وإليك مثلًا لغات الفصيلة السامية؛ ففي كل لغة منها تتمثل حالة البيئة التي سكنها الناطقون بها؛ فالآرامية التي نشأت في الشمال جافة الألفاظ، قليلة المفردات، ثقيلة التراكيب، مضطربة القواعد، لا تكاد تواتي الأساليب الشعرية الراقية، والعربية التي نشأت في الجنوب أعذب اللغات السامية ألفاظًا، وأغناها مفردات، وأدقها قواعد، وأكثرها مرونة واتساعًا لمختلف فنون القول. والعبرية التي نشأت في منطقة متوسطة بين هاتين المنطقتين تمثل في رقيها منزلة بين منزلتي الآرامية والعربية، فقد فاقت الأولى ولكنها قصرت عن أن تدرك شأو الثانية؛ فألفاظها وأساليبها تتسع لكثير من مناحي القول، ولكن العربية تفوقها في مرونة التعبير، والترف اللغوي، وسعة الثروة في المفردات, وقواعدها سهلة مضبوطة, ولكنها لا تبلغ في دقتها وتنوعها مبلغ قواعد اللغة العربية, وتظهر هذه الفروق حتى في ناحية الأصوات؛ فالآرامية حوشية الأصوات، صعبة النطق، تلتقي في كلماتها المقاطع المتنافرة والحروف الساكنة, والعربية عذبة الأصوات، سهلة النطق، خفيفة الوقع على السمع، تقل في كلماتها الحروف غير المتحركة١، ولا يكاد يجتمع في مفرداتها ولا في تراكيبها مقاطع متنافرة، ولا يلتقي في ألفاظها ساكنان, والعبرية وسط بين هذه وتلك؛ فهي لم تصل في سهولة اللفظ إلى درجة العربية ولا في صعوبته إلى درجة الآرامية، يتخلل كلماتها حروف المد في نطاق أوسع من الآرامية، وبدرجة تذلل كثيرًا من ظواهر الصعوبة في النطق, ولكن بدون أن تصل في هذه الناحية إلى الشأو الذي وصلت إليه لغة القرآن٢.
ولهذا السبب نفسه اختلفت اللهجات الإغريقية القديمة, فعلى الرغم من أن بلاد الإغريق كانت تشغل منطقة ضيقة، فإن الاختلاف اليسير الذي كان بين أجزاء هذه المنطقة في طبيعتها الجغرافية قد
стр. 282
أحدث بين لهجاتها سكانها فروقًا ذات بالٍ؛ فاللهجة الدورية مثلًا, خشنة الألفاظ، حوشية المخارج، صعبة النطق، ثقيلة الأصوات، على حين أن اللهجة اليونية رخوة الكلمات، سهلة النطق، عذبة الأصوات، يتخلل كلماتها كثير من حروف المد وأصوات اللين١.
ومظاهر النشاط الاقتصادي تطبع اللغة كذلك بطابعٍ خاصٍّ في مفرداتها ومعانيها وأساليبها وتراكيبها, ومن ثَمَّ اختلفت مظاهر اللغة في الأمم والمناطق تبعًا لاختلافها في نوع الإنتاج، ونظم الاقتصاد، وشئون الحياة المادية، والمهنة السائدة "الزراعة، الصناعة، والتجارة الصيد، رعي الأغنام..إلخ", وقد تؤثر هذه المظاهر في أصوات اللغة نفسها، فقد يؤدي نوع العمل الذي يزاوله سكان منطقة ما إلى تشكيل أعضاء نطقهم في صورة خاصة تتأثر بها مخارج الحروف ونبرات الألفاظ ومناهج التطور الصوتي.
واللغة مرآة ينعكس فيها كذلك ما يسير عليه الناطقون بها في شئونهم الاجتماعية العامة, فعقائد الأمة, وتقاليدها، وما تخضع له من مبادئ في نواحي السياسة والتشريع والقضاء والأخلاق والتربية وحياة الأسرة، وميلها إلى الحرب, أو جنوحها إلى السلم، وما تعتنقه من نظم بصدد الموسيقى والنحت والرسم والتصوير والعمارة, وسائر أنواع الفنون الجميلة.. كل ذلك وما إليه يصبغ اللغة بصبغة خاصة في جميع مظاهرها؛ في الأصوات والمفردات والدلالة والقواعد والأساليب.. وهلم جرا٢، وإليك مثلًا درجة القرابة التي تربط الفرد بكل من أسرة أبيه وأسرة أمه, فإن الأمم التي تسير نظمها الاجتماعية على إنزال هاتين الأسرتين منزلة واحدة تقريبًا في درجة قرابتهما للفرد تطلق لغتها
стр. 283
كلمة واحدة على كل من العم والخال oncle, uncle والعمة والخالة tante, aunt ابن العم أو العمة وابن الخال أوالخالة cousin, ابنة العم أو العمة, وابنة الخال أو الخالة cousine، على حين أن الأمم التي تفرق نظمها الاجتماعية بين هاتين الأسرتين في درجة قرابتهما للفرد تختلف في لغتها الكلمات الدالة على أفراد أسرة الأب عن الكلمات الدالة على أفراد أسرة الأم: العم، الخال، العمة، الخالة، ابن العم، ابن العمة، ابن الخال، ابن الخالة، بنت العم، بنت العمة، بنت الخال, بنت الخالة١, وإليك مثلًا آخر وهو مبلغ اتجاه الأمة إلى مبادئ المساواة أو انحرافها نحو نظام الطبقات, فإن ما تسير عليه نظمها الاجتماعية بهذا الصدد يؤثر في مختلف نواحي لغتها حتى في ناحية القواعد؛ فمخاطبة المفرد بضمير الجمع تعظيمًا له: "أرجو أن تتفضلوا.." وإجراء الخطاب في صيغة الأخبار عن الغائب "يتفضل سيدي ... "، كل ذلك وما إليه من أساليب التبجيل لا يبدو في اللغة إلّا حيث ينحرف الناس عن مبادئ المساواة, وتكثر الفوارق بين الطبقات, ولذلك يعد تطور هذه الضمائر في أمة ما أصدق سجل لتطور اتجاهاتها في هذه الشئون؛ فالصراع في اللغة الفرنسية بين "tu" "أنت", و"Vous" "أنتم" في مخاطبة المفرد، يمثل أصدق تمثيل مراحل الصراع بين روح المساوة ونظام الطبقات في الشعب الفرنسي؛ فقد كانت الغلبة للضمير الأول في العصور التي سادت فيها مبادئ المساواة, وللضمير الثاني في العصور التي وهنت فيها هذه المبادئ, ومثل هذا يقال في اللغة العربية؛ فقد كان العرب في جاهليتهم أكثر الشعوب ميلًا إلى المساواة بين الأفراد, ولذلك ساد في خطابهم ضمير المفرد، ولم تبد في لغتهم مظاهر المبالغة في التبجيل, ولكنهم لم يلبثوا بعد اتساع ملكهم، احتكاكهم بالأمم الأخرى، وانغماسهم في الترف, ومحاكاتهم لأبهة الفرس وأساليبهم في الحياة، واتجاه خاصتهم وأغنيائهم إلى الترفع عن الدهماء وطبقات المستضعفين، لم يلبثوا بعد هذا أن انحرفوا عن
стр. 284
مبادئهم الأولى، فانحرفت معهم أساليب لغتهم، وساد فيها خطاب المفرد بضمير الجمع، وإجراء الخطاب في صيغة الإخبار عن الغائب، ونفذت إليها ألفاظ "الحضرة" و"الجناب" وما إلى ذلك. واختلاف الطبقات في بعض الأمم، وما يفصلها من فوارق في مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية، كل ذلك يؤدي إلى التمييز بينها في المفردات التي تطلق على شئون كل طبقة منها. وإليك مثلًا المفردات التي تطلق على أنواع الدخل والأجور، فإن مبلغ الاختلاف بين هذه المفردات في أمة ما ليسجل مبلغ الاختلاف بين طبقات هذه الأمة في مستوى الحياة، وأن الأصل اللغوي الذي يرجع إليه كل مفرد منها ليشير في صورة ما إلى عمل الطبقة التي يطلق على دخلها، وإلى نشاطها الاقتصادي، ومنزلتها في سلم الطبقات؛ ففي اللغة الفرنسية مثلًا يطلق لفظ خاصٌّ على كل من دخل المسكين، والخادم، وعامل اليومية، والعامل الدائم، والممثل، والصحفي، والقسيس، والجندي، والضابط، والموظف غير الحكومي، والموظف الحكومي، وصاحب المهنة الحرة؛ كالطبيب, والمحامي والمالك الزراعي ومن إليهم، والمساهم في شركة ما، والنائب البرلماني وهلم جرا. وكل مفرد من هذه المفردات يشير أصله اللغوي في صورة ما إلى عمل الطبقة التي يطلق على دخلها، وإلى نشاطها الاقتصادي ومقدرتها بالقياس لما عداها من الطبقات:
Les secours d un indigent les gages dun domestique la paye d un Journalier le salaire d un ouvrier les feux dun actirr les mensualites dun Journaliste le cousuel d un cure le pret d un soldat le sold d un officier les appointements d un employe le traitement d un fonctoonnaire les honorae- res d un menecin ou d un avocat les rentes d un rentier les dividendes d un actionnaire l indemnite d un parlementaire etc
وتتشكل اللغة كذلك بالشكل الذي يتفق مع اتجاهات الأمة العامة ومطامحها ونظرها إلى الحياة, فاتجاه الإنجليز مثلًا إلى الناحية العلمية قد صبغ لغتهم بصبغة مادية في مفرداتها، وتراكيبها، حتى أنه ليقال
стр. 285
فيها: "دفع زيارة أو تحية أو شكرًا أوانتباهًا، و"كيف أستطيع أن أدفع لك مقابل جميلك"، و"أنفق وقته في كيت وكيت"، و"تربح الساعة أو تخسر".
To pay visit, compliments, attention.., How con l pay you for all your good? He spent hes time in ... ; The watch gains or loses
بدلًا من "أدى زيارة" و"قدم تحية أو شكرًا" و"أبدى اهتمامًا"، و"كيف أستطيع أن أجزيك مقابل جميلك" و"قضى وقته في عمل ما" و"الساعة تقدم أو تؤخر".
وما يكون عليه الأفراد من حشمة وأدب في شئونهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض ينبعث كذلك صداه في لغتهم ألفاظها وتراكيبها. فاللغة اللاتينية لا تستحي أن تعبر عن العورات والأمور المستهجنة, والأعمال الواجب سترها بعبارات مكشوفة، ولا أن تسميها بأسمائها الصريحة. على حين أن اللغة العربية بعد الإسلام تتلمس أحسن الحيل، وأدناها إلى الحشمة والأدب في التعبير عن هذه الشئون، فتلجأ إلى المجاز في اللفظ, وتستبدل الكناية بصريح القول: القبل، الدبر، قارب النساء، لمس امرأته، قضى حاجته..إلخ. ولقد كان لها بهذا الصدد في ألفاظ القرن الكريم وعباراته أسوة حسنة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع﴾ ، ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض﴾ ، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ، ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .. وما إلى ذلك من كريم العبارات ونبيل الألفاظ, وما يبدو في اللغة العربية بهذا الصدد يبدو مثله في اللغات الأوربية الحديثة, وخاصة الشمالية منها. وأكثرها تحرجًا في هذه الناحية اللغة الإنجليزية؛ فالبطن مثلًا لا يعبر عنه في لغة التخاطب الإنجليزية باسمه الصريح، بل يطلق عليه في الغالب the stomach "أي المعدة"١، وسراويل الرجل
стр. 286
تطلق عليها أحيانًا كلمة معناها الأصلي "ما لا يمكن التعبير عنه"١ lnexpressible، وسراويل المرأة تطلق عليها كلمة معناها الأصلي "الجمع أو التركيب"٢ Combination. وهلم جرا.
وخصائص الأمة العقلية، ومميزاتها في الإدراك والوجدان والنزوع، ومدى ثقافتها، ومستوى تفكيرها ومنهجه، وتفسيرها لظواهر الكون، وفهمها لما وراء الطبيعة.. كل ذلك وما إليه ينبعث كذلك صداه في لغتها٣؛ ففي الأمم البدائية الضعيفة التفكير, المنحطة المدارك، تغزو الكلمات الدالة على المحسات والأمور الجزئية، وتنعدم أو تقل الألفاظ الدالة على المعاني الكلية، وتخلو دلالة المفردات من الدقة والضبط، فيكثر فيها الخلط واللبس والإبهام، وتعرو القواعد أو تكاد تعرو من ظواهر التصريف والاشتقاق وربط عناصر الجملة والعبارات بعضها ببعض، ويضيق متن اللغة فلا يتسع لأكثر من ضروريات الحياة٤, ومن هذا القبيل الشعوب الصينية: فلغاتها بدائية ساذجة في نواحي الألفاظ والدلالة والقواعد، تكفي للتعبير عن ضروريات الحياة وشئون الصناعة اليدوية، والأدب السهل، والتأمل الضحل، ولكنها لا تتسع لعلم ولا لفلسفة ولا لدين بالمعنى الصحيح لهذه الكلمات، حتى إنه لا يوجد فيها اسم للإله، ويعبر فيها عن مسائل ما وراء الطبيعة بعبارات ملتوية مبهمة مضطربة الدلالة في أذهان أهلها أنفسهم.
стр. 287
وفي كثير من الأمم البدائية ينعكس في اللغة من مظاهر الاضطراب والإبهام ما تمتاز به عقليات الناطقين بها من سذاجة وقصور، حتى إنها لا تكاد وحدها تبين عن معنًى واضح دقيق، وحتى أن أهلها أنفسهم ليضطرون في أثناء حديثهم إلى الأستعانة بالحركات اليدوية والجسمية لتكملة ما ينقص تعبيرهم, وما يعوزه من دلالة؛ فقد روي عن قبائل البوشيمان Bochimans "عشائر بدائية تسكن جنوب أفريقيا١ أنهم إذا أرادو المحادثة ليلًا يضطرون إلى إشعال النار ليتمكنوا من رؤية الإشارات اليدوية والجسمية التي تصحب كلامهم, فتكمل ناقصة وتوضح مدلولاته, ويقرر علماء الأتنوجرافيا الذين عنوا بدراسة السكان الأصليين بأمريكا وأستراليا وأفريقيا, أن عقليات هذه الشعوب لا تكاد تدرك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها، وأن هذا القصور العقلي كان له صدى كبير في لغاتهم، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظًا يدل على معنًى كليٍّ. ففي لغة الهنود الحمر مثلًا يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء، وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء.. وهكذا, ولا يوجد أي لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أي لفظ للدلالة على الشجرة على العموم. وفي لغة الهورونيين Hurons "من السكان الأصليين لأمريكا الشمالية" يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها, ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه, فيوجد لفظ التعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عليه في حالة تعلقه باللحم، وثالث في حالة تعلقه بالزبد، ورابع في حالة تعلقه بالموز ... وهكذا, ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم, أو الأكل في زمنٍ ما. ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmanie "بقرب أستراليا" لا يوجد في مفرداتها لفظ يدل على الصفة، فإذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيهه بآخر مشتمل على الصفة المقصودة، فيقولون مثلًا: "فلان كشجرة كذا" إذا أرادوا وصفه بالطول.
стр. 288
وعلى العكس من ذلك الشعوب الهندية - الأوربية, حيث ينشط التفكير، ويعمق الإدراك، ويدق البحث، وتتجه العقول إلى التأمل الفلسفي، وتميل إلى تفسير ظواهر الكون والمجتمع الإنساني تفسيرًا علميًّا يربطها بأسبابها وقوانينها العامة؛ ففي مثل هذه الشعوب تكثر في اللغات الألفاظ الدالة على المعاني الكلية، والتراكيب المعبرة عن الحقائق العامة, وتغزر أزمنة الأفعال١، وتطول الجمل، وتتعدد أجزاؤها، وتتنوع الروابط, وتختلف دلالاتها، فتتسع للتعبير عن دقيق الوجدان، وعميق الإدراك، وحقائق الفلسفة والعلوم.
هذا وإن ما تقدم ذكره في هذه الفقرة وفي معظم الفقرات السابقة من هذا الكتاب ليدلنا أوضح دلالة على ما للمجتمع ونظمه وحضارته واتجاهاته من آثار بليغة في نشأة اللغات٢, وانتقالها من السلف إلى الخلف٣, وانشعابها إلى لهجات ولغات٤, وصراعها بعضها مع بعض٥, وتطورها من جميع الوجوه٦.
وقد بالغ جماعة من العلماء في تقدير هذه الآثار حتى كادوا ينكرون أن لغير الظواهر الاجتماعية أثرًا في شئون اللغة, ومن أشهر أفراد هذه الطائفة العلامة السويسري فرديناند دوسور٧.Ferdinand De Saussure
стр. 289
ومذهبهم هذا يجانب جادة القصد من بعض الوجوه:
حقًّا أن اللغة ظاهرة اجتماعية تقتضيها حاجة الإنسان إلى التفاهم مع أبناء جنسه، فلولا الحياة الاجتماعية ما كانت اللغات١.
وحقًّا أن أهم المؤثرات في مخلف ظواهر اللغة ترجع إلى أمور تتعلق بالحياة الاجتماعية ونظم العمران، كما تدل على ذلك بحوثنا في هذا الفصل وفي الفصول السابقة من هذا الكتاب.
ولكن من الإفراط في تقدير هذه العوامل أن ننسب إليها كل شيء, وننكر ما لغيرها من أثر في هذا السبيل. وإن في دراستنا السابقة نفسها لآيات على خطأ هذا المذهب, فقد رأينا أن قسطًا غير يسير من ظواهر اللغة ترجع أسبابه إلى عوامل جغرافية، وقسمًا كبيرًا منها ترجع أسبابه إلى عوامل جسيمة فيزيولوجية أو نفسية فردية٢, وغنيٌّ عن البيان أن هذه العوامل وما إليها ليست من مظاهر الحياة الاجتماعية في شيء.٣ وسنرى في الفصل الخامس أن أهم المؤثرات في التطور الصوتي خاصة ترجع إلى عوامل من هذا القبيل٤.
стр. 290
٤- العوامل الأدبية المقصودة:
وأثرها في حياة اللغة وتطورها، وخاصة في لغة الكتابة: الرسم، التجديد في اللغة، البحوث اللغوية، حركة التأليف والترجمة, وسائل تعليم اللغة:
تشمل هذه الطائفة جميع ما يبذله الأفراد والهيئات من جهود مقصودة في سبيل حفظ اللغة، وتعليمها، وتوسيع نطاقها، وتكملة نقصها، وتهذيبها من نواحي المفردات والقواعد والأساليب، وتدوين آثارها، واستخدامها في الترجمة والتأليف الأدبي والعلمي.. وهلم جرا.
وتمتاز هذه الطائفة من العوامل عن الطوائف الثلاث السابقة بأنها أمور مقصودة، تسيرها الإرادة الإنسانية، على حين أن الطوائف السابقة تتمثل مظاهرها في أمور غير مقصودة تحدث من تلقاء نفسها، وتبدو آثارها في صورة جبرية لا اختيار للإنسان فيها, ولا يد له على وقفها, أو تغيير ما تؤدي إليه. وتمتاز عنها كذلك بأن هدفها الأصلي هو لغة الكتابة، بينما تتجه معظم آثار الطوائف السابقة بشكل مباشر إلى لغات المحادثة.
ولهذه الطائفة مظاهر كثيرة من أهمها: الرسم، والتجديد في اللغة، والبحوث اللغوية، وحركة التأليف والترجمة، ووسائل تعليم اللغة, وسنعقد لكل واحد من هذه الأمور الخمسة فقرة خاصة.
أولًا: الرسم:
لم يتح الرسم إلّا لعدد قليل من اللغات الإنسانية, أما معظمها فقد اعتمدت حياته على مجرد التناقل الشفوي. فالشرط الأساسي لحياة
стр. 291
اللغة هو التكلم بها لا رسمها, فكثيرًا ماتعيش اللغة بدون أن يكون لها سند تحريري، ولكن من المستحيل أن تنشأ لغة أو تبقى بدون أن يكون لها مظهر صوتي, ويصدق هذا حتى على اللغات الصناعية نفسها؛ كالاسبرانتو Esperanto وما إليها. فمن المتعذر أن تتاح الحياة للغة من هذا النوع ما لم تتداولها الألسنة وتصبح أداة للكلام, ولذلك كان أول ما يتجه إليه المفكرون في هذا النوع من اللغات هو وضع أصواته وأسلوب نطقه, والبحث في وسائل انتشار التحدث به.
وعلى الرغم من ذلك, فللرسم في حياة اللغة ونهضتها آثار تجلّ عن الحصر؛ فبفضله تضبط اللغة، وتدون آثارها، ويسجل ما يصل إليه الذهن الإنساني، وتنتشر المعارف، وتنتقل الحقائق في الزمان والمكان, وهو قوام اللغات الفصحى, ولغات الكتابة, ودعامة بقائها, وبفضله كذلك أمكننا الوقوف على كثير من اللغات الميتة؛ كالسنسكريتية والمصرية القديمة والإغريقية واللاتينية والقوطية, فلولا ما وصل إلينا من الآثار المكتوبة بهذه اللغات ما عرفنا عنها شيئًا, ولضاعت منا مراحل كثيرة من مراحل التطور اللغوي.
وترجع أساليب الرسم التي استخدمت في مختلف اللغات إلى أسلوبين اثنين:
أحدهما: أسلوب الرسم المعنوي:
ldeographie, Ecriture ideographique
وهو الذي يضع لكل معنًى صورة خطية خاصة, وقد استخدم هذا الأسلوب في لغات كثيرة؛ منها السومرية والصينية١ والمصرية القديمة٢, ولا يعلم على وجه اليقين أول أمة استخدمته، ولكن يظهر من شواهد كثيرة أنه أقدم أساليب الرسم الإنساني.
стр. 292
وترجع الصور الخطية التي تستخدم في هذا الأسلوب إلى نوعين؛ فأحيانًا تكون صورًا حقيقية للأشياء التي يراد التعبير عنها, أو لأجزاء من هذه الأشياء، كما يشير الرسم الهيروغليفي إلى الشمس بدائرة في وسطها نقطة، وإلى القمر بقوس في وسطه نتوء، وإلى الزنبق بثلاث فروع من شجرته, في طرف كلٍّ منها ثلاث زنبقات، وإلى الصقر بصورته واقفًا وهلم جرا. وأحيانًا تكون مجرد رموز مصطلح عليها للتعبر عن الأشياء والمعاني Symbolisme، كما يشير الرسم الهيروغليفي إلى الشهر بصورة هلال في وسطه نجم، وإلى اليوم بدائرة في وسطها نقطة، وكما يشير الرسم الصيني لمعنى "الإنسانية" بخطين يتكون منهما شكل رقم٨.
ولهذا الأسلوب من الرسم عيوب كثيرة؛ فهو أسلوب بطيء يقتضي الكاتب إسرافًا كبيرًا في الوقت والمجهود. ولكثرة صوره ورموزه تبعًا لكثرة المعاني والأشياء، يقتضي تعلمه وتعليمه جهودًا شاقة وزمنًا طويلًا, ولذلك يقضي كثير من الصينيين زهرة شبابهم في المدارس بدون أن يتموا تعلم الرسم الصيني, وهو لا يقوى على تأدية وظيفته إلّا في صورة ناقصة مبتورة؛ إذ من المستحيل، مهما كثرت صوره وتعددت رموزه أن ينتظم جميع ما يخطر بالذهن الإنساني من معانٍ وأفكارٍ, وجميع ما ينطق به اللسان من ألفاظ وعبارات, هذا إلى أنه
стр. 293
بمقتضاه لا يوجد للمعنى الواحد أكثر من صورة واحدة، مع أنه في معظم اللغات الإنسانية، كثيرًا ما يوجد للمعنى الواحد عدة ألفاظ مترادفة، فاستخدامه في حالات كهذه يوقع في اللبس ويؤدي إلى الاضطراب.
وثانيهما: أسلوب الرسم الصوتي -Ecriture Phonetique on Phonetisme الذي يضع لكل صوت صورة خاصة، وقد استخدم هذا الأسلوب من الرسم في كثير من اللغات القديمة، ويستخدم الآن في معظم الشعوب المتمدينة.
وترجع الصور الخطية التي استخدمت في هذ الرسم إلى طائفتين: إحداهما الصور المقطعية Syllabique وهي التي ترمز إلى مقاطع كاملة، كما يرمز في الهيروغليفي بشكل الشفتين إلى مقطع "را", وفي المسماري بصورة اليد إلى مقطع "سو", والأخرى الصور الهجائية Alphabetique, وهي التي ترمز إلى أصوات مفردة، كما يرمز في الرسم العربي بهذا الحرف: "ل" إلى صوت اللام مجردة من جميع الحركات.
ويظهر أن قدماء المصريين كانوا أول من استخدم هذا الأسلوب بنوعيه "المقطعي والهجائي" منذ أكثر من ثلاثين قرنًا قبل الميلاد؛ فمن بين صور الخط الهيروغليفي ما يرمز إلى مقاطع صوتية "صورة الشفتين مثلًا التي تعبر عن مقطع "را"، بل من بينها ما يرمز إلى مجرد أصوات مفردات "صورة الشفتين مثلًا التي أصبحت ترمز فيما بعد إلى صوت الراء الساكنة غير المتبوعة بآية حركة، كما هو شأن الراء في الحروف الهجائية العربية". غير أن قدماء المصريين لم يستخدموا هذا الأسلوب وحده, بل مزجوه بالأسلوب الأول؛ فالرسم الهيروغليفي خليط من الرسم الصوتي والرسم المعنوي، يستخدم بجانب الصور المقطعية والهجائية، صورًا حقيقية ورمزية١.
ومن الراجح أن الفينقيين هم أول من استخدم الأسلوب الهجائي
стр. 294
وحده. وقد اضطرهم إلى ذلك نشاطهم التجاري وكثرة تنقلهم وتعدد علاقاتهم بمختلف الشعوب, فقد كانت هذه الشئون تقتضيهم في جميع أعمالهم السرعة في الحركة، والاقتصاد في المجهود، وتحري وجوه الدقة. والأسلوب الهجائي هو أسرع أساليب الرسم، وأيسرها وأدناها إلى الكمال, وليس من شكٍّ في أنهم قد حاكوا في أسلوبهم هذا ما كان يشتمل عليه الخط الهيروغليفي من صور هجائية, على أنه قد ثبت أنهم أخذوا أخذًا عن هذا الخط نحو ثلاثة عشر حرفًا من حروفهم.
وقد انتشرت حروف الهجاء الفينقية في معظم أنحاء العالم القديم واستخدمها كثير من شعوبه، ومنها تفرعت بشكل مباشر أو غير مباشر جميع حروف الهجاء التي استخدمت فيما بعد في مختلف اللغات الإنسانية.
فمن الحروف الفينيقية اشتقت الحروف العبرية القديمة، ومن هذه اشتق الرسم العبري الحديث "الحروف العبرية المربعة L ُ hebreu carre" الذي استخدم بعد رجوع بني إسرائيل من نفي بابل، وظلَّ مستخدمًا إلى الآن, بدون أن يناله تغيير ذو بالٍ.
ومن الحروف الفينقية اشتق كذلك نوعان من الرسم قريبا الشبه بالعبرية الحديثة "الحروف العبرية المربعة": أحدهما الخط التدمري١ "أو البالميريني٢ Palmyrenien؛ ولآخر الخط النبطي Nabateen ومن التدمري اشتقت الحروف السريانية التي أخذت منها الخطوط المغولية والمنشورية، ومن الخط النبطي والخط السرياني اشتقت حروف الهجاء العربية.
ومن الرسم الفينيقي أخذ كذلك الرسم الآرامي, بل إن الرسم الآرامي في أقدم أشكاله لا يكاد يختلف عن الرسم الفينيقي.
стр. 295
وعن الحروف الآرامية أخذت الحروف الهندية الباكتريانية lndo-Bactriens١ التي كانت مستخدمة في شمال الهند، ومن هذه الحروف اشتقت جميع الحروف المستخدمة الآن في مختلف لغات الهند وسيام Siam وكامبدج Cambodge "بالهند الصينية" وماليزيا Malaisie.
ومن الحروف الفينيقية اشتق كذلك الرسم الإغريقي، ومن الرسم الإغريقي أخذت الحروف اللاتينية، ومن الرسمين اللاتيني والإغريقي تفرعت جميع أنواع الرسم المستخدمة في مختلف اللغات الأوروبية في العصر الحاضر.
والأصل في الرسم الهجائي أن يكون معبرًا تعبيرًا دقيقًا عن أصوات الكلمة بدون زيادة ولا نقص ولا خلل في الترتيب، فيرسم في موضع كل صوت من أصواتها الحرف الذي يرمز إليه، ولا يوضع فيها حرف زائد لا يكون له مقابل صوتي, وقد حوفظ على هذا الأصل إلى حد كبير في بعض اللغات الإنسانية، وخاصة القديم منها؛ فرسم الكلمة في السنسكريتية لا يكاد يختلف في شيء عن صوتها٢, ولكن معظم أنواع الرسم، وخاصة الحديث منها، لا تتوافر فيه هذه المطابقة, فكثيرًا ما يرسم في الكلمة حرف زائد أو حروف زائدة ليس لها مقابل صوتي في النطق "مثلًا "مائة" في العربية، "loup" في الفرنسية، "thumb" في الإنجليزية". وكثيرًا ما تشتمل الكلمة على أصوات لا تمثلها حروف في الرسم, مثلًا: "هذا" في العربية، "Picture" في الإنجليزية", وكثيرًا ما يرسم في الكلمة حرف أو أكثر
стр. 296
للتعبير عن صوت غير الصوت الذي وضع له, مثلًا: dompter في الفرنسية, "enough" "ocean" of" في الإنجليزية", وكثيرًا ما ينطق بالحروف الواحد أو بالمقطع الواحد بصور صوتية مختلفة تبعًا لاختلاف الكلمات، أو اختلاف أزمنتها، أو اختلاف موقعه فيها, أو اختلاف ما يسقه أو يلحقه من حروف؛ فيرقق في بعض الكلمات, ويفخم في بعضها الآخر، أو يمد في بعضها, ويقصر في بعضها الآخر، أو يضغط عليه في بعضها, ويرسل في بعضها الآخر.. وهلم جرا "مثلًا: اللام في "والله" و"بالله".؟؟ إنجليزي
"Law low" l get a piece of lead l lead "Present" some men "l will read thes bood l have Just read thes book" The lines of demarkation that separate sciences this book contains separate sciences" l object against thes way the object of our book is "
وكثيرًا ما تختلف الحروف في كلمتين, ويتحد النطق بها
A piece of bread ln time of peace
ويرجع السبب في هذه الظواهر وما إليها, إلى عوامل كثيرة, من أهمها ثلاثة عوامل:
أحدها: أن حروف الهجاء في معظم أنواع الرسم لا تمثل جميع أصوات اللغة التي تكتب بها, فقد جرت العادة مثلًا في معظم أنواع الرسم ألّا يوضع لكل صوت عام أكثر من حرف هجائي واحد، مع أن الصوت العام كثيرًا ما يندرج تحت أصوات مختلفة في مخرجها ونبرتها وقوتها ومدة النطق بها وما إلى ذلك؛ فالصوت العام للام مثلًا, ليس له في معظم أنواع الرسم الحديث إلّا حرف واحد "ل "L", مع أن هذا الصوت يختلف نطقه باختلاف الكلمات والمواقع؛ فأحيانًا ينطق به مرققًا "Hole, Low, بالله" وأحيانًا مفخمًا "والله law"، وتارةً ينطق به مضغوطًا عليه "أقسم بالله" وأخرى ينطق به مرسلًا "نستعين بالله".. وهلم جرا، ورسمه واحد في جميع هذه الحالات, والصوت العام للألف اللينة ليس له في العربية إلّا حرف واحد، مع أنه أحيانًا ينطق به مستقيمًا، وأحيانًا
стр. 297
ينطق به ممالًا. والصوت العام للجيم ليس له في العربية إلّا حرف واحد, مع أنه في بعض اللهجات ينطق به مجردًا من التعطيش، وفي بعضها ينطق به معطشًا كل التعطيش، وفي بعضها ينطق به بين هذا وذاك١.
وثانيها: أن كثيرًا من أنواع الرسم يقتصر على الرمز إلى الأصوات الهامة في الكلمة, ويغفل ما عداها، كأنواع الرسم السامي؛ إذ تغفل الرمز إلى أصوات المد الطويلة والقصيرة معًا, أو إلى القصيرة وحدها٢.
وثالثها: أن أصوات اللغة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك٣ وكما سيأتي بيانه مفصلًا٤- في تطور مطرد وتغير دائم؛ فالأصوات التي تتألف منها كلمة ما, لا تجمد على حالتها القديمة، بل تتغير بتغير الأزمنة والمناطق، وتتأثر بطائفة كبيرة من العوامل الطبيعية والاجتماعية واللغوية, فأحيانًا يسقط منها بعض أصواتها القديمة، وأحيانًا يضاف إليها أصوات جديدة، وتارةً يستبدل ببعض أصواتها أصوات أخرى، وتارةً تحرف أصواتها عن مواضعها, فيختل ترتيبها القديم ... وقد ينالها أكثر من تغير واحد من هذه التغيرات، على حين أن الرسم لا يساير النطق في هذا التطور، بل يميل غالبًا إلى الجمود على حالته القديمة, أو ما يقرب منها، فلا يدون الكلمة على الصورة التي انتهت إليها أصواتها، بل على الصورة التي كانت عليها من قبل, وهذا هو منشأ الخلاف في معظم اللغات الأوروبية الحديثة بين النطق الحالي لكثير من الكلمات وصورتها في الرسم, فمعظم وجوه هذا الخلاف ترجع إلى جمود الرسم وتمثيله لصور صوتية قديمة نالها مع الزمن كثير من التغير في ألسنة الناطقين باللغة.
ومع ما للرسم من الفوائد الجليلة التي أشرنا إليها في صدر هذه
стр. 298
الفقرة١, فإن عدم مطابقته للنطق يجعل له بعض آثار ضارة, فهو يعرض الناس للخطأ في رسم الكلمات، ويجعل تعلم القراءة والكتابة لأهل اللغة من الأمور الشاقة المرهقة، ويطيل زمن المدرسة، فيسبب إسرافًا كبيرًا في الوقت والمجهود, وما يلاقيه أهل اللغة من صعوبات بهذا الصدد يلاقي أضعافه الأجانب الراغبون في تعلمها, ومن الواضح أن هذا يعوق انتشارها في الخارج، ويضيق سبل الانتفاع بآدابها وعلومها، فيصعب التفاهم بين الشعوب، وتضعف بينها حركة التبادل العلمي والثقافي, هذا إلى أن تمثيل الرسم لصور صوتية قديمة يعمل على رجع اللغة إلى الوراء, وردها إلى أشكالها العتيقة؛ فكثيرًا ما يتأثر الفرد في نطقه للكلمة بشكلها الكتابي، فلا يلفظها بالصورة التي انتهى إليها تطورها الصوتي، بل ينطق بها وفق رسمها، فتنحرف إلى الوضع الذي كانت عليه في العهود القديمة, وليس الأجانب وحدهم هم المعرضين لهذا الخطر، بل إنه كثيرًا ما يصيب أهل اللغة أنفسهم. وإليك مثلًا الحرف المشدد في اللغة الفرنسية في sAVAMMENT EVIDEMMENT إلخ، فقد كان ينطق به وفق رسمه في العصور الأولى لهذ اللغة، ثم انقرضت هذه الطريقة منهذ عهد بعيد, وأخذ الفرنسيون ينطقون به مخففًا، كما ينطقون بحرف واحد "Savaman evidaman", ولكن منذ عهد قريب أخذت عادة النطق به مشددًا تظهر في ألسنة كثير منهم تحت تأثير صورته الخطية, فمن جراء الرسم نكصت اللغة على عقبيها في هذه الناحية عدة قرون إلى الوراء٢.
ومن أجل ذلك كان العمل على إصلاح الرسم وتضييق مسافة الخلف بينه وبين النطق موضع عناية كثير من الأمم في مختلف العصور.
стр. 299
فقد ظهر في هذا السبيل بعض حركات إصلاحية عند اليونان والرومان في العصور السابقة للميلاد, وفي أواخر القرن التاسع عشر عالج الألمان أساليب رسمهم القديم وأصلحوا كثيرًا من نواحيه, ومثل هذا حدث من عهد قريب في مملكة النرويج, ثم في جمهورية البرازيل١. وقد بدت بهذا الصدد محاولات إصلاحية كثيرة في البلاد الواطئة "هولاندا" وإنجلترا والولايات المتحدة، ولكن معظم هذه المحاولات لم يؤد إلى نتائج ذات بال, وأدخلت الأكاديمية الفرنسية، يشد أزرها ويعاونها طائفة من ساسة فرنسا وعلمائها، إصلاحات كثيرة على الرسم الفرنسي, وقد جانبت في إصلاحاتها هذه مناهج الطفرة, واتبعت سبل التدرج البطيء، فكانت تدخل في كل طبعة جديدة لمعجمها، بجانب التنقيحات اللغوية والعلمية، طائفة من الاصطلاحات الإملائية. وقد أقرت مجموعة هامة من القواعد الجديدة في الرسم الفرنسي, هذا إلى اصطلاحات للعلامة جرياد Greard التي تناولت كثيرًا من نواحي الرسم، وأقرتها الأكاديمية الفرنسية. وكانت كل مجموعة من هذه الاصطلاحات تلقى مقاومة عنيفة من جانب غلاة المحافظين, وعلى الرغم من ذلك فقد عمَّ الأخذ بها، وكان لها أكبر فضل في تيسير الرسم الفرنسي, وتضييق مدى الخلاف بينه وبين النطق الحديث. والرسم العربي نفسه قد تناولته يد الإصلاح أكثر من مرة من قبل الإسلام ومن بعده, ومع ذلك لا يزال عدد كبير من لمفكرين في عصرنا الحاضر يأخذون عليه كثيرًا من وجوه النقص والإبهام، وينادون بإصلاحه من عدة نواحٍ, وخاصة رسم الهمزة والألف اللينة, وابتداع طريقة لإحلال علامات ظاهرة ترسم في صلب الكلمة محل الفتحة والكسرة والضمة حتى يتقي اللبس في نطق الكلمات "عَلِمَ, عُلِمَ، عِلْمُ، عَلَمٌ..إلخ". ولكن الرسم العربي ليس في حاجة إلى كثير من الإصلاح، فهو من أكثر أنواع الرسم سهولة ودقة وضبطًا في القواعد ومطابقة للنطق٢.
стр. 300
هذا، وعلى الرغم من المساوئ السابق ذكرها، فإن لجمود الرسم على حالته القديمة أو ما يقرب منها بعض فوائد جديرة بالتنويه؛ فهو يوحد شكل الكتابة في مختلف العصور، ويسهل تناقل اللغة، ويمكن الناس في كل عصر من الانتفاع بمؤلفات سلفهم وآثارهم, فلو كان الرسم يتغير تبعًا لتغير أصوات الكلمات لأصبحت كتابة كل جيل غريبة على الأجيال اللاحقة له، ولاحتاج الناس في كل عصر إلى تعلم طرق النطق والإلمام بحالة اللغة في العصور السابقة لهم, حتى يستطيعوا الانتفاع بمخلفات آبائهم, هذا إلى أن جمود الرسم على حالته القديمة يفيد الباحث في اللغات أكبر فائدة؛ فهو يعرض له صورة صحيحة لأصول الكلمات, ويقفه على ما كانت عليه أصواتها في أقدم عصور اللغة؛ فالرسم للألفاظ أشبه شيء من هذه الناحية بالمتحف للآثار.
وقد كان للرسم في اللغات الأوروبية فضل كبير في تيسير النطق بكثير من الأسماء المتداولة المركبة من عدة كلمات, فقد جرت العاة أن يكتفي في التعبير عن هذه الأسماء بذكر الحروف الأولى التي تتألف منها كلماتها:
T S F = telegraphe sans fil" M A = Master of arts"
وشاع هذا الاستعمال في أسماء المخترعات والشركات والأحزاب والفرق الحزبية والنظريات والشهادات العلمية, وما إلى ذلك. وقد أنزلت هذه الرموز منزلة الكلمات, وأخذ الناس يصرفونها وينسبون إليها ويشتقون منها أفعالًا وصفات, وللاقتصار عليها وكثرة استخدامها في الحديث والكتابة تنوسى أصلها عند عامة الناس، وأصبح كثير منهم يعتقد أنها كلمات كاملة "النازي، الأنزاك، النافي، اليونسكو.. إلخ".
وللرسم أثر كبير في تحريف النطق بالكلمات التي يقتبسها الكتاب والصحفيون عن اللغات الأجنبية, وذلك أن اختلاف اللغات في الأصوات
стр. 301
وحروف الهجاء والنطق بها وأساليب الرسم.. كل ذلك يجعل من المتعذر أن ترسم كلمة أجنبية في صورة تمثل نطقها الصحيح في اللغة التي اقتبست منها؛ فينشأ من جراء ذلك أن ينطق بها معظم الناس بالشكل الذي يتفق مع رسمها في لغتهم، ويشيع هذا الأسلوب من النطق، فتصبح الكلمة غريبة كل الغرابة أو بعض الغرابة عن الأصل الذي أخذت عنه, وليس هذا مقصورًا على اللغات المختلفة في حروف هجائها كالعربية واللغات الأوروبية، بل يصدق كذلك على اللغات المتفقة في حروف الهجاء؛ كالفرنسية والإنجليزية. فجميع الكلمات الإنجليزية التي انتشرت في الفرنسية عن طريق رسمها في الصحف والمؤلفات, ينطق بها الفرنسيون في صورة لا تتفق مع أصلها الإنجليزي Boy-scout; foot ball; rugby; hockey; sterling; standard standard of Living..حتى إن كثيرًا منها لا يكاد يتبينها الإنجليزي إذا سمعها من فرنسي.
ثانيًا: حركة التجديد في اللغة
تبدو حركة التجديد المقصود في مظاهر كثيرة من أكبرها أثرًا في التطور اللغوي الأمور الآتية:
١- تأثر الأدباء والكتاب بأساليب اللغات الأجنبية، واقتباسهم أو ترجمتهم لمفرداتها مصطلحاتها، وانتفاعهم بأفكار أهلها وإنتاجهم الأدبي والعلمي, فلا يخفى ما لهذا كله من أثر بليغ في نهضة لغة الكتابة وتهذيبها واتساع نطاقها وزيادة ثروتها, والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم الغابرة وفي العصر الحاضر؛ فأكبر قسط من الفضل في نهضة اللغة العربية في عصر بني العباس يرجع إلى انتفاع الأدباء والعلماء باللغتين الفارسية والإغريقية, فقد أخذوا في ذلك العصر يترجمون آثارهما، ويعقبون عليهما بالشرح والتعليق, ويستغلونهما في بحوثهم، ويحاكون أساليبهما، ويقتبسون منهما عددًا كبيرًا من المفردات العلمية وغيرها، ويمزجونها بمفردات لغتهم عن طريق تعريبها تارةً, وعن طريق ترجمتها تارةً أخرى، فاتسع بذلك متن اللغة العربية وازدادت مرونة
стр. 302
وقدرة على تدوين الآداب والعلوم. ويرجع كذلك أكبر قسط من الفضل في نهضة اللغة العربية بمصر في العصر الحاضر إلى انتفاع الصحفيين والأدباء والعلماء باللغات الأوروبية الحديثة، ومحاكاتهم لأساليبها، وتعريبهم أو ترجمتهم لألفاظها ومصطلحاتها، واستغلالهم في مؤلفاتهم ومترجماتهم لمنتجات أهلها في شتّى ميادين الحركة الفكرية, ولغة الكتابة بفرنسا في العصر الحاضر مدينة بأهم نواحي رقيها إلى تأثرها باللغتين اللاتينية والإغريقية من جهة, وباللغات الأوروبية الحديثة من جهة أخرى, فمنذ "عصر النهضة" Renaissance لم ينفك أدباء فرنسا وعلماؤها دائبين على اقتباس المفردات اللاتينية واليونانية القديمة, ومحاكاة أساليب هاتين اللغتين، وترسم قواعدهما ومناهجهما في البحث١, وقد أخذوا منذ عهد بعيد يقتبسون كثيرًا من المفردات والأساليب عن اللغات الأوروبية الحديثة, وخاصة الإنجليزية والألمانية, ولولا آلاف المفردات التي اقتبسها المحدثون من أدباء ألمانيا وعلمائها من اللغة اللاتينية وما تفرع عنها, ومن اللغات الأوروبية الحديثة, وبخاصة الفرنسية والإنجليزية، ما قويت لغة الكتابة بألمانيا أن تصل إلى الشأو الذي هي عليه الآن. ومثل هذا يقال في معظم لغات الكتابة في العصر الحاضر.
وكثيرًا ما تقتبس لغة الكتابة عن اللغات الأخرى مفردات لها نظير في متنها الأصلي، وكثيرًا ما تقتبس مفردات من لغة وتقتبس نظيرها في الدلالة من لغة أخرى, وإلى هذه الظواهر وما إليها, يرجع السبب في كثرة الألفاظ المترادفة "المشترك المعنوي" في لغات الكتابة, فما يذهب إليه بعضهم من أن الترادف بالمعنى الكامل لهذه الكلمة لا وجود له في اللغات ليس صحيحًا إلّا فيما يتعلق ببعض لغات المحادثة التي تظل بمأمن من الاحتكاك باللغات الأخرى, أما لغات الكتابة التي يستحيل
стр. 303
بقاؤها بمعزل عن غيرها، ولغات المحادثة التي يتاح لها هذا الاحتكاك، فلا تخلو من الترادف بالمعنى الصحيح، للسبب الذي ذكرناه.
٢- إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات القديمة المهجورة, فكثيرًا ما يلجئون إلى ذلك للتعبير عن معانٍ لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبر عنها تعبيرًا دقيقًا، أو لمجرد الرغبة في استخدام كلمات غريبة، أو في الترفع عن المفردات التي لاكتها الألسنة كثيرًا, وبكثرة الاستعمال، تبعث هذه المفردات خلقًا جديدًا، ويزول ما فيها من غرابة، وتندمج في المتداول المألوف, ولا يخفى ما لذلك من أثر في نهضة لغة الكتابة واتساع متنها وزيادة قدرتها على التعبير, وقد سار على هذه الوتيرة بمصر في العصر الحاضر كثير من الأدباء والعلماء والصحفيين، فردوا بذلك إلى اللغة العربية جزءًا كبير من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن عدة نواحٍ من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات.
٣- خلق الأدباء والعلماء لألفاظٍ جديدة, فكثيرا ما يلجئون إلى ذلك للتعبير عن أمور مستحدثة في الحياة الاجتماعية أو الفكرية, لا يجدون في مفردات اللغة المستعملة ولا في مفرداتها الداثرة ما يعبر عنها تعبيرًا دقيقًا, وقد لا يضطرهم إلى ذلك إلّا مجرد الرغبة في الابتداع, أو مجانبة الألفاظ المتداولة المألوفة، أو إبراز المعنى في صورة رائعة, وتثبتيه في الأذهان، وتذليل سبل انتشاره بالإغراب في تسميته, وقد عَمَّ استخدام هذه الطريقة في الأمم الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، وكثر التجاء الأدباء والعلماء إليها بنوع خاص في تسمية المستحدث من المخترعات الصناعية والمصطلحات العلمية والأحزاب والمبادئ السياسية والاجتماعية، وفي التعبير عن بعض معانٍ دقيقة في عالم الأدب والفلسفة، فناءت مؤلفاتهم بهذه الكلمات المصنوعة، وتألف منها معظم المصطلحات في الفلسفة وعلم النفس والعلوم الطبيعية والطب والصيدلة وما إلى ذلك، وقد صبغ معظم هذه المصطلحات بصبغة دولية، فأقرته
стр. 304
المؤتمرات والهيئات العلمية الممثلة لمختلف الأمم الأوروبية, وعمَّ استخدامه في لغاتها "تلغراف، تليفون، سوسيولوجيا، جيولوجيا ... إلخ". وقد أجاز المجمع اللغوي بمصر الالتجاء إلى هذه الطريقة، حيث تدعو إلى ذلك ضرورة، بألّا يوجد في مفردات اللغة متداولها ومهجورها ما يعبر تعبيرًا دقيقا عن الاصطلاح المراد التعبير عنه.
ولا يخفى ما لهذه الوسيلة من أثر في نهضة لغة الكتابة، واتساع متنها، ودقة مصطلحاتها وزيادة مرونتها وقدرتها على التعبير.
وقد ارتضى الأدباء والعلماء بعض قواعد عامة في وضع هذه الألفاظ, ويستعينون عادة في تكوينها بالنحت والاشتقاق الأكبر, ومزج كلمتين أو أكثر من كلمة واحدة, ويستمدون أصولها من اللغات الحية أو الميتة وخاصة اللاتينية واليونانية القديمة, وكثيرًا ما يستعان في تكوينها بأكثر من لغة واحدة, فمن المفردات ما هو مؤلف من لغتين ""سوسيولوجيا" أي: علم الاجتماع، فصدر الكلمة "سوسيو" من أصل لاتيني, معناه: الجمعية, وعجزها "لوجيا" من أصل يوناني, معناه: المقال أو البحث أو الخطبة" =Sociologie" du latin "societas discourw = logos scoiete et du grec "logo, بل أن منها ما هو مؤلف من ثلاث لغات ""بيسيكلت" أي: الدراجة, فإن "بي" من أصل لاتيني يدل على التثنية، "وسيكل" من أصل يوناني معناه الدائرة، و"ت" Bicyclette du latin "bi" = deux foes et du grec "kiklos= cercle et du suffixe diminutif francais "tte"
وقوام هذه المفردات هو التواضع والاصطلاح, ولذلك كثيرًا ما تختلف معانيها اختلافًا يسيرًا أو كبيرًا عن معاني الأصول التي استمدت منها.
ولا تبقى هذه الألفاظ جامدة على الحالة التي وضعت عليها, بل ينالها ما ينال غيرها من المفردات، وتخضع في تطورها الصوتي والدلالي للقوانين العامة نفسها التي تخضع لها الألفاظ الأصلية, فبمجرد أن يقذف
стр. 305
بها في التداول اللغوي, وتتناقلها الألسنة, تفلت من إرادة مخترعيها, وتخضع لنواميس التطور العامة المسيطرة على ظواهر الصوت والدلالة؛ فاللفظ الموضوع أشبه شيء بحجر يقذف به القاذف من جهةٍ معينةٍ بقوةٍ خاصةٍ, فإنه بمجرد أن يفارق يده يخضع في سيره لقوانين ثابتة صارمة لا يد للقاذف ولا لغيره على تعطيلها أو وقف آثارها, ولذلك يختلف الآن النطق بالألفاظ الموضوعة, ويختلف رسمها باختلاف الأمم واللغات. والأسلوب الصوتي الذي كانت تلفظ به منذ قرن أو قرنين مثلًا, غير الأسلوب الصوتي الذي تلفظ به الآن. وقد أخذ كثير منها عند جميع الكتاب أو عند بعضهم ينحرف في دلالته نفسها عن المعنى الذي وضع له في الأصل.
ثالثًا: المؤلفات اللغوية:
وهي البحوث التي ترمي إلى حفظ اللغة، وضبطها، وسلامتها، وتخليدها، والوقوف على خواصها وتاريخها وآثارها ... وما إلى ذلك؛ فتشمل المعجمات ودوائر المعارف وكتب القواعد بمختلف أنواعها "النحو والصرف، الاشتقاق، الوضع، البيان، المعاني، البديع..إلخ" وأدب اللغة وتاريخه، ودراسة أصوات اللغة ومخارج حروفها, ودلالة كلماتها وحياتها, والأدوار التي سارت فيها من مختلف نواحيها.. وهلم جرا.
فلا يخفى ما لهذه الجهود من أثر جليل في حياة لغة الكتابة، وحفظها من التحريف وتهذيبها ونههضتها ونقلها من السلف إلى الخلف.
رابعًا: نشاط التأليف والترجمة في الأداب والعلوم والفنون والصحافة وما إلى ذلك
فمن الواضح أنه لا حياة للغة الكتابة بدون استخدامها في هذه الشئون, وأنه بمقدار نشاط أهلها في هذه الميادين تتاح لها وسائل الانتشار والرقيّ والنهوض.
стр. 306
خامسًا: تعليم لغة الكتابة
تقوم معاهد التعليم في مختلف الأمم بأهم ناحية من هذه الوظيفة، وإليها يرجع أكبر قسط من الفضل في حياة اللغة، وتخليدها وسلامتها, وما يتاح لها من نهوض؛ فهي التي تعلم الصغار الكتابة والقراءة، وتقوِّمُ ألسنتهم، وتصلح فاسد نطقهم، وتأخذهم بآداب اللغة وأساليبها، وتوقفهم على قواعدها، وتلقنهم آثارها، وتبعث في نفوسهم حبها وإجلالها، وتدرس لهم بها مختلف المواد فتزيدها تثبيتًا في أذهانهم، وتقدرهم على استخدامها في مختلف مناحي التعبير.
وتعتمد معاهد التعليم في أدائها لهذه الوظائف الجليلة على العوامل الأربعة السابق ذكرها، وعلى طرق إعداد المعلمين ومؤلفات التربية وأساليب التعليم ... وما يتصل بذلك، وعلى ما تلقاه من إشراف وتعضيد ومعونة من جانب أولي الأمر والأسرات والهيئات والأفراد.
ولا يفوتنا قبل أن نختم هذه الفقرة أن نشير إلى أن كل تطور أو رقي في لغة الكتابة يؤثر بطريق غير مباشر في لغة الحديث؛ فطبقات الخاصة تعمل جاهدة على تقريب لغة حديثها من اللغة الفصحى، وانتشار التعليم الأولي يساعد على تهذيب لغة الكلام في طبقات العامة, ويدنو بها من لغة الكتابة؛ فالعوامل السابق ذكرها في هذه الفقرة -وإن اتجه أثرها أولًا وبالذات إلى لغات الكتابة- تؤثر بطريق غير مباشر في لغات التخاطب.
стр. 307
الفصل الخامس: أصوات اللغة حياتها وتطورها
خواص التطور الصوتي وعوامله
...
الفصل الخامس: أصوات اللغة: حياتها وتطورها
"الفونتيك ١ Phonetique"
ترجع أهم ظواهر اللغة إلى قسمين رئيسيين: الظواهر المتعلقة بالصوت، والظواهر المتعلقة بالدلالة, وكلتا الناحيتين في تطور مطرد وتغير مستمر, وهي في تطورها تتأثر بعوامل شتّى وتخضع لطائفة كبيرة من القوانين.
وسندرس في هذا الفصل ما يتعلق بالصوت وتطوره، ونقف في الفصل التالي على الأمور المتصلة بالدلالة.
١- خواص التطور الصوتي وعوامله:
للتطور الصوتي خواص كثيرة من أهمها ما يلي٢:
١- أنه يسير ببطء وتدرج: فاختلاف الأصوات في جيلٍ عمَّا كانت عليه في الجيل السابق له مباشرة, لا يكاد يتبينه إلّا الراسخون في ملاحظة هذه الشئون، ولكنه يظهر في صورة جليّة إذا وازنا بين حالتيهما في جيلين تفصلهما مئات السنين, فلغتنا لا تكاد تختلف في أصواتها عن لغة آبائنا المباشرين، ولكنها تختلف اختلافًا بينًا في هذه الناحية
стр. 308
عمَّا كانت عليه في ألسنة أجدادنا في العصور الوسطى, أو في صدر العصور الحديثة.
٢- أنه يحدث من تلقاء نفسه بطريق آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية, فتحول صوت الثاء العربية مثلًا إلى تاء "ثلاثة، تلاتة"، والذال إلى دال "ذراع، دراع"، والظاء إلى ضاد "الظل، الضل" والقاف إلى همزة "قلت، ألت"، أو جاف "جيم غير معطشة: قلت، جلت", وانقراض الأصوات التي كانت تلحق أواخر الكلمات للدلالة على أعرابها ووظائفها في الجمل "كنت أحسب أن كتاب محمد أحسن من كتاب علي -كنت أحسب أن كتاب محمد أحسن من كتاب علي".. كل ذلك وما إليه قد حدث من تلقاء نفسه بطريق آلي لا دخل فيه للتواضع أو إرادة المتكلمين.
٣- أنه جبري الظواهر؛ لأنه خضع في سيره لقوانين صارمة، لا اختيار للإنسان فيها، ولا يد لأحد على وققها أو تعويقها, أو تغيير ما تؤدي إليه, وإليك مثلًا حالة اللغة العربية في صدر الإسلام, وما آلت إليه الآن, فعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل صيانتها ومحاربة ما يطرأ عليها من تحريف، ومع أن هذه الجهود كانت تعتمد على دعامة من الدين، فإن ذلك كله لم يحل دون تطور أصواتها إلى الصورة التي تتفق مع نواميس التطور اللغوي، فأصبحت على الحالة التي هي عليها الآن في اللغات العامية.
٤- أنه في غالب أحواله مقيد بالزمان والمكان؛ فعظم ظواهر التطور الصوتي يقتصر أثرها على بيئة معينة وعصر خاصٍّ، ولا نكاد نعثر على تطور صوتي لحق جميع اللغات الإنسانية في صورة واحدة, فتحول صوت القاف مثلًَا إلى همزة "قلت، ألت" لم يظهر إلّا في بعض المناطق الناطقة بالعربية ومنذ عهد غير بعيد، وتحول صوت a الواقع في نهاية بعض الكلمات اللاتينية إلى صوت e, لم يظهر إلّا عند الفرنسيين, ولم يبد أثره لديهم إلّا في أثناء المدة المحصورة بين نهاية القرن الثامن وأوائل القرن الرابع عشر.
стр. 309
٥- أنه إذا لحق صوتًا معينًا في بيئةٍ ما, ظهر أثره غالبًا في جميع الكلمات المشتملة على هذا الصوت, وعند جميع الأفراد الذين تكتنفهم هذه البيئة؛ فتحول القاف العربية مثلًا إلى همزة في بعض المناطق المصرية قد ظهر أثره في جميع الكلمات المشتملة على هذا الصوت عند جميع أفراد هذه المناطق١.
ومن هذا يظهر فساد كثير من النظريات القديمة بهذ الصدد:
فليس بصحيح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن تطور الأصوات يحدث نتيجة لأعمال فردية اختيارية تنتشر عن طريق التقليد والمحاكاة٢.
وليس بصحيح كذلك ما كانت تقول به المدرسة الإنجليزية من عهد سايس Sayce إلى عهد سويت Sweet, من أن التطور الصوتي يتجه باللغة نحو التهذيب والكمال، ولا ما ذهب إليه العلامة بول باسي من أنه يتجه نحو إظهار العناصر الأساسية في الكلمة, وتجريدها مما عسى أن يكون بها من أصوات لا تدعو إليها كبير ضرورة، فيخفف بذلك من ثقلها ويزيدها تمييزًا, وذلك أن اتجاهات كهذه لا يمكن أن تتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود, تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح. أما وقد ثبت أن التطور الصوتي تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية, فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالسبل التي تقول بها هذه النظريات. وأن موازنة بين حالة الكلمات في اللغة العربية الفصحى, وما آلت إليه في اللغات العامية, لأكبر دليل على ما نقول. فمن الواضح أن هذا التطور لم يتجه نحو التهذيب والكمال، ولم يحقق زيادة في تمييز الكلمات، بل أدى في معظم مظاهره إلى اللبس في وظيفة الكلمات ودلالاتها، وجرد اللغة مما بها من دقة وسموّ، وهوى بها إلى منزلة وضيعة في التعبير, وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث
стр. 310
مثله في كثير من اللغات الإنسانية الراقية, فكثير من الكلمات اللاتينية مثلًا, كانت واضحة الشخصية, مميزة الأصوات، ثم فقدت بعد تطورها شخصيتها ومميزاتها، وأصبحت في حالة يكتنفها اللبس والإبهام, ويظهر هذا مثلًا بالموازنة بين كلمة aqua اللاتينية "الماء", وما انتهت إليه في الفرنسية إذ استحالت إلى صوت واحد من أصوات اللين "eau وينطق بها o".
وليس بصحيح كذلك ما ذهب إليه مكس مولر Max Muller ووتنى Whitney, من أن التطور الصوتي يتجه نحو تسهيل النطق, ويعمل على تحقيق الاقتصاد في المجهود١, وذلك أن هذا الاتجاه من قبيل الاتجاهات التي تقول بها النظريات السابقة, فهو مثلها لا يمكن أن يتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح, أما وقد ثبت أن التطور الصوتي تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالخطة التي تقول بها هذه النظرية. حقًّا أن الحالة التي تتطور إليها أصوات الكلمة في جيلٍ ما تكون دائمًا أكثر من حالتها الأولى تلاؤمًا مع طبيعة أعضاء النطق واستعدادها عند أهل هذا الجيل، كما سيأتي بيان ذلك٢, ولكن لفظها قد يتلطب من الأعمال الصوتية وحركات أعضاء النطق أكثر مما يتطلبه لفظ الكلمة القديمة، فلا يتحقق حينئذ الاقتصاد الذي تقول به هذه النظرية, ويظهر هذا مثلًا بالموازنة بين الكلمة العربية "ماء" وما انتهت إليه في عامية القاهرة إذ أصبحت "مَيَّهْ", وبين الكلمة العربية "ذا الوقت" وما انتهت إليه في عامية بعض المقاطعات المصرية إذ أصبحت "دلوجيتي", وبين الكلمة اللاتينية caballecet٣, وما انتهت إليه في فرنسية العصور الوسطى؛ إذ أصبحت chevalcet, "وكان ينطق بها tchevalst"
стр. 311
أما العوامل التي تؤدي إلى تطور الأصوات فيرجع أهمها إلى الأمور الآتية:
١- التطور الطبيعي المطرد لأعضاء النطق في بنيتها واستعداها.
٢- اختلاف أعضاء النطق في بنيتها واستعدادها باختلاف الشعوب.
٣- الأخطاء السمعية.
٤- تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض.
٥- موقع الصوت في الكلمة.
٦- تناوب الأصوات وحلول بعضها مع بعض.
٧- أثر الأمور النفسية والاجتماعية والجغرافية.
٨- أثر العوامل الأدبية.
وقد تكلمنا بما فيه الكفاية في الفصلين الأول والرابع من هذا الباب عن أثر العاملين الأخيرين في التطور الصوتي١, فحسبنا هنا أن نذكر كلمة عن أثر كل عامل من العوامل الستة الأولى في هذا التطور.
стр. 312
٢- التطور الطبيعي المطرد لأعضاء النطق
ونظرية روسلو rousselot:
من المقرر أن أعضاء النطق في الإنسان في تطور طبيعي مطرد في بنيتها واستعدادها, ومنهج أدائها لوظائفها. فحناجرنا وحبالنا الصوتية وألسنتا وحلوقنا وسائر أعضاء نطقنا تختلف عما كانت عليه
стр. 313
آبائنا الأولين، إن لم يكن في بنيتها الطبيعية, فعلى الأقل في استعدادها١، بل إنها لتختلف عما كانت عليه عند آبائنا الأقربين, غير أن هذا التطور يسير ببطء وتدرج، ولذلك لا يبدو أثره بشكل واضح إلّا بعد زمن طويل.
وغنيٌّ عن البيان أن كل تطور يحدث في أعضاء النطق أو في استعدادها, يتبعه تطور في أصوات الكلمات، فتنحرف هذه الأصوات عن الصورة التي كانت عليها إلى صورة أخرى أكثر منها ملاءمةً مع الحالة التي انتهت إليها أعضاء النطق.
وقد كان لكشف هذه الحقيقة أكبر فضل في نهضة البحوث اللغوية المتعلقة بالصوت، وفي القضاء على كثير من النظريات الفاسدة التي أشرنا إلى بعضها في الفقرة السابقة٢.
وقد اهتدى إلى هذا الكشف، من قبل العلامة٣ Rousselot عدد كبير من الباحثين، ونخص بالذكر منهم هرمان٤ Herman Paul, ولكن جرت العادة بنسبته إلى العلامة روسلو؛ لأنه وقف قسطًا كبيرًا من جهوده على دراسته وتدعيمه بالأدلة القاطعة, وتحري حقائقه بوسائل البحث القديمة، وبوسيلة جديدة لم يكد يسبقه أحد إليها، وهي وسيلة الأجهزة "الفونيتيك التجريبي٥"".
وليس من الميسور وضع قواعد عامة مضبوطة لاتجاهات هذا
стр. 314
التطور؛ لأن الأمر يختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف اللغات والبيئات والشعوب، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الفقرة السابقة١. ولذلك سنقتصر بصدد هذا العامل على ضرب أمثلة من الظواهر الصوتية المترتبة عليه.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات الجيم والثاء والذال والظاء والقاف؛ فقد أصبحت هذه الأصوات ثقيلة على أعضاء النطق في كثير من البلاد العربية، وأصبح لفظها على الوجه الصحيح يتطلب تلقينًا خاصًّا ومجهودًا إراديًّا, وقيادة مقصودة لحركات المخارج, ولعدم ملاءمتها مع الحالة التي انتهت إليها أعضاء النطق في هذه البلاد أخذت تتحول منذ أمد بعيد إلى أصوات أخرى قريبة منها؛ فالصوت الأول: "الجيم" الذي كان ينطق به معطشًا بعض التعطيش في العربية الفصحى, قد تحول في معظم المناطق المصرية إلى جاف "جيم غير معطشة"، وفي معظم المناطق السورية والمغربية إلى جيم معطشة كل التعطيش٢ J, والثاء قد تحولت إلى تاء في معظم المناطق المصرية, وفي بلاد أخرى "فيقال: توب، تلج، تخين، تعلب، تعبان، تفل، تئيل، تلت، تلاتة، تمن، تمانية، تور، اتنين، نتر، جنتة، عتة، عتر، ... إلخ، بدلًا من: ثوب، ثلج، ثخين، تثعلب، ثعبان، ثفل، ثقيل، ثلث، ثلاثة، ثمن، ثمانية، ثور، اثنان، نثر، حثة، عثة، عثر ... إلخ٣". والذال قد تحولت في كثير من المناطق العربية إلى دال, في معظم الكلمات؛ فيقال: داب، دراع، ديب، ده، دبل، دبح، دبان، دأن، أدان، ودن، دهب، ديل..إلخ، بدلًا من: ذاب، ذراع، ذئب، ذا، ذي، ذبل، ذبح، ذباب، ذقن، أذان، ذهب، ذيل ... إلخ"، وإلى زاي في بعض الكلمات؛ فيقال مثلًَا: زنب،
стр. 315
زهن, زكي، بزر، رزالة ... إلخ، بدلًا من: ذنب، ذهن، ذكي، بذر، رذالة ... إلخ". والظاء قد تحولت إلى ضاد في معظم الكلمات؛ فيقال: ضلام، ضفر، ضل، ضهر..إلخ" بدلًا من: ظلام، ظفر، ظل، ظهر..إلخ"، وإلى زاي مفخمة في بعض الكلمات, كما ينطق في عامية المصريين بكلمات، ظالم، ظريف، أظن، حظ..إلخ"١ والقاف تحولت إلى همزة في بعض اللهجات العربية؛ فيقال: أط، ألت، أبل، عأد، نطأ ... إلخ، بدلًا من: قط، قلت، قبل، عقد، نطق..إلخ"، وإلى جاف "جيم غير معطشة" في معظم اللهجات العامية بمصر وغيرها من البلاد العربية؛ فيقال: جط, جلت، جبل، عجد، نطج ... إلخ، بدلًا من: قط، قلت، قبل، عقد، نطق ... إلخ"٢.
ومثل هذا حدث في كثير من اللغات الأوروبية, فمن ذلك ما لوحظ بصدد تطور الراء الفرنسية في منطقة باريس وما إليها, فقد كان ينطق بها قديمًا في صورة مرققة، ثم أخذت تنحرف عن مخرجها تبعًا لتطور أعضاء النطق واستعدادها, حتى قربت من آخر الحلق، فتحولت إلى صوت بين الراء والغين، وأصبح صوتها القديم ثقيلًا على الألسنة, يتطلب لفظه من أهل هذه المناطق مجهودًا إراديًّا وقيادة مقصودة لحركات المخارج.
стр. 316
٣- اختلاف أعضاء النطق باختلاف الشعوب:
تختلف أعضاء النطق في بنيتها واستعدادها ومنهج تطورها تبعًا لاختلاف الشعوب, وتنوع الخواص الطبيعية المزود بها كل شعب, والتي تنتقل عن طريق الوراثة من السلف إلى الخلف. حقًّا أن أعضاء النطق تظل مرنة طوال المرحلة الأولى من مراحل الطفولة, فمن المشاهد أن الطفل في هذه المرحلة لا يستعصي عليه اكتساب أية لغة عن طريق التقليد، مهما كانت هذه اللغة بعيدة عن لغة أبوية، بل في استطاعته أن يكتسب بهذه الوسيلة عدة لغات أجنبية إذا أتيحت له فرصة الاختلاط بالمتكلمين بها، ويصل في إجادتها جميعها إلى درجة لا يستطيع معها أكبر خبير في اللغات أن يميزه من أهلها، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب١. ولكن ليس من شكٍّ في أنه كلما تقدمت به السن ظهرت عنده الاستعدادات الصوتية الكامنة الخاصة بأمته، ورسخت لديه عاداتها الكلامية, فتفقد أعضاء نطقه مرونتها شيئًا فشيئًا، وتتشكل بالشكل الذي فطرت عليه في شعبه، وتسلك في تطورها منهجًا خاصًّا يختلف عن المنهج الذي تسكله أعضاء النطق في الشعوب الأخرى.
ولا يخفى ما يترتب على اختلاف الشعوب بهذا الصدد من آثار خطيرة في التطور الصوتي في مختلف اللغات.
فإلى هذا يرجع بعض السبب في اختلاف اللغة الواحدة في تطورها الصوتي باختلاف الشعوب الناطقة بها, وذلك أنها تسلك في تطورها الصوتي عند كل شعب منها مسلكًا يتفق مع ما فطرت عليه أعضاء نطقه في طبيعتها واستعدادها ومنهج ارتقائها؛ فاللاتينية مثلًا
стр. 317
قد سلكت في تطورها الصوتي عند كل شعب من الشعوب الناطقة بها مسلكًا يختلف عن مسلكها في الشعوب الأخرى، فلم تلبث أن انشعبت من جراء ذلك إلى عدة لغات "الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية. البرتغالية، لغة رومانيا ... إلخ", واللغة العربية قد اتجهت كذلك في تطورها الصوتي عند كل شعب من الشعوب الناطقة بها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيره، فلم تلبث أن تولد عنها من جراء ذلك عدة لهجات "عامية العراق، عامية الشام، عامية نجد والحجاز، عامية اليمن، عامية مصر، عامية المغرب ... إلخ١" حقًّا أن كثيرًا من مظاهر هذا الاختلاف ترجع إلى عوامل اجتماعية ونفسية أو إلى آثار البيئة الجغرافية٢، ولكن ليس من شكٍّ في أن بعض هذه المظاهر يرجع إلى العامل الشعبي الذي نحن بصدد الكلام عنه.
وعلى هذا العامل يقع كذلك قسط من التبعة فيما يصيب اللغة من تحريف في أصواتها حينما تنتقل من شعب إلى آخر٣, وذلك أنها تتشكل عند الشعب المنتقلة إليه في الصورة التي تتفق مع ما فطرت عليه أعضاء نطقه في بنيتها واستعدادها، فتبعد بذلك عن أصولها الأولى، ويزداد بعدها هذا كلما اتسعت مسافة الخلف بين أصول الشعبين. فما أصاب لغة الصقالبة من تحريف في ألسنة البلغاريين يفوق كثيرًا ما أصابها عند غيرهم، وذلك لأن الشعب الفيني Finois الذي ينحدر منه البلغاريون لا تربطه صلة قريبة بالأصل السلافي الذي ينتمي إليه الصقالبة٤, وما أصاب الأصوات اللاتينية من تحريفٍ في اللغة الفرنسية يفوق كثيرًا ما أصابها في اللغة الإيطالية، وذلك لأن الإيطاليين أقرب رحمًا إلى قدماء الرومان من الفرنسيين، ففيهم يغلب
стр. 318
الدم اللاتيني، بينما يغلب في الفرنسيين الدم السلتي والجرماني. ولهجات القسم الجنوبي من فرنسا كالجسكونية والبروفنسية Gascon Provencal etc أقرب إلى أصولها اللاتينية من لهجات القسم الشمالي، وذلك أن الدم اللاتيني في سكان الجنوب أغزر منه في سكان الشمال, ولهجات الجنوب نفسها تختلف في مبلغ قربها إلى اللغة اللاتينية تبعًا لاختلاف الناطقين بها في مبلغ قربهم إلى الأصل اللاتيني, ولذلك كانت البروفنسية Provencal أقرب إلى اللاتينية من الجسكونية Gascon؛ لأن البرفنسيين أدنى إلى اللاتينيين من الجسكونيين، ولهجات القبائل العربية النازحة إلى مصر من المغرب "البراعصة، الفوايد، الرماح، الجوزي، أولاد علي، سمالوس ... إلخ" أدنى في ناحيتها الصوتية إلى العربية الفصحى من لهجات المصريين أنفسهم١, وذلك لأنهم أقرب رحمًا إلى العرب من المصريين.
وعلى ضوء هذا العامل يمكن كذلك قياس مسافة الخلف بين "اللهجات المحلية" "وهي اللهجات التي يتكلم بها في منطقة لغوية واحدة كلهجات البلاد المصرية"٢ والوقوف على بعض الأسباب التي تؤدي إلى بعدها بعضًا عن بعض٣, فالمشاهد أن مبلغ اختلاف هذه اللهجات بعضها عن بعض في أصواتها يتبع إلى حد كبير مبلغ اختلاف الناطقين بها بعضهم عن بعض في أصولهم الشعبية, فكلما كان هؤلاء متجانسين في أصولهم ضاقت مسافة الخلف بين لهجاتهم في ناحيتها الصوتية، وكلما تعددت الأصول الشعبية التي ينتمون إليها اتسعت هذه المسافة؛ فلهجات المصريين لا تختلف كثيرًا بعضها عن بعض في هذه الناحية، وذلك لتجانسهم في الأصول التي انحدروا منها, ولهجات المنطقة الشمالية بفرنسا -منطقة باريس وما إليها- تختلف كثيرًا عن لهجات المنطقة الجنوبية منها: "طولون، نيس ... إلخ
стр. 319
Nice, Toulon"؛ ولكن كلتا المنطقتين تحتوي مجموعة متشابهة من اللهجات١, وذلك لأن سكان المنطقة الشمالية يختلفون في أصولهم الشعبية عن سكان المنطقة الجنوبية، ولكن كلتا المنطقتين تضم من السكان مجموعة متجانسة في هذه الأصول. ولهجات المناطق الوسطى بفرنسا يختلف بعضها عن بعض اختلافًا غير يسير، وذلك لتعدد الأصول الشعبية التي ينتمي إليها سكان هذه المناطق٢.
غير أنه من الخطأ المبالغة في أثر هذا العامل والعامل السابق له, كما حاول ذلك بعض الباحثين, ولا أدلَّ على أن أثرهما ليس بالدرجة التي تصورها هؤلاء من أن الطفل من أية أمة, وفي أي عصر, يستطيع بسهولة أن يجيد لغة أمة أخرى, أو عصر آخر عن طريق التقليد, إذا أحيط في دور طفولته بأفراد يتكلمون هذه اللغة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول هذه الفقرة.
стр. 320
٤- الأخطاء السمعية:
وسقوط الأصوات الضعيفة, ونظرية روسلو ومييه Boussdlot-Meillet:
يعتمد الطفل في محاكاته للغة أبويه على حاسة السمع، كما سبق شرح ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب١. ولما كانت هذه الحاسة عرضة للزلل في إدراكاتها، كان لزامًا أن يجانب الطفل السداد في بعض ما يحاكيه, وأن تختلف لغته بعض الاختلاف في ناحيتها الصوتية عن لغة أبويه.