كثيرًا في التقليد اللغوي, وفي كسب لغته عن الأطفال العاديين١, ولو كانت عملية التقليد عملية آلية أو منعكسة على الوجه الذي يراه لودانتك, ما حال هذا الخمول دون تحققها، ولظهرت كلما وجد مثيرها السمعي بدون توقف على عزم ولا إرادة ولا نشاط حيوي.
стр. 177
مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة الغة الإنسانية وتطورها
...
٧- مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة اللغة الإنسانية وتطورها:
يذهب كثير من العلماء إلى أن المراحل التي يجتازها الطفل في أي فرع من فروع حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا الفرع L ُ ontogenese reproduit la phylogenese. ويطلق على هذه النظرية اسم نظرية التلخيص أو نظرية هيكل ١Hacekel.
وعلى هذه النظرية اعتمد كثير من علماء اللغة في تأييد آرائهم بصدد نشأة اللغة الإنسانية وتطورها.
وقد تكلمنا بتفصيل في الباب الأول عن أهم هذه الآراء وناقشناها٢, فحسبنا هنا أن نشير إليها مبينين وجه اعتمادها على الظواهر المتعلقة بتطور اللغة عن الطفل.
١- تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد نشأت من أنواع التعبير الطبيعي، وأن الإنسان قد افتتح هذا السبيل بمحاكاة أصواته الطبيعية "أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعال" وأصوات الحيوان والأشياء٣.
стр. 178
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية, أن الطريق الذي ترسمه لنشأة الإنسانية يتفق مع الطريق الذي يسكله الطفل في تعبيره.
فقد ظهر مما تقدَّم أن أول ما يظهر من أنواع التعبير المقصود عند الطفل محاكاة التعبير عن الانفعال، ثم تظهر بعده محاكاة أصوات الحيوان والأشياء, للدلالة على مصادرها أو على أمور تتعلق بها, ثم تظهر بعدهما محاكاة الكلمات١.
٢- تقدَّم أن معظم علماء اللغة يذهبون إلى أن الكلام الإنساني كان يعتمد في المبدأ اعتمادًا كبيرًا على الإشارات اليدوية والجسمية التي كانت تصحبه فتكمل ناقصه وتوضح مدلوله وتمثل حقائقه، ثم أخذ يستغني شيئًا فشيئًا عن هذا المساعد, حتى كاد يستقل بالتعبير٣.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن المراحل التي ترسمها تتفق مع المراحل التي تسير فيه لغة الطفل، فقد ظهر مما تقدم أن الطفل، في مبدأ مرحلته الكلامية، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على لغة الإشارات؛ فيمزجها بلغته الصوتية لتحديد مدلولاتها, وتوضيح مبهمها, وتكلمة نقصها, وتمثيل حقائقها٣.
٣- تقدَّم أن بعض العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية اجتازت فيما يتعلق بتطور أصواتها، ثلاث مراحل: "مرحلة الصراخ" التي كانت فيها أصوات اللغة شبيهة بأصوات الحيوان والأشياء ومظاهر الطبيعية، ثم "مرحلة المد" وفيها ظهرت أصوات اللين في اللغة الإنسانية, ثم "مرحلة المقاطع" وفيها ظهرت الأصوات الساكنة٤.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن
стр. 179
المراحل التي تذهب إليها بصدد التطور الصوتي في اللغة الإنسانية تتفق مع المراحل التي يجتازها الطفل في هذه السبيل؛ فقد ظهر مما تقدم أن أول أصوات تظهر لدى الطفل هي الأصوات المبهمة، ثم تتلوها أصوات اللين، وأن الأصوات ذات المقاطع لا تكثر في لغته إلّا في "مرحلة التمرينات النطقية"١.
٤- تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد بدأت بألفاظ دالة على معانٍ جزئية، وأن الألفاظ الدالة على المعاني الكلية لم تظهر إلّا بعد ارتقاء اللغة ونهضة التفكير الإنساني٢.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون في تأييد نظريتهم أنها تتفق مع مراحل التطور اللغوي عند الطفل, فقد تبين مما تقدَّم أن أول كلمات تظهر عند الطفل هي أسماء الذوات الحسية، ثم تظهر بعدها الكلمات الدالة على معانٍ كلية٣.
٥- تقدَّم أن بعض علماء اللغة يذهبون إلى أن الصفة هي أول ما ظهر في الكلام الإنساني، ثم ظهرت أسماء الذوات, ثم الأفعال، واختتمت مراحل الارتقاء بظهور الحروف٤.
ومما يعتمد عليه هؤلاء العلماء في تأييد نظريتهم, موضوع التطور اللغوي عند الطفل, غير أن هذا التطور لا يؤيدهم فيما يتعلق بأسبقية الصفات على أسماء الذوات، فقد ظهر مما تقدم أن أسماء الذوات هي أول ما يظهر في لغة الطفل, ثم تتلوها الأفعال والصفات٥.
ولذلك يعتمدون في هذه النقطة على أمور تتعلق بأصول الكلمات
стр. 180
في اللغات الهندية-الأوربية, كما سبقت الإشارة إلى ذلك١. ويرون من جهة أخرى أن أسبقية الأسماء على الصفات في الطفولة ليست عامة عند جميع الأطفال، بل إن بعضهم ليفتتح نطقه بكلمات دالة على صفات، ولا تظهر لديه الأسماء إلّا فيما بعد, وفي ذلك يقول العلامة بريبر Preyer: "ليس صحيحًا ما يذهب إليه كثير من الباحثين من أن ظهور الأسماء سابق لظهور الصفات عند جميع الأطفال, فقد لاحظت أن أول كلمة لفظها ابني -وكانت سنه إذا ذاك ثلاثة وعشرين شهرًا- كانت صفة، فقد قال chaud=Hess أي: ساخن -للتعبير عن أن لبنه ساخن لا يستطيع شربه، ثم ظهرت لديه الأسماء بعد ذلك", وقد لاحظ العلامة تين Taine وآخرون بعض ظواهر من هذا القبيل٢.
٦- تقدَّم أن العلامة شليجيل وأعضاء مدرسته, يذهبون إلى أن اللغات الإنسانية الأولى كانت "عازلة" أي: لا تتصرف فيها الكلمات, ولا ترتبط فيها عناصر الجملة بعضها ببعض بروابط ملفوظة٣.
ومن الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد نظريتهم تطور اللغة عند الطفل؛ فقد ظهر مما تقدم أن لغة الطفل تبدو في أوائل مرحلة التقليد عارية من الصرف والاشتقاق والتنظيم وربط عناصر الجملة بعضها ببعض٤.
стр. 181
الباب الثاني: حياة اللغة
مدخل
...
الباب الثاني: حياة اللغة:
يرجع أهم ما يعتور اللغة في حياتها إلى الأمور الآتية:
تفرعها إلى لهجات ولغات، ونشأة فصائل وشعب لغوية من جراء هذا التفرع، وصراع اللغة مع لغة أو لغات أخرى، وتطور اللغة العام، وتطورها من ناحية الأصوات، وتطورها من ناحية الدلالة.
وسنعقد لكل موضوع من هذه الموضوعات الستة فصلًا على حدة.
стр. 182
الفصل الأول: تفرع اللغة إلى لهجات ولغات ١
١- انتشار اللغة وأسبابه:
تختلف اللغات الإنسانية في مبلغ انتشارها اختلافًا كبيرًا؛ فمنها ما تتاح لها فرص مواتية، فتنتشر في مناطق واسعة من الأرض، ويتكلم بها عدد كبير من الأمم الإنسانية، كما حدث للاتينية والعربية في العصور القديمة والوسطى، وللإنجليزية والأسبانية والبرتغالية والفرنسية والألمانية والتركية في العصور الحديثة, ومنها ما تسد أمامه المسالك، فيقضى عليه أن يظل حبيسًا في منطقة ضيقة من الأرض, وفئة قليلة من الناس، كما حدث للأينو٢ والسكينة٣ والليتونية٤, ومنها ما يكون حاله وسطًا بين هذا وذاك, فلا تتسع مناطقه كل السعة, ولا تضيق كل الضيق، كما هو شأن الحبشية والفارسية.
هذا ولانتشار اللغة أسباب كثيرة يرجع أهمها إلى ما يلي:
стр. 183
١- أن تشتبك اللغة في صراعٍ مع لغة أو لغات أخرى، وتقضي نواميس الصراع اللغوي التي سنتكلم عليها في الفصل الثالث من هذا الباب، أن يكتب لها النصر، فتحتل مناطق اللغة أو اللغات المقهورة، فيتسع بذلك مدى انتشارها، وتدخل أمم جديدة في عداد الناطقين بها؛ كما حدث للاتينية في العصور القديمة؛ إذ تغلبت على اللغات الأصلية لإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وبلاد الجول Le Gaule "فرنسا وما إليها" والألب الوسطى والأليريا١ Illyrie، فأصبحت لغة الحديث والكتابة في منطقة واسعة في القسم الجنوبي الغربي من أوروبا، بعد أن كانت قديمًا مقصورة على منطقة ضيقة وسط إيطاليا، هي منطقة اللاتيوم Latium، وكما حدث للغة العربية؛ إذ تغلبت على كثير من اللغات السامية الأخرى وعلى اللغات القبطية، والبربرية، والكوشتة، حتى بلغ الآن عدد الناطقين بها نحو مائة مليون ينتمون إلى نحو خمس عشرة أمة، بعد أن كانوا قديمًا لا يتجاوزون بضعة آلاف يقطنون منطقة ضيقة في الجنوب الغربي من بلاد العرب، وكما حدث للألمانية؛ إذ طغت على مساحة واسعة من المناطق المجاورة لها بأوربا الوسطى بألمانيا، وسويسرا، وتشيكوسلوفاكيا، وبولونيا، والنمسا ... إلخ، وقضت على لهجاتها الأولى، فأصبحت الآن لغة الحديث والكتابة لنحو ١٠٠ مليون من سكان أوربا, بعد أن كانت قديمًا مقصورة على بعض المقاطعات الألمانية، وكما حدث للفرنسية؛ إذ انتشرت في قسم من سويسرا وبلجيا، وللإيطالية؛ إذ انتشرت في قسم من سويسرا٢.
٢- أن ينتشر أفراد شعب ما -على أثر هجرة أو استعمار- في مناطق جديدة بعيدة عن أوطانهم الأولى، وتتكون من سلالتهم بهذه المناطق أمة أو أمم متميزة كثيرة السكان، فيتسع بذلك مدى انتشار لغتهم، وتتعدد الجماعات الناطقة بها ويكثر أفرادها, والأمثلة على ذلك كثيرة في العصور الحديثة, فقد نجم عن استعمار الإنجليز
стр. 184
السكسون لأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا١, أن انتشرت الإنجليزية في هذه المناطق الشاسعة، فبلغ عدد الناطقين بها نحو ثلثمائة مليون, موزعين على مختلف قارات الأرض، بعد أن كانت قديمًا محصورة في منطقة ضيقة من الجزر البريطانية, ونجم عن الاستعمار الأسباني في الدنيا الجديدة, أن أصبحت الأسبانية لغة بلاد المكسيك وجزر الفلبين وجميع دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية٢, ما عدا البرازيل، فبلغ عدد الناطقين بها نحو مائة وخمسين مليونًا ينتمون إلى نحو خمس عشرة أمة، بعد أن كانت محصورة في منطقة ضيقة في الجنوب الغربي من أوربا, ونجم عن الاستعمار البرتغالي في الدنيا الجديدة وأفريقيا والأوقيانوسية, أن أصبحت البرتغالية لغة سكان البرازيل بأمريكا الجنوبية، وسكان المستعمرات البرتغالية بأفريقيا, وجزر المحيط الهندي، فبلغ عدد الناطقين بها نحو مائة مليون ينتمون إلى عدة أمم، بعد أن كانت محصورة في منطقة ضيقة من بلاد البرتغال نفسها, وقد نجم عن هجرة الفرنسيين إلى قسم من كندا أن أصبحت الفرنسية لغة لهذا القسم.
٣- أن يتاح لجماعة ما أسباب مواتية للنمو الطبيعي في أوطانها الأصلية نفسها، فيأخذ عدد أفرادها وطوائفها في الزيادة المطردة،
стр. 185
وتنشط حركة العمران في بلادها، فتكثر فيها المدن والقرى، وتتعدد الأقاليم والمناطق، فيتسع تبعًا لذلك نطاق لغتها ومدى انتشارها، كما حدث لليابانية والفرنسية والإيطالية؛ فبفضل هذا العامل بلغ عدد الناطقين باليابانية ما يزيد على ٧٠ مليونًا١، وبفضله كذلك مع مساعدة العاملين السابقين، بلغ عدد الناطقين بالفرنسية نحو ٧٠ مليونًا٢، وبالإيطالية نحو ٤٥ مليونًا٣، وبفضل هذا العامل مع مساعدة العامل الثاني من العوامل السابقة, بلغ عدد الناطقين بالتركية نحو سبعين مليونًا٤.
стр. 186
٢- تفرع اللغة إلى لهجات ولغات نتيجة لازمة لسعة انتشارها:
متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر من العوامل السابق ذكرها، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد, وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدًا طويلًا, فلا تلبث أن تنشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجًا يختلف عن منهج غيرها, ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة
стр. 187
غير مفهومة إلّا لأهلها, وبذلك يتولد عن اللغة الأولى فصيلة أو شعبة من اللغات يختلف أفرادها بعضها عن بعض في كثير من الوجوه، ولكنها تظل مع ذلك متفقة في وجوه أخرى؛ إذ يترك الأصل الأول في كل منها آثارًا تنطق بما بينها من صلات قرابة ولحمة نسب لغوي, وكثيرًا ما يبقى الأصل الأول مدة ما لغة أدب وكتابة بين الشعوب الناطقة باللغات المتفرعة منه، ولكنه لا يلبث أن يتنحى عن ذلك بعد ن يكتمل نمو هذه اللغات.
ولهذا القانون خضعت اللغات الإنسانية من مبدأ نشأتها إلى العصر الحاضر.
فاللغة "الهندية-الأوربية" الأولى قد انشعبت في ضحى الإنسانية إلى مجموعات كثيرة، وكل مجموعة منها تفرعت إلى عدة طوائف، وكل طائفة منها انقسمت إلى شعب، وكل شعبة إلى لغات ... وهكذا دواليك١. ومثل هذا حدث للغة "السامية-الحامية" الأولى٢, ولجميع الفصائل اللغوية الأخرى٣.
وقد شهدت عصورنا التاريخية نفسها كثيرًا هذا القانون؛ فاللغة اللاتينية، وهي إحدى لغات الفرع الإيطالي المنشعب من الهندية-الأوربية، قد أخذت هي نفسها، في أواخر العصور القديمة وفي العصور الوسطى، تنشعب إلى عدد كبير من اللهجات، وأخذت كل لهجة من هذه اللهجات تسلك في سبيل تطورها منهجًا يختلف عن منهج أخواتها, حتى انفصلت عنها انفصالًا تامًّا، وأصبحت لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلّا لأهلها, وقد بقيت اللاتينية مدة ما لغة أدب وكتابة بين الشعوب الناطقة باللغات المتفرعة منها "الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية، والبرتغالية، لغة رومانيا ... "، ولكنها لم تلبث أن تنحت عن ذلك بعد أن اكتمل نمو هذه اللغات.
стр. 188
والعصر الحاضر نفسه يشهد كثيرًا من آثار هذا القانون؛ فلانتشار اللغة الأسبانية في مناطق واسعة من الأرض، ولاختلاف الطوائف المتكلمة بها، أخذت تفقد وحدتها، فانشعبت عنها في أمريكا الجنوبية لهجات كثيرة تختلف كل منه عن الأسبانية الأصلية اختلافًا غير يسير في كلماتها وأصواتها، بل إن بعض هذه الهجات أخذ يختلف عن الأسبانية الأصلية في القواعد نفسها١, ومثل هذا حدث بين البرتغالية في البرتغال والبرتغالية في البرازيل، فقد وصل الخلاف بينهما إلى القواعد نفسها, بل إلى شكل كذلك٢, وهذا هو ما يحدث الآن للإنجليزية والألمانية, فقد أخذت إنجليزية الولايات المتحدة بأمريكا تختلف عن إنجليزية الجزر البريطانية في كثير من المفردات وأساليب النطق٣, وأخذت ألمانية سويسرا تبتعد عن أصلها, ويزداد تأثرها بجارتها الفرنسية حتى توشك أن تكون لهجة متميزة عن ألمانية الألمان, وقد اتسعت مسافة الخلف بين اللهجات المنشعبة عن العربية حتى أصبح بعضها شبه غريب عن بعض؛ فلهجة العراق ولهجات شمال إفريقيا في العصر الحاضر مثلًا يجد المصري بعض الصعوبة في فهمها, غير أنه قد خفف
стр. 189
من أثر هذا الانقسام اللغوي بقاء العربية الأولى بين هذه الشعوب لغة أدب وكتابة ودين.
والعامل الرئيسي في تفرع اللغة إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها, غير أن هذا العامل لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر، بل يتيح الفرصة لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة, وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر أن أهمها يرجع إلى الطوائف الآتية:
١- عوامل اجتماعية سياسية: تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض, وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها ويوثق ما بينها من علاقات, وذلك أن اتساع الدولة، وكثرة المناطق التابعة لها، واختلاف الشعوب الخاضعة لنفوذها ... كل ذلك يؤدي غالبًا إلى ضعف سلطانها المركزي، وتفككها من الناحية الساسية، وانقسامها إلى دويلات أو دول مستقل بعضها عن بعض, وغنيٌّ عن البيان أن انفصام الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصام الوحدة الفكرية واللغوية.
٢- عوامل اجتماعية نفسية أدبية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق النظم الاجتماعية والعرف والتقاليد والعادات ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان, فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
٣- عوامل جغرافية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة؛ من فروق في الجو وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها ... وما إلى ذلك، وفيما يفصل كل منطقة عن غيرها من جبال وأنهار وبحار وبحيرات ... وهلم جرا. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي، عاجلًا أو آجلًا، إلى فروق وفواصل في اللغات.
٤- عوامل شعبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من
стр. 190
فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها, والأصول التي انحدروا منها, فمن الواضح أن لهذه الفروق آثارًا بليغة في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
٥- عوامل جسمية فيزيولوجية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق١, فمن المحال مع فروق كهذه، أن تظل اللغة محتفظة بوحدتها الأولى أمدًا طويلًا.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شئونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية والنفسية، وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية، كل ذلك وما إليه, يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في الواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجًا يختلف عن منهج أخواتها، فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد، حتى تصبح كل لهجة مها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلّا لأهلها.
ويبدأ الخلاف بين هذه اللهجات من ناحيتين: إحداهما الناحية المتعلقة بالصوت، فتختلف الأصوات "الحروف" التي تتألف منها الكلمة الواحدة، وتختلف طريقة النطق بها تبعًا لاختلاف اللهجات، والأخرى الناحية المتعلقة بدلالة المفردات، فتختلف معاني بعض الكلمات باختلاف الجماعات الناطقة بها.
أما القواعد La Grammaire سواء في ذلك ما يتعلق منها بالبنية
стр. 191
"المورفولوجيا"١, أو ما يتعلق بالتنظيم "السنتكس"٢، فلا ينالها في المبدأ كثير من التغيير, وإليك مثلًا اللهجات العامية التي انشعبت عن العربية بالعراق والشام والحجاز واليمن وبلاد المغرب ومصر والسودان، فإنه لا يوجد بينها إلّا فروق ضئيلة في نظام تكوين الجملة وتغيير البنية وقواعد الاشتقاق، والجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير ... وما إلى ذلك، على حين أن مسافة الخلف بينها في الناحيتين الصوتية والدلالية قد بلغت حدًّا جعل بعضها شبه غريب على بعض, كما سبقت الإشارة إلى ذلك٣.
ولكن هذه الواحدة في القواعد لا تقوى فى مقاومة عوامل التفريق إلّا لأجل معلوم، ثم تهن قواها وتستسلم لهذه العوامل فيصيبها منها ما أصاب الصوت والدلالة من قبل, وحينئذ تقوى وجوه الخلاف بين اللهجات، وتبدأ مرحلة تحولها إلى لغات مستقلة، ولا تنفك تذهب حثيثًا في هذا الطريق حتى تبلغ غايته.
غير أنه ييقى بها -على الرغم من هذا كله- وجوه شبه قريبة أو بعيدة في أصول المفردات وبعض مظاهر القواعد العامة, وإليك مثلًا طوائف اللغات الهندية-الأوربية، فعلى الرغم من استحكام ما بينها من حلقات الخلاف، فإن الأصل الأول قد ترك في كل منها آثارًا تنطق بما بينها من صلات قرابة وتشهد بتفرعها عن أرومة واحدة.
ومن هذا يتبين أن اللغة لا تموت حتف أنفها, فما لم تصرعها لغة أخرى على الوجوه التي سيأتي شرحها في الفصل الثالث، لا يتطرق إليها الفناء, وخلودها هذا يبدو في أحد مظهرين: فأحيانا تحتفظ بوحدتها، وذلك إذا ظلت حبيسة على منطقة ضيقة وفئة قليلة، وأحيانًا
стр. 192
تنشعب إلى لهجات ولغات، ولذلك إذا انتشرت في مساحات شاسعة من الأرض وتكلم بها طوائف مختلفات من الناس.
ومن ثَمَّ يظهر كذلك خطأ من يحاولون علاج تعدد اللغات بإنشاء لغة عالمية "اسبرانتو Esperanto" يتحدث بها الناس من مختلف الأمم والعصور, وذلك أن هذه اللغة الصناعية على فرض إمكان اختراعها وإلزام الناس باستخدامها١، لا تلبث بعد تداولها على الألسنة أن تخضع لجميع القوانين التي تخضع لها اللغات الطبيعية, والتي خضعت لها أول لغة تكلم بها الإنسان؛ فمادام أفراد الأمم الناطقة بها مختلفين في أصولهم الشعبية, وفي التكوين الطبيعي لجسومهم وأعضاء نطقهم، وفي الظروف الجغرافية والطبيعية والاجتماعية المحيطة بهم، وفي قواهم الإدراكية والوجدانية, ومادامت سنة الطبيعة تقتضي أن يختلف كل جيل على الجيل السابق له في كل هذه الأمور, فلا بد أن تختلف هذه اللغة الصناعية في كلماتها وأصواتها ودلالاتها وقواعدها.. باختلاف العصور, وباختلاف الشعوب الناطقة بها، وتنقسم إلى لهجات تختلف كل واحدة منها عما عداها، وتتفرع مها لهجات عامية، وتتسع الهوة بين لهجاتها قليلًَا قليلًا حتى تنفصل كل لهجة منها عما عداها انفصالًا تامًّا, وتصبح غير مفهومة إلّا لأهلها, شأنها في ذلك شأن غيرها من اللغات, وهكذا لا يمضي زمن قصير أو طويل حتى تتولد من هذا العلاج المشكلة نفسها التي يحاولون القضاء عليها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ, إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... ﴾ ، و ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِين﴾ ٢.
стр. 193
٣- اللهجات المحلية وصراعها بعضها مع بعض ١:
يترتب على القانون السابق أن تختلف اللهجات في الأمة الواحدة تبعًا لاختلاف أقاليمها, وما يحيط بكل إقليم منها من ظروف, وما يمتاز به أهله من خصائص, وقد جرت عادة علماء اللغة أن يطلقوا على هذا النوع من اللهجات اسم اللهجات المحلية Dialectes Locaux, وتختلف هذه اللهجات بعضها عن بعض اختلافًا كبيرًا في المساحة التي يشغلها كل منها؛ فمنها ما يشغل مقاطعة كاملة من مقاطعات الدولة، ومنها ما تضيق منطقته فلا تشمل إلّا بضع قرى متقاربة، ومنها ما يكون وسطًا بين هذا وذاك. وكثيرًا ما تختلف هذه المناطق اللغوية في حدودها عن المناطق المصطلح عليها في التقسيم الإداري والسياسي؛ فقد تقسم القرى التي تتألف منها منطقة لغوية واحدة بين محافظتين أو أكثر، وقد يجتمع في محافظة واحدة أو مركز واحد عدد كبير من المناطق اللغوية, ولدينا نحن المصريين على ذلك شواهد كثيرة في مختلف أقاليم الصعيد والوجه البحري.
وتعمل كل لهجة من اللهجات المحلية على الاحتفاظ بشخصيتها وكيانها، فلا تدخر وسعًا في محاربة عوامل الابتداع والتغيير في داخل منطقتها، ولا تألو جهدًا في درء ما يوجه إليها من خارجها من هجمات.
أما محاربة عوامل الابتداع في داخل منطقتها, فتتم بفضل العلاقات الوثيقة التي تربط الناطقين بها بعضهم ببعض, وتربطهم ببيئتهم ومجتمعهم, وذلك أنه بقوة هذه العلاقات يقوى الضمير الجمعي، وتتأكد سيطرة النظم الاجتماعية، ويعظم نفوذها، ويشتد بطشها بالمعتدين, فكل محاولة فردية للخروج على النظام اللغوي تلقى في مجتمع قوي كهذا
стр. 194
مقاومة عنيفة تكفل القضاء عليها في مهدها, وبذلك تتقي اللهجة ما عسى أن يوجه إليها في داخل منطقتها من محاولات الابتداع وعوامل التغيير.
وأما حمايتها من اللهجات المجاورة لها, فيرجع الفضل فيها إلى ضعف الصلات التي تربط أهلها بمجاوريهم، وقلة فرص احتكاكهم بهم, وما يبدونه في العادة من نزوع إلى العزلة والاستقلال, ويظهر هذا على الأخص في البيئات الزراعية التي تقل فيها وسائل المواصلات, وتضعف حركة انتقال الأفراد، ويكاد سكان كل منطقة يعيشون في معزل عن سكان المناطق الأخرى. حقًّا أن تزوج بعض الرجال في هذه البيئات إلى نساء من غير مناطقهم، وهجرة بعض الأفراد من بلادهم إلى البلاد المجاورة لها، كل ذلك وما إليه يجلب إلى البلد عناصر أجنبية عنه, ولكن قلة عدد من يفد من الأجانب عن هذه الطرق وما شاكلها, وانتماءهم في الأصل إلى مناطق لغوية مختلفة، ودخولهم البلد فرادى, وفي أزمنة متباعدة، وعدم وجود رابطة تربطهم بعضهم ببعض، وإقامة كل منهم بين مجموعة من الناس تختلف لهجة أفرادها عن لهجته، وما يبديه أهل المنطقة حيال لهجاتهم من سخرية وازدراء، وصعوبة فهم حديثهم أحيانًا ... كل ذلك وما إليه لا يحول دون تأثر لهجة البلد بلهجاتهم فحسب، بل من شأنه كذلك أن يحملهم على محاكاة لسان المنطقة التي يقيمون فيها, وأما البيئات التجارية والصناعية والساحلية التي يكثر في العادة احتكاك أهلها بغيرهم، فيرجع الفضل في حماية لهجاتها إلى قلة عدد الأجانب بالنسبة إلى سكانها الأصليين، وانتمائهم إلى مناطق لغوية مختلفة، وعدم وجود رابطة تربطهم بعضهم ببعض، وقصر مدة إقامتهم؛ لأن معظمهم يفد إلى البلد في شئون لا تقتضيه إلّا إقامة ساعات أو أيام.
غير أنه قد يتاح أحيانًا للهجة محلية فرص للاحتكاك الدائم بلهجة أخرى من أخواتها, وحينئذ تشتبك اللهجتان في صراعٍ أهلي لا يختلف
стр. 195
كثيرًا في مظاهره وطرقه عن الصراع الذي ينشب بين لغتين مختلفتين, والذي سنعالجه في الفصل الثالث.
وينتهي هذا الصراع إلى إحدى نتيجتين؛ فأحيانًا لا تكاد إحدى اللهجتين تؤثر في الأخرى، وذلك إذا تساوى أهل المنطقتين في الثقافة والقوة والنفوذ، وأحيانًا تتأثر إحداهما بالأخرى، وذلك إذا كانت أقل منها في مظهر من المظاهر السابقة.
وتختلف درجة التأثر باختلاف الأحوال, فأحيانًا يكون يسيرًا لا ينال إلّا بعض مظاهر، وأحيانًا يكون عميقًا ينتهي بالقضاء على اللهجة المغلوبة.
فيكون يسيرًا إذا لم تكن الفوارق كبيرة بين أهل المنطقتين في الثقافة والنفوذ والسلطان, ويبدو هذا في تأثر لهجة القرية بلهجة المدينة التي تجاورها, أو يكون بها مقر المحافظة أو المراكز، أو في تأثرها بلهجة البلد الذي يتخد مقرًّا لنقطة البوليس أو للعمدية, أو التي يقام فيها السوق الأسبوعي ... وهلم جرا. ففي هذه الحالات وما إليها يقف التأثر عند حد اقتباس الكلمات والتراكيب, وطرق استخدام المفردات في معانيها الحقيقية والمجازية ... وما إلى ذلك. أما الأساليب الصوتية وطريقة النطق بالحروف والكلمات, فتظل بمنجاة من التأثر والتحريف, ومن ثَمَّ نرى أن القرى المحيطة بقاعدة محافظة من محافظات مصر, قد تقتبس عن هذه القاعدة كثيرًا من ألفاظها وتراكيبها ومدلولات مفرداتها.. ولكن لهجتها تظل سليمة فيما يتعلق بالأصوات وطريقة النطق بالكلمات؛ فالقرى المصرية التي تقلب في لهجتها القاف العربية جيمًا غير معطشة "جلنا=قلنا" قد تجاوز مدينة تختلف عنها في هذا الأسلوب الصوتي "بأن تقلب فيها مثلًا القاف العربية همزة: ألنا= قلنا"، فتقتبس عنها كثيرًا من مفرداتها وتراكيبها ودلالالتها وأساليبها، ولكن تظل طريقتها الصوتية حيال القاف العربية بمأمن من التأثر بطريقة المدينة، اللهم إلّا في الكلمات التي تقتبسها منها.
стр. 196
وإذا كانت الفوارق كبيرة بين أهل المنطقتين في ناحية من النواحي السابق ذكرها، فإن التأثر يكون عميقًا لدرجة تصل أحيانًا إلى القضاء على اللهجة المغلوبة, ويحدث هذا في حالتين:
الحالة الأولى:
أن تكون إحدى المنطقتين خاضعة لسلطان المنطقة الأخرى, ففي هذه الحالة يكتب النصر للهجة المنطقة ذات السلطان، على شريطة أن لا تقل عن المنطقة الأخرى حضارة وثقافة وآدابًا, والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ القديم والحديث؛ فلهجة باريس، حيث مقر الحكومة والسلطان، قد قضت على كثير من لهجات المقاطعات الفرنسية التي خضعت لنفوذ باريس, وكذلك فعلت لهجة لندن مع عدد كبير من اللهجات الإنجليزية الأخرى، ولهجة مدريد مع اللهجات الأسبانية، ولهجة روما في العصور القديمة مع أخواتها الإيطالية، ولهجة قريش قبيل الإسلام مع اللهجات العربية الأخرى ... وهلم جرا١.
الحالة الثانية:
أن تفوق إحدى المنطقتين الأخرى في ثقافتها وحضارتها وآداب لغتها, وفي هذه الحالة يكتب النصر للهجتها, وإن لم يكن لها سلطان سياسي على المنطقة الأخرى, ولذلك أخذت اللهجة السكسونية بألمانيا تطارد اللهجات الألمانية الأخرى منذ القرن السادس عشر الميلادي، أي: قبل أن تتكون الدولة الألمانية الحديثة, وقبل أن تظهر غلبة برلين٢، وأخذت التوسكانية Toscan بإيطاليا تقهر اللهجات الإيطالية الأخرى منذ القرن الرابع عشر الميلادي، أي: قبل أن
стр. 197
تتكون الدولة الإيطالية الحديثة وقبل أن يظهر سلطان روما١، وذلك بفضل ما كان لكل من السكسونية والتوسكانية من إنتاجٍ أدبي لا يذكر بجانبه إنتاج أخواتها التي اشتبكت معها في هذا الصراع.
وفي كلتا الحالتين السابقتين يختلف الصراع في مدته وعنفه تبعًا لمبلغ قرب اللهجتين أحداهما من الأخرى, ومبلغ ثقافة المنطقة المغلوبة, فيطول أمده, ويشتد عنفه, كلما كثرت وجوه الخلف بين اللهجتين, أو قلَّت ثقافة الناطقين باللهجة المقهورة؛ فلهجة مدريد لم تقوَ بعد على التغلب على كثير من اللهجات الأسبانية الأخرى، ولا تزال إلى الآن تلقى مقاومة عنيفة من جانبها، وذلك لتفشي الجهل، والأمية بين الناطقين بهذه اللهجات, ولهذا السبب نفسه لم يتم بعد للهجة القاهرة التغلب على لهجات المناطق المصرية المجاورة لها, وفي القسم الفرنسي اللهجة من سويسرا, لا تزال اللهجات المحلية تقاوم الفرنسية الفصحى في المناطق الكاثوليكية "فاليه، فريبورج ... Valais Fribourg"، على حين أنه قد تَمَّ انقراض هذه اللهجات أو كاد في المناطق البروتستانتية "نيوشاتل، جنيف ... "، وذلك لأن المناطق البروتستانتية من هذا القسم أرقى ثقافة وعلمًا من المناطق الكاثوليكية, وأقدم منها عهدًا بالمدارس, ولسان باريس قد تغلب بسهولة على اللهجات التي كانت منتشرة في إقليمي السين واللوار، وذلك لقلة وجوه الخلف بينه وبينها، على حين أنه لم يقوَ بعد على التغلب على لهجات جنوب فرنسا, ولا يزال يلقى بها مقاومة عنيفة، وذلك لكثرة الفروق التي تفصلها عنه.
هذا، ويسير تغلب لهجة على أخرى على السنن نفسه الذي يسير عليه تغلب اللغات المختلفة بعضها على بعض, والذي سنتكلم عليه في الفصل الثالث. ففي المرحلة الأولى تقذف اللهجة الغالبة اللهجة الأخرى بطائفة كبيرة من مفرداتها، فتوهن بذلك متنها الأصلي وتجرده من كثير من مقوماته, ولكن اللهجة المغلوبة تظل طوال هذه المرحلة محتفظة
стр. 198
بمخارج حروفها وأساليبها في نطق الكلمات، فينطق أهل اللهجة المغلوبة بألفاظهم الأصلية وما انتقل إليهم من ألفاظ دخيلة طبقًا لأسلوبهم الصوتي ومخارج حروفهم, حتى إنهم ليستبدلون في الكلمات الدخيلة بالحروف التي لا يوجد لها نظير لديهم حروفًا قريبة منها من حروف لهجتهم. وفي المرحلة التالية تتسرب إلى اللهجة المغلوبة أصوات اللهجة الغالبة ومخارج حروفها وأساليبها في نطق الكلمات، فينطق أهل اللهجة المغلوبة بألفاظهم الأصيلة وما انتقل إليهم من ألفاظ دخيلة من المخارج نفسها, وبالطريقة نفسها التي يسير عليها النطق في اللهجة الغالبة، فيزداد بذلك انحلال اللهجة المغلوبة, ويؤذن نجمها بالأفول, ولكنها تظل طوال هذه المرحلة مستبسلة في الدفاع عن قواعدها الصرفية والتنظيمية "المورفولوجيا والسنتكس", وفي مقاومة قواعد اللهجة الغالبة، إن كانت تختلف عنها في القواعد١، فيركب أهلها جملهم, ويصرفون كلماتهم, وفق أساليبهم الأولى. وفي المرحلة الأخيرة تضعف هذه المقاومة شيئًا فشيئًا، فتأخذ قواعد اللهجة الغالبة في الاستيلاء على الألسنة حتى يتم له الظفر، فيتم بذلك الإجهاز على اللهجة المغلوبة, غير أنها كثيرًا ما تترك في ألسنة أهلها بعض آثار من قواعدها القديمة؛ فكثير من سكان جنوب فرنسا لا يزالون يؤلفون عباراتهم في صورة تختلف عن قواعد الفرنسية الفصحى، ولكنها تتفق مع قواعد لهجتهم المندثرة.
стр. 199
٤- نشأة لغة الدولة أو لغة الكتابة:
واللهجة التي يتاح لها التغلب في أمة ما على بقية أخواتها، أو على معظمها، تصبح عاجلًا أو آجلًا لغة الدولة, أو ما يطلق عليه اسم: "اللغة القومية", أو "اللغة الفصحى", أو "لغة الكتابة", فتعلم
стр. 200
وحدها في مدارس الدولة، ويجري بها تدريس المواد المختلفة في معاهدها، وتؤلف بها الكتب والصحف والمجلات، وتصدر بها المكاتبات الرسمية وغيرها، وتستخدم في مختلف مناحي الوعظ والخطابة، وتلقى بها الأوامر, ويجري بها التخاطب في الجيش.... هلم جرا١.
فقد ترتَّبَ على تغلب لهجة باريس على معظم أخواتها أن أصبحت "لغة الدولة" بفرنسا، وعليها وحدها يطلق الآن اسم اللغة الفرنسية, وهذا هو ما حدث عقب تغلب لهجة لندن بإنجلترا ومدريد بأسبانيا, واللهجة السكسونية بألمانيا, والتوسكانية بإيطاليا، فقد أصبحت هذه اللهجات هي اللغات الرسمية، وعليها وحدها يطق الآن اسم اللغات الإنجليزية والأسبانية والألمانية والإيطالية.
وتسلك لغات الكتابة في تطورها طريقًا خاصًّا تختلف عن الطريق التي تسلكها لغات المحادثة، كما سيظهر ذلك في الفقرة التالية, وفي الفصل الرابع, ولذلك نرى أن لغة الكتابة، مع اتفاقها في المبدأ مع لهجة المحادثة الغالبة، لا تلبث فيها بعد أن تختلف عنها في كثير من الشئون, ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينهما حتى تستقل كل منهما عن الأخرى؛ فلغة الكتابة بفرنسا تختلف الآن عن لهجة المحادثة الباريسية اختلافًا غير يسير، وكذلك الشأن في إنجلترا، فقد بعدت اللهجة الدارجة لأهل لندن بعدًا كبيرًا عن اللغة الفصحى، حتى إن بعض العلماء قد ألف فيها معجمات خاصة٢.
стр. 201
٥- اختلاف مناحي الفصحى باختلاف فنون القول:
لغة الآداب وخصائصها وأنواعها، الشعر والنثر وظيفتا اللغة: الدلالة والإيحاء:
كما تنشعب لغة المحادثة إلى لهجات مختلفة تبعًا لاختلاف الأقاليم وما يحيط بكل إقليم من ظروف وما يمتاز به من خصائص، تنشعب كذلك لغة الكتابة أو اللغة الفصحى, إلى شعب مختلفة تبعًا لاختلاف فنون القول التي تستخدم فيها، وما يمتاز به كل فن منها: الشعر، النثر الأدبي، الخطابة، القصة، الرسالة، التاريخ، القانون، تدوين العلوم ... إلخ. وذلك أن كل فَنٍّ من هذه الفنون يختلف عما عداه في طبيعته وأغراضه البيانية، ومناهج الاستدلال فيه، ومقدار صلته بكل من الناحيتين الوجدانية والإدراكية، ومدى إقبال الجمهور عليه, وأثره في نفسه, وتلاؤمه مع اتجاهاته وحاجاته، ومبلغ نشاط المشتغلين به وما يخترعونه فيه من اصطلاحات, ويدخلونه من أساليب, ويقتبسونه عن اللغات الأجنبية من مفردات وأفكار ... وهلم جرا.
وغنيٌّ عن البيان أن الاختلاف في هذه الأمور وما إليها يؤدي حتمًا إلى اختلاف كل فن من الفنون السابق ذكرها عما عداه؛ في مفرداته وأساليبه ومعانيه وأفكاره وطريقة علاجه للحقائق ... وما إلى ذلك. وقد تتسع مسافة الخلف بين هذه الفنون فتصبح لغة كل منها أشبه شيء بلغة مستقلة, وهذا هو المشاهد الآن في كثير من اللغات الراقية؛ فبمجرد سماع عبارة من اللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات الراقية, يستطاع بسهولة معرفة الفن الذي تتصل به؛ فعلى ضوء مفرداتها وأسلوبها ونظمها وتراكيبها وطريقة إبانتها عن الحقائق ... يستطاع بسهولة الحكم إن كانت شعرًا أم خطابة أم كتابة رسائل أم مقالًا صحفيًّا أم بحثًا علميًّا ... وهلم جرا.
стр. 202
ومن أهم شعب اللغة الفصحى ما يسمونه لغة الأدب "Langue Litteraire"، وهي التي تستخدم في الأدب شعره ونثره, وتمتاز هذه الشعبة عن أخواتها بأن ما يتخذه غيرها وسيلة تتخذه هي غاية، أو توجه إليه على الأقل أكبر قسط من العناية؛ ففي جميع الشعب الأخرى "لغة العلوم، لغة الفلسفة، لغة التاريخ ... " يتخذ الكلام مجرد وسيلة للتعبير عن الحقائق, أما في هذه الشعبة فيتخذ البيان نفسه غرضًا في ذاته, ويوجه إلى تجويده أكبر قسط من المجهود, فأهم ما يقام له وزن في لغة الأدب هو جمال القول، ورقة الأسلوب، وحسن البيان، ورصانة اللفظ، وفصاحة الكلام، وبلاغة التعبير ... وهلم جرَّا.
وتنقسم لغة الآداب نفسها إلى فنون كثيرة؛ أهمها: الشعر وملحقاته، والنثر الأدبي، والخطابة، والقصة, ويختلف كل فن من هذه الفنون عن أخوته؛ في طبيعته، وموضوعاته، ومواطن استخدامه، ومقدار صلته بالوجدان والإدراك، ومبلغ نشاط المشتغلين به، وما يناله من تطور وتجديد، وما يرمي إليه من أغراض ... إلخ, وقد ترتَّبَ على ذلك أن كان لكل فن منها خصائصه اللغوية, ومميزاته في النظم والوزن، والتأليف الموسيقي، وجرس الألفاظ، وتركيب الجمل، وطريقة الاستدلال، وشرح الحقائق، ومنحى الأسلوب.
وأهم ما يمتاز به الشعر عن غيره أنه يتجه أولًا, وبالذات إلى مخاطبة الوجدان والعواطف لا الإدراك والتفكير، وأن غرضه الأساسي هو الإيحاء بالحقائق والإحساسات, لا شرح المسائل وتقريبها إلى الأذهان, ولذلك يظهر فيه تعمد الغموض والميل إلى الإبهام، ويسيطر على أساليبه الخيال، ويكثر في عباراته التشبيه واستخدام الكلمات والعبارات في غير ما وضعت له عن طريق الكناية والمجاز، ويبدو فيه النفور من تحليل الحقائق وكراهة التعمق في الشرح والاستدلال. أما نظم العبارات في أوزان خاصة, فهو مجرد شرط شكلي في الشعر: فإن جنح كلام منظوم إلى الشرح والاستدلال والتعمق في توضيح الحقائق, وتغلبت فيه وجهة الدلالة على وجهة الإيحاء، فإنه يصبح
стр. 203
مجرد نظم, ولا يعد شعرًا على الرغم من أوزانه وقوافيه، كما هو الشأن فيما اشتهرت تسميته في اللغة العربية باسم "المتون".
стр. 204
٦- اختلاف اللهجات في البلد الواحد باختلاف طبقات الناس وفئاتهم:
"اللهجات الاجتماعية" Dialectes Sociaux:
تنشعب أحيانًا لغة المحادثة في البلد الواحد أو المنطقة الواحدة إلى لهجات مختلفة تبعًا لاختلاف طبقات الناس وفئاتهم؛ فيكون ثَمَّ مثلًا لهجة للطبقة الأريستوقراطية، وأخرى للجنود، وثالثة للبحارة, ورابعة للرياضيين، وخامسة للبرادين، وسادسة للنجارين ... وهلم جرا. ويطلق المحدثون من علماء اللغة على هذا النوع من اللهجات اسم "اللهجات الاجتماعية" Dialectes Sociaux تمييزًا لها عن "اللهجات المحلية" Dialectes Sociaux, التي كانت موضع حديثنا في الفقرة الثالثة من هذا الفصل١.
ويؤدي إلى نشأة هذه اللهجات ما يوجد بين طبقات الناس وفئاتهم من فروق في الثقافة والتربية، ومناحي التفكير والوجدان، ومستوى المعيشة، وحياة الأسرة، والبيئة الاجتماعية، والتقاليد والعادات، وما تزاوله كل طبقة من أعمال وتضطلع به من وظائف، والآثار العميقة التي تتركها كل وظيفة ومهنة في عقلية المشتغلين بها، وحاجة أفراد كل طبقة إلى دقة التعبير وسرعته وإنشاء مصطلحات خاصة بصدد الأمور التي يكثر ورودها في حياتهم, وتستأثر بقسط كبير من انتباههم، وما يلجئون إليه من استخدام مفردات في غير ما وضعت له, أو قصرها على بعض مدلولاتها؛ للتعبير عن أمور تتصل بصناعاتهم وأعمالهم. وهلم جرَّا. فمن الواضح أن هذه الفوارق وما إليها من شأنها أن توجه اللهجة
стр. 205
في كل طبقة وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها, فلا تلبث اللهجة العام أن تنشعب إلى لهجات تختلف كل منها عن أخواتها؛ في المفردات وأساليب التعبير وتكوين الجمل ودلالة الألفاظ ... وما إلى ذلك، وقد تذهب بعض اللهجات الاجتماعية بعيدًا في هذا الطريق، فيشتد انحرافها عن الأصل الذي انشعبت منه، وتتسع مسافة الخلف بينها وبين أخواتها، حتى تكاد تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلّا لأهلها، كما هو شأن اللهجات الفرنسية المستخدمة بين طبقات اللصوص والمجرمين وبعض طبقات العمال.
ويزداد في العادة انحراف اللهجة الاجتماعية عن أخواتها كلما كثرت الفوارق بين الطبقة الناطقة بها وبقية الطبقات، أو كانت حياة أهلها قائمة على مبدأ العزلة عن المجتمع أو على أساس الخروج على نظمه وقوانينه. ولذلك كانت في فرنسا لهجات الطبقات الدنيا من العمال، واللهجات السرية لجماعات المتصوفين والرهبان، ولهجات المجرمين واللصوص ومن إليهم، من أكثر اللهجات انحرافًا عن الأصل الذي انشعبت منه، وبعدًا عن المستوى العام لبقية اللهجات الاجتماعية الفرنسية, وكذلك الشأن في إنجلترا، حتى لقد ألف في لهجات المجرمين من الإنجليز معجمات خاصة١.
ولا تظل اللهجات الاجتماعية جامدة على حالة واحدة، بل تسير في السبيل الارتقائي نفسه الذي تسير فيه اللهجات المحلية، فيتسع نطاقها باتساع شئون الناطقين بها ومبلغ نشاطهم، واحتكاكهم بالأجانب وبأهل الطبقات الأخرى من مواطنيهم، وما يخترعونه من مصطلحات, ويتواضعون عليه من عبارات, ويقتبسونه من اللغات الأجنبية من
стр. 206
مفردات وأفكار، وتختلف أساليبها وطرق تراكيبها باختلاف العصور وتطور الظروف الاجتماعية المحيطة بالطبقات الناطقة بها؛ فلهجات العمال والمجرمين بفرنسا, تختلف بعد الحرب العظمى الأولى اختلافًا بينًا عما كانت عليه قبل ذلك، وتختلف في القرن العشرين اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه مثلًا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر, ولا أدلَّ على ذلك من أن معظم القطع التي كتبها بتلك اللهجات في القرن الخامس عشر الشاعر الفرنسي فرانسو فيلون Francois Villon١, لم يستطع بعد في العصر الحاضر حل جميع رموزها وفهم جميع مدلولاتها.
وتؤثر اللهجات الاجتماعية في لغة المحادثة العادية تأثيرًا كبيرًا، فتستعير منها هذه اللغة كثيرًا من التراكيب والمفردات، وبخاصة المفردات التي خصص مدلولها العام, واصطلح على إطلاقها على أمور خاصة تتعلق بفن أوحرفة, وما إلى ذلك. فلغة المحادثة العايدة بباريس في العصر الحاضر قد دخل فيها عن هذا الطريق كثير من مفردات اللهجات الاجتماعية, وبخاصة لهجات العمال والمجرمين, وكذلك الشأن في اللغة الإنجليزية٢.
ولا تتميز في العادة اللهجات الاجتماعية بعضها عن بعض تميزًا واضحًا إلّا في المدن الكبيرة؛ حيث يتكاثف السكان، ويزدحم الناس، وتنشط الحركة الاقتصادية، وتتنوع الوظائف، وتتعدد المهن، ويشتد النزاع بين الطبقات؛ كنيويورك ولندن وباريس في العصر الحاضر، وكبغداد في العصر العباسي.
стр. 207
وأهم أنواع اللهجات الاجتماعية ما يسمونه: "باللهجات الحرفية", وهي اللهجات التي يتكلم بها فيما بينهم أهل الحرف المختلفة؛ كالبرادين والنجارين والنقاشين والصيادين والبحارة, وهلمَّ جرَّا. وتتميز اللهجات الحرفية بعضها من بعض تميزًا كبيرًا في المناطق التي يسود فيها "نظام الطوائف" Regime des castes حيث تختص كل طبقة بحرفة أو وظيفة خاصة تكون وقفًا على أفرادها, لا يجوز لهم ولا لأعقابهم من بعدهم الاشتغال بغيرها، كما لا يجوز لغيرهم الاشتغال بها, كما هو الحال في كثير من بلاد الهند. على حين أنه في الأمم الحديثة التي قُضِيَ فيه على نظام الطوائف, فأصبحت الحرف حظًّا مشاعًا بين جميع أفراد السكان, يزاول كل منهم المهنة التي تروقه، وينتقل إذا شاء من مهنة إلى أخرى، وأصبحت الطبقات الاجتماعية غير واضحة الحدود, ولا موصدة الأبواب على غير أهلها، في هذه الأمم تتداخل اللهجات الحرفية بعضها في بعض ويتأثر بعضها ببعض، وتقل بينها الفروق، وتضعف المميزات١.
هذا، وقد خُيِّلَ إلى بعض علماء "الأتنوجرافيا" أن اللهجات
стр. 208
الاجتماعية لا تنشأ من تلقاء نفسها، بل تخلق خلقًا، وتبتدع بالتواضع والاتفاق بين أفراد الطبقة الواحدة، وترتجل ألفاظها ومصطلحاتها ارتجالًا, وقد تابعهم في هذا الرأي بعض القدامى من علماء اللغة، ولذلك لم تنل هذه اللهجات كبير حظ من عنايتهم.
وليس لهذه النظرية أيَّ سند عقلي أو تاريخي, بل إن ما تقرره ليتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية, فعهدنا بهذه النظم أنها لا ترتجل ارتجالًا ولا تخلق خلقًا، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها, هذا إلى أن معظم هذه اللهجات منتشرة بين طبقات فقيرة جاهلة, منحطة المدارك, ضعيفة التفكير, لا يتاح لمثلها أن تنشئ إنشاء لغة كاملة المفردات متميزة القواعد، بل لا يتاح لها مجرد التفكير في مثل هذا المشروع الخطير: طبقات المتسولين واللصوص والحدادين والصيادين ... وهلم جرا.
والحق أن "اللهجات الاجتماعية" لا تختلف في نشأتها عن "اللهجات المحلية" التي تكلمنا عليها في الفقرة الثالثة من هذا الفصل, كلا النوعين ينشعب عن اللغة الأصلية, ويستمد منها أصول مفرداته ووجهة أساليبه وتراكيبه وقواعده، وكلاهما تلقائي النشأة ينبعث عن مقتضيات الحياة الاجتماعية وشئون البيئة. وكل ما بينهما من فرق أن السبب الرئيسي لنشأة "اللهجات المحلية" يرجع إلى اختلاف الأقاليم وما يحيط بكل إقليم من ظروف, ويمتاز به أهله من خصائص، على حين أن السبب الرئيسي في نشأة "اللهجات الاجتماعية" يرجع إلى اختلاف طبقات الناس في الإقليم الواحد, وما يكتنف كل طبقة منها من شئون, وما يفصلها بعضها عن بعض من مميزات في شتى مظاهر الحياة.
غير أننا قد نعثر أحيانًا في بعض اللهجات الاجتماعية على مفردات لا أصل لها مطلقًا في لغة البلد, ولا في اللغات الأجنبية, ومفردات كهذه يغلب على الظن أنها قد اخترعت في الأصل اختراعًا من بعض الأفراد, وانتشرت عن طريق التقليد, ولكن هذه الظاهرة تكاد تكون مقصورة
стр. 209
على لهجات الطبقات الراقية, ولا تبدو إلّا في عدد قليل من الكلمات. أما معظم المفردات فترجع أصولها إلى كلمات منحدرة من لغة البلد, أو مقتبسة من بعض لغات أجنبية, غير أن الغالب أن ينالها -مع تقادم الزمن- كثير من التحريف والتغيير، فتبعد بعدًا كبيرًا عن الأصل الذي أخذت منه, وقد تصل في انحرافها هذا إلى درجة يخيل معها للباحث السطحي أنها ابتدعت بالتواضع والارتجال, ولعل هذا هو ما حدا بعض العلماء على الظن بأن اللهجات الاجتماعية ناشئة عن تأليف واختراع١.
стр. 210
٧- اختلاف لهجة الرجال عن لهجة النساء:
قد يحدث في بعض الشعوب التي يقل فيها اختلاط الرجال بالنساء أو يكون فيها كلا الجنسيين بمعزل عن الجنس الآخر، تحت تأثير نظم دينية أو تقاليد اجتماعية، أن تختلف لهجة الرجال عن لهجة النساء اختلافًا يسيرًا أو كبيرًا.
وتكثر مظاهر هذا الاختلاف اللغوي كلما استحكمت حلقات الانفصال بين الجنسين، حتى أنه لينشأ أحيانًا من جراء ذلك لكل منهما لهجة تختلف اختلافًا بينًا عن لهجة الآخر, أو تشتمل لهجة كل منهما على مفردات وجمل كثيرة لا تستخدم في اللهجة الأخرى, وقد لوحظ ذلك في بعض الشعوب البدائية على الأخص١.
ويخف هذا الاختلاف اللغوي كلما خفت قيود الاختلاط بين
стр. 211
الجنسين، فتقتصر مظاهره على بعض فروق يسيرة في الأصوات والمفردات والجمل والأساليب، كما هو مشاهد في كثير من المناطق المصرية الريفية.
وليست هذه اللهجات في الواقع إلّا نوعًا من أنواع "اللهجات الاجتماعية" التي تقدم الكلام عنها في الفقرة السابقة، فمعظم ما قلناه هناك، في نشأة اللهجات الاجتماعية وعواملها وتطورها ... وما إلى ذلك، يصدق على هذا النوع.
стр. 212
الفصل الثاني: فصائل اللغات وخواص كل فصيلة منها وما بينها من صلات:
١- أشهر الآراء في فصائل اللغات:
حاول كثير من علماء اللغة أن يرجع اللغات الإنسانية -بعد أن تَمَّ تفرعها تحت تأثير العوامل السابق ذكرها في الفصل السابق- إلى فصائل عامة, وقد اختلفت وجهات نظرهم بهذا الصدد اختلافًا كبيرًا.
فبعضهم نظر إلى الموضوع من ناحية التطور والارتقاء، فقسَّم اللغات الإنسانية إلى ثلاث فصائل تختلف أفراد كلٍّ منها عما عداها في درجة رقيها، وتمثل كل منها مرحلة خاصة من المراحل التي اجتازها الكلام الإنساني في سبيل تطوره.
وأشهر نظرية بهذا الصدد هي نظرية شليجيل التي تقسّم اللغات من هذه الناحية إلى ثلاث فصائل: "اللغات غير المتصرفة أو العازلة", "وتشمل الصينية والسامية والبرمانية والتبتية ... إلخ"، و"اللغات اللصقية أو الوصلية" "وتشمل التركية والمنغولية والمنشورية واليابانية ولغات الباسك ... إلخ"، و"اللغات المتصرفة أو التحليلية" "وتشمل الفارسية والهندية واللاتينية والإغريقية والجرمانية والعربية والعبرية ... إلخ.
стр. 213
وقد شرحنا في الباب الأول هذه النظرية وناقشناها، فظهر لنا فسادها من عدة وجوه، وتبين أن الأساليب الثلاثة التي تقسّم على أساسها اللغات الإنسانية إلى فصائل: "العزل واللصق والتصرف"، توجد مجتمعة في كل لغة إنسانية، فلا نكاد نعثر على لغة عارية عن أسلوب منها١.
وبعضهم قطع النظر عن موضوع التطور والارتقاء، وقسّم اللغات الإنسانية إلى فصائل يجمع أفراد كل فصيلة منها صلات قرابة لغوية؛ فتتفق في أصول الكلمات, وقواعد البنية, وتركيب الجمل ... وما إلى ذلك, ويتكون من الأمم الناطقة بها مجموعة إنسانية متميزة، ترجع إلى أصول شعبية واحدة أو متقاربة, وتؤلف بينها طائفة من الروابط الجغرافية والتاريخية والاجتماعية.
وأشهر نظرية قسمت اللغات على هذه الأسس هي نظرية مكس مولر Max Muler, التي ترجع جميع اللغات الإنسانية إلى ثلاث فصائل: الفصيلة الهندية-الأوربية، والفصيلة السامية-الحامية، والفصيلة الطورانية٢ وسنتكلم على كل فصيلة منها على حدة فيما يلي:
стр. 214
٢- الفصيلة الأولى: الهندية الأوربية
angues lndo-Europeennes
تشمل هذه الفصيلة ثمان طوائف من اللغات، وهي:
١- "اللغات الهندية-الإيرانية", أو"اللغات الآرية" وتشمل شعبتين:
أحداهما شعبة اللغات الهندية "السنسكريتية Sanskrit البراكريتية Prakrit، اللغات الهندية الحديثة Langues Neo-lndoues ... إلخ".
والأخرى شعبة اللغات الإيرانية "الفارسية القديمة Vieux perse والأفستية, والزند أفستية Avestique et zend-Avestique, وهي لغة الأسفار المقدسة المسماة الأفستا "الأبستاق", وشروحها المسماة الزند -أفستا، والبهلوية Pehlvi، والفارسية الحديثة Neo-Persan، والكردية Kurde، والأسيتية Ossete، وهي لغة الأسيتيين Ossetes, وهم سكان القوقاز الأوسط، والأفغانية أو البشتو ... وهلم جرا".
ولكثرة وجوه الشبه بين هاتين الشعبتين عدهما علماء اللغة طائفة واحدة سموها طائفة "اللغات الهندية -الإيرانية", أو طائفة "اللغات الآرية".
وكان القدامى من علماء اللغة يتوسعون في كلمة "اللغات الآرية"؛ فيطلقونها على جميع طوائف الفصيلة الهندية-الأوربية؛ لأن معظم المتكلمين بهذه الفصيلة من اللغات ينتمون إلى الجنس الآري, ولكن المحدثين منهم آثروا العدول عن هذا الاستعمال اتقاءً للخلط واللبس، فأصبحوا لا يطلقون كلمة "اللغات الآرية" إلّا على الطائفة التي نحن بصدد الكلام عليها١.
стр. 215
٢- "اللغات الأرمنية" Langues Armeniennes
٣- "اللغات الإغريقية" "وتشمل اللغات اليونانية القديمة, وأشهر هذه اللغات: "اليونية-الأتيكية، والدورية. وتشمل كذلك اللغات اليونانية التي تكونت في القرون السابقة للميلاد, وقامت على أنقاض اللغات اليونانية القديمة، واشتهرت عند علماء اللغة باسم: "اليونانية الحديثة". وتشمل كذلك اللغات اليونانية في العصر الحاضر".
٤- الألبانية.
٥- "اللغات الإيطالية" "وتشمل الأسكية Osque، والأمبرية-السمنية Ombrien-Samnite واللاتينية، واللغات الرومانية Langues Romanes, وهي المتفرعة من اللاتينية؛ كالفرنسية والبرتغالية والإيطالية والأسبانية ولغة رومانيا ... إلخ".
٦- "اللغات السلتية" أو "الكتية" Langues Celtiques "التي كانت لغات شعوب السلت أو الكلت Les Celtes. وقد طغت عليها الآن اللغات الفرنسية والإنجليزية والأسبانية، ولكن بقي بعض أشكال منها في كثير من اللهجات المحلية بإيرلندا وويلز ومنطقة البريتون Bretagne بغرب فرنسا".
٧- "اللغات الجرمانية" Langues Germaniques وتشمل ثلاث شعب:
أولاها: شعبة اللغات الجرمانية الشرقية, وهي اللغة الجوتية Gotheque "وهي لغة قبائل الجوث Goths وهو شعب قديم كان يسكن جرمانيا الشرقية".
وثانيتها: شعبة اللغات الجرمانية الشمالية، وهي لغات أيسلندا والدانيمرك والسويد والنرويج.
وثالثها: شعبة اللغات الجرمانية الغربية، وتشمل الإنجليزية-