوال البادين والحاضرين ٣٥٥
الباب السابع والثلاثون في ذكر الرواد وحكاياتهم ٣٦٠
فصل ٣٦٠
فصل في ذكر مواقعهم ومسارحهم ٣٦٤
الباب الثامن والثلاثون في ذكر الوراد ومن جرى مجراهم من الوفود ٣٦٨
الباب التاسع والثلاثون في السير- والنعاس والميح- والاستسقاء ورد المياه ٣٧٦
الباب الأربعون في أسواق العرب ٣٨٢
الباب الحادي والأربعون في ذكر مواقيت الضراب والنتاج وأحوال الفحول في الألقاح والغرور وما يتسبب من جميع ذلك حالا بعد حال بقدرة الله وارادته ٣٨٦
الباب الثاني والأربعون فيما روى من اسجاع العرب عند تجدد الانواء- والفصول- وتفسيرها ٣٩٥
فصل ٣٩٥
فصل ٤٠١
الباب الثالث والأربعون في ذكر العيافة والقيافة والكهانة ٤٠٢
فصل ٤٠٢
فصل ٤٠٢
فصل في القيافة والعيافة ٤١٢
الباب الرابع والأربعون في ذكر ما ابهم من الأوقات حتى لا يتبين للسامع حاله وما شرح منها ٤١٦
الباب الخامس والأربعون في الاهتداء بالنجوم وجودة استدلال العرب واصابتهم في
стр. 561
أمهم ٤٢٠
الباب السادس والأربعون في صفة ظلام الليل واستحكامه وامتزاجه ٤٢٨
الباب السابع والأربعون في صفة طول الليل والنهار وقصرهما وتشبيه النجوم بها ٤٣٤
الباب الثامن والأربعون في ذكر السراب ولوامع البروق ومتخيلات المناظر ووصف السحاب ٤٤٢
الباب التاسع والأربعون في تذكر طب الزمان- والتلهف عليه والحنين إلى الآلاف- والأوطان ٤٤٩
الباب الخمسون في ذكر أنواع الظل وأسمائه ونعوته ٤٥٨
الباب الحادي والخمسون في ذكر التاريخ وابتدائه والسبب الموجب له وما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث والمواليد ٤٦٤
فصل ٤٦٤
فصل في حكام العرب في الجاهلية ٤٦٨
فصل في أوقات التاريخ ٤٦٩
الباب الثاني والخمسون فيما هو متعالم عند العرب ومن داناهم، وأدركوها بالتفقد وطول الدرية ولم يدخل في اسجاعهم ٤٧٤
الباب الثالث والخمسون في انقلاب طبائع الأزمنة وثباتها وامتزاجها والاستكمال والامتحاق وازمان مقاطع النجوم في الفلك ومعرفة ساعات الليل من رؤية الهلال ومواقيت الزوال على طريق الاجمال ٤٨٣
الباب الرابع والخمسون في اشتداد الزمان بعوارض الجدب وامتداده بلواحق الخصب ٤٨٨
الباب الخامس والخمسون في حد ما يشتمل على ذكر ما في اعرابه نظر من حديث الزمان ٤٩٥
الباب السادس والخمسون في ذكر الكواكب اليمانية والشامية وتميز بعضها عن بعض وذكر ما يجري مجراه من تفسير الألقاب ٥٠٦
الباب السابع والخمسون في ذكر الفجر- والشفق- والزوال- ومعرفة الاستدلال بالكواكب وتبيين القبلة ٥١٠
فصل في صرف القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ٥١٣
الباب الثامن والخمسون في معرفة أيام العرب في الجاهلية وما كانوا يحترفونه ويتعايشون منه. وذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم ٥١٥
الباب التاسع والخمسون في ذكر أفعال الرياح لواقحها- وحوائلها وما جاء من خواصها في هبوبها وصنوفها ٥٢٣
стр. 562
الباب الستون في ذكر الأوقات المحمودة للنوء والمطر وسائر الأفعال وذكر ما يتطير منه أو يستدفع الشربه ٥٢٨
الباب الحادي والستون في ذكر الاستدلال بالبرق والحمرة في الأفق وغيرهما على الغيث ٥٣٨
الباب الثاني والستون في الكواكب الخنس وفي هلال شهر رمضان ٥٤٢
الباب الثالث والستون في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة ٥٤٥