-علم الإنسان- في الوقوف على نشأة الفصيلة الإنسانية، ونشأة مراكز اللغة عند الإنسان, ونشأة أجهزة السمع والنطق، والتطورات التي اجتازتها الفصيلة الإنسانية فيما يتعلق بالتكوين الجسمي, وعلى الأخص تكوين أعضاء السمع والنطق، وفي الوقوف على قوانين الوراثة, وانتقال الصفات الجسمية من الأصول إلى الفروع، وبيان أثر هذه الظواهر كلها, وما إليها في اللغة الإنسانية نشأتها وانتشارها وتطورها١.
وحماديّ القول: إن علم اللغة يتصل بكل طوائف العلوم؛ غير أن صلته بأفراد فصيلته، ونعني بها: العلوم الاجتماعية، أشد من صلته بالطوائف الأخرى, على أن ما يصدق على علم اللغة بهذا الصدد، يصدق على ما عداه من العلوم؛ فالمعارف الإنسانية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
هذا، وتشتد حاجة علم اللة إلى الطبيعة والفييولوجيا والتشريح واالأنتروبولوجيا في بحوثه الخاصة بالأصوات -شعبة الفونيتيك٢، على حين أن حاجته إلى الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا تشتد في بحوثه المتعلقة بالدلالة -شعبة السيمنتيك٣, والمتعلقة بحياة اللغة٤.. وما إلى ذلك.
стр. 37
٩- مناهج البحث في علم اللغة:
يراد بمناهج البحث الطرق التي يسير عليها العلماء في علاج المسائل, والتي يصلون بفضلها إلى ما يرمون إليه من أغراض, وقد تقدم لك أن العلوم تتفق جميعها في اتجاهاتها الأساسية وفي وجهة
стр. 38
نظرها إلى الظواهر التي تعالجها, وفي الأغراض العامة التي ترمي إليها من وراء دراستها, وقد كان لزامًا، وهي متفقة في هذه الأمور، أن تتحد فيها بعض مناهج البحث, ولذلك كان من بين مناهج البحث بعض طرق تستخدم في مختلف فروع العلوم, ويطلقون على هذه الطرق اسم "الطرق العامة", أو "مناهج البحث المشتركة".
ولكن لكل فرع منها موضوعات معينة, وأغراضًا يمتاز بها عما عداه من الفروع, وقد نجم عن هذا أن استخدم كل علم منها في دراسته -زيادة على الطرق العامة التي سبق ذكرها- طرقًا خاصةً به تتفق مع طبيعة موضوعاته, وتدعو إليها مميزات ظواهره, وما يرمى إليه من أغراض خاصة به.
ولكل شعبة من شعب العلم الواحد مسائل متميزة تختلف في بعض خواصها ومظاهرها عن مسائل الشعب الأخرى, ولذلك نرى أن العلم الواحد قد يستخدم في دراسته لموضوع من موضوعاته طرقًا لا يستخدمها، ولا ينبغي استخدامها، في موضوع آخر من العلم نفسه.
وعلى هذا السَّنَنِ سار علم اللغة في دراساته: فاستخدم طرقًا عامة يشترك فيها مع غيره من البحوث العلمية، واستخدم كذلك طرقًا خاصة به تقتضيها طبيعة الظواهر التي يعرض لدراستها ولا تتلاءم مع غيرها، وامتازت كل شعبة من شعبه عما عداها ببعض طرق دراسية تواتي طبيعة مسائلها, وتحقق أغراضها من أقرب سبيل.
وسنعرض بإيجاز فيما يلي لأهم هذه الطرق, معلقين على كلٍّ منها بما يوضح نوعها ونواحي استخدامها, ويبين منشأها وما بها من محاسن وعيوب.
الطريقة الأولى: طريقة الملاحظة المباشرة:
أي: التي لا يلتجأ فيها إلى التجارب, ولا تستخدم فيها الأجهزة،
стр. 39
بل يقتصر فيها على ملاحظة الظواهر اللغوية في حالاتها العادية، ولا يستعين فيها الباحث بغير حواسه وقواه العقلية.
وفي هذه الطريقة يشترك علم اللغة مع عدد كبير من العلوم الأخرى, وبخاصة العلوم الطبيعية, وهي أقدم طريقة استخدمها الباحثون في علم اللغة، ولا تزال إلى الآن من أهم طرقهم، وإليها يرجع الفضل في معظم ما وصلوا إليه. فعلى ضوء الملاظة استطاعوا أن يقسموا الظواهر اللغوية إلى أقسام متميزة, ويرجعوها إلى طوائف محددة, ويردوا الفروع إلى أصولها، فنظمت بذلك موضوعات العلم, ونسقت فروعه, وسهلت دارسته. وبفضل هذه الطريقة كذلك كشف العلماء عن كثير من الحقائق المتصلة بنشأة اللغة وحياتها وتطورها ووظائفها, والعلاقات التي تربط ظواهرها بعضها ببعض, والتي تربطها بما عداها, والقوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها.
وتنقسم الملاحظة أقسامًا كثيرة باعتبارات مختلفة:
فتنقسم باعبتار نوع الظواهر اللغوية التي تعالجها إلى قسمين: ملاحظة صوتية Phonetique, وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالصوت، وملاحظة دلالية semantique, وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة.
وتنقسم باعتبار نوع اللغات التي يتناولها البحث إلى قسمين: ملاحظة اللغات الحية، وملاحظة اللغات الميتة، أما ملاحظة اللغات الحية فسبيلها واضحة، وأما ملاحظة اللغات الميتة فتتحقق بالرجوع إلى ما وصل إلينا عنها في المؤلفات والوثائق والآثار ... وما إلى ذلك, وملاحظة اللغات الميتة كبيرة الأهمية في الدراسات اللغوية على العموم, وفي دراسة نشأة اللغات وتطورها على الخصوص؛ فلو اقتصر علماء اللغة على ملاحظة اللغات الحية لما وصلوا إلى شيء يعتدّ به بصدد التطور اللغوي، ولتعرضت بحوثهم وآراؤهم بهذا الصدد للزلل والاضطراب، وما كان يتاح لعلمهم في هذا الأمد القصير أن يصل إلى
стр. 40
ما وصل إليه من حقائق وقوانين تنتظم جميع الظواهر اللغوية, وذلك أن ارتقاء اللغات وتطورها لا تظهر آثارهما جليّةً واضحةً إلا بملاحظة مرحلة طويلة من مراحل التاريخ الإنساني، وهذا لا يتاح إلّا بدراسة اللغات الميتة من بطون الكتب والآثار. وقد بدأ علم اللغة بداءةً حسنة بهذا الصدد، فقد وجَّه الباحثون فيه منذ نشأته عناية كبيرة إلى دراسة اللغات الميتة القديمة، بل إن عناية القدامى منهم بملاحظة اللهجات الحية واللغات الحاضرة لم تكن شيئًا مذكورًا بجانب عنايتهم بدراسة ما دثر من اللغات١.
وتنقسم الملاحظة كذلك باعتبار تعلقها بشخص الملاحِظ -بكسر الحياء- أو بغيره إلى قسمين: أحدهما: الملاحظة الذاتية Subjective, وهي أن يلاحظ الباحث ما يصدر عنه هو من ظواهر لغوية, ويدون ملاحظاته ويحللها؛ ليصل على ضوئها إلى تحقيق ما يرمي إليه، أو أن يكلف شخصًا آخر أن يلاحظ ما يصدر عنه -عن ذلك الشخص الآخر- من ظواهر لغوية, ويطلب إليه أن يصفها له، فيدون هذا الوصف ويحلله ويوازنه بملاحظات أخرى, ويستخدمه في علاج ما تعنيه دراسته. وثانيهما: الملاحظة الخارجية Objectif, وهي ملاحظة الباحث لما يصدر عن شخص آخر من ظواهر لغوية, بدون أن يكون لهذا الشخص الآخر أي دخل في الملاحظة, وهذا القسم الأخير ينقسم هو نفسه قسمين: ملاحظة خارجية سلبية Passive، وملاحظة خارجية إيجابية Positeve؛ فالسلبية: هي ما يترك فيها الملاحَظ -بفتح الحاء- على حالته الطبيعية، بأن يقتصر الباحث على الاستماع إليه, وهو يتحدث حديثًا عاديًّا, والإيجابية: هي ما يعمل فيها الباحث على توجيه الشخص الذي تُجْرَى عليه الملاحظة وجهةً معينة، بأن يُلْقِي عليه أسئلة خاصة في الموضوعات التي يهمه بحثها؛ ليصل على ضوء إجاباته إلى الوقوف على ما يعنيه الوقوف عليه.
стр. 41
وقد أخذ علماء اللغة على طريقة الملاحظة بمختلف أنواعها مآخذ كثيرة، وتبين لهم نقصها في كثير من الشئون.
فكثير من العلماء لا يثقون بالملاحظة الذاتية -ملاحظة الباحث لما يصدر عنه هو من ظواهر لغوية- ويرتابون في كل ما يصل عن طريقها من حقائق, وذلك أنهم يرون أن قوى العقل في أثناء ملاحظة الإنسان لما يصدر عنه ويقوم به من ظواهر لغوية تكون موزعة مشتتة؛ فهي تشرف على إصدار الظواهر اللغوية, وتلاحظ في الوقت نفسه ما تصدره من هذه الظواهر, وتكون النتيجة أن كلا الأمرين -الاصدار والملاحظة- يكون ناقصًا غير طبيعيّ، لعدم تفرغ القوى العقلية له, ولاشتغالها بشيء آخر في أثناء قيامها به, هذا إذا لاحظ الباحث نفسه في أثناء قيامها بالظاهرة اللغوية، فإن ملاحظته في هذه الحالة تكون منصبَّةً على ما تستعيده ذاكرته من عناصر الظاهرة التي فرغ منها. وملاحظة كهذه لا يوثق بها؛ لأنه من المتعذر أن يتذكر الإنسان كل ما أصدره أو قام به تذكرًا صحيحًا لا نقض فيه ولا زيادة ولا تغيير ولا تبديل.
هذا إلى أن عزم الشخص على ملاحظة ما يصدر عنه من ظواهر لغوية، سواء أراد أن تجرى هذه الملاحظة في أثناء قيامه بالعمل, أو بعد فراغه منه، يحمله على توجيه قسط من انتباهه للعمل في أثناء صدوره, وتوجيه الانتباه لعمل من الأعمال العادية في أثناء صدوره يشوهه, ويجعله يصدر في صورة غير طبيعية. ألا ترى أنك لو حاولت أن تعرف مثلًا كيف تكتب أو كيف تمشي؛ لاعتراك اضطراب في أعصابك فتتشوه كتابتك وتتعثر في مشيتك؟
وكثيرًا ما يكون علماء اللغة متأثرين في أثناء ملاحظتهم لما يصدر عنهم من ظواهر لغوية ببعض مبادئ ونظريات، فمهما حاولوا الدقة في الملاحظة, فإن هذه المبادئ والنظريات تفسد عليهم أحكامهم, وتبعدها عن الحقيقة من حيث لا يشعرون.
стр. 42
وكثيرًا ما تغري الملاحظة الذاتية الباحثين بالتسرع في أحكامهم؛ فقد يكون بعض ما يصدر عنهم من ظواهر لغوية خاصًّا بهم, لا يشترك معهم فيه غيرهم من الأفراد؛ فالاقتصار على الملاحظة الذاتية في حالات كهذه يغرر بالباحثين, ويجعلهم ينظرون إلى أمور فردية نظرتهم إلى ظواهر عامة.
هذا إلى أن الفرد لا يمكن أن يمثل في حياته الفردية إلّا ناحية يسيرة من ظواهر لغته, فالاقتصار على الملاحظة الذاتية يجعل دائرة البحث ضيقة كل الضيق.
على أن ثَمَّ ظواهر لغوية كثيرة لا تمكن فيها مطلقًا الملاحظة الذاتية, ومن ذلك: الظواهر اللغوية في أدوار الطفولة الأولى, وذلك لأن الطفل لا يشعر بما يصدر عنه, وما يقوم به من ظواهر لغوية شعورًا دقيقًا, ولا يستطيع أن يصفه وصفًا يعتد به.
وقد دلت التجارب على خطأ الملاحظة الذاتية حتى في الظواهر اللغوية الداخلية التي لا يدركها بشكل مباشر إلّا المتكلم نفسه؛ كحركات اللسان مثلًا في أثناء النطق بصوت ما, فقد ظهر للباحثين بعد أن استخدموا الأجهزة الدقيقة في دراسة هذه الطائفة من الظواهر فساد كثير من النظريات القديمة التي كان مصدرها الملاحظة الذاتية.
وكثير من العلماء لا يطمئن كذلك إلى الملاحظة الخارجية في شكليها السلبي والإيجابي, أما شكلها السلبي فلبطئه وضآلة محصوله, فإذا اقتصر الباحث على ملاحظة الناس في حالاتهم العادية فقد ينقضي عمره قبل أن يتم له تحقيق مسألة لغوية واحدة, وأما شكلها الإيجابي فلأنه عرضة للزلل وخطأ التأويل. فقد لا يفهم الملاحظ -بفتح الحاء- حق الفهم ما يُلْقَى عليه من أسئلة فيجيب إجابات مضللة. هذا إلى أن شعوره بأن لغته موضوع ملاحظة يغير من اتجاهها, ويخرج بها عن حالاتها الطبيعية.
ووجهت كذلك اعتراضات كثيرة إلى الملاحظة الصوتية -ملاحظة
стр. 43
الظواهر اللغوية المتعلقة بالصوت. فقد أخذ كثير من العلماء على هذه الملاحظة أنها تعتمد على الأذن الإنسانية، وأن هذه الحاسة غير دقيقة في تمييز أنواع الصوت, وإدراك خصائصه.
ويزيد من فساد إدراكاتها ثلاثة أمور:
أحدها: تأثر السامع بالشكل الكتابي للكلمة، فلا يسمعها على الوجه الذي لفظت به، بل على الوجه الذي يتفق مع رسمها؛ فكثيرًا منا ينطق مثلًا بالعبارات الآتية على هذا النحو: "ضار لْعلوم", "مسألَ صعبَ جدًّا", "جر تلمصري", "صؤت جميل",ولكن يخيل لمن يسمعها إذا كان ملمًّا بالقراءة والكتابة أنه يسمعها على النحو الآتي: "دار العلوم", "مسالة صعبة جدًّا", "جريدة المصري", "صوته جميل". وذلك لتأثره في سماعها بالشكل الذي ترسم به.
وثانيها: أن السامع يوجه قسطًا كبيرًا من انتباهه في أثناء السماع إلى مدلول الكلمات والعبارات, ولا يعنى كثيرًا بإدراك الأصوات, وهذا الاتجاه الذي لا يستطيع أي سامع أن يتحرر منه تمام التحرر, يجعل إدراكه السمعي عرضة للزلل, فهو بمجرد أن يدرك معنى الكلمة، وذلك يتحقق بسماع بعض حروفها، وبمجرد أن يدرك معنى الجملة، وذلك يتحقق بإدراك بعض كلماتها، ينصرف عن سماع الباقي, فلا يدركه إدراكًا سمعيًّا صحيحًا. تعمد مثلًا تحريف بعض كلمات في جملة, وناقش السامع فيما سمعه، تر أنه لم يتبين هذا التحريف, قُلْ مثلًا لزائرٍ "ازًّيْ صِحَّتَ", فإنه يسمعها "ازاي صحتك", ولا يتبين حذفك لكاف الخطاب، وقل مثلًا في أثناء التحسر على شخص: "بسكين الراجل ده"، فإن المخاطب يسمعها "مسكين", ولا يفطن لاستبدال الباء بالميم.
وثالثها: أن غرابة الصوت على الأذن، أي: عدم إيلافها سماعه من قبل، يجعلها تدركه إدراكًا خاطئًا, ويظهر هذا من سماعك لكلمات
стр. 44
لغة أجنبية لا تعرفها، فإنك لاتكاد تتبين الأصوات التي سمعتها, ولاتستطيع إعادتها صحيحةً لأول مرة.
ولكن على الرغم من جميع هذه المآخذ، لا تزال طريقة الملاحظة المباشرة من أهم الطرق المستخدمة في علم اللغة, ومن أعمها نفعًا وأكثرها إنتاجًا, ولا يمكن لأية شعبة من شعبه الاستغناء عنها، بل إن بعض الشعب لا يواتيها في بحوثها إلّا هذه الطريقة١.
غير أن هذه الاعتراضات ترشدنا إلى اتخاذ احتياطات كثيرة بهذا الصدد؛ فمن ذلك:
١- أن الاقتصار على شكل واحد من أشكال الملاحظة المباشرة يعرض الباحث للزلل وخطل الرأي, فينبغي أن تتضافر جميع أشكال هذه الطريقة, ويدعم بعضها بعضًا ليسد ما في كلٍّ منها من نقص, ويصلح ما به من فساد, وذلك بأن نجمع بين الملاحظة الذاتية والملاحظة الخارجية السلبية والملاحظة الخارجية الإيجابية، ونتخذ في كلٍّ منها من وسائل الحيطة ما يكفل بعده عن مظانِّ الخطأ والريبة التي أشرنا إليها في الاعتراضات السابقة.
٢- وأنه من الخطأ الاقتصار على طريقة الملاحظة المباشرة في دراسة "الفونيتيك" -دراسة المظهر الصوتي في اللغة، بل الواجب أن تضم إليها طرق أخرى أدق منها في علاج هذه الظواهر، كطريقة الأجهزة والمقاييس التي سيأتي الكلام عنها.
٣- وأن استخدام هذه الطريقة في "الفونيتيك", يتطلب من الباحث أن يكون دقيق الاحساس مرهف السمع. وذلك لا يتحقق إلّا إذا عني بتربية هذه الحاسة, وأخذها في كل شئونها بالدقة, وعودها الضبط وقوة التمييز. فقد تستطيع حينئذ أن تقوم بما يعجز عن القيام
стр. 45
به أدق الأجهزة على أنها في حالاتها العادية قد بلغت في بعض إدراكاتها درجة من الدقة لم يبلغ مثلها بعد أي جهاز صناعي؛ فهي تدرك إحساسات سمعية كثيرة في آنٍ واحد وتميز بينها، وتستطيع أن تحس فروقًا لغوية دقيقة لا يقوى على تسجيلها أحدث جهاز, فقد يبلغ الشخص في إجادة لغة أجنبية درجة لا يستطيع معها أدق الأجهزة أن يسجل فرقًا بين نطقة ونطق أبنائها، ولكنه بمجرد أن يلفظ أمام أحدهم كلمات منها يدرك السامع من فوره أن المتكلم أجنبي, ويحس ما في أصواته من غرابة ومخالفة للمألوف. والقرى المتقاربة قد تتقارب لغات أهلها لدرجةٍ لا يقوى معها أيّ جهاز على تسجيل فرق بينها، ولكن بمجرد أن ينطق أحدهم أمام آخر ببعض كلمات, يستطيع السامع أن يدرك إن كان المتكلم من أهل قريته أو غيرها.
وخير طريقة تسهل عل الأذن القيام بوظائفها وتعودها الدقة في إدراكاتها، أن يأخذ نفسه بما يسمونه "الكتابة السمعية"، وذلك بأن يعنى بتدوين الكلمات عقب سماعه لها مباشرةً بالشكل الذي يتفق مع الأصوات التي لفظت بها, وبدون أن يدع لرسمها العادي أي أثر على نفسه في أثناء ذلك, ويتطلب هذا النوع من الكتابة حروف هجاء أكثر من حروف الهجاء المصطلح عليها, وذلك أنه في هجائنا العاديّ لا يوجد لكل صوت إلّا حرف واحد، مع أن هذا الصوت يختلف اختلافًا كبيرًا في شكله ونبرته وقوته ومدة النطق به ... باختلاف الكلمات والجمل, وباختلاف موقعه في الكلمة أو العبارة، ويختلف النطق به في كل حالة من هذه الحالات باختلاف الأفراد والمناطق ... وهلمّ جرَّا. وإليك مثلًا: اللام في الله: فإنها تارة ترقق "بالله مثلًا" وتارةً تفخم" والله وتالله مثلًا"، وأحيانًا لا يقف اللسان عندها, وأحيانا يتسمر صوتها مدة طويلة -إذا أراد السامع التأكيد في قسم مثلًا". ولا ينطق بها في قسم كما ينطق بها في غير القسم -فنطقك باللام في "والله" إذا كانت الواو عاطفة, ليس كنطقك بها إذا كانت واو قسم-. فينبغي في "الكتابة السمعية"
стр. 46
أن يكون لكلّ شكل من أشكال اللام حرف خاص يرمز إليه, وإليك مثلًا آخر حرف الجيم: فإن النطق به يختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف المناطق والأفراد, وباختلاف الكلمات؛ ففي العالم العربيّ وحده يوجد عدد كبير من أصوات الجيم, فالجيم المنقلبة عن قاف عربية يختلف النطق بها عن الجيم الأصلية، وكلتا الجيمين يختلف النطق بها باختلاف المناطق، فلكلٍّ من سكان الصعيد وسكان الدلتا والحجازيين واليمنيين والسوريين والبنانيين والعراقيين والمغاربة؛ فينطق كل جيم منها أسلوب صوتي خاصّ, يختلف عن أسلوب من عداهم، بل إن بلاد المنطقة الواحدة لتختلف أحيانًا بهذا الصدد فيما بينها اختلافًا غير يسير؛ فينبغي في "الكتابة السمعية" أن يكون لكلِّ شكل من أشكال الجيم حرف خاص يرمز إليه, وما قلناه في اللام والجيم يصدق على ما عداهما من الحروف.
الطريقة الثانية: طريقة الأجهزة في دراسة الفونيتيك "علم الأصوات"
إن عدم دقة الأذن الإنسانية في تمييز أنواع الصوت وخصائصه وإدراك نبراته وقياس قوته ومدته، والعوامل الكثيرة المحيطة بها والتي تجعل مدركاتها عرضة للزلل.. كل أولئك قد حمل علماء الفونيتيك -دراسة أصوات اللغة- على البحث عن وسيلة أخرى تبرأ من كل هذه العيوب، فاهتدوا إلى طريقة الأجهزة, وهي آلات تدار بطرق خاصة فلا تغادر صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بالصوت إلّا أحصتها وسجلتها بشكل تقاس باليد وتحسها العين، وتغني الباحث عن استخدام أذنه, وتقيه شر أخطائها، وتجعل بحوثه مبنية على أسس متينة صادقة لا يتطرق إليها الشك ولا يأتيها الباطل.
وترجع الحقائق التي ترشدنا إليها هذه الأجهزة إلى طائفتين مختلفتين: أحدهما تتعلق بطبيعة الأصوات، والأخرى تتعلق بمخارجها.
стр. 47
فبألتامل فيما تسجله هذه الأجهزة من العلامات الممثلة لنبرات الصوت وقوته ومدته, وما إلى ذلك نستطيع أن نقف على طبيعته، وبالتأمل فيما ينطبع فيها بصدد الأعضاء التي تلفظه, نستطيع أن نقف على مخارجه.
ومن ثَمَّ انقسمت طرقهم بهذا الصدد إلى طريقتين, لكلٍّ طريقة منهما أجهزة خاصة: أحداهما يسمونها طريقة "التدوين المباشر" Inscription diricti, وهي التي نقف بفضلها على مخارج الحروف، والأخرى يسمونها "طريقة العلامات" Methode Graphique, وهي التي نقف بفضلها على طبيعة الصوت.
أما طريقة "التدوين المباشر" فترمي إلى الوقوف على الأعضاء التي تشترك في لفظ صوت ما, وانتقالات كل عضو منها في أثناء لفظه، عن طريق أجهزة تترك فيها هذه الأعضاء وهذه الانتقالات أثرًا مباشرًا, وهذه الأجهزة كثيرة متنوعة؛ فمنها: "السقف الصناعي" وهو آلة على شكل سقف الحلق, يغطى ظاهرها بطبقة من الحكك أو ما شاكله, وتركب في الفم بحيث يكون باطنها ملصقًا بسقف الحلق، ويطلب إلى الشخص النطق بحرف من الحروف التي يشترك في لفظها اللسان وسقف الحلق, فعندما يتصل لسانه بسقف حلقه يترك في المادة الجيرية أثرًا. ومن هذا الأثر وموضعه من الجهاز يتبين للباحث، في صورة واضحة، المكان الذي يلتقي فيه اللسان بسقف الحلق في أثناء النطق بهذا الحرف.
وأما طريقة العلامات فهي أهم كثيرًا من الطريقة الأولى وأعظم منها فائدة, وأكبر أثرًا في تقدم هذا العلم، وهي ترمي إلى الوقوف على طبيعة الصوت, أي: على خواصه ومميزاته؛ من حيث نبرته وقوته ومدته ... وما إلى ذلك، عن طريق أجهزة تحس هذه الخواص وتسجلها بعلامات وخطوط دقيقة الدلالة بهذا الصدد. وذلك أنه بالتأمل في هذه الخطوط وقياسها, والنظر في اتجاهاتها, نستطيع أن نقف بطريقة مضبوطة
стр. 48
على مختلف الخواص المميزة للصوت الذي نختبره, وعلى مبلغ كل خاصة منها ودرجتها, وكل جهاز من هذه الأجهزة يشتمل على ثلاثة أجزاء:
١- الكاشف Explorateur، ويوضع على العضو الذي يراد دراسة حركته في أثناء النطق للوقوف على خاصة من خواص الصوت, ويختلف شكل الكاشف وتركيبه باختلاف الأعضاء التي يوضع عليها, وهو موضوع بطريقة تجعله يحسُّ إحساسًا دقيقًا كل ما يقوم به العضو من حركة مهما كانت ضئيلة.
٢- المدون Inscripteur, وهو على شكل قلم متصل بالكاشف، يتحرك حركات معينة تبعًا لحركات العضو التي يحسها الكاشف، ويخطّ في أثناء تحركه خطوطًا تمثل، في اتجاهاتها وأطوالها وأشكالها، حركات العضو.
٣- المسجل Enregistreur, وهي أسطوانة تدور حول محورها, يخط عليها المدون الخطوط السابق ذكرها، والغرض من دورانها أن تقع الخطوط منفصلة بعضها عن بعض.
ولكل جهاز من هذا النوع نظام خاص في سيره وتركيبه وحلّ رموزه، ويستخدم عدد كبير من هذه الأجهزة في وقت واحد في أثناء النطق، فيوضع جهاز على الرئة, وآخر على القلب, وثالث على القصبة الهوائية, ورابع على الحنجرة, وخامس على الأنف, وسادس على الفم ... وهلمَّ جرَّا. فعلى ضوء الخطوط التي تظهر في سجلات هذه الأجهزة نستطيع -بعد قياسها وحلّ رموزها- أن نقف على مختلف خواص الصوت الذي نجري عليه الاختبار, وأن نصفه وصفًا دقيقًا لا لبس فيه ولا إبهام.
هذا، وقد شاع تسمية البحوث القائمة على طريقة الأجهزة باسم "الفونيتيك التجريبي" Phonetique Experimentale, أي: دراسة
стр. 49
الصوت دراسة تجريبية، ولكن هذه التسمية غير صحيحة؛ لأننا لسنا بصدد تجارب أي تغيير الظروف العادية المحيطة بالظاهرة أو بالشخص الملاحظ، بل بصدد ملاحظة في ظروف طبيعية عادية، ولكن عن طريق أجهزة ومسجلات آلية لا عن طريق الأذن والحواس الإنسانية, حقًّا أن الباحث قد يلجأ أحيانًا إلى التجربة, أي: إلى تغيير الظروف المحيطة بالظاهرة أو بالشخص الملاحَظِ، ولكن هذا لم يحدث إلّا في حالات نادرة, لم نحصل منها على نتائج ذات بالٍ, ومهما يكن من شيءٍ, فلم تكن التجارب هي الغرض الأساسيّ الذي دعا إلى اختراع الأجهزة, وليست هي الغرض الأساسيّ الذي يدعو إلى استخدامها، وإنما أهم ما قصد من اختراعها وما يقصد من استعماله هو: ملاحظة الظواهر عن طريق آلة دقيقة، لا عن طريق الأذن التي كثيرًا ما تضلل الباحثين.
وقد مهَّد لهذا الأسلوب من البحوث العلامة ماري Marey باستخدامه أجهزة من هذا القبيل في "الفيزيولوجيا" -علم وظائف الأعضاء. ولكن أول من استخدمه في الظواهر اللغوية هو العلامة روسلو Rousselot، وكان ذلك عام ١٨٩٠, وهو الذي أطلق على البحوث القائمة على هذه الطريقة اسم "الفونيتيك التجريبي", أي: "علم الصوت التجريبي", ويلتمس له العذر في إطلاق هذا الاسم الخاطئ؛ ففي عصره كانت تطلق كلمة "التجريبي" على كل ما تستعمل فيه الأجهزة, ولو لم يكن للتجارب حظّ فيه.
الطريقة الثالثة: الطريقة التجريبية:
تقوم هذه الطريقة -كما أشير إلى ذلك فيما سبق- على تغيير الظروف العادية المحيطة بظاهرة لغوية ما, أو المحيطة بالشخص الذي تجرى عليه الملاحظة، بحيث يمكننا الوقوف من طريق سهل مختصر مأمون العواقب، على ما يتعذر الوقوف عليه في الظروف العادية, أو على ما يقتضينا الوقوف عليه في الظروف العادية إسرافًا في الوقت والمجهود.
стр. 50
وعلى هذه الطريقة تعتمد طائفة كبرة من العلوم الطبيعية؛ كالطبيعة والكيمياء والتاريخ الطبيعي, وما إلى ذلك, فأهم ما كشفه الباحثون في هذه العلوم يرجع الفضل فيه إلى الطريقة التجريبية, ولو أنهم اقتصروا على ملاحظة الظواهر في حالاتها العادية لما وصلوا إلى عشر معشار ما وصلوا إليه؛ فعالم الطبيعة مثلًا لا يكتفي فيما يتعلق بالجذب والكهربائية والمغناطيسية والضغط الجوي ... وما إلى ذلك, بملاحظة ظواهرها في حالاتها العادية، ولا ينتظر حتى تحدث الظاهرة التي يريد دراستها، بل يخلقها خلقًا في معمله, ويغير من الظروف المحيطة بها, ويختبر النتائج التي تنجم عن تجاربه، وعلى ضوء هذا كله يصل إلى كشف القوانين الخاضعة لها في مختلف أحوالها وأوضاعها.
أما العلوم الإنسانية، فلم تنتشر فيها هذه الطريقة انتشارًا كبيرًا, ولم يتجاوز استخدامها فيها دائرة ضيقة, وذلك أن معظم الظواهر التي تدرسها العلوم الإنسانية لا تواتيها طريقة التجارب, فليس في طاقة الباحث أن يخلق مثلًا نظامًا من النظم الاجتماعية, ويحوّر فيه وفي الظروف المحيطة به, وينظر إلى النتائج التي تنجم عن كل حالة من حالاته, كما يفعل هذا حيال ظاهرة جذب, أو حيال نبات, أو حيوان.
ولكن هذا لم يُثْنِ الباحثين في العلوم الإنسانية عن الانتفاع بهذه الطريقة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. فاستخدمت أولًا في علم النفس، وشاع استخدامها فيه حتى أصبحت الآن معظم الظواهر النفسية، من حفظ وذكر وانتباه وتداعي معان ... وما إلى ذلك، تدرس على النحو التجريبي الذي تدرس به الظواهر الطبيعية, ثم أخذ استخدامها منذ عهد قريب ينتشر في العلوم الاجتماعية, وخاصة علم اللغة.
وقد صادفت ميدانًا فسيحًا في شعبة "الفونيتيك", فلم يكتف الباحثون في هذه الشعبة بملاحظة الظواهر اللغوية في ظروفها العادية، بل لجئوا في مواطن كثيرة إلى التجارب، أي: إلى خلق الظواهر وإثارتها وتغيير أوضاعها والظروف المحيطة بها, والأشخاص الذين تجرى عليهم
стр. 51
الملاحظة, ووصلوا بفضل هذه الطريقة -على الرغم من قرب العهد بها- إلى كثير من النتائج بصدد العلاقة بين اللفظ والسمع، وأخطاء الأذن، والفرق بين الأصوات الغنائية والأصوات الكلامية، واختلاف النطق بالحروف باختلاف الأمم والمناطق وباختلاف السن، وتعلم اللغات الأجنبية، وكسب الطفل للغته، وتعليم الصم الكلام ... وهلمّ جرَّا. وينتظر أن يتسع نطاق هذه الطريقة في المستقبل, وأن يصل الباحثون على ضوئها إلى حلّ كثيرٍ من المشكلات الصوتية التي لا تزال قائمة إلى الآن.
وقد يصحب التجربة في هذه الشعبة استخدام الأجهزة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ولكن هذا ليس ضروريًّا؛ فالطريقة التجريبية تتحقق في كل حالة يحاول فيها الباحث تكوين ظاهرة لغوية أو إثارتها, ولو لم يستخدم في ذلك أيّ جهاز صناعي، كأن يطلب إلى الشخص الذي تُجْرَى عليه الملاحظة أن ينطق بكلمة ما، أو يغيّر من أوضاع حروفها, ويطلب إليه النطق بها, أو ينطق بها أمامه, ويطلب إليه تكرار ما سمعه.. وهلم جرا.
واستخدمت هذه الطريقة كذلك في الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة "السيمنتيك"، ووصل بفضلها العلماء إلى نتائج ذات بالٍ, وبخاصة في دراسة اللهجات واللغات العامية "الدياليكتولوجي", فلم يكتف الباحثون في هذه الناحية بملاحظة الأشخاص وهم يتحدثون في حالاتهم العادية، بل لجئوا كذلك إلى التجارب, أي: إثارة الظواهر اللغوية وتوجييها في النواحي التي تتيح لهم الوقوف على حقيقة أو استنباط قانون.
ومن الواضح أن تجارب هذه الشعبة لا مجال فيها لاستخدام الأجهزة, فمادة التجارب فيها لا تتجاوز الأسئلة والأجوبة، ووسائل إصدار الظواهر وتسجيلها وملاحظتها لا تتجاوز أعضاء الجسم والقوى العقلية, وذلك بأن يطلب الباحث مثلًا إلى الشخص الذي تُجْرَى
стр. 52
عليه الملاحظة أن يعبِّرَ عن معنًى, أو يصف مظهرًا, أو يذكر له كلمة, ويطلب إليه ذكر مترادفاتها, أو يريه شيئًا ويطلب إليه بيان اسمه, أو أسمائه في لغته، أو يعمل عملًا ويطلب إليه التعبير عما يدل عليه, أو ينطق أمامه بجملة صحيحة, ويطلب إليه تفسيرها بلغته العامية، أو بجملة خاطئة, ويطلب إليه أن يرشده إلى ما فيها من نقص بصدد الدلالة ... وهلمَّ جرَّا.
هذا، ولم يتح للطريقة التجريبية من ظروف النجاح والانتشار في علم اللغة ما أتيح لغيرها, فهي لا تزال تسير فيه بخطًى بطيئة، بل لا يزال بعض علمائه ينظرون إليها بعين الريبة, ولا يثقون كل الثقة بما تصل إليه من نتائج, وذلك أنهم يرون أن تغيير الظروف العادية المحيطة بظاهرة لغوية قد يخرج بها عن طبيعتها, ويصورها في غير صورتها الحقيقية، فيتعرض الباحث للخطأ في الحكم؛ إذ يلتبس عليه الطبيعي بالمتصنع.
ورأيهم هذا على ما فيه من مبالة في الشك، يرشدنا إلى ما يحف بهذ الطريقة من أخطار, والي وجوب استخدامها بقصد وحرص واتخاذ أقصى مايمكن اتخاذه من وسائل الحيطة لاتقاء الزلل واللبس؛ وللتمييز بين الطبيعي والمتصنع من أعمال الأفراد الذين تُجْرَى عليهم التجارب.
الطريقة الرابعة: طريقة قياس الغابر على الحاضر
ترشدنا الملاحظة إلى كثير من التطورات التي اعترت اللغات القديمة في مختلف مظاهرها؛ فقد اختلفت كل واحدة منها في أصواتها ودلالتها وقواعدها وأساليبها باختلاف عصورها, وباختلاف الأمم الناطقة بها, ومن الواضح أن عالم اللغة لا يقنع بتسجيل هذه التطورات ووصفها وصف المؤرخ الأمين، بل يبحث كذلك عن أسبابها, ويعمل على كشف العوامل التي أدت إليها.
ولما كان من الصعب الاهتداء بشكل مباشر إلى هذه الأسباب
стр. 53
والعوامل, لتعلقها بظواهر قد تقادم عليها العهد، استخدم العلماء للوصول إليها طرقًا غير مباشرة, ومن هذه الطرق "طريقة قياس الغابر على الحاضر". فللوقوف على أسباب مظهر من مظاهر التطور في لغة قديمة يبحثون عن تطور مشابه له في اللغات الحديثة, ويردسون أسبابه -وأسباب التطورات الحديثة لا يحتاج كشفها إلى كبير عناء لوضوح أثرها وقرب العد بها، ثم ينظرون إلى أيّ مدى يمكن أن تكون أسباب التطور القديم مشبهة لهذه الأسباب.
واستخدام هذه الطريقة في تطورات الدلالة "السيمنتيك" محفوف بالأخطار وعرضة للزلل, وذلك أن العوامل التي تؤدي إلى تطور اللغة في معاني كلماتها وقواعدها وأساليبها.. قلما تتحد في عصرين أو في لغتين؛ لأن معظمها يرجع إلى ظواهر اجتماعية وتاريخية وسياسية وجغرافية وثقافية.. وهلم جرا.. ومن الواضح أن هذه الطائفة من العوالم لا يمكن أن تتكرر بشكل واحد, ولا أن تتحد نتائجها في عصرين ولا في أمتين, فمن المجازفة إذن أن نعزو تطورًا دلاليًّا حدث في لغة قديمةٍ إلى عوامل مماثلة للعوامل التي أحدثت تطورًا يشبهه في لغة حديثة.
أما فيما يتعلق بالناحية الصوتية من اللغة "الفونيتيك", فلا ضير من استخدام هذه الطريقة، وذلك أن التطورات الصوتية يرجع معظمها إلى أمور تتعلق بأعضاء النطق، وطريقة أدائها لوظائفها، وتأثرها بالظواهر الجغرافية، وأساليب انتقالها بطريق الوراثة من الأصل إلى الفروع, وما إلى ذلك. وعوامل هذه طبيعتها قلما تختلف آثارها باختلاف العصور والأمم, فعلى ضوء العوامل التي أدت إلى تطور صوتي في لغة حديثة، نستطيع أن نصل إلى كشف العوالم التي أدت إلى تطور مشبه له في لغة قديمة.
الطريقة الخامسة: طريقة الوازنة Methode Comparative:
تقوم هذه الطريقة على الموازنة بين الظواهر اللغوية في طائفة
стр. 54
من اللغات لاستنباط خواصها المشتركة، وللوقوف على وجوه الاتفاق والخلاف في عواملها ونتائجها، وللوصول من وراء هذا كله إلى كشف القوانين العامة الخاضعة لها في مختلف مظاهرها.
ومع أهمية هذه الطريقة في دراسة علم اللغة، ومع أن العلماء قد وصلوا بفضلها إلى معظم ما وصلوا إليه من حقائقه، فإنها كثيرًا ما تكون عرضة للزلل والانحراف عن جادة الصواب, غير أن معظم الأخطاء بهذا الصدد لا يرجع في الحقيقة إلى الطريقة ذاتها، وإنما يرجع إلى سوء اسخدامها، وخاصة إلى نقص الاستقراء والتسرع في صوغ القوانين العامة؛ فقد يلاحظ الباحث مثلًا بصدد ظاهرة لغوية أنها قد حدثت في طائفة من اللغات على أثر بعض أمور، فيتعجل بوضع قانون عام يقرر فيه أن هذه الظاهرة نتيجة لازمة لهذ الأمور وحدها، مع أن الواقع قد يكون غير ذلك, فقد لا يكون بين هذه الظاهرة وتلك الأمور علاقة سبب بمسبب، وقد يظهر له إذا اتسع نطاق استقرائه أن الأمر بينهما لا يعدو مصاحبة اتفق حدوثها في بعض اللغات، وأن هذه الأمور قد حدثت في لغات أخرى بدون أن تحدث هذه الظاهرة، أو أن الظاهرة قد حدثت أحيانًا بدون أن تسبقها هذه الأمور, وقد يبدو له مثلًا تشابه في بعض الكلمات في لغتين؛ فيتسرع في الحكم عليهما بأنهما من فصيلة واحدة، مع أن الواقع قد يكون غير ذلك، فقد يكون سبب الاتفاق أن أحداهما قد اقتبست هذه الكلمات اقتباسًا من الأخرى, مع انتمائهما إلى فصيلتين مختلفتين، كما اقتبست السريانية عددًا كبيرًا من الكلمات الإغريقية، مع أن السريانية من فصيلة اللغات السامية, والإغريقية من فصلة اللغات الهندية -الأوربية، وكما اقتبست الفارسية الحديثة كلمات كثيرة من العربية، مع أن أولاهما من اللغات الآرية, وثانيتهما من اللغات السامية، وكما اقتبست التركية قسمًا كبيرًا من متن لغتها من العربية والفارسية، مع أنها من فصيلة غير فصيلتي العربية والفارسية، وهي الفصيلة التترية.
стр. 55
الطريقة السادسة: الطريقة الاستنباطية Methode dlnductiln
تستخدم هذه الطريقة للوقوف على علل الظواهر ونتائجها اللازمة, ولكشف علاقة السببية بين ظاهرتين أو أكثر.
وقد قسَّمها ستورت ميل أربع طرق؛ سماها طرق الاستنباط، ووضع لكل منها ضابطًا أو قانونًا خاصًّا بها، وهي:
طريقة التلامز في الوقوع: Methode de concordance, وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرةٍ بأنها علةٌ لظاهرة أخرى إذا ثبت بالمشاهدة أنه كلما وقعت الأولى وقعت الثانية.
وطريقة التلازم في التخلف: Methode de differecce, وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرة بأنها علة لظاهرة أخرى إذا ثبت بالملاحظة أنه إذا لم تقع أحداهما لم تقع الأخرى.
وطريقة التلازم في التغير: Methode des Vatriations Concomittavtes, وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرة بأنها علةٌ لظاهرة أخرى, إذا ثبت بالملاحظة أنه كلما حصل تغير في إحداهما صحبه تغير في الأخرى بنفس النسبة والقدر.
وطريقة البواقي: Methode des Residus, وهي التي يحكم بمقتضاها على حادثة من مجموعة حوادث بأنها علة لناحية من ظاهرة ما, إذا ثبت علميًّا التلازم بين مجموعة الحوادث وجميع نواحي الظاهرة, وثبت كذلك أن ما عدا هذه الحادية من المجموعة علةٌ لما عدا هذه الناحية من الظاهرة.
ولا يدخل في نطاق بحثنا شرح هذه الطرق ومناقشتها وبيان مدى صحة كل منها، فهذا كله موضعه كتب المنطق, والذي يهمنا تقريره هو أنه على الرغم من شيوع استخدام هذه الطرق في العلوم الطبيعية للوقوف على علل الظواهر ونتائجها اللازمة, ولكشف العلاقات
стр. 56
التي تربط بين ظاهرتين أو أكثر، فإن علماء اللغة لم يستخدموها لهذه الأغراض إلّا في حالات قليلة, وذلك أنه قد تبين لهم أن الطرق الثلاثة الأخيرة ليست مطردة في الظواهر اللغوية١, فاقتصروا على استخدام الطريقة الأولى وهي: "طريقة التلازم في الوقوع". فعند محاولتهم الوقوف -عن طريق الاستنباط- على العلاقة بين ظاهرتين لغويتين، أو ظاهرة لغوية من جهة وظاهرة اجتماعية أو نفسية أو فيزيولوجية ... من جهة أخرى، لا ينظرون إلّا إلى مبلغ التلازم في وقوعهما، فيستقرئون الحالات التي تبدو فيها كلتا الظاهرتين، فإذا تبين لهم أنه في كل حالة تبدو فيها إحداهما تظهر الأخرى, حكموا على اللاحقة منهما بأنها نتيجة للسابقة.
стр. 57
١٠- تاريخ البحوث اللغوية:
عرضنا في الفقرات السابقة لعلم اللغة في وضعه الأخير، وسنتكلم بإيجاز في هذه الفقرة عن المراحل التي اجتازتها البحوث اللغوية حتى وصلت إلى هذا الوضع، مقسمين موضوعنا قسمين: أحدهما: خاص بتاريخ هذه البحوث في الغرب، وثانيهما: خاصٌّ بتاريخها في اللغة العربية.
تاريخ البحوث اللغوية في الغرب:
ظلت البحوث اللغوية عند أمم أوروبا، حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي محصورة في دائرة ضيقة لا تعدو كثيرًا مسائل علوم البنية والتنظيم والأسلوب -المورفولوجيا والسنتيكس والستيليستيك- في أشكالها التعليمية١.
стр. 58
فلم يكن معظم العلماء ليعرضوا لغير هذه البحوث الثلاثة إلّا استطرادًا, وفي صورة ناقصة, وبطريقة تبعد كثيرًا عن مناهج البحث العلمي؛ فمن ذلك: بعض نظرات في أصوات اللغة -الفونيتيك- وردت في مؤلف لكورديموا Cordemoy ظهر في سنة ١٦٦٨، وبعض ملاحظات وتجارب على الصوت, قامت بها المدارس المنشأة في القرن الثامن لتعليم الصم البكم، وبعض آراء لسانت أوجيستان Saint Augustin بصدد تطور اللغة، وبعض آراء في أصول الكلمات الفرنسية والإيطالية والأسبانية -ايتيمولوجيا-١ لكلود فوشيه Claud Fauchet وبيريون Joachen Perion وهنري إتيان Henre Estienne وميناج Menage -الذي ألف سنة ١٦٥٠ معجمًا في أصول الكلمات الفرنسية, أودان Oudin وابنه، وبعض بحوث لغوية عامة خاصة قامت بها "الأكاديميات", "المجامع اللغوية" التي أنشئت في صدر العصور الحديثة؛ كالأكاديمية الفرنسية, والأكاديمية الأسبانية, وأكاديمية فلورنسا -أكاديمية كروسكا Crusca, وغيرها, وقام بها مؤلفو المعجمات الكبيرة ودوائر المعارف في هذا العصر.
وثَمَّ مظهر آخر لضيق البحوث اللغوية في هذه المرحلة، وذلك أنها كانت مقصورة على اللغتين الإغريقية واللاتينية, وبعض اللغات الأوربية الفصحى, فلم يكن للهجات الشعبية ولا لغير اللغات الأوربية في هذه المرحلة الطويلة حظ يعتد به من الدراسة٢.
وفي أواخر القرن الثامن عشر حدث بهذا الصدد نهضة كبيرة يرجع معظم الفضل فيها إلى كشف اللغة السنسكريتية Sanscrit وحل رموزها, فقد أزاح هذا الكشف الستار عما بين اللغات الهندية والإيرانية من
стр. 59
جهة, واللغات الإغريقية واللاتينية والجرمانية من جهة أخرى؛ من تشابه وصلات قرابة وروابط وثيقة, ومهد السبيل لإنشاء علوم القواعد التاريخية والمقارنة١، ووسَّع بذلك نطاق الدراسات اللغوية.
وكان من أشهر من افتتح هذه السبيل العلامة الألماني شليجيل Schlegel, فقد نبَّه أذهان العلماء إلى صلات التشابه الكثيرة التي تربط اللغات الأوربية والهندية الآرية بعضها ببعض؛ تلك اللغات التي رجعها العلماء من بعده إلى فصيلة واحدة سموها: "الفصيلة الهندية _ الأوربية" كما سيأتي بيان ذلك٢.
ومن ذلك الحين أخذ العلماء يدرسون هذه الفصيلة دراسة علمية عميقة, ويكشفون عما بين أفرادها من تشابه في أصول الكلمات, وفي قواعد الصرف والاشتقاق والتنظيم، فبلغوا بعلم "القواعد المقارن" شأوًا راقيًا. وكان من أنبه أفراد هذه الحلية ذكرًا وأجلهم أثرًا في هذه النهضة عالمان ألمانيان هما: بوب٣ Franz Bopp, وجريم٤ Jacques Louis Crimm.
وقد مهدت بحوث "علم القواعد المقارن" السبيل إلى بحوث "علم القواعد التاريخي"؛ فانتقل العلماء من الموازنة بين اللغات الهندية الأوربية إلى الموازنة بين مظاهر كل لغة منها في مراحلها المختلفة، ومن البحث في تفرع هذه اللغات بعضها من بعض, وتفرعها عن أصل واحد, إلى البحث في الطريقة التي تسلكها كل لغة منها على حدتها في تطورها وارتقائها من جميع نواحيها, وبخاصة من ناحية قواعدها, وكان مِن أشهر مَن افتتح هذا السبيل جاك لويس جريم
стр. 60
السابق ذكره, ودييز١ Friedrich, وبراشيه٢ Auguste Brachet, وقد استمدت هذه الدراسات اللغوية بعض موادها من بحوث في آداب اللغات الأوربية بالعصور الوسطى, قام بها قبيل ذلك العصر وفي أثنائه جماعة من مؤرخي الأدب، ومن أشهرهم: بولان باريس٣ Paulan Paris, وربنو آر٤ Francois Reynouar.
ثم انتقل البحث من هذه الدائرة المقصورة على اللغات الهندية -الأوربية إلى دائرة عامة ترمي إلى كشف القوانين التي تخضع لها كل لغة إنسانية في تطورها وارتقائها؛ من حيث أصواتها وقواعد تصريفها.. وما إلى ذلك, وق افتتح هذه الحلبة العلامة الألماني ماكس مولر٥ Max Muller, وتبعه كثيرون, من أشهرهم: العلامة الإنجليزي سيس٦ Archibald-Henry Sayce.
стр. 61
وقد كان لزامًا أن يصل العلماء في تعقبهم لأصول اللغات ومراحل ارتقائها إلى أقدم مرحلة للتعبير الإنساني، وأن يحاولوا الكشف عن منشأ اللغة في الفصيلة الإنسانية, وعن الأسس الأولى التي قام عليها التخاطب بالأصوات ذات الدلالات الوضعية, وقد استأثرت هذه المشكلة بقسط كبير من نشاطهم في منتصف القرن التاسع عشر، وانقسموا بصددها إلى فرق كثيرة -سيأتي الكلام عنها في الباب الأول من هذا الكتاب, ومن أشهر من عرض لهذا الموضوع: الفيكونت دوبونالد١ Viconte de Bonald وماكس مولر، وسيس، ورينان٢ Renan.
وفي أواخر القرن التاسع عشر, ظهر عند المشتغلين بالبحوث اللغوية اتجاهان هامَّان, كان لكل منهما أثر كبير في النهوض بهذا العلم.
الاتجاه الأول: يتمثل في جعل البحوث اللغوية بحوثًا علمية بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، وذلك بإخضاعها لمناهج البحث العلمي، وتوجيهها إلى الأغراض نفسها التي ترمي إليها العلوم، وجعل غايتها الأساسية الوصول إلى كشف القوانين الخاضعة لها الظواهر اللغوية ٣
стр. 62
وتخليصها من جميع المسائل الفلسفية التي لا يتفق منهج البحث فيها مع ما ينبغي أن تكون عليه مناهج البحث فثي العلوم, والتي لا يمكن الوصول فيها إلّا إلى فروض وآراء ظنية لا تسمو إلى درجة اليقين, ولا يطمئن إلى مثلها التحقيق العلمي.
وقد كان لهذا الاتجاه آثار جليلة في مختلف فروع هذا العلم؛ فبفضله وضحت حدود كل فرع منها ومناهجه، وهذبت أساليبه وطرق دراسته، واجتذب إليه عددًا كبيرًا من أعلام الباحثين، فكثر الإنتاج ورقي نوعه, وكان من آثاره كذلك أن انصرف العلماء عن البحث في موضوع نشأة اللغة, وتركوا دراسته للفلاسفة والميتافيزيقيين -الباحثين فيما وراء الطبيعة١.
ويرجع الفض في توكيد هذا الاتجاه إلى مدرسة ألمانية الأصل, أطلق على أفرادها اسم: "المحدثين من علماء القواعد" Neo-Grammairiens, فقد ذهبت هذه المدرسة إلى جبرية الظواهر اللغوية، فقررت أن هذه الظواهر لا تسير وفقًا لإرادة الأفراد, أو تبعًا للأهواء والمصادفات، وإنما تسير وفقًا لقوانين لا يستطيع الفرد إلى تعويقها أو تغييرها سبيلًا، ولا تقل في ثباتها وصرامتها واطرادها وعدم قابليتها للتخلف عن النواميس الخاضعة لها ظواهر الفلك والطبيعة٢، وأن واجب الباحث في هذه الظواهر ينبغي أن ينحصر في تحليلها لكشف القوانين الخاضعة لها, ومن أشهر أفراد هذه الدراسة: ليسكين Leskien, وبروجمان Brugmann, وأستوف Ostof, وهرمان بول Hermann Paul, ودلبروك Belbruck.
وقد لقي مذهبهم هذا في مبدأ أمره مقاومة كبيرة من طوائف كثيرة, وبخاصة من ثلاث طوائف:
стр. 63
إحداها: "المدرسة الإيطالية" التي كان العلامة أسكولي Ascoli من أبرز أعضائها, فقد ذهبت هذه المدرسة في تعليل كثير من الظواهر اللغوية مذهبًا يختلف عن آراء المحدثين من علماء القواعد، ولا يتفق في بعض مظاهره مع القول بجبرية الظواهر اللغوية.
وثانيتها: "المدرسة الإنجليزية" التي كان الأستاذان سيس Sayce وسويت Sweet الإنجليزيان, والعلامة جيسبرسن Jespersen الدانيمركي من أظهر ممثليها, فقد أنكرت هذه المدرسة جبرية الظواهر اللغوية, وذهبت إلى أن جميع هذه الظواهر بما في ذلك التطورات الصوتية نفسها, ترجع أهم أسبابها إلى أمور يقوم بها الأفراد, وتنتشر عن طريق التقليد١, ولعل هذه المدرسة قد تأثرت فيما ذهبت إليه بنظرية العلامة الفرنسي جبرائيل تارد Tarde, الذي يذهب إلى أن جميع الظواهر الاجتماعية فردية المنشأة وتصبح اجتماعية عن طريق التقليد٢.
وثالثتها: طائفة يمثلها العلامة الفرنسي بريال Breal, فقد سلمت هذ الطائفة، مع شيء من التحفظ، بمذهب الجبرية فيما يتعلق بظواهر الصوت "موضوع الفونيتيك"، ولكنها خالفت هذا المذهب فيما يتعلق بظواهر الدلالة "موضوع السيمنتيك"، فذهبت إلى أن كل التغيرات التي تحدث في مدلولات اللغة عبارة عن إصلاحات مقصودة أو شبه مقصودة, تعتمد على جهود يقوم به الناطقون بهذه اللغة, وتسير بها دائمًا إلى حيث الكمال، وأن من أهم هذه الجهود
стр. 64
ما يبذله الأدباء والكُتَّاب في كل عصر للنهوض باللغة١.
والاتجاه الثاني: يتمثل في التخصص في دراسة فرع واحد أو بعض مسائل من فرع من بحوث اللغة, ولذلك انصرف المحدثون من علماء اللغة عما كان يحاوله القدامى من معالجة جميع المسائل، وآثر كلٌّ منهم التفرع لناحية من البحوث اللغوية, وكان لهذا الاتجاه فضل كبير في النهوض بمختلف شعب هذا العلم.
ومن بين هذه الشعب, خمس شعب اتسع نطاق البحث فيها اتساعًا كبيرًا في هذا العصر، وتخصص في دراستها كثير من العلماء, واستأثرت بقسطٍ وافر من نشاطهم، فوصلت إلى شأو عظيم في النضج والكمال بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا في المراحل السابقة، وهي: الفونيتيك" Phonetique, أو دراسة اللهجات العامية٣، و"السيكولوجيا اللغوية" Psychologie Linguistique, أو علم النفس اللغوي، وهو دراسة العلاقة بين الظواهر اللغوية والظواهر النفسية بمختلف أنواعها, وبيان أثر كل منها في الآخر٤، "والسيمنتيك" Semantique, أو دراسة اللغة من ناحية الدلالة٥، و"السوسيولوجيا اللغوية" Sociologie Linguistique, أو علم الاجتماع اللغوي، وهو دراسة العلاقة بين اللغة والظواهر الاجتماعية, وبيان أثر المجتمع ونظمه وتاريخه وتركيبه وبنيته ... في مختلف الظواهر اللغوية٦.
стр. 65
١- أما شعبة "الفونيتيك", فيرجع الفضل في النهوض بها إلى طائفة كبيرة من العلماء في أواخر القرن التاسع عشر, وأوائل القرن العشرين, وخاصة مدرسة "المحدثين من علماء القواعد Neo-Grammairiens, التي سبقت الإشارة إليها١. فقد وجد أعضاء هذه المدرسة في مسائل "الفونيتيك"، ما يؤيد مذهبهم في "جبرية الظواهر اللغوية٢"، فخصّوا هذه الشعبة بعنايتهم, ووجهوا نحوها قسطًا كبيرًا من جهودهم، فبلغوا بها شأوًا راقيًا, وكشفوا عن الأسباب الصحيحة التي يرجع إليها تطور الأصوات اللغوية, ومن أشهر المبرزين في هذه الحلبة من أعضاء هذه المدرسة وغيرهم:
ليسكين Leskien, وبروجمان Brugmann, وأستوف Ostoff, وهرمان -بول Hermann-Paul. وأربعتهم من أقدم الأعضاء الألمان لمدرسة "المحدثين من علماء القواعد", وإلى رابعهم يرجع النصيب الأكبر من الفضل في توجيه الأنظار إلى أثر التغيرات الجسمية الخاصة بأعضاء النطق في تطور اللغة من ناحيتها الصوتية, وقد مهَّد بذلك السبيل إلى علم الفونيتيك التجريبي, الذي أشرنا إليه فيما سبق٣.
وحاستون باريس Caston Paris, وهو أول فرنسي فكَّر في إنشاء معمل للتجارب المتعلقة بدراسة الأصوات, وقد أنشأه بالكوليج دو فرانس College de France, وإلى جهوده العظيمة في دراسة تطور الأصوات في اللغات الرومانية -وهي اللغات المتفرعة من اللاتينية- يرجع أكبر قسط من الفضل في النهوض بهذه الشعبة, وفي تأييد نظرية "المحدثين من علماء القواعد".
وبول باسي Paul Passy, الذي تُعَدُّ بحوثه في التطورات الصوتية وعواملها من أجل ما ألف في هذه الشعبة٤.
стр. 66
وروسلو Rousselot، وهو أول من استخدم الآلات في دراسة الصوت، وأنشأ بذلك الشعبة الشهيرة التي سماها: "الفونيتيك التجريبي"١, ويرجع الفضل في توجيه روسلو هذا الاتجاه الجديد إلى الأساتذة ماري Marey, وهرمان بول Hermann Paul, وجاستون باريس Gaston Paris, كما سبقت الإشارة إلى ذلك٢.
٢- وأما الدياليكتولوجيا، أو دراسة اللهجات الشعبية واللغات العامية، فقد كان مهملًا كل الإهمال قبل أواخر القرن التاسع عشر لأسباب كثيرة؛ منها أن العلماء كانوا يحاربون اللغات العامية, ويرون فيها مصدر خطر على الأدب, كما سبقت الإشارة إلى ذلك٣، ومنها أنهم وجدوا في اللغات الفصيحة وفي اللغات القديمة مجالًا واسعًا للبحث استأثر بكل نشاطهم، ومنها أن دراسة اللغات الشعبية والعامية كانت تتطلب الأسفار والرحلات والاختلاط بسكان الريف، وعلماء اللغة في ذلك العصر كانوا يؤثرون الدراسة الهادئة في المكاتب والتنقيب في بطون المؤلفات.
ولم تبد العناية بهذه الشعبة إلّا منذ عهد قريب، ولكنها خطَّت في هذا الأمد الوجيز خطوات واسعة حتى كادت تلحق الفروع الأخرى بل سبقت بعضها, ويرجع الفضل في النهوض بها إلى طائفة من أعلام الباحثين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ من أشهرهم:
"جاستون باريس": الذي سبقت الإشارة إليه بين المبرزين من علماء الفونيتيك, وهو أول فرنسيّ نادى بوجوب دراسة اللهجات الشعبية واللغات العامية, وقد أنشأ بمعهد الدراسات العالية بفرنسا
стр. 67
Ecole Pratique des Hautes Etudes قسمًا خاصًّا لهذه الشعبة، وإليه يرجع الفضل في تمهيد الطريق لدراسة كثير من اللغات الشعبية الفرنسية.
والإيطاليان "كورنو" و"أسكولي" Cornu et Ascoli, اللذان تعد مؤلفاتهما في هذه الشعبة من أجَلِّ البحوث.
والأساتذة الفرنسيون: "تورتولون" Tourtoulon, و"برنجييه" Bringuiet, و"أنطوان توماس" Antoine Tomas, و"ألبرت دوزا" Albert Dauzat, الذين كان لجهودهم المشكورة في دراسة اللغات الشعبية الأوربية، وبخاصة اللغات الرومانية -وهي المتفرقة من اللاتينية- واللهجات الفرنسية، أثر كبير في النهوض بهذه الشعبة١.
وأشهر من هؤلاء جميعًا عالمان اقتسما بينهما دراسة "الدياليكتولوجيا"؛ فعني أحدهما بناحيتها الصوتية "الفونيتيكة", وهو الأب روسلو, الذي سبقت الإشارة إليه أكثر من مرة، وعني الآخر بناحيتها الدلالية "السيمنتيكية", وهو العلامة جيليرون Gillieron.
ثم انتشر الاشتغال بهذه الشعبة بين جميع علماء "الفونيتيك" وجميع علماء "السيمنتيك", وذلك لما تبين لهم من أهمتيها في دراستهم, وقد أصبح الآن من المتعذر أن يدرس أيّ موضوع لغوي بدون الاستعانة بهذه الشعبة.
٣- وأما علم النفس اللغوي Psychologie Lingistique, فقد تضافر على النهوض به عوامل كثيرة، من أهمها اتساع البحوث المتعلقة بكسب الطفل للغة, وارتقاء الدراسات الخاصة بأمراض اللغة "الأفازيا Aphasie".
стр. 68
فقد كثرت الإصابات بهذه الأمراض في أثناء الحرب العالمية الأولى بين الجنود وغيرهم، فأتاح هذا فرصًا واسعة للبحوث والتجارب في هذه السبيل, وقد ظهر للعلماء على ضوء هذه الدراسات قوة الصلة التي تربط مظاهر اللغة بمختلف المظاهر العقلية، وتبين لهم أن كل دراسة لغوية لا تقوم على دراسة القوى النفسية, وكل دراسة نفسية لا تقوم على دراسة اللغة تكون ناقصة مبتورة، قليلة الجدوى، فاسدة النتائج؛ فعكف علماء النفس وعلماء اللغة على دراسة "علم النفس اللغوي"، وجعله كل فريق منهم شعبة مستقلة من بحوث علمه، وتوفر على دراسته عدد كبير من أعلامهم؛ فبلغوا به شأوًا راقيًا في النضج والكمال, ومن أشهر من برز فيه الأساتذة: ريبو١ Ribo, وبالي٢ Bally, وبولان٣ Paulgan, وبوردون٤ Bourdon, وبرونو٥ Brunot, وجويوم٦ Guillaume, وفان جينيكين٧ Van Ginnken, وباولو فيتش٨ Pavlovitch, وبياجيه٩ piaget, وسان -بول١٠ Saint-Paule, وسيجلاس Segla١١, والعلامة فرديك جارلاندا١٢ Frederic Garlanda, وأستاذي المأسوف عليه العلامة هنري دولاكروا Henri Delacroix, عميد كلية الآداب بجامعة السربون, وأستاذ علم النفس بها سابقًا؛ فقد وقف قسطًا كبيرًا من جهوده
стр. 69
العلمية على هذه الشعبة, وقام فيها ببحوث قيّمة، ألقى بعضها علينا في جامعة السربون، ونشر بعضها في كثير من المجلات النفسية والفلسفية، وضمن كثيرًا منها كتابه الشهير: "اللغة والتفكير"١ Le Lengage et La Pensee.
٤- وأما "السيمنتيك" أي: "دراسة اللغة من ناحية الدلالة" فقد كان لنهضة الشعب الثلاث السابقة أثر كبير في الارتقاء به من ناحيتي الطريقة والمادة, فقد تهذبت طريقته تحت تأثير "الفونيتيك"، واتسعت مادته وكثر إنتاجه بفضل دراسات "الدياليكتولوجيا" "علم اللهجات" و"علم النفس اللغوي".
وذلك أن علماءه قد أعجبوا بالاتجاه العلمي الذي نحا إليه زملاؤهم علماء "الفونيتيك", والذي أشرنا إليه فيما سبق٢, فأخذوا يسيرون على غرارهم, ويختطون لأنفسهم في علاج مسائل الدلالة خططًا جديدةً أدنى إلى الكمال, وأقرب إلى مناهج البحث العلمي، فأهملوا جميع الطرق التي يسيطر عليها النظر الفلسفي ولا تؤدي إلى نتائج يقينية، واستخدموا زيادة على طريق الملاحظة التي كان يقتصر عليها كثير من القدامى، طرقًا حديثة أخرى؛ كطريقة التجارب وقياس الغابر على الحاضر, والموازنة, والاستنباط٣، واتخذوا في جميع هذه الطرق من وسائل الحيطة ما يكفل عصمتها من الزلل, ويبعد بها عن مظانِّ الانحراف؛ فأتيح بذلك لمناهج البحث السيمنتيكي ما أتيح لمناهج البحث الفونيتيكي من وسائل الرقي والتهذيب.
وكما ارتقت طريقة الدراسة في هذه الشعبة، اتسعت مادتها وكثر إنتاجها، وكان ذلك بفضل بحوث "الدياليكتولوجيا" -دراسة اللهجات العامية, وبحوث "علم النفس اللغوي", فقد قدمت "الدياليكتولوجيا" مادة وفيرة لعلماء السيمنتيك, وكشفت لهم عن
стр. 70
آفاق واسعة كانت مجهولة من قبل، وحلّت لهم كثيرًا من المشكلات التي استعصى حلها عن القدامى منهم, وقد تبين لهم على ضوء "علم النفس اللغوي" أن أهم العوامل التي تتأثر بها اللغة من ناحية الدلالة ترجع إلى أمور نفسية، وأن كشف القوانين الخاضعة لها ظواهر شعبتهم يتوقف على الإلمام بمختلف العلاقات التي تربط الظواهر اللغوية بظواهر علم النفس، فاتجهوا إلى هذا العلم يستمدون منه المعونة من جهة, ويعملون على تهذيبه وتكملته وربط مسائله ببحوث شعبتهم من جهة أخرى، فأفاد من جهوهم أيَّمَا فائدة، وأصابت شعبتهم بفضله حظًّا كبيرًا من النهوض والكمال.
هذا، ومن أظهر علماء السيمنتيك أثرًا في هذه النهضة: من الإنجليز: العلامة "وتنى"١ Withney، ومن الفرنسيين: "دار مستيتير" Arsene Darmesteter٢ , و"بريال"٣ Michel Breal, وألبير دوزا١ Albert Dauzat، ومن الإيطاليين: "كروس" Croce، ومن الألمان: فونت Wundt, وثام Thumb, ومارب Marbe.
٥- وأما "علم الاجتماع اللغوي" Sociologie Linguistique, فقد تضافر على النهوض به "أعضاء المدرسة الاجتماعية الفرنسية Ecoles Sociologiques Francaise, التي أنشأها العلامة دوركايم Durkheim, في أوائل القرن الحاضر٥, وطائفة من أئمة علماء
стр. 71
اللغة انضمت إلى هذه الدراسة واعتنقت مذهبها، ومن أشهرهم: الأساتذة دوسوسور De Saussure, ومييه Meillet, وفندريس Vendryes.
وترمي هذه البحوث كما تقدّم١ إلى بيان العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية, وأثر المجتمع وحضارته ونظمه وتاريخه وتركيبه وبنيته في مختلف الظواهر اللغوية.
وإلى هذه الشعبة تحتاج جميع الشعب الأخرى من علم اللغة, وذلك أن نشأة اللغة الإنسانية والأدوار التي اجتازتها، وحياة كل لغة, وما يطرأ عليها من غنًى وفقر، وقوة وضعف، وسعة وضيق، وانقسامها إلى فنون وإلى لهجات، وما تقوم به من صراع مع غيرها، وما ينجم عن هذا الصراع، والتطورات التي تحدث في أصواتها ومعانيها وأساليبها وقواعدها ... كل أولئك وما إليه ترجع أهم عوامله إلى ظواهر اجتماعية؛ فموضوعات البحوث التي نحن بصددها تمتزج بجميع فروع علم اللغة وتفسر ظواهرها.
غير أن علماء الاجتماع الذين أشرنا إليهم, ومن نهج نهجهم, قد أخذوا على قدامى الباحثين من علماء اللغة, وعلى أعضاء مدرسة "المحدثين من علماء القواعد"٢ تقصيرهم في بيان العلاقة بين الظواهر اللغوية والظواهر الاجتماعية، وانحرافهم أحيانًا عن جادة الصواب في هذه السبيل، وتفسيره لكثير من ظواهر اللغة، وخاصة الظواهر الصوتية تفسيرًا خاطئًا يبعد بها عن المجتمع وشئونه, فعملوا على سد هذا النقص وإصلاح هذه الأخطاء، فأنشئوا فرعًا خاصًّا سموه: "علم الاجتماع اللغوي", أو "السوسيولوجيا اللغوية" Sociologie Linguistique, توفروا فيه على كشف العلاقات التي تربط بين الظواهر اللغوية ومختلف الظواهر الاجتماعية؛ فنهضوا بالدراسات اللغوية نهضة مشكورة, وقد زادهم قوة انضمام عدد كبير من أئمة علماء اللغة إليهم
стр. 72
"كفرديناند دوسوسور" Ferdivnand De Saussure, الذي وقف قسطًا كبيرًا من جهوده العلمية على هذه البحوث١, والأستاذ فندريس Vendryes, الذي نشر رسائل قيمة في هذا الفرع في كثير من المجلات العلمية, وعرج في مؤلفاته على كثير من مسائله٢، والعلامة "مييه" Meillet, الذي تعد مؤلفاته من أهم مراجع علم اللغة في العصر الحاضر, ومن أوسعها نطاقًا, وأدقها بحثًا٣, وقد جرت العاة أن يطلق على هذه الطائفة من اللغويين اسم: "علماء اللغة المحدثين" Neo-Linguistes.
وقد أوغل بعض أفراد هذه الطائفة، كالعلامة دوسوسور، في الانتصار لنظريتهم, حتى كاد ينكر أن لغير العوامل الاجتماعية أثرًا في شئون اللغة، فانبرى للرد عليهم طائفة من الباحثين في "علم النفس اللغوي", على رأسها المأسوف عليه دولاكروا٤ Delacroix.
стр. 73
وطائفة من "علماء اللغة", على رأسها العلامة دوزا١ Dauzat، فعادت هذه المناقشات على علم اللغة بأحسن النتائج وأطيب الثمرات٢.
تاريخ البحوث اللغوية في الثقافة العربية:
ترجع أهم البحوث اللغوية في الثقافة العربية إلى الفروع الآتية:
١- النحو والصرف: أما النحو فكان الغرض الأساسي منه في مبدأ الأمر ضبط القواعد التي يسير عليها إعراب المفردات؛ ليسهل تعلمها وتعليمها, واحتذاؤها في الحديث والكتابة، ولتعصم الناس من اللحن الذي أخذ يتفشى منذ صدر الإسلام, من جرّاء تطور اللغة واختلاط العرب بالعجم, ثم أخذ نطاق هذ العلم يتسع قليلًا قليلًا, وأخذ علماؤه يعرضون لكثير من الموضوعات المتصلة بأجزاء الجملة وترتيبها، وأثر كل جزء منها في الآخر، وعلاقة هذه الأجزاء بعضها ببعض، وطريقة ربطها، وأنواع الجمل، وعلاقة الجمل التي تتألف منها العبارة بعضها ببعض، وأقسام الكلمة، وأنواع كل قسم منها، ووظيفته في الدلالة، حتى شمل جميع البحوث التي يطلق الفرنجة على مثلها اسم "السنتكس التعليمي"، أي: "علم التنظيم التعليمي"٣.
وأما الصرف فموضوعه ضبط القواعد المتصلة بأوزان الكلمات العربية واشتقاقها وتصريفها, وتغير أبنيتها بتغير المعنى, وما يتصل بذلك من البحوث التي يطلق الفرنجة على مثلها اسم "المورفولوجيا التعليمية", أي: "علم البنية التعليمي٤.
وقد كانت العناية في المبدأ مقصورة على البحوث النحوية، وظل الأمر كذلك حتى أواخر القرن الأول الهجري, ثم أخذ العلماء يعالجون
стр. 74
بعض مسائل الصرف استطرادًا, وفي خلال دراستهم لمسائل النحو, ثم أخذت مسائل الصرف تنفصل شيئًا فشيئًا عن مسائل النحو، وتدرس على حدة، حتى تَكَوَّنَ منها علم متميز, غير أن هذا العلم لم يستقل تمام الاستقلال عن النحو, فلا تزال طائفة كبيرة من مسائله ممتزجة بالنحو, ولم ينفك الباحثون إلى عهد قريب ينظرون إلى الشعبتين نظرتهم إلى علم واحد, ويعالجون مسائلهما في مؤلفات واحدة١.
ويرجع الفضل في النهوض بهاتين الشعبتين إلى عدد كبير من أعلام الباحثين بالبصرة والكوفة وبغداد ومصر وغيرها في العصرين الأموي والعباسي، ومن أشهرهم: أبو الأسود الدؤلي -واضع النحو بإرشاد الإمام علي بن أبي طالب, وعنبسة الفيل، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وميمون الأقرن، وعبد الله ابن إسحاق الحضرمي، والأخفش الأكبر، وأبو عمرو بن العلاء, وجميع هؤلاء من قدامى الباحثين من البصريين، ولم يصل إلينا شيء يعتد به من مؤلفاتهم, وعيسى بن عمر الثقفي, وكان على رأس جماعة يرجع إليه الفضل في نقل هذا العلم إلى الكوفة، ويقال: إنه ألف في نحو البصريين أكثر من سبعين مجلدًا منها كتابا "الجامع" و"الإكمال", ولكن لم يصل إلينا شيء يعتد به من مؤلفاته, وأبو جعفر الرؤاسي, صاحب كتاب "الفيصل" في نحو الكوفيين، وأبو مسلم معاذ الهراء, وكلاهما من قدامى الباحثين من الكوفيين, والخليل بن أحمد الذي يرجع إلى جهوده القيمة, ومؤلفاته الجليلة, وعبقريته النادرة, أكبر قسط من الفضل في النهوض بهاتين الشعبتين وغيرهما من شعب البحوث اللسانية, وأعضاء مدرسة المحدثين من البصريين الذي كان على رأسهم سيبويه -أشهر أئمة النحو وصاحب "الكتاب"، الذي صار إمامًا لكل الباحثين من بعده، ثم الأخفش الأوسط -شارح "كتاب" سيبويه.
стр. 75
ثم أبو علي الفارسي, وأبو القاسم الزجاج, وقد كتب كلاهما كتبًا مختصرة للمتعلمين يحذو فيها حذو سيبويه، ثم المازني والسجستاني ثم المبرد, ومدرسة المحدثين من الكوفيين الذين كان على رأسهم الكسائي ثم الفراء, صاحب كتاب "الحدود"، ثم ابن السكيت وابن سلام، ثم ثعلب, وقد حدث بين هذه المدرسة ومدرسة المحدثين من البصريين خلاف في طائفة كبيرة من المسائل, وفي إعراب كثير من آي القرآن، ونشأت بينهما مساجلات طريفة, فاضت بها كتب الأخبار, وابن خالويه صاحب "كتاب ليس" و"رسالة في إعراب ثلاثين سورة من القرآن"، وابن جني "صاحب كتب "سر الصناعة" في النحو, و"شرح تصريف المازني" و"اللمع" في النحو, و"المحتسب" في إعراب الشواذ، و"علل التثنية".. وغيرها, وجماعة المتأخرين الذين جاءوا بمذهبهم في الاختصار والاستيعاب لجميع أبواب العلم، فوضعوا أهم كتب النحو والصرف, وأكملها وأدقها وأكثرها تهذيبًا وتنقيحًا، ومن أشهرهم: الزمخشري "صاحب "المفصل" في النحو, وابن الحاجب "صاحب "الكافية" و"الشافية" في النحو والصرف، وابن معطي "صاحب ألفية في النحو"، وابن مالك "صاحب كتاب "التسهيل" و"الكافية الشافية" و"الألفية" الشهيرة"، وعز الدين الزنجاني, صاحب كتاب "تصريف العزى"، والسكاكي "صاحب كتاب "مفتاح العلوم" في النحو والصرف والبلاغة والعروض، وابن هشام, صاحب كتب "القطر" و"التوضيح" و"الشذور" و"المغني" ... وغيرها, وهو أكثر المتأخرين مؤلفات وأدقهم بحثًا١.
٣- علوم البلاغة، التي تشمل ثلاثة بحوث: المعاني, وموضوعه: بيان ما ينبغي أن يكون عليه الأسلوب العربي ليطابق مقتضى الحال