← Язык

Язык · id 11490

علم اللغة

علي عبد الواحد وافي

Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اللغة انضمت إلى هذه الدراسة واعتنقت مذهبها، ومن أشهرهم: الأساتذة دوسوسور De Saussure, ومييه Meillet, وفندريس Vendryes. وترمي هذه البحوث كما تقدّم١ إلى بيان العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية, وأثر المجتمع وحضارته ونظمه وتاريخه وتركيبه وبنيته في مختلف الظواهر اللغوية. وإلى هذه الشعبة تحتاج جميع الشعب الأخرى من علم اللغة, وذلك أن نشأة اللغة الإنسانية والأدوار التي اجتازتها، وحياة كل لغة, وما يطرأ عليها من غنًى وفقر، وقوة وضعف، وسعة وضيق، وانقسامها إلى فنون وإلى لهجات، وما تقوم به من صراع مع غيرها، وما ينجم عن هذا الصراع، والتطورات التي تحدث في أصواتها ومعانيها وأساليبها وقواعدها ... كل أولئك وما إليه ترجع أهم عوامله إلى ظواهر اجتماعية؛ فموضوعات البحوث التي نحن بصددها تمتزج بجميع فروع علم اللغة وتفسر ظواهرها. غير أن علماء الاجتماع الذين أشرنا إليهم, ومن نهج نهجهم, قد أخذوا على قدامى الباحثين من علماء اللغة, وعلى أعضاء مدرسة "المحدثين من علماء القواعد"٢ تقصيرهم في بيان العلاقة بين الظواهر اللغوية والظواهر الاجتماعية، وانحرافهم أحيانًا عن جادة الصواب في هذه السبيل، وتفسيره لكثير من ظواهر اللغة، وخاصة الظواهر الصوتية تفسيرًا خاطئًا يبعد بها عن المجتمع وشئونه, فعملوا على سد هذا النقص وإصلاح هذه الأخطاء، فأنشئوا فرعًا خاصًّا سموه: "علم الاجتماع اللغوي", أو "السوسيولوجيا اللغوية" Sociologie Linguistique, توفروا فيه على كشف العلاقات التي تربط بين الظواهر اللغوية ومختلف الظواهر الاجتماعية؛ فنهضوا بالدراسات اللغوية نهضة مشكورة, وقد زادهم قوة انضمام عدد كبير من أئمة علماء اللغة إليهم

стр. 72

"كفرديناند دوسوسور" Ferdivnand De Saussure, الذي وقف قسطًا كبيرًا من جهوده العلمية على هذه البحوث١, والأستاذ فندريس Vendryes, الذي نشر رسائل قيمة في هذا الفرع في كثير من المجلات العلمية, وعرج في مؤلفاته على كثير من مسائله٢، والعلامة "مييه" Meillet, الذي تعد مؤلفاته من أهم مراجع علم اللغة في العصر الحاضر, ومن أوسعها نطاقًا, وأدقها بحثًا٣, وقد جرت العاة أن يطلق على هذه الطائفة من اللغويين اسم: "علماء اللغة المحدثين" Neo-Linguistes. وقد أوغل بعض أفراد هذه الطائفة، كالعلامة دوسوسور، في الانتصار لنظريتهم, حتى كاد ينكر أن لغير العوامل الاجتماعية أثرًا في شئون اللغة، فانبرى للرد عليهم طائفة من الباحثين في "علم النفس اللغوي", على رأسها المأسوف عليه دولاكروا٤ Delacroix.

стр. 73

وطائفة من "علماء اللغة", على رأسها العلامة دوزا١ Dauzat، فعادت هذه المناقشات على علم اللغة بأحسن النتائج وأطيب الثمرات٢. تاريخ البحوث اللغوية في الثقافة العربية: ترجع أهم البحوث اللغوية في الثقافة العربية إلى الفروع الآتية: ١- النحو والصرف: أما النحو فكان الغرض الأساسي منه في مبدأ الأمر ضبط القواعد التي يسير عليها إعراب المفردات؛ ليسهل تعلمها وتعليمها, واحتذاؤها في الحديث والكتابة، ولتعصم الناس من اللحن الذي أخذ يتفشى منذ صدر الإسلام, من جرّاء تطور اللغة واختلاط العرب بالعجم, ثم أخذ نطاق هذ العلم يتسع قليلًا قليلًا, وأخذ علماؤه يعرضون لكثير من الموضوعات المتصلة بأجزاء الجملة وترتيبها، وأثر كل جزء منها في الآخر، وعلاقة هذه الأجزاء بعضها ببعض، وطريقة ربطها، وأنواع الجمل، وعلاقة الجمل التي تتألف منها العبارة بعضها ببعض، وأقسام الكلمة، وأنواع كل قسم منها، ووظيفته في الدلالة، حتى شمل جميع البحوث التي يطلق الفرنجة على مثلها اسم "السنتكس التعليمي"، أي: "علم التنظيم التعليمي"٣. وأما الصرف فموضوعه ضبط القواعد المتصلة بأوزان الكلمات العربية واشتقاقها وتصريفها, وتغير أبنيتها بتغير المعنى, وما يتصل بذلك من البحوث التي يطلق الفرنجة على مثلها اسم "المورفولوجيا التعليمية", أي: "علم البنية التعليمي٤. وقد كانت العناية في المبدأ مقصورة على البحوث النحوية، وظل الأمر كذلك حتى أواخر القرن الأول الهجري, ثم أخذ العلماء يعالجون

стр. 74

بعض مسائل الصرف استطرادًا, وفي خلال دراستهم لمسائل النحو, ثم أخذت مسائل الصرف تنفصل شيئًا فشيئًا عن مسائل النحو، وتدرس على حدة، حتى تَكَوَّنَ منها علم متميز, غير أن هذا العلم لم يستقل تمام الاستقلال عن النحو, فلا تزال طائفة كبيرة من مسائله ممتزجة بالنحو, ولم ينفك الباحثون إلى عهد قريب ينظرون إلى الشعبتين نظرتهم إلى علم واحد, ويعالجون مسائلهما في مؤلفات واحدة١. ويرجع الفضل في النهوض بهاتين الشعبتين إلى عدد كبير من أعلام الباحثين بالبصرة والكوفة وبغداد ومصر وغيرها في العصرين الأموي والعباسي، ومن أشهرهم: أبو الأسود الدؤلي -واضع النحو بإرشاد الإمام علي بن أبي طالب, وعنبسة الفيل، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وميمون الأقرن، وعبد الله ابن إسحاق الحضرمي، والأخفش الأكبر، وأبو عمرو بن العلاء, وجميع هؤلاء من قدامى الباحثين من البصريين، ولم يصل إلينا شيء يعتد به من مؤلفاتهم, وعيسى بن عمر الثقفي, وكان على رأس جماعة يرجع إليه الفضل في نقل هذا العلم إلى الكوفة، ويقال: إنه ألف في نحو البصريين أكثر من سبعين مجلدًا منها كتابا "الجامع" و"الإكمال", ولكن لم يصل إلينا شيء يعتد به من مؤلفاته, وأبو جعفر الرؤاسي, صاحب كتاب "الفيصل" في نحو الكوفيين، وأبو مسلم معاذ الهراء, وكلاهما من قدامى الباحثين من الكوفيين, والخليل بن أحمد الذي يرجع إلى جهوده القيمة, ومؤلفاته الجليلة, وعبقريته النادرة, أكبر قسط من الفضل في النهوض بهاتين الشعبتين وغيرهما من شعب البحوث اللسانية, وأعضاء مدرسة المحدثين من البصريين الذي كان على رأسهم سيبويه -أشهر أئمة النحو وصاحب "الكتاب"، الذي صار إمامًا لكل الباحثين من بعده، ثم الأخفش الأوسط -شارح "كتاب" سيبويه.

стр. 75

ثم أبو علي الفارسي, وأبو القاسم الزجاج, وقد كتب كلاهما كتبًا مختصرة للمتعلمين يحذو فيها حذو سيبويه، ثم المازني والسجستاني ثم المبرد, ومدرسة المحدثين من الكوفيين الذين كان على رأسهم الكسائي ثم الفراء, صاحب كتاب "الحدود"، ثم ابن السكيت وابن سلام، ثم ثعلب, وقد حدث بين هذه المدرسة ومدرسة المحدثين من البصريين خلاف في طائفة كبيرة من المسائل, وفي إعراب كثير من آي القرآن، ونشأت بينهما مساجلات طريفة, فاضت بها كتب الأخبار, وابن خالويه صاحب "كتاب ليس" و"رسالة في إعراب ثلاثين سورة من القرآن"، وابن جني "صاحب كتب "سر الصناعة" في النحو, و"شرح تصريف المازني" و"اللمع" في النحو, و"المحتسب" في إعراب الشواذ، و"علل التثنية".. وغيرها, وجماعة المتأخرين الذين جاءوا بمذهبهم في الاختصار والاستيعاب لجميع أبواب العلم، فوضعوا أهم كتب النحو والصرف, وأكملها وأدقها وأكثرها تهذيبًا وتنقيحًا، ومن أشهرهم: الزمخشري "صاحب "المفصل" في النحو, وابن الحاجب "صاحب "الكافية" و"الشافية" في النحو والصرف، وابن معطي "صاحب ألفية في النحو"، وابن مالك "صاحب كتاب "التسهيل" و"الكافية الشافية" و"الألفية" الشهيرة"، وعز الدين الزنجاني, صاحب كتاب "تصريف العزى"، والسكاكي "صاحب كتاب "مفتاح العلوم" في النحو والصرف والبلاغة والعروض، وابن هشام, صاحب كتب "القطر" و"التوضيح" و"الشذور" و"المغني" ... وغيرها, وهو أكثر المتأخرين مؤلفات وأدقهم بحثًا١. ٣- علوم البلاغة، التي تشمل ثلاثة بحوث: المعاني, وموضوعه: بيان ما ينبغي أن يكون عليه الأسلوب العربي ليطابق مقتضى الحال

стр. 76

وليعبر عن المراد أبلغ، والبيان, وموضوعه: شرح المناهج التي يسلكها الأسلوب العربي في استخدام التشبيه والمجاز والكناية، والبديع, وموضوعه: دراسة المحسنات المعنوية واللفظية التي يحتملها الأسلوب العربي؛ فموضوعات البحوث الثلاثة ترجع إلى ما يسميه المحدثون من علماء الفرنجة "الستيليستيك التعليمي"١ أي "علم الأسلوب التعليمي". وقد كتب المتقدمون بعض بحوث في هذه العلوم؛ فمن ذلك "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، و"إعجاز القرآن" للجاحظ، و"البديع" لابن المعتز٢, وبعض آراء للمبرد في الأغراض البلاغية لتوكيد الكلام، وبعض بحوث لقدامة بن جعفر, عَقَّبَ بها على بديع ابن المعتز, وحاول فيها تكملته, ولكن أول من تصدى لاستيعاب هذه البحوث الثلاثة في مؤلف مستقل, هو أبو هلال العسكري في كتابه "الصناعتين", ثم جاء من بعده عبد القاهر الجرجاني فميز بحوث المعاني من بحوث البيان، وردَّ مسائل كل منهما إلى قواعد مضبوطة سهلة المأخذ، فكان بذلك المنشئ الحقيقي لهذين العلمين٣, ثم خلف من بعده خلف من الأعاجم كتبوا في هذه العلوم بأساليب ركيكة أساءت إلى البلاغة أكثر مما أحسنت إليها, ومن هؤلاء السكاكي الذي وقف قسمًا كبيرًا من كتابه "مفتاح العلوم" على المعاني والبيان البديع، والخطيب القزويني الذي لخص هذا القسم في كتابه "تلخيص المفتاح". ٣- علوم القراءات، وموضوعها: بيان الوجوه التي قرئت بها آي الذكر الحكيم, وقد ظلت موضوعات هذه البحوث يأخذها الناس عن القراء عن طريق التلقين، حتى جاء العصر العباسي، فعكف العلماء

стр. 77

على تدوينها، وضبط قواعدها، ونقد أسانيدها, فقطعوا بها شوطًا كبيرًا في سبيل الكمال, وأهمية هذه البحوث من الناحية اللغوية ترجع إلى الأمرين الآتيين: أولًا: أنها توقفنا على كثير من نواحي اللهجات العربية في صدر الإسلام, وذلك أن اختلاف القراءات يرجع بعض أسبابه إلى اختلاف العرب في لهجاتها, وإلى أن الرسول ﵇ كان يقرأ القرآن لكل قبيلة، بوحي من الله تعالى، بالطريقة التي تتفق مع لهجتها. ثانيًا: أن معظم المؤلفات في القراءات قد اشتملت على بحوث دقيقة قيمة في أصوات اللغة العربية وطبيعتها وصفاتها وأنواعها ومخارجها، والمد وأحكامه ومدته، والغن وضروبه، وتأثر أصوات الكلمة أو الكلمات المتجاورة بعضها ببعض, وما إلى ذلك من مسائل "الفونيتيك"١ الخاصة باللغة العربية١. ٤- أدب اللغة وتاريخ الأدب والنقد الأدبي, نهضت هذه الفروع نهضة كبيرة في العصر العباسي، ولم تنفك منذ ذلك العهد إلى الآن، موضع عناية الباحثين من العرب وغيرهم، حتى أصبحت المكتبة العربية من أغنى مكتبات العالم في هذه الناحية، وأصبحت مراجع هذه الفروع من أكبر المراجع عددًا، وأوسعها نطاقًا، وأجلها قيمة٣. ٥- متن اللغة، وتنقسم مؤلفاته ثلاثة أقسام: أ- معجمات ترمي إلى شرح المفردات، فترتب الكلمات ترتيبًا خاصًّا ليسهِّلَ على مَن يريد الوقوف على معنى أي كلمة الرجوع إليها

стр. 78

في موطنها, وأول من عمل على تدوين معجم شامل من هذا القبيل هو الخليل بن أحمد؛ فقد وضع كتابه "العين"، ورتب كلماته حسب ترتيبها في مخارج أول حروفها, متبدئًا بأقصى الحلق -ولذلك بدأه بحرف العين الذي سمي الكتاب باسمه- ومنتهيًا بالشفتين, غير أنه يظهر أن المنون قد عاجلته قبل إتمامه، فأكمله جماعة بعد وفاته بأكثر من نصف قرن, وظهر بعد ذلك معجم "الجمهرة" لابن دريد، وقد جمع مواده من كتاب العين ومن كتب أخرى للأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما، ورتَّبَ مفرداته حسب ترتيب حروف الهجاء من الهمزة إلى الياء, وألَّف الأزهريّ أبو منصور محمد بن أحمد معجمه "التهذيب", على ترتيب الخليل لكتابه العين في عشر مجلدات, وألف الصاحب بن عباد معجمه "المحيط" في سبعة مجلدات، وأحمد بن فارس "المجمل"، والجوهري "الصحاح" الذي جمع فيه أربعين ألف مادة، والفيروزابادي "القاموس المحيط", والزمخشري "أساس البلاغة"، والصغاني "تكملة الصحاح" و"العباب", ثم جمعها في كتاب واحد سماه "مجمع البحرين", وابن منظور المصري "لسان العرب" الذي ضمنه معظم ما كتب قبله في هذا الباب، والمقري "المصباح المنير"، والرازي "مختار الصحاح" الذي اختصر فيه صحاح الجوهري ... وغير ذلك كثير١. وهذا النوع من المعجمات قليل الفائدة للباحث في علم اللغة, وذلك أن مؤلفيها قد وجهوا كل عنايتهم إلى ذكر معاني الكلمات, والاستشهاد أحيانًا بالقرآن والحديث والمأثور من كلام العرب, ولكنهم أغفلوا إغفالًا تامًّا تعقب معاني كل كلمة في مراحل حياتها، وشرح تطورها في مختلف العصور، وبيان الأصول التي انحدرت منها،.. وما إلى ذلك من مسائل "الليكسيولوجيا" والإيتيمولوجيا"٢

стр. 79

التي تشغل الآن أكبر حيز في المعجمات الإفرنجية الحديثة، وتهم كثيرًا طوائف الباحثين في علم اللغة, هذا إلى أن معظم هذه المعجمات العربية لم يتبع نظامًا معينًا في ترتيب معاني الكلمة، فخلط بين الحقيقي منها والمجازي، والقديم والحديث، كما خلط بين المعاني في مختلف لهجات العرب، فأصبح البحث فيها شاقًّا، وجاءت مضللة في مواطن كثيرة١. ب- معجمات ترمي إلى بيان المفردات الموضوعة لمختلف المعاني؛ فترتب المعاني بطريقة خاصة, وتذكر الألفاظ التي تقال للتعبير عن كل معنًى منها, فنجد أبوابها مرتبة على مثل هذا الوضع: خلق الإنسان، الحمل والولادة، الرضاع والفطام، الغذاء السيء للولد، أسنان الأولاد وتسميتها في المراحل المختلفة، شخص الإنسان وقامته وصورته، صفات الرأس، قلة الشعر, وتفرقه في الرأس ... وهلم جرَّا. وتذكر في كل باب المفردات التي تعبر عن موضوعه، مرتبة ترتيبًا خاصًّا، ومبينة مدلولاتها ومواطن استعمال كل منها. فالقسم الأول من المعجمات يحتاج إليه من يعرف اللفظ ويرغب في الوقوف على معناه، على حين أن هذ القسم يحتاج إليه من يعرف المعنى, ويرغب في الوقوف على الألفاظ الموضوعة له. ومن أشهر ما ألف من معجمات هذا القسم خمسة كتب: أولها: "كتاب الألفاظ" لابن السكيت, وهو أقدم ما ألف من هذا النوع٢،

стр. 80

وثانيها: "الألفاظ الكتابية" للهمذاني, المتوفى سنة ٢٢٧هـ، وثالثها: "مبادئ اللغة" للإسكافي, المتوفى سنة ٤٢١هـ؛ ورابعها: "فقه اللغة" للثعالبي, في مجلد واحد صغير١، وخامسها: "المخصص" لابن سيده٢, في سبعة عشر جزءًا، وهو أدقها دراسة، وأحسنها تنسيقًا، وأكثرها استيعابًا لمسائل البحث. وقد تناول كلا الكتابين الأخيرين، في أثناء دراسته لمسائله الأساسية، بعض بحوث من فصيلة أخرى سنعرض لها عند كلامنا عن بحوث فقه اللغة٣. جـ- رسائل في طوائف خاصة من الألفاظ أو المعاني؛ ككتاب أبي حنيفة في الأنواء والنبات، وكتب يعقوب في النبات والأصوات والفرق، وكتب أبي حاتم في الأزمنة والحشرات والطير، وكتب الأصمعي في السلاح والإبل والخيل، وكتب أبي زيد في المطر واللبأ واللبن والعزائز والجرائم٤، وشرح غريب الحديث للجزري، وكتاب الأضداد في اللغة للأنباري٥، وكتاب نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد٦. ومن هذا النوع كذلك المعجمات الفلسفية

стр. 81

والعلمية وما إليها، ككشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والتعريفات للجرجاني، والكليات لأبي البقاء ... وهلم جرا١. وهذا النوع من المعجمات كان أسبق في الظهور من النوعين السابقين؛ فقد ظهر بعض كتب منه في صدر العصر العباسي. ٦- بحوث في "فقه اللغة العربية" وبعض مسائل من "علم اللغة العام"٢: فمن ذلك دراسة الأصمعي للاشتقاق في اللغة العربية. ومعظم البحوث التي ضمنها ابن فارس٣ كتابه "الصاحبي: في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها"، كبحثه في: نشأة اللغة العربية٤، وخصائص اللسان العربي، واختلاف لغات العرب، ولغات العامة من العرب، والقياس والاشتقاق في اللغة العربية، وآثار الإسلام في اللغة العربية، وأسماء الأشخاص ومأخذها, والمترادف، وحروف الهجاء العربية، وحروف المعنى، وسنن العرب في حقائق الكلام والمجاز والنحت والاشتراك ... وهلم جرا. والبحوث التي ضمنها ابن جني٥ كتابه "الخصائص": كبحثه

стр. 82

في أصل اللغة, وهل هي إلهام أم إصلاح١، والقول في هذه اللغة أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط، والاطراد والشذوذ، ومقاييس العربية، والألفاظ والمعاني في اللغة العربية، وتعليل ظواهر اللغة, ومدى قصد العرب لهذه العلل، والقياس في كلام العرب، وتركيب اللغات، واختلاف اللهجات، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، والاشتقاق الأكبر، وتصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وأساس الألفاظ أشباه المعاني٢ ... وهلم جرا. وبعض البحوث التي عرض لها ابن سيده في مقدمة كتابه المخصص؛ كالبحث في نشأة اللغة العربية٣، والتي عرض لها في الأجزاء الأخيرة من هذا الكتاب؛ كالبحوث المتعلقة بالتضاد، والترادف، والاشتراك، والاشتقاق، والتعريب والمجاز، والممدود والمقصور، والتذكير والتأنيث، وإبدال الحروف بعضها من بعض ... وهلم جرا. وبعض بحوث قليلة ضمنها الثعالبي كتابه "فقه اللغة"؛ كالبحث فيما يجري مجرى الموازنة بين العربية والفارسية "أسماء فارسيتها ميتة, وعربيتها محكية مستعملة، أسماء عربية يتعذر وجود فارسية أكثرها، أسماء قائمة في لغة العرب والفرس على لفظ واحد، أسماء تفردت بها الفرس دون العرب, فاضطرت إلى تعريبها أو تركها كما هي، ما نسبه بعض الأئمة إلى اللغة الرومية"٤. والبحوث التي ضمنها أبو منصور الجواليقي٥ كتابه "المعرب

стр. 83

من الكلام الأعجمي, ودرس فيها نشأة التعريب وشروطه، وذكر معظم الألفاظ المعربة مرتبة على حسب حروف الهجاء. والبحوث القيمة التي ضمنها السيوطي١ كتابه "المزهر"، كالبحث في: نشأة اللغات، والمصنوع والفصيح، والحوشي والغرائب والشوارد والنوادر، والمستعمل والمهمل، وتداخل اللغات، وتوافق اللغات، والمعرب، والمولد, وخصائص اللغة، والاشتقاق، والمشترك والترادف، والتضاد، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والإبدال، والقلب، والنحت، وما اختلفت فيه لغة الحجاز ولغة تميم، والتصحيف، والتحريف، والأسماء والكنى والألقاب ... وهلم جرا. والبحوث التي ضمنها شهاب الدين الخفاجي٢ كتابه "شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل". والبحوث التي ضمنها أحمد فارس الشدياق٣ كتابه "سر الليال في القلب والإبدال"، وخاصة ما ورد فيه بصدد العلاقة بين أصوات الكلمة ومعانيها، ودلالة الحروف في لفظ ما على أصل معنوي كيفما اختلف ترتيبها، ورجع الكلمات إلى أصولها ... وما إلى ذلك. والبحوث الحديثة التي قام بها طائفة من المستشرقين وغيرهم بهذا الصدد؛ كبحوث اليازجي في كتابه "اللغة والعصر" ومباحث الكرملي, والبحوث التي كتبها أعضاء مجمع اللغة العربية بمصر في مجلة المجمع.

стр. 84

١١- موضوعات هذا الكتاب: سنعالج في كتابنا هذا موضوعين تتمثل فيهما أهم مشكلات اللغات, وتنطوي دراستهما على أهم ما تتناوله البحوث في علم اللغة، وهما: نشأة اللغة، وحياتها. وسنعقد لكلٍّ منهما بابًا على حدة. ولما كان للغة نشأتان: نشأة عند الإنسان، ونشأة عن الطفل؛ لذلك انقسم الباب الأول إلى فصلين يعالج كل منها نشأة خاصة من هاتين النشأتين. ولماكان ما يعتور اللغة في حياتها، وهو موضوع الباب الثاني، يتمثل في أمور كثيرة من أهمها: تفرع اللغة إلى لهجات ولغات، ونشأة فصائل وشعب لغوية من جراء هذا التفرع، وصراع اللغة مع لغة أو لغات أخرى، وتطور اللغة العام، وتطورها من ناحية أصواتها، وتطورها من ناحية الدلالة؛ لذلك انقسم الباب الثاني إلى ستة فصول, يعالج كل فصل منها موضوعًا من هذه الموضوعات.

стр. 85

الباب الأول: نشأة اللغة مدخل ... الباب الأول: نشأة اللغة للغة نشأتان: نشأة حينما أخذ الإنسان يلفظ أصواتًا مركبةً ذات مقاطع وكلمات متميزة للتعبير عما يجول بخاطره من معانٍ, وما يحسه من مدركات، ونشأةً حينما يشرع الطفل يقلد أبويه والمحيطين به فيما يلفظونه من مفردات وعبارات، فتنتقل إليه لغتهم عن هذا الطريق. فعلى أية صورة حدثت النشأة الأولى؟ وكيف تتم النشأة الأخرى؟ هذان هما السؤالان اللذان سنجيب عليهما في هذا الباب, وسنعقد لكلٍّ منهما فصلًا على حدة.

стр. 86

الفصل الأول: نشأة اللغة عند الإنسان ١- أنواع التعبير الإنساني: للتعبير الإنساني طرق كثيرة يرجع أهمها إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: التعبير الطبيعي عن الانفعالات: ويشمل جميع الأمور الفطرية غير المقصودة التي تصحب مختلف الانفعالات السارة والأليمة؛ كالصراخ، والضحك، والبكاء، وانبساط الأسارير وانقباضها، واتساع الحدقة، وإغماض العينين، واحمرار الوجه واصفراره، ووقوف شعر الرأس، وارتعاد الجسم ... وما إلى ذلك من الظواهر الفطرية التي تبدو بشكل غير إراديّ في حالات الفرح والحزن والألم والخوف والخجل والاشمئزاز ... وما إليها، والتي تعبر عن قيام حالة وجدانية خاصة بالشخص الصادرة عنه. وتنقسم هذه التعبيرات من حيث الحاسة التي ندركها عن طريقها إلى نوعين: ١- تعبييرات بصرية: أي تصل عن طريق حاسة النظر، كالحمرة والصفرة والرعشة وانقباض الأسارير وانبساطها واتساع الحدقة وإغماض العين ووقوف شعر الرأس والعدو ... وما إلى ذلك من الظواهر الجسيمة التي تصحب مختلف الانفعالات. ٢- تعبيرات سمعية: أي تصل عن طريق حاسة السمع،

стр. 87

كالضحك والبكاء والصراخ..... وما إلى ذلك من الظواهر الصوتية الفطرية التي تصحب حالات الفرح والألم والحزن والسرور ... وهلم جرا. ويتألف هذا النوع في الغالب من أصوات مبهمة -تشبه أصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة, وأصوات لين -حروف مد- مختلطة أحيانًا ببعض أصوات ذات مقاطع -حروف ساكنة. وقد تكفلت بحوث علم النفس بدراسة هذا القسم بنوعين وشرح مظاهره، ومنشأ كل منها، والقوانين التي تشرف عليه ويخضع لها في مختلف نواحيه، ووسائل إدراكه، وفهم ما يعبر عنه ... وهلم جرا١ والقسم الثاني: التعبير الوضعي الإرادي: ويشمل جميع الوسائل الإرادية التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن المعاني التي يود وقوف غيره عليها. وتنقسم هذه الوسائل من حيث الحاسة التي ندركها عن طريقها إلى نوعين مشبهين لنوعي القسم الأول: أحدهما: التعبيرات الإرادية البصرية، وثانيهما: التعبيرات الإرادية السمعية: ١- أما التعبيرات الإرادية البصرية، فهي التي تصل عن طريق حاسة النظر، وتشمل جميع الإشارات الحسية التي تستخدم بقصد الدلالة, وهي على ضربين: أحدهما: إشارات مساعدة ونائبة: أي: تساعد لغة الكلام وتنوب عنها في حالات خاصة, أو لضرورة ما؛ فمن هذه الطائفة الإشارات البحرية وهي التي يستخدمها عن بعد بحارة سفينة مع بحارة سفينة أخرى٢؛ ومنها إشارات الصيد وهي التي يستخدمها الصيادون

стр. 88

بعضهم مع بعض عن بعد, حتى لا يسمع صوتهم الحيوان المطارد، ومنها الحركات اليدوية والجسمية التي يستخدمها الصم للتعبير عما يجول بخواطرهم، ومنها الإشارات التي يلجأ إليها الفرد أحيانًا للتعبير إذا كان المخاطب لا يفهم لغته، والتي جرت العاة في بعض الأمم البدائية أن يستخدمها أفراد العشائر المختلفة اللهجات بعضهم مع بعض١، ومنها الإشارات التي تستخدم في بعض الشعوب في حالات الصيام الديني عن الكلام٢، ومنها الحركات التي يستعين بها في أثناء حديثهم أهل اللغات الساذجة الناقصة؛ لتكملة ما ينقص تعبيرهم, وما يعوزه من دلالة٣، ومنها الحركات التي تصحب حديثنا نحن لتوكيد المعاني, أو لتمثيل الحقائق, أو الزيادة التوضيح، والتي نستخدمها وحدها للدلالة على

стр. 89

الإيجاب والنفي والاستحسان وما إلى ذلك، كالإيماء بالرأس للتعبير عن القبول، وتحريك السبابة حركة مستعرضة للتعبير عن الرفض أو النفي, ومد الشفتين ووضع السبابة عليهما للأمر بالسكوت ... وهلم جرَّا. وثانيهما: إشارات أصيلة عامة، وهي التي تتكون منها لغة كاملة مستقلة, تستخدم وحدها في جميع الشئون والظروف, وقد استخدم هذا النوع من اللغات عند بعض الجماعات الإنسانية, ولا يزال مستعملًَا في بعض العشائر, فقد عُثِرَ في الأمم البدائية على جماعات كثيرة لا تكاد تستخدم في تعبيرها غير الإشارات اليدوية والجسمية, ومن هؤلاء بعض قبائل السكان الأصليين لأمريكا وأستراليا وبعض العشائر بأفريقيا الوسطى. ويطلق على هذا الضرب من التعبير اسم "لغة الإشارات" أو "الإشارات التحليلية"١ Gestes Analytiqu وقد عُنِيَ بدراسته عدد كبير من علماء الأتنوجرافيا والاجتماع, من أشهرهم: الكولونل مولري٢ Mallery, وتيلور٣ Taylor, ورمان٤ Rommanes٤, وليبوك٥ Lybock، وسبنسر وجيلين٦ Spencer and Gillen, وليفي برول٧ Levy Bruhl، وريبو

стр. 90

Robot١، والدكتور فيشر الألماني٢ Fischer, وروث ٣.Roth وقد صور الدكتور فيشر هذا النوع من اللغات وقربه إلى الأذهان إذ يقول: إذا التقيت بأحد الهنود الحمر وأردت أن أخاطبه بلغة الإشارات لأسأله: هل رأى ست عربات تجرها ثيران ويصحبها ستة سائقين؛ منهم ثلاثة مكسيكيون, وثلاثة أمريكيون, ويسير معهم واحد ممتط صهوة جواده؟ فإنني أشير إلى شخصه بيدي للدلالة على كلمة "أنت"، ثم أشير إلى عينيه للدلالة على فعل "الرؤية", ثم أبسط أصابع يدي اليمنى وسبابة يدي اليسرى للدلالة على عدد "ستة"، ثم أكوّن صورة دائرة بإلصاق نهايتي السبابتين والإبهامين؛ إحداهما بالأخرى, وأمد يدي إلى الأمام وأحركهما كما تتحرك عجلات العربة وهي تسير للدلالة على "العربة"، ثم أضع الكفين ممدودتين بجانبي الجبهة ممثلًا قرن حيوان, للدلالة على "الثور"، ثم أمد ثلاثة أصابع من يدي اليسرى, وأضع يدي اليمنى تحت شفتي السفلى, وأنحدر بها إلى صري ممثلًا اللحية, وأمسح جبهتي بيدي من اليمين إلى الشمال ممثلًا وجهًا شاحبًا؛ للدلالة على "ثلاثة أمريكيين"، ثم أرفع إصبعًا واحدًا, وأضع بعد ذلك سبابة اليسرى بين سبابة اليمنى ووسطها, ممثلًا الراكب للدلالة على "رجل واحد راكب حصانًا", وأضاف إلى ذلك أن الوقت الذي يقضيه أحد المتكلمين بهذه اللغة في أداء هذه الحركات لا يزيد كثيرًا عن الوقت الذي يستغرقه تعبيرنا نحن باللغة الكلامية عن هذا المعنى. وقرر تيلور، بصدد هذه اللغة؛ لأن لها قواعد إشارية لربط

стр. 91

أجزاء العبارة بعضها ببعض وترتيب عناصرها، وأنها في مجموعها تكاد تكون متحدة عند جميع الشعوب التي تستخدمها، فهي من هذه الناحية أشبه شيء بلغة دولية، وأنه يمكن أحيانًا التعبير بها عن حقائق دقيقة؛ كعظات وضرب أمثال وقص حكايات، وأنها في جملتها ومعظم تفاصيلها تشبه لغة الصم - البكم, فقد جمع الكولونيل مولري بين رجل أصم - أبكم, يقص عليهم بالإشارات قصة طويلة تتعلق بحادث سرقة، وعقب على هذه القضية بتعليقات من عنده، فلم يفتهم فهم أي حركة من حركاته، لاتحادها مع حركاتهم اللغوية. وذهب العلامة ريبو إلى أنها قابلة للإصلاح والتهذيب، وأنه لو طال استخدام الشعوب الإنسانية لها لسارت في سبيل الارتقاء، ولأصابها كثير من أسباب التنقيح تحت تأثير الرقي العقلي، ومطالب الحي الاجتماعية، واتساع حاجات الإنسان، وأعمال المخترعين والعلماء ... وما إلى ذلك. غير أنه مهما ينلها من التهذيب فلن تخلو من مثالبها الذاتية؛ فهي تستأثر باليد، فتحول دون القيام بأي عمل آخر في أثناء التعبير, ويتوقف إدراكها على النظر، فلا يمكن التعبير بها عن بعد ولا في الظلام, وهي قائمة على تقليد الأشياء المحسة، فلا تكاد تقوى على التعبير عن المعاني الكلية أو وصف المشاعر والوجدان. هذا إلى أنها عارية عن الدقة في كثير من مظاهرها, وأنها تقتضي إسرافًا كبيرًا في الوقت والمجهود. ٢- وأما التعبيرات الإرادية السمعية: فهي التي تصل إلى طريق حاسة السمع, وهي الأصوات المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات. وهذا النوع هو الذي تنصرف إليه كلمة "اللغة" إذا أطلقت, وهو وحده الذي يهمنا في بحثنا, وإنما ذكرنا الأنواع الأخرى لاستيفاء

стр. 92

مظاهر التعبير من جهة، ولأننا قد نحتاج إليها من جهة أخرى في بيان نشأة هذا النوع، أو في ضرب الأمثال أو الموازنة، أو مناقشة النظريات وتوضيحها. ويمتاز هذا النوع بأربع خصائص: فهو مُكْتَسَبٌ لا فطريّ، وهو إرادي, أي: يصدر عن قصد لا عن طريق آلي، وهو يتمثل في أصوات مركبة ذات مقاطع تتألف منها كلمات وجمل لا في أصوات مبهمة، وهو يعبر عن معان في الذهن لا عن انفعالات تتلبس بها النفس أو يتلبس بها الجسم.

стр. 93

٢- اختصاص الإنسان باللغة ومراكزها: تشترك معظم فصائل الحيوان مع الإنسان في القسم الأول من قسمي التعبير السابق ذكرهما, وهو التعبير الطبيعي عن الانفعالات، سواء في ذلك التعبير الطبيعي البصري والتعبير الطببيعي السمعي, فانفعالات الحيوان جسميها ونفسيها، كالجوع والعطش والسرور والفرح والخوف والاطمئنان والحزن والاشمئزاز والغضب ... وما إلى ذلك، يثير كل منها لدى المتلبس به طائفة خاصة من الحركات الفطرية غير المقصودة, وهذه الحركات: بعضها بصري، أي: يصل عن طريق حاسة النظر، كاتساع الحدقة وضيقها، وبسط الأذنين وخفضهما، والتكشير عن الناب، ووقوف الشعر، وانتفاخ الجسم والأوداج، والهرب، والاختفاء, وما إلى ذلك، وبعضها سمعي، أي: يتمثل في صوت يصل عن طريق الأذن، كرغاء الناقة وبغامها، وصهيل الفرس، وقبعة١ عند نفوره من شيء، وحمحمته عند الجوع أو الاستئناس، وشحيج البغل، ونهيق الحمار، وخوار البقر، وثغاء الغنم، وزئير الأسد، وعواء الذئب وتضوره, وتلعلعه عند جوعه، ونباح الكلب

стр. 94

وضغاؤه إذا جاع، ووقوقته إذا خاف، وهريره إذا أنكر شيئًا أو كرهه، وضباح الثعلب، ومواء الهرة، وضحك القردة، وصرصرة البازي، وقعقعة الصقر، وهدير الحمام، وسجع القمري، وزقزقة العصفور، ونعيق الغراب، وفحيح الحيات وكشيشها وحفيفها عند تحرش بعضها ببعض إذا انسابت، ونقيق الضفدع ... وهلم جرا١. وتشترك كذلك بعض فصائل الحيوان مع الإنسان في التعبير الإرادي البصري، وهو التعبير بالإشارة, ويبدو هذا على الأخص لدى الحيوانات التي تعيش جماعات كالنحل والنمل والقردة والبقر والغنم والوعول وما إليها , فقد ثبت أن كثيرًا من هذه الفصائل وغيرها تستخدم أحيانًا بعض إشارات جسمية للتعبير بها بشكل مقصود عن بعضه شئونها؛ ففحل الأوعال "الأيل" يستخدم في أثناء قيادة قطيعة بعض إشارات برأسه وقرونه للوقوف, فيقف جميع أفراد القطيع، وبعض إشارات للسير فيسير جميع القطيع، ويستحث المتخلفات بأن ينطح كلًّا منها نطحًا خفيفًا. ويستخدم الأذكياء من الكلاب مع أفراد فصيلتها ومع الآدميين بعض إشارات بالرأس وغيرها للتعبير بطريق إرادي عن أمور خاص، كأن تمر بأظافرها على الباب ليفطن أصحابها إلى وجودها فيفتحوا لها، أو تدفع إناء طعامها برأسها للتعبير عن حاجتها إلى الغذء ... وهلم جرا. وتستخدم كذلك فصائل القردة، وبخاصةٍ الفصائل العليا منها -الغوريلا، الشمبنزية، الجيبون، الأورانج, أوتانج- وفصائل النحل والنمل بعض إشارات من هذا القبيل؛ فقد كشف العلامة كوهلر Kohler عن ظواهر كثيرة من هذا النوع عند فصائل القردة العليا، منها ما يعمله الشمبنزية حينما يريد أن يرافقه آخر في طريقه، أو يرغب أن يعطيه أحد زملائه شيئًا مما في يده، أو يطلب نداءه عن بعد؛ فإنه في الحالة الأولى يحتك به بخفة ويجذبه من ذراعه محدقًا فيه ومتقدمًا بعض خطوات في الطريق

стр. 95

التي يود أن يسلكها معًا، وفي الحالة الثانية يمد يده إلى زميله مد الاستجداء، وفي الحالة الثالثة يمد يده ويقبض كفه ويبسطها كما نفعل نحن في مثل هذه المناسبة١. وقرر الأساتذة كيربي وسبنسر وبورميستر وهوبير وفرانكليز Kirby, Spencer, Burmeister, Huber, Franklin, أن كثيرًا من طوائف النحل والنمل يستخدم أفرادها، بعضها مع بعض، إشارات مقصودة للتعبير بها عن بعض شئونها، وأن هذه الإشارات تتمثل في احتكاك بعض أعضاء المتكلم أو أطرافه أو ذؤاباته بجزء من جسم المخاطب بطريقة خاصة. وقام العلامة لوبوك Lubock بهذا الصدد بطائفة كبيرة من التجارب, فتبين له صدق ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون٢. وقد نشر الأستاذ "ألن ديفو" في مجلة "نيتشر مجازين" مقالًا تحت عنوان: "لغة الحيوان في الغاب" يتضمن حالات كثيرة من هذا النوع, وفيما يلي بعض مقتطفات من هذا المقال الطريف٣: "إذا وجدت النحلة العاملة زهرة حافلة بالرحيق، عادت طائرة إلى الخلية، ثم تشرع ترقص محومة في الفضاء رقصًا غريبًا خاصًّا يدل دلالة واضحة على معنى رسالتها المستعجلة, فيفهم سائر النحل فحوى هذا العمل، فإذا به ينضم إليها واحدة في أثر واحدة، ثم لا يلبث الجمع أن يندفع كله قاصدًا ينبوع هذا الرحيق, وإذا أراد الحجل أن ينذر قومه بالخطر طار مسرعًا مسافة قصيرة متنقلًا من شجرة إلى شجرة، وهو يصفق بجناحية تصفيقًا شديدًا, وأنثى الدببة إذا أرادت أن يسرع إليها ولدها نازلًا من أعلى شجرة تسلقها ضربت بكفها جذع

стр. 96

الشجرة. وأنثى الظباء إذا أرادت أن تقول لحشفها: "اتبعني"، شالت بذيلها الكث رمة واحدة حتى يرى بياضه الباطن. ومن أعجب أساليب التفاهم بين الحيوان هو أسلوب الحديث بين الطائر الذي يسمى "الهادي إلى العسل" والحيوان المعروف باسم "أبو كعب" أو آكل العسل, فهذا الطائر يحب أكل يرقات النحل حين تكون كالدود، وآكل العسل منهوم بحب العسل, والطائر الهادي إلى العسل لا قبل له بالتغلب على جماعات النحل الساخطة، أما آكل العسل فهو قصير الرجلين، فلا يستطيع أن يقطع المسافات الطويلة بحثًا عن خلايا النحل, فنرى الهادي إلى العسل يطير مطوفًا في أنحاء الغابة باحثًا عن شجرة فيها خلية نحل، ثم يرتد مسرعًا إلى ذلك القابع الصابر فيحوم فوق رأسه، وهو يقول له بصوت رفيع عالٍ: "شر، شر" ويدلف آكل العسل متثاقل الخطو على أثر الطائر المرفرف بجناحيه, ولما كان هذا الحيوان في وقاء من جلده الكثيف الشعر فلا يضره لسع النحل، فهو يهجم على الخلية ويمزقها إربًا إربًا, ثم يجتمع هو والطائر على المائدة الشهية. ونحل الشجر في المناطق الاستوائية يتكلم, فينتقل كلامه من شجرة إلى شجرة، وذلك بأن يدق دقًّا شديدًا على لحاء الشجر وورقه، حتى يسمع لدقه صوت كأنه صوت انهمار رذاذ من مطر. أما أسراب الفيلة فلا تكف لحظة عن غمغمة تسمع من حديث أو إشارة، وهي لغة أداتها الإشارة بالآذان والخراطيم". وذكر الفنان والت ديزني أن الجماعتين من الآيائل الأمريكية المتشعبة القرون, تتبادل الإشارات وهي على البعد، وتستخدم في هذا الغرض ذيولها البيضاء، وأنه إلى جانب هذه الإشارات تذيع كل جماعة رسالة إلى الجماعة الأخرى، ولا تلبث كلٌّ منهما أن تتحقق أن الجماعة الأخرى من بني جلدتها١.

стр. 97

وأما النوع الأخير من أنواع التعبير التي ذكرناها في الفقرة

стр. 98

السابقة، وهو اللغة بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، أي: الأصوات المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات، فيظهر أن الإنسان قد اختص بها من سائر الفصائل الحيوانية, حقًّا إن بعض طوائف الحيوان تصدر عنه أصوات شبيهة في ظاهرها بهذا النوع من التعبير, ولكن بالتأمل في هذه الأصوات يتبين أنها عارية عن خصائص اللغة في صورتها الصحيحة، وأنها ترجع إلى فصيلة أخرى من فصائل الأصوات, وسنعرض فيما يلي لأهم ما يبدو عند الحيوان من هذا القبيل، معقبين على كل مظهر منها بما يبين وجوه الفرق بينه وبين اللغة الصوتية بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. يرجع أهم ما يلفظه الحيوان من هذه الأصوات إلى ثلاثة طوائف: الطائفة الأولى: أصوات فطرية الأصل, يستخدمها الحيوان قاصدًا بها التعبير عن بعض شئونه؛ كالحمحمة التي يرددها الفرس بشكل إرادي عند رؤية صاحبه للتعبير عن حاجته إلى العلف، والمواء الذي يلجأ إليه الهر لينبئ به عن جوعه، والنباح الذي يلفظه الكلب قاصدًا به إيقاظ أهل المنزل, أو إرشادهم إلى أن شخصًا يحوم حوال البيت ... وهلم جرا. وهذه الطائفة ليست في الواقع من اللغة الصوتية في شيء، وأن أشبهتها في ظاهرها ووظيفتها, وذلك أنها أصوات مبهمة عارية عن المقاطع والكلمات, وغير متميزة العناصر, ومن أهم خصائص الكلام كما لا يخفى اشتماله على مقاطع وكلمات وتميز عناصره بعضها من بعض. هذا إلى أنها في الأصل أصوات فطرية تصحب الانفعالات، وأن كل ما يعمله الحيوان حيالها في هذه الحالة هو أن يرددها هي نفسها بشكل إرادي للدلالة على الانفعالات نفسها التي تعبر عنها في شكلها الفطري, أو للدلالة على أمور انفعالية قريبة منها "الجوع، العطش، الخوف ... إلخ". وأصوات هذا شأنها لا يصح عدها

стр. 99

كلامًا؛ لأن أهم خصائص الكلام أنه أصوات موضوعة للدلالة, وأنه يعبر به عن معانٍ لا عن انفعالات١. الطائفة الثانية: أصوات متنوعة تلفظها القردة في اجتماعاتها بطريقة يتبادر منها إلى الذهن أنها وسائل تعبير إرادي، وأن أفراد القردة تتجاذب بها الحديث بعضها مع بعض. وتبدو هذه الظاهرة بشكل واضح في الفصائل العليا مع القردة, وبخاصة طائفة "الجيبون"٢. وهذه الطائفة كذلك ليست في الواقع من اللغة الصوتية في شيء, وأن أشبهتها في ظاهرها ومناسبات استخدامها. فقد ظهر بالبحث فيها أن بعضها تعبير طبيعي عن الانفعال، وبعضها مجرد ترديد إرادي لهذا التعبير٣، وبعضها من ظواهر التداعي الآلي٤ أو العدوى الصوتية٥, أو تقليد الحيوان بطريق فطري غير إرادي لأصوات نفسه أو أصوات غيره٦.-هذا إلى أنها- على الرغم من تنوعها، وعلى الرغم من تشابه أعضاء النطق عند فصائل القردة وأعضاء النطق الإنسانية- أصوات مبهمة بسيطة عارية عن المقاطع والكلمات وغير متميزة العناصر.

стр. 100

وقد تقدَّم١ أن من أهم خصائص الكلام اشتماله على مقاطع وكلمات, وتميز عناصره بعضها من بعض٢. الطائفة الثالثة: أصوات مركبة ذات مقاطع تلفظها بعض الطيور؛ كالببغاء, وما إليها من الفصائل التي امتازت أعضاء صوتها بخصائص طبيعية تتيح لها إخراج هذا النوع. وهذه الطائفة كذلك ليست في الواقع من اللغة الصوتية في شيء, وإن أشبهتها في الظاهر. وذلك أن الطائر لا يقصد بهذه الأصوات التعبير، فهي تصدر عنه في ثلاث حالات كلها فطرية آلية عارية بتاتًا عن هذا القصد: الحالة الأولى: حينما يكون الطائر متلبسًا بانفعال جسمي أو نفسي, وهي في هذه الحالة من نوع التعبير الطبيعي عن الانفعالات, تصدر عن غير قصد، ويثيرها بشكل آلي الانفعال المتلبس به الطائر, وإثارتها مؤسسة على الروابط الطبيعية الفطرية التي تربط أعضاء الصوت بحالات الجسم والنفس بطريقة تجعل هذه الأعضاء تتحرك وحدها بشكل آلي أو منعكس, وتلفظ أصواتًا مركبة ذات مقاطع عند وجود حالة من الحالات الجسمية أو النفسية المرتبطة بها؛ فهي حينئذ من قبيل الضحك والبكاء, وما إليها من مظاهر "التعبير السمعي". وكل ما هنالك أن التعبير الطبيعي السمعي يبدو عند الحيوانات الأخرى في صورة أصوات بسيطة مبهمة، ويبدو عند هذه الطيور أحيانًا في صورة أصوات مركبة ذات مقاطع. والحالية الثانية: حينما تكون محاكاة لصوت إنساني سمعه

стр. 101

الطائر، وهي في هذه الحالة كذلك تصدر بشكل آلي عارٍ عن قصد التعبير, بل عن قصد المحاكاة نفسها. وذلك أن هذه الفصائل مزودة بروابط طبيعية, تربط جهاز سمعها بجهاز صوتها, بطريقة تجعل أعضاء الجهاز الثاني تتحرك أحيانًا وحدها, وتلفظ بشكل آلي الأصوات نفسها التي يحسها الجهاز الأول؛ فكلما وصل صوت إلى سمعها في ظروف خاصة انبعث صداه من أفواهها١. والحالة الثالثة: قد تسمع الببغاء أحيانًا كلمات أو أصواتًا في مناسبة ما, فتكررها كلما حدثت هذه المناسبة أو مناسبة أخرى تشبهها بطريقة يتبادر منها إلى الذهن أنها قد تقصد بها التعبير عن أمر معين؛ فقد تسمع مثلًا أصحابها ينادون طفلًا باسمه، فتكرر هذا الاسم كلما رأت الطفل أو رأت دميته أو متاعًا من أمتعته٢. وهذه الأصوات كذلك ليست من اللغة في شيء وإن التبست بها في بادئ النظر, وذلك أن الطائر لا يقصد بها في الواقع التعبير عن أمر ما، وإنما تصدر منه بشكل غير إرادي على الصورة التي تصدر فيها ظواهر "التداعي الآلي". فمن كثرة تكرار الكلمة أمام الطائرة بحضرة الشخص أو الشيء الذي تدل عليه، يرتبط صوتها بصوت مدلولها، فينبعث الصوت من الطائر بشكل آلي كلما ظهر أمامه المدلول أو ما يتصل به٣. هذا، ولا يمتاز الإنسان بهذا الصدد عن بقية فصائل الحيوان باللغة الصوتية فحسب، بل يمتاز عنها كذلك بطائفة من المراكز المخية التي شرف على مختلف مظاهر هذه اللغة "مركز إصدار الألفاظ،

стр. 102

مركز حفظ الكلمات المسموعة.. وهلم جرا" فقد ثبت أن هذه المراكز لا يوجد لها نظير في مخ أي فصيلة حيوانية أخرى, حتى الفصائل العليا من القردة نفسها. فالبحث في نشأة اللغة عند الإنسان يتطلب إذن دراسة موضوعين اثنين: أولهما نشأة اللغة في الفصيلة الإنسانية، وثانيهما نشأة مراكز اللغة في المخ الإنساني. وسنعقد لكلٍّ منهما فقرة خاصة، ثم نكمل بحوث هذا الفصل بفقرة ثالثة في المراحل الأولى التي اجتازتها لغة الإنسان بعد نشأتها، وما انتابها من تطور في هذ المراحل.

стр. 103

٣- نشأة الكلام: لا شك أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى المجتمع نفسه, وإلى الحياة الاجتماعية. فلولا اجتماع الأفراد بعضهم مع بعض, وحاجتهم إلى التعاون والتفاهم وتبادل الأفكار, والتعبير عما يجول بالخواطر من معانٍ ومدركات, ما وجدت لغة ولا تعبير إرادي. ولا شك كذلك أن اللغة ظاهرة اجتماعية تنشأ كما ينشأ غيرها من الظواهر الاجتماعية، فتخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجميعة, وما تقتضيه هذه الحياة من شئون١. فليست المشكلة إذن في البحث عن الأسباب التي دعت إلى نشأة اللغة, ولا في البحث عمن أنشاها, وإنما المشكلة في البحث عن العوامل التي دعت إلى ظهورها في صورة أصوات مركبة ذات مقاطع متميزة الكلمات، والكشف عن الصورة الأولى التي ظهرت بها هذه الأصوات، أي: الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ الأمر في

стр. 104

وضع أصوات معينة لمسميات خاصة، وتوضيح الأسباب التي وجهته إلى هذا الأسلوب دون غيره. وعلى ضوء هذه الحقائق سنناقش النظريات التي قيلت في نشأة اللغة، فنرفض كل نظرية تذهب في ذلك مذهبًا لا يتفق مع هذه الحقائق المقررة، أو تغفل المشكلة الرئيسية التي نحاول حلها. هذا، وأهم ما قيل بهذا الصدد يرجع إلى أربع نظريات: النظرية الأولى: تقرر أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى الهام إلهيٍّ هبط على الإنسان فعلمه النطق وأسماء الأشياء، وقد ذهب إلى هذ الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني هيراكليت١ Heraclite، وفي العصور الوسطى بعض الباحثين في فقه اللغة العربية كابن فارس في كتابه الصاحبي٢، وفي العصور الحديثة طائفة من العلماء على رأسها الأب لامي Lami في كتابه "فن الكلام" LArt de parler, والفيلسوف دوبونالد De Bonald في كتابه التشريع القديم٤ Legislation primitive. ولا يكاد أصحاب هذه النظرية يقدمون بين يدي مذهبهم دليلًا عقليًّا يعتد به٥. أما أدلتهم النقلية فبعضها يحتمل التأويل, وبعضها يكاد يكون دليلًا عليهم لا لهم. فالمؤيدون لهذا الرأي من باحثي

стр. 105

العرب يعتمدون على قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ وهذا النص كماترى، ليس صريحًا كما يدعون؛ إذ يحتمل أن يكون معناه -كما ذكر ذلك ابن جني في كتابه الخصائص, وذهب إليه كثير من أئمة المفسرين: إن الله تعالى أقدر الإنسان على وضع الألفاظ. أما القائلون بهذه النظرية من الفرنجة، فيعتمدون على ما ورد بهذا الصدد في سفر التكوين؛ إذ يقول: "والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها, وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الإنسان, فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول"٢: وهذا النص، كما ترى، لا يدل على شيء مما يقول به أصحاب هذه النظرية، بل يكاد يكون دليلًَا عليهم. وفضلًا عن هذا كله, فإن هذه النظرية تغفل إغفالًَا تامًّا المشكلة الرئيسية التي تهمنا, وحدُّها في هذا البحث, والتي حددناها تحديدًا دقيقًا في صدر هذه الفقرة. النظرية الثانية: تقرر أن اللغة ابتدعت واستحدثت بالتواضع والاتفاق وارتجال ألفاظها ارتجالًا, وقد ذهب إلى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلوسف اليوناني ديموكريت Democrite -من فلاسفة القرن الخامس ق م- وفي العصور الوسطى كثير من الباحثين في فقه اللغة العربية، وفي العصور الحديثة الفلاسفة الإنجليز آدم سميث Adem Smith, وريد Reid, ودجلد ستيوارث Dugald Stewart. وليس لهذه النظرية أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي, بل إن ما تقرره ليتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية, فعهدنا بهذه النظم أنها لا ترتجل ارتجالًا ولا تخلق خلقًا، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها. هذا إلى أن التواضع على التسمية

стр. 106

يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون١, فما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ للغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل٢. وفضلًا عن هذا كله, فإن هذه النظرية تغفل المشكلة الرئيسية التي تهمنا وحدها في هذا البحث, والتي وضحناها في صدر هذه الفقرة. فلسنا هنا بصدد نظرية جديرة بالمناقشة، بل بصدد تخمين خيالي وفرض عقيم يحمل في طيه آية بطلانه, وقد ذهب المتعصبون له في تصوير منشأ اللغة مذاهب ساذجة غريبة, تدل أبلغ دلالة على مبلغ انحرافه عن جادة الصواب ونطاق المعقول؛ وإليك نبذة مما يقوله بعضهم بهذا الصدد: "إن أصل اللغة لابد فيه من المواضعة, وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا, فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء, فيضعوا لكل منها سمة ولفظًا يدل عليه ويغني عن إحضاره أمام البصر. وطريقة ذلك أن يقبلوا مثلًا على شخص, ويومئوا إليه قائلين: إنسان، إنسان، إنسان، فتصحب هذه الكلمة اسمًا له، وإن أرادوا سمة عينة أو يده أو رأسه أو قدمه أشاروا إلى العضو وقالوا: يد، عين، رأس، قدم ... ويسيرون على هذه الوتيرة في أسماء بقية الأشياء وفي الأفعال والحروف وفي المعاني الكلية والأمور المعنوية نفسها٣, وبذلك تنشأ اللغة العربية مثلًا, ثم يخطر بعد ذلك لجماعة منهم كلمة "مرد" بدل إنسان وكلمة "سر" بدل رأس ... وهكذا فتنشأ اللغة الفارسية ... "٤. النظرية الثالثة: تقرر أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة, زود بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وأن هذه

стр. 107

الغريزة كانت تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة به، كما أن غريزة "التعبير الطبيعي عن الانفعالات" تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة "انقباض الأسارير وانبساطها، وقوف شعر الرأس، الضحك، البكاء ... إلخ" كلما قامت به حالات انفعالية معينة "الغضب، الخوف، الحزن، السرور ... إلخ"، وأنها كانت متحدة عند جميع الأفراد في طبيعتها ووظائفها وما يصدر عنها، وأنه بفضل ذلك اتحدت المفردات, وتشابهت طرق التعبير عند الجماعات الإنسانية الأولى، فاستطاع الأفراد التفاهم فيما بينهم، وأنه بعد نشأة اللغة الإنساينة الأولى لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة, فأخذت تنقرض شيئًا فشيئًا حتى تلاشت, كما انقرض لهذا السبب كثير من الغرائز الإنسانية القديمة. ومن أشهر من ذهب هذا المذهب العلامة الألماني مكس مولر١ Max Muller، والعلامة الفرنسي رينان Rena ٢. وقد اعتمد مكس مولر في تأييد هذه النظرية على أدلة مستمدة من البحث في أصول الكلمات في اللغات الهندية الأوربية٣؛ فقد ظهر له أن مفردات هذه اللغات جميعها ترجع إلى خمسمائة أصل مشترك، وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأولى التي انشعبت منها هذه الفصيلة، فهي لذلك تمثل اللغة الإنسانية في أقدم عهودها. وتبين له من تحليل هذه الأصول أنها تدل على معانٍ كلية، وأنه لا تشابه مطلقًا بين أصواها, وما تدل عليه من فعل أو حالة. ففي دلالتها على معانٍ كلية برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق، كما يذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الثانية السابق ذكرها؛ لأن التواضع فضلًا عن تعارضه مع طبيعة النظم الاجتماعية كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، يتوقف هو

стр. 108

نفسه على وسيلة يتفاهم بها المتواضعون, وهذه الوسيلة لا يعقل أن تكون اللغة الصوتية؛ لأن المفروض أن المتواضَعَ عليه هو أول ما نطق به الإنسان من هذه اللغة, ولا يعقل كذلك أن تكون لغة الإشارة؛ لأننا بصدد ألفاظ تدل على معانٍ كلية, أي: على أمور معنوية يتعذر استخدام الإشارة الحسية فيها. وفي عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدل عليه, برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصواته الطبيعية -أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعالات- وأصوات الحيوانات والأشياء، كما يذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الرابعة التي سنتكلم عنها قريبًا. وإذا بطل أن اللغة الإنسانية كانت نتيجة تواضع، وبطل كذلك أنها نشأت عن محاكاة لأصوات الإنسان الطبيعية وأصوات الحيوانات والأشياء، لم يبق إذن تفسير معقول لهذه الظاهرة غير التفسير السابق ذكره, وهو أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة زود بها الإنسان في الأصل؛ للتعبير عن مدركاته بأصوات مركبة ذات مقاطع، كما زود باستعداد فطري للتعبير عن انفعالاته بحركات جسمية وأصوات بسيطة١. وهذه النطرية -على ما فيها من دقة وطرافة وعمق في البحث- فاسدة من عدة وجوه: ١- فهي لا تحل شيئًا من المشكلة التي نحن بصددها, بل تكتفي بأن تضع مكانها مشكلة أخرى أكثر منها غموضًا, وهي مشكلة "الغريزة الكلامية". ٢- هذا إلى أن ما تقرره يعتبر -من بعض الوجوه- من قبيل

стр. 109

تفسير الشيء بنفسه, فكل ما تقوله يمكن تلخيصه في العبارة الآتية: "إن الإنسان قد لفظ أصواتًا مركبة ذات مقاطع ودلالات مقصودة؛ لأنه كانت لديه قدرة على لفظ هذا النوع من الأصوات". وهذا، كما لا يخفى، مجرد تقرير للمشكلة نفسها في صيغة أخرى. ٣- على أن قدرة الإنسان الفطرية أو المكتسبة على لفظ هذا النوع من الأصوات ليست موضوع البحث؛ لأنه من المقرر أن الإنسان مزود بأعضاء نطق تسمح له بلفظ هذا النوع من الأصوات، بل إن هذا مشترك بين الإنسان وبعض الطيور -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك, وإنما الذي يهمنا هو الوقوف على أول مظهر لاستغلال هذه القدرة والانتفاع بها في تكوين الكلام الإنساني، أي: البحث عن الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ الأمر في وضع أصوات معينة لمسميات خاصة، والكشف عن العوامل التي وجهته إلى هذا الأسلوب دون غيره. ٤- ولكن أكبر خطأ وقعت فيه هذه النظرية هو ذهابها إلى أن الأصول الخمسمائة -السابق ذكرها- تمثل اللغة الإنسانية الأولى, فهذه الأصول -كما تقدم- تدل على معانٍ كلية، ومن الواضح أن إدراك المعاني الكلية يتوقف على درجة عقلية راقية, لا يتصور وجود مثلها في فاتحة النشأة الإنسانية, وها هي ذي الأمم البدائية التي تُعَدُّ أصدق ممثل للإنساية الأولى تؤيد ما نقول؛ فقد أجمع علماء الأتنوجرافيا الذين قاموا بدراسة هذه الأمم بأمريكا وأستراليا وإفريقيا وغيرها, على ضعف عقلياتها بهذا الصدد وعجزها عن إدراك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها. وقد كان لهذه العقلية صدًى كبير في لغاتها، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظ يدل على معنًى كلي؛ ففي لغة الهنود الحمر مثلًا, يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء, وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء ... وهكذا، ولكن لا يوجد أيَّ لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أيًّ لفظ للدلالة على الشجرة على

стр. 110

العموم١, وفي لغة الهورونيين Hurons "من السكان الأصليين لأمريكا الشمالية" يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها، ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه, فيوجد لفظ للتعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عنه في حالة تعلقه باللحم، وثالث في حالة تعلقه بالزبد، ورابع في حالة تعلقه بالموز, وهكذا، ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم, أو الأكل في زمن ما٢. ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmenis "بقرب أستراليا" لا يوجد من بين مفرداتها لفظ يدل على الصفة، فإذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيه بآخر مشتمل على الصفة المقصودة، فيقولون مثلًا "فلان كشجرة كذا" إذا أرادوا وصفه بالطول٣. ولذلك يرى المحدثون من علماء اللغة أن الأصول الخمسمائة -السابق ذكرها- لا تمثل في شيء اللغة الإنسانية الأولى كما يذهب إلى ذلك مكس مولر، بل إنها بقايا لغة حديثة قطعت شوطًا كبيرًا في سبيل الرقي والكمال, ولم تصل إليها الأمم الإنسانية إلّا بعد أن ارتقت عقلياتها ونهض تفكيرها, ويذهب بعضهم إلى أبعد من هذا, فيقرر أنها مجرد أصول نظرية, وأنها لم تكن يومًا ما موضوع لغة إنسانية٤. النظرية الرابعة: تقرر أن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية "التعبير الطبيعي عن الانفعالات، أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة، الأصوات التي تحدثها الأفعال عند وقوعها؛ كصوت الضرب والقطع والكسر ... إلخ" وسارت في سبيل الرقيّ شيئًا فشيئًا تبعًا لارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة واتساع نطاق الحياة
следующие страницы →