← Адаб

Адаб · id 11469

الأزمنة والأمكنة

المرزوقي

Полный текст (562 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لو رآه رهبان مدين طاروا ... واستخف المطران والجاثليق ولها مربع بطيبة لذّ ... ولها بالحمى مبدي أنيق سلوة العيش والنّدى فإذا ... ما ودّعتها رواعد وبروق سكنت دسكراتها وأطباها ... ظلّ عيش نضر العيون وريق في رياض تحفّهنّ نخيل ... باسقات تعلى عليها الوسوق وإذا أهل جنة حصّنوها ... حين تعرو نوائب وخفوق ثلموها لابن السّبيل وللعا ... في ففيها للمعتقين طريق ومن كلامهم: وقع في الأهيفين: أي الطّعام والشّراب. وسئل بعضهم ما أطيب العيش أو الأوقات؟ فقال: ما قلّ أذاه. وكثر جداه، أيام تربيع الحمى وقصيفه، ويريح من الهوى ظلّ المنى وريفه. وحكى الأصمعيّ: موت لا يجرّ إلى عار خير من عيش في رماق: أي قدر ما يمسك الرّمق. وقال طرفة: نحن في المشتاة يدعو الجفلى ... لا ترى الآداب فينا ينتقر ويقال: فلان يدعو الجفلى والأجفل إذا عمّ بدعائه، وفلان يدعو النّقرى إذا خصّ قوما دون قوم، وقال كلّ الطّعام يشتهي ربيعة: الخرس والنقيعة. (الخرس) : للولادة. (والأعذار) : للختان و (الوليمة) للعرس، و (النقيعة) : طعام القادم من سفره و (المأدبة) كلّ طعام صنع ودعي إليه و (الوكيرة) الطّعام يصنع عند بناء البيت وقال الشاعر: فظللنا بنعمة واتّكأنا ... وشربنا الحلال من قلله اتّكأنا طعمنا: ومنه قوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [سورة يوسف، الآية: ٣١] أي طعاما (القلل) جمع قلّة، وقال حرملة بن حكيم: يا كعب إنك لو قصرت على ... حسن النّدام وقلّة الجرم وسماع مدجنة تعلّلنا ... حتّى نؤوب تناوم العجم لصحوت والنّمريّ يحسبها ... عمّ السّماك وخالة النّجم ويروى على شرب المدام (المدجنة) الدّاخلة في الدّجن وهو اليوم المطير، وأراد حتى نؤوب نتناوم تناوم العجم، وكانوا لا ينامون إلّا على ضرب الأوتار وشرب الرّحيق. وقال ابن الأعرابي: يقول لو أحسنت المنادمة لنادمتك حتى الصّبح إلى صياح الدّيكة. قال: والنمريّ: هو كعب نفسه، أي لصحوت وأنت تحسب هذه المسمعة. كذلك في عظم

стр. 492

القدر، وهذا كقولك ما يحسبه إلا ابن ماء السماء وقال لبيد: يثني ثناء من كريم وقومه ... ألا انعم على حسن التّحية واشرب قوله: يثني ثناء أي يديم ما كان عليه من الثّناء. وقال آخر: كرام إذا ناب البحار ألذّه ... مخاريق لا يزجون في الخمر وألذه مخاريق أي يخرقون في العطاء كما قال: فتّى إذ هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإنّ قلّ مالا لم يضع متنه الغقر

стр. 493

الباب الخامس والخمسون في حدّ ما يشتمل على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان قال ذو الرّمة شعرا: فلمّا نصفن اللّيل أو حين نصبت ... له من خذي آذانها وهو جانح يروى لبسن اللّيل يعني الحمر، ونصبت للتّوجّه إلى الماء، وقال بعضهم حين فعل من الحينونة والمراد أو حين دنا اللّيل للنّصف فحذف وأنشد سيبويه: أرواح مودّع أو بكور ... لك فاعمد لأيّ حال تصير وقيل: جعل الرّواح هو المودّع على السّعة، وقيل: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف. وروى سيبويه: أنت فانظر ومعناه انظر أنت، فانظر، وقال هذا يرتفع على الحدّ الذي ينتصب به عبد الله إذا قلت عبد الله ضربته، وقال: أي حال ووجه الكلام أية حال لكنّه حمله على لفظة الحال. وقال ابن أحمر شعرا: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا أراد شهرين أو شهرين أو شهرين ونصف ثالث، وقيل: أراد بل وأو يكون بمعنى بل وقيل: أو بمعنى الواو كأنه أراد ونصف ثالث، قوله: ما غيّبتني غيابيا أراد بالغياب الغيابة، لذلك أنّث كما قال تعالى: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ* [سورة يوسف، الآية: ١٠] إنّه حذف الهاء مع الإضافة لأنّ المضاف إليه كالعوض مثل: ليت شعري وهو أبو عذرها. ويجوز أن يكون غيابة وغياب مثل قتادة وقتاد، فحمله على التّأنيث مثل نخل خاوية. وقالت أمية بنت عتيبة بن الحارث: تروّحنا من اللّعباء قصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا

стр. 494

ويروى: وأعجلنا الحمائل أن تؤوبا. يريد به الشّمس أي استعجلناها مخافة أن تئوب ولئلا تئوب ومعنى تئوب: تغيب كما قال: وليس الّذي «١» يتلو النّجوم بآئب ويروى: وأعجلنا الإهة وقيل الإهة اسم للشّمس، لأنّه كانت تعبد. وقال الفرزدق: فسد الزّمان ومن تغيّر أهله ... حتى أمية عن فزارة تنزع أي ومن تغيّر أهله فسد، فحذف وقيل: ومن تغير أهله أمية تنزع، وقيل: بل أراد أن يجعل حتى معلقة لا تعمل في شيء، ويكون بمعنى الواو. سبب هذا الشّعر أنّ أمية بن خالد بن أسد عزل عن عمله لعمر بن هبيرة، ويشبه هذا قوله شعرا: فيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو عطارد «٢» وقال عبد العزيز بن وديعة المزني: نسأت القلوص على لاحب ... ومرّ اللّيالي يزلن النّعيما مرّ اللّيالي: هو الليالي، لذلك قال يزلن ومثله لجرير: رأت مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال وأنشد سيبويه في مثله: لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع وقال الفرزدق: على حين ولّى الدّهر إلا أقلّه ... وكاد بقايا آخر العيش تذهب جعل لآخر العيش بقايا، والبقايا من العيش لا من آخره، والمعنى كادت بقايا ذلك الأقل تذهب أيضا. وقال وعلة الجرمي: ولمّا رأيت الخيل تترى أتايجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس فاجر يروى حاذر وحاذر، أي: محذور. وقال الفرزدق: مثل النّعام يدينها تنقلها ... إلى ابن ليلى بها التّهجّر والبكر

стр. 495

ارتفع التّهجر والبكر على أن يكون فاعل يدينها وانتصب تنقلها على البدل من المضمر في يدينها. وقال حميد بن ثور: تعلّلت ريعان الشّباب الذي مضى ... بخمسة أهلين الزّمان المذبذب الزّمان: بدل من الشّباب، وجعله مذبذبا استقصارا لوقته، وقال أيضا شعرا: فإمّا تريني اليوم أمسكت بعدما ... تردّيته برد الشّباب المجر انتصب برد على البدل من المضمر في تردّيته، يريد بعد ما لبست برد الشّباب أي استمتعت به. وقالت امرأة منهم شعرا: صاح الغراب بدار هند سدفة ... صمّ الغراب وخرس ماذا ينثر دعت عليه بالصّم والخرس. ومرّ القول في السّدفة. وأنشد ابن الأعرابي لبعض بني أسد: ولقد رأيتك بالقوادم مرّة ... وعليّ من سدف العشيّ رياح أي أريحية وخيلا من الشّباب. فقال رياح وأنشد سيبويه لعمر بن قمية: لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله درّ اليوم من آلامها فرّق بين المضاف والمضاف إليه بالظّرف كما يفرّق بينهما بالقسم. وقال عمر بن ربيعة: أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدّار تجمعنا أجرى: تقول مجرى تظن في الاستفهام، أعمله عمله. وإذا كان كذلك فانتصاب الدّار على المفعول الأول، وتجمعنا مفعول ثان: المعنى متى تظنّ الدار جامعة لنا تقول. وأنشد سيبويه: أكلّ عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه قوله: تحوونه صفة للنّعم كأنه قال: نعم محوية، فكونه صفة منع من أن يكون عاملا فيما قبله. وأنشد للهذلي: حتّى شاءها كليل موهنا عمل ... بانت ظرابا وبات اللّيل لم يتم جعل سيبويه كليلا يتعدّى إلى موهن كما يتعدّى ضارب إلى مفعوله، وخالفه جمع

стр. 496

النّحويون كلّهم، وجعلوا موهنا ظرفا وقد تكلّمت له وعليهم فيما عملته من شعر هذيل وأنشد سيبويه لعدي بن زيد: أرواح مودّع أم بكور؟ ... أنت فانظر لأيّ حال تصير قال: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف. وقال سيبويه: معناه: انظر أنت فانظر وقال هذا يرتفع على الحد الذي ينتصب به على شيء ما بعده تفسيره، ومثال ذلك المنصوب إذا قلت زيد أضربته لأنّ المعنى أهنت زيدا ضربته. وقال شعرا: ذكرتك لمّا أتلعت من كناسها ... وذكرك سبات إلى عجيب قال: إلى بمعنى عند والسبة القطعة من الدّهر. وقال آخر: أرى كلّ يوم زرتها ذو بشاشة ... ولو كان حولا كلّ يوم أزورها يقول: أراد ولو كانت زيارتي كلّ يوم حولا. قال: على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... فقلت ألمّا أصح والشّيب وازع؟! قوله: على حين بناه على الفتح أي في حين وأراد عاتبني المشيب فجعل الفاعل مفعولا. وقال الأصمعي في قول سحيم بن وثيل: وإنّي لا يعود إليّ قرني ... غداة الورد إلّا في قريني أراد: مع قرين أي مع أسير آخر أقرنه إليه، وقال غير الأصمعي: أراد بالقرين الحبل. وقال متمّم بن نويرة: فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا قال: أراد مع طول اجتماع، وقيل: أراد كأن طول الاجتماع كان سبب التّفرق، لأنّ الشيء إذا تناهى عاد ناقصا. وقال آخر: إنّ الرّزية لا رزيّة مثلها ... أخواي إذ قتلا بيوم واحد أي في يوم واحد. ومن القلب والإبدال قوله: كان لون أرضه سماؤه، أراد كان لون سمائه أرضه. قال الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثوية ... تقضّي لبانات ويسأم سائم

стр. 497

أراد في ثواء: حول ثوية، وقوله: ويسأم سائم: أراد سأمة سائم وقال: مروان مروان أخو اليوم اليمي قال: أراد اليوم اليوم فأخّر الواو وقدّم الميم، ثم قلب الواو حين صار ظرفا كما يقال في جمع دلو: آدل، وقيل: بل أراد أخو اليوم اليوم كما يقال في الحرب عند التدّاعي اليوم اليوم، أي هو أخو هذا المقالة. وأنشد الأخفش بيت الفرزدق: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري قال: يجوز في عمة الرفع والنصب والخفض. قال فرفعه على الابتداء وبجعل كم ظرفا وخالة، ونصبه على نية التّنوين في كم فشبّه بعشرين درهما وما أشبهه، والخفض على الإضافة، كما يقول كم رجل قد رأيت لأنه أجري مجرى عدد لا تنوين فيه، نحو ثلاثة أثواب. وقال عمرو بن معديكرب ويروى لغيره: وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان ارتفع الفرقدان عند أصحابنا البصريين على أنّه بدل من قوله: كلّ أخ والكوفيون يجعلون إلّا بمعنى الواو، كأنّه قال: والفرقدان أيضا. وقال جرير شعرا: لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم ومثل هذا كثير. قال سيبويه: جعل النّوم للّيل كما جعل النّابغة السّهر له في قوله: كتمتك سرّا يا لجومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا والتّحقيق ما ليل المطيّ بذي نوم، وقال غيره: أراد لا ينام من قاساه، فحذف لأنّ المعنى معروف. وقال وعلة الجرمي شعرا: ولمّا رأيت الخيل تترى أتايجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس حاذر قالوا: أراد بالحاذر المحذور، وروي فاجر أي سديد ذو فجور، وكانوا يسمّون من يغزو في الأشهر الحرم فاجرا، قالت ليلى الأخيليّة: على تقاها دائما وفجورها. وأنشد: بني أسد ما تعلمون بلاءنا ... إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا

стр. 498

جعل أشنعا حالا ولعنترة: أمن سميّة دمع العين مذروف ... لو كان ذا منك قبل البين معروف قال: أراد لو كان القصة، وقال الفرّاء: لو كان ذا في موضع نصب. وقال أحمد بن يحيى في الأمر وكان مجهول، وهذا يقارب طريقة أصحابنا. قال: ومن العرب من يجعل العفل للصّفة فيرفعه كما قال: قلت أحبي عاشقا يحبكم مكلف: أي هو مكلف. قال الأعشى: أسرى وقصّر ليلة ليزودا ... ومضى وأخلف من قتله موعدا أخلف: أي وجده كذلك كما قال: وأهيج الخلصاء من ذات البرق: أي وجده هائجة النّبت، وكقول العبّاس: لعمرة رسم أصبح اليوم دارسا ... وأقفر منها رحرحان وراكسا أي وجدهما قفرا. وقال جرير: إذا خفت يوما أن يلجّ بك الهوى ... فإنّ الهوى يكفيكه مثله صبرا أراد: فإنّ الهوى يكفيك هوى مثله، أي هوى آخر، وتمّ الكلام ونصب صبرا على معنى فاصبر صبرا. وقال آخر: أراد يكفيكه أن تصبر صبرا. وقال الأعشى: هذا النهار بدا لها من همّها ... ما بالها باللّيل زال زوالها نصب النّهار: أي في النّهار ونصب، زوالها: كأنّه دعاء على اللّيل فقال: زال زوالها: أي مع زوالها، فلا يكون ليل إذ زالت أتارق فيه وأسهر. قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: زال زوالها: كلمة تقال بالرّفع فتركها على حالها، ولم يلتفت إلى القافية، وقال الأصمعي: لا أدري ما هو. وقال الأخفش: أزلته عن مكانه وزلته لغة، فأراد أزال الله زوالها بزوال زال. قال أبو صخر الهذلي شعرا: أرائح أنت يوم اثنين أم غاد ... ولم تسلّم على ريحانة الوادي العرب تقول: هذا يوم اثنين بغير ألف ولام، وكان أبو زيد يقول: مضى الاثنان بما فيها، ومضت الجمعة بما فيها، ومضى الثّلاثاء بما فيهن. وقال جرير: فالشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا أراد الشّمس طالعة وليست بكاسفة نجوم اللّيل، والقمر، لأنّها طلعت لفقدك ضعيفة النّور. وقيل: انتصب القمر لأنّه مفعول معه أراد مع القمر. وروي: تبكي عليك نجوم اللّيل

стр. 499

على أن تكون نجوم اللّيل مفعول تبكي، يقال: باكيته فبكيته، أبكيه ويكون من أفعال المبالغة، كأنّ الشّمس تغالب في البكاء النّجوم والقمر فتغلبها وأفعال المبالغة تجيء في الماضي على فاعلته أفعله بضم العين، يقول: طاولته فطلته أطوله، إلّا ما كان من بنات الياء، فإنّه يحامي على الياء منه لئلا يختلط بنات الياء ببنات الواو. هذا الباب المعتمد فيه على السّماع فاعلمه. وقال الطّرمّاح شعرا: فإني وإيّاكم وموعد بيننا ... كيوم لبيد يوم فارق أربدا يريد: أنّ يومنا ويومكم ويوم ميعاد بيننا كيوم لبيد، والأجود في تفسير البين أن يكون المصدر لا الظرف. وقوله: يوم فارق العامل فيه معنى الفعل الذي دلّ عليه قوله: يوم لبيد لأنّه يريد به الشّدة والصّعوبة. وأخبره أنّ السّبيل ثنية صعودا ينادي كلّ كهل وأمردا، صعود فمن يعمل يلمع به اليوم بأنها، ومن لا يلهي بالضّحاء فأوردا. أربد أخو لبيد مات فقال: وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزء ذو جلل والمعنى؛ فجعت بكم وأنا أتبعكم فما الخلق فيما كتب من آجالهم إلّا سابق ولا حق، على ذلك نحن ومن تقدّمنا في تواعدنا، والسّبيل يريد به سبيل الموت وأنّ الاقدام تتساوى فيه فمن دعي أجاب، وقوله: فمن يلمع به الصّعود يأتها، يريد إذا أشارت إليه أولا، وهذا كما قال أوس: أشاربهم لمع الأصم. وقوله: ثنية صعود يريد أنّها عقبة شاقة. وقوله: ومن لا يلهى بالضّحاء، وضع الماضي موضع المستقبل أراد ومن لا يلمع به في أوّل النّهار يلمع به من بعد، والضّحاء للإبل وهو وقت الغذاء للناس، يريد به قرب ما بين الأحياء والأموات في الموت ومثل قوله: ومن لا يلهى به في حذف الشّرط منه قول الآخر: والّا يقيموا صاغرين الرّؤسا. لأنّ المعنى: الّا تقيموا تقيموا كما أنّ التقدير في هذا لا يلمع به يلهى. وقوله: فأوردا. في موضع الجزم لأنّه معطوف على من لا يلهى. والمعنى من لم يتله فيورد وفيه وجه آخر. قال زهير: إنّ الرّزية لا رزية مثلها ... ما يبتغي غطفان يوم أضلّت (لا رزية) : مثلها في موضع الصّفة للرّزية وما ينبغي في موضع الخبر. شعر: إنّ الرّكاب ليبتغي ذا مرّة ... بجنوب نخل إذا الشّهور أحلّت يعني: إذا انقضت الأشهر الحرم. وقال آخر: وباد الشّباب ولذّاته ... وما كان للدّهر الأخلّا

стр. 500

أي أكلها أكل الحشيش وفي طريقته قوله: فلست خلاة لمن أوعدن. قال حميد بن ثور: أتنسى عدوّ إسار نحوك لم يزل ... ثمانين عاما قبض نفسك تطلب وتذكر سرداحا من الوصل باقيا ... طويل القرى أنضبته وهو أحدب تقعّدته عصرا طويلا أروضه ... يلين وينبو تارة حين أركب أراد بالعدو الدّهر، والسّرداح الطّويل من الإبل، ضربه مثلا للعيش الذي قضاه قوله: يلين وينبو أي: يأتي مرة بالبؤس ومرة بالنّعم. قال آخر: وصاحب المقدار والرّديف ... أفنى ألوفا بعده ألوف يعني بالرّديف النّجوم التي تتعاقب، يقول: يعاقبها على مرّ الدّهور لا يبقي أحدا. أنشد أبو العبّاس: أجدّك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيداء ناجية ذمولا ولا متدارك والشّمس طفل ... ببعض جوانب الوادي حمولا قال لك: إن تقول ما زيد قائما ولا قاعدا، ولا قائم ولا قاعد. من رفع توهّم أنّ الأول مرفوع. وكذلك الخفض، ولو خفض الأوّل جاز في المنسوق عليه ثلاثة أوجه. وكذلك لو كانت صفة قلت ما زيد خلفك ولا محسن ولا محسنا ولا محسن، يتوهّم أنّ المقدّم فعل ويجوز ما زيد بقائم ولا بقاعد، وأنشد: بطعنه لا غس ولا بمعمر. وأنشد الكسائي: أما ترى حيث سهيل طالعا. قال: رفع حيث وأضافها وخفض بها، وإذا خفض بها فينبغي أن ينصب ووجه الكلام عبد الله حيث زيد نصبت حيث، وأضفتها. وأنشد للنابغة شعرا: تبدو كواكبها والشّمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام قيل: أراد شدّة الأمر بقوله: تبدو كواكبه كما قال: ويريه النّجم يجري بالظّهر. وكما يقال: لأرينك الكواكب، وقيل بل أراد لمعان السّيوف وبريق البيض ذهبا بظلمة الغبار. وإنّ الغبار غطّى الشّعاع السّاطع منهما، فلذلك حال كلّ عن المعهود. وأنشد أبو الحسن عن يونس: إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن ... كلامك إلا من وراء وراء وراء من أسماء الزّمان. قال الشّعر مرفوع. وقد جوّز فيه غير وجه منها الضّم فيها ويكون الثّاني بدلا من الأوّل، وقد جعل غايته وجوّز إلّا من وراء وراء يريد ورأى فحذف ياء

стр. 501

الإضافة، وترك الكسرة عليها، وتكون الثانية بدلا أو تكريرا ويكون من وراء وراء على أن يجعل وراء معرفة فلا يصرفها للتأنيث والتّعريف، وتكون الثانية تكريرا وروى ابن حبيب عن أبي توبة إلا وراء وراء أضاف وراء إلى وراء فجرّه للإضافة ووراء المضاف إليه بني على الضّم مثل تحت ودون ويجوز إلّا من وراء وراء تضيف وراء الأول إلى الثّاني. وقد جعلته لا ينصرف للتأنيث والتّعريف، ووراء الأوّل التّقدير فيه الإفراد كما يقدّر في سائر ما يضاف. قال زهير شعرا: لعب الرّياح بها وغيّرها ... بغدي سوافي المور والقطر القطر: لا يسفي. فقال الأخفش: هذا الباب يشير إلى مثل قوله: متقلد أسفا ورمحا ... وعلفتها تبنا وماء باردا وقول جرير شعرا: تبيّن في أنف الفرزدق لؤمه ... يقبّح ذاك الأنف أنفا ومشفرا كلّه إنما جاز بإضمار فعل آخر كأنه قال: وحاملا رمحا وسوافي المور، وصوب القطر وقال: ما كان مثلك يستخفّ لنظرة ... يوم المطيّ لغربة مر حول وهذا مثل أتيتك زمن الحجّاج أمير. وقال حميد الأرقط: فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى يلقى المساكين قال سيبويه: أضمر القصّة أو الأمر وقدم مفعول الخبر، وهذا لا يجوز لو لم يكن فيه إضمار كأنّه قال: وليس الأمر كلّ النّوى يلقى المساكين، لأنّه لا يلي ليس ولا كان ما يعمل فيه فعل آخر، لا يجوز أن يقول: كانت زيدا الحمى تأخذ فيفرق بين كان واسمها بمفعول غيرها، ولو كان مفعولها لجاز كقولك: كان زيد قائما لأنّ قائما مفعول كان. وأنشد سيبويه لعمر بن أبي ربيعة شعرا: معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقال: هذا مما يجري على الموضع لا على الاسم الذي قبله لأنّ المعنى فلسنا جبالا ولا حديدا. وقيل: إن سيبويه دسّ هذا البيت لأنّ القصيدة مجرورة، وفي هذا كلام. وقال آخر: فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء

стр. 502

من قولك: أوّه وأراد من بعد أرض، ومن بعد سماء، فجعله للصّفتين ونحوه قول القطامي: ألم يحزنك أنّ جبال قيس ... وتغلب قد تباينت انقطاعا يريد: وجبال تغلب. وقال النّابغة الجعدي شعرا: غدا فتيا دهر وراحا عليهم ... نهار وليل يكثران التّواليا وإنمّا يغدو واحد ويروح آخر، ويجوز على هذا أن يقول: غلامان قد طبخا خبزا وأحدهما طبخ والآخر خبر. وقال آخر: تعلمنّ والله ما أبالي ... تعود عند آخر اللّيالي أراد أن يقول: أخرى اللّيالي، وهو وجه الكلام. وقال جرير شعرا: مطاعيم الشّتاء إذا استحنّت ... وفي عرواء كلّ صبا عقيم قال ابن الأعرابي: استحنّت بفتح التاء بمعنى حنّت يعني الشّمال، وقال عمارة: بضم التاء، وقال: أراد استحنّ الشّتاء الشّمال أي هيّجها، والشّمال: مستحنّة فلذلك روى استحنّت. سبقنا العالمين بكلّ نجم ... وبالمستمطرات من النّجوم وقوله: وليست يعني النّجوم وأضمر لأنّ في الكلام دليلا عليه. وقال جرير شعرا: يأوي إليك فلا منّ ولا جحد ... من ساقت الضّيع الحصا والذّئب فاعل يأوي من ساقت، وأراد بالضّيع الحصا السّنة الجدبة لا نبت فيها، قوله: والذّئب يريد أنّ الذئب تطمع في الناس لضعفهم. وروي أنّه سئل السّنة: أي الجدب ما عوانك، فقال: الحرب والذّئب. وقال الفرزدق شعرا: يداك يد ربيع النّاس فيها ... وفي الأخرى الشّهور من الحرام أراد في إحدى يديك ربيع النّاس، يعني إنّه يغنيهم، والأخرى كالأشهر الحرم يعني عقد جوارح، فأخرج الكلام كما ترى. وأنشد ثعلب: ولعلّ خيرا منك قرما ماجدا ... ضحّاك ساعات النّجوم سميدع

стр. 503

يعني طلاقة وجهه في الجدب إذا خوت النّجوم، واللّفظ على ما يشاهد وفي طريقته قال شعرا: قفار إذ العام المسمّى تزعزعت ... بشيفائه هوج الرّياح العقائم قوله: المسمّى. يعني المشتهر بصفاته. وأنشد للعجّاج أو رؤبة: كأنّه لو لم يكن حمارا ... بهنّ تالي النّجم حيث غارا يجوز أن يكون المراد بقوله: بهنّ بطردهنّ فحذف المضاف، ويجوز أن يريد كأنّه باجتماعه معهنّ، ويكون في الباء تقديران: أحدهما: أن يكون العامل فيه ما في كان من معنى الفعل، أي يشبه العير تطرده الأتن تالي النّجم، والآخر: أن تعلقه بكان أي لو لم يكن حمارا بطردهنّ أو بالاجتماع معهنّ، والمعنى أنّ كونه حمارا يمنعه أن يكون كتالي النّجم على الحقيقة، وإن كان كونه خلفها، يطردها ككون الدّبران خلف الثّريا وقال: مرّت على آثارها دبرانها. يشبه هذا ما أنشده أبو زيد. كوني بالمكارم ذكّريني. قولهم زيدا ضربه، وزيد ليقم، فبالمكارم متعلّق بذكّريني فكأنّه قال: أنت ذكرتني فرفع أنت بالابتداء ثم دخل الفعل عليه، ويشبهه قول الجميح: إن الرّياضة لا ينصبك للشّيث. فإن قلت: بيت الجميح أحسن في القياس أو ما أنشده أبو زيد، قيل: جهة قياسهما في الارتفاع بالابتداء واحد. وقوله: لا ينصبك أحسن من كوني بالمكارم ذكريني لأنّ قوله ذكرتني يدل على كوني، ونظيره قولهم: كان زيد قام، وقد أجازه النّحويون إجازة حسنة وزعموا أنّ أخوات كان ليس في ذلك لكان والله أعلم.

стр. 504

الباب السّادس والخمسون في ذكر الكواكب اليمانية والشّامية وتميز بعضها عن بعض وذكر ما يجري مجراه من تفسير الألقاب. واعلم أنّ القوم لمّا أرادوا تميز الكواكب قسموا الفلك قسمين، وسمّوا أحد النّصفين جنوبيّا، وهو الذي يلي الجنوب، وسمّو النّصف الآخر شماليّا وهو الذي يلي الشّمال، وسمّوا كلّ ما وقع في النّصف الجنوبي من البروج والكواكب جنوبيّة، وسمّوا ما وقع في النّصف الشّمالي من البروج والكواكب شماليّة، وسمّت العرب تلك الشّمالية شاميّة، والجنوبية يمانية، والمعنيان واحد، لأنّ مهبّ الشّمال عندهم من جهة الشّام، ومهبّ الجنوب من ناحية اليمن ولذلك جعلوا ما بين رأس الحمل إلى رأس الميزان من البروج شاميّة. وجعلوا ما بين رأس الميزان إلى رأس الحمل من البروج يمانية. وكذلك جعلوا ما بين الشّرطين من المنازل إلى السّماك شاميّة، وجعلوا ما بين الغفر إلى الرّشاء يمانية. فكلّ كوكب مجراه ما بين القطب الشّمالي إلى ما بين مدار السماك الأعزل أو فويقه قليلا فهو شاميّ، وكلّ كوكب مجراه دون الفلك إلى ما يلي القطب الجنوبي فهو يماني. والنّسران أحدهما الطّائر والآخر الواقع وهما شاميّان. فأما الواقع فهو منير، وخلفه كوكبان منيران، يقولون: هما جناحاه، وقدّامه كواكب يقال لها: الأظفار. وأمّا الطّائر فهو إزاء الواقع، وبينهما المجرّة، ولا يستتر إلا خمس ليال. وأمّا قول ذي الرّمة شعرا: يحبّ امرؤ القيس العلى أن ينالها ... وتأبى مقاريها إذا طلع النّسر فإنّما يذمّهم بأنهم لا يطعمون في الشّتاء، والمقاري الجفان. قال أبو حنيفة: وكذلك مدار الكوكب الذي تسميه العرب: الفرد وهو قريب من الفصل بين شاميّ الكواكب ويمانيّها. وقول عمر بن أبي ربيعة في سهيل بن عبد الرّحمن: وتزوّجه الثّريا العبلية من بني أميّة، يضرب لهما كوكبي سهيل والثريّا مثلا فقال:

стр. 505

أيّها المنكح الثّريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟ هي شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان وقال آخر في نعت سهيل إذا طلع صباحا: أراقب لمحا من سهيل كأنّه ... إذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف وقيل: هو كوكب ذكر نكاح، حريص عليه، وربما طلع في اللّيلة الواحدة مرّتين، ويغيب مرّتين. ويقال: غيبته بعد طلوعه لدنوّه من كوكبتيه وصاحبتيه. وحكي عن بعض علماء العرب: النّظر إلى سهيل يشفي من البرسام، ولذلك يقول مالك بن الرّيب: أقول لأصحابي ارفعوني فإنّني ... يقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا ويقال: سهيل أشفق الكواكب على الغرباء وأبناء السبيل، وبين رؤية سهيل بالحجاز وبين رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، وقالت الهند: إذا نظر ناظر إلى سهيل عند نهيق الحمار وبه صداع عوفي. من خرافات العرب: أنّ سهيلا طلع بأرض العراق وقابل الزّهرة، فضحكت إليه وقالت: ألست الذي يقال فيك إنّك كنت عشارا فمسخك الله شهابا، عقوبة لك؟ فأجابها وقال: ليس كلّ ما يقوله النّاس حقا، فقد قالوا فيك: إنّك كنت امرأة فاجرة فمسخك الله كوكبا مضيئا يحكم في خلقه. فأمّا معرفة الشّرقيّ من الكواكب والغربي فيجب أن تعلم أنّ الكواكب إذا كانت خلف الشّمس بخمس عشرة درجة فهي شرقية في ذاتها إلى ما تباعدت. وإذا كانت قدّام الشّمس بخمس عشرة درجة فهي غربيّة في ذاتها إلى ما تباعدت. والكوكب الشّمالي إذا جاز رأس جو زهرة إلى أن يبلغ ذنبه، والجنوبي إذا جاز ذنب جو زهرة إلى أن يبلغ إلى رأسه. وأمّا معنى اقتران الكوكبين فهو مسامتة أحدهما الآخر، لأنّ أحدهما أعلى من صاحبه، وفلكه خلاف فلك الآخر، فيسامت أحدهما صاحبه فيحاذيان موضعا واحدا من ذلك البرج، ويتحرّكان على سمت واحد، فيراهما النّاظر مقترنين لبعدهما من الأرض، وبين أحدهما وصاحبه في العلو بعد كثير فبهذه العلّة صار اقتران الكوكبين، وهذا كما يقال: البروج المتصادفة إذا اتفقت في جميع الجهات، كالبروج النّارية مثل الحمل- والأسد- والقوس- والجوزاء- والميزان- والدّلو. والبروج المتعادية: وهي المتضادة في كل وجه كالحمل- والسّرطان- لأنّ أحدهما ناري والآخر مائي. ومن هذا النوع قولهم: البروج الجامعة إذا دلّت على صلاح الحال. والبروج المبدّدة إذا دلّت على التّبديد والبروج

стр. 506

المعطية: تدل على اليسار والإحسان. والبروج الآخذة تدل على خلافه ومما يبيّن ما ذكرناه في سهيل قوله: إذا ما نجوم اللّيل آضت كأنّها ... هجأين يطلعن الفلاة صوادر شآمية إلّا سهيلا كأنّه ... فنيق غدا عن شوله وهو جافر ألا ترى أنّه جعل يمانيا إذ كان مداره في شق اليمن. وجعل الثّريا شآمية إذ كان مدارها في شق الشّمال. وقال آخر في سهيل: فمنهنّ إدلاجي إلى كلّ كوكب ... له من عماني النّجوم نظير فجعله عمانيا إذ كان مجراه في ذلك الشّق، كما جعل الأول يمانيا وفي معنى قوله: فنيق غدا عن شوله وهو جافر. يقول الآخر شعرا: وقد لاح للسّاري سهيل كأنّه ... قريع هجان يتبع الشّول جافر شبّه في انفراده بفحل انقطع عن الضّراب فتنحّى عن الإبل وتركها. وقال آخر: إذا سهيل لاح كالوقود ... فردا كشاة البقر المطرود فهذا يريد وبيصه وشعاعه وانفراده كما قال غيره يريد التّهيّج، قال شعرا: حتى إذا لاح سهيل بسحر ... كعشوة القابس ترمي بالشّرو وقال آخر يصف ثور وحش: فبات عذوبا للسّماء كأنّه ... سهيل إذا ما أفردته الكواكب العذوب: القائم الذي لا يطعم. وقال آخر في انفراده: من يك ذا مال يكاشر لماله ... وإن كان أنأى من سهيل الكواكب يعارض عن مجرى النّجوم وينتحي ... ويسري إذا يسرين غير مصاحب وقال آخر يصف رفقاء تجمّعوا: وفتية غيد من التّسهيد ... نبتهم من مهجع مورود والنّجم بين الغمّ والتّعريد ... إذا سهيل لاح كالوقود فردا كشاه البقر المطرود ... ولاحت الجوزاء كالعنقود كأنّها من نظر ممدود ... بالأفق انظامان من فريد الإنظام: القلائد ينظم فيها، والفريد: الشّذر، وإذا نظرت إلى الجوزاء وهو على الأفق

стр. 507

فتأملت نظمها رأيتها أشبه شيء بما وصف. وهذا من حسن التّشبيه، وهذا كما شبّهوا الكوكبين المتدانيين اللّذين على منطقة الجوزاء بالعذبة، والعذبة في اللغة طرف السّوط، وما أرسل من شراك النّعل، وكذلك عذبة العمامة والغصن، والعذبة الطّرادة أيضا. وكما قال بعضهم: راية السّماك يعني رمحه، ويسمى السّماك وحده حارس السّماء، لأنّه يرى أبدا لا يغيب تحت الشّعاع فلا طلوع له ولا غروب.

стр. 508

الباب السّابع والخمسون في ذكر الفجر- والشّفق- والزّوال ومعرفة الاستدلال بالكواكب وتبيين القبلة روي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] قال: عمدت إلى عقالين أحدهما أبيض، والآخر أسود، فجعلتهما تحت وسادي، فلما تقارب مرّ اللّيل جعلت أنظر إليهما فلم يتبيّن لي شيء، فلمّا أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فضحك وقال: «وسادتك إذن لعريض اللّيل والنّهار، إذن تحت وسادتك إنّما ذلك اللّيل والنّهار» . وروي عن عليّ ﵁ أنّه صلّى الفجر ركعتين ثم جلس على مجلس له ثم قال: هذا حين تبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. واعلم أنّ الفجر فجران: أحدهما قبل الآخر: فالفجر الكاذب يستدقّ صاعدا في غير اعتراض، ويسمى ذنب السّرحان لدقته، ولا يحلّ شيئا ولا يحرّمه، وإنّما يؤذن بقرب النهار. وقال الخليل: الفجر ضوء الصّباح وقد انفجر الصّبح، والفجر المعروف منه. يقال: ما أكثر فجره وفي التّنزيل: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [سورة البقرة، الآية: ٦٠] لأنّ الحجر كان يفجر منه الماء في اثني عشر موضعا عند نزولهم، فإذا ارتحلوا غارت مياهها. والفجر الثّاني: هو الصّادق والمصدّق، قال أبو ذؤيب يذكر الثّور والكلاب شعرا: شغف الكلاب له الضّاريات فؤاده ... فإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع وإنما قال: يفزع لأنّه وقت القائض الفجر الثّاني هو المستطير المنتشر الضّوء ومع طلوعه يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. قال أبو داود: فلمّا أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصّبح خيط أنارا وقال آخر: نميت إليها والنّجوم شوابك ... تداركها قدّام صبح مصدّق

стр. 509

والصّبح- والصّباح- والإصباح واحد. وفي التّنزيل: فالِقُ الْإِصْباحِ [سورة الأنعام، الآية: ٩٦] والصّبيح: الحسن الوجه. وكذلك الصّبحان، وقد صبح صباحة والحق الصّابح البيّن، وقد صبح الحق يصبح صبحا. والمصباح السّراج وكما قيل: وجه صبيح قيل أيضا وجه مسرج. قال: وفاحما ومرسنا مسرجا. وكذلك الشّفق شفقان: أحدهما قبل الآخر، ومثالهما من أول اللّيل مثال الفجرين من آخره، فالأول هو الأحمر وإذا غاب حلّت صلوة العشاء الآخرة. والثّاني: هو الأبيض والصلاة جائزة إلى غروبه وهو يغرب في نصف اللّيل وآخر أوقات العشاء الآخرة نصف اللّيل. والزّوال: يشار به إلى ما دلّ الله تعالى عليه بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] ودلوك الشّمس: غروبها وزوالها، فدلّ بالدّلوك على صلوة الظّهر، وعلى صلوة المغرب، ودلّ بقوله: إلى غسق وهو الظّلام على صلوة العشاء الآخرة. وقال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة، الآية: ٢٣٨] وهي العصر، وجعلها الوسطى لأنّها بين صلوتين في النّهار وصلوتين في اللّيل. وقال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: ٧٨] فدلّ على صلوة الصّبح. وكان رسول الله ﷺ يصلّي الظّهر إذا دحضت الشّمس. يراد إذا زالت، وأصل الدّحض الزّلق وذاك أنها لا تزال ترتفع حتى في جوّ السّماء فتراها تقف شيئا ثم تنحطّ، فحينئذ تزول وتحول الظّل من جانب إلى جانب، ويسمّى فيئا. قال رسول الله ﷺ : «أمّني جبرائيل مرّتين فصلّى الظّهر حين مالت الشّمس قيد الشّراك، وصلّى العصر وظلّه مثله، وصلّى المغرب حين رفعت الشّمس وصلّى العشاء حين غاب الشّفق، وصلى الصّبح حين طلع الفجر، فلما كان الغد صلّى الظّهر وظلّه مثله، وصلّى العصر وظلّه مثلاه، وصلّى المغرب حين رفعت الشّمس، وصلّى العشاء حين ذهب ثلث اللّيل، وصلّى الغداة فأسفر بها وقال: الوقت ما بين هذين» . ويروى أنّه قال: إنّ الصلاة فيما بينهما. فقوله ﷺ حين مالت الشّمس قيد الشّراك: يريد أنّها زالت، فصار للشخص فيء يسير قدر الشّراك، وليس يكون هذا في كل بلد إنما يكون في البلد الذي يتنقل فيه الظّل عند الزّوال، فلا يكون فيء أصلا. وقال الرّاجز: إذا زقا الحادي المطيّ اللّغبا ... وانتقل الظّل فصار جوربا وقال ابن مقبل وذكر فرسا: يبني على حامييه ظلّ حاركه ... يوم توقّده الجوزاء مسموم

стр. 510

والحاميان: جانبا حافره. والحارك: فروع كتفيه وإذا قام ظلّ كل شيء تحته صار ظل الحارك على حاميي حافره، فالحجاز وما يليه يتنقل فيه الظّل، فأما البلد الذي تزول فيه الشّمس، وللشّخص ظلّ فإنّه يعرف به قدر الظّل الذي زالت عليه، فإذا زاد عليه مثل طول الشخص فذاك آخر وقت الظّهر، وأوّل وقت العصر، فإذا زاد عليه مثلا طول الشّخص فذلك آخر وقت العصر، على ما روي في الحديث. فأمّا قول الشّاعر: إني على أوني وانجراري ... أؤمّ بالمنزل والدّراري فالأون: الرّفق والانجرار: سير الإبل وعليها أحمالها وهي ترعى وأؤم: يريد أقصد بمنازل القمر وكبار الكواكب فأهتدي. وقال ذو الرّمة وذكر الإبل: تياسرن عن جري الفراقد في السّرى ... ويا منّ شيئا عن يمين المغاور يعني: أنّهن قصدن وسطا فيما بين الفرقدين وبين المغاور، وهي المغارب وذلك أنّ ابتداء المغارب قريب من منحدر بنات النّعش وقال لناقة: فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك فإنما يصف سمت جهة وأجراها أنّه يريد في مسيره ما بين منحدر النّسر للمغيب وبين الفرقدين، فإذا أردت الاهتداء بالنّجوم فاعرف البلد الذي تؤمّه وفي أي أفق هو، فإن كان في ناحية المشرق كخراسان وما صاقبها، استقبلت منازل الشّمس والقمر، إن كان مسيرك ليلا والسّماء مضحية وجعلت الجدي وبنات النعش على يسارك والشّعريين وسهيلا عن يمينك، وإن كنت في ناحية المغرب استدبرت منازل القمر وجعلت الجدي، وبنات نعش وراءك والشّعريين وسهيلا عن يسارك. وإن كان في ناحية اليمن جعلت منازل القمر على يمينك وجعلت الجدي وبنات نعش أمامك، وسهيلا وراءك، فإذا أنت فعلت ذلك فأنت على سمت الوجه الذي تريد إن كنت على الطّريق غير راجع ولا جائز وإن كان مسيرك ليلا والسّماء غائمة استدللت أيضا بالمشرق والمغرب، فإن اشتبها عليك استدللت على المشرق بنسيم الصّبا وروحها، فإنّها تأتي من ناحيته وعلى المغرب بريح الدّبور وحرّها في الصّيف. وأمّا القبلة فالاستدلال عليها بالجدي: وذلك أن تجعله حذاء منكبك الأيمن، أو أخدعك، وإن كان مسيرك نهارا، فبالشّمس، فإنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة المسافر. وقال محمد بن كناسة: إذا سقط منزل من منازل القمر بالغداة عند نوئه فعدّ منها سبعة أنجم على موالاة العدد، فالسّابع هو القبلة إلى أن يسقط العقرب. فإذا سقطت العقرب فالنّعائم قبلة. والبلدة بعد تلك السّاعة قليلا قبلة. ثم يعود الحساب فإذا سقط سعد الذّابح فالحوت قبلة وهو السّابع. ومثال ذلك أنّه إذا سقط الشّرطان كان السّابع منه الذّراع وهو

стр. 511

القبلة. وإذا سقط البطين فالنّثرة قبلة. وإذا سقطت الثّريا فالطّرف قبلة. وإذا سقطت الدّبران فالجبهة قبلة. وإذا سقطت الهقعة فالزّبرة قبلة، وإذا سقطت النّثرة فالسّماك قبلة، وإذا سقط الطّرف فالغفر قبلة، وإذا سقطت الجبهة فالزّباني قبلة. وإذا سقطت الزّبرة فالإكليل قبلة، ثم يقع الشّك في القبلة عند سقوط الصّرفة- والعوّاء- والسّماك- والغفر- والزّباني- والإكليل- والقلب- والشّولة- والنّعايم- والبلدة. وذلك لأنّ العقرب تسقط جميعا فلا يستقيم الحساب على سبعة أنجم، غير أنّه إذا سقطت العقرب كلّها كانت النّعايم قبلة. ثم البلدة قبلة والقبلة قريب منها. ثم يسقط سعد الذّابح فيكون رأس الحوت قبلة. وهو مذموم بالكف الخضيب ويرجع الحساب إلى السّابع. وقال ابن كناسة في ذلك وذكر طريق مكة، قال شعرا: يوم النّجوم السّابعات من الّتي ... تأوّب إلا أن تأوّب عقرب فإن هي آنت فالنّعايم آبها ... وبلدتها ثم السّوابع أصوب قال: وكواكب العقرب أربعة: منازل تطلع في الأوقات التي بيّنت وتسقط كلّها في وقت واحد. فصل في صرف القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: ١١٥] قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأتتهم ضبابة، فصلّوا لغير القبلة، فسألوا رسول الله ﷺ فلم يأمرهم بالإعادة، وكانوا يصلّون نحو بيت المقدس فنزلت: فأينما ولّوا فثم وجه الله، فقال رسول الله ﷺ لجبرائيل: «وددت أنّ ربي ﷻ صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها» ، فقال جبرائيل: إنما أنا عبد مثلك، فادع ربّك وسله ثم ارتفع جبرائيل وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السّماء رجاء أن يأتيه بالذي سأل، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [سورة البقرة، الآية: ١٤٤] الآية. قال: فنسخت هذه الآية ما كان من الصّلاة قبلها نحو بيت المقدس، قال: وكانوا يصلّون نحو صخرة بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، بعد أن قدم المدينة ثم حوّل إلى الكعبة إلى الميزاب قبل بدر بشهرين. وروي عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الذين ماتوا وهم يصلّون إلى البيت المقدس فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] وذكر سعيد بن المسيب أنّ قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [سورة التوبة، الآية: ١٠٠] هم أهل القبلتين.

стр. 512

واعلم أنّ الذي لا غنى لمؤمن عنه ولا يتم إيمانه إلا به هو: العلم بأنّ الله ليس بناسخ مديحه، ولا حسن الثناء عليه، ولا أسماءه الحسنى، ولا ما أضيف من الصّفات العلى إليه، ولا ينسخ شيئا من أخباره عمّا كان أو يكون، لأنّ نسخ المديح ذم وتقبح ونسخ الأسماء الحسنى إثبات الأسماء السوأى، ونسخ الصّفات العلى إيجاب للصّفات السّفلى، ونسخ الأخبار انصراف المخبر من الصّدق إلى الكذب وعن الحق إلى الهزل واللّعب. وهذا من جوّزه على الله تعالى فيما مدح به نفسه، وأخبر به عباده الحد في أسمائه والله تعالى يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٠] يقول أيضا: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [سورة الأنعام، الآية: ١١٥] وهذا كاف، والاقتصار عليه واجب، لأنّ الكتاب لم يوضع لذلك فاعلمه إن شاء الله تعالى.

стр. 513

الباب الثّامن والخمسون في معرفة أيام العرب في الجاهلية وما كانوا يحترفونه ويتعايشون منه وذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم. اعلم أنّ احتراف العرب في الجاهليّة وقرب الإسلام على وجوه خمسة: قود الكتائب- وجرّ الغارات- وشنّها على القبائل حين كان الزّمان من عزيز- وأخذ الرؤساء منهم المرباع- وما يجري مجراه من الصّفية والفضول والنّشيطة، وصنوف الاحتكام منهم. ثم الوفادات على الملوك في فكّ الأسرى- وحقن الدّماء وحمل الدّيات- وإصلاح ذات البين وغيرها، ثم ترقيح «١» العيش من ظهور الإبل وبطونها ونتاج الخيل، ثمّ غراس النّخل- لذلك روي عنه ﷺ : «خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» . وروي أيضا: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» إلى كثير تركناه لشهرته، كقوله ﷺ : «ارتبطوا إناث الخيل، فإنّ ظهورها حرز وبطونها كنز» . وكقوله ﷺ : «الخيل تعدو بأحسابها فإذا كان يوم الرّهان عدت بحدود أربابها» وكقوله: «جعل رزقي في أطراف الأسنة» يعني من الغزو، ثم طبقة العسفاء والجمّالين وهذه حرفة يرغب عنها كرامهم وصرحاؤهم فهذه وجوه مكاسبهم، ومعالم حرفهم عليها تدور أزمنتهم قبل الإسلام وبها شافهت ما داناه. ثم صارت في الإسلام على أربع طبقات: الأولى: مهاجرون يقبضون الدّواوين ويحفظ بهم البيضة فيغزون الثّغور ويقاتلون العدو. حكي عن جعفر بن محمد قال: قال علي ﵁، قال رسول الله ﷺ : «الخير في السّيف والخير مع السّيف والخير بالسّيف» . والثانية: مقيمون يعتملون سوارح الإبل وروائحها، ويتبعون مساقط الكلام، ومدافع المطر، ويكرّون عواملهم إلى الأمصار والكور ويتواردون الأرياف وجوانبه الخضر.

стр. 514

والثّالثة: طبقة مقيمة في مياهها ومحاضرها ومرابعها ومزالفها، راضية من العيش بما يحفظ عليهم التّجمل وينفي عنهم التقشّف والتّبدل، فيتّجرون فيما يعتنون جلبا، وينقلون ما به يقضون أربا. والرّابعة: العسفاء والأجراء ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الخيل العراب تراث أبيكم إسماعيل فاقتنوها واركبوها، وكان أول من ركبها إسماعيل وبنوه، وكانوا اثني عشر رجلا يسمّون الفوارس» . قال أسد بن مدركة منتميا في شعره إلى إسماعيل ﵇. أبونا الذي لم يركب الخيل قبله ... ولم يدر شيخ قبله كيف يركب وعوّدنا فيما مضى من ركوبها ... فصرنا عليها بعده نتلقّب لعمرك ما عمّاي شمر ويبهس ... ولكنّما عمّاي بكر وتغلب فإن يك أقوام أضاعوا آباءهم ... سفاها فما ضلّت ربيعة أكلب وروي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ هذه الخيل كانت وحشا في الفلوات، لها أجنحة في مواضع أكتافها» قال: وكان في دور العجم مثل خلق الخيل صورا لها كالأجنحة في مواضع أكتافها تسمّى بالفارسية درواسف وتفسيرها بالعربية ذو الأجنحة من الخيل، فلم أعرف معناه حتى سمعت هذا الحديث، قال ثم ذللت لاسماعيل وكانت معه في جرهم فلمّا توفّاه الله عادت وحوشا إلى مواضعها، حتى جاء زمن داود فذلّلت له ثم ورثها سليمان، وكان يعجب بها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ [سورة ص، الآية: ٣١] وكان أصحاب النّخل أكثر دعة وأرفع عيشا، وأندى جنابا وأحضر نفرا من أرباب الإبل، إذ كانت الإبل أشدّ امتهانا لأهلها وابتذالا لمتخذيها مع ما يلحقها عند سقوط الغيث، ونبات البقل، ودرور الألبان من الفارة والنّدود والشّرود مع الكلف اللّاحقة من لوازم الرّعاء والتّحفظ من الحزابة والسّلة ومع ما ينالها في شهب السّنين من السّواف وسائر العاهات، وفي استقبال بارد الرّياح من الأدواء المهلكة، وتلحقها من عدوة السّباع الضّارية، حتى أنّ ربّها يمسي غنيا مكثرا ويصبح فقيرا مدقعا. والخيل ثلاثة أصناف: فمنها ملوك الخيل التي لا تجارى، وهي تسبق بعنقها وكرمها وحسبها مع حسنها وتمام خلقها واستوائها وهي الرّوابع. والصّنف الثّاني المضامير: وهي سباع الخيل المتعالية اللّحوم، وخلقتها غير خلقة الأولى لكنها أخفّ وأرقّ منها. والصّنف الثّالث: ضباع الخيل قوّية شديدة تحمل الزّاد والمزاد في السّهل والجبل، وهي الغلاظ الشّداد، مع جودة الأنفس، لأنّ الغليظ أحوج إلى شدّة النّفس من غيره.

стр. 515

وقال أبو داود الإيادي يصف الجواد من الخيل بصفة جامعة يستغنى بها عن تخصيص المفردات بما يحمد منها: وقد أغروا بطرف هيكل ذي ميعة سكب ذو ميعة؛ أي جري سائل، وكذلك السّكب، ويقال: فرس سكب وبحر وحت. أسيل سلجم المقبل لا شخت ولا جأب السّلجم: الطويل والشّخت: الدّقيق، والجأب: الغليظ يريد أنه بين وصفين. طويل طامح الطّرف إلى مفزعة الكلب يريد أنه يسمو بطرفه إلى حيث يفزعه الكلب من الصّيد إذا طلبه. مسح لا يواري العير منه عصر اللهب اللهب: شق في الجبل أي من إشراقه يراه، وإن كان مستسرا فيه بشيء. مكر سبط العذرة ذي عفو وذي عقب العذرة: شعر النّاصية، والعقب: آخر الجري. كشخص الرّجل العريان فعم مدمج العصب العصب: إدماج الخلقة. له ساقا ظليم خاضب فوحى بالرّعب الخاضب: الذي قد رعى الرّبيع. وقصري شبح الإنسان بناح من الشّعب الشّعب: الملتوية القرون. ومتنان خطانان كزحلوق من الهضب الزّحلوق: الأملس وكذلك الزّحلوف. يهزّ العنق الأجرد في مستأمق الشّعب الأجرد: يريد به المحكم الأمر. من الحارك مخشوش بجنب مجفر رحب

стр. 516

أي أدخل: في الجنب. والجفر: الواسع. ترى فاه إذا أقبل مثل السّاق الجدب السّلق: الأرض المتجرّدة من النّبات. نبيل سلجم اللّحيين صافي اللّون كالقلب القلب: السّوار. جواد الشّدّ والإحضار والتّقريب والعقب عريض الخدّ والجبهة والصّهوة والجنب يخد الأرض خدّ الصّمل سلط وأب الصّهوة: مقعد الفارس، والصّمل: الشّديد من الحوافر، والوأب: التّعب. صحيح النّسر والحافر مثل الغمر القعب له بين حواميه نسور كنوى القسب القسب: التمر الرّديء. وأرساغ كأعناق ضباع أربع غلب والمستفرغ: الميعة بعد النّزع. والجذب: الميعة النّشاط. يعني الخاضب الأخرج في ذي عمد صهب وعير العانة القب الحماص النّحص الحقب يزيز البيت مربوطا ويشفي قرم الرّكب فبهذه الصفات وما يشبهها يختار جياد الخيل. وقال مرار بن منقذ يفضّل النّخل على سائر ما يحترف منه إذا أخرج الحقوق منها، قال شعرا: كأيّن من فتى سوء تراه ... يعلك هجمة حمرا وجونا يضنّ بحقها ويذمّ فيها ... ويتركها لقوم آخرينا وإنّك لن ترى إبلا سوانا ... وتصبح لا ترين لنا لبونا فإنّ لنا حظائر ناعمات ... عطاء الله ربّ العالمينا طلبن البحر بالأذناب حتّى ... شربن جمامة حتّى روينا تطاول محزمي صددي أشتى ... بوايك لا يبالين السّنينا كأنّ فروعها في كلّ ريح ... جوار بالذّوائب ينتصينا

стр. 517

بنات الدّهر لا يحفلن محلّا ... إذا لم تبق سائمة يقينا يسير الضّيف ثم يحلّ فيها ... محلا مكرما حتى يبينا فتلك لنا غنا والأجر باق ... فغضّى بعض لومك يا ظعينا ب نات بناتها وبنات أخرى ... صواد ماصحين وقد روينا ولأحيحة بن الجلّاح في مثله: لقد لامني في اشتراء النّخيل ... قومي فكلّهم يعذل وأهل الذي باع يلحونه ... كما عذل البائع الأوّل هو الظلّ في الصّيف حقّ الظلّيل ... والمنظر الأحسن الأجمل تغشى أسافلها بالجنوب ... ويأتي حلوبتها من عل وتصبح حيث تبيت الرّعاء ... وإن ضيّعوها وإن أهملوا ولا يصبحون يبغونها ... خلال الملا كلّهم يسأل فعمّ لعميكم نافع ... وطفل لطفلكم يؤمل وقال كعب بن زهير يذمّ الغنم، وقد اتّخذ مالا ومعيشة، شعرا: يقول حيّان من عوف ومن جشم ... يا كعب ويحك لم لا تشتري غنما من لي منها إذا ما جلبة أزمت ... ومن أويس إذا ما أنفه رذما أخشى عليها كسوبا غير مدّخر ... عاري الأشاجع لا يشوي إذا ضغما إذا تولّى بلحم الشّاة نبّذها ... أشلاء برد ولم يجعل لها وضما إن يغد في شيعة لا يثنه نهر ... وإن غدا واحدا لا يتّقي الظّلما وإن أغار فلا يحلى بطائلة ... في ليلة ابن جمير ساور العظما إذ لا يزال فريش أو مغيبة ... صيداء تنشج من دون الدّماغ دما الكسوب: يعني به الذّئب. لا يشوي: أي لا يصيب غير المقتل وقوله: لا يثنيه نهر: أي نهار، يقال: ليلة نهرة أي مضيئة. وقوله: في شيعة: يعني أصحابه من الرّباب، وابن جمير: أظلم ليلة في الشّهر، وهي التي لا يطلع القمر فيها من أولها إلى آخرها. والعظم: السّخال التي قد فطمت. يقول: جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهنّ ساور الصّغار. والمغيبة: التي قد دنت من الموت، وفيه بقية. والصّيداء: التي قد التوت عنقها وتنشج: أي ما لها نشج وصوت من الدّم. قد ذكر بما اقتصّ كيف كان أصل خيل العرب، فأمّا النبي ﷺ فكان له خمسة أفراس: الظّرب- والسّكب- واللّزار- واللّجاف- والمرتجز، سمّي به لحسن صهيله.

стр. 518

ثم خيل أصحابه كان لجعفر بن أبي طالب فرس أنثى يسمّى سبحة يقال اسمها سمحة، وكان عرقبها يوم استشهد وهو أول من عرقب الخيل في الإسلام، كانت تحته يوم استشهد في غزوة مؤتة. ولحمزة بن عبد المطلب فرس من بنات العقال قال فيه شعرا: ليس عندي إلّا السلاح وورد ... فارح من بنات ذي العقال أتّقي دونه المنايا بنفسي ... وهو دوني تغشى صدور العوالي وفي هذا ألمّ بقول الآخر: أقيه بنفسي في الحروب وتقي ... بها دية إنّي للخليل وصول وكان تحت الزّبير بن العوام يوم بدر فرس يسمّى اليعسوب. وتحت المقداد بن الأسود فيه فرس يقال له: ذو العنق، ولأبي ذر فرس يسمى الأجدل، ولمحمد بن مسلمة فرس يسمّى ذا الجناح، ولعبّاس بن مرداس فرس يسمّى العتيد، ولعكاشة بن محصن فرس يقال له: أطلال كانت تحته يوم القادسيّة، وتحدث أنّ النّاس أحجموا عن عبور نهرها أو خندقها، وكان عرضها أربعين ذراعا، فصاح بها فخلفته وثبا، حتى قال أهل النظر: ذلك من معجزات النّبي ﷺ . وسبّاق: خيل العرب مشاهير. كأعوج الكبير، وأشقر مروان. والزّعفران فرس بسطام بن قيس، وثادف واليحموم وزهدم وإنّما المراد التّنبيه على مكاسب صميم العرب وفضلائهم، والإشارة إلى ما تنطوي عليه أيّامهم في الجاهلية وقبيل الإسلام، وفيمن صحب النّبي ﷺ . وأما فرسان العجم فلم يذكر لهم خيل ولا فرس سابق إلا أدهم اسفنديار- وشبديز كسرى- ورخش رستم- وذكروا عنها أحاديث ظريفة. فأمّا الشجاعة والصّبر على المجاهدة فناهيك ما روي عن رسول الله ﷺ ، وما حكي عن قول القائل: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ ، وما قاله عبد الملك بن مروان في حديث عمرو بن ود. خرج عمرو يوم الخندق معجبا بخيلائه، فبرز له أبو الحسن فضربه ضربة سطحه بها، وكان لمثلها فعالا. وقيل لعلي: هل رأيت أحدا؟ قال: نعم الوليد بن عتبة كان حدثا، فضربته ضربة على رأسه فبدرت منه عيناه. وممّا يشهد لما آثرناه عن العرب من حسن تفقّدهم للخيل، واشتغالهم بمصالحها واشتراكهم في إيثارهم إيّاها على أنفسهم، والتّوفر على مناقبها ومذامها لما يرجونه من جميل العقبى، منها: ما روي عن امرئ القيس وعلقمة بن عبدة العجلي. وذكر أنهما تنازعا فى الشّعر واحتكما إلى أم جندب، امرأة امرئ القيس، وادّعى كلّ منهما أنّه أشعر من

стр. 519

صاحبه، فقالت قولا شعرا في صفة الخيل على رويّ واحد، فقال امرؤ القيس في قصيدته: خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لتقضي حاجات الفؤاد المعذّب للسّوط الهوب وللساق درة ... وللزّجر منه وقع أخرج متعب وفي نقيضها قال علقمة: فولّى على آثارهنّ بحاصب ... وغيبة شؤبوب من الشّد ملهب فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... تمرّ كمرّ الرائح المتحلّب فحكمت لعلقمة على امرئ القيس، وقالت: أما أنت فحمدت نفسك بسوطك وزجرك ومريك إيّاها بساقك. وأما هو فإنه أدرك فرسه الطّريدة ثانيا من عنانه لم يمرّه بساق، ولم يضربه بسوط، ولم يزجره بنده، فقال امرؤ القيس: ما هو أشعر مني ولكنّك تعشقينه فطلّقها. وقال طفيل شعرا: وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيّامها الخير يعقب وقال مالك بن نويرة شعرا: جزائي دوائي ذو الخمار وصنعتي ... بما بات مطويّا بنّي الأصاغر رأى أنني لا بالقليل أهوره ... ولا أنا عنه بالمواساة ظاهر أهوره: أي لا أظنّ القليل يكفيه، يقول: هو يهار بكذا ويهابه: أي يتهّم ويزن. قوله: ولا أنا عنه ظاهر: من قولك: ظهرت لجاجة فلان إذا لم يعن بها. وقال عنترة لامرأة: لا تذكري مهري وما أبليته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب يعني: أنه إن آذته ضربها حتى يظهر عليها أثر الضّرب. شعر: إنّ الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوّهي ما شئت ثم تحوّبي فذوقوا كما ذقنا غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتّحاوب كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي إنّ الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي ويكون مركبك القعود ورجله ... وابن النّعامة يوم ذلك مركبي وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الرّكاب وأجنب وقد قال بعض الرواة: لم يكن قوم أشد عجبا بالخيل، ولا أعلم بها، ولا أصنع لها

стр. 520

ولا أطول لها ارتباطا، ولا أهجى لمن لم يتّخذها، أو اتّخذها وأهزلها، ولا أمدح لمن اتّخذها وأكرمها منهم. وكذلك أضيفت إليهم بكلّ لسان- ونسبت إليهم بكلّ مكان- وفي كلّ زمان- حتى قالوا: هذا فرس عربي، ولم يقولون: رومي، ولا هندي، ولا فارسي فحصنوها تحصين الحرم، وصانوها صون المهج، ليبذلوها يوم الرّوع ويأمنوا بها أوان الخوف، وليجعلوها درّية يوم اللّقاء، ووصلة إلى درك الثّأر حتى قالوا: إنّ الحصون الخيل، لا مدر القرى، كما قال الآخر شعرا: ولمّا نأت عنّا العشيرة كلّها ... أنخنا فخالفنا السّيوف على الدّهر وكانوا يصبرون على مؤنتها في الجدب، ويغتبقون الماء القراح في الأزل ويؤثرونها على العيال بالصّنيعة، ليكافئ عند الطلب، أو الهرب، ولذلك قال الأشعري مالك الجعفي: لكن قعيدة بيننا محفوة ... باد جناجن صدرها ولها غنى تقفي بعيشة أهلها وثابة ... أو جرشع عبل المحازم والشّوى وقال خالد بن جعفر الكلابي: أريغوني أراغتكم فإنّي ... وحذفة كالسّجى تحت الوريد أسوّيها بنفسي أو بحرّ ... وألحفها ردائي في الجليد أمرت الرّاغبين ليؤثروها ... لها لبن الحلوبة والصّعود

стр. 521

الباب التّاسع والخمسون في ذكر أفعال الرّياح لواقحها- وحوائلها- وما جاء من خواصها في هبوبها وصنوفها قال مؤرخ من خواص الجنوب: أنّها تثير البحر حتى يسودّ، وتظهر كلّ ندى كائن في بطن الوادي حتى يلتصق الأرض، وإذا صادفت بناء بني في الشتاء والأنداء أظهرت نداه وحسنه، حتى يتناثر ويطيل الثّوب القصير، ويضيق الخاتم في الإصبع، ويسلس بالشّمال والجنوب تسرى باللّيل. تقول العرب: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا أنا أسري، وأنت لا تسرين. فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري وقال الهذلي: قد حال دون دريسة ماوية ... مسع لها بعضاة الأرض تهزيز الماويّة: التي تهبّ بالنّهار كلّه إلى اللّيل ثم تسكن، قال الله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سورة سبأ، الآية: ١٠] أي: سبّحي النّهار كلّه. ومسع الشّمال والدّريس: الثّوب الخلق، والشّمال تستذري منها بأدنى شيء، ويسترك منها رحلك، وذرى الشّجرة والجنوب لا يستر منها شيء، وربما وقع الحريق بالبادية في اليبيس، فإن كانت الرّيح جنوبا احترق أياما، وإن كانت شمالا فإنّما يكون خطأ لا يذهب عرضا. وللشّمال ذرى الشّجرة، وذلك أن يجتمع التّراب من قبلها فيستذري بالشّجر، فإن كان الشّجر عظاما كانت لها جراثيم، وإن كانت صغارا ساوى التّراب غصونها، ولا ذرى للجنوب ترى ما يلي الجنوب منها عاريا مكشوفا. والشّمال تذمّ بأنّها تقشع الغيم وتجيء بالبرد، وتحمد بأنها تمسك الثرى، وتصاحب الضّباب، فتصبح عنها كأنّها ممطورة، وتصبح الغصون وتنظف وأكثر ما يكون عن غب المطر، فإذا ارتفعت الشّمس ذهب النّدى وتقطع الضّباب وانحسر، وليس من الرّياح أدوم في الشّتاء والصيف من الشّمال، كما أنّه لا شيء منها أكثر عجاجا وسحابا، لا مطر فيه وهي هيف، تقشر الأرض، ويحرق العود من النكباء التي بين الجنوب والدّبور التي تهبّ من مغيب سهيل. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [سورة الحجر، الآية: ٢٢]

стр. 522

جمع ملقحة على لواقح. قال: ورأيت العرب تجعل الرّياح لقاحا للرّياح لأنها تنشىء السّحاب وتقلّبه وتصرفه وتحلّه. قال الطّرماح وذكر بردا استظلّ به: قلق لأفنان الرّيا ... ح للاقح منها وحائل فاللاقح: الجنوب لأنّها تلقح السّحاب، والحائل: الشّمال لأنّها لا تنشىء سحابا، وكما سمّوا الجنوب لاقحا سمّوا الشّمال عقيما، لأنّها عندهم لا تحمل كما تحمل الجنوب. وقال كثير: ومرّ بسفساف التّراب عقيمها. وقال أبو وجزة: حتّى سلكن الشّوى منهنّ في مسد ... من نسل جوّابة الآفاق مهداج يذكر حميرا وردت ماء يقول: أدخلت قوائمها في الماء، وهذا الماء من نسل جوّابة الآفاق، أي ريح تجوب البلاد، أي هي أخرجته من الغيم واستدرّته، فجعل الماء لها نتاجا ولدا، فالرّياح على هذا هنّ اللّواقح. وأكثر العرب تجعل الجنوب هي التي تنشىء السّحاب، وتسدّده وتصف بواقي الرّياح بقلّة المطر، والهبوب في سني الجدب. قال أبو كثير الهذلي: إذا كان عام مانع القطر ريحه ... صبا وشمال قرة ودبور فأخبر أنّ هذه الثّلاثة لا قطر معها، وأنّ القطر مع الجنوب. وقال طرفة: وأنت على الأدنى شمال عرية ... شآميّة تزوي الوجوه بليل وأنت على الأقصى صبا غير قرّة ... تدأب منها مزرع ومسيل فأخبر أنّها إذا لم تكن باردة كان معها القطر، ولعلّ الهذلي أراد مثل هذا فاكتفى بذكر الشّمال ووصفه. وقال آخر: فسائل سبرة الشّجعيّ عنّا ... غداة تحاليا نجوا جنيبا والنّجو: السّحاب، والجنيب: الذي أصابته جنوب، فشبه حفيفهم في القتال بحفيف المطر، وقال المسحل: حار وعقّت مزنة الرّيح ... والعارية العرص ولم يشمل حار: تحيّر وتردّد، وعقّت: قطعت، ولم يشمل: أي لم تصبه الشّمال فيقشعه.

стр. 523

وقال أبو كثير: حتّى رأيتهم كأنّ سحابة ... صابت عليهم لم يشمل ودقها وقال آخر من هذيل: مرتها النّعامى ولم تعترف ... خلاف النّعامى من الشّام ريحا النّعامى: الجنوب، ومرتها: استخرجت مطرها، ومن الشّام: يريد الشّمال، فهذه كلّها تجعل العمل في المطر للجنوب، وتجعل الشّمال يقشع السّحاب، ويسمّونها محوة، لأنّها تمحو السّحاب. قال العجّاج: سغر الشّمال الزّبرج المزبرجا ... قد بكرت محوة بالعجاج فدمّرت بقية الزّجاج السّغر: القشر، والزّبرج: السّحاب. وكان الأصمعي يحكي عن العرب: أنّ ما كان من أرض الحجازة فالجنوب هي التي تمري السّحاب فيه والشّمال تقشعه. وما كان من أرض العراق، فالشّمال تمري فيه السّحاب ويؤلفه، ولم يقل إنّ الجنوب تقشعه، ولا أنّه لا عمل لها فيه. قال: وأحسبه أراد أنّ الشّمال والجنوب تفعلان ذلك جميعا بأرض العراق دون الحجاز، وعلى هذا وجدت بعض الشّعراء. قال الكميت، وكان ينزل الكوفة: مرته الجنوب فلمّا اكفهرّ ... حلّت عزاليه الشّمال فجعل الجنوب تستدرّه والشّمال تحلّه. وقال عدي وكان ينزل الحيرة وينتقل في أرض العراق: وجيء بعد الهدو يزجيه شمال كما يزجي الكسير فاستدرّت به الجنوب على الحرير، فالجنوب سيره مقصور، يريد لثقله وجعل الشّمال تسوقه والجنوب تستدرّه، لأنّ الجنوب عند أهل الحجاز وما يليه هي التي تأتي بالغيث حتّى جعلوها مثلا للخير. قال حميد: ليالي أبصار الغواني وسيرها ... إليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب وعلى حسب تيمّنهم بالجنوب وتصييرهم إيّاها مثلا للخير، تشاؤمهم بالشّمال وتصييرهم إيّاها مثلا للشر. قال أبو وجزة يذكر امرأة: مجنوبة الأنس مشمول مواعدها

стр. 524

جعلها لا تفي بوعدها كالشّمال لا تأتي بالغيث. قال زهير شعرا: جرت سحّا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللّقاء وقال بعضهم: أراد جرت الطّير بها من ناحية الشّمال، ولذلك قيل: اليمن والشّؤم، فاليمن من اليمن، والشّؤم من اليد الشّؤمى، قال: وقد يتشاءمون بها من جهة البرد، قيل لبعضهم: ما أشدّ البرد؟ فقال: ريح جربياء في أثر عماء، في غب سماء. والجربياء: الشّمال والعماء: السّحاب يريد شمالا هبّت بعد مطر، وقيل لآخر: أيّ الأيام أقرّ فقال: الأحصّ الورد، والأزب الهلوف. قال أبو عمرو: الأحص الورد: يوم تطلع شمسه، وتصفو شماله، ويحمر فيه الأفق، ولا يجد لشمسه مسا. والأحص: التي لا سحاب فيه كالرأس، والأحص: الذي لا شعر عليه، قال والهلوف: يوم تهبّ فيه النّكباء تسوق الجهام والصراد لا تطلع شمسه، والأزب: من الإبل الكثير الوبر. يقال: لحية هلوفية إذا كانت كثيرة الشّعر، واليوم إذا كان بهذه الصفة كان ذا زمهرير، وكانوا يقولون مع هذا: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض وإذا ذخرت الأودية بالماء كثرت الثّمر، والمؤتفكات: الرّياح البوارح وهي شمال حارّة في الصيف، وذات عجاج، سمّيت لتقلّبها العجاج، مؤتفكات ولا أحسبهم أنّ لها عملا في ذلك، وإنّما يريدون أنّ عضوفها، إذا اشتدّ وكثر كان ذلك إمارة الزّكاء، ويجوز أن يكونوا أرادوا بالمؤتفكات الرّياح كلّها إذا اشتدّت. قال بعض الحكماء: الرّياح على ثلاثة أضرب: منها ما هي من الملائكة وصفتها أن تكسح من الأعلى إلى الأسفل، وتهبّ صافية ثم تنقطع، ومنها ما هي حركة الجو، وصفتها دوام هبوبها صافية، وكدرة سفلا وعلوا. وروى طاوس في خبر يرفعه: لا تسبّوا الرّياح ولا المطر ولا الرّعد ولا البرق، بعثن رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين. وفي حديث آخر: لا تسبّوا الرّيح فإنّها من نفس الرّحمن. وفي آخر: ما هلك قوم ولا عاش آخرون إلا بهبوب الرّياح ودرور السّحاب. وذكر بعضهم أنّ الروم تسمّي الأمطار والرّياح نقالات الدّول. وعن سفيان الثّوري: الدّعاء عند هبوب الرّياح وتحت المطر لا يرد. وقال بعضهم: النّسيم الطّيب صديق الرّوح، قال: والرخاء: ريح سليمان وكانت تحمل عرشه، وقيل: النّسيم بدو كلّ ريح، يقال: نسمت الرّيح. ويروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: الرّياح في كتاب الله ثمان: أربع منها رحمة:

стр. 525

النّاشرات والمبشّرات والذّاريات والمرسلات، وأربع منها عذاب: القاصف والعاصف والعقيم والصّرصر. وقال الحكماء: الجنوب ريح، ذكر سعد شرقي حار لاقح يقوّي السّحاب ويفجّر الأمطار، ويلقح الأشجار. وقال؛ راح تمرّ به الصّبا ثم انتحى فيه شؤوب جنوب، منفجر ويسمّى الأرنب والنّعامي. ويروى عن جعفر بن محمد أنّه قال: إنّ الجنوب تخرج من الجنة وتمر بالنّار فيصيبها وهجها، فما فيها من حرّ فمن ذاك، وهي ريح بروج الرّبيع، كما أنّ الشّمال ريح بروج الصّيف، وهي أبرد الرّياح. ويروى عن جعفر بن محمد الشّمال: تمر بالجنّة جنّة عدن فتأخذ من طيب عرفها، فتمرّ بها على أرواح الأبرار والصّديقين. والدّبور تهيج الرياح وتثيرها وهي أشد الرّياح على ركاب البحر، ولا تهب إلا عاصفا، وهي التي أرسلت على قوم عاد. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» ، وهي ريح بروج الخريف. والصّبا لطيب نسيمها وهبوبها لقبت بريح العشّاق. وقال ابن دمية: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد وقال امرؤ القيس: إذا قامتا يضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريح القرنفل وقال آخر: أريد لأنسى ذكرها فيهيجني ... نسيم الصّبا من حيث ما يطلع الفجر وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة الأحزاب، الآية: ٩] هي الصّبا. وقالت العرب: عصف الجنوب في الخريف دليل النّقمة، وعصف الدّبور في الرّبيع دليل العذاب، وعصف الشّمال في الشّتاء دليل الوفاء، وعصف الصّبا في الصّيف دليل البؤس. وقيل في الدّبور: هي ريح بروج الشّتاء. وقالت الحكماء: مهبّ الجنوب من مطلع الشّمس إلى زوالها، ومهبّ الشّمال من مطلع الشّمس إلى غروبها. ومهبّ الدّبور من مغرب الشّمس إلى شطر اللّيل. ومهبّ الصّبا من شطر اللّيل إلى طلوع الشّمس، لا تطلع هذه في هذه ولا هذه في هذه.

стр. 526

الباب السّتّون في ذكر الأوقات المحمودة للنّوء والمطر وسائر الأفعال، وذكر ما يتطيّر منه أو يستدفع الشّر به اعلم أنّ العرب تحمد الولد إذا ولد في الهلال، فإن حملته في قبل الطّهر كان ذلك أعجب إليها، ولذلك قالت الفارعة أخت لقمان بن عاديا لإمرأة إني امرأة نزور وزوجي رجل محمق، وأنا في ليلة طهري، فهي لي ليلتك، واسميني على فراشك فإذا رجع لقمان من عند الشّرب ثملا، فوجدني على فراشك وقع عليّ، وهو رجل منجب فعسى أن ألد منه ابنا نجيبا، فأجابتها إلى ذلك، فوقع عليها لقمان فحبلت بلقيم بن لقمان. ولذلك قال النّمر بن تولب لقيم بن لقمان: فإنّ ولدته قبل النّهار كان ذلك الغاية. قال: ولدت في الهلال من قبل الطّهر ... وقد لاح للصّباح بشير وقال الرّاعي: وما أمّ عبد الله إلّا عطية ... من الله أعطاها امرأ فهو شاكر هي الشّمس وافاها الهلال فنسلها ... نجوم بآفاق السّماء نظائر والمنجّمون يزعمون أنّ الهلال نحس، ونحن نجد عامة حاجات النّاس إنما تجزىء مع الأهلة منها التاريخات كلّها، ومحل الدّيون، وفراغ الصّناع والتّجار، ويوم الفطر، وآجال المستغلات، وقدوم الولاة، وزيادة المد، ونقصان الجزر، ما بين الصّيبين إلى المزار، والمواعيد، والإجارات، وأكثر الحيض الذي جعله الله مصحة أبدان النساء. ثم نزول الغيث الذي نشر الله به رحمته فأحيا به الأرض بعد موتها، وفي حياتها حياة من عليها ولأسد بن ناغضة جاهلي في شأن عبيد بن الأبرص شعر: غداة توخّى الملك يلتمس الحيا ... فصادت نحسا كان كالدّبران وللأسود بن يعفر يهجو رجلا: ولدت بحادي النّجم يحدو قرينه ... وبالقلب قلب العقرب المتوفّر

стр. 527

وقال آخر جاهلي: فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد وقال آخر: فإنّك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور وقال آخر: فإن يك كوكب الصّمعاء نحسا ... به ولدت وبالقمر المحاق وقال الأصمعي: إذا كان المطر عندهم في سرار الشّهر كان محمودا، ورجوا غزارته، وكثرة الخيرات به. وأنشد للرّاعي: تلقّى نوءهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما لقي السّرار وقال الكميت: هاجت له من جنوح اللّيل رائحة ... لا الضبّ ممتنع منها ولا الورل في ليلة مطلع الجوزاء أوّلها ... دهماء لا قرح فيها ولا رجل يريد إنّ هذه الليلة من السّرار، فلا ضوء في أوّلها، وهو القرح، والقرح: بياض وجه الدّابة. وقوله: مطلع الجوزاء أوّلها يريد أنّها من الشّتاء، والجوزاء في الشتاء يطلع أوّل اللّيل. وقال الحطيئة: باتت لها بكسيب حريه ليلة ... وطغاء بين جماديين درور قوله: بين جماديين يريد أنّها ليلة لا يدري أهي آخر من الشّهر الأول، أو أوّل ليلة من الشّهر الثاني. وأراد أنّ المطر كان في السّرار أو في الغرّة. وإذا كان أيضا في الغرة كان محمودا. قال الكميت: والغيث بالمتألّقات ... من الأهلّة في النّواحر النّواحر: جمع ناحرة وهي اللّيلة التي تنحر الشهر، أي تكون في نحره. وقال ابن أحمر: ولا مكللة راج الشّمال بها ... في ناحرات سرار بعد إهلال

стр. 528

وقد توافقوا كلّهم على هذا إلا أبا وجزة، فإنّه ذكر نصف الشّهر فقال: في ليلة لتمام النّصف من رجب ... خوارة المزن في أقتارها طول وليس يحمدون المحاق إلّا في المطر وحده، وقال جران العود، وذكر امرأة تزوّجها فلم يستوفقها: قال شعرا: أتوني بها قبل المحاق بليلة ... وكان محاقا كلّه ذلك الشّهر وحكى المفضّل أنّ زبّان بن سيار خرج غازيا ومعه النّابغة فرأى جرادا، فقال النّابغة: جرادة تجرد ذات ألوان. فانصرف متطيّرا، ومضى زبّان فغنم وسلم فلما قفل قال شعرا يخاطب به النّابغة من ذلك قوله شعرا: شعر: تعلّم أنّه لا طير إلّا ... على متطيّر وهو الثّبور بلى شيء يوافق بعض شيء ... يفاجئنا وباطله كثير ومن يبرح به لا بدّ يوما ... يجيئ به نعيّ أو بشير وقال الكميت: اللّورق الهواتف أم لباك ... عمّ عمّا يزنّ به غفول الباكي: الغراب يقول: يزن بأنه ينعب بالفراق وهو غافل عن ذلك. وقال الكميت لجذام في انتقالهم إلى اليمن شعرا: وكان اسمكم لو يزجر الطير عائف ... لبينكم طيرا منبئة الفأل أي اسمكم جذام، والزّجر فيه الانجذام، وهو الانقطاع. وقال أيضا يمدح زيادا: واسم امرئ طيره لا الظبي معترضا ... ولا النّعيق من الشّحاجة النعب فقال اسمه زياد، فالزّجر فيه الزّيادة والشّحاجة الغربان. وقال آخر: دعا صرد يوما على ظهر شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها وقال في مخالفته آخر: وقالوا: قاب قلت: عقبى من النّوى ... دنت بعد هجر منهم ونزوح

стр. 529

فزجر في العقاب الخير ثم قال: وقالوا حمام قلت حمّ لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح وقالوا تغنّى هدهد فوق ليلة ... فقلت هدى نغدو به ونروح قال أبو العباس المبّرد: ولم أرهم زجروا في الغراب شيئا من الخير لكنّي سمعت بيتين أنشدهما بعضهم في المدح والتفاؤل به أحدهما: نعب الغراب فرقّ بالمشتاق ... فدنا وصاح برؤية وتلاق لا سلّ ريشك إذا نعبت بقربهم ... ووقاك من ريب المنيّة واق والآخر: نعب الغراب برؤية الأحباب ... ولذاك صرت أحبّ كلّ غراب لا سلّ ريشك إذ نعبت بقربهم ... وسقيت من نام صبيب سحاب وسكنت بين حدائق في جنة ... محفوفة بالنّخل والأعناب ولم أسمع غير ذلك، ويقال للعائف الحازي، وكان أصل التّطير في الطّير، وكذلك الرّجز بأصواتها وعددها والتغلّي والتّنسف، ثم صاروا إذا عاينوا الأعور والأعضب والأبتر زجروا وزجروا بالسّنوح والبروح. وقد تقدّم فيه كلام وقال رؤبة: يشقى به العرّان حتّى أحسبا ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا اللّياح: الثّور الأبيض، وكانوا يتشاءمون بالمغرب وقال: قد علم المرهتون الحمقى ... ومن تجزي عاطسا أو طرقا ألا نبالي إذ بدرنا الشّرقا ... أيوم نحس أم يكون طلقا وقال: وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... سديد مسك الجنب فعم المنطق وقال: وخرق إذا وجّهت فيه لغزوة ... مضيت ولم يحسبك عنه الكوادس الكداس: العطاس وكانوا يتطيّرون منه. وكانوا إذا عطس العاطس قالوا: قد أنجمنا أي منعنا. وقال ابن الأعرابي: يقال: عطست فلانا النّجم أي أصابه الهلاك الذي يتطيّر فمات، قال والنّجم أيضا دويبة صغيرة. وقال ذو الرّمة: ولا أبالي النّجم العواطسا

стр. 530

وقال طرفة: لعمري لقد مرّت عواطس جمة ... ومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمع قال عواطس لأنّه رأى أشياء مما يتشاءم بها، فجعل كلّ واحد كالعاطس وجعل الظّبي مصمعا: وهو الصّغير الأذن استقباحا له. وقيل: المصمع: المسرع. قال: وعجراء دفث بالجناح كأنّه ... مع الفجر شيخ في بجاد مقنّع فإن تمنعي رزقا لعبد يصيبه ... ولن تدفعي بؤسي وما يتوقع قال الفرزدق: إذا وطنا لمغتنيه ابن مدرك ... فلقيت من طير العراقيب أخيلا ويقال: صبّحهم بأخيل: أي بشؤم. ويقال: بعير مخيول: إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه. وقال الأعشى: انظر إلى كفّ وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني صابر جعله مثلا لأنّهم كانوا ينظرون إليها يستدلّون بها. وقال جرير في طريقته: وما كان ذو شغب يمارس عيصنا ... فينظر في كفيّه إلا تندّما العيص: الأكمة شبّه حسبهم بها، ومعنى ينظر في كفيه أي إذا تعيف علم أنّه لاق شرا. وقال المرقم السّدوسي مخالفا لهم شعرا: ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم الواق: الصّرد، والحاتم: الغراب. وأنشد الجاحظ: ولست بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول: عداتي اليوم واق وحاتم ولكنّه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم الخثارم: المتطهّر من الرّجال. قال الجاحظ: ولإيمان العرب بباب الطّيرة والفأل عقدوا التمائم والرّتائم وعشّروا إذا دخلوا القرى كتعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمرة والنّاحية والمتربّص، وهي غير قداح الإيسار ويشتقّون من اسم الشيء المعاين أو المسموع ما يقيمون به العادة في ذلك، فجعلوا الحمام مرة من الحمام ومرة من الحميم، ومرة من الحمى. وجعلوا البان مرّة من البين، ومرّة من البيان.
следующие страницы →