وذكر الأستاذ جويوم أن ابنته "لويز" كانت تفهم معنى كلمة "بابا" منذ الشهر الثالث، مع أنها لم تستطع النطق بها إلّا في الشهر السابع، وأن ابنه بول كان في شهره الرابع يفهم معاني الكلمات الآتية: "بابا"، "بول" "اسمه"، "ثدي"، وفي شهره الخامس كان يفهم كذلك معاني كلمتي "ماما" و"أخي الأكبر"، مع أنه في هذه المرحلة ما كان يستطيع النطق بآية كلمة من هذه الكلمات، وأن نطاق الفهم عند ولديه هذين قد اتسع اتساعًا كبيرًا في الشهور الأولى من مرحلة "التمرينات النطقية"، فكان الولد منها يلوح بيده تلويح الوداع عندما يقال له Adieu "مع السلامة", كما يلوح الكبار بأيديهم عندما يسمعون هذه الصيغة من مودعيهم، ويحاول أن يلبي ما يطلب إليه أداؤه بالقدر الذي تسمح به قواه الجسمية وقدرته على الحركة عندما يطلب إليه أن يرقص أو يجلس أو يقف أو يجيء ... وهلم جرا، ويلبي تلبية صحيحة ما يؤمر به إذا طلب إليه تقبيل أحد أبويه, أو الأخذ بلحية والده, أو شد شعر رأسه، ويشير إلى الشخص أو الهنة التي يطلب إليه الإشارة إليها إذا قيل له: أين أبوك أو ريموند -أخوه, أو الهرة, أو الدجاجة, أو الثدي, أو المدفأة, أو السرير ... وما إلى ذلك، مع أنهما في هذه المرحلة ما كانا ليستطيعا النطق بآية كلمة ولا عبارة من هذه الكلمات والعبارات.
وقد لاحظت على ابنتي عفاف، وهي في أوائل شهرها السادس، أنها كانت تفهم معنى كلمة "بوبول" -اسم كنا نطلقه على هرة بالمنزل، فكانت كلما ذكر أمامها هذا الاسم, صوبت نظرها نحو الأرض وأدراته في نواح كثيرة لتبحث عنها، فإن عثرت عليها حدقت فيها وتابعت حركاتها بنظرها، مع أنها في هذا الدور ما كانت لتستطيع النطق بكلمة ما.
هذا وفهم الطفل للكلمات والجمل يظهر على صورة تدريجية, وأول كلمات يفهم مدلولها هي الكلمات الدالة على أكثر الأشخاص
стр. 142
ملازمة له وأحبهم إليه "بابا، ماما، ددة ... إلخ" وعلى الأمور الضرورية له "أمبو=الماء، مم=الطعام ... " وعلى الأشياء التي تستأثر بانتباهه لغرابتها مثلًا، فقد كانت كلمة طيارة من الفوج الأول من الكلمات التي لاحظت أن ابني إقدامًا يفهم مدلولها -يظهر فهمه لمدلولها في أوائل شهره العاشر, فقد كنا نجلس به في حديقة المنزل، فتحلق بعض الطائرات فوق رءوسنا محدثة دويًّا مزعجً، فاستأثر هذا بقسط كبير من انتباهه, وتمكن معنى الكلمة في ذهنه، فكنا إذا سألناه في وقت لا طائرة فيه فوق رءوسنا: "فين الطيارة يا ميمي" = "أين يا إقدام" رفع بصره إلى السماء كمن يبحث عنها.
المرحلة الثالثة: مرحلة التقليد اللغوي:
تبدأ هذه المرحلة عند العاديين من الأطفال في أواخر السنة الأولى أو أوائل الثانية، وتنتهي في الخامسة أو السادسة أو السابعة, وأما غير العاديين من الناحية اللغوية فقد لا تبدأ لديهم إلّا في أواخر الثانية أو أوائل الثالثة، ويتأخر تبعًا لذلك موعد انتهائها, وعند بعض الشواذ من الأطفال لا تبدأ إلّا في سن متأخرة جدًّا، كما سنذكر لك فيما بعد, وقد تبدأ في حالات نادرة في سن مبكرة جدًّا؛ فقد سجَّل سكوبن Scupin بعض شواهد لها حدثت في الشهر الثاني، ولاحظ مثلها جويوم وشترن في الشهر الثالث، ودارون في الشهر الرابع. ولكن ظهورها في مثل هذه السن نادر جدًّا، والشواهد التي تذكر من هذا القبيل غير موثوق بصحتها كل الوثوق, ويمكن تأويلها على وجه آخر.
وفي هذه المرحلة يظهر النوعان الخامس والسادس من أنواع الأصوات السابق ذكرها "محاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة بقصد التعبير عن مصادرها أو عن أمور تتصل بها، ومحاكاة الكلمات بقصد التعبير عن مدلولاتها".
стр. 143
وبظهور هذين النوعين من الأصوات يظهر نوعان جديدان في تعبير الطفل: التعبير عن المعاني عن طريق محاكاة الأصوات الحيوانية وأصوات الأشياء، والتعبير عن المعاني عن طريق محاكاة الأصوات اللغوية, أي: عن طريق اللغة.
وتسير المحاكاة اللغوية في هذه المرحلة على أساليب خاصة بعضها يتعلق بالأصوات وبعضها يتعلق بالدلالة. وسنتكلم عن كل منهما على حدة:
أولًا: الأساليب المتعلقة بالأصوات، ومن أهمها ما يلي:
١- أن الطفل يحاكي في مبدأ الأمر الكلمات التي يسمعها محاكاة خاطئة، ولا يزال يصلح من فاسد نطقه شيئًا فشيئًا، مستعينًا بالتكرار ومعتمدًا على مجهوده الإرادي, ومستفيدًا من تجاربه، حتى تستقيم له اللغة.
ومظاهر أخطائه في هذه الناحية كثيرة, من أهمها ما يلي:
أ- أنه يغيِّر الأصوات فيحل محل الصوت الأصلي صوتًا آخر قريبًا منه في المخرج, أو بعيدًا عنه -ويغلب أن يكون قريبًا منه، فينطق مثلًا الكاف تاء "تتاب=كتاب، الستينة=السكينة ... إلخ"، والشين سينًا "سعر=شعر ... إلخ"، والفاء باء "بيبي=فيفي..إلخ"، والعين أو الخاء همزة "نئناءة=نعناعة، نأم= نعم، أد =خد"، واللام نونًا "نمنة=نملة" ... وهلم جرا. وقد ينال هذا التغيير معظم حروف الكلمة، فلا يكاد يبقى فيها شيء من أصواتها الأصلية "ساساته= شوكولاته"١.
ويظل هذا النوع من الخطأ ملازمًا الطفل حتى أواخر هذه المرحلة، فقد لازم ابنتي عفاف حتى أواخر سنتها الخامسة، فظلت في أثناء هذه السنة تجد بعض الصعوبة في النطق بالشين, وتميل إلى قلبها
стр. 144
سينًا -وكان هذا آخر مظهر لديها من مظاهر الخطأ الذي نحن بصدده. وقد بقيت مظاهر كثيرة منه في لغة أولادي إقدام وحزم ونائل ووفاء إلى أواخر السنة السادسة، وبقي بعض مظاهره، وهو قلب الراء لامًا، في لغة ابني إخلاص حتى أواخر السنة العاشرة.
غير أن نوع الحروف التي ينالها التغيير وكميتها ... كل ذلك يختلف باختلاف السن.
ب- أنه يحرِّفُ أصوات الكلمة عن مواضعها، فيجعل اللاحق منها سابقًا والسابق لاحقًا.
ويلازمه هذا النوع من الخطأ مدة طويلة, فلم تتحرر منه ابنتى عفاف إلّا في أواسط السنة الرابعة، ففي الشهر الخامس من سنها الرابعة كانت لا تزال تقول "امسو" بدل اسمو "اسمه"، و"جمزة" بدل جزمة "حذاء"، و"أحبسو" بدل أحسبو "أحسبه" ... وهلم جرا. ولم يتحرر منه ابني إقدام إلّا بعد أن أتَمَّ سنته الرابعة، وكان من مظاهره لديه "امسو" بدل اسمه، "وجمزة" بدل جزمة، و"حمز" بدل حزم "اسم أخته الصغيرة".
جـ- لا ينطق بجميع أصوات الكلمة، بل يكتفي بلفظ بعضها "تت=تحت، دي=منديل ... إلخ".
وترجع هذه الأخطاء الصوتية جميعها إلى ضعف أعضاء النطق عند الطفل في مبدأ هذه المرحلة، وضعف إدراكه السمعي وذاكراته السمعية، وقلة المرانة، وتأثر عناصر الكلمة بعضها ببعض ... وهلم جرا.
وكلما تقدمت به السن, واشتدت أعضاء صوته, ودقت حاسة سمعه, وقويت ذاكرته, حسن نطقه وقلت أخطاؤه, ويعينه في هذا السبيل ما يبذله المحيطون به من جهود لإصلاح نطقه؛ إذ يكررون له الكلمة عدة مرات، أو ينطقونها على مهلٍ متميزة الحروف، أو ينطقونها بصوت مرتفع ... وما إلى ذلك.
стр. 145
وإلى الأخطاء السابقة, وما إليها يرجع السبب في صعوبة فهم حديثه على غير المحيطين به, وقد خُيِّلَ إلى بعض الباحثين أن الطفل يخترع اختراعًا بعض كلمات في مبدأ هذا الدور, والحق أن الطفل لا يأتي بجديد من عنده، وأن الكلمات التي يظن أنها من اختراعه يرجع جميعها إلى كلمات تقليدية؛ فبعضها محاكاة محرفة كثرت فيها الأخطاء السابق ذكرها, حتى بعدت عن أصلها بعدًا كبيرًا، وبعضها محاكاة صحيحة لكلمات يتعمد بعض الملازمين للطفل أن ينطقوا بها نطقًا محرفًا يتفق مع طريقة نطقه، فهذه الكلمات الأخيرة هي من اختراع الكبار لا من اختراع الطفل.
٢- يولع الطفل في مبدأ هذه المرحلة بما كان مولعًا به في المرحلة السابقة من تكرار المقاطع والكلمات عدة مرات "با با با با با =بابا أي: الوالد، ما ما ما ما = ماما, أي: الأم ... وهكذ معظم الكلمات". وهذا راجع إلى أسباب كثيرة؛ منها: أن الطفل يحاول بذلك أن يثبت الكلمة في ذاكرته, ويمكن لها من أعضاء نطقه حتى يسهل عليه حفظها والنطق بها فيما بعد عند الحاجة إليها, ومنها: أن النشاط الحركي يتجه دائمًا إلى الأشكال المتماثلة والأوضاع المتشابهة, ومنها: أن وقف الحركة فجأة بتكراره هذا يميل بفطرته إلى أخف المجهودين "وإلى هذا يرجع السبب في حدوث هذه الظاهرة نفسها عند الكبار أحيانًا، وخاصة حينما يسرعون في كلامهم". ومنها أن الطفل المبتدئ في الكلام عندما يلفظ كلمة ما، يحدث لديه صوتها إحساسًا سمعيًّا يرتاح إليه ويتلذذ بوقعه، فيكرر الصوت ليتكرر إحساسه هذا، كما أن إحساسه صوت طبلة دقه بيده أو صوت هنة رماها يدعوه إلى تكرار الدق والرمي ليتكرر الصوت نفسه فيتكرر إحساسه به، وهذا مظهر من المظاهر التي أطلق عليها العلامة بلدوين "تقليد الطفل نفسه" أو "التفاعل الدائري عند الطفل".
٣- وفي مبدأ هذه المرحلة يضع الطفل في معظم الكلمات
стр. 146
التي يقلدها، الأصوات نفسها التي كان يغلب عليه تكرارها في مرحلة "التمرينات النطقية", فإذا كان في تمريناته النطقية يغلب عليه تكرار مقطع "با" مثلًا، فإنه يضعه في معظم الكلمات التي يحاول محاكاتها في فاتحة تقليده اللغوي. فيقول مثلًا: "باد" "قاصدًا "أحمد"" و"باب" "قاصدًا "كتاب"", و"باية" قاصدًا "طاقية", و"باسي" قاصدًا "كرسي", و"باويت" قاصدًا "بسكويت", ... وهلم جرَّا. وهذا مظهر من مظاهر ما يسميه علماء النفس "مقاومة القديم للجديد, أو "آثار العادات اللغوية"، ويبدو في صورة أشد وضوحًا عند الكبار؛ إذ يتعلمون لغة أجنبية أو يحاكون ألفاظها، فيستبدلون بما تشتمل عليه هذه اللغة من أصوات لا عهد لهم بها أصواتًا شبيهة بما من أصوات لغتهم.
٤- وفي مبدأ هذه المرحلة تكثر في لغة الطفل أصوات اللين "حروف المد" وتقل الأصوات ذات المقاطع "الحروف الساكنة"، فيحذف بعض الأصوات الساكنة من الكلمة، ويقحم عليها أصواتًا غريبة عنها "كاب= كلب، باتي= برنيطة أو قبعة ... إلخ".
٥- وفي أوائل هذه المرحلة -في أواخر السنة الثانية تقريبًا- يظهر لدى الطفل ما يصح أن أسميه "بالمحاكاة الموسيقية للعبارات": فيحاكي الطفل أحيانًا بعض العبارات التي يسمعها مجرد محاكاة موسيقية، بأن يلفظ أصواتًا مبهمة تمثل في توقيعها الموسيقي أصوات العبارة التي يريد محاكاتها بدون أن تشتمل على كلماتها، كما تحول قطعة شعرية إلى قطعة موسيقية, وقد لاحظت هذا على أولادي عفاف وإقدام وحزم ونائل ووفاء وإخلاص, ولم أعثر على أحد قد لاحظه من قبلي على ما أعلم.
٦- وفي مبدأ هذه المرحلة يسير الطفل ببطء كبير في محاكاته، فقد تمضي أشهر بدون أن يستطيع النطق بأكثر من بضع كلمات، مع أنه يكون فاهمًا لمعظم ما يسمعه وما يقال له -كما سبقت الإشارة إلى
стр. 147
الإشارة إلى ذلك١, ثم تنحل عقدة لسانه مرة واحدة، وحينئذ يسير في هذه السبيل بخطًى حثيثة لدرجة يصعب معها على مَنْ يلاحظه أن يحصي ما يدخل في متن لغته كل يوم من كلمات جديدة, فمن مبدأ هذه المرحلة إلى أوائل الشهر الرابع من السنة الثانية, لم تكن ابنتي عفاف لتستطيع النطق إلّا بكلمة واحدة هي "باب"، ثم زاد متن لغتها كلمتين أخريين هما: "بو"= أمبو "أي: طلب الشرب"، "وكاني" =ثاني "تطلب بذلك تكرار الشيء مرة ثانية", وفي أوائل الشهر الخامس من السنة الثانية زاد متن لغتها, كلمة رابعة وهي "ماما". وفي أوائل السادس زاد كلمتين وهما "كاكا" "كانت تطلقها على الدجاجة والحمامة سواء أكانتا حيتين أم مطهوتين" و"نأ"= لا "علامة النفي", وفي أواخر التاسع زاد كلمتين وهما "ننا" "أي: النوم", و"إث"= إرش "أي: قرش". وفي أواخر العاشر زاد ثلاث كلمات وهي "أنناه= الله" "ما أحسن هذا", و"توتو" "أي: الكلب" و"نمنه"=نملة. ومن أواخر الحادي عشر من السنة نفسها -السنة الثانية- انحلت عقدة لسانها وأصبح من الصعب متابعتها وإحصاء ما يَجِدُّ في متن لغتها من كلمات, وفي أواخر الشهر الحادي عشر لم يكن ابني إقدام ليستطيع النطق إلّا بكلمة واحدة, وهي "بو" =أمبو= الماء أو الشرب, ثم زاد متن لغته كلمة ثانية وهو "بابا"، ثم كلمة ثالثة وهي "تاته" بمعنى المشي -كنا نكرر له هذه الكلمة في أثناء تدريبه على المشي"، ثم كلمة رابعة في الشهر الثاني من سنته الثانية وهي "ماما"، ثم كلمتين أخريين في الشهر السادس من سنته الثانية وهما "مم"= الطعام أو الأكل, و"كخ" "الشيء الردئ الذي لا يصح لمسه أو العمل القبيح الذي لا يصح الإتيان به"، وفي أوائل السنة الثالثة كان متن لغته يتألف من نحو خمس عشرة كلمة
стр. 148
فقط, ثم انحلت عقدة لسانه مرة واحدة, فأخذت لغته تزيد كل يوم كلمات كثيرة.
وكذلك كان شأن ابنتي حزم؛ ففي الشهر الخامس من سنتها الثانية -مارس سنة ١٩٤٣- كان متن لغتها يتألف من إحدى عشرة كلمة فقط, وقد ظهرت لديها على الترتيب التالي: "تاتا" أي: المشي، "باب" أي: الوالد، "مم" أي: الأكل، "ماما" أي: الوالدة، "نينا" نينة أي: جدتها، "ددا" أي: الحذاء الذي تلبسه وهي تمشي -كانت تسمى المشى نفسه تاتا، "نن" أي: النوم، "أدا" أي: فيفي "وهي أختها عفاف, "دد" أي: تحت -وكانت تقولها عندما تطلب نزولها إلى الدور الأسفل من المنزل أو إلى حديقته، "أما" أي: أحمد الخادم، "أوم" "كانت تلفظها هكذا ome" وتعني بها قم، وتقولها عندما تطلب إلى أحد أن يقوم لغرض ما تريده، ويفهم هذا الغرض من سياق الحال١, وفي أوائل سنتها الثالثة انحلت عقدة لسانها وأخذت لغتها تزيد كل يوم كلمات كثيرة.
وقد سار ابني نائل وابنتي وفاء وابني إخلاص على الوتيرة نفسها التي سار عليها أخوتهم, مع اختلاف يسير في المفردات التي كان يتألف منها متن لغتهم في كل مرحلة من المراحل.
وفي أواسط هذه المرحلة وأواخرها, تصل قوة التقليد اللغوي عند الطفل، في مهارتها ودقتها ونشاطها وغزارة محصولها, وأهميتها, وسيطرتها على النفس، إلى أقصى ما يمكن أن تبلغه قوة إنسانية.
ففي هذا الدور لا يدع الطفل أيَّ كلمة أو جملة جديدة يسمعها, أو يطلب إليه محاكاتها بدون أن يحاكيها، وإن عاقه طول جملة عن تكرارها جميعها، حاكى ما يعلق بذهنه من كلماتها, وبخاصة آخر كلمات فيها.
стр. 149
ولا يقتصر على تقليد الكلمات والجمل التي يريده المحيطون به على محاكاتها، بل يحاكي كذلك من تلقاء نفسه كثيرًا من الكلمات التي ترد في محادثات الكبار على مسمع منه, حتى الكلمات الدقيقة منها؛ فقد كنت أتحدث مرة مع أسرة فرنسية في موضوع علمي على مسمع من طفلة صغيرة لهذه الأسرة, ما كانت تتجاوز إذ ذاك الخامسة من عمرها، فلاحظنا بعد حديثنا هذا أن الطفلة تستخدم في عباراتها بعض كلمات من المصطلحات العلمية التي كنا نستخدمها, والتي يندر استخدامها في الحديث العادي.
ويحرص الطفل كل الحرص على ما يحصل عليه من مفردات وعبارات، وكثيرًا ما يبلغ به هذا الحرص أن يكرر هذه المفردات والعبارات في خلوته, ويؤلف من شتاتها أغاني وجملًا عارية عن الدلالة, ولكنها كبيرة الأثر في تثبيتها في ذهنه.
ولا تظهر مهارة الطفل التقليدية في هذا الدور في محاكاة الكلمات والجمل فحسب، بل تظهر كذلك في محاكاة الأساليب الصوتية التي يلقي بها الكبار الجمل الإخبارية والاستفهامية والطلبية والتعجيبية والزجرية ... وهلم جرا، وفي محاكاة الحركات الجسمية واليدوية التي تصحب حديثهم.
ولمهارة الطفل في التقليد اللغوي في أثناء هذه المرحلة ولشدة ميله إليه، يستطيع أن يتعلم بسرعة وسهولة عن طريق المحاكاة أية لغة أجنبية إذا أتيحت له فرصة الاختلاط بالمتكلمين بها، بل يستطيع أن يتعلم بهذه الوسيلة أكثر من لغة أجنبية واحدة, فالأطفال المصريون مثلًا الذي يبعثه بهم آباهم إلى المدارس الأجنبية في هذه الدور يأخذون عن طريق المحاكاة عن معلميهم ومعلماتهم اللغة التي يتكلمون بها، ولا يلبثون بعد أمد قصير أن يجيدوا هذه اللغة لدرجة لا يستطيع معها أكبر خبير في اللغات أن يميزهم من أهلها, والطفل إذا ولد من أبوين مختلفي اللغات أخذ عن كل منهما لغته, فيصبح ثنائي اللغة Bilingue, وإذا أتيح للطفل بصفة دائمة في هذا الدور سماع أكثر من لغتين
стр. 150
أخذها جميعها عن طريق المحاكاة بدون أن يشعر أنه يتعلم، ووصل في إجادة كلٍّ منها إلى الدرجة نفسها التي يبلغها في لغته الأصلية، فينشأ متعدد اللغات Poyglotte, ومن أجل هذا تختار بعض الأسرات الموسرة لأولادها في هذا الدور مربيات مختلفات اللغات, حتى تنتقل إليهم بالمحاكاة جميع لغاتهن.
ومن الطريف أن الطفل الذي تنتقل إليه عدة لغات عن هذا الطريق يتجه من تلقاء نفسه إلى محادثة كل شخص من المختلفين به باللغة التي أخذها عنه, أو التي يعرف أنها لغته, بدون أن يشعر أنه يتكلم عدة لغات. فقد روى الأستاذ جويوم أن طفلًا أبوه ألمانيّ, وأمه فرنسية, قد أخذ الألمانية عن أبيه, والفرنسية عن أمه، وكان إذا طلب إليه أبوه بالألمانية تبليغ أمر لأمه بلغها ذلك بالفرنسية بدون أن يشعر أنه يترجم إلى لغة أخرى الكلام الذي كلفه أبوه تبليغه.
وفي هذا يختلف الكبار عن الصغار اختلافًا كبيرًا, فمهما بذل الكبار في تعلم لغة أجنبية من جهود, ومهما طالت مدة إقامتهم بين أهلها, فلن يصلوا في إجادتها من الناحية الصوتية إلى الدرجة التي يصل إليها الصغار في هذا الدور, والسبب في هذا راجع إلى أن الطفل يلبي في محاكاته داعي غريزته، ويسلك بهذا الصدد طريقًا محببًا إليه، ويسير على أسلوب يتفق مع ألعابه، فيسهل عليه بذل المجهود, ويؤتي مجهوده أكله. على حين أن الكبير يتعلم اللغة الأجنبية لغاية خارجة عنها, فيصعب عليه بذل المجهود في هذا السبيل. هذا إلى أن الكبار قد رسخت لديهم عادات كلامية خاصة, وتشكلت أعضاء نطقهم بالشكل الذي يلائمها، فيصبح من الصعب عليهم مع هذا اكتساب عادات صوتية جديدة مخالفة لعاداتهم الأولى, وليس الأمر كذلك عند الطفل، فأعضاء نطقه في هذا الدور تكون مرنة قابلة للتشكيل بمختلف الأشكال.
وهذا مظهر من مظاهر ما يسميه علماء النفس: "مقاومة القديم
стр. 151
للجديد", أو "آثار العادات اللغوية" التي سبق أن أشرنا إليها١، والتي تظهر آثارها حتى عند الطيور, فقد لاحظ "لودانتك" أن صغار الطيور المغنية إذا نشأت مع فصيلة أخرى غير فصيلتها, قلدتها في غنائها، وأنها إذا بقيت مع هذه الفصيلة حتى كبرت ورسخت عندها هذه العادة الغنائية صعب عليها بعدئذ تقليد صوت فصيلتها نفسه.
ولمهارة الطفل في التقليد اللغوي في هذه المرحلة، تسري إليه في أمد قصير لهجة المقاطعة التي ينتقل إليها أهله؛ فقد ذكر الأستاذ "شافر Schaffer" أنه قضى شهرين من إجازته الصيفية بفرنكونيا، فلاحظ أن ابنه الذي كان يبلغ حينئذ سنتين وثلاثة أشهر، قد سرت إليه لهجة هذه البلدة، ينطق الكلمات الألمانية وفق لهجتهم في نطقها، وأن هذا الأسلوب قد لازمه بضعة أشهر بعد رجوعه إلى بلده, وذكر الأستاذ "جويوم" أنه قضى مرة إجازته بشرقي فرنسا، فلاحظ أن أولاده، الذين كانوا يزيدون في سنهم عن ابن شافر، ينطقون حرف الراء الفرنسي R, كما ينطق به أهل هذه المقاطعة, وكما ينطق بالراء في اللغة العربية "وهذا يخالف طريقة النطق في منطقة باريس ما إليها، فأهل هذه المنطقة يلفظونه بين الراء والغين", وقد قضيت أنا مرة إجازتي مع أسرة باريسية بقرية من قرى فرنسا تسمى: سان كورنتان Saint Corintin, متاخمة لمقاطعة نورمانديا، فأدهشني كثيرًا أن طفلة صغيرة من هذه الأسرة، كانت حينئذ في الخامسة من عمرها، قد سرت إليها، بعد بضعة أسابيع من إقامتنا، لهجة هذه القرية، مع أن اختلاطنا بأهلها كان قليلًا, فأصبح أسلوب حديثها وتركيبها للجمل, ونطقها بالكلمات مطابقًا لأسلوب حديثهم وتركيبهم ونطقهم, وظهر هذا لديها حتى في مخارج الأصوات نفسها, وطريقة النطق ببعض حروف المد, فقد استحال مثلًا صوت المد الفرنسي oi "وا" في لسانها إلى صوت واو ممدودة بالألف الممالة Wai, كما كان شأنه في لسان
стр. 152
أهل هذه القرية, "فكلمة Poire مثلًا كانت تنطقها Pwair، وكذلك كل الكلمات المشتملة على صوت oi", وعبثًا حاولنا إصلاح ما أصاب نطقها من لحن وتحريف، فإنها لما شعرت بامتعاضنا من طريقتها وسخريتنا بها, كانت تجتهد في أثناء كلامها معنا أن تكون باريسية اللهجة، فإذا خلت إلى أطفال هذه القرية أو كبارهم عادت إلى طريقتها, وبقيت آثار هذه اللهجة في حديثها بضعة أسابيع بعد عودتنا إلى باريس.
٨- ولا يقتصر نشاط الطفل التقليدي في هذه المرحلة على الأصوات اللغوية، بل يمتد كذلك إلى ما عداها من الأصوات؛ كأصوات الحيوان والطيور, ومظاهر الطبيعة, والأصوات الشاذة, وأصوات المصابين بعاهات في النطق, والأصوات التي تحدثها الأفعال؛ كأصوات الضرب والقرع والسقوط, وما إلى ذلك. وهم في هذه الناحية كذلك أمهر كثيرًا من الكبار, فقد لاحظ العلّامة تين Tain, أن الأطفال في هذه المرحلة أدق وأمهر من الكبار في محاكاة أصوات الحيوان في صورتها الطبيعية, وذكر العلامة جوتمان أنه كان يتدرب على "فن التكلم الجوفي Ventrilloquie", "وهو معالجة النطق في صورة تشعر السامع أن الكلام صادر من بطن المتكلم, أو من شخص آخر غيره, وقد مهر فيه كثير من المشعوذين الذين يحاولون إيهام الناس أن الجن تلابسهم وتنطق من جوفهم" فأدهشه أن ابنه الصغير، الذي لم يتجاوز حينئذ الثانية من عمره، قد سبقه كثيرًا في هذا المضمار لمجرد سماعه لمحاولات أبيه.
هذا، ويبدو أن اتجاه الطفل لمحاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة والأصوات التي تحدثها الأفعال, يظهر قبل اتجاهه إلى محاكاة الكلمات, فقد كان في استطاعة ابنتي عفاف في الشهر الثالث من سنتها الثانية "٩/ ٤/ ٤٥" أن تحاكي صوت طائفة كبيرة من الحيوان، مع أنها حينئذ لم تكن لتستطيع النطق إلّا بكلمة واحدة وهي "بابا". وقد كان في استطاعة ابني إقدام في الشهر الثاني من سنته الثانية أن
стр. 153
يحاكي أصوات كثير من الحيوانات والأشياء للإشارة إليها "فو" = الطيارة أو السيارة، "آاْ"= الدجاجة، "أأْ آ"= الضرب ... إلخ", مع أنه في هذه المرحلة ما كان يستطيع النطق إلّا بأربع كلمات.
ويسلك الطفل في تقليده لهذا النوع طريقتين: أحداهما أن يلفظه في صورته الطبيعية, أي: في أصوات مبهمة، وفي هذه الطريقة على الأخص تظهر مهارة الطفل، وثانيتهما أن يمثله في أصوات ذات مقاطع وأصوت مد ""ماء" لثغاء الخروف، "كاك" لصوت الدجاجة "هَوْ هَوْ" لنباح الكلب ... وهم جرا".
ثانيًا: ومن أهم الظواهر المتعلقة بالدلالة في هذه المرحلة الأمور الآتية:
١- على الرغم من أن فهم الطفل لمعاني الكلمات يبدو لديه في المرحلة السابقة لمرحلة التقليد -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك١، فإن درجة فهمه تظل مدة طويلة ضعيفة وغير دقيقة, ويبدو هذا في مظاهر كثيرة من أهمها ما يلي:
أ- أنه في أوائل هذه المرحلة يستخدم الكلمات القليلة التي يستطيع النطق بها استخدامًا واسعًا, يدل على عدم دقته في فهم مدلولاتها, فيحمل كلًّا منها من المعاني أكثر مما يحتمله، ويعبر بها عن جميع ما يرتبط بمعناها الأصلي برابطة ما, وقد يتجاوز هذا كله فيعبر بها عن أمور لا صلة لها مطلقًا بمعناها الأصلي؛ فيطلق مثلًا "الكاكا" على الدجاجة، والإناء الذي تقدم فيه، والطاهي الذي يعدها، وغرفة الطهو التي تعد فيها، والسكين الذي تذبح به، والقفص الذي تحبس فيه، والبيضة التي تبيضها ... وقد يتجاوز هذا كله فيطلقها على شيء أجنبي عنها؛ كالمكتب مثلًا, لأدنى ملابسة في ذهنه, أو لاضطراب معناها لديه, وقد لاحظت أن ابنتي عفاف في أوائل سنتها الثالثة تطلق كلمة "ننا" على النوم وما يشتق منه، وعلى جميع الأمور التي تشبهه أو تمت إليه بصلة.
стр. 154
فكانت تطلقها على السرير، وعلى الاختفاء فتقول "الكاكاننا" قاصدة التعبير عن اختفاء الدجاجة عن الأنظار، وعلى البعد والإبعاد فتقول "ماماننا" معبرة عن رغبتها في أن تبعد أمها عن مجلسنا، وعلى حفظ الشيء بعد الفراغ من استخدامه فتقول: "فوطة ننا" أي: أن المشوش "الفوطة" قد انتهت الحاجة إليه وحفظ في المكان المعتاد حفظه فيه, وكانت تطلق لفظ أمة =عمة "أي: عمامة" على الشخص الذي يلبسها.
وهذا التوسع في الاستعمال لا ترجع أسبابه دائمًا إلى ضعف الفهم وعدم الدقة في إدراك المدلولات، بل ترجع أحيانًا إلى ضآلة محصول الطفل في الكلمات في ذلك العهد وحاجته إلى التعبير على أيِّ وجه، وترجع أحيانًا إلى الأمرين مجتمعين.
ب- أنه في أوائل هذه المرحلة يطلق اسم الجنس على غير أفراده لأدنى مشابهة؛ فقد لاحظت أن ابنتي عفاف كانت إلى أواخر السنة الثانية تطلق "كاكا" "ومعناها الأصلي في لغتها الدجاجة" على الدجاج والحمام والأوز والبط ... وما إليها، وكلمة "ماء" "ومعناها الأصلي في لغتها الخروف" على الخروف والحمار.. وما إليها، و"ماما" على جميع السيدات، و"بابا" على جميع الرجال ... وهلم جرا.
وكلما تقدمت سن الطفل وكثر محصوله اللغوي، يدق فهمه وتتحدد معاني الكلمات في ذهنه، فتتخلص من المدلولات الأجنبية التي كانت عالقة بها، وتتميز لديه الأجناس بعضها عن بعض، فيطلق على أفراد كل منها اسمها الخاص بها.
٢- وفي أوائل هذه المرحلة تبدو لغة الطفل عارية عن الصرف والاشتقاق، فكل كلمة من كلماته تلازم شكلًا واحدًا، وتدل في شكلها هذا على جميع ما يشتق منها ويتصل بها, ومع تقدم الطفل في هذه المرحلة يدرك العلاقة بين تغير بنية الكلمة وتغير معناها أو زمنها، فتظهر حينئذ عناصر الصرف والاشتقاق في لغته.
стр. 155
٣- وفي مبدأ ظهور هذه العناصر يميل الطفل إلى القياس والسير على وتيرة واحدة حيال جميع الكلمات, فتراه مثلًا يتبع طريقة واحدة في التأنيث، فيقول: خروف وخروفة, وحصان وحصانة, وأحمر وأحمرة وأبيض وأبيضة وأصفر وأصفرة, كما يقول: قط وقطة, وكبير وكبيرة, وقد ظل ابني إخلاص ينطق بالصفات الدالة على اللون على هذه الطريقة حتى أوائل سنته السادسة.
٤- يفتتح الطفل هذه المرحلة بالنطق بكلمات مفردة قاصدًا به التعبير عما نعبر عنه بالجمل, فيقول مثلًا: "باب" قاصدًا افتح الباب، و"شباك" قاصدًا اقفل الشباك، و"عصا" قاصدًا اضرب القط بالعصا ... وهلم جرا، ويفهم غرضه من السياق والظروف المحيطة به, والإشارات اليدوية والجسمية التي تصحب كلامه.
ويختار الطفل عادة للتعبير عن الجملة الكلمة التي يجيد النطق بها أو الكلمة التي تسبق غيرها إلى لسانه، ولو لم تكن ذات أهمية في المعنى الذي يريد تقريره, فمن ذلك أن ابنتي عفاف وسنها ثمانية عشر شهرًا وبضعة أيام "٢/ ٨/ ٣٥" كانت تسير القهقري، فعثرت في إناء كان يوضع فيه اللبن لهرتها وأولادها الصغار، وكاد يختل توازنها، ولما تبين لما السبب في عثرتها قالت "بو" "بو=أمبو= الشرب"، أي: أن السبب في ذلك هو الإناء الذي تشرب فيه الهرة وصغارها لبنها.
ثم ترتقي لغة الطفل بهذا الصدد, فتصبح ثنائية الكلمات, عفاف في أوائل السنة الثالثة: "ماء مم" أي الخروف يأكل، "ماما ننا" أي: يجب أن تغادر مام هذا المكان ... " وبعد ذلك بقليل تصبح لغته ثلاثية الكلمات, عفاف في الشهر الرابع من السنة الثالثة: "ماما أوه أنا"= ماما ألم هنا، مشيرة إلى رقبة والدتها، أي: أن برقبة أمها ألمًا أو مرضًا
стр. 156
أما تركيب الجمل تركيبًا كاملًا فلا يصل إليه الطفل إلّا في أواخر هذه المرحلة.
٥- وفي مبدأ ظهور الجمل في لغة الطفل تبدو عارية عن الروابط والحروف، ويبدو تركيبها ساذجًا، وتبدو كلماتها بدون تنسيق ولا ترتيب، فيوضع بعضها بجانب بعض كيفما اتفق, ومن نماذج هذا ما قالته ابنتي عفاف في ٣٠/ ٧/ ٣٦: "أنا نونو" "صغيرة" دده "هكذا -وقوست ظهرًا لتمثل الحالة التي كانت عليها وهي صغيرة, "ماما دز "بز، ثدي" ساه "شاي"، أي: حينما كنت صغيرة على هذه الصورة كانت والدتي ترضعني الشاي في الثدي الصناعي.
وقد يرتب الطفل أحيانًا كلمات جملته بشكل يتفق مع ما لكل منها من أهمية في نظره، فيبدأ بأكبرها أهمية ويتدرج حتى ينتهي بأقلها شأنًا, فيقول مثلًا: "عصايا بابا ضرب محمد" قاصدًا أن أباه ضرب محمدًا بالعصا. فيقدم "العصا" لأنها أكبر عناصر الجملة أهمية في نظره، فانتباهه قد تعلق بها أكثر من تعلقه بما عداها، ولأن بيان آلة الضرب هو أهم ما يرمي إليه من جملته، ثم يتبعها بالكلمة الدالة على الشخص الذي استصل بها اتصالًا مباشرًا وقام بتحريكها، وهو "بابا"، ثم يأتي بالكلمة الدالة على أثر تحريك أبيه العصا, وهي "ضرب"، ويختم جملته بكلمة "محمد" الذي لم يقم بعمل إيجابي في الحادث الذي يريد الطفل التعبير عنه.
٦- وفي قسم كبير من هذه المرحلة يتأثر الطفل في مفردات لغته وتراكيبها وقواعدها بأكثر مخالطة له وأحبهم إليه؛ كأمه ومربيته وأخيه الأكبر وأخته الكبيرة، فتغلب في لغته مظاهر التقليد لهؤلاء، حتى إنها لا تكاد تختلف في معظم هذه المرحلة عن لغتهم, وعن هذا الطريق ينتقل إلى لغة الطفل ويعلق بها بعض أخطاء في المفردات والقواعد والأساليب، حتى الأخطاء التي تكون ناشئة عن خلل في أعضاء النطق للشخص الذي تغلب عليه محاكاته، وتظل هذه الأخطاء ملازمة للطفل أمدًا طويلًا, ومن غريب ما لاحظته بهذا الصدد أن ابنتي
стр. 157
"حزم" كانت تعبر عن نفسها بصيغة المذكر، فتقول مثلًا: "أنا نازل، أنا طالع، أنا خارج ... إلخ" بدلًا من "أنا نازلة، أنا طالعة، أنا خارجة ... إلخ", وهي في ذلك كانت تحاكي أخاها "إقدامًا" في تعبيره عن نفسه, ومع أننا لم نأل جهدًا في إصلاح طريقتها هذه, وإبداء السخرية بها، فقد ظلت عالقة بلسانها إلى ما بعد الخامسة من عمرها, وقد ظل ابني نائل حتى أوائل السادسة من عمره يعبر عن نفسه في بعض الأحوال بصيغة المؤنث، فيقول مثلًا: أنا عارفة, أنا عايزة، بدلًا من "أنا عارف، أنا عايز -أريد, ولكنه في ذلك، على ما يظهر لي، لا يقلد إحدى أخواته، وإنما يقلد والدته في تعبيرها عن نفسها لشدة ملازمته لها.
٧- وأول كلمات تبدو عند معظم الأطفال هي أسماء الذوات، وتظهر بعدها بعدها الأفعال١, ثم الصفات٢, ثم الضمائر, ولعدم وجود الضمائر في لغة الطفل في مبدأ هذ المرحلة نراه يعبر عن نفسه
стр. 158
باسمه العلم, فيقول مثلًا: "فيفي مم" أي: فيفي تريد أن تأكل١"، ولا تظهر الحروف وما يشبهها من الظروف وأسماء الشرط إلّا في منتصف هذه المرحلة أو أواخرها٢, ولذلك تظهر جمل الطفل في المبدأ عارية عن الروابط والحروف -كما سبقت الإشارة إلى ذلك٣.
والسبب في هذا راجع إلى أن الطفل يسير في ارتقائه اللغوي وفقًا لارتقاء فهمه، فدرجة نموه الفكري في مبدأ هذه المرحلة لا تتيح له أكثر من فهم الكلمات الدالة على أمور حسية يمكن أن يشار إليها، ولذلك اقتصر متن لغته في هذا الدور على أسماء الذوات, فإذا نما تفكيره أمكنه أن يدرك مدلولات الكلمات المعبرة عن أمور معنوية، وحينئذ تظهر في لغته الأفعال الدالة على الحدث والزمان, والصفات الدالة على معنًى كلي تتلبس به الذوات بشكل عارض, وما إليهما, ولما كانت الحروف والروابط أدق أنواع الكلمات مدلولًا، لم يتح له فهمها إلّا في أواسط هذه المرحلة أو أواخرها, فتأخر ظهورها تبعًا لذلك.
стр. 159
وقد قسَّم العلامة شترن Stern, هذا الطريق إلى ثلاث مراحل، سمى أولها "مرحلة المادة" Stade de la substance, وهي المرحلة التي تظهر فيها أسماء الذوات، وسمى ثانيتها "مرحلة العمل" Stade de l a ction, وهي المرحلة التي تظهر فيه الأفعال، وسمى الثالثة "مرحلة العلاقات" Stade des relations, وهي المرحلة التي تظهر فيها الحروف والروابط١.
٨- يكثر في لغة الطفل في أوائل هذه المرحلة الكلمات المأخوذة عن أصوات الحيوان والأشياء, والتي يقصد بها التعبير عن مصادرها, أو عن أمور تتصل بها "ماء للخروف، كاكا للدجاجة، أأ للضرب، مم للأكل ... وهلم جرا", وقد ثبت أن بعض هذه الكلمات يصل إليها الطفل بنفسه بدون تلقين الكبار.
٩- يعتمد الطفل في معظم هذه المرحلة اعتمادًا كبيرًا على لغة الإشارة، فيمزجها بلغته الصوتية لتحديد مدلولها, وتوضيح مبهمها, وتكملة نقصها, وتمثيل حقائقها٢, وقد يستخدمها وحدها في التعبير عما يود التعبير عنه, ويكثر هذا لديه قبل ظهور اللغة، أي: قبل دخوله مرحلة التقليد، وفي أوائل هذه المرحلة؛ ففي أوائل السنة الثانية كانت ابنتي عفاف تقتصر في التعبير عن كثير من حاجاتها على الإشارة اليدوية والجسمية. فمن ذلك أنها في تعبيرها عن الفيل كانت تقبض أصابعها ما عدا السبابة وتضع كفها بهذا الشكل تحت شفتيها, وتحرك السبابة كما يحركها المصلي في تشهده, ممثلة بذلك خرطوم الفيل وحركته, وكانت تستخدم هذه الحركات كلما طلبت الذهاب إلى حديقة الحيوان، أو سئلت عما رأته بها، أو طلب إليها بيان ما تمثله صورة فيل.. وهلم جرا.
стр. 160
وقد تبلغ لغة الإشارة عند بعض الأطفال شأوًا كبيرًا، فيستطيعون التعبير بها عن معانٍ دقيقة وقصص طويلة. فقد أردت مرة في أواخر السنة الثانية لابنتي عفاف "٢٢-١١-٣٥" أن أشغلها عن اللعب في سريرها لتتفرغ للنوم، فأخذت أقص عليها بالألفاظ التي تفهمها وبالحركات, قصة طويلة تتعلق بأسد كان يأكل قطعة لحم فسقط عليه غراب وضربه بمنقاره, واختطف منه قطعة اللحم, وطار بها حتى نزل على شجرة, وأخذ يأكلها. فاستأثرت هذه القصة بانتباهها, وكانت كلما فرغت من مرحلة من مراحلها تشير إلى إشارة الفاهم المتتبع لحديثي قائلة: "إيه، إيه", وبعد أن فرغت من القصة أخذت أسألها عنها كما يفعل المدرس عقب درس محادثة، فطفقت تمثل بحركات يديها وفهما أعمال الأسد وهو يتناول غذاءه، ثم حركات الغراب إذ ضرب الأسد بمنقاره واختطف منه قطعة اللحم، وإذ طار بها إلى الشجرة ... إلخ، غير مستخدمة في ذلك إلّا بضع ألفاظ، ككلمة "أاْ" التي كانت تعبر بها عن الضرب، وكلمة "مم" التي كانت تعبر عن الأكل.
المرحلة الرابعة: مرحلة الاستقرار اللغوي:
وهي المرحلة الأخيرة في هذا السبيل، وتبدأ من سن السادسة أو السابعة أو الثامنة تبعًا لاختلاف الأفراد. وبدخول الطفل في هذه المرحلة تستقر لغته, وتتمكن من لسانه أساليبها الصوتية، وترسخ لديه طائفة كبيرة من العادات الكلامية الملائمة لطبيعتها الخاصة.
ومن أجل ذلك يشعر الطفل في هذه المرحلة بصعوبة كبيرة في تعلم اللغات الأجنبية, وتبدو هذه الصعوبة أوضح ما يكون في النطق بالكلمات المشتملة على أصوات لا نظير لها في أصوات لغته, فالطفل المصري مثلًا يجد في هذه المرحلة صعوبة كبيرة في النطق بالكلمات الإفرنجية المشتملة على مثل هذه الحروف: v p j u eu etc
هذا، ولا ينتهي الأمر بلغة الطفل في هذه المرحلة إلى أن تكون
стр. 161
مطابقة كل المطابقة للغة الجيل الذي أخذها عنه، بل تستقر لديه في صورة تختلف بعض الاختلاف عن لغة آبائه, ويرجع هذا الاختلاف إلى أسباب كثيرة, سنعرض لها في فصول الثلاثة الأخيرة من هذا الكتاب.
стр. 162
٤- عوامل كسب الطفل للغة:
يتوقف التقليد اللغوي عند الطفل على عوامل كثيرة, من أهمها ما يلي:
١- وضوح الإحساسات السمعية وتمييزها بعضها عن بعض:
يولد الطفل أصم، ويتمد صممه هذا حتى اليوم الرابع أو الخامس، وحينئذ تبدو لديه أمارات السمع, غير أن إحساساته السمعية تظل مبهمة إبهامًا كبيرًا, ويظل عاجزًا عن تحديد مصادرها حتى أواخر الشهر الرابع، ثم ترتقي ارتقاءً بطيئًا حتى أوائل السنة الثانية، ثم تدخل في دور النضج الذي يستغرق أمدًا غير قصير.
فالموازنة بين هذه المراحل والمراحل التي تسير فيها لغة الطفل، والتي سبق الكلام عنها في الفقرة السابقة، يتبين أن ظاهرة التقليد اللغوي تتبع في رقيها ظاهرة الإحساس السمعي.
أما السبب في ذلك فلا يحتاج إلى بيان؛ فالطفل في تقليده يحاكي ما يصل إليه عن طريق السمع, فمن البديهي أن تتوقف هذه المحاكاة على وجود قدرة السمع لديه, وأن تتأثر في ارتقائها بما ينال هذه الحاسة من دقة وتهذيب.
ولذلك نرى أن من يولد أصم ينشأ أبكم, ولو كانت أعضاء نطقه سليمة.
стр. 163
٢- الحافظة والذاكرة السمعيتان, ونعني بذلك القدرة على حفظ الأصوات المسموعة, وعلى تذكرها واستعادتها عند الحاجة إليها.
ولا تبدو هذه القدرة عند الطفل إلّا بعد بضعة أسابيع بعد ولادته١، وتظل ضعيفة حتى أواخر الشهر الرابع، ثم ترتقي ارتقاءً بطيئًا حتى أوائل السنة الثانية، وحينئذ تبدأ مرحلة نضجها.
فهذا العامل يقطع في طريق نموه المراحل نفسها التي يقطعها العامل الأول، وتصحبهما في سيرهما ظاهرة التقليد اللغوي؛ تظهر بظهورهما، وتنمو بنموهما.
أما وجه توقف التقليد اللغوي على هذه الظاهرة فلا يقل وضوحًا عن توقفه على الظاهرة الأولى، وذلك أن الكلمة التي يحاكيها الطفل لا تصبح جزءًا من لغته إلّا إذا استطاع حفظها واستعادتها عند الحاجة إلى التعبير عما تدل عليه.
٣- فهم الطفل لمعاني الكلمات, على الرغم من أن فهم الطفل لمعاني الكلمات يسبق قدرته على النطق بها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- فإن هذا الفهم شرط ضروري للتقليد اللغوي, وعامل أساسي من عوامل نموه, وقد عرضنا في الفقرة السابقة لأمور كثيرة تدل على توقف التقليد اللغوي على هذا العامل، وتثبت أن كل ارتقاء في تفكير الطفل ودرجة فهمه يتبعه ارتقاء في تقليده ونمو في محصوله اللغوي، وتبين وجوه العلاقة بين الأمرين٢, ولا أدل على هذا التوقف وهذا التلازم من أن الطفل الذي يولد مصابًا بجنون يحول بينه وبين فهم معاني الكلمات ينشأ أبكم, ولو كانت أعضاء سمعه ونطقه سليمة.
فالعوامل الثلاثة السابقة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا،
стр. 164
والتقليد في اللغة متوقف عليها مجتمعة في نشأته وفي تطوره, فعدم ظهوره قبل الشهر الخامس يرجع سببه إلى عدم وجودها قبل هذه السن، وضعفه في مرحلة "التمرينات النطقية" يرجع سببه إلى ضعفها في هذه المرحلة، وقوته في المرحلة التالية "مرحلة التقليد اللغوي" مدين بها الطفل لقوتها في هذا الدور.
غير أنه يحدث عند بعض الأطفال أن يتخلف التقليد عن هذه العوامل الثلاثة, فقد لوحظ أن بعض الأطفال يفهمون في سن مبكرة معظم ما يقال لهم "وفي هذا دليل على توافر العوامل الثلاثة توافرًا كاملًا"، ومع ذلك لا تظهر لديهم بوادر المحاكاة اللغوية إلّا في السنة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة. ولوحظ كذلك أن بعض الأطفال يتقدمون كثيرًا في السن ولا يتكلمون إلّا بمعالجة واستخدام وسائل غير طبيعية مع سلامة أعضاء نطقهم وسمعهم وقواهم الفكرية، ومع أن سلوكهم في مرحلة بكمهم هذه يدل على فهمهم لما يوجه إليهم أو يقال حولهم من حديث، ولوحظ أن هذا التأخر اللغوي يتبعه غالبًا تأخر في المشي عند الطفل.
ويرجع في الغالب سبب هاتين الظاهرتين معًا "تأخر الكلام وتأخر المشي" إلى خمول محلي في أعضاء النطق والحركة، أو كسل طبيعي عام، أو تراخي الطفل وقلة نشاطه, وضعف رغبته في الاشتراك في الحياة الاجتماعية.
ولهذا يجدر أن نضيف إلى هذه العوالم الثلاثة عاملًا رابعًا، وهو نشاط الطفل الحيوي وقوة عزمه وإرادته ورغبته في الاشتراك في حلبة الحياة.
стр. 165
٥- أثر النظر في التقليد اللغوي:
ترى طائفة من الباحثين -على رأسها الأستاذ Onufrowicz- أن لحاسة النظر دخلًا كبيرًا في التقليد اللغوي، وأن رؤية الطفل لشفتي المتكلم وحركتهما، وعمله على محاكاة هذه الحركة، وإخراجه الصوت الذي يتلاءم معها، كل ذلك يساعده على إجادة عملية التقليد ويذللها له، وأن هذه الرؤية لا تقل أثرًا بهذا الصدد عن العوامل الثلاثة التي ذكرناها في الفصل السابق.
وأهم الأدلة الي يقدمها هؤلاء على صحة نظريتهم ترجع إلى ما يلي:
١- أن الطفل في مبدأ هذ المرحلة لا يستطيع محاكاة صوت يصدر من متكلم غير مواجه له, وهذا دليل على توقف التقليد اللغوي، في مراحله الأولى على الأقل، على رؤية شفتي المتكلم وملاحظة حركاتهما.
٢- أن الأطفال في مرحلة "التمرينات النطقية١", وهي المرحلة السابقة لمرحلة التقليد اللغوي، يوجهون اهتمامًا كبيرًا إلى ملاحظة شتفي المتكلم, وملاحظة حركاتهما, ويحركون شفاههم في صورة يحاولون بها محاكاة ما رأوه بدون أن يلفظوا صوتًا ما, وهذا يدل على أن محاكاة الطفل للآثار المرئية للصوت تسبق تقليده للصوت نفسه، وتمرنه على هذا التقليد، وتهيئ له عنصرًا هامًّا من عناصره.
٣- أن أول كلمات يقلدها الطفل هي الكلمات التي تكثر فيها الحروف الشفوية، وهي الحروف التي تخرج من الشفتين ويقتضي نطقها
стр. 166
تحركهما حركات ظاهرة مرئية تصل إلى الطفل عن طريق حاسة البصر: "بابا", "ماما" ... إلخ. وهذا دليل على أهمية النظر في التقليد اللغوي، وخاصة في المراحل الأولى لهذا التقليد.
٤- أن الطفل الأكمه -الذي يولد أعمى- يقضي في كسب اللغة عن طريق التقليد مدة أطول من المدة التي يقضيها في العادة طفل بصير, أو طفل طرأت عليه هذه العاهة بعد أن قطع قسم من مرحلة التقليد اللغوي. فللنظر إذن دخل في سير هذا التقليد وتخفيف أعبائه وتيسير عناصره.
٥- أن الأطفال الذين يولدون صمًّا يمكن تعليمهم النطق عن طريق محاكاتهم للحركة المرئية التي تتحرك بها أفواه المتكلمين وشفاهم, فللنظر إذن أهمية كبيرة في عملية التقليد اللغوي، حتى إنها قد تتم أحيانًا بمساعدة النظر وحده, وتستغني استغناءً تامًّا عن السمع.
وقبل أن نعرض لقيمة هذه الأدلة، يجدر بنا أن نبين أن النظرية نفسها قائمة على أساس غير سليم.
وذلك أن عملية التقليد اللغوي يتوقف نجاحها على مبلغ مطابقتها للأصل الذي تحاكيه، وأن هذه المطابقة لا يصل إليها الطفل لأول وهلة، قد تقتضيه معالجة صوته, والعمل بالتدريج على إصلاح ما عسى أن يكون قد وقع فيه من أخطاء، كما تقدم بيان ذلك١. ويتاح للطفل هذا الإصلاح بفضل إحساسه للصوت الذي يلفظه, والموازنة بينه وبين الصوت الذي سمعه, أو بينه وبين ما يذكره عن هذا الصوت. ولو كان الطفل يعتمد في تقليده اللغوي على محاكاة ما يراه من حركات الشفتين كما تقول هذه النظرية، لما استطاع سبيلًا إلى هذا الإصلاح؛ لأنه لا يمكنه أن يرى كيف تتحرك شفتاه هو، فلا يستطيع أن يعرف أن
стр. 167
كانت حركاتهما قد جاءت مطابقة للحركات التي رآها أم غير مطابقة لها, ولا يستطيع تبعًا لذلك أن يحدد مواطن الخطأ تحديدًا دقيقًا, ولا أن يصل إلى مطابقة صحيحة.
هذا إلى أن معظم الأصوات اللغوية تعتمد في مخارجها على حركات غير مرئية تؤديها أعضاء غير ظاهرة؛ كحركات الجوف والحلق والحنك واللسان, فليس في اللغة العربية مثلًا إلّا أربعة أصوات شفوية "الفاء والباء والميم والواو"، بينما تشتمل على أربعة وعشرين صوتًا من الأنواع الأخرى, فلو كان للنظر دخل ما في التقليد اللغوي لتعذر على الطفل أو صعب عليه محاكاة قسم كبير من أصوات لغته، أو لكانت محاكاته للأصوات الشفوية أدق من محاكاته لما عداها, وكلتا هاتين النتيجتين لا تتفق مع الواقع في شيء.
وأما الأدلة التي يعتمد عليها أصحاب هذه النظرية, والتي سبق تلخيص أهمها، فبعضها يتضمن حقائق غير مسلَّم بها أو غير صحيحة، وبعضها لا يدل دلالة قاطعة على ما يذهبون إليه، وبعضها يظهر من تحليله أنه دليل عليهم لا لهم:
١- فأما ادعاؤهم أن الطفل في أول مرحلة التقليد اللغوي لا يستطيع محاكاة صوت يصدر من متكلم غير مواجه له، فلا يتفق مع الواقع في شيء؛ إذ الحقيقة أن الطفل في فاتحة هذه المرحلة كثيرًا ما يحاكي أصواتًا وكلماتٍ لا يرى مصدرها, أو يبعد مصدرها عنه؛ بحيث لا يستطيع أن يرى حركات فمه وشفتيه، ولا تقل محاكاته إياها في جودتها عن محاكاته لما يصدر عن شخص مواجه له.
٢- وأما ما يوجهه الطفل في مرحلة "التمرينات النطقية" من اهتمام بملاحظة شفتي الكلام، فليس ذلك ناشئًا عن رغبته في تقليد حركاتهما كما يزعم أصحاب هذه النظرية، وإنما ينشأ عن رغبته في الوقوف على مصدر الصوت, وهذه الرغبة فطرية قائمة على غريزة الاستطلاع عند الطفل، وتبدو حيال جميع الأصوات سواء في ذلك
стр. 168
أصوات الأناسي والحيوانات والأشياء، وتظهر أماراتها لديه من الشهر الرابع, أي: في المرحلة نفسها التي تبدأ فيها "التمرينات النطقية".
هذا إلى أن الطفل في هذه المرحلة يميل إلى التحديق في كل ما يتحرك أمامه، ويتبعه بنظره ما دام متحركًا، لرغبته في تقليد حركته, بل لمجرد رغبته في رؤية الحركة وتتبعها, وهذا ضرب مما يسميه علماء النفس "ألعاب الحواس" عند الطفل١, وهو قائم كذلك على غريزة حب الاستطلاع؛ فملاحظة الطفل لشفتي المتكلم في أثناء تحريكهما لا تختلف في الباعث عليها عن ملاحظته لأية هنة تتحرك أمامه.
٣- وأما ما يعمله الأطفال أحيانًا، عقب ملاحظتهم لشتفي المتكلم، من تحريك لشفاهم في صورة يحاولون بها تقليد ما رأوه بدون أن يلفظوا صوتًا ما، فقد دلَّت الملاحظات على أن هذه الظاهرة لا تبدو لديهم إلّا حوالي الشهر السابع، أي: في مرحلة "التقليد اللغوي" نفسها, أو قبلها بأمد يسير؛ فالتفسير المعقول إذن لهذه الظاهرة: هو أن الطفل في هذه المرحلة المبكرة نوعًا ما يحاول محاكاة الأصوات الجهرية التي يسمعها بأن يلفظها في أصوات خفية غير مسموعة، ومحاولته هذه هي التي تجعل شفتيه تتحركان حركات مطابقة لحركات شفتي المتكلم أو مشبهة لها, فلسنا إذن بصدد محاكاة مقصودة لحركات الشفتين، بل بصدد محاولة لمحاكاة الصوت المسموع محاكاة خفية تصحبها حتمًا حركات الشفتين في صورة غير مقصودة بالذات.
٤- وأما زعمهم أن أول كلمات يقلدها الطفل هي الكلمات التي تكثر فيها الحروف الشفوية "وهي الحروف التي تخرج من الشفتين, ويقتضي نطقها تحركهما حركات ظاهرة مرئية تصل عن طريق حاسة النظر" فزعم غير صحيح؛ فقد دلت المشاهدات على أن الفوج الأول من كلمات الطفل يتألف من أصوات متنوعة المخارج والصفات٢.
٥- وأما ما يظهر لدى الطفل الأكمه من ضعف في التقليد اللغوي
стр. 169
وطول في المدة التي يقتضيها في كسب لغته بالقياس إلى الطفل البصير، فلا يرجع سببه إلى عدم رؤية الحركات التي تبدو على شفتي المتكلم كما يدعي أصحاب النظرية التي نحن بصددها، وإنما يرجع إلى صعوبة فهمه لمعاني ما يسمعه من كلمات, وذلك أن من وسائل هذا الفهم ما لا يتاح الانتفاع به إلّا للبصير، كإشارة المتكلم في أثناء النطق بالكلمة إلى الشيء الذي تدل عليه، والحركات اليدوية والجسمية التي تصحب الكلام عادة, وتساعد على فهم ما يقصد إليه المتكلمون, وقد تقدَّم أن فهم معاني الكلمات عامل هام من عوامل التقليد اللغوي١, فعدم تمكن الطفل الأكمه من الانتفاع بطائفة من وسائل هذا الفهم، هو الذي يسبب ضعفه في هذا الصدد, ويؤدي إلى تأخره عن البصير.
٦- وأما تعليم النطق للأطفال الذين يولدون صمًّا عن طريق أخذهم بمحاكاة الحركات المرئية التي تتحرك بها أفواه المتكلمين وشفاههم, فلا ينهض دليلًًَا على صحة هذه النظرية لأسباب كثيرة:
منها: أن تعلمهم النطق عن هذا الطريق لا يتاح إلّا بتربية مقصودة في مدارس خاصة، وبمعالجة طويلة شاقة، واستخدام وسائل صناعية كثيرة, فلو ترك الطفل الأصم منذ الولادة وشأنه لنشأ أبكم، ولو لم يكن به أي عطب في أعضاء نطقه٢, وفي هذا دليل على أن الطفل بطبعه لا يعتمد على نظره في التقليد اللغوي، ولا يحاول الانتفاع به إلّا إذا أخذ بذلك أخذًا، ووجه إليه توجيهًا مقصودًا، ودُرِّبَ عليه بوسائل صناعية, ومعالجة طويلة, وغنيٌّ عن البيان أن في هذا دليلًا على أصحاب هذه النظرية لا دليلًا لهم.
ومنها: أن تعليم الأصم الكلام عن هذا الطريق لا يمكن الشروع فيه قبل سن الثامنة أو التاسعة, أي: بعد انتهاء مرحلة "التقليد اللغوي"، أما قبل ذلك فكل مجهود يبذل في هذا السبيل يذهب
стр. 170
أدراج الرياح, وفي هذا دليل على أن الطفل لا يتجه مطلقًا، في أثناء مرحلة التقليد اللغوي، إلى الانتفاع بنظره في المحاكاة اللفظية، حتى إنه ليتعذر حمله على هذا الانتفاع مهما بذلنا معه من مجهود, وفي هذا أقطع دليل على فساد النظرية التي نحن بصددها.
ومنها: أن طائفة كبيرة من الأصوات اللغوية تعتمد في مخارجها على حركات غير مرئية, تؤديها أعضاء غير ظاهرة؛ كحركات الجوف والحلق والحنك واللسان, ولذلك لا يعتمد معلمو الصم على الإحساسات البصرية وحدها، بل يلجئون كذلك إلى وسائل أخرى كثيرة، فيحاولون مثلًا أن يحس تلاميذهم كمية الهواء الخارجة من فم المتكلم، أو يطلبون إليهم أن يضعوا أيديهم على حلقومه أو صدره أو طرف أنفه أو قمة رأسه ... حتى يتاح لهم عن طريق حواس أخرى غير النظر، الذي ظهر عدم كفايته في هذا السبيل، إدراك الذبذبات الخاصة التي يحدثها كل حرف في أثناء لفظه, والتي تساعد على تمييزه والنطق به. وحتى الحروف الشفوية نفسها لا يمكن للصم محاكاتها بمجرد نظرهم لما تؤديه في أثناء النطق بها شفاه أساتذتهم من حركات, وذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى كيف تتحرك شفته هو، فلا يمكنه أن يعرف أن كانت حركتها قد جاءت مطابقة للحركات التي يحاول تقليدها أم غير مطابقة لها، ولا أن يحدد مواطن الخطأ تحديدًا دقيقًا، فيتعذر عليه الوصول إلى مطابقة صحيحة, ولذلك يلجأ معلمو الصم إلى وضع مرآة أمام تلاميذهم ليتمكنوا من رؤية الحركات التي تؤديها شفاهم، ومن إصلاح ما عسى أن يكون بها من أخطاء بالقياس إلى الأصل الذي يأخذونهم بمحاكاته.
ومنها: أن تعليم الصمِّ الكلامَ لا يكلل بنجاحٍ ما إلّا مع النابهين الذين يمتازون بفرط النشاط وحدة الذكاء وصفاء الذهن وشدة الانتباه وقوة الإرادة، وتحفزهم إلى ذلك رغبة ملحة في الكلام، وحتى هؤلاء أنفسهم ينتهي تعليمهم بنتائج ضئيلة، ويخرجون بلغة ناقصة مشوهة, أما من عدا هؤلاء فلا يؤتى تعليمهم هذا آية ثمرة يعتد بها،
стр. 171
ولا يمكن للمعلمين -مهما بذلوا من جهد- أن يحولوا بينهم وبين لغة الإشارة المحببة إلى طائفتهم.
ومنها: أن النتائج التي تتحقق في تعليم الصُّمِّ الكلام يرجع قسط كبير من الفضل في تحققها إلى مايسمونه: "الأنقاض السمعية"، وهي إحساسات سمعية ضئيلة توجد لدى عدد كبير ممن يظن أن صممهم كامل, وقد تبين لمعلمي الصم أهمية هذه "الأنقاض", فوجهوا معظم جهودهم إلى استغلالها والانتفاع بها في تعليم الصم الكلام.
стр. 172
٦- أساس التقليد اللغوي عند الطفل:
يتبين مما ذكرناه في الفصول السابقة أن التقليد اللغوي في الطفولة يعتمد على ميلٍ فطريٍّ مزود به الطفل، وأن أعمال المحاكاة التي يتجه إليها الطفل بدافع من هذا الميل تنبعث عن قصد وإرادة، وتشرف قواه الفكرية على أدائها وتنظيمها، وإصلاح فاسدها، وجعلها مطابقة للأصل, وفهم مدلولها، وحفظها، واستخدامها فيما وضعت له١؛ فأعمال التقليد اللغوي عند الطفل لا تختلف في أساسها عن ألعابه الراقية؛ كألعاب الاستطلاع والحل والتركيب والتصوير والمقاتلة والصيد والألعاب العائلية والاجتماعية والصناعية والزراعية.. وهلم جرا٢. فكلاهما يعتمد على ميل فطري مزود به الطفل, ويتجه إليه بدافع من هذا الميل، ولكن كليهما كذلك ينبعث عن قصد وإرادة, وتشرف قوى الفكر على أدائه وتنظيم عناصره.
غير أن طائفة من الباحثين -على رأسها العلامة لودانتك La Dantec- قد ذهبت في هذا الصدد مذهبًا آخر، فزعمت أن التقليد اللغوي عند الطفل عملية آلية مجردة عن القصد والإرادة وعمل الفكر، ولا تعتمد إلى على أمور جسمية خالصة.
стр. 173
وذلك أنهم يرون أن هناك رابطة طبيعية تربط أعضاء السمع عند الطفل في هذه المرحلة بأعضاء نطقه في صورة تجعل الأعضاء الأخيرة تلفظ بشكل منعكس الأصوات نفسها التي تحسها الأعضاء الأولى؛ فالطفل يردد ما يسمعه بعملية آلية لا دخل فيها لإرادة ولا قصد ولا تفكير, وبحركات تنبعث من تلقاء نفسها عند حدوث ما يثيرها كما تنبعث الأعمال المنعكسة.
وقد أوغل لودانتك في هذا السبيل, حتى زعم أن أعضاء النطق وأعضاء السمع يؤلفان عند الطفل في هذه المرحلة جهازًا واحدًا ترسل ناحية منه ما تستقبله الناحية الأخرى؛ فهما أشبه شيء بجهاز المذياع -الراديو- الذي ينبعث من بعض أجزائه ما تلتقطه أجزاؤه الأخرى من أصوات, وطبيعة تركيبهما عند الطفل في هذه المرحلة مطابقة كل المطابقة -كما يقول لودانتك نفسه- لطبيعة تركيبهما عند الببغاء, وما إليها من الطيور١.
ومن ثَمَّ يرى لودانتك أن أصوات التقليد اللغوي عند الطفل لا تختلف في أساسها عن أصوات "التعبير الطبيعي عن الأطفال" التي تكلمنا عليها في أول هذا الباب٢؛ كلاهما في نظره فطريّ آليّ بحت, لا دخل فيه لإرادة ولا قصد ولا تفكير، وكلاهما ينبعث عن مثير خاصٍّ, وعن مجرد وجود هذا المثير. فأصوات التعبير الطبيعي عن الانفعال يثيرها مجرد تلبس الجسم أو النفس بحالة انفعالية ما، وأصوات التقليد اللغوي يثيرها مجرد التلبس بإدراكٍ سمعيٍّ خاصٍّ, وكلاهما قائم على روابط طبيعية فطرية؛ فأولهما قائم على روابط طبيعية تربط أعضاء النطق بحالات الانفعال في صورةٍ تجعل تلك الأعضاء تتحرك من تلقاء نفسها, وتلفظ أصواتًا خاصة كلما وجدت حالة من هذه
стр. 174
الحالات، وثانيهما قائم على روابط طبيعية تربط أعضاء السمع بأعضاء النطق في صورة تجعل الأعضاء الأخيرة تردد من تلقاء نفسها ما يصل من أصوات لغوية إلى الأعضاء الأولى.
هذا، وبحسبنا في الدلالة على فساد هذه النظرية أن نواجهها ببعض ما ذكرنا فيما سبق من حقائق:
فقد ظهر لنا فيما سبق أن الطفل لا يردد الكلمة عند سماعه إياها كما تردد الببغاء ما تسمعه من أصوات، بل يرددها فاهمًا معناها فهمًا كاملًا أوناقصًا من سياق الحديث وملابسات الأحوال١, وبعد أن يتم له حفظها, وتستقر في متن لغته يلفظها وحده كلما أراد التعبير عما تدل عليه, وغنيٌّ عن البيان أن ظاهرة هذا شأنها ليست من الأعمال الآلية أوالمنعكسة في شيء؛ إذ لا يمكن أن يتم مثلها بدون تدخل الإرادة والتفكير.
وقد ظهر لنا فيما سبق أن الطفل لا يكتسب في هذه المرحلة عن طريق المحاكاة مفردات لغته فحسب، وإنما يكتسب كذلك قواعدها المتعلقة بربط عناصر الجملة، وترتيب أجزائها، وتنظيم العبارات، وتصريف المشتقات، ومراعاة أزمنة الأفعال وإسنادها للضمائر, والأسماء الظاهرة، والتذكير والتأنيث, والإفراد والجمع.. وهم جرَّا٢. ومن الواضح أن كسب الطفل لقواعد اللغة يقتضي عمليات فكرية وإرادية دقيقة، ولا يمكن أن يتم شيء منه عن طريق آلي أو منعكس.
وقد ظهر لنا كذلك أن أول كلمات تبدو عند معظم الأطفال هي أسماء الذوات، وتظهر بعده الأفعال، ثم الصفات، ثم الضمائر، ثم الحروف والروابط، وأن السبب في هذا يرجع إلى أن الطفل يسير في ارتقائه اللغوي وفقًا لارتقاء فهمه؛ فدرجة نموه الفكري في مبدأ هذه المرحلة لا تتيح له أكثر من فهم الكلمات الدالة على أمور حسية
стр. 175
يمكن أن يشار إليها, ولذلك اقتصر متن لغته في هذا الدور على أسماء الذوات, فإذا نما تفكيره أمكنه أن يدرك مدلولات الكلمات المعبرة عن أمور معنوية, وحينئذ تظهر في لغته الأفعال "الدالة على الحدث والزمان" والصفات "الدالة على معنى تتلبس به الذوات بشكل عارض" وما إليها. ولما كانت الحروف والروابط أدق أنواع الكلمات مدلولًا لهم, لم يتم له فهمها إلّا في أواسط هذه المرحلة أو أواخرها، فتأخر ظهورها تبعًا لذلك١. وفي هذا أقطع دليل على تدخل التفكير والفهم في عملية التقليد اللغوي, وعلى فساد ما يذهب إليه لودانتك؛ إذ لو كانت هذه العملية آلية, أو منعكسة قائمة على مجرد الارتباط بين جهازي النطق والسمع كما يزعم لودانت, لردد الطفل جميع ما يصل إلى سمعه من مفردات، ولظهرت جميع أنواع الكلمة في لغة الطفل مرة واحدة.
وقد ظهر لنا كذلك أن الطفل الذي يُولَدُ مصابًا بجنون يحول بينه وبين فهم معاني الكلمات ينشأ أبكم, ولو كانت أعضاء سمعه ونطقه سليمة٢, ولو كانت عملية التقليد آلية أو منعكسة على الوجه الذي يزعمه لودانتك, لما حال الجنون دون تحققها؛ إذ الجنون لا يحول دون تحقق هذا النوع من الأعمال.
وقد ظهر لنا كذلك أن الطفل في مبدأ هذه المرحلة يلفظ الكلمات التي يحاكيها لفظًا خاطئًا بعيدًا كل البعد عن الأصل الذي يحاكيه، وأنه لا ينفك يصلح من فساد نطقه شيئًا فشيئًا حتى يستقيم له الكلام٣. ولا شك أن ظاهرةً هذا شأنها في التطور, تقتضي تدخل الإرادة والتفكير، ولا يعقل أن تكون قائمة على الأساس الآلي الذي يزعمه لودانتك.
وقد ظهر لنا كذلك أن الطفل الذي يسوده الخمول، وتعوزه قوة العزم والإرادة، وتضعف رغبته في الاشتراك في حلبة الحياة، يتأخر
стр. 176
كثيرًا في التقليد اللغوي, وفي كسب لغته عن الأطفال العاديين١, ولو كانت عملية التقليد عملية آلية أو منعكسة على الوجه الذي يراه لودانتك, ما حال هذا الخمول دون تحققها، ولظهرت كلما وجد مثيرها السمعي بدون توقف على عزم ولا إرادة ولا نشاط حيوي.
стр. 177
مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة الغة الإنسانية وتطورها
...
٧- مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة اللغة الإنسانية وتطورها:
يذهب كثير من العلماء إلى أن المراحل التي يجتازها الطفل في أي فرع من فروع حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا الفرع L ُ ontogenese reproduit la phylogenese. ويطلق على هذه النظرية اسم نظرية التلخيص أو نظرية هيكل ١Hacekel.
وعلى هذه النظرية اعتمد كثير من علماء اللغة في تأييد آرائهم بصدد نشأة اللغة الإنسانية وتطورها.
وقد تكلمنا بتفصيل في الباب الأول عن أهم هذه الآراء وناقشناها٢, فحسبنا هنا أن نشير إليها مبينين وجه اعتمادها على الظواهر المتعلقة بتطور اللغة عن الطفل.
١- تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد نشأت من أنواع التعبير الطبيعي، وأن الإنسان قد افتتح هذا السبيل بمحاكاة أصواته الطبيعية "أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعال" وأصوات الحيوان والأشياء٣.
стр. 178
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية, أن الطريق الذي ترسمه لنشأة الإنسانية يتفق مع الطريق الذي يسكله الطفل في تعبيره.
فقد ظهر مما تقدَّم أن أول ما يظهر من أنواع التعبير المقصود عند الطفل محاكاة التعبير عن الانفعال، ثم تظهر بعده محاكاة أصوات الحيوان والأشياء, للدلالة على مصادرها أو على أمور تتعلق بها, ثم تظهر بعدهما محاكاة الكلمات١.
٢- تقدَّم أن معظم علماء اللغة يذهبون إلى أن الكلام الإنساني كان يعتمد في المبدأ اعتمادًا كبيرًا على الإشارات اليدوية والجسمية التي كانت تصحبه فتكمل ناقصه وتوضح مدلوله وتمثل حقائقه، ثم أخذ يستغني شيئًا فشيئًا عن هذا المساعد, حتى كاد يستقل بالتعبير٣.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن المراحل التي ترسمها تتفق مع المراحل التي تسير فيه لغة الطفل، فقد ظهر مما تقدم أن الطفل، في مبدأ مرحلته الكلامية، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على لغة الإشارات؛ فيمزجها بلغته الصوتية لتحديد مدلولاتها, وتوضيح مبهمها, وتكلمة نقصها, وتمثيل حقائقها٣.
٣- تقدَّم أن بعض العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية اجتازت فيما يتعلق بتطور أصواتها، ثلاث مراحل: "مرحلة الصراخ" التي كانت فيها أصوات اللغة شبيهة بأصوات الحيوان والأشياء ومظاهر الطبيعية، ثم "مرحلة المد" وفيها ظهرت أصوات اللين في اللغة الإنسانية, ثم "مرحلة المقاطع" وفيها ظهرت الأصوات الساكنة٤.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن
стр. 179
المراحل التي تذهب إليها بصدد التطور الصوتي في اللغة الإنسانية تتفق مع المراحل التي يجتازها الطفل في هذه السبيل؛ فقد ظهر مما تقدم أن أول أصوات تظهر لدى الطفل هي الأصوات المبهمة، ثم تتلوها أصوات اللين، وأن الأصوات ذات المقاطع لا تكثر في لغته إلّا في "مرحلة التمرينات النطقية"١.
٤- تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد بدأت بألفاظ دالة على معانٍ جزئية، وأن الألفاظ الدالة على المعاني الكلية لم تظهر إلّا بعد ارتقاء اللغة ونهضة التفكير الإنساني٢.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون في تأييد نظريتهم أنها تتفق مع مراحل التطور اللغوي عند الطفل, فقد تبين مما تقدَّم أن أول كلمات تظهر عند الطفل هي أسماء الذوات الحسية، ثم تظهر بعدها الكلمات الدالة على معانٍ كلية٣.
٥- تقدَّم أن بعض علماء اللغة يذهبون إلى أن الصفة هي أول ما ظهر في الكلام الإنساني، ثم ظهرت أسماء الذوات, ثم الأفعال، واختتمت مراحل الارتقاء بظهور الحروف٤.
ومما يعتمد عليه هؤلاء العلماء في تأييد نظريتهم, موضوع التطور اللغوي عند الطفل, غير أن هذا التطور لا يؤيدهم فيما يتعلق بأسبقية الصفات على أسماء الذوات، فقد ظهر مما تقدم أن أسماء الذوات هي أول ما يظهر في لغة الطفل, ثم تتلوها الأفعال والصفات٥.
ولذلك يعتمدون في هذه النقطة على أمور تتعلق بأصول الكلمات
стр. 180
في اللغات الهندية-الأوربية, كما سبقت الإشارة إلى ذلك١. ويرون من جهة أخرى أن أسبقية الأسماء على الصفات في الطفولة ليست عامة عند جميع الأطفال، بل إن بعضهم ليفتتح نطقه بكلمات دالة على صفات، ولا تظهر لديه الأسماء إلّا فيما بعد, وفي ذلك يقول العلامة بريبر Preyer: "ليس صحيحًا ما يذهب إليه كثير من الباحثين من أن ظهور الأسماء سابق لظهور الصفات عند جميع الأطفال, فقد لاحظت أن أول كلمة لفظها ابني -وكانت سنه إذا ذاك ثلاثة وعشرين شهرًا- كانت صفة، فقد قال chaud=Hess أي: ساخن -للتعبير عن أن لبنه ساخن لا يستطيع شربه، ثم ظهرت لديه الأسماء بعد ذلك", وقد لاحظ العلامة تين Taine وآخرون بعض ظواهر من هذا القبيل٢.
٦- تقدَّم أن العلامة شليجيل وأعضاء مدرسته, يذهبون إلى أن اللغات الإنسانية الأولى كانت "عازلة" أي: لا تتصرف فيها الكلمات, ولا ترتبط فيها عناصر الجملة بعضها ببعض بروابط ملفوظة٣.
ومن الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد نظريتهم تطور اللغة عند الطفل؛ فقد ظهر مما تقدم أن لغة الطفل تبدو في أوائل مرحلة التقليد عارية من الصرف والاشتقاق والتنظيم وربط عناصر الجملة بعضها ببعض٤.