وذلك لأن القائلين بهذه النظرية لم يقدموا على صحتها دليلًا يعتد به, فليس من بين وجوه الشبه التي كشفوا عنها بين هاتين الفصيلتين ما ينهض دليلًا قاطعًا على صحة نظريتهم، بل إن كثيرًا منها لينم على ضعفها وبطلانها, فمن ذلك مثلًا ما اعتمد عليه بهذا الصدد الألمانيان فورست وديليتزش؛ فقد ذهبا إلى أن أصول الكلمات السامية كانت قديمًا مؤلفة من حرفين اثنين, ثم زيد فيما بعد على كل أصل منها حرف ثالث١. وعلى أساس هذا المذهب -الذي لا يؤيده أيّ دليل قاطع, بل قامت أدلة قوية على بطلانه- تحايلًا على التقريب بين الأصول السامية والأصول الهندية الأوروبية؛ فاختارا لكل أصل سامي كلمة هندية - أوروبية تقرب منه في أصواتها ودلالتها، وقررا تفرعهما من أصل واحد, ولإثبات ذلك يختاران حرفين تشترك فيهما الكلمتان، ويقرران أن الأصل السامي كان يتألف قديمًا من هذين الحرفين وحدهما, ثم زيد عليهما فيما بعد حرف ثالث، وأن هذا الأصل الثنائي نفسه هو الذي جاءت منه الكلمة الهندية - الأوروبية. ولا يخفى ما في هذه الطريقة الاستدلالية من تحكم وتخمين ومجافاة للروح العلمي ومناهج البحث الصحيح٢, ومن ذلك أيضًا ما ذهب إليه ديليتزش بصدد التشابه بين طائفة من مفردات اللغة العبرية من جهة, وطائفة من مفردات اللغتين الإغريقية واللاتينية من جهة أخرى؛ فقد اتخذ من هذا التشابه دليلًا على صحة النظرية التي نحن بصدد مناقشتها، غافلًا عن أن العبرية الحديثة قد اقتبست كثيرًا من مفردات الإغريقية واللاتينية, ومن الغريب أن الكلمات
стр. 247
التي ذكرها للاستدلال على مذهبه, هي ذاتها من أشهر ما اقتبسته العبرية الحديثة من هاتين اللغتين, وآخرون من المؤيدين لهذه النظرية يعتمدون في إثبات التشابه بين مفردات الفصيلتين السامية والهندية - الأوروبية على كلمات تكاد تتفق في جميع اللغات لانحدارها من الأصل الأول الذي نشأت منه اللغة الإنسانية، وهو أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة والأصوات التي تحدثها الأفعال وأصوات التعبير الطبيعي عن الانفعالات وما إلى ذلك. وغنيٌّ عن البيان أن كلمات هذا شأنها لا تدل على ما يذهب إليه أصحاب هذه النظرية من انشعاب إحدى الفصيلتين على الأخرى, أو انشعابهما عن أصل قريب, وبعض المؤيدين لهذه النظرية يعتمد في إثبات القرابة بين الفصيلتين على وجوه شبه بعيدة بين مفرداتهما, أو على تقارب جاء عن طريق الصدفة والاتفاق. وقصارى القول: لا نكاد نجد من بين الأدلة التي اعتمد عليها أصحاب هذه النظرية ما يستحق المناقشة، فضلًا عن أن ينهض حجة قاطعة على صحتها.
стр. 248
الفصل الثالث: صراع اللغات ١
١- نظرة عامة في عوامله وآثاره في حياة اللغة:
يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء وسعى وراء الغلب والسيطرة, وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال؛ فتارةً ترجح كفة أحد المتنازعين فيسارع إلى القضاء على الآخر، مستخدمًا في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلا يكاد يبقى على أثر من آثاره, وتارةً ترجح كفة أحدهما كذلك، ولكنه يمهل الآخر، وينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه، ويعمل على خضد شوكته شيئًا فشيئًا حتى يتم له النصر, وأحيانًا تتكافأ قواهما أو تكاد، فتظل الحرب بينهما سجالًا، ويظل كل منهما في أثنائها محتفظًا بشخصيته ومميزاته.
وينشأ هذا الصراع عن عوامل كثيرة أهمها عاملان: أحدهما أن ينزح إلى البلد عناصر أجنبية تنطق بلغة غير لغة أهله، والآخر أن يتجاور شعبان مختلفا اللغة، فيتبادلا المنافع, ويتاح لأفرادهما فرص للاحتكاك المادي والثقافي.
وسنقف على دراسة كل عامل من هذين العاملين ونتائجه فقرة على حدتها.
стр. 249
٢- العامل الأول: نزوح عناصر أجنبية إلى البلد
قد يحدث على أثر فتح أو استعمار أو حرب أو هجرة ... أن ينزح إلى البلد عنصر أجنبي ينطق بلغة غير لغة أهله؛ فيشتبك اللغتان في صراعٍ ينتهي إلى إحدى نتيجتين؛ فأحيانًا تنتصر لغة منهما على الأخرى؛ فتصبح لغة جميع السكان قديمهم وحديثهم, أصيلهم ودخيلهم، وأحيانًا لا تقوى واحدة منهما على الأخرى؛ فتعيشان معًا جنبًا لجنب.
أ- الحالات التي يحدث فيها تغلب إحدى اللغتين:
وتحدث النتيجة الأولى، وهي أن تتغلب إحدى اللغتين على الأخرى فتصبح لغة جميع السكان أصيلهم ودخيلهم، في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون كلا الشعبين همجيًّا, قليل الحضارة, منحط الثقافة، ويزيد عدد أفراد أحدهما عن عدد أفراد الآخر زيادة كبيرة؛ ففي هذه الحالة تتغلب لغة أكثرهما عددًا سواء أكانت لغة الغالب أم المغلوب، لغة الأصيل أم الدخيل, وذلك أنه عند انعدام النوع يتحكم الكم في مصير الأمور, ولكن هذه النتيجة لا تحدث إلّا إذا كانت اللغتان المتصارعتان من شعبة لغوية واحدة أو شعبتين متقاربتين.
والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ, فمن ذلك أن الإنجليز السكسونيين، حينما نزحوا من أواسط أوربا إلى إنجلترا، لم تلبث لغتهم أن تغلبت على اللغات السلتية التي كان يتكلم بها السكان الأصليون, وذاك لأن عدد من بقي من السلتيين بهذه الأقاليم لم يكن شيئًا مذكورًا بجانب عدد المغيرين، وكلا الشعبين كان همجيًّا منحطًّا في مستوى حضارته ومبلغ ثقافته، وكلتا اللغتين تنتمي إلى فصيلة اللغات الهندية الأوربية. والنورمانديون Normands، حينما أغاروا على إنجلترا في منتصف القرن التاسع الميلادي واحتلوا معظم
стр. 250
أقاليهما، لم تلبث لغة الشعب المقهور أن تغلبت على لغتهم، فأصبح جميع السكان، أصيلهم ودخيلهم، إنجليزهم ونورمانديهم، يتكلمون الإنجليزية السكسونية, وذلك لأن الإنجليز المغلوبين كانوا أكثر عددًا من النورمانديين الغالبين، ولم يكن لأحد الشعبين إذ ذاك حضارة ولا ثقافة راقية، وكلتا اللغتين من الفصيلة الهندية الأوربية.
وقد يحدث أحيانًا في هذه الحالة أن تتغلب لغة على أخرى من غير فصيلتهما, ولكن هذه الظاهرة نادرة الحدوث، ولا يتم التغلب فيها إلّا بصعوبة, وبعد أمد طويل, واللغة التي تنشأ من هذا التغلب ينالها كثير من التحريف في ألسنة المحدثين من الناطقين بيها، لشدة الاختلاف بينها وبين لغته الأصيلة؛ فتبعد بعدًا كبيرًا عن صورتها الأولى؛ فالبلغاريون، وهم من أصل فينواني Finois، حينما نزحوا إلى البلقان وامتزجوا بشعوب الصقالبة "الشعوب السلافية Slaves" أخذت لغتهم تنهز شيئًا فشيئًا أمام لغة هذه الشعوب حتى انقرضت وحلَّ ملحا لسان صقلبي, وذلك لأن عدد البلغاريين لم يكن شيئًا مذكورًا بجانب عدد الصقالبة الممتزجين بهم، وكلتا الفئتين كانت إذ ذاك همجية منحطة في مستوى حضارتها ومبلغ ثقافتها, وقد حدث هذا التغلب مع اختلاف اللغتين في الفصيلة، فلغة البلغاريين الأصلية كانت من الفصيلة الفينية١، على حين أن اللغات الصقلبية من الفصيلة الهندية الأوربية٢, ولكن هذا التغلب لم يتم إلّا بصعوبة, وبعد أمد طويل وصراع عنيف, خرجت منه اللغة الغالبة مشوهة محرفة عن مواضعها في ألسنة المحدثين من الناطقين بها، فبعدت بعدًا كبيرًا عن صورتها القديمة؛ فالبلغارية الحديثة هي أكثر اللهجات الصقلبية تحريفًا وبعدًا عن أصولها الأولى.
الحالة الثانية: أن يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب
стр. 251
المغلوب في حضارته وثقافته وآداب لغته، وأشد منه بأسًا وأوسع نفوذًا؛ ففي هذه الحالة يكتب النصر للغته فتصبح لغة جميع السكان، وإن قلّ عدد أفراده عن أفراد الشعب المغلوب، على شريطة أن تدوم غلبته وقوته مدة كافية، وأن تقيم بصفة دائمة جالية يعتد بها من أفراده في بلاده الشعب المغلوب، وأن تمتزج بأفراد هذا الشعب، وأن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين.
والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ؛ فقد نجم عن فتوح الرومان في وسط أوروبا وجنوبها وشرقها أن تغلبت لغتهم اللاتينية على اللغات الأصلية لإيطاليا وأسبانيا وبلاد الجول Lu Gaule "فرنسا وما إليها" والألب الوسطى Alpes Centrales والأليريا lllyrie، مع أن الرومان المغيرين كانوا في هذه البلاد أقلية بالنسبة لسكانها الأصليين, وقد نجم عن غزو الآراميين للبلاد الناطقة بالأكادية والفينيقية والعبرية أن تغلبت لغتهم على هذه اللغات، مع أن الآراميين المغيريين كانوا في هذه البلاد أقلية بالنسبة لسكانها الأصليين١, وقد نجم عن فتوح العرب في آسيا وأفريقيا أن تغلبت لغتهم على كثير من اللغات السامية الأخرى, وعلى اللغات القبطية والبربرية والكوشيتية٢، فأصبحت اللغة العربية لغة الحديث والكتابة في معظم مناطق شبه الجزيرة العربية وفي مصر وشمال أفريقيا, وفي جزء كبير من قسمها الشرقي المتاخم لبلاد الحبشة، مع أن الجالية العربية في هذه البلاد كان عددها أقل كثيرًا من عدد السكان الأصليين.
وفي كلتا الحالتين السابقتين لا يتم النصر غالبًا لإحدى اللغتين إلّا بعد أمد طويل يصل أحيانًا إلى أربعة قرون، وقد يتمد إلى أكثر من ذلك؛ فالرومان قد أخضعوا بلاد الجول La Gaule "فرنسا وما إليها"
стр. 252
في القرن الأول الميلادي، ولكن لم يتم النصر للغتهم اللاتينية على اللغة السلتية التي كان يتكلم بها أهل هذه البلاد إلّا حوالي القرن الرابع الميلادي, ومع ما كان للعرب من قوة الشوكة، ورقي اللغة، واتساع الحضارة، وحماية الدين، وسطوة الغالب، لم يتم النصر للغتهم على القبطية والبربرية إلّا بعد أمد طويل, على أن اللغة القبطية لا تزال مستخدمة في كثير من الطقوس الدينية الأرثوذكسية١، واللغات البربرية لا تزال إلى الوقت الحاضر لغة محادثة لدى بعض العشائر في المغرب والجزائر وتونس وليبيا٢.
وغنيٌّ عن البيان أن انتصارًا لا يتم إلّا بعد أمد طويل وجهاد عنيف، لا يخرج المنتصر من معاركه على الحالة نفسها التي كان عليها من قبل؛ فاللغة التي يتم لها الغلب لا تخرج سليمة من هذا الصراع, بل إن طول احتكاكها باللغة الأخرى يجعلها تتأثر بها في كثير من مظاهرها وبخاصة في مفرداتها.
ويختلف مبلغ هذا التأثر باختلاف الأحوال؛ فتكثر مظاهره كلما
стр. 253
طال أمد احتكاك اللغتين, وكان النزاع بينهما عنيفًا والمقاومة قويةً من جانب اللغة المقهورة، وتقل مظاهره كلما قصرت مدة الصراع، أو خفت وطأة النزاع، أو كانت المقاومة ضعيفة من جانب اللغة المغلوبة, فلطول الأمد الذي استغرقه الكفاح بين لغة الإنجليز السكسون بإنجلترا, ولغة الفاتحين من الفرنسيين النورمانديين "الذين أغاروا على بلاد الإنجليز في القرن التاسع الميلادي, واحتلوا معظم مناطق إنجلترا كما سبقت الإشارة إلى ذلك"، ولشدة المقاومة التي أبدتها اللغة النورماندية المقهورة، خرجت اللغة المنتصرة "الإنجليزية" من هذا الصراع وقد فقدت أكثر من نصف مفرداتها الأصلية, واستبدلت به كلمات من اللغة النورماندية المغلوبة، واقتبست منها فضلًا عن هذا مفردات أخرى جديدة, على حين أن لغة بلاد الجول Le Gaule التي انتصرت عليها اللغة اللاتينية لم تترك في اللغة الغالبة أكثر من عشرين كلمة١، واللغات القبطية والبربرية المغلوبة لم تكد تترك أيّ أثر في اللغة العربية الغالبة٢، وذلك لأن الصراع في هذين المثالين، على
стр. 254
طول أمده، لم يكن عنيفًا, ولم تلق في أثنائه اللغتان الغالبتان "اللاتينية في المثال الأول, والعربية في المثال الثاني" مقاومة شديدة من جانب اللغات المقهورة "لغة الجول السلتية في المثال الأول, والقبطية والبربرية في المثال الثاني".
وتختلف كذلك النواحي التي يبدو فيها تأثر اللغة الغالبة باللغة المغلوبة تبعًا لاختلاف الأحوال التي تكون عليها كلتا اللغتين في أثناء اشتباكهما, ويبدو هذا التأثر بأوضح صورة في النواحي التي تكون فيها اللغة المغلوبة متفوقة على اللغة الغالبة, ولذلك تألف معظم المفردات التي أخذتها الإنجليزية "الغالبة" عن الفرنسية النورماندية "المغلوبة" من كلمات دالة على معانٍ كليةٍ, وألفاظ تتصل بشئون المائدة والطهي والطعام, وذلك لأن النورماندية كانت غنية في هاتين الطائفتين من المفردات، على حين أن الإنجليزية كانت فقيرة فيهما كل الفقر؛ فعمدت إلى خصيهما المقهور واستلبته ما كان يعوزها قبل أن تجهز عليه, وإلى اقتباسها منه الألفاظ المتصلة بشئون المائدة والطهي وألوان الطعام يرجع السبب في أسلوبها الغريب في تسمية الحيوانات المأكولة اللحم؛ فكثير من هذه الحيوانات يطلق على كل منها في الإنجليزية اسمان: اسم جرماني الأصل يطلق على الحيوان مادام حيًّا "sheep calf ox pig, واسم آخر فرنسي الأصل يطلق عليه بعد ذبحه وإعداده للغذاء "mutton veal beef pork".
والألفاظ الأصيلة للغة الغالبة ينالها كثير من التحريف في ألسنة المحدثين من الناطقين بها "المغلوبين لغويًّا"، فتبعد بذلك في أصواتها ودلالاتها وأساليب نطقها عن صورتها الأولى, ويبلغ بعدها هذا أقصى درجاته إذا كانت اللغة المقهورة من فصيلة أخرى غير فصيلة اللغة
стр. 255
الغالبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك١.
والألفاظ الدخيلة التي تقتبسها اللغة الغالبة من اللغة المغلوبة ينالها كذلك كثير من التحريف في أصواتها ودلالاتها وطريقة نطقها؛ فتبعد في جميع هذه النواحي عن صورتها القديمة, ويظهر هذا بالموازنة بين الكلمات الإنجليزية الآتية, والكلمات الفرنسية التي اقتبست منها: Motton, veal, beef. - Mouton, veau, boeuf، فإن كل كلمة منها تختلف عن أصلها اختلافًا غير يسير؛ في أصواتها ودلالتها وطريقة النطق بها، حتى أن الفرنسي الذي لا يعرف الإنجليزية لا يكاد يتبينها أو يدرك مدلولها إذا سمعها من إنجليزي. وليست هذ الظاهرة مقصورة على الاقتباس الناشئ من الصراع بين لغتين كتب لأحداهما النصر، بل هو ظاهرة عامة تتحقق في جميع الحالات التي يحدث فيها انتقال مفرد من لغة إلى أخرى.
وتقطع اللغة المغلوبة في سبيل انقراضها مراحل كثيرة, تمتاز كل مرحلة منها بمظهر خاص من مظاهر الانحلال وضعف المقاومة, ففي المرحلة الأولى تقذفها اللغة الغالبة بطائفة كبيرة من مفرداتها, فتوهن بذلك متنها الأصلي وتجرده من كثير من مقوماته, ولكن اللغة المغلوبة تظل طوال هذه المرحلة محتفظة بقواعدها ومخارج حروفها وأساليبها في نطق الكلمات، فيؤلف أهلها عباراتهم ويصرفون مفرداتهم وفقًا لقواعدهم التنظيمية والمورفولوجية "السنتكس والمورفولوجيا"، وينطقون بألفاظهم الأصيلة وما انتقل إليهم من ألفاظ دخيلة طبقًا لأسلوبهم الصوتي ومخارج حروفهم، حتى إنهم ليستبدلون في الكلمات الدخيلة بالحروف التي لا يوجد لها نظير لديهم حروفًا قريبة منها من حروف لغتهم, وفي المرحلة التالية تتسرب إلى اللغة المغلوبة أصوات اللغة الغالبة ومخارج حروفها وأساليبها في نطق الكلمات, فينطق أهل اللغة المغلوبة بألفاظهم الأصيلة وما انتقل إليهم من ألفاظ
стр. 256
دخيلة من المخارج نفسها, وبالطريقة نفسها التي يسير عليها النطق في اللغة الغالبة, فيزداد بذلك انحلال اللغة المغلوبة, ويؤذن نجمها بالأفول, ولكنها تظل طوال هذه المرحلة مستبسلة في الدفاع عن قواعدها الصرفية والتنظيمية "قواعد المورفولوجيا والسنتكس", وفي مقاومة قواعد اللغة الغالبة؛ فيركب أهمها جملهم ويصرفون كلماتهم وفق أساليبهم الأولى, وفي المرحلة الأخيرة تضعف هذه المقاومة شيئًا فشيئًا, فتأخذ قواعد اللغة الغالبة في الاستيلاء على الألسنة حتى يتم لها الظفر، فيتم بذلك الإجهاز على اللغة المغلوبة, فالقواعد في اللغة المغلوبة أشبه شيء بالقلعة التي تحتمي بها فلول الجيش المنهزم, وتقاتل عنها حتى آخر رمق، والتي يتم بسقوطها استيلاء العدو على البلاد.
ب- الحالات التي لا تقوى فيها إحدى اللغتين على التغلب:
وأما النتيجة الثانية وهي عدم تغلب إحدى اللغتين على الأخرى وبقاؤهما معًا جنبًا لجنب, فتحدث فيما عدا الحالتين المشار إليهما في الفقرة السابقة.
والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم الغابرة وفي العصر الحاضر, فاللغة اللاتينية لم تقو على التغلب على اللغة الإغريقية، مع أن الأولى كانت لغة الشعب الغالب، وذلك لأن الإغريق، مع خضوعهم للرومان، كانوا أعرق حضارة وأوسع ثقافة وأرقى لغة، وقد سبق أن انهزام لغة الشعب المغلوب أمام لغة الشعب الغالب لا يحدث إذا كان الشعب الثاني أرقى من الشعب الأول في جميع هذ الأمور١. ولهذه الأسباب نفسها لم تقو لغات الشعوب الجرمانية التي قوضت الإمبراطورية الرومانية الغربية في فاتحة العصور الوسطى على التغلب على اللغة اللاتينية في البلاد التي قهرتها بمناطق الجول Le Gaule "فرنسا" وما إليها. واللغة اللاتينية لم تقو على التغلب على لغات أهل بريطانيا العظمى، على الرغم من فتح الرومان لبلادهم واحتلاهم
стр. 257
إياها نحو مائة وخمسين سنة، وعلى الرغم من أن الشعب الغالب كان أرقى كثيرًا من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته، وذلك لأن الجالية الرومانية في الجزر البريطانية لم تكن شيئًا مذكورًا ولم تمتزج امتزاجًا كافيًا بأفراد الشعب المغلوب، وقد تقدَّم أن الغلب اللغوي لا يتم في مثل هذه الحالات إلّا إذا أقامت في البلاد المقهورة جالية يعتد بها من أفراد الشعب الغالب, وتم الامتزاج بينها وبين أفراد الشعب الآخر١. واللغة العربية لم تقو على الانتصار على اللغة الفارسية، على الرغم من فتح العرب لبلاد فارس وبقائها تحت سلطانهم أمدًا طويلًا، وذلك لأن الشعب العربي لم يكن إذ ذاك أرقى حضارة من الشعب الفارسي، ولقلة عدد الجالية العربية بفارس، وضعف امتزاجها بالسكان، ولانتماء اللغتين إلى فصيلتين مختلفتين "فالعربية من الفصيلة السامية والفارسية من الفصيلة الهندية - الأوروبية"٢. واللغة العربية لم تقو على الانتصار على اللغات الأسبانية على الرغم من فتح العرب للأندلس وبقائها تحت سلطانهم نحو سبعة قرون، وذلك لانتماء العربية إلى فصيلة غير فصيلة اللغات الأسبانية, ولعدم امتزاج الشعوب القوطية بالشعب العربي. واللغة التركية لم تقو على التغلب على لغة أية أمة من الأمم التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية بأوربا وآسيا وأفريقيا، على الرغم من بقاء هذه الأمم مدة طويلة تحت سلطان تركيا، وذلك لاختلاف فصائل اللغات؛ فالتركية من الفصيلة الطورانية, على حين أن لغات معظم الأمم التي كانت خاضعة لتركيا من الفصيلة السامية - الحامية أو الهندية - الأوروبية، ولأن الترك كانوا أقل حضارةً وثقافةً من معظم الشعوب التي كانت تابعة لهم، ولقلة عدد جاليتهم في بلاد هذه الشعوب، ولضعف امتزاجها بالسكان, ولم تقو الإنجليزية على التغلب على اللغات الهندية على الرغم من خضوع الهند لإنجلترا
стр. 258
أمدًا طويلًا، وذلك لأن شعوب الهند أعرق حضارة من الإنجليز، ولقلة أفراد الجالية الإنجليزية بهذه البلاد، وعدم امتزاجها بالسكان١.
ولكن عدم تغلب إحدى اللغتين لا يحول دون تأثر كل منهما بالأخرى؛ فقد تأثرت اللاتينية بالإغريقية في أساليبها وآدابها, واقتبست منها طائفة كبيرة من مفرداتها, وتأثرت الإنجليزية بعض التأثر باللاتينية من قبل أن تتأثر تأثرًا كبيرًا بشعبة من شعبها وهي النورماندية, وقد تركت اللغة العربية آثارًا قوية في الأسبانية والبرتغالية، وبخاصة في المناطق التي كانت تسمى بالأندلس أو أندلوسيا Andalousie؛ حيث دام سلطان العرب عدة قرون٢, والصراع بين العربية والفارسية، وإن لم ينته إلى تغلب إحداهما، قد ترك في كلٍّ منهما آثارًا واضحة من الأخرى، وبخاصة من ناحية المفردات, والصراع بين التركية ولغات الأمم التي خاضعة للإمبراطورية العثمانية، وإن لم ينته إلى تغلب لغوي، قد ترك في التركية آثارًا قوية من هذه اللغات, وبخاصة من اللغة العربية، وترك كذلك في هذه اللغات آثارًا ظاهرة من التركية٣.
حـ- الخلاصة:
وقصارى القول: متى اجتمع لغتان في بلد واحد لا مناص من تأثر كل منهما بالأخرى، سواء تغلبت أحداهما أم كتب لكتيهما البقاء. غير أن هذا التأثر يختلف في مبلغه ومنهجه ونواحي ظهوره ونتائجه
стр. 259
في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية, فإذا كان الغلب قد كتب لإحداهما نراها تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كبرت كميته، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، بدون أن تدع له مجالًا للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي، على حين أن المغلوبة لا تقوى على مقاومة ما تقذفها به الغالبة من مفردات وقواعد وأساليب, ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها، فتخور قواها وتفنى أنسجتها الأصلية شيئًا فشيئًا حتى تزول؛ كما كان شأن الإنجليزية الغالبة مع النورماندية المغلوبة. وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتفيض عليه من حيويتها, وتقاوم آثاره الهدامة، فتبقى كل منهما متميزة الشخصية, موفورة القوى, سليمة البناء؛ كما كان شأن الفارسية مع العربية.
стр. 260
٣- العامل الثاني من عوامل الصراع اللغوي:
تجاور شعبين مختلفي اللغة:
يتيح تجاور شعبين مختلفي اللغة فرصًا كثيرة لاحتكاك لغتيهما، فتشتبكان في صراع ينتهي إلى واحدة من النتيجتين نفسيهما اللتين ينتهي إليهما الصراع في العامل الأول؛ فأحيانًا تنتصر إحدى اللغتين على الأخرى وتحتل مناطقها، فتصبح لغة مشتركة بين الشعبين، وأحيانًا لا تقوى واحدة منهما على الأخرى فتعيشان معًا جنبًا لجنب.
أ- الحالات التي يحدث فيها تغلب إحدى اللغتين:
وتحدث النتيجة الأولى وهي تغلب إحدى اللغتين على الأخرى في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كانت نسبة النمو في أحد الشعبين كبيرة
стр. 261
لدرجة يتكاثف فيها ساكنوه، وتضيق مساحته بهم ذرعًا، فيشتد ضغطه على حدود الشعب المجاور له، وتكثر تبعًا لذلك عوامل الاحتكاك والتنازع بين اللغتين, وفي هذه الحالة تتغلب لغة الشعب الكثيف السكان على لغة المناطق المجاورة له، على شريطة ألّا يقل عن أهلها في حضارته وثقافته وآداب لغته، ويتأكد انتصاره إذا كان أرقى من أهلها في هذه الأمور.
والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ, وأكثرها دلالةً بهذا الصدد ما كان من أمر اللغة الألمانية, فقد طغت على مساحة واسعة من المناطق المجاورة لألمانيا بأوربا الوسطى "بسويسرا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا والنمسا..إلخ" وقضت على لهجاتها الأولى١.
الحالة الثانية: إذا تغلغل نفوذ أحد الشعبين في الشعب المجاور, وفي هذه الحالة تتغلب لغة الشعب القوي النفوذ, على شريطة ألّا يقل عن الآخر في حضارته وثقافته وآداب لغته، ويتأكد انتصاره إذا كان أرقى منه في هذه الأمور.
والأمثلة على ذلك كثيرة في مختلف مراحل التاريخ؛ فلغة شعوب الباسك قد أخذت تنهزم أمام اللغة الفرنسية في المناطق التي تغلغل فيها نفوذ الفرنسيين, وأمام اللغة الأسبانية في المناطق التي تغلغل فيها نفوذ الأسبانيين، حتى كادت تنقرض في كلتيهما كما سبقت الإشارة إلى ذلك٢. واللهجات السلتية٣ التي كان يتكلم بها معظم السكان يإيرلندا وويلز وأسكتلندا, قد أخذت تنهزم أمام اللغة الإنجليزية منذ أن تغلغل نفوذ إنجلترا في هذه البلاد, حتى زالت من لغة الأدب والكتابة، وكادت تنقرض انقراضًا تامًّا من لغة الحديث.
стр. 262
وهكذا كان مصير اللهجة السلتية التي بقيت بمقاطعة البريتون Bretagne١ "في القسم الغربي من فرنسا على سواحل الأطلانطيق"، فقد أخذت تتهزم أمام اللغة الفرنسية منذ أن تغلغل نفوذ فرنسا في هذه المقاطعة، حتى لم يبق لها إلّا آثار ضئيلة في لغة الحديث بين الأميين من الشيوخ٢. واللغة الفرنسية قد تغلبت على لهجات المناطق المجاورة لها ببلجيكا وسويسرا، فأصبحت الآن لغة الحديث والكتابة لجميع سكان "والونيا" Wallonie ببلجيكا, ولنحو ٢٢ في المائة من سكان سويسرا. واللغة الإيطالية قد تغلبت على لهجات المناطق المجاورة لها بسويسرا، فأصبحت الآن لغة الحديث والكتابة لنحو ٥،٣% من سكان هذه الجمهورية. واللغة العربية قد تغلبت في العصور السابقة للإسلام على اللغة اليمنية بحكم الجوار وتغلغل نفوذ العرب في البلاد اليمنية مع توافر الشروط الأخرى٣.
وعلى هذا الأساس نفسه تتغلب في الدولة الواحدة لغة المقاطعة التي تكون بها العاصمة, أو يكون لأهلها السلطان والنفوذ, فلوقوع عاصمة بلجيكا "بروكسل" في مقاطعة "والونيا" ذات اللسان الفرنسي٤ ولأن سكان هذه المقاطعة يتمتعون بقسط كبير من النفوذ
стр. 263
والسلطان في هذه المملكة، أخذت اللغة الفرنسية تتغلب على الفلامندية "لغة القسم الشمالي من بلجيا المسمى "فلاندر"١، وتنتقصها من أطرافها. ولوقوع عاصمة سويسرا "برن" في القسم الناطق بالألمانية، ولأن سكان هذا القسم يتمتعون بأكبر قسط من النفوذ والسلطان, وتتألف منهم الأغلبية الساحقة "يتكلم الألمانية في سويسرا نحو ٧٠% من أهلها٢, أخذت اللغة الألمانية تطغى على ألسنة الناطقين بالفرنسية من السويسريين. وقد أخذت لغة قريش قبيل الإسلام تتغلب على اللغات المضرية الأخرى، لما كانت تتمتع به من سلطان أدبي، ويستأثر به أهلها من نفوذ ديني وسياسي.
وفي كلتا الحالتين السابقتين لا يتم النصر غالبًا لإحدى اللغتين إلّا بعد أمد طويل يبلغ بضعة قرون٣؛ فالصراع بين الألمانية والفرنسية بسويسرا قد بدأ منذ عهد سحيق، ومع ذلك لم يتم بعد للألمانية النصر النهائي. والصراع بين اللغة الفرنسية واللسان السلتي الذي يتكلم به البريتونيون "سكان مقاطعة البريتون Bretagne قد نشب منذ عدة قرون، ومع ذلك لا يزال كثير من شيوخ البريتون في العصر الحاضر يتكلمون بهذا اللسان٤. ولا تزال اللهجة
стр. 264
السلتية لغة محادثة بين عامة الإيرلنديين في العصر الحاضر، مع أن تغلب الإنجليزية قد بدأ في هذه البلاد منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي, وقد أخذت لغة قريش تطغى على اللغات المضرية الأخرى منذ العصر الجاهلي، ومع ذلك ظلت آثار هذه اللغات واضحة في كثير من المواطن إلى أواخر العصر العباسي.
وغنيٌّ عن البيان أن انتصارًا لا يتم إلّا بعد أمد طويل, لا يخرج المنتصر من معاركه على الحالة التي كان عليها من قبل؛ فاللغة التي يتم لها الغلب لا تخرج سليمة من هذا الصراع، بل إن طول احتكاكها باللغة الأخرى يجعلها تتأثر بها في بعض مظاهرها وبخاصة في مفرداتها, كما سبقت الإشارة إلى ذلك في العامل الأول١.
غير أن تجرد العامل الذي نحن بصدد الكلام عنه من عنف النزاع وشدة المقاومة، وحدوث نتائجه في صورة سليمة متدرجة بطيئة، كل ذلك يعمل على وقاية اللغة الغالبة, ويخفف من تأثرها باللغة المغلوبة.
والألفاظ الأصيلة للغة الغالبة ينالها بعض التحريف في ألسنة المحدثين من الناطقين بها "المغلوبين لغويًّا"، فتختلف بعض الاختلاف في أصواتها ودلالالتها وأساليب نطقها عن صورتها الأولى.
والكلمات الدخيلة التي تقتبسها اللغة الغالبة من اللغات المغلوبة ينالها كذلك بعض التحريف في حروفها ومعانيها وأساليب نطقها، فتبعد في جميع هذه النواحي عن شكلها القديم.
وتقطع اللغة المغلوبة في سبيل انقراضها المراحل نفسها التي أشرنا إليها في العامل الأول؛ فينفذ الانحلال أولًا إلى مفرداتها، ثم إلى أصواتها ومخارج حروفها, وأساليبها في نطق الكلمات؛ ويتم الإجهاز عليها بالقضاء على قواعدها٢.
стр. 265
ب- الحالات التي لا تقوى فيها إحدى اللغتين على التغلب:
أما النتيجة الثانية, وهي عدم تغلب إحدى اللغتين المتجاورتين على الأخرى, وبقاؤهما معًا جنبًا لجنب؛ فتحدث فيما عدا الحالتين المشار إليهما في الفقرة السابقة.
ويدخل في هذا الباب معظم العلاقات بين اللغات المتجاورة في العصر الحاضر, فالجوار بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأسبانيا والبرتغال لم يؤد إلى تغلب لغة شعب منها على لغة شعب آخر؛ لأن احتكاك لغاتها لا ينطبق على حالة من الحالتين اللتين يحدث فيهما التغلب بالمجاورة, ولهذا السبب نفسه لم يؤد الجوار بين الفارسية والعراقية والتركية والأفغانية إلى تغلب لغة منها على لغة أخرى, وكذلك شأن الإنجليزية في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية مع الأسبانية المجاورة لها في المكسيك، وشأن البرتغالية التي يتكلم بها في البرازيل مع الأسبانية التي يتكلم بها في الجمهوريات المتاخمة للبرازيل بأمريكا الجنوبية "كولومبيا، بيرو، بوليفيا، باراجواي، أوراجواي، الأرجنتين.. إلخ". وكذلك شأن الحبشية مع الصومالية.. وهلم جرا.
غير أن عدم تغلب إحدى اللغتين لا يحول دون تأثر كل منهم بالأخرى؛ فالإنجليزية الحديثة بإنجلترا, والفرنسية الحديثة بفرنسا, تتقارضان المفردات منذ أن أتيح للشعبين المتجاورين فرص للاحتكاك وتبادل المنافع, وكذلك تفعل الفرنسية بفرنسا مع الألمانية بألمانيا١، ومع أخواتها المجاورة لها في الجنوب الشرقي والغربي بإيطاليا وأسبانيا والبرتغال. وتجاور التركية والفارسية، وإن لم يؤد إلى تغلب إحداهما على الأخرى، قد ترك في التركية آثارًا واضحة من الفارسية
стр. 266
وبخاصة في المفردات، وترك في الفارسية بعض آثار من التركية. وتجاور الفارسية والعراقية في العصر الحاضر، وإن لم ينته إلى تغلب لغوي، قد نقل إلى كلتيهما كثيرًا من آثار الأخرى؛ في المفردات والقواعد والأساليب. ومجاورة الجرمانية واللاتينية في العصور القديمة، وإن لم ينته إلى تغلب إحداهما، قد نقل إلى أولاهما كثيرًا من مفردات الثانية١, وترك في الثانية بعض آثار من الأولى٢.
حـ- الخلاصة.
وقصارى القول: متى أتيح للغتين متجاورتين فرص للاحتكاك لا مناص من تأثر كل منهما بالأخرى، سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكتيهما البقاء, غير أن هذا التأثر يختلف في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية, فإذا كان الفناء قد حقَّ على إحداهما, فإنها لا تقوى على مقاومة ما تقذفها به الثانية؛ من مفردات وقواعد وأساليب, ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها, فتخور قواها, وتفنى أنسجتها الأصلية شيئًا فشيئًا حتى تزول، على حين أن الغالبة تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كبرت كميته وعظم شأنه، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، فتزداد به قوة ونشاطًا، وبدون أن تدع له مجالًا للتأثير في بنيتها أوتغيير تكوينها الأصلي؛ كما كان شأن الإنجليزية والفرنسية الغالبتين مع اللهجات السلتية المغلوبة بإيرلندا وويلز ومقاطعة البريتون٣, وإذا كان البقاء قد كتب لكليتهما، تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتقاوم آثاره الهدامة،
стр. 267
فتبقى كل منهما متميزة الشخصية، موفورة القوى، سليمة البناء, كما كان شأن الفارسية مع التركية، والفرنسية مع الإيطالية, والأسبانية والبرتغالية.
стр. 268
٤- عوامل أخرى للاحتكاك اللغوي:
هذا، وفيما عدا العاملين السابقين، توجد عوامل أخرى كثيرة تتيح الفرص للاحتكاك بين اللغات، لكنها أقل شأنًا من هذين العاملين، وأضعف منهما أثرًا؛ إذ ليس منها ما ينجم عنه صراع جدي، أو يؤدي إلى نتائج ذات بال.
ومن أهم هذه العوامل ما يلي:
١- اشتباك شعبين مختلفي اللغة, أو شعوب مختلفة اللغات في حرب طويلة الأمد, وذلك أن طول الاحتكاك بين الشعوب المتحاربة ينقل إلى لغة كل شعب منها آثارًا من لغات الشعوب الأخرى، سواء في ذلك لغات الحلفاء ولغات الأعداء؛ فاحتكاك الألمانية والفرنسية والإنجليزية في الحربين العالميتين الأخيرتين قد نقل إلى كل لغة منها مفردات من اللغتين الأخريين. "وحرب الثلاثين" التي نشبت بين حماة البروتستاتتية وحماة الكاثوليكية، وامتدت من سنة ١٦١٨ إلى سنة ١٦٤٨، أتاحت فرصًا كثيرة للاحتكاك بين الفرنسية والألمانية١، فنقلت إلى كل منهما بعض مفردات من الأخرى, وحروب فرنسا مع إيطاليا, قد نقلت إلى الفرنسية كثيرًا من الكلمات المتعلقة بشئون الحرب والفنون الجميلة, وما إلى ذلك من الأمور التي كانت اللغة الإيطالية أوسع ثروة فيها من اللغة الفرنسية، ونقلت كذلك إلى الإيطالية
стр. 269
عددًا غير يسير من الكلمات الفرنسية, والحروب الصليبية قد نقلت إلى كثير من اللغات الأوروبية، وبخاصة إلى اللغة الفرنسية، كثيرًا من مفردات اللغة العربية، ونقلت كذلك إلى بعض لهجات الأمم العربية بعض كلمات أوروبية.
٢- توثق العلاقات التجارية بين شعبين مختلفي اللغة, وذلك أن منتجات كل شعب تحمل معها أسماءها الأصلية، فلا تلبث أن تنتشر بين أفراد الشعب الآخر وتمتزج بمتن لغته، وكثرة الاحتكاك التجاري بين أفراد الشعبين ينقل إلى لغة كل منهما آثارًا من اللغة الأخرى.
٣- توثق العلاقات الثقافية بين شعبين مختلفي اللغة, فإن ذلك ينقل إلى لغة كل منهما، وبخاصة إلى لغة الكتابة، آثارًا كثيرة من الأخرى, وهذه الآثار لا تقف عند حد المفردات، بل تتجاوزها أحيانًا إلى القواعد والأساليب, والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم الحاضرة والغابرة؛ فاللغة العربية في العصر العباسي، وبخاصة لغة الكتابة، قد انتقل إليها عن هذا الطريق كثير من آثار اللغتين الفارسية واليونانية, ولغة الكتابة بمصر في العصر الحاضر، سواء في ذلك لغة العلوم والآداب ولغة الصحافة، قد انتقل إليها عن هذا الطريق كثير من آثار اللغات الأوروبية وبخاصة الإنجليزية والفرنسية.
غير أن علاقة هذه العوامل, وما إليها بتطور اللغة وارتقائها أشد كثيرًا من علاقتها بالصراع بين اللغات؛ فهي تتيح الفرص لاقتباس بعضها من بعض, وتبادلها المفردات والقواعد والأساليب، بدون أن تحدث بينها صراعًا جديًّا، أو تحمل إحداهما على محاولة التغلب على الأخرى.
ولذلك آثرنا إرجاء الكلام على تفصيل هذه العوامل وآثارها إلى الفصل التالي، وخاصة إذ نعالج موضوع اقتباس اللغات بعضها من بعض.
стр. 270
الفصل الرابع: التطور اللغوي العام
مدخل
...
الفصل الرابع: التطور اللغوي العام:
تتأثر اللغة في تطورها وارتقائها بعوامل كثيرة, يرجع أهمها إلى أربع طوائف:
إحداها: انتقال اللغة من السلف إلى الخلف.
وثانيتها: تأثر اللغة بلغة أو لغات أخرى.
وثالثتها: عوامل اجتماعية ونفسية وجغرافية، كحضارة الأمة ونظمها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها، وثقافتها واتجاهاتها الفكرية, ومناحي وجدانها ونزوعها، وبيئتها الجغرافية ... وما إلى ذلك١.
ورابعتها: عوامل أدبية مقصودة, تتمثل فيما تنتجه قرائح الناطقين باللغة، وما تبذله معاهد التعليم والمجامع اللغوية, وما إليها في حمايتها والارتقاء بها ... وهلم جرا.
وسنقف هذا الفصل على آثار هذه العوامل في التطور اللغوي العام، مرجئين إلى الفصلين الخامس والسادس الكلام على آثارها في تطور ناحية من ناحيتي اللغة على حدتها، ونعنى بناحيتي اللغة الأصوات والدلالة.
стр. 271
١- انتقال اللغة من السلف إلى الخلف, وأثره في التطور اللغوي:
على الرغم من أن الطفل يأخذ اللغة عن أبويه والمحيطين به، فإن لغة الخلف في كل أمة تختلف عن لغة السلف في كثير من المظاهر، وبخاصة مظاهر الصوت.
ويرجع جزء يسير من نواحي هذا الاختلاف إلى أمور خاصة مقصورة على بعض الأفراد؛ كالعيوب الصوتية التي يصاب بها بعض الناس، وضعف السمع، واختلاف أعضاء النطق ... وما إلى ذلك, وليس لمثل هذه الأمور شأن كبير في تطور اللغة؛ لأن آثارها مقصورة على أصحابها، تبقى معهم وحدهم في حياتهم وتختفي بموتهم.
أما معظم نواحي هذا الاختلاف وأكبرها أثرًا في تطور اللغة؛ فترجع إلى أمور عامة يشترك فيها جميع أفراد الطبقة الواحدة, ويمتازون بها عن أفراد الطبقة السابقة لهم؛ كالتطور الطبيعي لأعضاء النطق في الفصيلة الإنسانية؛ لأن أعضاء النطق في تطور طبيعي مطّرد، فتختلف في كل طبقة عنها في الطبقة السابقة لها؛ والتطور الطبيعي للظواهر النفسية "فالقوى العقلية بمختلف أنواعها في تطور طبيعي مطرد, فتختلف في كل طبقة عنها في الطبقة السابقة لها، شأنها في ذلك شأن أعضاء النطق، ومن الواضح أن كل تطور يحدث في هذه القوى ينبعث صداه في اللغة"، والأخطاء التي تنتشر بين الصغار في طبقة ما, ولا يفطن لها الكبار لدقتها وخفائها, أو يهملون إصلاحها, ولا يُعْنَوْنَ بالقضاء عليها، وكثرة استخدام الكبار في جيل ما لبعض المفردات في غير ما وضعت له عن طريق التوسع أو المجاز, لدواع اجتماعية خاصة, فتنتقل هذه المفردات إلى الجيل اللاحق بمعانيها المجازية وحدها، والنظم والتقاليد الخاصة التي يسير عليها المجتمع في جيلٍ ما في تلقين الأطفال اللغة في الأسرة, وتعليمهم إياها في المدارس؛ فالفروق اللغوية
стр. 272
الناشئة عن هذه الطائفة من العوامل يشترك فيها جميع أفراد الطبقة الواحدة، وتمتاز بها لغتهم عن لغة الطبقة السابقة لهم.
ومن هذا يظهر أن ناحية هامة من نواحي التطور اللغوي ترجع إلى عوامل جبرية، لا اختيار للإنسان فيها، ولا يد له على وقف آثارها, أو تغيير ما تؤدي إليه.
ومن هذا يظهر كذلك أنه ليس في قدرة الأفراد أن يقفوا تطور لغة، أو يجعلوها تجمد على وضع خاصٍّ, فمهما أجادوا في وضع معجماتها, وتحديد ألفاظها ومدلولاتها, وضبط قواعدها وأصواتها ... ومهما أجهدوا أنفسهم في إتقان تعليمها للأطفال قراءة وكتابة ونطقًا, وفي وضع طريقة ثابتة سليمة يسير عليها المعلمون بهذا الصدد، ومهما بذلوا من قوةٍ في محاربة ما يطرأ عليها من لحن وخطأ وتحريف، فإنها لا تلبث أن تحطم هذه الأغلال، وتفلت من هذه القيود، وتسير في السبيل التي تريدها على السير فيها سنن التطور والارتقاء الطبيعيين.
حقًّا أنه يمكن أحيانًا التحكم في لغة الكتابة والجمود بها زمنًا طويلًا على أصولها القديمة, أو ما يقرب منها. ولكن لغة الكتابة التي تجمد بهذا الشكل لا تمثل تمثيلًا صحيحًا حالة الحياة اللغوية في الأمة، وتتسع كثيرًا مسافة الخلف بينها وبين لغة المحادثة؛ لأن هذه اللغة الأخيرة في تطور مطرد، ولا تستطيع أية قوة إلى تعويق تطورها سبيلًا، فلا تنفك تبعد عن لغة الكتابة الجامدة، حتى تصبح كل منهما غريبة عن الأخرى أو بعيدة عنها، ويصبح تعليم لغة الكتابة في الأمة أشبه شيء بتعليم لغة أجنبية, وهذا هو ما كان عليه الحال بفرنسا وإيطاليا ورومانيا وأسبانيا والبرتغال أيام أن كانت لغة الكتابة فيها هي اللاتينية، وكانت لهجاتها المحلية مقصورة على شئون المحادثة، وما عليه الحال الآن تقريبًا في مصر والسودان وبلاد العرب وشمال أفريقيا بصدد العلاقة بين لهجات المحادثة واللغة العربية الفصحى المتخذة لغة كتابة هذه البلاد.
стр. 273
على أن ظاهرة كهذه لا تكاد تبدو إلّا حيث تكون لغة المحادثة غير تامة التكون ولا كاملة النمو، ولا تبقى إلّا ما بقيت لغة المحادثة على هذه الحال؛ فإذا ما بلغت هذه اللغة أشدها، وتمّ تكونها، واكتمل نموها، واتسع متنها، ووضحت دلالات مفرداتها, ووجوه استخدامها، وتشعبت فيها فنون القول، ودقت مناحي التعبير، وقويت على تأدية حقائق الآداب والعلوم، أخذت تطارد لغة الكتابة وتسلبها وظائفها وظيفة وظيفة حتى تجردها منها جميعًا، فتصبح هي لغة الكتابة، وتقذف بلغة الكتابة القديمة في زوايا اللغات الميتة, وهذا هو ما انتهى إليه أمر اللاتينية مع لغات المحادثة بفرنسا وإيطاليا ورومانيا وأسبانيا والبرتغال.
فما أشبه لغة الكتابة الجامدة في حالات كهذه بجبل ثلج ثابت على ما سطح البحر، ولغات المحادثة المتطورة بالتيارات المائية التي تموج تحته, فمهما طال بقاء هذا الثلج، فإن مصيره إلى التحطيم والذوبان، وحينئذ تطفو تلك التيارات إلى سطح البحر، وتعيد إليه ما كان مستورًا تحت هذا الجبل الجامد من مظاهر النشاط والحياة.
стр. 274
٢- تأثر اللغة باللغات الأخرى تبادل المفردات بين اللغات:
تقدَّم أن أيّ احتكاك يحدث بين لغتين أو بين لهجتين -أيًّا كان سبب هذا الاحتكاك، ومهما كانت درجته، وكيفما كانت نتائجه الأخيرة- يؤدي لا محالة إلى تأثر كل منهما بالأخرى١.
ولما كان من المتعذر أن تظل لغة بمأمن من الاحتكاك بلغة أخرى، لذلك كانت كل لغة من لغات العالم عرضة للتطور المطرد عن هذا الطريق.
стр. 275
وأهم ناحية يظهر فيها هذا التأثر هي الناحية المتعلقة بالمفردات كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ ففي هذه الناحية على الأخص تنشط حركة التبادل بين اللغات، ويكثر اقتباسها بعضها من بعض, وقد تذهب بعض اللغات بعيدًا في هذا السبيل، فتقتبس معظم مفرداتها أو قسمًا كبيرًا منها عن غيرها؛ كما فعلت التركية مع الفارسية والعربية، والسريانية مع اليونانية، والفارسية مع العربية.. وهلم جرا١.
وأما القواعد وأساليب الصوت فلا تنتقل في الغالب من لغة إلى أخرى إلّا بعد صراع طويل بين اللغتين، ويكون انتقالها إيذانًا بقرب زوال اللغة التي انتقلت واندماجها في اللغة التي انتقلت منها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك٢.
ولهذا تخضع في الغالب الكلمات المقتبسة للأساليب الصوتية في اللغة التي اقتبستها، فينالها كثير من التحريف في أصواتها وطريقة نطقها، وتبعد جميع هذه النواحي عن صورتها القديمة؛ فالكلمات التي أخذتها العربية مثلًا عن الفارسية أو اليونانية, قد صبغ معظمها بصبغة اللسان العربي حتى بعد كثيرًا عن أصله, ومن ثَمَّ نرى أن الكلمة الواحدة قد تنتقل من لغة إلى عدة لغات, فتتشكل في كل لغة منها بالشكل الذي يتفق مع أساليبها الصوتية ومنهاج نطقها، حتى لتبدو في كل لغة منها غريبة عن نظائرها في اللغات الأخرى؛ فالكلمات العربية مثلًا التي انتقلت إلى اللغات الأوروبية قد تمثّلت في كل لغة منها بصورة تختلف اختلافًا غير يسير عن صورتها في غيرها.
وكثيرًا ما ينال معنى الكلمة نفسه تغييرًا أو تحريف عند انتقالها من لغة إلى لغة, أو من لهجة إلى أخرى؛ فقد يخصص معناها العام, ويقصر على بعض ما يدل عليه، وقد يعمم مدلولها الخاص، وقد تستعمل في غير ما وضعت له لعلاقة ما بين المعنيين، وقد تختلط إلى درجة وضيعة
стр. 276
في الاستعمال؛ فتصبح من فحش الكلام وهجره، وقد تسمو إلى منزلة راقية فتعتبر من نبيل القول ومصطفاه١.
ويختلف مبلغ ما تأخذه لغة عن أخرى باختلاف العلاقات التي تربط الشعبين, وما يتاح لهما من فرص للاحتكاك المادي والثقافي؛ فكلما قويت العلاقات التي تربط أحدهما بالآخر، وكثرت فرص احتكاكهما، نشطت بينهما حركة التبادل اللغوي, ولذلك تبلغ هذه الحركة أقصى شدتها حينما يسكن الشعبان منطقة واحدة أو منطقتين متجاورتين, كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الثالث٢؛ فالإنجليزية قد أخذت عن النورماندية أكثر مما أخذته عن أية لغة أخرى؛ لأن الغزاة من النورمانديين قد استقر بهم المقام في بلاد الإنجليز الملغلوبين نفسها٣. واللاتينية قد اقتبست من الإغريقية أكثر مما اقتبسته من أية لغة أخرى، وذلك لتجاور منطقتيهما وشدة الامتزاج بين الشعبين الناطقين بهما٤, ولهذا السبب نفسه بلغت حركة التبادل اللغوي أقصى شدتها بين العربية الفارسية والتركية٥. وما اقتبسته ألمانية سويسرا من اللغة الفرنسية لا يذكر بجانبه ما اقتبسته منها ألمانية النمسا مثلًَا، وذلك لأن القسم الألماني اللغة في سويسرا متاخم للقسم الفرنسي اللغة ولشدة الاحتكاك بين سكان القسمين، على حين أن النمسا غير متاخمة لمنطقة فرنسية اللسان, وقد تسرب إلى لغة رومانيا عدد كبير من مفردات الشعبتين الصقلبية والمجرية، على حين أن أخواتها اللاتينية الأصل "الفرنسية والإيطالية والأسبانية والبرتغالية" لم تكد تتأثر بهذين اللسانين، وذلك لأن رومانيا قد انعزلت عن أخواتها اللاتينية, وأحاط بها من جميع جهاتها أمم صقلبية اللسان أو مجريته.
стр. 277
والمفردات التي تقتبسها لغة ما عن غيرها من اللغات يتصل معظمها بأمور قد اختص بها أهل هذه اللغات أو برزوا فيها, أو امتازوا بإنتاجها, أو كثرة استخدامها.. وهلم جرا, فمعظم ما انتقل إلى العربية من المفردات الفارسية واليونانية يتصل بنواحٍ مادية أو فكرية امتاز بها الفرس واليونان, وأخذها عنهم العرب١. ويتألف معظم المفردات التي أخذتها الإنجليزية عن النورماندية من كلمات دالة عن معانٍ كليةٍ وألفاظ تتصل بشئون المائدة والطهي والطعام، وذلك لأن النورمانديين كانوا يفوقون الإنجليز كثيرا في هاتين الناحيتين، فغزرت مفرداتهما في لغتهم، بينما قلَّ ورودها في لغة الإنجليز القديمة٢. وقد انتقل إلى اليونانية، ومنها إلى اللاتينية، كثير من الكلمات الفينيقية المتصلة بشئون الملاحة والبحرية، وذلك لأن الفينيقيين قد سبقوا غيرهم من الشعوب في هذا المضمار, وانتقل إلى اللاتينية كثير من الكلمات الإغريقية المتعلقة بالمصطلحات الفلسفية والدينية، وذلك لبراعة الإغريق في ميدان الفلسفة, ولأن الدين المسيحي قد انتشر بفضلهم في شرق الإمبراطورية الرومانية ووسطها. وقد أخذت اللغات الجرمانية عن اللاتينية كثيرًا من المفردات المتصلة بالقضاء والتشريع ونظم الاجتماع والسياسة, وما إليها، وذلك لأن الرومان كانوا مبرزين في جميع
стр. 278
هذه الشئون١. ولهذا السبب نفسه انتقل إلى الفرنسية كثير من الكلمات الجرمانية المتصلة بشئون الحرب، ومنها كلمة الحرب نفسها La guerre٢، وكثير من الكلمات الإيطالية المتصلة بالموسيقى وآلاتها والفنون الجميلة، وانتقل إلى معظم اللغات الأوروبية وغيرها المفردات الإنجليزية المتصلة بالألعاب الرياضية، والمفردات الفرنسية المتعلقة بالأزياء وألوان الطعام.
ومن أجل ذلك تنتقل مع المنتجات الزراعية والصناعية أسماؤها في لغة المناطق التي ظهرت فيها لأول مرة أو اشتهرت بإنتاجها, أو تصدر منها في الغالب، فتنتشر عن هذا الطريق في لغات البلاد الأخرى, فكلمة "شاي" مثلًا قد انتقلت إلى معظم لغات العالم من لغة جزر ماليزيا Malaisie التي كانت المصدر الأول لهذه المادة "شاي" في العربية, "the" في الفرنسية, tea في الإنجليزية..إلخ". وكذلك كلمة الطباق، فقد انتقلت إلى معظم اللغات الإنسانية من لغة السكان الأصليين لأمريكا؛ حيث كشفت هذه المادة لأول مرة "طباق" في العربية, tapac في الفرنسية, topacco في الإنجليزية ... إلخ". وعن هذا الطريق انتقل إلى اللغات الأوروبية كثير من الكلمات العربية الدالة على منتجات زراعية أو صناعية: الليمون، والموصلي "وهو نسيج خاص ينسب إلى الموصل"، والزعفران، والشراب، والسكر، والكافور، والقنوة "عسل قصب السكر المجمد"، والقهوة، والقطن والقرمزي، والكمون، والدمشقي "نسيج بنسب إلى دمشق".
في الإنجليزية Lemon, muslin, saffron, sherbet, syrup, sugar, camphor, candy, coffee, cotton, crimson, cucin, damask
وفي الفرنسية Limon, mousseline, safran, sorbet, sirop, sucre, camphre, candi, cafe, cramoisi, cumin, damas
стр. 279
٣- أثر العوامل الاجتماعية والنفسية والجغرافية في خصائص اللغة وتطورها, ونقد نظرية دو سوسور De Saussure
تتأثر اللغة أيما تأثر بحضارة الأمة، ونظمها وتقاليدها، وعقائدها واتجاهاتها ودرجة ثقافتها، ونظرها إلى الحياة، وأحوال بيئتها الجغرافية وشئونها الاجتماعية العامة ... وما إلى ذلك, فكل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير, ولذلك تعد اللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب, فبالوقوف على المراحل التي اجتازتها لغة ما، وفي ضوء خصائصها في كل مرحلة منها، يمكن استخلاص الأدوار التي مر بها أهلها في مختلف مظاهر حياتهم.
فكلما اتسعت حضارة الأمة، وكثرت حاجاتها ومرافق حياتها، ورقي تفكيرها, وتهذبت اتجاهاتها النفسية، نهضت لغتها، وسمت أساليبها، وتعددت فيها فنون القول، ودقت معاني مفرداتها القديمة، ودخلت فيها مفردات أخرى عن طريق الوضع والاشتقاق والاقتباس للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة. وهلم جرا. واللغة العربية أصدق شاهد على ما نقول؛ فقد كان لانتقال العرب من همجية الجاهلية إلى حضارة الإسلام، ومن النطاق العربي الضيق الذي امتازت به حضارتهم في عصر بني أمية, إلى الأفق العالمي الواسع الذي تحولوا إليه في عصر بني العباس، كان لهذين الانتقالين أجلَّ أثر في نهضة لغتهم ورقيّ أساليبها واتساعها لمختلف فنون الأدب وشتى مسائل العلوم.
وانتقال الأمة من البداوة إلى الحضارة يهذب لغتها، ويسمو بأساليبها، ويوسع نطاقها، ويزيل ما عسى أن يكون بها من خشونة، ويكسبها مرونة في التعبير والدلالة, وأن موازنة بين حالة اللغة العربية
стр. 280
في عهد بداوة العرب قبل الإسلام, وحالتها في عهد حضارتهم الإسلامية، أو بين ما كانت عليه عند أهل البادية في عصر ما, وما كانت عليه في الحضر في العصر نفسه، لأصدق برهان على ذلك, وأن البدويّ الذي لم يلهمه شيطانه في مدحه للأمير أحسن من قوله:
أنت كالكلب في حفاظك للعهد ... وكالتيس في قراع الخطوب
قد استطاعت قريحته بعد أن هذبتها حضارة بغداد أن تجود بمثل قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وما يحدث بين حضارة الأمة ولغتها من توافق وانسجام، يحدث مثله بين لغتها ومظاهر بيئتها الجغرافية؛ فجميع خصائص الإقليم الطبيعية تنطبع في لغة سكانها, ومن أجل ذلك نشأت فروق كبيرة في مختلف مظاهر اللغة بين سكان المناطق الجبلية وسكان الصحراء وسكان الأودية, وبين سكان المناطق الشمالية والوسطى والجنوبية، ومن كذلك نشأت فروق غير يسيرة بين الفصيلة اللغوية الواحدة, بل بين لهجات اللغة الواحدة. ومن أجل ذلك أيضًا غزرت في كل لغة المفردات التي تدور حول مظاهر بيئتها الجغرافية، ودقت دلالاتها، وانبثت في شتى فنون القول, ومن أجل ذلك أيضًا كان قسط كبير من مادة الخيال والتشبيه في كل لغة مستمدًّا من مظاهر البيئة وما اختصت به طبيعة البلاد, ومن أجل ذلك أيضًا تمثل في أسلوب اللغة وفنونها الأدبية ما تختص به بيئتها الطبيعية من تلَبُّدٍ أو صفاء، وقبح أو جمال، وصخب أو هدوء، وتنوع أو اطراد، وتقلب أو ثبات، وما ينبعث عنها من رخاوة أو قوة، وخمول أو نشاط، وخشونة أو نعيم, ولهذا كله يستطيع الباحث معرفة البيئة الأولى التي نشأت فيها لغة ما على ضوء مفردات هذه اللغة وغزارتها في بعض النواحي, وجدبها في نواحٍ أخرى، وما تجنح إليه أساليبها ومادتها في الخيال والتشبيه، وخواص آدابها ... وما إلى ذلك.
стр. 281
وإليك مثلًا لغات الفصيلة السامية؛ ففي كل لغة منها تتمثل حالة البيئة التي سكنها الناطقون بها؛ فالآرامية التي نشأت في الشمال جافة الألفاظ، قليلة المفردات، ثقيلة التراكيب، مضطربة القواعد، لا تكاد تواتي الأساليب الشعرية الراقية، والعربية التي نشأت في الجنوب أعذب اللغات السامية ألفاظًا، وأغناها مفردات، وأدقها قواعد، وأكثرها مرونة واتساعًا لمختلف فنون القول. والعبرية التي نشأت في منطقة متوسطة بين هاتين المنطقتين تمثل في رقيها منزلة بين منزلتي الآرامية والعربية، فقد فاقت الأولى ولكنها قصرت عن أن تدرك شأو الثانية؛ فألفاظها وأساليبها تتسع لكثير من مناحي القول، ولكن العربية تفوقها في مرونة التعبير، والترف اللغوي، وسعة الثروة في المفردات, وقواعدها سهلة مضبوطة, ولكنها لا تبلغ في دقتها وتنوعها مبلغ قواعد اللغة العربية, وتظهر هذه الفروق حتى في ناحية الأصوات؛ فالآرامية حوشية الأصوات، صعبة النطق، تلتقي في كلماتها المقاطع المتنافرة والحروف الساكنة, والعربية عذبة الأصوات، سهلة النطق، خفيفة الوقع على السمع، تقل في كلماتها الحروف غير المتحركة١، ولا يكاد يجتمع في مفرداتها ولا في تراكيبها مقاطع متنافرة، ولا يلتقي في ألفاظها ساكنان, والعبرية وسط بين هذه وتلك؛ فهي لم تصل في سهولة اللفظ إلى درجة العربية ولا في صعوبته إلى درجة الآرامية، يتخلل كلماتها حروف المد في نطاق أوسع من الآرامية، وبدرجة تذلل كثيرًا من ظواهر الصعوبة في النطق, ولكن بدون أن تصل في هذه الناحية إلى الشأو الذي وصلت إليه لغة القرآن٢.
ولهذا السبب نفسه اختلفت اللهجات الإغريقية القديمة, فعلى الرغم من أن بلاد الإغريق كانت تشغل منطقة ضيقة، فإن الاختلاف اليسير الذي كان بين أجزاء هذه المنطقة في طبيعتها الجغرافية قد
стр. 282
أحدث بين لهجاتها سكانها فروقًا ذات بالٍ؛ فاللهجة الدورية مثلًا, خشنة الألفاظ، حوشية المخارج، صعبة النطق، ثقيلة الأصوات، على حين أن اللهجة اليونية رخوة الكلمات، سهلة النطق، عذبة الأصوات، يتخلل كلماتها كثير من حروف المد وأصوات اللين١.
ومظاهر النشاط الاقتصادي تطبع اللغة كذلك بطابعٍ خاصٍّ في مفرداتها ومعانيها وأساليبها وتراكيبها, ومن ثَمَّ اختلفت مظاهر اللغة في الأمم والمناطق تبعًا لاختلافها في نوع الإنتاج، ونظم الاقتصاد، وشئون الحياة المادية، والمهنة السائدة "الزراعة، الصناعة، والتجارة الصيد، رعي الأغنام..إلخ", وقد تؤثر هذه المظاهر في أصوات اللغة نفسها، فقد يؤدي نوع العمل الذي يزاوله سكان منطقة ما إلى تشكيل أعضاء نطقهم في صورة خاصة تتأثر بها مخارج الحروف ونبرات الألفاظ ومناهج التطور الصوتي.
واللغة مرآة ينعكس فيها كذلك ما يسير عليه الناطقون بها في شئونهم الاجتماعية العامة, فعقائد الأمة, وتقاليدها، وما تخضع له من مبادئ في نواحي السياسة والتشريع والقضاء والأخلاق والتربية وحياة الأسرة، وميلها إلى الحرب, أو جنوحها إلى السلم، وما تعتنقه من نظم بصدد الموسيقى والنحت والرسم والتصوير والعمارة, وسائر أنواع الفنون الجميلة.. كل ذلك وما إليه يصبغ اللغة بصبغة خاصة في جميع مظاهرها؛ في الأصوات والمفردات والدلالة والقواعد والأساليب.. وهلم جرا٢، وإليك مثلًا درجة القرابة التي تربط الفرد بكل من أسرة أبيه وأسرة أمه, فإن الأمم التي تسير نظمها الاجتماعية على إنزال هاتين الأسرتين منزلة واحدة تقريبًا في درجة قرابتهما للفرد تطلق لغتها
стр. 283
كلمة واحدة على كل من العم والخال oncle, uncle والعمة والخالة tante, aunt ابن العم أو العمة وابن الخال أوالخالة cousin, ابنة العم أو العمة, وابنة الخال أو الخالة cousine، على حين أن الأمم التي تفرق نظمها الاجتماعية بين هاتين الأسرتين في درجة قرابتهما للفرد تختلف في لغتها الكلمات الدالة على أفراد أسرة الأب عن الكلمات الدالة على أفراد أسرة الأم: العم، الخال، العمة، الخالة، ابن العم، ابن العمة، ابن الخال، ابن الخالة، بنت العم، بنت العمة، بنت الخال, بنت الخالة١, وإليك مثلًا آخر وهو مبلغ اتجاه الأمة إلى مبادئ المساواة أو انحرافها نحو نظام الطبقات, فإن ما تسير عليه نظمها الاجتماعية بهذا الصدد يؤثر في مختلف نواحي لغتها حتى في ناحية القواعد؛ فمخاطبة المفرد بضمير الجمع تعظيمًا له: "أرجو أن تتفضلوا.." وإجراء الخطاب في صيغة الأخبار عن الغائب "يتفضل سيدي ... "، كل ذلك وما إليه من أساليب التبجيل لا يبدو في اللغة إلّا حيث ينحرف الناس عن مبادئ المساواة, وتكثر الفوارق بين الطبقات, ولذلك يعد تطور هذه الضمائر في أمة ما أصدق سجل لتطور اتجاهاتها في هذه الشئون؛ فالصراع في اللغة الفرنسية بين "tu" "أنت", و"Vous" "أنتم" في مخاطبة المفرد، يمثل أصدق تمثيل مراحل الصراع بين روح المساوة ونظام الطبقات في الشعب الفرنسي؛ فقد كانت الغلبة للضمير الأول في العصور التي سادت فيها مبادئ المساواة, وللضمير الثاني في العصور التي وهنت فيها هذه المبادئ, ومثل هذا يقال في اللغة العربية؛ فقد كان العرب في جاهليتهم أكثر الشعوب ميلًا إلى المساواة بين الأفراد, ولذلك ساد في خطابهم ضمير المفرد، ولم تبد في لغتهم مظاهر المبالغة في التبجيل, ولكنهم لم يلبثوا بعد اتساع ملكهم، احتكاكهم بالأمم الأخرى، وانغماسهم في الترف, ومحاكاتهم لأبهة الفرس وأساليبهم في الحياة، واتجاه خاصتهم وأغنيائهم إلى الترفع عن الدهماء وطبقات المستضعفين، لم يلبثوا بعد هذا أن انحرفوا عن
стр. 284
مبادئهم الأولى، فانحرفت معهم أساليب لغتهم، وساد فيها خطاب المفرد بضمير الجمع، وإجراء الخطاب في صيغة الإخبار عن الغائب، ونفذت إليها ألفاظ "الحضرة" و"الجناب" وما إلى ذلك. واختلاف الطبقات في بعض الأمم، وما يفصلها من فوارق في مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية، كل ذلك يؤدي إلى التمييز بينها في المفردات التي تطلق على شئون كل طبقة منها. وإليك مثلًا المفردات التي تطلق على أنواع الدخل والأجور، فإن مبلغ الاختلاف بين هذه المفردات في أمة ما ليسجل مبلغ الاختلاف بين طبقات هذه الأمة في مستوى الحياة، وأن الأصل اللغوي الذي يرجع إليه كل مفرد منها ليشير في صورة ما إلى عمل الطبقة التي يطلق على دخلها، وإلى نشاطها الاقتصادي، ومنزلتها في سلم الطبقات؛ ففي اللغة الفرنسية مثلًا يطلق لفظ خاصٌّ على كل من دخل المسكين، والخادم، وعامل اليومية، والعامل الدائم، والممثل، والصحفي، والقسيس، والجندي، والضابط، والموظف غير الحكومي، والموظف الحكومي، وصاحب المهنة الحرة؛ كالطبيب, والمحامي والمالك الزراعي ومن إليهم، والمساهم في شركة ما، والنائب البرلماني وهلم جرا. وكل مفرد من هذه المفردات يشير أصله اللغوي في صورة ما إلى عمل الطبقة التي يطلق على دخلها، وإلى نشاطها الاقتصادي ومقدرتها بالقياس لما عداها من الطبقات:
Les secours d un indigent les gages dun domestique la paye d un Journalier le salaire d un ouvrier les feux dun actirr les mensualites dun Journaliste le cousuel d un cure le pret d un soldat le sold d un officier les appointements d un employe le traitement d un fonctoonnaire les honorae- res d un menecin ou d un avocat les rentes d un rentier les dividendes d un actionnaire l indemnite d un parlementaire etc
وتتشكل اللغة كذلك بالشكل الذي يتفق مع اتجاهات الأمة العامة ومطامحها ونظرها إلى الحياة, فاتجاه الإنجليز مثلًا إلى الناحية العلمية قد صبغ لغتهم بصبغة مادية في مفرداتها، وتراكيبها، حتى أنه ليقال
стр. 285
فيها: "دفع زيارة أو تحية أو شكرًا أوانتباهًا، و"كيف أستطيع أن أدفع لك مقابل جميلك"، و"أنفق وقته في كيت وكيت"، و"تربح الساعة أو تخسر".
To pay visit, compliments, attention.., How con l pay you for all your good? He spent hes time in ... ; The watch gains or loses
بدلًا من "أدى زيارة" و"قدم تحية أو شكرًا" و"أبدى اهتمامًا"، و"كيف أستطيع أن أجزيك مقابل جميلك" و"قضى وقته في عمل ما" و"الساعة تقدم أو تؤخر".
وما يكون عليه الأفراد من حشمة وأدب في شئونهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض ينبعث كذلك صداه في لغتهم ألفاظها وتراكيبها. فاللغة اللاتينية لا تستحي أن تعبر عن العورات والأمور المستهجنة, والأعمال الواجب سترها بعبارات مكشوفة، ولا أن تسميها بأسمائها الصريحة. على حين أن اللغة العربية بعد الإسلام تتلمس أحسن الحيل، وأدناها إلى الحشمة والأدب في التعبير عن هذه الشئون، فتلجأ إلى المجاز في اللفظ, وتستبدل الكناية بصريح القول: القبل، الدبر، قارب النساء، لمس امرأته، قضى حاجته..إلخ. ولقد كان لها بهذا الصدد في ألفاظ القرن الكريم وعباراته أسوة حسنة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ ، ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض﴾ ، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ، ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .. وما إلى ذلك من كريم العبارات ونبيل الألفاظ, وما يبدو في اللغة العربية بهذا الصدد يبدو مثله في اللغات الأوربية الحديثة, وخاصة الشمالية منها. وأكثرها تحرجًا في هذه الناحية اللغة الإنجليزية؛ فالبطن مثلًا لا يعبر عنه في لغة التخاطب الإنجليزية باسمه الصريح، بل يطلق عليه في الغالب the stomach "أي المعدة"١، وسراويل الرجل