بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة فضيلة الشيخ المُحَدِّث مصطفى بن العدوي
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد، فهذه جملةٌ طيبة من الفوائد الحديثية والفقهية، وغيرِ ذلك من الفوائد العلمية الشرعية، جَمَعها أخي الشيخ الفاضل أبو أويس أشرف الكُرْدي - حَفِظه الله - وذلك في ثنايا الدروس المنعقدة لمراجعة أبحاث إخواني من طلبة العلم.
وقد بَذَل فيها جهدًا - حَفِظه الله ووفقه - وضَمَّنها بعض الأبحاث الخاصة به، وخَرَّج ما يَحتاج إلى تخريج، وحَكَم على بعض ما يَحتاج إلى الحُكْم عليه بما يستحق، فجزاه الله خيرًا وبارك فيه.
هذا، وعن هذه الفوائد فهي متنوعة بحَسَب أعمال إخواني العلمية، التي تَمَّتْ مراجعتها، وهي - ولله الحمد - أبحاث نافعة.
فأشكر الله ثم أشكر أخي الشيخ أبا أويس، على جده واجتهاده وعمله النافع، أسأل الله أن يتقبله منه، وأن يجعله في موازين أعماله يوم لقاء الله .
هذا، وقد نظرتُ في هذا العمل، بعد أن راجعتُ أعمال إخواني بدقة، نظرتُ في هذا العمل نظرة إجمالية، فألفيتُه نافعًا موفقًا.
стр. 2
فاللهَ أسأل أن يوفق أخي أبا أويس، وأن يَزيده من العلم النافع والعمل الصالح.
وصَلِّ اللهم على نبينا محمد، وسَلِّم.
والحمد لله رب العالمين.
كَتَبه
أبو عبد الله مصطفى بن العدوي (١)
стр. 3
تقديم العَلَّامة عبد العزيز بن إبراهيم القرشي الفيومي (١)
• نقول وبالله الحمد: هذا كتاب جديد في مأتاه، لم يُسبَق إليه، وقد جَمَع جهودًا كثيرة لبعض شبابنا وأبنائنا العلماء، فَجَدُّوا في البحث ووثقوا أخباره، فأكدوا صحتها بعرضها على العَلَّامة الإمام مصطفى العدوي - حفظه الله - وكان ثوبه قشيبًا ومأتاه عجيبًا.
وأسأل الله سبحانه أن ينفع به القاصي والداني، والمبتدئ والمنتهي؛ فهو مَعِين صافٍ، يغترف منه أهل الحديث فيرويهم، وأهلُ الفقه فلا يَمَلون شرابه ولو كان عَلَلًا بَعْد نَهَلٍ.
فبارك الله في القائمين عليه، وفي ابننا الحبيب أبي أويس الكردي، الذي جَمَع شتاته، وهو كظننا به، يعمل دأبًا ولا يَعرفُ كسلًا، غزيرٌ علمُه واسعٌ فهمُه، فإذا قلتَ محدِّثًا، تَنَازَعَهُ أهل الفقه فقالوا: بل هو فقيه.
стр. 4
وقد استمعتُ إليه يَقرأ ويتحدث، فأدركتُ علمَه باللغة وإدراكَه لمعانيها الرائقة، أقول هذا شهادةً لله سبحانه، ولم أوفه حقه؛ فإنه - والله حسيبه - فوقَ ذلك.
بتاريخ مساء الأربعاء (١٨) من ذي الحجة (١٤٤٢ هـ) الموافق (٢٨/ ٧/ ٢٠٢١ م).
стр. 5
مقدمة المؤلف
الحمد لله القائل لسيد ولد آدم ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
والصلاة والسلام على رسول الله القائل: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (١).
وبعد، فالرحلة في طلب العلم النافع ابتغاء وجه الله الأعلى - مِنْ أَجَلّ العبادات وأقرب القُرَب وأشرف الزيارات في الله، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١).
• والرحلة ومجالس العلم صِمام أمان للأمة والأجيال القادمة، وهذا واضح في رغبة نبي الله زكريا ﵇ من الذرية ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥، ٦].
• والرحلة طريق للارتقاء والبحث عن المتقنين والترقي في درجات العلم والإيمان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال تعالى في شأن الصِّدِّيق يوسف ﵇: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
وخَيْر ما يجتهد فيه طالب العلم بعد تقوى الله (٢) العمل بما تَعَلَّم وتعليم مَنْ لم يعلم، ومذاكرة مَنْ يَعْلم، وتقييد العلم ونشره في الآفاق، فحفظ العلم في الصدر أو في القرطاس أو الكتاب أو نَشْره عبر الوسائل الحديثة المتاحة - كلها طرائق لحفظ العلم ونشره في الآفاق، فربما بَلَغ علمك مكانًا لن تبلغه ببدنك طيلة عمرك، فيكون زاداً لك في رحلتَي البزخ والقيامة بعد مماتك، ورُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع.
وقد قال تعالى في فضل حفظ العلم عن ظهر قلب: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي
стр. 9
صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
وقال النبي ﷺ في قصة وفد عبد القيس: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (١).
وقال عمرو بن أَخْطَبَ ﵁: «فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» (٢).
وفي حديث أبي موسى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ - كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ. وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (٣).
ولله دَرُّ القائل:
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك … والعقل للمرء مثل التاج للملك
فاشدد يديك بحبل العلم معتصماً … فالعلم للمرء مثل الماء للسمك (٤)
стр. 10
فكرة الكتاب
• كنتُ بفضل الله منذ أن قَدِمْتُ «منية سمنود» في عام (١٤٢٥ هـ) المُوافِق (٢٠٠٤ م) حريصًا على تدوين مجالس شيخنا، وأَعْظَمُها فائدة «مجلس الظُّهر» الذي كان يُفتتح بقراءة «صحيح الإمام مسلم» وكتب العقيدة و «الرسالة» للشافعي و «النكت على ابن الصلاح» ثم مراجعة الأبحاث والتحقيقات، فنِعم المجلس المعمور بالعلم والأدب والبحث والجديد من الفوائد.
ومن وراء تدوين العلم والفوائد كان هذا الكتاب الذي بين يديك، فلله الحمد والمنة والفضل والشكر.
• اقتناص الفوائد
• قال الإمام الشافعي: «اعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَنِدُّ كَمَا تَنِدُّ الْإِبِلُ، فَاجْعَلُوا الْكُتُبَ لَهُ حُمَاةً وَالْأَقْلَامَ عَلَيْهِ رُعَاةً» (١).
وكانت الكتابة سببًا في كثرة علم عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» (٢).
طرائق العَلَّامة مصطفى بن العدوي في مجلسه
• يَغرس في جلسائه الاحتساب (١) وحُب العلم والرسوخ فيه، والصبر على تحصيله وتعليمه ونشره، وأنه الثمرة التي يُنتفع بها من الباحث بعد رحيله ويَنتفع هو بها بعد مماته، وفي الحديث: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢).
• يَغرس في طلابه الإتقان (٣) والأمانة، فلا يَشرع باحث في عرض الأحاديث عليه للتدرب إلا بعد دراسة مصطلح الحديث، والاجتياز فيه بدرجة لا تَقِلّ عن ثمانين بالمائة (٨٠%)، ويَكتب الاختبار للباحثين الجدد بنفسه.
وأحيانًا يُوقِف الباحث خلال النقاش، ويسأله عن اجتيازه الاختبار.
وتارة يَطرح عليه أسئلة ويستمع إلى جوابه.
وتارة يُدقِّق وراء الباحث، ويُراجِع المصادر بنفسه أو بمساعدة الباحثين الحاضرين.
стр. 13
وثالثة: يَسأل عن طبعات الكتاب الذي يقوم الباحث بتحقيقه، وما الحامل له على هذا التحقيق؟ حتى يوجهه للأنفع له وللمسلمين، ويأمن من السطو على أعمال الآخرين، ويُذكِّر بسطو شخص على أحد كتبه، وتقديمها لإحدى الجهات، وفي ثنايا هوامشها: (قلت: مصطفى).
ورابعة: يَسأل عن الأبحاث المُؤلَّفة في بحث الشخص؛ حتى يَبدأ من حيث انتهى غيره.
وخامسة: يَرُدّ الباحثَ للبحث في كتب العلل أو لقصورٍ ظهر في البحث، أو للبحث عن شواهد أو عمومات، أو يسنده لمراجعته مع باحث متقدم، ويُبيِّن أن المجلس مهما اشتددنا فيه على الباحث، فهو أفضل له ولنا عند الله؛ لأن هذا دِين، وأَسْلَمُ من الانتقادات التي قد تَرِد.
• يَزرع فيهم الجد والاجتهاد ونَبْذ التقليد، والاعتناء في أول الطلب بتحرير العلم قبل الانشغال بأعباء الدعوة؛ فإن أثر ذلك ينعكس عليك في التأليف والتحقيق وكِبَر سنك، وبقاء ثمرة الاجتهاد دون نقض لها.
• يُذكِّر طلابه بشكر النعم، فهل يَستوي مَنْ مَنَّ الله عليه بتحفيظ القرآن للأطفال، ومَن مَنَّ الله عليه بصحبة حَمَلة القرآن وأصحاب الأبحاث النافعة؟ ففي كُلٍّ خير لكن الثاني أكثر ارتقاء ونفعًا واستنباطًا.
ويُذكِّر بأول طلبه وقلة المصادر، وبَذْل الأوقات الكثيرة في تخريج حديث من الكتب، أما الآن فيوجد وفرة في المراجع مع سرعة الجمع بالتِّقنيات الحديثة.
стр. 14
• لا يَبخل على الناس بما عنده من علم ونصيحة وخير، وكأني به يُذكِّر بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] وبقول عائشة ﵂: «وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ» ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) وبعموم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَفْعَلْ» (٢)
وحديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (٣).
• لا ينخدع ببهرجة القول وجمال العرض، واللف والدوران وكثرة القول، بل يطير فرحًا بالأدلة وصراحة الاستدلال، وتدعيم الفَهْم بأقوال أئمتنا من الصحابة ﵃ والتابعين، وأصحاب المذاهب الأربعة وابن حزم والشوكاني، ثم المعاصرين ﵏ جميعًا، ثم الربط بالواقع (العمل الميداني).
فإذا ما ظهر له وجه الحق في مسألة أو في الحُكم على حديث بالإعلال أو الصحة، اعتنقه؛ لأن هذا ديننا الذي نُسأل عنه في دنيانا ويوم نلقى الله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ثم يَشكر الباحثَ بالقول والفعل.
• يُذكِّر بالتزكية وسلامة الصدر وأخوة الإيمان، وأننا بَشَر، وللقدماء حق وللجُدُد أصحاب الفوائد حق، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
стр. 15
ويَنصح بعض الباحثين بتعديل بعض الأساليب مِنْ: (قلنا)، (بحثنا)، (لم يُعِل الخبرَ أحد) إلى (قلتُ)، (بحثتُ)، (لم يُعِله أحد فيما وقفتُ عليه).
• ويقول متواضعًا: إنه يستفيد من الباحثين أكثر مما يستفيدون منه، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
• يُذكِّر بسَعة الشريعة والعلم، وأن خطة البحث والفترة الزمانية المحددة له سببان في الإنجاز، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
• يُعَوِّد الباحثَ الحفظ (١) مع الفَهْم، فيفاجئه بإغلاق أوراق البحث، ويَطلب منه أن يُفصِح عما جاء به.
وتارة يُغلِق خريطة البحث لتشعبها، ويقول له مثلًا: هذا الخبر كم شخصًا رواه عن أبي هريرة؟ ثم مَنْ عنهم؟ ثم يَطلب الحُكم على كل طريق، وهل رجع بعضها إلى بعض أو لا؟.
• وتارة في نقاش الأبحاث يقول للباحث: أُخْبِرك بما عندي، ولو عندك زيادة أو تعقيب تَفضَّلْ به بعد الانتهاء.
وأحيانًا يَطلب من بعض الجالسين تلخيص ما قيل حتى يتأكد أنهم حَصَّلوا واستفادوا.
стр. 16
• يُبيِّن قيمة الوقت والثمرةَ المرجوة منه، فيُكلِّف بعض القائمين على العرض بضبط وقتٍ محدد، كخَمْس دقائق أو عَشْر أو ربع ساعة للباحث؛ حتى لا يطغى على حقوق الآخرين، ومِن ثَمّ لا تتراكم الأعمال.
• يَفتح مجالًا للمشاركة العلمية من الحاضرين (١) ويُحفِّز عليها بعسل النحل أو التمر أو الهدايا، مع الثناء على قيمة الفائدة؛ شحذًا للهمم وإخراجًا للمزيد، وحضًّا على التكامل العلمي والتلقيح العقلي والتقويم البحثي.
• يتشاور مع إخوانه في مراجعة بعض الكتب، هل تقربه من الله أو تضر به؟ وأحيانًا وقته لا يَسمح بمراجعتها، فيُجَزِّئها على بعض الباحثين القدامى، ويَنص في تقديمه على ما رأى وسَمِع.
• توزيع الأبحاث النافعة التي حُررت في المكان على طلبة العلم، وعلى الوافدين بما يناسبهم منها.
стр. 17
منهجي في الكتاب
١ - جَمَعْتُ بفضل الله كثيرًا من المادة العلمية التي ناقشها شيخنا مع الباحثين حَفِظهم الله، وذلك بمجالسة الباحث ومناقشته والاستفادة من عقله وبحثه، ومراجعة بعض ما يشكل أو بتوثيق فائدته من بحثه لضيق وقته، أو بالتقاط صورة ضوئية من بحثه، أو بتدوينها في ثنايا النقاش العلمي، مع تأريخها هجريًّا وميلاديًّا غالبًا.
وكتابة الخلاصة مع التوثيق اليسير.
وإن كانت الفائدة مكررة، أكدتُها بما وصل إليه الباحث الجديد، مع ذكر اسمه وتاريخ نقاشه غالبًا؛ حتى يُعْلَم المتقدم من المتأخر ويُنسَب الفضل لأهله.
٢ - وضعتُ خلاصةً في نهاية الفائدة، اشتملت على خلاصة ما انتهيتُ إليه، مع تمييز ما يُنسَب لشيخنا من منطوقه أو مكتوب بنانه أو مفهوم المناقشة.
فإن كان ثَم وجهة للباحث في المخالفة، أَثبتُّها له إثراء للبحث وإحياء للعلم وفتحًا لباب الاجتهاد، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
٣ - راجعتُ شيخنا - حفظه الله - في عدد من الأخبار التي اختَلف اجتهاده فيها، فأَثبتُّ رأيه الأخير بتاريخه، وربما أشرتُ للسابق واللاحق دفعًا للتعارض بين الباحثين، أو تآلفًا بين النقاشات المصورة، أو تنبيهًا على التراجعات التي تَراجَع عنها مع الباحثين أو في كتبه الأخرى.
стр. 18
٤ - استأنستُ في ترتيب هذه الفوائد بصحيحَي البخاري ومسلم. واستأنستُ في تبويبها بتبويبات الكتب الستة وغيرها.
٥ - ضممتُ إليها كثيرًا من الفوائد التي بحثتُها وناقشتُها مُفرَدة أو ضِمن أبحاثي.
٦ - هَمَّشْتُ ببيان غريب أو ضبط نسبة أو غير ذلك.
٧ - عَرَّفْتُ بغالب الباحثين تعريفًا موجزًا (١)، يشمل اسمه ونسبته، وأبحاثه أو تحقيقاته النافعة، التي قَدَّمَ لها شيخنا حفظه الله له وذلك من منطوق الباحث أو مكتوبه فأسفر هذا التعريف عن منزلة الباحث ومؤلفاته التي طبعت والتي لما تطبع.
стр. 19
٨ - ختمتُ الكتاب بفهرس مؤلفات شيخنا وتحقيقاته، وغالب الكتب والرسائل والأبحاث التي قدّم لها مِنْ جمع الباحث يحيى بن مصطفى بن العدوي، حفظه الله.
لَمَّا تم ما مَنَّ الله به عليَّ، سميتُه: «سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية المنتقاة (١) من مجلس العَلَّامة المُحَدِّث مصطفى بن العدوي مع طلابه».
واللهَ أسأل بما سأله به خليل الرحمن وابنه إسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وبما سأله به نبينا محمد ﷺ في أضحيته: «اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (٢).
كَتَبه
أبو أويس
أشرف بن نصر بن صابر بن إبراهيم بن محمد، البُرُلُّسي الكُرْدي
بتاريخ عصر (١٩) جمادى الأولى (١٤٤٣)، المُوافِق (٢٣/ ١٢/ ٢٠٢١ م).
ت/ ٠١٠٠٧١٩٢٦٩٩
стр. 20
كتاب التوحيد
(أسماء الله الحسنى)
هل أسماء الله الحسنى محصورة بعدد؟
• أسماء الله ليست محصورة بعدد عند الجمهور.
وأَصْرَحُ دليل لهم: حديث ابن مسعود ﵁، وفيه: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتُهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ غَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا» وعِلته أبو سلمة الجُهَني.
ولهم دليلان محتملان:
أ - قوله ﷺ : «لا أُحصِي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (١).
ب - قوله ﷺ في حديث الشفاعة العظمى: «ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي» (٢).
ج - ولهم توجيه لقوله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (٣) خلافًا لابن حزم (٤).
стр. 21
• قال النووي (ت/ ٦٧٦): (١).
اتَّفَق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ،
стр. 22
فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين.
وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء؛ ولهذا جاء في الحديث الآخَر: «أسألك بكل اسم سَمَّيْتَ به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك» وقد ذَكَر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل فيها. والله أعلم.
•وقال ابن تيمية (ت/ ٧٢٨) في «دَرْء تَعارُض العقل والنقل» (٣/ ٣٣٢):
والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن قول النبي ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة» معناه أن مَنْ أَحْصَى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا … فأَخْبَر أنه ﷺ لا يُحصِي ثناء عليه، ولو أَحْصَى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يُحصِي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يُعبَّر عنها بأسمائه.
• وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٢٢٠):
اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعَدَدِ، هَلِ الْمُرَادُ بِهِ حَصْرُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، أَوْ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ بِأَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الثَّانِي وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ.
стр. 23
العلي الأعلى المتعال -
• جاء (العلي) مقترنًا أو منعوتًا بالعظيم والكبير والحكيم:
١ - فالأول مع سَعة المُلْك والعلم في آية الكرسي: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤].
٢ - العلي الكبير عن كل شرك وباطل، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] (١).
وفي سياق الرد على مَنْ أَنْكَر البعث ثم أَقَر به، وطَلَب الرجعة إلى الدنيا: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
وقالت الملائكة: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٢).
• ومع القاعدة العظمى ليس كمثله شيء: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
• التعبد بهذه الأسماء على أربعة أنحاء:
أولًا - بالتأمل في معانيها؛ فقد جَمَعَتْ سياقات هذه الأسماء العلو المطلق لله (١):
١ - علو ذات، فهو الرحمن على العرش استوى.
٢ - علو قَدْر، فله المثل الأعلى في السموات والأرض.
٣ - علو قَهْر، فهو الواحد القهار.
ثانيًا - اعتزاز العابد بربه وعبادته على أهل الباطل، والتواضع لربه ثم لأهل الإيمان: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨].
وفي غزوة أُحُد أَخَذَ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُجِيبُوا (٢) لَهُ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»
стр. 26
قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟» قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (١).
ثالثًا - طلبُ العلو والارتقاء بمعالي الأخلاق وتَرْك سفسافها، وكذلك فضول القول واللغو، والسبق في المعالي والسمو في الدعوات. وفي الخبر: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ» (٢).
والأعمالِ (٣) والذِّكر، ففي الحديث القدسي: «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» (٤).
والدعاء؛ فقد دعا النبي ﷺ لعُبيد أبي عامر: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ» (٥). وكقولك: اللهم أنت العلي الأعلى المتعال، فارزقنا العلو بطاعتك في الدنيا والآخرة.
• ومن أمثلة ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال
стр. 27
تعالى في رسله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال في إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وفي نبينامحمد ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] وقال في أهل الإيمان: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
وشرفٌ لك أن يضاف اسم ولدك أو حفيدك للأعلى ، وذلك بتسميته (عبد الأعلى) (١) أو (عبد العلي) أو (عبد المتعال) (٢) فهذا ذِكر ممتد لك كلما ذُكِرَ أو نودي أو كُتِبَ في سِجل.
رابعًا - حُسْن الظن في الله وفي تشريعاته، وأنها كلها علو وارتقاء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وتَأَمَّلْ ذكر السجود في أجمل هيئة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وشعاره: (سبحان ربي الأعلى) وفي الوتر بثلاث ركعات، تَقرأ في الأولى منهن سورة الأعلى .
المَلِك المالك المليك
• قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (١) جَمَع بين اسمَي الملك والمالك.
وأما المليك، ففي قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
• قال البخاري في «صحيحه» رقم (٦٢٠٥) وفي «الأدب المفرد» (٨١٧): حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَخْنَى الأَسْمَاءِ (٢) يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ - رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
وتابع شُعيبًا ابن أبي الزناد، وهو عبد الرحمن - وهو ضعيف - أخرجه ابن
стр. 30
وهب في «جامعه» (٦٥).
وتابعهما سفيان بن عُيينة في رواية سبعة عنه، وخالفهم أبو بكر بن أبي شيبة، فزاد: «لا مالك إلا الله» أخرجه مسلم (٢١٤٣) والبيهقي.
ورواه محمد بن رافع، كما عند مسلم (٢١٤٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ … فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ - رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ».
وتابع محمدَ بن رافع الإمام أحمد، كما في «مسنده» (٨١٧٦).
• وخالفهما اثنان:
١ - إسحاق بن نصر، كما عند البخاري (٤٠٧٣) بلفظ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ - يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ - اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٢ - أحمد بن يوسف السُّلَمي، أخرجه أبو عَوَانة في «مستخرجه» (٦٨٧٠).
• ورواه جماعة عن عوف - هو ابن أبي الجميلة - عن خِلَاس - هو ابن عمرو - عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، على ثلاثة أنحاء:
الأول: بلفظ: «لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ» أخرجه إسحاق في «مسنده» رقم (٥٠١): أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، نَا عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ».
وتابع النضرَ هَوْذة بن خليفة، أخرجه أبو عَوَانة في «مستخرجه» (٦٨٧٠)
стр. 31
وهذا إسناده صحيح.
الثاني: بلفظ: «لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ » أخرجه أحمد (١٠٣٨٤) عن رَوْح - هو ابن عُبَادة - عن عوف، به.
الثالث: محمد بن جعفر، أخرجه أحمد (١٠٣٨٤): «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ قَتَلَهُ نَبِيُّهُ».
• ورواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة بسبب ورود الحديث، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٣٦٥): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِلْآخَرِ: يَا شَاهَانْ شَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُ مَلِكُ الْمُلُوكِ».
وفي سنده أبو مالك النَّخَعي، تَفرَّد به، وهو متروك.
• الخلاصة: أن الخبر دون سبب الورود صحيح، وبه ثلاثة ألفاظ:
١ - «لا مَلِك إلا الله» إسنادها صحيح.
٢ - «لا مالك إلا الله» شذ بها ابن أبي شيبة عن سائر الرواة، مع صحة إسنادها ومعناها، وقد يُجْمَع بينها وبين الرواية السابقة من حيث الكتابة، فربما كتبت بالألف الخنجرية، كقراءتَي (مالك) و (مَلِك) من سورة الفاتحة.
٣ - «لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ » ربما تكون رويت بالمعنى أو تصحفت.
وكَتَب شيخنا معي، بتاريخ الثلاثاء (٢٧ صفر ١٤٤٣ هـ) الموافق (٥/ ١٠/ ٢٠٢١ م) عن رواية ابن أبي شيبة: شاذة من هذا الوجه، ولمعناها شواهد.
وكَتَب عن رواية محمد بن رافع والإمام أحمد: صحيح بلا ريب من هذا الوجه.
وقال عن رواية رَوْح: شاذة أو تصحيف.
تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: " كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ " (١).
• أقوال العلماء في شرح اسم الله السلام:
• قال ابن القيم (ت/ ٧٥١): فإطلاق السلام على الله تعالى لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص
فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله.
وسلام في صفاته من كل عيب ونقص.
стр. 34
وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار.
فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزهه به رسوله فهو السلام من الصاحبة والولد والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل.
والسلام من الشريك ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها فحياته سلام من الموت ومن السِّنَة والنوم وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقا وعدلا وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه وإلاهيته سلام من مشارك له فيها بل هو الله الذي لا إله إلا هو وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذلك أو مصانعة كما يكون من غيره بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما أو تشفيا أو غلظة أو قسوة بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه علي إحسانه وثوابه ونعمه بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته فوضعه العقوبة
стр. 35
موضعها هو من عدله وحكمته وعزته فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به من خلاف حكمته
وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة وشرعه ودينه سلام من التناقض والإختلاف والإضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته بل شرعه كله حكمة ورحمة ومصلحة وعدل وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه فهو الغنى عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه وسلام مما يضاد غناه وكماله سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورا في شيء تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذلك كما يوالي المخلوق المخلوق بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر كما قال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي
стр. 36
الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا بل نفي أن يكون له ولي من الذل وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه وسلام مما يتقوله المعطلون فيها وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه ﵎ وكم ممن حفظ هذا الإسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان المسئول أن يوفق للتعليق على الأسماء الحسنى على هذا النمط إنه قريب مجيب (١).
• وقال ابن منده (ت/ ٣٩٥): مَعْنَى السَّلَامِ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ خَلَصَتْ بِانْفِرَادِ الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَبَانَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَخْلَصَتْ بِهِ الْقُلُوبُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَسَلِمَتْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] (٢).
• وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ (ت/ ٣٨٨): وَقِيلَ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي سَلَّمَ الْخَلْقَ مِنْ ظُلْمِهِ وَمِنْهَا «الْغَنِيُّ» قَالَ اللَّهُ : ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] (٣).
• كيفية التعبد باسم الله السلام:
أولا: ننزه الله عن كل عيب ونقص قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
стр. 37
[الإسراء: ١١١] وقال جل ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ثانيا: الذي يتطاول ويفتري على الله الكذب إنما يضر نفسه قال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (١).
ثالثا: بإفشاء السلام عند اللقاء والانصراف وفي الهواتف وفي المقاطع الدعوية فهو أمان لسامعه مطمئن له وهو تحية الملائكة لنبي الله آدم وتحية ذريته من بعده ومؤلف للقلوب فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٢).
стр. 38
رابعًا: الارتقاء في دار السلام بسلامة القلب وزيادة الإيمان والمسابقة في الخيرات والسلامة من الشرك والكبائر والمعاصي.
стр. 39
المؤمن -
• ورد اسم الله المؤمن مقترنا بالسلام ففي ختام سورة الحشر قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]
• أقوال العلماء:
• قال ابن منده (ت/ ٣٩٥): قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: مَعْنَى الْمُؤْمِنِ الْمُصَدِّقُ الصَّادِقِينَ، دَعَا خَلْقَهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يَمْلِكُ أَمَانَ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيُقَالُ: الْمُوَحِّدُ نَفْسَهُ يَقُولُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالْعَبْدُ مُؤْمِنٌ بِهِ مُصَدِّقٌ وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُسْتَعَارَةِ لِلْعَبْدِ (١).
• قال الزجاجي (ت/ ٦٦٩): المؤمن في صفات الله على وجهين:
أحدهما أن يكون من الأمان أي: يؤمن عباده المؤمنين من بأسه وعذابه فيأمنون ذلك كما تقول: «آمن فلان فلانًا» أي: أعطاه أمانًا ليسكن إليه ويأمن. فكذلك أيضًا يقال: «الله المؤمن» أي: يؤمن عباده المؤمنين فلا يأمن إلا من آمنه.
стр. 40
والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان وهو التصديق فيكون ذلك على ضربين:
أحدهما: أن يقال: «الله المؤمن» أي مصدق عباده المؤمنين أي يصدقهم على إيمانهم فيكون تصديقه إياهم قبول صدقهم وإيمانهم وإثابتهم عليه.
والآخر: أن يكون الله المؤمن أي: مصدق ما وعده عباده كما يقال: «صدق فلان في قوله وصدق» إذا كرر وبالغ، يكون بمنزلة ضرب وضرب، فالله مصدق ما وعد به عباده ومحققه. فهذه ثلاثة أوجه في المؤمن سائغ إضافتها إلى الله (١).
• قال السعدي: المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات، والبراهين وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة ما جاؤا به (٢).
• كيفية التعبد بهذا الاسم:
أولا: لا إيمان ولا أَمْنَ إلا بالله، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤] " وقوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا