← Язык

Язык · id 11490

علم اللغة

علي عبد الواحد وافي

Полный текст (367 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات إطراء مجمع اللغة العربية لكتابي علم اللغة وفقه اللغة ... إطراء مجمع اللغة العربية لكتابَيّ: "علم اللغة" و"فقه اللغة": مجمع فؤاد الأول للغة العربية في ١٨/ ٦/ ١٩٤٥ حضرة الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي عرض على لجنة الأدب في المجمع كتابكم "علم اللغة" وصنوه "فقه اللغة", وقد حمدت لكم اللجنة ما بذلتم من جهد في البحث والدرس والاستخلاص؛ فقد حوى هذان الكتابان من مختلف مسائل اللغة, وعالجا من مشكلاتها ما تمس إليه حاجة الباحث المتطلع, وقد انتهجتم في التأليف طريقةً علمية حقيقةً بالتقدير، وبسطتم من المعلومات ما يدل على غزارة مادةٍ وحسن إحاطةٍ، وكان لما أيدتم أو فندتم من وجهات النظر المتباينة مظهر من استقلال الرأي. وإننا إذ نشكر لكم هذا المجهود في التأليف، نرجو لكم المزيد من التوفيق, وتقبلوا أطيب تحياتي. ١٨/ ٦/ ١٩٤٥ رئيس المجمع أحمد لطفي السيد

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى ١: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. وبعد, فمنذ عهد بعيد، وخاصةً منذ أن كُشِفَت اللغة السنسكريتية، لم تنفك موضوعات علم اللغة موضع عناية عدد كبير من أعلام الباحثين في أمم الغرب، وقد بُذِلَت في هذا السبيل جهودٌ قيمةٌ مشكورةٌ بلغ بفضلها هذا العلم درجةً راقيةً من النضج والكمال، فوضحت حدوده ومناهجه، وهذبت أساليبه وطرق دراسته، وتميزت فروعه بعضها من بعض، واختص في كل فرع منها عدد كبير من العلماء، فتوفروا على دراسته، وقتلوا مسائله بحثًا, ومن ثَمَّ أصبحت مراجع هذا العلم من أكثر مراجع العلوم عددًا، وأوسعها نطاقًا، وأدقها بحثًا، وأجلها قيمةً. وعلى الرغم من ذلك، لم يكتب فيه باللغة العربية -على ما أعلم- مؤلف يعتد به، اللهم إلّا بعض كتب قديمة تمثل هذه البحوث في أدوار طفولتها الأولى، بل في أدوارها السابقة للطفولة، ولا تكاد اليوم -وقد أيفع هذا العلم- تنقع من صدًى ولا تسمن من جوع. حيال هذا، رأيت أن الواجب يحتِّمُ عليَّ -وقد وقفت قسطًا من جهودي على هذا العلم، وقمت بتدريسه مدة طويلة- أن أقول بأول

стр. 3

محاولةٍ في هذا السبيل، فكتبت هذه العجالة، معتمدًا فيها على طائفة كبيرة من أوثق المصادر العربية والإفرنجية التي يرى القارئ بعضها مشارًا إليه في ثنايا تعليقاتنا, وبعضها مدونًا في ثبت المراجع في آخر الكتاب. ولم آل جهدًا أن أوفق بين غرضين، ليس من اليسير التوفيق بينهما: أحدهما ألَّا أغادر ناحية من النواحي البارزة في هذا العلم إلّا عرضت لها, مناقشًا أهم ما قيل فيها, ومدليًا بما يصح الركون إليه في صددها؛ والآخر مراعاة الإيجاز في علاج الموضوعات حتى لا أتجاوز النطاق الذي رسمته لهذه العجالة, والذي ينبغي أن تكون عليه أول محاولة. والله أسأل أن يتيح متابعة ما بدأته وتنقيحه وتكملته, وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا. دكتور: علي عبد الواحد وافي

стр. 4

تمهيد في التعريف بعلم اللغة ١- البحوث اللغوية وما يدخل منها تحت علم اللغة: ترجع أهم البحوث اللغوية إلى الموضوعات التالية: ١- البحوث المتعلقة بنشأة اللغة الإنسانية، والأشكال الأولى التي ظهر فيها التعبير، والأدوار التي اجتازها حتى وصل إلى مرحلة الأصوات ذات الدلالات الوضعية، والأسس التي سار عليها الإنسان، والنماذج التي احتذاها في وضع الكلمات وفي تعيين مدلولاتها، ونشأة مراكز اللغة في النوع الإنساني ... وما إلى ذلك من البحوث التي تعالج اللغة في أدوار نشأتها الأولى. ويطلقون على هذا الفرع من البحوث اللغوية اسم "أصل اللغة" أو "نشأة اللغة" "Origine du Langage". وكل ما يذهب إليه الباحثون بهذا الصدد -كما سيظهر في الفصل الأول من هذا الكتاب- يتألف من آراء ظنية تعتمد في بعض نواحيها على الحدس والتخمين, وفي نواحٍ أخرى على حجج ضعيفة لا يطمئن إلى مثلها التحقيق العلمي, وهكذا شأن جميع البحوث التي تعرض لأصول النظم الإنسانية. ولذلك يرى كثير من العلماء إخراج هذا الموضوع من نطاق علم اللغة وإلحاقه بالبحوث الفلسفية الميتافيزيقية؛ لأن منهج البحث فيه لا يتفق في شيء مع ما ينبغي أن تكون عليه مناهج البحث في العلوم -وهذا الرأي هو السائد الآن، ولذلك لا يكاد المحدثون من

стр. 5

علماء اللغة يعرضون لهذا الموضوع، وإن عرضوا له تناولوه على أنه دخيل على مادتهم, ومثال من البحوث اللغوية في أدوراها الأولى. ٢- البحوث المتعلقة بحياة اللغة وما يطرأ عليها من غنًى وفقرٍ، وسعة وضيق، وعظمة وضعة، وما تتعرض له من انقسامها إلى لهجات، واستحالة هذه اللهجات مع الزمن إلى لغات مستقلة، وتعدد مظاهرها تبعًا لتعدد فنونها ووجوه استخدامها، وما تقوم به من صراع مع غيرها، وما ينجم عن هذا الصراع من انتصار أو هزيمة، واحتلالها مناطق جديدة, أو تخليها عما كانت تملكه، وما يؤول إليه أمرها من شيخوخة وهرم وفناء، وما تتمثل فيه ظواهر انحلالها؛ من اختفاء من عالم المحادثة والكتابة ودروس آثارها، أو اختفاء من المحادثة وحدها، أو اختفاء من المحادثة والكتابة مع بقائها في المعجمات والمؤلفات، وعوامل كل ظاهرة من هذه الظواهر ونتائجها والقوانين الخاضعة لها. ويطلق على هذا البحث اسم "حياة اللغة" "Vie du Langage". ومن أهم فروع هذا البحث وأوسعها نطاقًا فرع يُسَمَّى: "الدياليكتولوي" "Dialectologie" أي: علم اللهجات ... وموضوعه: دراسة الظواهر المتعلقة بانقسام اللغة إلى لهجاتٍ تختلف باختلاف البلاد أو باختلاف الجماعات الناطقة بها ... وما إلى ذلك. ٣- دراسة الأصوات التي تتألف منها اللغة, وبيان أقسامها وفصائلها, وخواص كل قسم ومخارجه، وما تعتمد عليه من أعضاء النطق، وطريقة إحساس السامع بها، واختلاف النطق بالحروف, واختلاف الأصوات التي تتألف منها الكلمة في لغةٍ ما باختلاف عصورها والأمم الناطقة بها، والعوامل التي تنجم عنها هذه الظواهر، والنتائج اللغوية التي تترتب على كلٍّ منها، والقوانين التي تخضع لها ... وما إلى ذلك. ويطلقون على هذا البحث اسم: "الفونيتيك" "Phonétique", أي: "علم الصوت". ٤- دراسة اللغة من حيث دلالتها، أي: من حيث أنها أداة للتعبير

стр. 6

عما يجول بالخاطر, ويطلق على هذا البحث اسم "السيمنتيك"١ "Sémantique" أي: "علم الدلالة", ومن "الفونيتيك" و"السيمنتيك" "علم الصوت وعلم الدلالة" يتألف أهم فروع علم اللغة وأدقها وأكثرها نضجًا. وينتظم علم الدلالة بحوثًا كثيرة، استقلَّ الآن كل منها عما عداه, وأصبح موضوع شعبة دراسية قائمة بذاتها. وأهم هذه البحوث ما يلي: "أ" البحث في معاني الكلمات، ومصادر هذه المعاني، واختلافها في لغة ما باختلاف عصورها, والأمم الناطقة بها، وموت بعض معاني الكلمة ونشأة معانٍ جديدة، والعوامل المختلفة التي ترجع إليها هذه الظواهر، والنتائج اللغوية التي تترتب على كلٍّ منها، والقوانين التي تخضع لها في سيرها.. وما إلى ذلك, ويطلق على هذا البحث اسم "ليكسيكولوجيا" "Lexicologie" أي: "علم المفردات". "ب" البحث في القواعد المتصلة باشتقاق الكلمات وتصريفها, وتغير أبنيتها بتغير المعنى, وما يتصل بذلك. ويطلقون على هذا البحث اسم "المورفولوجيا" "Morphologie" أي: "علم البنية" وهو ثلاثة أنواع: "الموفولوجيا التعليمي" أي: "علم البنية التعليمي", وهو الذي يدرس القواعد السابق ذكرها في لغة ما؛ لمجرد جمعها وترتيبها وتنسيقها حتى يسهل تعلمها وتعليمها, ومراعاتها في الحديث والكتابة, ومن هذا النوع علم الصرف في اللغة العربية. "الموفولوجيا التاريخي" أي: "علم البنية التاريخي"، وهو الذي يدرس هذه القواعد في لغةٍ ما دراسةً تاريخيةً تحليليةً، فيدرس

стр. 7

الأشكال التي كانت عليها في أقدم مراحل هذه اللغة، وما طرأ عليها من تغير في مختلف العصور والأمم، وعوامل تطورها ونتائجه، والقوانين التي تسير عليها في مختلف مظاهرها ... وما إلى ذلك. "الموفولوجيا المقارن" أي: "علم البنية المقارنة", وهو الذي يدرس القواعد السابقة دراسة تاريخ وتحليل ومقارنة في فصيلة من اللغات الإنسانية أو في جميع اللغات؛ فهو يمتاز عن الشعبة السابقة بالموازنة التي يجريها بين اللغات فيما يتعلق بقواعد البنية في كلٍّ منها. هذا، والقسمان الأخيران هما اللذان يدخلان في نطاق علم اللغة, أما القسم الأول وهو "المورفولوجيا التعليمي" فليس من بحوث علم اللغة، بل من بحوث القواعد التعليمية. "ج" البحث في أقسام الكلمات "تقسيم إلى اسم وفعل وحرف ... إلخ" وأنواع كل قسم ووظيفته في الدلالة، وأجزاء الجملة وترتيبها, وأثر كل جزء منها في الآخر -من ذلك مثلًا تأنيث كلمة أو تذكيرها أو جمعها أو تثنيتها ... تبعا لحالة كلمة أخرى في الجملة، وعلاقة أجزاء الجملة بعضها ببعض وطريقة ربطها، وتقسيم العبارة إلى جمل, وترتيب هذه الجمل, وطريقة وصلها أو فصلها ... وما يتصل بذلك, ويطلق على هذا البحث اسم "السنتكس" "Syntaxe" أي: "علم التنظيم", وينقسم الأقسام الثلاثة نفسها التي انقسم إليها "المورفولوجيا" أو "علم البنية"، أي: إلى تعليمي وتاريخي ومقارن: "فالسنتكس التعليمي" أي: علم التنظيم التعليمي، هو الذي يدرس قواعد التنظيم في لغةٍ ما؛ لمجرد جمعها وترتيبها وتنسيقها حتى يسهل تعلمها وتعليمها واحتذاؤها في الحديث والكتابة -ومن هذه الشعبة بعض أبواب النحو والمعاني في اللغة العربية. "والسنتكس التاريخي" أي: علم التنظيم التاريخي، هو الذي يدرس قواعد التنظيم في لغة ما دراسة تاريخية تحليلية.

стр. 8

"والسنتكس المقارن" أي: علم التنظيم المقارن، هو الذي يدرس قواعد التنظيم دراسة تاريخ وتحليل ومقارنة في فصيلة من اللغات أو في جميع اللغات. والقسمان الأخيران هما اللذان يعدان من فروع علم اللغة، أما "السنتكس التعليمي" فليس من بحوث هذا العلم. هذا، ومن "المورفولوجيا" و"السنتكس" أي: علم البنية وعلم التنظيم، يتألف ما يسمونه "الجرامير" "Grammaire" أي: القواعد, ومما تقدَّمَ يتبين لك أن دراسة الجرامير بفرعيها, تكون تارةً تعليميةً وتارةً تاريخية وتارةً مقارنة، وأن القسمين الأخيرين وحدهما هما اللذان يدخلان في علم اللغة. "د" البحث في أساليب اللغة واختلافها باختلاف فنونها "الشعر، والنثر، الخطابة، المحادثة، الكتابة، المسرح ... إلخ" وباختلاف العصور والأمم الناطقة بها، والطرق التي تسلكها الأساليب في تطورها, والقوانين الخاضعة لها ... وما يتصل بذلك. -ويطلق على هذا البحث اسم "الستيليستيك" "Stylistique" أي: "علم الأساليب". وهذا البحث يمكن أن يُدْرَسَ على الوجوه الثلاثة نقسها التي أشرنا إليها في البحثين السابقين. فإذا درس على الوجة الأول، بأن كان الغرض منه مجرد جمع القواعد المتعلقة بأساليب لغة ما وتنسيقها وترتيبها ليسهل تعلمها وتعليمها واحتذارها في المحادثة والكتابة، أطلق عليه اسم "الستيليستيك التعليمي" أي: "علم الأساليب التعليمي". -ومن هذا النوع بعض أبواب المعاني والبيان والبديع في اللغة العربية. وإذا درس على الوجة الثاني، بأن كان الغرض منه دراسة الأساليب في لغة ما دراسة تاريخية, وتعقبها في مختلف مراحل هذه اللغة, وفي مختلف الأمم الناطقة بها, وشرح تطورها والقوانين الخاضعة

стр. 9

لها بهذا الصدد، أطلق عليه اسم "الستيليستيك التاريخي" أي: علم الأساليب التاريخي. وإذا دُرِسَ على الوجه الثالث، بأن كان الغرض منه دراسة الأساليب في عدة لغات دراسة تاريخ وتحليل ومقارنة، أطلق عليه اسم "الستيليستيك المقارن" أي: علم الأساليب المقارن. والنوعان الأخيران هما اللذان يدخلان في نطاق علم اللغة، أما دراسة الأساليب على الوجه الأول فليست من بحوث هذا العلم, بل من بحوث "علم البلاغة". ٥- البحث في الأصول التي جاءت منها الكلمات في لغة ما، بأن نبحث مثلًا عن الأصول الإغريقية واللاتينية.. وغيرها التي انحدرت منها كل كلمة من الكلمات الفرنسية, ويطلق على هذا البحث اسم "الإيتيمولوجيا" "Etymologie" أي: "أصول الكلمات". ويختلف هذا البحث عن البحثين الأخيرين -علم الصوت وعلم الدلالة, أو الفونيتيك والسيمنتيك- في أنهما يدرسان أمورًا كليةً, ويرميان إلى كشف القوانين العامة الخاضعة لها ظواهر الصوت أو ظواهر الدلالة، على حين أن هذا البحث يدرس أمورًا جزئيةً, وليس من أغراضه ولا من شأن دراسته الوصول إلى قوانين، فهو يبحث عن الأصول التي جاءت منها كل كلمة من كلمات اللغة على حدتها. ولكن الصلة وثيقة -على الرغم من ذلك- بينه وبين البحثين السابقين؛ فدراسته تفيدهما كثيرًا، كما ينتفع هو كثيرًا بدراستهما, وذلك أن معرفة أصول الكلمات -موضوع هذا البحث- يساعد كثيرًا على الوقوف على تطور الأصوات وتطور الدلالات, وعلى كشف القوانين الخاضع لها هذا التطور في مظهريه، أي: يعين البحثين السابقين -الفونبتيك والسيمنتك- على الوصول إلى أغراضهما؛ كما أن الوقوف على القوانين التي يخضع لها كل من الصوت والدلالة في

стр. 10

تطورهما -وهو موضوع البحثين السابقين- يساعد على معرفة أصول الكلمات، أي: يساعد هذا البحث على الوصول إلى أغراضه. هذا، ومن أهم شعب الإيتيمولوجيا شعبة تسمى "الأونوماستيك" "Onomastique" وموضوعها: البحث عن أصول الأعلام بمختلف أقسامها: أعلام الأشخاص والقبائل والعشائر والجبال والأنهار والأمصار.. وما إلى ذلك, ومن أهم فرع "الأونوماستيك" فرع يسمى "التوبونوماستيك" "Toponomastique"، وموضعه البحث عن أصول أسماء الأمكنة على اختلاف أنواعها. ٦- بحوث إجتماعية ترمي إلى بيان العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية وأثر المجتمع وحضارته ونظمه وتاريخه وتركيبه وبيئته الجغرافية في مختلف الظواهر اللغوية. وإلى هذه البحوث تحتاج معظم الفروع السابقة؛ لأن نشأة اللغة الإنسانية والأشكال الأولى التي ظهر فيها التعبير, والأدوار التي اجتازها حتى وصل إلى مرحلة الأصوات ذات الدلالات الوضعية -موضوع الفرع الأول؛ وحياة كل لغة, وما يطرأ عليها من غنًى وفقرٍ, وقوة وضعف, وسعة وضيق، وانقسامها إلى فنون وإلى لهجات, وتفرع لغات عامة منها، وما تقوم به من صراع مع غيرها, وما ينجم عن هذا الصراع، وما يؤول إليه أمرها من شيخوخة وهرم وفناء -موضوع الفرع الثاني؛ وما يتعلق بأصواتها ودلالاتها وأصول مفرداتها ... -موضوع الفروع الثالث والرابع والخامس- ... كل أولئك, وما إليه ترجع أهم عوامله إلى ظواهر اجتماعية. فموضوعات البحث الذي نحن بصدده تمتزج بموضوعات الفروع السابقة جميعًا وتفسر ظواهرها, ولذلك لا يكاد يخلو منها مبحث من مباحث علم اللغة. غير أن علماء الإجتماع قد أخذوا على القدامى من علماء اللغة بهذا الصدد مآخذ كثيرة، ترجع إلى تقصيرهم في بيان العلاقة بين

стр. 11

الظواهر اللغوية والظواهر الاجتماعية، وانحرافهم أحيانًا عن جادَّة الصواب في هذه السبيل، وتفسيرهم لبعض الظواهر اللغوية تفسيرًا خاطئًا يبعد بها عن المجتمع وشئونه؛ ولذلك أنشئوا فرعًا خاصًّا في علمهم سموه "علم الاجتماع اللغوي" "Sociologie Linguistique", وعالجوا فيه الظواهر اللغوية بطريقةٍ تكشف عن العلاقات التي تربطها بمختلف الظواهر الاجتماعية، وتكفل سد ما في البحوث القديمة من نقص وإصلاح ما بها من أخطاء, وقد أوغل بعضهم في هذا السبيل حتى كاد ينكر أن لغير العوامل الاجتماعية أثرًا في شئون اللغة. ومهما يكن نصيب نظرياتهم من الصواب، فهي قد أعطت هذه البحوث شخصية متميزة، وجعلتها موضوع فرع مستقل، وجعلت كثيرًا من علماء اللغة أنفسهم ينزلها هذه المنزلة, ويفرد لها دراسة خاصة, ولذلك سنوجِّه إليها قسطًا كبيرًا من عنايتنا في معظم فصول هذا الكتاب. ٧- بحوث نفسية تدرس العلاقة بين الظواهر اللغوية والظواهر النفسية بمختلف أنواعها؛ من تفكير وخيال وتذكر ووجدان ونزوع.. إلخ، وتبين أثر كل طائفة منها في الأخرى، وتشرح ما تؤديه اللغة من وظائف معتمدة في أدائها على ظواهر نفسية كالإيحاء والتأثير، وتعرض لما يعتمد عليه كسب الطفل للغة من قوى نفسية ... وهلم جرّا. ولا تقل أهمية هذه البحوث في دراسة اللغة عن أهمية البحوث الاجتماعية السابقة, وذلك أن أهم العوامل التي تؤثر في الظواهر اللغوية لا تخرج عن طائفتين: ظواهر اجتماعية عامة؛ وظواهر نفسية فردية١. فموضوعات البحث الذي نحن بصدده تمتزج بموضوعات الفروع

стр. 12

السابقة جميعًا, وتحتاج إليها هذه الفروع في تفسير ظواهرها وتعليلها، ولذلك لا يكاد يخلو منها مبحث من مباحث اللغة. غير أن علماء النفس قد وجهوا لهذه البحوث قسطًا كبيرًا من عنايتهم، وجعلوها موضوع فرع مستقل من علمهم سموه "علم النفس اللغوي" "Paychologie du Langage" وتوفر على دراسته عدد كبير من أعلامهم، فبلغوا به درجة راقية من النضج والكمال, وقد تأثر بهم عدد كبير من علماء اللغة أنفسهم، فأفردوا لهذه الموضوعات دراسة خاصة. بقي من البحوث اللغوية ما يسمونه "الفيلولوجيا" "Philologie" وهو بحث غير محدد النطاق ولا متميز الحدود؛ وذلك أن مدلول هذه الكلمة قد اختلف كثيرًا باختلاف العصور وباختلاف الأمم, ولا يزال العلماء يختلفون في فهمها وإطلاقها. فأحيانًا تطلق ويراد بها ما يشمل معظم البحوث السابقة. -ويكاد يتعين هذا المعنى إذا وصفت بما يدل على عموم بحوثها؛ فقيل مثلًا: "فيلولوجيا قارنة" "Phiologie comparee". وأحيانًا تطلق ويراد بها دراسة لغة أو لغات؛ من حيث قواعدها وتاريخ أدبها ونقد نصوصها١. وأحيانًا تطلق ويراد بها دراسة الحياة العقلية ومنتجاتها على العموم في أمة ما أو في طائفة من الأمم. وهي بمعنييها الأخيرين ترادف ما نسميه أدب اللغة وتاريخ أدبها.

стр. 13

ويطلق على جميع البحوث السابقة -ما عدا الفيلولوجيا بمعنييها الأخيرين, وما عدا المورفولوجيا التعليمي, والسنتكس التعليمي, والستيليستيك التعليمي- اسم "علم اللغة"١. "Linguistiques ou "Science du Langage" وقد اخترنا هذا الاسم لكتابنا؛ لأن موضوعاته ستكون شاملة لجميع البحوث التي تدخل تحت "علم اللغة". هذا، وقد وضع المؤلفون من العرب أسماء لبحوث تشبه بعض البحوث السابقة: فوضعوا اسم "الصرف" لبحوث من فصيلة "المورفولوجيا التعليمي"، واسم "النحو" لبحوث من فصيلة "السنتكس التعليمي"، واسم "البلاغة" لبحوث من "الستيليستيك التعليمي", واسم "أدب اللغة وتاريخ أدب اللغة" لبحوث من نوع "الفيلولوجيا" بمعنييها الأخيرين. غير أنهم لم يطلقوا هذه الأسماء إلّا على ما يتعلق من البحوث السابقة باللغة العربية وحدها. ومهما يكن من شيء, فقد علمت أن "المورفولوجيا التعليمي" و"السنتكس التعليمي" و"الستيليستيك التعليمي" و"الفيلولوجيا" بمعنييها الأخيرين، ليست من علم اللغة في شيء. أما بحوث علم اللغة نفسه فقد درس المؤلفون من العرب بعضها تحت أسماء مختلفة، أشهرها اسم "فقه اللغة"٢. وهذه التسمية هي خير ما يوضع لهذه البحوث، فإن فقه الشيء

стр. 14

هو كل ما يتصل بفلسفته وفهمه, والوقوف على ما يسير عليه من قوانين؛ فقد قال صاحب المصباح: "الفقه فهم الشيء", وقال ابن فارس: "كل علم لشيء فهو فقه". وقد كنا نود أن نسمي كتابنا هذا باسم "فقه اللغة" لولا أن هذا الاسم قد خصص مدلوله في الاستعمال المألوف، فأصبح لا يفهم منه إلّا البحوث المتعلقة بفقه اللغة العربية وحدها.

стр. 15

٢- أغراض علم اللغة: يرمي هذا العلم من وراء دراسته للظواهر اللغوية السابق بيانها إلى أغراضٍ وصفيةٍ تحليليةٍ يرجع أهمها إلى الأمور الآتية: ١- الوقوف على حقيقة الظواهر اللغوية، والعناصر التي تتألف منها, والأسس القائمة عليها. ٢- الوقوف على الوظائف التي تؤديها في مختلف مظاهرها, وفي شتَّى المجتمعات الإنسانية. ٣- الوقوف على العلاقات التي تربطها بعضها ببعض، والعلاقات التي تربطها بما عداها من الظواهر: كالظواهر الاجتماعية والنفسية والتاريخية والجغرافية والطبيعية والفيزيولوجية والأنتروبولوجية ... وهلم جرَّا. ٤- الوقوف على أساليب تطورها واختلافها باختلاف الأمم والعصور. ٥- كشف القوانين التي تخضع لها في جميع نواحيها, والتي تسير عليها في مختلف مظاهرها -القوانين التي تسير عليها في تكونها ونشأتها وأدائها لوظائفها, وعلاقاتها المتبادلة, وعلاقاتها بغيرها, وتطورها.. وما إلى ذلك. وهذا الغرض الأخير هو الأساسي لبحوث علم اللغة، بل يكاد يكون

стр. 16

غرضها الفذ، وذلك أن الأغراض السابقة ليست في الواقع إلّا وسائل للوصول إليه؛ فعلم اللغة لا يعرض لحقيقة الظواهر اللغوية والوظائف التي تؤديها, والعلاقات التي تربطها بعض ببعض, والتي تربطها بغيرها, والتطورات التي تعتريها ... لا يعرض لهذا كله لمجرد الوصف وسرد الحقائق التاريخية، ولكن ليصل في ضوئه إلى كشف القوانين الخاضعة لها هذه الظواهر.

стр. 17

٣- قوانين العلوم: وبهذه المناسبة لا نرى مندوحةً عن ذكر كلمة عن قوانين علم اللغة التي قررنا أنها الغرض الأساسي في دراساته. -وسنمهد لهذا بالكلام على قوانين العلوم على العموم فنقول: تطلق كلمة القوانين في العرف العلمي على الأصول العامة التي تبين ارتباط الأسباب بمسبباتها, والمقدمات بنتائجها اللازمة، أو بعبارة أخرى: التي تنبئ بحدوث نتائج معينة لازمة إذا حدثت أسباب خاصة, وترجع النتائج الحادثة إلى أسبابها١. فما يقرره علماء الرياضيات والطبيعيات والاقتصاد وغيرهم من القواعد التي تبين علاقة السببية بين أمرين أو أكثر, يصدق عليه اسم قوانين؛ وذلك كقوانين ضرب عدد في عدد٢, وقوانين الربح٣, وقوانين تساوي المثلثين٤, في الرياضيات

стр. 18

وقانون الجذب العام، وقانون أرشميدس١, وقانون بويل٢ في الطبيعيات، وقوانين العرض والطلب٣, وقانون جريشام٤ في الاقتصاديات ... وهلمّ جرّا. هذا، وقد فطن الإنسان منذ عصور سحيقة في القدم إلى خضوع الكواكب والنجوم في سيرها وبزوغها وأفولها لقوانين ثابتة مطردة، هدته إلى ذلك مشاهداته اليومية, وملاحظته لإطراد النظام الذي تسير عليه هذه الأجرام, وعلى هذه المشاهدات أُسِّسَ علمٌ من أقدم العلوم الإنسانية؛ وهو علم الفلك. ومع ارتقاء الفكر الإنساني أخذ الاعتقاد بخضوع الظواهر لقوانين ثابتة, يتسع نطاقها قليلًا قليلًا حتى شمل كل نواحي الطبيعة وكل مظاهر الحياة، وحفز الباحثين على إنشاء علوم الطبيعة والكيمياء والجغرافيا والبيولوجيا والتاريخ الطبيعي ... وما إلى ذلك من البحوث التي لم تغادر ظاهرة من ظواهر الطبيعية, ولا ناحية من نواحي النمو إلّا كشفت عما يسيطر عليها من قوانين, وبذلك تكونت مجموعة من العلوم هي العلوم الطبيعية. ولم يمض على ذلك أمد طويل حتى تمكّن العلماء من الوقوف على القوانين الطبيعية الخاضعة لها الرياح والعواصف والأمواج.. وما إلى ذلك من الظواهر التي كانت مضرب الأمثال في التقلب وعدم الاستقرار, والتي كان الشعراء يجعلونها رمزًا للتحرر من ربقة القواعد

стр. 19

والقوانين، فأنشئوا "الميتورولوجيا" -علم الأحوال الجوية, و"الأسيونوجرافيا" -علم أحوال المحيطات، وتمكنوا في بحوثهم الجغرافية وغيرها من الكشف عن القوانين الخاضعة لها التيارات البحرية والزلازل والبراكين. وفي أثناء ذلك، بل من قبل ذلك، فطن الإنسان إلى القوانين التي يخضع لها الكم من حيث أنه مقيس أو معدود, وعلى هذا الأساس أنشئت علوم الرياضة. واستطاع العلماء كذلك أن يقفوا على القوانين التي تخضع لها الظواهر النفسية الفردية؛ من إدراك ووجدان ونزوع, ومن هذه البحوث تألف "علم النفس" أو "السيكولوجيا". وقد كان لزامًا بعد هذا كله أن تتجه الأفكار شطر المجتمع الإنساني، وأن يتساءل الباحثون عما إذا كانت الأعمال الاجتماعية خاضعة لقوانين شبيهة بالقوانين الخاضعة لها ظواهر الطبيعة, غير أنهم قد طال تساؤلهم وترددوا كثيرًا بهذا الصدد, وذلك أن الظواهر الاجتماعية تبدو حرة طليقة غير خاضعة لما نسميه بالقوانين؛ فارتفاع ثمن سلعةٍ ما أو انخفاضه، واختلاف مدلول كلمةٍ ما, أو اختلاف حروفها وأصواتها في جيلين متعاقبين، وتغير الأوضاع السياسية في أمة ما ... هذه الأمور وما إليها من الظواهر الاجتماعية تظهر للنظرة الأولى أنها حرة طليقة، ويصعب بداءة ذي بدء الاعتقاد بخضوعها لقوانين ثابتة مطردة كالقوانين الخاضع لها القمر في تزايده وتناقصه, أو النهار والليل في اختلافهما باختلاف الفصول. لمثل هذه الشبهات لم ينفك الباحثون يقدمون في هذه السبيل رِجْلًا ويؤخرون أخرى، حتى ظهر في القرن الرابع عشر العلامة ابن خلدون, وألف مقدمته الشهيرة التي أثبت فيها بالأدلة القاطعة أن أعمال المجتمع وظواهر العمران خاضعة في مختلف نواحيها لقوانين لا تقل

стр. 20

في صرامتها واطرادها عن القوانين الخاضعة لها الظواهر الطبيعية١. غير أن آراءه وبحوثه في هذه الناحية لم يتح لها ما كانت أهلًا له من الذيوع والانتشار, وما كان يعوزها من التنقيح والتهذيب إلّا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين؛ فقد ظهر في هذين القرنين في مختلف بلدان أوروبا, وبخاصة فرنسا, طائفة من قادة الفكر لم تدع مؤلفاتهم أيّ مجال للريب في خضوع الظواهر الاجتماعية بمختلف أنواعها لقوانين يمكن استنباطها من ملاحظة هذه الظواهر في مختلف أحوالها, وفي شتى الأمم والعصور, ومن ذلك الحين أخذ المشتغلون بدراسة الظواهر الاجتماعية يوجهون كل عنايتهم إلى كشف القوانين الخاضعة لها، وأخذت العلوم الاجتماعية تظهر شيئًا فشيئًا, وينمو عددها قليلًا قليلًا, وتتكون من فروعها مجموعة حديثة, بجانب المجموعات الثلاث السابق ذكرها, وأعني بها: العلوم الرياضية والطبيعية وعلم النفس.

стр. 21

٤- قوانين علم اللغة: على هذا الأساس قام علم اللغة، كما قام غيره من العلوم الاجتماعية، واتجهت عناية الباحثين فيه إلى كشف القوانين الخاضعة لها الظواهر اللغوية في مختلف أشكالها ومناحيها, وقد اهتدوا إلى طائفة كبيرة من هذه القوانين: منها ما يتعلق بالأصوات, وما يتعلق بالدلالات, ومنها ما يتعلق بحياة اللغة، ومنها ما يتعلق بوظائفها ... ؛ بعضها خاصٌّ يصدق على لغة معينة، وبعضها عامٌّ ينطبق على فصيلة من اللغات، وبعضها أعم يصدق على جميع اللغات. وسيمر بك في كل فصل من فصول هذا الكتاب أمثلة كثيرة من هذه القوانين، وسترى على ضوئها أن الظواهر اللغوية لا تسير وفقًا لإرادة الأفراد والمجتمعات،

стр. 22

أو تبعًا للأهواء والمصادفات، وإنما تسير وفقًا لنواميس لا تقل في ثباتها وصرامتها واطرادها وعدم قابليتها للتخلف عن النواميس الخاضعة لها ظواهر الفلك والطبيعة. فقد يكون في استطاعة الفرد أو في استطاعة الجماعة اختراع لفظ أو تركيب، ولكن بمجرد أن يقذف بهذا اللفظ أو بهذا التركيب في التداول اللغوي وتتناقله الألسنة يفلت من إرادة مخترعة ويخضع في سيره وتطوره وحياته ... لقوانين ثابتة صارمة لا يستطيع الفرد ولا الجماعة إلى تعويقها أو تغييرها سبيلًا؛ فالكلمة الجديدة أو التركيب الجديد أشبه شيء بحجر يقذف به القاذف من جهة معينة بقوة خاصة، فإنه بمجرد أن يفارق يده يخضع في سيره لقوانين ثابتة صارمة لا يد للقاذف ولا لغيره على تعطيلها أو وقف آثارها. ومن هذا يظهر أنه ليس في قدرة الأفراد والجماعات أن يقفوا تطور لغة ما، أو يجعلوها تجمد على وضع خاص، أو يحولوا دون تطورها على الطريقة التي ترسمها قوانين علم اللغة؛ فمهما أجادوا في وضع معجماتها وتحديد ألفاظها ومدلولاتها, وضبط قواعدها وأصواتها وكتابتها، ومهما أجهدوا أنفسهم في إتقان تعليمها للأطفال قراءةً وكتابةً ونطقًا, وفي وضع طرق ثابتة سليمة، يسير عليها المعلمون بهذا الصدد، ومهما بذلوا من قوة في محاربة ما يطرأ عليها من لحنٍ وخطأ وتحريف ... ، فإنها لا تلبث أن تحطم هذه الأغلال، وتفلت من هذه القيود، وتسير في السبيل التي تريدها على السير فيها سنن التطور والارتقاء التي ترسمها قوانين علم اللغة. ومن ثَمَّ يظهر كذلك خطأ مَنْ يحاولون علاج تعدد اللغات بإنشاء لغة عالمية "اسبرانتو Espernato" يتحدث بها الناس من مختلف الأمم والشعوب, وذلك أن هذه اللغة الصناعية، على فرض إمكان اختراعها وإلزام الناس باستخدامها١، لا تلبث بعد تداولها على

стр. 23

الألسنة أن تخضع أصواتها ومدلولاتها وحياتها وتطورها لجميع القوانين التي تخضع لها اللغات الطبيعية, والتي خضعت لها أول لغة تكلم بها الإنسان؛ فما دام أفراد الأمم الناطقة بها مختلفين في التكوين الطبيعي لجسومهم وأعضاء نطقهم، وفي الظروف الجغرافية والطبيعية والاجتماعية المحيطة بهم، وفي قواهم الإدراكية والوجدانية، وما دامت سنة الطبيعة تقضي أن يختلف كل جيل عن الجيل السابق له في كل هذه الأمور، فلا بد أن تختلف هذه اللغة الصناعية في كلماتها وأصواتها ودلالاتها وتراكيبها باختلاف العصور, وباختلاف الشعوب الناطقة بها، وتختلف أقاسمها باختلاف فنونها، وتنقسم إلى لهجات يختلف كل منها عما عداه، وتتفرع منها لغات عامية، وتتسع الهوة بين لهجاتها قليلًا قليلًا حتى تنفصل كل لهجة منها عما عداها انفصالًا تامًّا, وتصبح غير مفهومة إلّا لأهلها، شأنها في ذلك شأن غيرها من اللغات، وهكذا لن يمضي زمن قصير أو طويل حتى تتولد من هذا العلاج المشكلة نفسها التي حاولنا القضاء عليها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً

стр. 24

وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ ١.

стр. 25

٥- قوانين "الفونيتيك" وقوانين "السيمنتيك ": غير أن علماء اللغة لم يصلوا بعد إلى استنباط قوانين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة إلّا في الشعبة الخاصة بدراسة الأصوات "الفونيتيك". أما في الشعبة الخاصة بالدلالة "السيمنتك" فكثير مما كشفوه لم يصل بعد في دقته وضبطه وعمومه إلى المستوى الذي يستحق فيه اسم "القوانين". والسبب في ذلك راجع إلى أن الظواهر الصوتية في مختلف أشكالها ترجع أهم عواملها إلى أعضاء النطق وطريقة أدائها لوظائفها, وتأثرها بالظواهر الجغرافية, وأساليب انتقالها بطريق الوراثة من الأصول إلى الفروع وما إلى ذلك. وعوامل هذه طبيعتها من الممكن تحديد آثارها وتحديد العلاقات التي توجد بينها وبين مختلف الظواهر اللغوية؛ فطبيعة الظواهر التي تدرسها هذه الشعبة تسمح باستنباط قوانين دقيقة مضبوطة. وليس الأمر كذلك في الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة "موضوع السيمنتك". وذلك أن العوامل التي تؤثر في معاني الكلمات وفي قواعد اللغة وأساليبها؛ فتؤدي إلى اختلافها وتطورها ... وما إلى ذلك"، يرجع أهمها إلى ظواهر اجتماعية وتاريخية وسياسية وثقافية ... وهلم جرّا. وعوامل هذا شأنها ليس من اليسير تحديد آثار كل منها, وتحديد العلاقات التي تربطه بالظواهر اللغوية. -فلا ينبغي أن ننتظر من علم اللغة أن يصل في هذه الناحية إلى قوانين ثابتة صارمة عامة, إلّا بعد زمن طويل ومجهود كبير.

стр. 26

٦- الشعبة التي ينتمي إليها علم اللغة: تمهيد في تعريف العلم والفن, وأمثلتها, وأقسام كل منهما: ترجع أهم شعب البحوث إلى قسمين: بحوث علمية؛ وبحوث فنية. ويطلق العلم "Science" اصطلاحًا على كل بحث موضوعه دراسة طائفة معينة من الظواهر لبيان حقيقتها وعناصرها, ونشأتها وتطورها, ووظائفها والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض, والتي تربطها بغيرها, وكشف القوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها. ويطلق الفن "Art" اصطلاحًا على كل بحثٍ موضوعه: بيان الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها للوصول إلى طائفةٍ معينة من الغايات العملية؛ فالبحث في جسم الإنسان مثلًا يختلف الحكم عليه باختلاف ما يرمي إليه من أغراض, فإن كان الغرض منه شرح أعضائه وأجهزته وبيان العناصر التي تتألف منها، ومعرفة الوظائف التي تقوم بها، والوقوف على تطورها ونموها، وتوضيح العلاقات التي تربطها بعضها ببعض, والتي تربطها بغيرها، وكشف القوانين التي تخضع لها في تكونها ونشوئها وتطورها وأدائها لوظائفها ... صدق عليها أنه "علم". وإن كان الغرض منه بيان الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها لشفاء الجسم مثلًا مما عسى أن ينتابه من مرض واختلال، صدق عليه أنه "فن". -ومن ثَمَّ يعدون "الفيزيولوجيا" علمًا؛ لأنها تدرس جسم الإنسان من وجهة النظر الأولى، على حين أنهم يعتبرون "الطب" من طائفة الفنون؛ لأنه يدرس جسم الإنسان من وجهة النظر الثانية. وكذلك البحث في القوى العقلية: فالحكم عليه يختلف باختلاف الطريق التي يسير فيها, والغرض الذي يرمي إليه. فإذا كان موضوعه وصف هذه القوى وشرحها ببيان حقيقتها, والعناصر التي تتألف منها،

стр. 27

والوظائف التي تؤديها، والمراحل التي تجتازها في نموها، والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض, والتي تربطها بغيرها، والقوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها ... كان جديرًا باسم "العلم", وإن كان الغرض منه بيان الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها للتأثير في هذه القوى وتربيتها وتهذيبها.. صدق عليه أنه "فن", ومن ثَمَّ كانت بحوث "السيكولوجيا" -علم النفس- من طوائف العلوم، وكانت "البيداجوجيا العامة" -التربية العامة- شعبة من شعب الفنون. ومن هذا يتبين أن أهم فارق بين العلوم والفنون, أن الأولى نظرية وصفية تحليلية ترمي إلى شرح ما هو كائن، على حين أن الأخرى عملية تطبيقية يهمها بيان ما ينبغي أن يكون١. هذا وتنقسم الفنون قسمين رئيسيين: ١- فنون يقينة "Arts rationnels"، وهي ما كانت بحوثها الفنية مؤسسة على بحوث علمية ومستمدة منها، وذلك كفن الطب الحديث, فإنه مؤسس على علم "الفيزيولوجيا"، وكفنون التربية الحديثة، فإن الخطط التي ترسمها للتأثير في جسم الطفل وعقله وخلقه مؤسسة على بحوث علم النفس وعلم وظائف الأعضاء وما إليهما. ٢- فنون غير يقينية "Arts irrationnels"، وهي ما كانت بحوثها

стр. 28

الفنية غير مؤسسة على بحوث علمية, وذلك كفنون السحر والشعوذة والطب القديم, وما إلى ذلك من الفنون التي تعتمد فيما تقرره على العقائد, أو الأساطير والخرافات, أو على محض التجارب. أما العلوم: فتنقسم باعتبار الظواهر التي تدرسها إلى ثلاث طوائف رئيسية: ١- العلوم الرياضية: وهي العلوم التي تدرس خواص الكمِّ من حيث أنه معدود أو مقيس، كالحساب والجبر والهندسة وما إليها. ٢- العلوم الطبيعية: وهي التي تدرس ظواهر الكون، سماوية كانت أم أرضية، عضوية كانت أم غير عضوية، كالفلك والجيولوجيا والجغرافيا الطبيعية وعلم الحيوان وعلم النبات والطبيعة والكيمياء ... وما إليها. ٣- العلوم الإنسانية، وهي التي تبحث في الإنسان, أو في المجتمع الإنساني، وهي لذلك تنقسم قسمين: أحدهما: علوم فردية، وهي التي تدرس الإنسان من حيث أنه فرد؛ كالأنتربولوجيا -علم الإنسان, والفيزيولوجيا الإنسانية -علم وظائف الأعضاء الإنسانية, والسيكولوجيا -علم النفس. والآخر: علوم اجتماعية, وهي التي تدرس الإنسان من حيث أنه عضو في مجتمع، أو بعبارة أخرى: تدرس العلاقات التي تتكون بين أفراد بضمهم مجتمع. ولتعدد هذه العلاقات تعددت علوم هذه الطائفة: فمنها ما يدرس العلاقات السياسية, ويبحث في نشأة الأمم وتطورها, ونظم الحكم فيها وعلاقاتها بعضها ببعض ... إلخ، ويسمى "علم السياسة"؛ ومنها ما يدرس النظم القضائية وتطورها والأسس المبنية عليها ... وما يتصل بذلك، ويسمى "علم الحقوق"؛ ومنها ما يدرس النظم الدينية ويبحث في أصولها وتطورها وآثارها، ويسمى "علم الأديان"؛ ومنها ما يبحث في النظم الاقتصادية المتعلقة بإنتاج

стр. 29

الثروة واستبدالها وتوزيعها واستهلاكها, ويشرح حقيقتها ونشأتها وتطورها, والأسس القائمة عليها, ووظائفها, والقوانين الخاضعة لها ... ويسمى "علم الاقتصاد السياسي"؛ ومنها ما يبحث في النظم الخلقية ويسمى "علم الأخلاق" ... وهلمَّ جرَّا. وتمتاز هذه الطائفة الأخيرة، وهي طائفة العلوم الإجتماعية، عن بقية طوائف العلوم بشدة الصلة التي تربط فروعها بعضها ببعض؛ فبحوث علم الأخلاق تمت بصلة وثيقة إلى بحوث علم الأديان، وبحوث علم السياسة شديدة الارتباط ببحوث علمي الأخلاق والحقوق ... وهلم جرَّا. والسبب في هذا راجع إلى أن فروع هذه الطائفة متحدة في موضوعها الرئيسي, وهو الإنسان من حيث أنه عضو في مجتمع، وإلى أن النظم الاجتماعية التي تدرسها متداخل بعضها في بعض, ومتأثر بعضها ببعض, لدرجة تجعل تقسيمها إلى فروع ضربًا من الاصطلاح, ومجرد وسيلة لتسهيل الدراسة. وهذا ما حدا بأوجيست كونت "Auguste Comte" على أن يجمعها كلها تحت لواء علم واحد سماه علم الاجتماع أو "السوسيولوجيا" "Sociologie". وعلى العكس من ذلك العلوم الطبيعية، فإن موضوعات كل فرعٍ منها متميزة تمام التمييز عن موضوعات ما عداه؛ فموضوعات الجيولوجيا مثلًا لا يمكن أن تلتبس بموضوعات علم الفلك؛ إذ أن الأول يدرس طبقات الأرض, على حين أن الثاني يبحث في أفلاك السماء. الشعبة التي تنتمي إليها بحوث علم اللغة: فإذا عرفت هذا ورجعت إلى ما قلناه في الفقرات السابقة عن بحوث علم اللغة وموضوعاتها وأغراضها وقوانينها، ظهر لك أن هذه البحوث من طائفة العلوم لا الفنون, وأنها من فصيلة العلوم الاجتماعية, أما أنها من طائفة العلوم؛ فذلك لأنها ترمي من وراء دراستها للظواهر

стр. 30

اللغوية إلى أغراض وصفية تحليلية ترجع إلى الوقوف على حقيقتها والعناصر التي تتألف منها، والوظائف التي تؤديها، والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض, والتي تربطها بما عداها، وأساليب تطورها، والقوانين التي تخضع لها في مختلف نواحيها، وبالجملة تدرس الظواهر اللغوية لشرح ما هو كائن لا لبيان ما ينبغي أن يكون. وقد تقدَّم أن كل بحث هذا شأنه يسمى علمًا. وأما أنها من فصيلة العلوم الاجتماعية، فذلك لأن موضوع العلوم الاجتماعية، كما تقدم، هو دراسة العلاقات التي تتكون بين أفراد يضمهم مجتمع. ومن الواضح أن الظواهر اللغوية التي تدرسها بحوث علم اللغة ليست إلّا شعبةً من شعب هذه العلاقات؛ فالنظم التي يسير عليها أفراد أمة ما في تفاهمهم والتعبير عما يجول بخواطرهم, لا تختلف في هذه الناحية عن النظم الاقتصادية التي يسيرون عليها في مبادلاتهم، والنظم الدينية التي يتبعونها في عباداتهم وعقائدهم وفهمهم لما وراء الطبيعة، والنظم الخلقية التي يأخذون بها في تمييزهم بين الخير والشر, والفضيلة والرذيلة، والنظم العائلية التي يخضعون لها في الزواج والطلاق والتوريث, وتحديد درجة القرابة، والنظم السياسية التي يحتذونها فيما يتعلق بشكل الحكومة ونظام الحكم, وتوزيع السلطات, وحقوق كل سلطة وواجباتها، والنظم القضائية التي يطبقونها في الجرائم والعقوبات والمسئولية والعقود والالتزامات. فكما أن كلًّا من النظم الاقتصادية والدينية والخلقية والعائلية والسياسية والقضائية تنظم ناحية من العلاقات الاجتماعية، كذلك النظم اللغوية تنظم ناحيةً هامةً من هذه العلاقات, وهي الناحية المتصلة بالتفاهم بين الأفراد والتعبير عما يجول بالخواطر.

стр. 31

الانتفاع ببحوث علم اللغة من الناحية العلمية ... ٧- الانتفاع ببحوث علم اللغة من الناحية العملية: غير أنه من الممكن الانتفاع بحقائق هذا العلم من الناحية العملية، أي: الاهتداء على ضوئه إلى ما ينبغي عمله في ظواهر اللغة، شأنه في ذلك شأن غيره من العلوم؛ فكما أن بحوث الفيزيولوجيا التي تدرس وظائف الأعضاء دراسة علمية، أي: دراسة وصف وتحليل، قد أقيم على أسسها فن الطب الذي يشرح الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها للوصول إلى طائفة معينة من الغايات العملية المتصلة بجسم الإنسان؛ وكما أن بحوث السيكولوجيا -علم النفس- التي تدرس القوى النفسية لمجرد وصفها وتحليلها, وكشف القوانين الخاضعة لها، قد أقيم على أسسها فن "البيداجوجيا" الذي يشرح الوسائل التي ينبغي اتخاذها لتربية قوى الطفل النفسية وتعليتها وتهذيبها, وإعدادها إعدادًا صالحًا للحياة المستقبلية؛ كذلك من الممكن أن يقام على القواعد التي يكشفها علم اللغة بحوث فنية ترشدنا إلى ما ينبغي عمله في مختلف الشئون اللغوية، فترشدنا مثلًا إلى خير الوسائل التي ينبغي اتخاذها في تعليم اللغات الحية وغيرها، وفي وضع كتب القواعد والأدب وطرق تدريسها، وفي إصلاح قواعد الإملاء والشكل والترقيم، وفي تدوين معجمات اللغة وضبط مفرداتها وتحديد دلالاتها، وفي النهوض باللغة, ومحاربة ما يطرأ عليها من لحن أو تحريف، وفي تهذيب مصطلحاتها, وتوسيع نطاقها, وترقية لهجاتها العامية, وإدخال مفردات جديدة على مفرداتها، وفي إحلال لغة أخرى محلها، وفي إنشاء لغة عالمية يتحدث بها جميع أفراد النوع الإنساني ... وما إلى ذلك من الشئون اللغوية التي تستأثر الآن بقسط كبير من نشاط الباحثين والمصلحين, والتي من أجلها تنشأ المجامع اللغوية و"الأكاديميات", وينظم عدد كبير من المؤتمرات المحلية والدولية.

стр. 32

وفي الحق أن كثيرًا من المصلحين والمفكرين قد أخذوا الآن يولون وجوههم في حلِّ هذه المشاكل شطر علم اللغة, ويستمدون منه المعونة, ويقيمون إصلاحاتهم على الأسس التي تقررها قوانينه وتطمئن إليها قواعده، بعد أن كانوا من قبل أن يصدرون عن آراء فردية فقيرة, وتسيرهم آمال ورغبات لا سند لها من العلم الصحيح. ومن ثَمَّ اضطروا إلى تغيير كثير من الخطط الفاسدة التي كانوا يسيرون عليها من قبل، وأخذوا ينصرفون عن كثير من المشروعات التي شغلتهم زمنًا غير قصير، بعد أن تبين لهم من قوانين علم اللغة استحالة تنفيذها، كمشروع إنشاء لغة عالمية١. فإذا هذبت هذه البحوث الفنية, وربطت في مختلف نواحيها ببحوث علم اللغة، ونسقت موضوعاتها، ونظمت مسائلها، وجمعت نتائجها، وفصلت عما عداها من البحوث، ودونت في مؤلفات مستقلة، لا تلبث أن يتكون منها فن يقينيّ شبيه بالفنون التي تكونت على أسس الفيزيولوجيا والسيكولوجيا؛ كالطب والتربية العامة وما إليهما. ويظهر للمتأمل في هذه البحوث أنها سائرة إلى هذه الغاية بخطًى حثيثة، وأن اليوم الذي يتم فيه تكوين هذا الفن على الوجه الذي وصفناه ليس ببعيد.

стр. 33

٨- علاقة علم اللغة بما عداه من البحوث: تقدَّم أن علم اللغة من العلوم الاجتماعية، وأن طائفة العلوم الاجتماعية تمتاز عن بقية طوائف العلوم بشدة الصلة التي تربط فروعها بعضها ببعض١. فعلم اللغة متصل إذن اتصالًا وثيقًا ببقية أفراد فصيلته, ونعني بها: العلوم الاجتماعية, وذلك أن للظواهر الاجتماعية

стр. 34

بمختلف أنواعها آثارًا بليغة في مختلف شئون اللغة، فنشأة اللغة، وانقسامها إلى فصائل، وحياتها وانتشارها، وما يطرأ عليها من قوة وضعف, وسعة وضيق, وعظمة وضعة، وصراعها مع غيرها, وانتصارها أو هزيمتها, واحتلالها مناطق كانت تابعة لغيرها, أو تخليها لغيرها عن جميع مناطقها أو عن بعضها، وتعدد مظاهرها تبعًا لتعدد فنونها، وانقسامها إلى لهجات, وتفرع لغات عامية منها، والتطورات التي تحدث في أصواتها, ومدلولاتها وأساليبها وقواعدها ... كل أولئك وما إليه لا يمكن فهمه والوقوف على أصوله وأسبابه إلّا في ضوء الظواهر الاجتماعية الأخرى من سياسية ودينية واقتصادية ... وهلم جرَّا. فلا غرابة إذن أن تكون الصلة وثيقةً بين العلم الذي يدرس الظواهر اللغوية -علم اللغة- والعلوم التي تدرس الظواهر الاجتماعية الأخرى؛ كعلوم السياسة والأديان والاقتصاد والتاريخ ... وما إلى ذلك. وليس علم اللغة مرتبطًا بالعلوم الاجتماعية فحسب، بل أن بحوثه متصلة كذلك ببحوث علم النفس؛ فكثير من المسائل التي يعرض لها يتوقف شرحها وفهمها وبيان أصولها وأسبابها على الرجوع إلى ما ترتبط بها من الظواهر النفسية, وإلى ما يقوله علم النفس في صددها. فتكوين المتكلم لعباراته وفق أفكاره، وإدراك السامع الحديث وفهمه له، وصوغ العبارات وتدوينها كتابةً، وفهم القارئ لنقوش الكتابة، وكسب الطفل للغته، وأداء اللغة لوظائفها الدلالية والإيحائية والتأثيرية، وانحطاط لغة في عصر ما, أو عند بعض الشعوب الناطقة بها, وارتقاؤها في عصر آخر, أو عند شعوب أخرى، وتعدد فروع اللغة تبعًا لتعدد نواحي التفكير، وتطور اللغة في مدلولات كلماتها وأساليبها ... كل هذه الظواهر وما إليها تعتمد اعتمادًا جوهريًّا على ظواهر عقلية؛ كالإدراك الحسيّ, والتفكير, وإدراك المعاني الكلية, والحكم والاستدلال, وخيال الحركة, والخيال النظري, والحافظة, والذاكرة, وتداعي المعاني, والحالات الوجدانية, والانتباه, والعادة, ومظاهر النزوع والإرادة, والأمزجة, ووراثة الصفات النفسية.. وهلم جرَّا. ومن الواضح أن

стр. 35

هذه الظواهر هي موضوع علم النفس، ولا يمكن فهمها وتحديد صلتها باللغة وأثرها فيها إلّا بالرجوع إليه. ويتصل علم اللغة كذلك بالبحوث التاريخية والجغرافية؛ فكثير من الظواهر اللغوية التي يعرض لها ترجع عواملها وأصولها إلى ظواهر جغرافية وتاريخية؛ فانتشار اللغة وصراعها مع غيرها, وانتصارها أو هزيمتها, واحتلالها مناطق كانت تابعة لغيرها, أو تخليها لغيرها عن جميع مناطق نفوذها أو عن بعضها، وانقسامها إلى لهجات وتفرع لغات عامية منها, وانتشار الدخيل بين ألفاظها، واستعارتها كلمات من غيرها، وتأثرها بقواعد غيرها من اللغات أو بأساليبها، وما يطرأ عليها في أثناء حياتها من قوة وضعف, وسعة وضيق، والتطورات التي تحدث في أصواتها ومدلولاتها وأساليبها ... كل ذلك وما إليه ترجع طائفة من أسبابه إلى ظواهر تاريخية وجغرافية: كالغزو، وتغلب أمة على أخرى، والهجرة، واندماج أمم بعضها في بعض، واتصال أمة بما عداها، واعتناقها دينًا غير دينها الأصليّ, وكالموقع الجغرافي للبلد، وحالة الجو، وطبيعة الأرض، وما تشتمل عليه من تضاريس وجبال وفجوات وخلجان، والحدود الطبيعية التي تفصل أجزاء الأمة الواحدة, أو تفصل المناطق الناطقة بلغة واحدة بعضها عن بعض.. وهلمَّ جرَّا. ويتصل علم اللغة كذلك بعلوم الطبيعة ووظائف الأعضاء والتشريح والبيولوجيا والأنتروبولوجيا؛ فهو يستعين ببحوث علم الطبيعة في تحليل الصوت, والوقوف على خواصه وقوته ومدته وموجاته وذبذبته وانتشاره وما يتصل بذلك, ويستعين بالتشريح والفيزيولوجيا الإنسانية -وظائف أعضاء الإنسان- في الوقوف على مخارج الحروف, وتحليل أعضاء النطق والسمع، والوقوف على وظائفها، وكيفية قيامها بهذه الوظائف، واختلافها باختلاف الأفراد، واختلافها في الفرد الواحد باختلاف سنه، واختلافها باختلاف الأمم، واختلافها في الأمة الواحدة باختلاف عصورها، وبيان أثر هذه الظواهر جميعها, وما إليها في اللغة نشأتها وتطورها. ويستعين بالبيولوجيا -علم الحياة- والأنتروبولوجيا

стр. 36

-علم الإنسان- في الوقوف على نشأة الفصيلة الإنسانية، ونشأة مراكز اللغة عند الإنسان, ونشأة أجهزة السمع والنطق، والتطورات التي اجتازتها الفصيلة الإنسانية فيما يتعلق بالتكوين الجسمي, وعلى الأخص تكوين أعضاء السمع والنطق، وفي الوقوف على قوانين الوراثة, وانتقال الصفات الجسمية من الأصول إلى الفروع، وبيان أثر هذه الظواهر كلها, وما إليها في اللغة الإنسانية نشأتها وانتشارها وتطورها١. وحماديّ القول: إن علم اللغة يتصل بكل طوائف العلوم؛ غير أن صلته بأفراد فصيلته، ونعني بها: العلوم الاجتماعية، أشد من صلته بالطوائف الأخرى, على أن ما يصدق على علم اللغة بهذا الصدد، يصدق على ما عداه من العلوم؛ فالمعارف الإنسانية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. هذا، وتشتد حاجة علم اللة إلى الطبيعة والفييولوجيا والتشريح واالأنتروبولوجيا في بحوثه الخاصة بالأصوات -شعبة الفونيتيك٢، على حين أن حاجته إلى الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا تشتد في بحوثه المتعلقة بالدلالة -شعبة السيمنتيك٣, والمتعلقة بحياة اللغة٤.. وما إلى ذلك.

стр. 37

٩- مناهج البحث في علم اللغة: يراد بمناهج البحث الطرق التي يسير عليها العلماء في علاج المسائل, والتي يصلون بفضلها إلى ما يرمون إليه من أغراض, وقد تقدم لك أن العلوم تتفق جميعها في اتجاهاتها الأساسية وفي وجهة

стр. 38

نظرها إلى الظواهر التي تعالجها, وفي الأغراض العامة التي ترمي إليها من وراء دراستها, وقد كان لزامًا، وهي متفقة في هذه الأمور، أن تتحد فيها بعض مناهج البحث, ولذلك كان من بين مناهج البحث بعض طرق تستخدم في مختلف فروع العلوم, ويطلقون على هذه الطرق اسم "الطرق العامة", أو "مناهج البحث المشتركة". ولكن لكل فرع منها موضوعات معينة, وأغراضًا يمتاز بها عما عداه من الفروع, وقد نجم عن هذا أن استخدم كل علم منها في دراسته -زيادة على الطرق العامة التي سبق ذكرها- طرقًا خاصةً به تتفق مع طبيعة موضوعاته, وتدعو إليها مميزات ظواهره, وما يرمى إليه من أغراض خاصة به. ولكل شعبة من شعب العلم الواحد مسائل متميزة تختلف في بعض خواصها ومظاهرها عن مسائل الشعب الأخرى, ولذلك نرى أن العلم الواحد قد يستخدم في دراسته لموضوع من موضوعاته طرقًا لا يستخدمها، ولا ينبغي استخدامها، في موضوع آخر من العلم نفسه. وعلى هذا السَّنَنِ سار علم اللغة في دراساته: فاستخدم طرقًا عامة يشترك فيها مع غيره من البحوث العلمية، واستخدم كذلك طرقًا خاصة به تقتضيها طبيعة الظواهر التي يعرض لدراستها ولا تتلاءم مع غيرها، وامتازت كل شعبة من شعبه عما عداها ببعض طرق دراسية تواتي طبيعة مسائلها, وتحقق أغراضها من أقرب سبيل. وسنعرض بإيجاز فيما يلي لأهم هذه الطرق, معلقين على كلٍّ منها بما يوضح نوعها ونواحي استخدامها, ويبين منشأها وما بها من محاسن وعيوب. الطريقة الأولى: طريقة الملاحظة المباشرة: أي: التي لا يلتجأ فيها إلى التجارب, ولا تستخدم فيها الأجهزة،

стр. 39

بل يقتصر فيها على ملاحظة الظواهر اللغوية في حالاتها العادية، ولا يستعين فيها الباحث بغير حواسه وقواه العقلية. وفي هذه الطريقة يشترك علم اللغة مع عدد كبير من العلوم الأخرى, وبخاصة العلوم الطبيعية, وهي أقدم طريقة استخدمها الباحثون في علم اللغة، ولا تزال إلى الآن من أهم طرقهم، وإليها يرجع الفضل في معظم ما وصلوا إليه. فعلى ضوء الملاظة استطاعوا أن يقسموا الظواهر اللغوية إلى أقسام متميزة, ويرجعوها إلى طوائف محددة, ويردوا الفروع إلى أصولها، فنظمت بذلك موضوعات العلم, ونسقت فروعه, وسهلت دارسته. وبفضل هذه الطريقة كذلك كشف العلماء عن كثير من الحقائق المتصلة بنشأة اللغة وحياتها وتطورها ووظائفها, والعلاقات التي تربط ظواهرها بعضها ببعض, والتي تربطها بما عداها, والقوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها. وتنقسم الملاحظة أقسامًا كثيرة باعتبارات مختلفة: فتنقسم باعبتار نوع الظواهر اللغوية التي تعالجها إلى قسمين: ملاحظة صوتية Phonetique, وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالصوت، وملاحظة دلالية semantique, وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة. وتنقسم باعتبار نوع اللغات التي يتناولها البحث إلى قسمين: ملاحظة اللغات الحية، وملاحظة اللغات الميتة، أما ملاحظة اللغات الحية فسبيلها واضحة، وأما ملاحظة اللغات الميتة فتتحقق بالرجوع إلى ما وصل إلينا عنها في المؤلفات والوثائق والآثار ... وما إلى ذلك, وملاحظة اللغات الميتة كبيرة الأهمية في الدراسات اللغوية على العموم, وفي دراسة نشأة اللغات وتطورها على الخصوص؛ فلو اقتصر علماء اللغة على ملاحظة اللغات الحية لما وصلوا إلى شيء يعتدّ به بصدد التطور اللغوي، ولتعرضت بحوثهم وآراؤهم بهذا الصدد للزلل والاضطراب، وما كان يتاح لعلمهم في هذا الأمد القصير أن يصل إلى

стр. 40

ما وصل إليه من حقائق وقوانين تنتظم جميع الظواهر اللغوية, وذلك أن ارتقاء اللغات وتطورها لا تظهر آثارهما جليّةً واضحةً إلا بملاحظة مرحلة طويلة من مراحل التاريخ الإنساني، وهذا لا يتاح إلّا بدراسة اللغات الميتة من بطون الكتب والآثار. وقد بدأ علم اللغة بداءةً حسنة بهذا الصدد، فقد وجَّه الباحثون فيه منذ نشأته عناية كبيرة إلى دراسة اللغات الميتة القديمة، بل إن عناية القدامى منهم بملاحظة اللهجات الحية واللغات الحاضرة لم تكن شيئًا مذكورًا بجانب عنايتهم بدراسة ما دثر من اللغات١. وتنقسم الملاحظة كذلك باعتبار تعلقها بشخص الملاحِظ -بكسر الحياء- أو بغيره إلى قسمين: أحدهما: الملاحظة الذاتية Subjective, وهي أن يلاحظ الباحث ما يصدر عنه هو من ظواهر لغوية, ويدون ملاحظاته ويحللها؛ ليصل على ضوئها إلى تحقيق ما يرمي إليه، أو أن يكلف شخصًا آخر أن يلاحظ ما يصدر عنه -عن ذلك الشخص الآخر- من ظواهر لغوية, ويطلب إليه أن يصفها له، فيدون هذا الوصف ويحلله ويوازنه بملاحظات أخرى, ويستخدمه في علاج ما تعنيه دراسته. وثانيهما: الملاحظة الخارجية Objectif, وهي ملاحظة الباحث لما يصدر عن شخص آخر من ظواهر لغوية, بدون أن يكون لهذا الشخص الآخر أي دخل في الملاحظة, وهذا القسم الأخير ينقسم هو نفسه قسمين: ملاحظة خارجية سلبية Passive، وملاحظة خارجية إيجابية Positeve؛ فالسلبية: هي ما يترك فيها الملاحَظ -بفتح الحاء- على حالته الطبيعية، بأن يقتصر الباحث على الاستماع إليه, وهو يتحدث حديثًا عاديًّا, والإيجابية: هي ما يعمل فيها الباحث على توجيه الشخص الذي تُجْرَى عليه الملاحظة وجهةً معينة، بأن يُلْقِي عليه أسئلة خاصة في الموضوعات التي يهمه بحثها؛ ليصل على ضوء إجاباته إلى الوقوف على ما يعنيه الوقوف عليه.
следующие страницы →