← Адаб

Адаб · id 11485

الصداقة والصديق

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (328 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال عيسى أيضاً لأيشوع تلميذه: أما الرب فينبغي أن تحبه بكل قلبك، ثم تحب قرينك كما تحب نفسك، قيل له: بين لنا يا روح الله ما بين هاتين المحبتين حتى نستعد لهما بتبصرة وبيان، قال: إن الصديق تحبه لنفسك، والنفس تحبها لربك، فإذا صنت صديقك فلنفسك تصون، وإذا جدت بنفسك فلربك تجود. وقال الشاعر: ومن لم يكن منصفاً في الإخاء ... إن زرت زار وإن عدت عادا أبيت عليه أشد الإباء ... وإن كان أعلى قريش عمادا وقارضته الوصل كيلاً بكيل ... ووزناً بوزن علي لدادا فإن هو صحح في وده ... جعلت اللسان له والفؤادا وإن بدل القول دون الفعال ... بذلت اللسان وصنت الودادا قيل لعبد الله بن المبارك: إن قوما يلتقون بالبشر والسلام فإذا تفرقوا طعن بعضهم على بعض. فقال: أعداء غيب، إخوة تلاق، تباً لهذه الأخلاق، كأنما شقت من النفاق.

стр. 107

وقال آخر: وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد آخر: وإن امرءاً يصلي الصديق بشره ... لأول من يبقى بغير صديق قال سعيد بن ميمون: لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فصافحني ثم قال: إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافياً ... لقيت، وإخوان الثقات قليل فقلت: أمثلك يقول الشعر؟ فقال: أو ما علمت أن المصدور إذا نفث برأ. وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمحاور صراحاً. شاعر: إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في مرامه الحيل آخر: إذا المرء لم يبذل من الود مثل ما ... بذلت له فاعلم بأني مفارقه فإن شئت فارفضه فلا خير عنده ... وإن شئت فاجعله صديقاً تماذقه قلت للهائم أبي علي: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: من

стр. 108

يطعني إذا جعت، ويكسوني إذا عرين، ويحملني إذا كللت، ويغفر لي إذا زللت، فقال له علي بن الحسين العلوي: أنت إنما تريد إنساناً يكفيك مؤونتك، ويكفلك في حالك، كأنما تمنيت وكيلاً فسميته صديقاً، فما أحار جواباً. وقلت للبنوي ولقيته بالدسكرة سنة خمس وستين: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: يقيلني إذا عثرت، ويقومني إذا ازوررت ويهديني إذا ضللت، ويصبر علي إذا مللت، ويكفيني ما لا أعلم وما علمت. وسمعت أبا عامر النجدي يقول: الصديق من صدقك عن نفسه لتكون على نور من أمرك، ويصدقك أيضاً عنك لتكون على مثله، لأنكما تقتسمان أحوالكما بالأخذ والعطاء، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، فليس لكما فرحة، ولا ترحة، إلا وأنتما تحتاجان فيهما إلى الصدق والانكماش، والمساعدة على اجتلاب الحظ في طلب المعاش. وقال أيضاً: قيل لأعرابي: ألك صديق؟ قال: لا ولكن أليف. شاعر: ويلقونني بالبشر ما دمت فيهم ... فإن غبت عنهم قطعوا الجلد بالسب وأغضي على أشياء منك تريبني ... ولولا اصطباري فاض عن عظمها قلبي

стр. 109

وما ذاك من ضعف ولا سوء محتد ... ولكن تناسي الذنب أقطع للذنب آخر: لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي يصدع فأبدي لمن أبداه مني بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمع وما ذاك من عجب به غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أقطع آخر: نغيب إذا غبنا بنصح ونلتقي ... بأحسن ما إلفان ملتقيان ونخفي الهوى عمن أخاف وإننا ... إلى من أمناه لمشتكيان آخر: يحيي ويستحيي إذا ما لقيته ... وإن غبت أو وليت أرتع في عرضي ولو شئت قد عض الأنامل نادماً ... وأوطأته عن ذاك في منزل دحض ولكنه إحدى يدي فلم إجد ... سبيلاً إلى صول لبعضي على بعض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: فأنت أخي ما لم يكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا

стр. 110

فلا ازداد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا وله: أصد صدود امرىء مجمل ... إذا حال ذو الود عن حاله ولست بمستعتب صاحباً ... إذا جعل الصرم من باله ولكنني صارم حبله ... وذلك فعلي بأمثاله وإني على كل حال له ... من إدبار ود وإقباله لراع لأحسن ما بيننا ... لحفظ الإخاء وإجماله وأنشد الأصمعي: إذا ما امرؤ ساءتك منه خليقة ... ففي الصفح طي للذنوب جميل وإني لأعطي المال من ليس سائلاً ... حفاظاً وإخوان الحفاظ قليل

стр. 111

حدثني أبو حامد العلوي، وكان من الحجاز، سنة سبعين وثلاثمائة بمدينة السلام قال: رمى أعرابي من بني هلال عن حيه إلى أطراف الشام فقيل له: من خلفت وراءك؟ قال: خلفت والداً ووالدة، وأختاً، وابن عم، وبنت عم، وعشيقة، وصديقاً، قيل له: فكيف حنينك إليهم؟ قال: أشد حنين، قيل: فصفه لنا؟ قال: أما حنيني إلى والدي فللتعزز به، فإن الوالد عضد وركن يعاذ بهما، ويؤوى إليهما، وأما نزاعي إلى الوالدة فللشفقة المعهودة منها ولدعائها الذي لا يعرج إلى الله مثله، وأما شوقي إلى الأخت فللصيانة لها، والتروح إليها، وأما شوقي إلى ابن العمم فللمكانفة له والانتصار به، وأما ابنة العم فلأنها لحم على وضم أتمنى أن أشبل عليها بالرقة، أو أصلها ببعض من يكون لها كفؤاً، ويكون لنا إلفاً، وأما صبابتي بالعشيق فذاك شيء أجده بالفطرة والارتياح الذي قلما يخلو منه كريم له في الهوى عرق نابض، وفي المجون جواد راكض. وأما الصديق فوجدي به فوق شوقي إلى كل من نعته لك لأني أباثه بما أجل أبي

стр. 112

عنه، وأجبأ من أمي فيه، وأطويه عن أختي خجلاً منها، وأداجي ابن عمي عليه خوفاً من حسد يفقأ ما بيني وبينه، وأكني عن بنت عمي بغيرها لأنها شقيقة ابن العم، ومعها نصف ما معه، وهي من الشجرة التي تلفنا عيصها، وتلتقي علينا أفنانها، ويجمعنا ظلها. فأما العشيقة فقصاري معها أن أشوب لها صدقاً بكذب، وغلظة بلين لأفوز منها بحظ من نظر، ونصيب من زيادة، وتحفة من حديث، وكل هؤلاء مع شرف موقعهم مني، وانتسابهم إلي دون الصديق الذي حريمي له مباح، وسارحي عنده مراح، أرى الدنيا بعينه إذا رنوت، وأجد فائتي عنده إذا دنوت، إذا عززت به ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظاً للغيب، ولا يتراءى لي إلا ساتراً للعيب. قيل له: فهل نمى إليك خبره منذ بان عنك أثره؟ قال: نعم، لحقني بعض فتيان الحي أمس فسألته قرابتي وعشيرتي فنعت لي كلاً، وأطاب أخبارهم، حتى إذا سألته

стр. 113

عن الصديق قال: ماله هجيري سواك، إن عبر فباسمك يستقل، وإن تنفس فبذكرك يقطع، وإذا أوى إلى ندوة الحي فبلسانك ينش وجودك يذكر، لا يمر بمعهد لك إلا حياه، ولا بمكان حله معك إلا تبواه، فقلت له: كف قليلاً فقد أججت في صدري ناراً كانت طافئة، وأبديت صبابة كانت خافية، وما أراني منتفعاً بالعيش دون أن أشخص إليه غير مبال بهذه الميرة والغيرة التي خرجت من جراهما. قال أبو حامد: فضرب والله كبد راحلته إلى حيه، وترك ما كان فيه مستعراً مستقتراً. قلت لأبي حامد: ما أفصح هذا اللفظ، وما أرق هذا الحديث، لكني أنكرت قوله: جواد راكض، قال: أراد ذو ركض، ومثل هذا يندر في كلامهم. شاعر: طوى الكشح عمرو للصديق على حقد ... وغنى له من شدة الكرب والوجد ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد أما في صروف الدهر أن ترجع النوى ... بلى وبذاك القرب يوماً من البعد

стр. 114

وسمعت أبا دلف الخزرجي يقول: أنا أستجفي الشاعر الذي يقول: والله لا كنت في حسابي ... إلا إذا كنت في حسابك فإن تزرني أزرك أو إن ... تقف ببابي أقف ببابك وكان يقول: ما هذه الغلظة والفظاظة، وما هذه المكايسة والمصادقة، أفليس لو قابلك صاحبك بمثل هذا الأمر وقف الأمر بينكما، وانتكث حبل المودة عنكما، ودبت الشحناء في طي حالكما. وكتب أبو النفيس إلى صاحب له كان يغشاه كثيراً، ويباثه طويلاً: بسم الله الرحمن الرحيم ليس ينبغي - أبقاك الله - أن تغضب على صديقك، إذا نصح لك في جليلك ودقيقك، بل الأقمن بك، والأخلق لك أن تتقبل ما يقوله، وتبدي البشاشة في وجهه، وتشكره عليه حتى يزيدك في كل حال ما يجملك، ويكبت عدوك، والصديق اليوم قليل، والنصح أقل، ولن يرتبط الصديق إذا وجد بمثل الثقة به، والأخذ بهديه، والمصير إلى رأيه، والكون معه في سرائه وضرائه، فمتى ظفرت بهذا الموصوف فاعلم بأن جدك قد سعد، ونجمك قد صعد، وعدوك قد بعد والسلام. شاعر:

стр. 115

وكان الصديق يزور الصديق ... لشرب المدام وعزف القيان فصار الصديق يزور الصديق ... لبث الهموم وشكوى الزمان شاعر: أتطلب صاحباً لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوب قال معاوية بن أبي سفيان: أكلت الطعام حتى لم أجد طعمه، وركبت الدواب حتى استرحت إلى المشي، ونكحت الحرائر والإماء حتى ما أبالي وضعت ذكري في فرج أو حائط، وما بقي من لذتي إلا جليس اطرح بيني وبينه الحشمة. شاعر: وواثق باعتقادي ليس ينصفني ... إذا تزيدت رفقاً زاد عدوانا أضربي حسن خلقي عند عشرته ... وربما ضر حسن الخلق أحيانا وأنشد العطافي فيما رواه لنا المرزباني عن أبي عمرو عنه: عنف العتاب ملجة ... فتوق من عنف العتاب واستبق خلة من يلو ... م فذاك أدنى للإياب واصفح عن الأمر الذي ... إعلانه هتك الحجاب آخر: كفى حزناً ألا صديق ولا أخ ... أفاد غنى إلا تداخله كبر وإلا التوى أو ظن أنك دونه ... وتلك التي جلت فما عندها صبر

стр. 116

فلا زاد فوق القوت مثقال ذرة ... صديق ولا أوفى على عسره يسر وما ذاك إلا رغبة في إخائه ... وإلا حذار أن يميل به الغدر ومن صحب الأيام عاتب صاحباً ... وحالف عذالاً وأدبه الدهر امرؤ القيس: وخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره شاعر: لا مرحباً بوصال ذي ملق ... تكدي مودته ولا تجدي وإذا الصديق ذممت خلته ... صيرت قطع حباله وكدي حتى أرى خلاً يعاشرني ... بمودة أطرى من الورد آخر: وصلتك لما كان ودك خالصاً ... وأعرضت لما صار نهباً مقسماً ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه ... على كثرة الوراد أن يتهدما شاعر: ليهنئك بغض في الصديق وظنة ... تحدثك الشيء الذي أنت كاذبه

стр. 117

وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له: قد أعدت ذكر تصحيح المودة وإخلاص الموالاة بعد أن أكدهما الله لك مني، ومنك عني، وحللت أعلى المراتب من قلبي، وحزت أجزل الحظوظ من ودي، وخاطبك بذلك ضميري، وظهر شاهده من فعلي، فلا تزرين على ما بيننا بالاستزادة بما لا مزيد فيه، والتذكير بما لا ينسى، والتجديد لما لا يخلق، والوصف لما قد عرف، حتى كأن الإخاء معتل، وعقد الوصل منحل، والثقة لم تقع، والهجر متوقع، وسوء الظن يفري ويدع. لآخر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما. وكتب آخر: أنا والله الولي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عقدة أوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، والمماذق أخو المنافق، والشاهد هدف للغائب، والرجل يعرف موقع رأيه إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، وحركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة،

стр. 118

وتصرفه بين ولي مشفق، وعدو مطرق، وكل يرصده وينقده، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات. وقال بعض البلغاء: ليس تكمل محاسن الصفح إلا بالإضراب عن مذلة التوبيخ، فإن التأنيب أوجع وقعاً في وجه الكريم، من وقع الضرب في بدن اللئيم. وقال أعرابي: الموبخ بعد العفو أولى بالتوبيخ، لأنه أفسد النعمة بالتذكير، وقبح الصفح بالتعبير. وقال سهل بن هارون: العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وخلص من تذكار الزلات. وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين: أنت أحق من تغمد هذه الفرطة، واغتفر هذه السقطة.

стр. 119

وقال أعربي: الودود من عذر أخاه، وآثره على هواه. وكتب النصير إلى صديق له: سقياً لدهر لما خلي بنا، خلا منا، ولما تصدى لنا، تولى عنا، تلك أحق الأيام بالذكرى. وقال الأحوص المدني: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك ومن الاسترسال، حتى تجد له مستحقاً. وقال أعرابي: إذا جاد لك أخوك بأكثره، فتجاف له عن أيسره. وقال آخر: الحر يؤثر كرم الاستبقاء، على لؤم الاستقصاء. وكتب الجراحي إلى صديق له: حرسني الله من الشك في إخلاصك، وأعاذني من سوء التوكل عليك، وأجارني مما يوحش منك، ويباعد عنك. وقال النصير لصاحب له: أرجو أن يكون فيما لنا عندك، دليل على ما عندنا لك، وإن كنت بالفضل أولى، وبالمكرمة أحرى. وأخبرنا علي بن عيسى قال: أنبأنا ابن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: وأظنها لابن قيس الرقيات: لا يعجبنك صاحب ... حتى تبين ما طباعه ماذا يضن به عليك ... وما يجود به اتساعه أو ما الذي يقوى عليه ... وما يضيق به ذراعه وإذا الزمان رمى صفات ... ك بالحوادث ما دفاعه

стр. 120

فهناك تعرف ما ارتفاع هـ ... وى أخيك وما اتضاعه آخر: فمن يك لا يدوم له وصال ... وفيه حين يغترب انقلاب فعهدي دائم لهم وودي ... على حال إذا شهدوا وغابوا وأنشد الأصمعي ولم يسم قائله: تبدي لك العين ما في نفس صاحبها ... من الشناءة أو ود إذا كانا إن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا وعين ذي الود ما تنفك مقبلة ... ترى لها محجراً بشاً وإنسانا والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا قال أبو هاشم الحراني: ومن طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة، وشكر الكلمة الحسنة الطيبة، والمكافأة بجزيل الفائدة، وأن لا يوجد عند عرض الحاجة مستعملاً سوم عالة.

стр. 121

وأنشدنا ابن كعب لعبد الله بن معاوية: العهد عهدان فعهد امرىء ... يأنف أن يعذر أو ينقضا وعهد ذي لونين ملالة ... يوشك إن ودك أن يبغضا إن لم تزره قال قد ملني ... وبالحري إن زرت أن يعرضا شيمته مثل الخضاب الذي ... بينا تراه قانياً إذا نضا قال العباس بن الحسن العلوي لما مات الزبيري: رحم الله أبا بكر فقدته فما تمسكت بعده من أخ بعروة إلا تجذمت في يدي. وعزى يزيد بن جرير آخر فقال: إني لم آتك شاكاً في عزمك، ولا زائداً في علمك، ولكنه حق الصديق على الصديق، فإن استطعت أن تسبق السلوة بالصبر فافعل. وكتب عبد الله بن العباس بن الحسن العلوي إلى صديق له: أما بعد فمثل إعظامي إياك دعا إلى الانقباض عنك، ومثل ثقتي بك دعا إلى الانبساط إليك، فلما تكافأ هذان في نفسي كان أملكهما بي، وأولاهما بالأثرة عندي أقربهما إلى موافقتك، وأوقعهما بمحبتك. فعلمت أن أسر إخوانك لك أفزعهم عند الملمات إليك، وأوثقهم عند حوادث الأمور بك، ثم شفع ذلك عندي ما يدعو إليه المرء نفسه، وتنازعه نحوه من الطلب وتثقل عليه المؤونة فيدمن الإمساك. وكتب غسان بن عبد الحميد المدني إلى جعفر بن سليمان الهاشمي يعاتبه: بلغني أن غاشاً ظالماً أتاك بأمر لم أكن له أهلاً، ولم تكن بقبوله

стр. 122

خليقاً، لأنني لم أكن بأشباهه معروفاً، ولم تكن على استماع مثله مخوفاً، فوجد له فيك مساغاً، وعندك مستقراً، وكنت أحسب منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك في حصن حصين، ومحل مكين، لا تناله أكاذيب الكاذبين، ولا أقاويل المفترين، وذلك أن الكاذب كان بالتهمة علي في منزلي وحرمتي أحق مني بالتهمة على رأيي وخلقي، وأنا كنت عندك بالثقة في وفائي أحق منه بالتصديق في عضيهته إياي، فإن الأخ المخبور أولى بالثقة من الساعي بالكذب والزور، وإذا كان تحافظ الإخوان إنما هو معلق بأيدي السفهاء إذا شاؤوا سعوا، فقيل قولهم، فكيف تبقى على ذلك أخوة، أو ترعى معه حرمة، أو يصلح عليه قلب، أو يسلم معه صبر؟. سهل بن هارون: وما العيش إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الأخ بالخلق العالي وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى الحسن بن وهب: لعمرك ما عيشة رغدة ... لدي إذا غبت بالراضيه وإني إلى وجهك المستنير ... في ظلمة الليلة الداجيه لأشوق، من مدنف خائف ... لقاء الحمام، إلى العافيه قيل لأبي زياد الكلابي: إنك فيما نراك تداجي إخوانك كثيراً، وهذا خلق أنت عالق به قال: لأن أداجيهم مستديماً لما بيني وبينهم أحب إلي من أن أدع المداجاة التي أملكها ولا أملك المصافاة التي قد فقدتها.

стр. 123

وسمعت ابن كعب الأنصاري ينشد كثيراً: يا أخاً كان يرهب الدهر من ذكري له عند نائبات الحقوق كنت تحتل حبة القلب من قلبي وتجري مجرى دمي في عروقي كنت مني مكان بعضي من بعضي فأصبحت في مدى العيوق ما قذى عينك التي كنت ترعاني بها مرة وأنت صديقي أم بدت حاجة إليك أحلتني محل البعيد منك السحيق صرت تشري إذا التحفت بثوبي وتوحي إذا سلكت طريقي سمعت علي بن القاسم الكاتب يقول: قلت لأبي الفضل، يعني ابن العميد: ما ينقضي عجبي من إقدامك على الحاجب النيسابوري بعد التصافي الذي كنتما عليه، والملح الذي تجتمعان له، والرضاع الذي تتراوحان فيه، ووالله ما يفصل الناظر بينكما الظالم من المظلوم منكما، وإن إشكال الحال فيكما يدعو إلى سوء الظن بكما، وتوجيه اللائمة الشنيعة إليكما. فقال: يا أبا الحسن والله لقد كدت أن أكونه لولا أن الله بسط يدي عليه، وأظفرني به، إنه لما استحال الحال بليني وبينه أظلم الجو في عيني، وعزب عني رأيي، ووجلت من صولته وجولته، وكان كما علمت

стр. 124

خطيب اللسان، بعيد الغور، خفيف الفور، يمري من ثبج بحر، ويتلقى جميع أموره بصدر ونحر، فما هنأني عيش، ولا طاب لي شرب، ولا فارقني وسواس حتى كان منه ما كان، فقلت له: كيف استحالت الحال بعد توكدها وتعهدها؟ قال: طلب من الحظوة عند ركن الدولة ما كنت أنا قد أفنيت شبابي، وعمري، وذخري له، فلم تسمح نفسي أن أفرج له عنه، ومنازل الأولياء عند الملوك محوطة بالغيرة الشديدة، والحمية المشتعلة، وليست الغيرة عليها إلا فوق الغيرة على السراري الحظيات، وبنات العم الموافقات، وفوق غيرة الضرة من الضرة، وإن الذي يعتري الرجال في هذه الأحوال أزيد من الذي يعتري النساء، إلا أن الرجال لا يتواصون بترك هذا الخلق، ولا يغير بعضهم بعضاً باستعماله، فقلت له: أفكان يرتقي لو بقي إلى أكثر من الحجابة التي أنت مسلم لها إليه، وغير منازع له في شيء منها؟ فقال: ما أسلم صدرك، وأصدأ نصلك، الرجل كان يحدث نفسه بالوزارة، ويوسوس إلى صاحبه بإثارة المال من الوجوه المجهولة، أفكان يجوز لي أن أحلم بهذا في النوم، ثم أتمتع بالعيش باليقظة؟ لا والله! وبعد فأنا كما قال الشاعر: ولست مكلفاً أبدا صديقاً ... معاشرتي على خلق ممض ولا أن يستقيم على اعوجاجي ... ويغفر بعض أحوالي لبعض ولكني له عبد مطيع ... على علاته أرضى واغضي حرير حين يلمسني صديقي ... حديد تحت ضرس رام عضي فإن باشرتني فإليك أمري ... وإن باغضتني فإليك بغضي وكما قال الآخر:

стр. 125

ألم تعلمي يا عصم كيف حفيظتي ... إذا السر خاضت جانبيه المجارح أفر حذار الشر والشر تاركي ... وأطعن في أنيابه وهو كالح قلت لعلي بن القاسم: كيف كان يستجيز قتل النفوس وهو يتفلسف؟ قال: يا هذا الدين الذي نشره على لسان رسوله ﷺ ينافق به، ويكذب فيه، والفلسفة التي وضعت على ألسنة قوم مجهولين لا يجوز أن ينافق بها، ويكذب فيها، إنما كان يتشيع بما يقوله ويدعيه، ويجب أن تكون مبايناً لهذا السواد الذي هو فيه، وحب الجاه، وحب الرئاسة، وحب المال مهالك الخلق أجمعين، نسأل الله تعالى أن يكره إلينا الدنيا، ويرغبنا في التقوى، ويختم لنا ولك بالحسنى بمنه وقدرته. شاعر: عدو صديقي داخل في عداوتي ... وإني لمن ود الصديق صديق أخبرنا أبو السائب القاضي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: سمعت علي بن عبيدة يقول لصديق له: قسم الله لنا من صفحك ما يتسع لتقصيرنا، ومن حلمك ما يردع سخطك عنا، ويعيد ما كان منك لنا، وزين ألفتنا بمعاودة وصلك، واجتماعنا بزيارتك، وأيامنا الموحشة لغيبتك برؤيتك، وسر بقربك القلوب، وبحديثك الأسماع. شاعر: فلا تله عن كسب ود الصديق ... ولا تجعلن صديقاً عدواً ولا تغترر بهدو امرىء ... إذا هيج فارق ذاك الهدوا

стр. 126

آخر: فبعدك يا شغب اجتويت صحابتي ... ولاحظني الأعداء بالنظر الشزر وأبدى لي الشحناء من كان مخفياً ... عداوته لما تغيب في القبر آخر: ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا يزل ما عاش نعله لا تجده ولو جهدت وإني ... بالذي لا يكون يوجد مثله إنما صاحبي الذي يغفر ال ... ذنب ويكفيه من أخيه أقله وأخبرنا المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: رأيت علي بن عبيدة يعاتب رجلاً ثم قال في كلامه: العجب أني أعاتبك وأنت من أهل القطيعة! وحدثنا أبو عبد الله النمري قال: لما وزر أبو محمد المهلبي سنة أربعين بعد وفاة أبي جعفر الصيمري كتب إلى أبي الفضل العباس بن الحسين وكان بينهما تواصل: بسم الله الرحمن الرحيم إني - حفظك الله - وحفظني لك، وأمتعك بي وأمتعني بك، قد بلوتك طول أيام أبي جعفر - قدس الله روحه - فوجدتك ذا شهامة فيما

стр. 127

يناط بك، حسن الكفاية فيما يوكل إليك، كتوماً للسر إذا استحفظته، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه، وقد حداني هذا كله على اجتبائك، وتقريبك، وإدنائك، وتقديمك، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك، ومأمون ضريبتك، وجعلت دعامة هذا كله أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر، ويشارك في الغث والسمين، ويستنام إليه في الشهادة والغيب، ولي معك عينان، إحداهما مغضوضة عن كل ما ساءني منك، والأخرى مرفوعة إلى كل ما سرني فيك، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهداً صدوقاً، وإمارة نطوقاً، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفل، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل، والحال التي قد جددها الله لي هي محروسة لك، ومفرغة عليك، ومستقلة بك، فأشركني فيها بخالصة الوفاء، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصفاء، فلك الأمنة من حيلولة الاعتقاد، والسكون إلى عفو الاجتهاد، وثق بأن الذي خطبته منك إنما أريده لك، فلا تقعن في وساوس صدرك أن لكاشح لنا فيما نحن عليه طريقاً لنقص، أو لمحب لنا فيه باباً إلى الزيادة، واكتف بهذا القدر الذي دللتك عليه، واستقبل أمري وأمرك

стр. 128

بالذي أرشدتك إليه، وإياك أن تستشير فيه غير نفسك فإنك بعرض حسد يكون عقالاً لحظك، والله يهديك للحسنى، ويقيني فيك غوائل العيون المرضى والسلام. قلت للنمري: فبماذا أجابه؟ قال: من له بجواب في هذا السبك على هذه الحلاوة؟ إلا أنه استعان بأبي عبد الله فكتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الوزير - أطال الله بقاءه - قد خاطبني بما إن لو غلطت في نفسي، وادعيت ما لا يليق بي، لكان في ذلك عذري، ولست من أصحاب البراعة، فأسهب خاطباً، أو أخطب مطنباً، وأنا - وإن فاتني هذا بفوت الصناعة - فلن يفوتني إن شاء الله ما يستحق علي من القيام بالخدمة وبذل الطاعة، حتى يكون جوابي صادراً على مذهب الخدم، كما كان ابتداؤه صادراً على مذهب أرباب النعم، وها أنا قد وكلت ناظري بلحظه، ووقفت سمعي على لفظه، انتظاراً لأمره ونهيه اللذين إذا امتثلت أحدهما وملت عن الآخر ملكت المنى، وأحرزت الغنى، وكانت شمسي به دائرة وسط السماء، وعيشي جارياً على النعماء والسراء، فلا يبقى لي غم إلا تفرى، ولا وغم إلا تسرى، ولا إرادة إلا مبلوغة، ولا بغية

стр. 129

إلا مدركة، وقد رفلت. ومن نعمة الوزير - أدام الله أيامه - في عطاف من المسرة، الله أسأل إسباله علي مدى الدهر، بنفاذ أمره، وجواز خاتمه، وجريان قلمه، وشعاع شمسه، وسلامة نفسه، ودوام أنسه، وهو يجيب الداعي إذا أخلص في دعائه، ويعطي السائل سؤله إذا صفى ضميره في سؤاله، ولرأي الوزير العلو في قبول ما جاد به عنده من طاعته، وقابل به دعوته من إجابته، إن شاء الله. وقال آخر: أبا يعقوب صرت قذى لعيني ... وستراً بين طرفي والمنام وكنت على الحوادث لي معيناً ... فصرت مع الحوادث في نظام وكنت على المصائب لي سلواً ... فصرت من المصيبات العظام وقال عبدة بن الطبيب: إن الذين ترونهم خلانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع

стр. 130

وقال أبو إسحاق السبيعي: ثلاث يصفين لك ود أخيك: السلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه، وأن لا تماريه. سمعت العوامي يقول لعلي بن عيسى الوزير: إن الحال بينك وبين ابن مجاهد صفيقة فما الذي قربه منك، ونفقه عليك، وأولعك به؟ قال: وجدته متواضعاً في علمه، هشاً في نسكه، كتوماً لسره، حافظاً لمروءته، شفيقاً على خليطه، حسن الحديث في حينه، محمود الصمت في وقته، بعيد القرين في عصره، والله لو لم يكن فيه من هذه الأخلاق إلا واحدة لكان محبوباً ومقبولاً. شاعر: إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطط في جار من الماء أحرفا فهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا آخر: يعاتبكم يا أم عمرو بحبكم ... ألا إنما المقلي من لا يعاتب آخر:

стр. 131

إذا ما تقضى الود إلا تكاشراً ... فهجر جميل للفريقين صالح تلونت ألواناً علي كثيرة ... ومازج عذباً من إخائك مالح ولي عنك مستغنى وفي الأرض مذهب ... فسيح، ورزق الله غاد ورائح لتعلم أني إذ أردت قطيعتي ... وسامحت بالهجران إني مسامح آخر: إذا ما المرء لم يحببك إلا ... مغالب نفسه سئم الغلابا ومن لا يعط إلا في عتاب ... يخاف، يدع به الناس العتابا أخوك أخوك من تدنو وترجو ... مودته؛ وإن دعي استجابا إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا يواسي في الكريهة كل يوم ... إذا ما معضل الحدثان نابا وقال رجل لصاحب له: إنما اشتد غضبي، لأن من كان علمه أكثر، كان ذنبه أكبر، قال: فهلاً جعلت سعة علمي سبيلاً إلى حسن الظن بنزوعي، أو إلى أني غالط في تفريطي، مخطىء بقصدي، غير معاند لك، ولا جريء عليك.

стр. 132

ورأيت الزهيري وقد كتب إلى ابن الأزرق كتاباً كتب في آخر هذه الأبيات: اذهب فلا حاجة لي فيكا ... غطت على عيني مساويكا وارغبتا فيك بدت سوءتي ... واسوءتا من رغبتي فيكا قد كنت أرجوك أخاً لي فلا ... أفلح من أمسى يرجيكا وقال بعضهم: تركتني معرفة الناس فرداً. وأنشد آخر: تركتني صحبة الناس ومالي من رفيق ... لم أجد إشفاق ندماني كإشفاق الصديق قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق، والخلاف، والهجر، والصلة، والعتب، والرضا، والمذق، والرياء، والتحقق، والنفاق، والحيلة، والخداع، والاستقامة، والالتواء، والاستمانة، والاحتجاج، والاعتذار، ولو أمكن لكان تأليف ذلك كلؤه أتم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وصبه على قالبه، فكان رونقه أبين، ورفيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم، ولو أردنا أيضاً أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه لكان ذلك عسيراً، بل متعذراً، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو أليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط، كما لا يخلو أيضاً من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف،

стр. 133

أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل، وقد قال الأوائل: الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مديناً بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سبباً لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طال بغضت، وإذا بغضت هجرت، وربما نيل من عرض صاحبها، وأنحي باللائمة عليه من أجلها، وهو لم يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمي من حيث لا يتقي، كما يأتي من حيث لا يحتسب، وينجو وقد أشفى، ويدرك وقد غلب اليأس. قال العطوي: لا تبك إثر مول عنك منحرف ... تحت السماء وفوق الأرض أبدال الناس أكثر من أن لا ترى خلقاً ... ممن زوى وجهه عن وجهك المال

стр. 134

ما أقبح الوصل يدنيه ويبعده ... بين الصديقين إكثار وإقلال الصنوبري: يا ناصحاً ما زال يتبع نصحه ... غشاً إذا نصح الصديق صديقه فله العزاء بروم لست أرومه ... قلت السلو يطاق لست أطيقه آخر: رميت هواي من مرمى قريب ... وكنت أخي فصرت أخا الخطوب قدرت من الجسوم على تناء ... ولكن لا تنائي للقلوب فمن تطلب الإنصاف يوماً ... إذا جار الأديب على الأديب آخر: كم من صديق صادق الظاهر ... متفق الأول والآخر أطمعني في مثله مطمع ... من خاطري، لا كان من خاطر حتى إذا ما قلت فازت يدي ... بمثله فوز يد القامر وجدت في كفي منه كما ... قد ملئت منه يد الزامر آخر: أخو ثقة يسر بحسن حالي ... وإن لم يدنه مني قرابه يسر بما أسر به ويشجى ... إذا ما أزمة نزلت رحابه أحب إلي من ألفي قريب ... بنات صدورهم لي مسترابه

стр. 135

آخر: ولا تصل حبل غادر ملق ... فالغدر من شر شيمة الرجل لا خير في غادر مودته ... كالصاب، والقول عنه كالعسل آخر: ما لي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى ما لي أراك نسيتني بطراً ... ولقد عهدتك تذكر الإلفا آخر: أخلقت عنده الملالة وجهي ... كيف لي عنده بوجه جديد؟ آخر: أتعجب إن جفاك أخ ... لغيرك عنك منتقل فلا تعجب لجفوته ... ثقلت فملك الرجل آخر: عهدي بطرفك لا يزال ملاحظي ... يرنو إلي رنو طرف الحافظ فاليوم تنبو عن جناني نبوة ... وأراك من بعد الإساغة لافظي

стр. 136

آخر: توق من الإخوان كل ممازح ... يزول مع الأفناء حيث تزول فلا تصحبن مستطرفاً ذا ملالة ... فليس على عهد يدوم ملول آخر: وحقك ما تركي عتابك من قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع وإني إذا لم أصبر اليوم طائعاً ... فلابد منه مكرهاً غير طائع إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع إبراهيم بن العباس الكاتب: أخ بيني وبين الدهر ص ... احب أينا غلبا صديقي ما استقام فإن ... نبا دهر علي نبا وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا ولو عاد الزمان لنا ... لعاد به أخاً حدبا آخر: كنت عبداً لك مأ ... موناً على دنيا ودين بعتني سمحاً بقول ... جاء من غير يمين ليت شعري عنك ل ... م حكمت ظناً بيقين سترى ما تكشف الخ ... برة من غيب الظنون

стр. 137

آخر: خليل نأى عني الزمان بوده ... فأعرض واستولى على أمره الغدر فألبسته الثوب الذي اختار لبسه ... وأحسن من ود يضيق به الصدر وأفضل من أمر يريبك تركه ... وأجمل من مال يرم به الفقر فإن عاش فالأيام بيني وبينه ... وإن مات لم أجزع لمن ضمه قبر إذا ما امرؤ جارت عليك ظنونه ... وسامك ما فيه المذلة والصغر فكله إلى حكم الحوادث إنه ... كفى منصفاً ممن تظلمك الدهر آخر: عاشر أخاك على ما كان من خلق ... واحفظ مودته بالغيب ما وصلا فأطول الناس غماً من يريد أخاً ... ذا خلة لا يرى في وده خللا آخر: أجفوتني في من جفاني ... وجعلت شانك غير شاني ونسيت مني موضعاً ... لك لم يكن لك فيه ثاني وسررت يوماً واحداً ... أن لا أراك ولا تراني وهجرتني وقطعتني ... وقليتني في من قلاني أفعلتها فالمستع ... ان الله أفضل مستعان آخر: تملقته جهدي فلما رأيته ... إذا لان مني جانب عز جانبه جريت له في الصدر مني مودة ... وخليت عنه مهملاً لا أعاتبه

стр. 138

أطين عين الشمس كيلا يقال لي ... طبائعه مذمومة ومذاهبه وأطريه بالقول الجميل وعنده ... من التيه مطريه سواء وعائبه آخر: غلط الفتى في قوله ... من لا يردك فلا ترده من ناقش الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده عاتب أخاك إذا هفا ... واعطف بفضلك واستعده وإذا أتاك بعيبه ... واش فقل لم يعتمده فلقلما طلب الفتى ... عيباً لخل لم يجده جرير: وإني لمغرور أعلل بالمنى ... ليالي أرجو أن مالك ماليا بأي سنان تطعن القوم بعدما ... نزعت سناناً من قناتك ماضيا وقال آخر: تبدلت بعدي والملول إذا نأت ... به الدار عن أحبابه يتبدل فبان القلى لي منك واتضح الخفا ... ولاح لنا منه الذي كان يشكل أحين أنارت للمودة بيننا ... رياض بدا نوارها يتهلل ودامت سماء اللهو تنهل سحة ... علينا بأنواع الوفاء وتهطل

стр. 139

تنكبت قوس اللهو ثم رميتني ... وخليتني أبكي الوصال وأعول سأحفظ ما ضيعته من إخائنا ... لتعلم أني عنه لا أتبدل ابن أبي فنن: إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليا طلبت رضاك فإن عزلي ... عددتك ميتاً وإن كنت حيا قنعت وإن كنت ذا حاجة ... فأصبحت من أكثر الناس شيا فلا تعجبن بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديا وقال آخر: وأخ كان لي ودوداً محباً ... ناصحاً ومقاً ورفيقاً وشفيقا كان أحلى من الجنى بصيب ... المزن يرضيك صامتاً ونطوقا لم لما أصابني الدهر بالجفوة ... منه صار البعيد السحيقا يا صديقي ما كنت لي بصديق ... إنما كنت للزمان صديقا صرت تشرى إذا التحفت بثوبي ... وتشكي إذا سلكنا طريقا آخر: وأخ كان لي فأصبحت منه ... كأشل اليدين أو كالأجب ضاق ذرعاً بزلة لي كانت ... فانتحى لانتهاك سري وثلبي

стр. 140

أفما كان في المودة والحر ... مة حق يريه غفران ذنبي؟ وقال آخر: وكل ملمات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب لئن كنت أمسيت العشية سيداً ... شديد شحوب اللون مختلف العضب فما لك من مولاك إلا حفاظه ... وما المرء إلا باللسان وبالقلب هما الأصغران الذائدان عن الفتى ... مكارهه والصاحبان على الخطب فإلا أكن كل الكريم فإنني ... أكف عن الجاني وأصبر في الجدب ماني الموسوس: رأيتك لا تختار إلا تباعدي ... فباعدت نفسي لاتباع هواكا فبعدك يؤذيني وقربي لكم أذى ... فكيف احتيالي يا جعلت فداكا؟ آخر: رأيتك تجفوني فأحدثت عزلة ... لتخفي الذي يأتي إلي فتعذرا آخر: أطل حبل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شئت فانظر من تضير فما بيديك خيراً أرتجيه ... وغير صدودك الخطب الكبير إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قلي تدور

стр. 141

آخر: ومولى كأن الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه قال ابن المرزبان الكاتب: سمعت الخليفة المطيع يقول: صديقك صديقك، وصديق صديقك صديقك، وعدوك عدوك، وصديق عدوك عدوك، وعدو صديقك عدوك، وعدو عدوك صديقك. وقال آخر: وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأكباد ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي وسمعت ابن بابويه القمي العالم يقول: قال جعفر بن محمد: مناغاة الصديق أعبث بالروح، وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق، لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق. وحدثني ابن السراج قال: كتبت إلى ابن الحارث الرازي: كتبت إليك عن محل قد ابتهج بودك، وانزعج لصدك، يناديك، ألا إن القلب قد تألم بمفارقتك، فمتى يلم شعث الأنس بمشاهدتك، فأجبته: كلا وإن امتزج فرح الاتصال، بترح الانفصال، فما ضر مباعدة الأشباح مع مساعدة الأرواح، قال: فأجابني: أما صدر كتابك فغني عن دلالتك عليه، لإحساسي بشاهده عندي، وكيف أعدم الشاهد عليه وأنا الأول فيه،

стр. 142

والجالب له، وأما عجزه فشديد الأخذ بطرف من القسوة، لسلوك بأحد الأمرين عن الآخر، ولو علمت أن تمام الأفراح، بمساعدة الأرواح، ومشاهدة الأشباح، لم تقل ما قلت، ولم يبلغ - أكرمك الله - في اللطافة أن يكون من غير هذا النوع الذي نحن منهن لكني أقول: كتبت إليك من محل موحش لبعدك، بلفظ مضطرب أنس بذكرك مستوحشاً، واستوحش إلى رؤيتك مستأنساً، ولو كنت قريباً مني لكان هذا كله مطرحاً، والأمل مدركاً مقترحاً، والعائق مرفوعاً، والطرف متنزهاً، والزمان نضراً، والدهر محموداً، والسلام. شاعر: وحسبك حسرة لك من صديق ... يكون زمامه بيدي عدو أخبرنا ابن مقسم قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فأجابه: ما غير الدهر وداً كنت تعرفه ... ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا ولا حمدت وفاء من أخي ثقة ... إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا وكتب سعيد بن جبير إلى أخ له: أما بعد، يا أخي، فاحذر الناس، واكفهم نفسك، ويسعك بيتك. قال رجل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله، قال: فأطع من تحبني فيه.

стр. 143

قال أبو خازم المدني لسلمة بن دينار: لأن يبغضك عدوك المسلم خير من أن يحبك عدوك الفاجر. سمعت ابن الجلاء يقول بمكة: يقال: من لا إخوان له فلا عيش له، ومن لا ولد له فلا ذكر له، ومن لا مال له فلا مروءة له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة. قال أبو عثمان النصيبي: من لا إخوان له فلا تعب له، ومن لا ولد له فلا حجاب عليه، ومن لا مال له فلا حساب عليه، ومن لا عقل له فهو في الجنة. شاعر: هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه ... وإذا أسات كما أسأت فأين فضلك والمروه وقال أعرابي: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب. قال الفضل بن يحيى: الصبر على أخ يعتب عليه خير من أخ يستأنف مودته. وسمعت ذا الكفايتين ابن العميد ببغداد يقول: إنشاء المعرفة صعب، فلما ندرنا من مجلسه قال أبو إسحاق الصابي: تربيتها أصعب من إنشائها. عرضت هذا الكلام على أبي سليمان فقال: أما الإنشاء فإنما صعب لأنه لا أوائل له يناط بها، ويؤسس عليها، وأما التربية فإنما صعبت أيضاً لأنها تستعير من الإنسان زماناً مديداً هو يشح به، وعناء متصلاً يشتد

стр. 144

صبره عليه، ومالاً مبذولاً قلما تطيب النفس بإخراجه إلا إذا كان الكرم له طباعاً، ويجد من ضريبته إليه نزاعاً. وقال ذو الشامة يرثي أخاه: ذكرت أخي أخا الخي ... ﵁ الذي لم يبق لي خلفا ولا أرجوه إلا الله من ... هـ الدهر مؤتنفا أخاً ما كان لي كأخ ... وبي برأ وبي لطفا كفى من كنت كافيه ... وسد مسد من سلفا وحق لعين من أمسى ... بما أمسيت معترفا من الإيحاش والإيجا ... س والإفراد أن يكفا وقال أبو بكر: خير إخوانك من آساك، وخير منه من كفاك، وخير مالك ما أغناك، وخير منه ما وقاك. قال المأمون الخليفة: من لم يؤاس الإخوان في دولته خذلوه في شدته. وقال: لا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي وقال آخر: ليس عندي وإن تغضبت إلا ... طاعة حرة وقلب سليم وانتظار الرضا فإن رضا السادات عز وعتبهم تقويم

стр. 145

رجل من بلعنبر: لقد ألبس المولى على غش صدره ... وأفقأ بيضات الضغائن بالهجر يثير التداني بيننا كل دمنة ... ويشفي التنائي بيننا وخز الصدر آخر: ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم ... على غير زهد في الإخاء ولا الود ولكن أيامي تحرمن منيتي ... فما أبلغ الحاجات إلا على جهد آخر: من عف خف على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول وأخوك من وفرت ما في كيسه ... فإذا غدرت به فأنت ثقيل آخر: أيام أن قلت قال في سرع ... وإن كرهنا بدا تأبيه مساعد، مونق، أخو كرم ... فليس شبه له يدانيه آخر: قل للذين صحبناهم فلم نرهم ... إلا لمن صحبوا يرضون بالدون سلامة الدين والدنيا فراقكم ... وقربكم آفة الدنيا مع الدين
следующие страницы →