Полный текст (1 221 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْزَمَهُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَظُهُورِ مَا كَانَ خَافِيًا عَنْهُ، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَا يُغَيِّرُ اجْتِهَادَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُ مَعَ نَفْسِهِ فَادِحًا فِي عِلْمِهِ، بَلْ هَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَوَرَعِهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا خَرَجَ عَنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَأَكْثَرُ، وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: حَضَرْتُ عَقْدَ مَجْلِسٍ عِنْدَ نَائِبِ السُّلْطَانِ فِي وَقْفٍ أَفْتَى فِيهِ قَاضِي الْبَلَدِ بِجَوَابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَقَرَأَ جَوَابَهُ الْمُوَافِقَ لِلْحَقِّ، فَأَخْرَجَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ جَوَابَهُ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: هَذَا جَوَابُكَ بِضِدِّ هَذَا فَكَيْفَ تَكْتُبُ جَوَابَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَوَجَمَ الْحَاكِمُ، فَقُلْتُ: هَذَا مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ، أَفْتَى أَوَّلًا بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَرَجَعَ إلَيْهِ، كَمَا يُفْتِي إمَامُهُ بِقَوْلٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ وَلَا دِينِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ، فُسِّرَ بِذَلِكَ وَسُرِّيَ عَنْهُ.
[كُلُّ الْأَئِمَّةِ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَدِيثِ وَمَتَى صَحَّ فَهُوَ مَذْهَبُهُمْ] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: " إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوُا مَا قُلْتُهُ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقُلْتُ أَنَا قَوْلًا فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْ قَوْلِي وَقَائِلٌ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ " وَقَوْلُهُ: " إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ " وَقَوْلُهُ: " إذَا رَوَيْتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ أَذْهَبْ إلَيْهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى صَرِيحٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لَا قَوْلَ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مَا خَالَفَ الْحَدِيثَ وَيُقَالُ: " هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ " وَلَا يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ بِمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا الْحُكْمُ بِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَتْبَاعِهِ، حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لِلْقَارِئِ إذَا قَرَأَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةً مِنْ كَلَامِهِ: قَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِخِلَافِهَا، اضْرِبْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَتْ مَذْهَبَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا، وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إذَا نَصَّ عَلَيْهِ وَأَبْدَى فِيهِ وَأَعَادَ وَصَرَّحَ فِيهِ بِأَلْفَاظٍ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي مَدْلُولِهَا؟ فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ مَذْهَبَهُ وَقَوْلَهُ الَّذِي لَا قَوْلَ لَهُ سَوَاءٌ مَا وَافَقَ الْحَدِيثَ، دُونَ مَا خَالَفَهُ وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ خِلَافَهُ فَقَدْ نَسَبَ إلَيْهِ خِلَافَ مَذْهَبِهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا ذَكَرَ هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَهُ لِضَعْفٍ فِي سَنَدِهِ أَوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِلْحَدِيثِ سَنَدٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَصَحَّحَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ لَمْ تَبْلُغْهُ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ عَالِمٌ وَلَا يُمَارِي فِي أَنَّهُ مَذْهَبُهُ قَطْعًا، وَهَذَا كَمَسْأَلَةِ الْجَوَائِحِ؛ فَإِنَّهُ عَلَّلَ حَدِيثَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِأَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ الْجَوَائِحِ، وَقَدْ
стр. 1087
صَحَّ الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ صِحَّةً لَا مِرْيَةَ فِيهَا وَلَا عِلَّةَ وَلَا شُبْهَةَ بِوَجْهٍ؛ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَضْعُ الْجَوَائِحِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَأَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ، وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ قَاعِدًا إذَا صَلَّى إمَامُهُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ، وَإِنْ صَحَّ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَذْهَبِهِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ رَوَاهُ وَعَرَفَ صِحَّتَهُ، وَلَكِنْ خَالَفَهُ، لِاعْتِقَادِهِ نَسْخَهُ.
وَهَذَا شَيْءٌ وَذَاكَ شَيْءٌ، فَفِي هَذَا الْقِسْمِ يَقَعُ النَّظَرُ فِي النَّسْخِ وَعَدَمِهِ، وَفِي الْأَوَّلِ يَقَعُ النَّظَرُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَثِقَةِ السَّنَدِ، فَاعْرِفْهُ.
[هَلْ تَجُوزُ الْفُتْيَا لِمَنْ عِنْدَهُ كُتُبُ الْحَدِيثِ]
[هَلْ تَجُوزُ الْفُتْيَا لِمَنْ عِنْدَهُ كُتُبُ الْحَدِيثِ؟] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ الصَّحِيحَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِتَابٌ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْثُوقٌ بِمَا فِيهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِيهِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مَنْسُوخًا، أَوْ لَهُ مُعَارِضٌ، أَوْ يَفْهَمُ مِنْ دَلَالَتِهِ خِلَافَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ أَمْرَ نَدْبٍ فَيَفْهَمُ مِنْهُ الْإِيجَابَ، أَوْ يَكُونُ عَامًّا لَهُ مُخَصِّصٌ، أَوْ مُطْلَقًا لَهُ مُقَيِّدٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ وَلَا الْفُتْيَا بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْفُتْيَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَيُفْتِيَ بِهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ، إذَا بَلَغَهُمْ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَادَرُوا إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا بَحْثٍ عَنْ مُعَارِضٍ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ: هَلْ عَمِلَ بِهَذَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ وَلَوْ رَأَوْا مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِحَالِ الْقَوْمِ وَسِيرَتِهِمْ، وَطُولُ الْعَهْدِ بِالسُّنَّةِ وَبُعْدُ الزَّمَانِ وَعِتْقُهَا لَا يُسَوِّغُ تَرْكَ الْأَخْذِ بِهَا وَالْعَمَلَ بِغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا بَعْدَ صِحَّتِهَا حَتَّى يَعْمَلَ بِهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ لَكَانَ قَوْلُ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ عِيَارًا عَلَى السُّنَنِ، وَمُزَكِّيًا لَهَا، وَشَرْطًا فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلْ الْبَاطِلِ، وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ الْحُجَّةَ بِرَسُولِهِ دُونَ آحَادِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَبْلِيغِ سُنَّتِهِ، وَدَعَا لِمَنْ بَلَّغَهَا؛ فَلَوْ كَانَ مَنْ بَلَغَتْهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا حَتَّى يَعْمَلَ بِهَا الْإِمَامُ فُلَانٌ، وَالْإِمَامُ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ فِي تَبْلِيغِهَا فَائِدَةٌ، وَحَصَلَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ.
قَالُوا: وَالنَّسْخُ الْوَاقِعُ فِي الْأَحَادِيثِ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ لَا يَبْلُغُ عَشْرَةَ أَحَادِيثَ أَلْبَتَّةَ بَلْ وَلَا شَطْرَهَا؛ فَتَقْدِيرُ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الذَّهَابِ إلَى الْمَنْسُوخِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي تَقْلِيدِ مَنْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ التَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ، وَيَقُولُ الْقَوْلَ
стр. 1088
وَيَرْجِعُ عَنْهُ، وَيَحْكِي عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ، وَوُقُوعُ الْخَطَأِ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمَعْصُومِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْفَقِيهِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا يُفْرَضُ احْتِمَالُ خَطَأٍ لِمَنْ عَمِلَ بِالْحَدِيثِ وَأَفْتَى بِهِ إلَّا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ حَاصِلٌ لِمَنْ أَفْتَى بِتَقْلِيدِ مَنْ لَا يُعْلَمُ خَطَؤُهُ مِنْ صَوَابِهِ.
وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ؛ فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ ظَاهِرَةً بَيِّنَةً لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُرَادِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَيُفْتِيَ بِهِ، وَلَا يُطْلَبُ لَهُ التَّزْكِيَةُ مِنْ قَوْلِ فَقِيهٍ أَوْ إمَامٍ، بَلْ الْحُجَّةُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ خَالَفَهُ مَنْ خَالَفَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً لَا يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ، وَلَا يُفْتِيَ بِمَا يَتَوَهَّمُهُ مُرَادًا حَتَّى يَسْأَلَ وَيَطْلُبَ بَيَانَ الْحَدِيثِ وَوَجْهَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةً كَالْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ، وَالْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالنَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ فَهَلْ لَهُ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى بِهِ؟ يَخْرُجُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالظَّوَاهِرِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: الْجَوَازُ، وَالْمَنْعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ [وَالْخَاصِّ] فَلَا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَيُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ ثَمَّ نَوْعُ أَهْلِيَّةٍ وَلَكِنَّهُ قَاصِرٌ فِي مَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ وَقَوَاعِدِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ أَهْلِيَّةٌ قَطُّ فَفَرْضُهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» وَإِذَا جَازَ اعْتِمَادُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْمُفْتِي مِنْ كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِ شَيْخِهِ وَإِنْ عَلَا وَصَعِدَ فَمِنْ كَلَامِ إمَامِهِ؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ اعْتِمَادُ الرَّجُلِ عَلَى مَا كَتَبَهُ الثِّقَاتُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْحَدِيثَ كَمَا لَوْ لَمْ يَفْهَمْ فَتْوَى الْمُفْتِي فَيَسْأَلُ مَنْ يُعَرِّفُهُ مَعْنَاهُ، كَمَا يَسْأَلُ مَنْ يُعَرِّفُهُ مَعْنَى جَوَابِ الْمُفْتِي، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَتَوَى الْمُفْتِي الْمُقَلَّد بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ]
[هَلْ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ؟] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: (هَلْ لِلْمُنْتَسِبِ إلَى تَقْلِيدِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ) ؟ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ فَقَطْ فَيُقَالَ لَهُ: مَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا فِي كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ يُسْأَلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ؛ فَإِنْ سُئِلَ عَنْ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِغَيْرِهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَإِنْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ السَّائِلُ قَوْلَ فَقِيهٍ مُعَيَّنٍ؛ فَهَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ بِمَا هُوَ رَاجِحٌ عِنْدَهُ وَأَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَهُ، لَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ
стр. 1089
يَتَمَكَّنْ مِنْهُ وَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى تَرْكِ الْإِفْتَاءِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَوَابٌ؛ فَكَيْفَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِ؟ وَلَا يَسَعُ الْحَاكِمَ وَالْمُفْتِيَ غَيْرُ هَذَا أَلْبَتَّةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمَا عَنْ رَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ، لَا عَنْ الْإِمَامِ الْمُعَيَّنِ وَمَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ وَيَوْمَ مَعَادِهِمْ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ ؛ فَيُقَالُ لَهُ فِي قَبْرِهِ: مَا كُنْتُ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وَلَا يُسْأَلُ أَحَدٌ قَطُّ عَنْ إمَامٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مَتْبُوعٍ غَيْرِهِ، بَلْ يُسْأَلُ عَمَّنْ اتَّبَعَهُ وَائْتَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يُجِيبُ؟ وَلْيُعِدَّ لِلْجَوَابِ صَوَابًا.
وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا ﵀ يَقُولُ: جَاءَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: أَسْتَشِيرُكَ فِي أَمْرٍ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَنْتَقِلَ عَنْ مَذْهَبِي، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنِّي أَرَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَثِيرًا تُخَالِفُهُ، وَاسْتَشَرْتُ فِي هَذَا بَعْضَ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ لِي: لَوْ رَجَعَتْ عَنْ مَذْهَبِكَ لَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ الْمَذَاهِبُ، وَرُجُوعُكَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَأَشَارَ عَلَيَّ بَعْضُ مَشَايِخِ التَّصَوُّفِ بِالِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ وَسُؤَالِ الْهِدَايَةِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَمَاذَا تُشِيرُ بِهِ أَنْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: اجْعَلْ الْمَذْهَبَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ الْحَقُّ فِيهِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَاقْضِ بِهِ وَأَفْتِ بِهِ طَيِّبَ النَّفْسِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، وَقِسْمٌ مَرْجُوحٌ وَمُخَالِفُهُ مَعَهُ الدَّلِيلُ فَلَا تُفْتِ بِهِ وَلَا تَحْكُمْ بِهِ وَادْفَعْهُ عَنْكَ، وَقِسْمٌ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي الْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَجَاذِبَةٌ؛ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدْفَعَهُ عَنْكَ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَوْ كَمَا قَالَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى - مِنْهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ -: مَنْ وَجَدَ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ فَإِنْ كَمُلَتْ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَالْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ آلَتُهُ وَوَجَدَ فِي قَلْبِهِ حَزَازَةً مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ بَحَثَ فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالَفَتِهِ عِنْدَهُ جَوَابًا شَافِيًا فَلْيَنْظُرْ: هَلْ عَمِلَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ إمَامٌ مُسْتَقِلٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ وَجَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَتَوَى الْمُفْتِي بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا تَرَجَّحَ فِي نَظَّرَهُ]
[إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَ الْمُفْتِي مَذْهَبٌ غَيْرُ مَذْهَبِ إمَامِهِ، فَهَلْ يُفْتِي بِهِ؟] الْفَائِدَةُ الْخَمْسُونَ: (هَلْ لِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إلَى مَذْهَبِ إمَامِ بِعَيْنِهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ) ؟ فَإِنْ كَانَ سَالِكًا سَبِيلَ ذَلِكَ الْإِمَامِ فِي الِاجْتِهَادِ وَمُتَابَعَةِ الدَّلِيلِ أَيْنَ كَانَ - وَهَذَا هُوَ الْمُتَّبَعُ لِلْإِمَامِ حَقِيقَةً - فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا
стр. 1090
مُتَقَيِّدًا بِأَقْوَالِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لَا يَعْدُوهَا إلَى غَيْرِهَا فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِ قَوْلِ إمَامِهِ؛ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ قَائِلِهِ حِكَايَةً مَحْضَةً.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ قَوْلُ غَيْرِ إمَامِهِ بِدَلِيلٍ رَاجِحٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ وَقَوَاعِدِهِ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولِ الْأَحْكَامِ، وَمَتَى قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا مَرْجُوحًا فَأُصُولُهُ تَرُدُّهُ وَتَقْتَضِي الْقَوْلَ الرَّاجِحَ، فَكُلُّ قَوْلٍ صَحِيحٍ فَهُوَ يَخْرُجُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأَئِمَّةِ بِلَا رَيْبٍ؛ فَإِذَا تَبَيَّنَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ رُجْحَانُ هَذَا الْقَوْلِ وَصِحَّةُ مَأْخَذِهِ خَرَجَ عَلَى قَوَاعِدِ إمَامِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ: لَوْ أَدَّى اجْتِهَادِي إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قُلْتُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، لَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ إنَّمَا يَسْأَلُنِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ أَنَّ الَّذِي أَفْتَيْتُهُ بِهِ غَيْرُ مَذْهَبِهِ، فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَكْثَرُ الْمُسْتَفْتِينَ لَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا سُؤَالُهُ عَنْ حُكْمِهَا وَمَا يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا، فَلَا يَسَعُ الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يَعْتَقِدُ الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِ.
[إذَا تَسَاوَى عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ فَمَاذَا يَصْنَعُ]
[إذَا تَسَاوَى عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ فَمَاذَا يَصْنَعُ؟] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: (إذَا اعْتَدَلَ عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ) ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: بَلْ يُخَيِّرُ الْمُسْتَفْتِيَ فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْتِي بِمَا يَرَاهُ، وَاَلَّذِي يَرَاهُ هُوَ التَّخْيِيرُ، وَقِيلَ: بَلْ يُفْتِيهِ بِالْأَحْوَطِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ، وَلَا يُفْتِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَوَابٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَهَذَا كَمَا إذَا تَعَارَضَ عِنْدَ الطَّبِيبِ فِي أَمْرِ الْمَرِيضِ أَمْرَانِ خَطَأٌ وَصَوَابٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا يُخَيِّرَهُ، وَكَمَا لَوْ اسْتَشَارَهُ فِي أَمْرٍ فَتَعَارَضَ عِنْدَهُ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُشِيرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يُخَيِّرَهُ، وَكَمَا لَوْ تَعَارَضَ عِنْدَهُ طَرِيقَانِ مُهْلِكَةٌ وَمُوَصِّلَةٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ طَرِيقُ الصَّوَابِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَا التَّخْيِيرُ، فَمَسَائِلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَوْلَى بِالتَّوَقُّفِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلْ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ إمَامُهُ]
[هَلْ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ إمَامُهُ؟] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ: (أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ يُفْتُونَ كَثِيرًا بِأَقْوَالِهِمْ الْقَدِيمَةِ الَّتِي رَجَعُوا عَنْهَا) ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الطَّوَائِفِ؛ فَالْحَنَفِيَّةُ يُفْتُونَ بِلُزُومِ الْمَنْذُورَاتِ الَّتِي مَخْرَجُهَا
стр. 1091
مَخْرَجُ الْيَمِينِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ حَكَوْا هُمْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَى التَّكْفِيرِ، وَالْحَنَابِلَةُ يُفْتِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِوُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ، وَالشَّافِعِيَّةُ يُفْتُونَ بِالْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي مَسْأَلَةِ التَّثْوِيبِ، وَامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَمَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ، فَإِذَا أَفْتَى الْمُفْتِي بِهِ مَعَ نَصِّهِ عَلَى خِلَافِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبِهِ، فَمَا الَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: الْأَوَّلُ قَدْ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ مَرَّةً، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ قَطُّ.
قِيلَ: هَذَا فَرْقٌ عَدِيمُ التَّأْثِيرِ؛ إذْ مَا قَالَ بِهِ وَصَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ بِمَنْزِلِهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَتَقَيَّدُونَ بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي يَهْجُرُونَ لِأَجْلِهِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ خَالَفَ مَنْ قَلَّدُوهُ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ ذَمِيمَةٌ وَخَيْمَةٌ، حَادِثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، مُسْتَلْزِمَةٌ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَطَأِ، وَمُخَالِفَةٌ الصَّوَابَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَتَوَى الْمُفْتِي بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ]
[لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ: (يَحْرُمُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِضِدِّ لَفْظِ النَّصِّ، وَإِنْ وَافَقَ مَذْهَبَهُ) .
وَمِثَالُهُ: أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، هَلْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ أَمْ لَا؟ فَيَقُولَ: لَا يُتِمُّهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَمَّنْ مَاتَ عَلَيْهِ صِيَامٌ: هَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ؟ فَيَقُولَ: لَا يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، هَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ؟ فَيَقُولَ: لَيْسَ أَحَقَّ بِهِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، هَلْ يُتِمُّ صَوْمَهُ؟ فَيَقُولَ: لَا يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» .
стр. 1092
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، هَلْ هُوَ حَرَامٌ؟ فَيَقُولَ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الرَّجُلِ: هَلْ لَهُ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ غَرْزِ خَشَبَةٍ فِي جِدَارِهِ؟ فَيَقُولَ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ " لَا يَمْنَعُهُ ".
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ: هَلْ تَجْزِي صَلَاةُ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ؟ فَيَقُولَ: تَجْزِيهِ صَلَاتُهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ» .
أَوْ يُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْعَطِيَّةِ: هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ وَهَلْ هُوَ جَوْرٌ [أَمْ لَا؟] فَيَقُولَ: يَصِحُّ، وَلَيْسَ بِجَوْرٍ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: " إنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ " وَيَقُولُ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الْوَاهِبِ: هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ يَحِلُّ لَهُ [أَنْ يَرْجِعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا أَوْ قَرَابَةً فَلَا يَرْجِعُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ: هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ قَبْلَ إعْلَامِ شَرِيكِهِ بِالْبَيْعِ وَعَرْضُهَا عَلَيْهِ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ قَبْلَ إعْلَامِهِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكُهُ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، فَيَقُولَ: نَعَمْ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَمَّنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَهَلْ الزَّرْعُ لَهُ أَمْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؟ فَيَقُولَ: الزَّرْعُ لَهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ: هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوِلَايَةِ بِالشَّرْطِ؟ فَيَقُولَ: لَا يَصِحُّ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .
стр. 1093
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ: هَلْ يَحِلُّ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؟ فَيَقُولُ: لَا يَجُوزُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ «قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى: هَلْ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَمْ لَا؟ فَيَقُولُ: لَيْسَتْ الْعَصْرَ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ: «صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: هَلْ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ أَمْ لَا؟ فَيَقُولَ: لَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ: هَلْ يَجُوزُ الْوِتْرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَيَقُولَ: لَا يَجُوزُ الْوِتْرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا خَشِيَتْ الصُّبْحَ فَأُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ: هَلْ يُسْجَدُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] ، وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَيَقُولَ: لَا يُسْجَدُ فِيهِمَا، وَقَدْ سَجَدَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَهَا مِنْ فِيهِ فَسَقَطَتْ أَسْنَانُهُ، فَيَقُولَ: لَهُ دِيَتُهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا دِيَةَ لَهُ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ فَخَذَفَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ: هَلْ عَلَيْهِ جُنَاحٌ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ عَلَيْهِ جُنَاحٌ، وَتَلْزَمُهُ دِيَةُ عَيْنِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جُنَاحٌ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ نَاقَةً فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً، فَهَلْ لَهُ رَدُّهَا وَرَدُّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ مَعَهَا أَمْ لَا؟ فَيَقُولَ: لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهَا وَرَدُّ الصَّاعِ مِنْ التَّمْرِ مَعَهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الزَّانِي الْبِكْرِ: هَلْ عَلَيْهِ مَعَ الْجَلْدِ تَغْرِيبٌ؟ فَيَقُولَ: لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» .
وَمِثْلُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الْخَضْرَاوَاتِ: هَلْ فِيهَا زَكَاةٌ؟ فَيَقُولَ: يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا زَكَاةَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ» .
أَوْ يُسْأَلَ عَمَّا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ: هَلْ فِيهِ زَكَاةٌ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» .
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَيَقُولَ: نِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «فَنِكَاحُهَا، بَاطِلٌ، بَاطِلٌ، بَاطِلٌ» .
стр. 1094
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ: هَلْ يَسْتَحِقَّانِ اللَّعْنَةَ؟ فَيَقُولَ: لَا يَسْتَحِقَّانِ اللَّعْنَةَ، «وَقَدْ لَعَنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ وَجْهٍ» .
أَوْ يُسْأَلَ: هَلْ يَجُوزُ إكْمَالُ شَعْبَانِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَيْلَةَ الْإِغْمَاءِ، فَيَقُولَ: لَا يَجُوزُ إكْمَالُهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» .
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ: هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ وَسُكْنَى؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى» .
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ الْإِمَامِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ فَيَقُولَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَقَدْ رَوَى خَمْسَةَ عَشْرَ نَفْسًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» .
أَوْ يُسْأَلَ عَمَّنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ عَنْهُ: هَلْ صَلَاتُهُ مَكْرُوهَةٌ أَوْ [هِيَ] نَاقِصَةٌ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ تُكْرَهُ صَلَاتُهُ أَوْ هِيَ نَاقِصَةٌ، وَرُبَّمَا غَلَا فَقَالَ: بَاطِلَةٌ، وَقَدْ رَوَى بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، عِنْدَ الِافْتِتَاحِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ» بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ لَا مَطْعَنَ فِيهَا.
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ: هَلْ يَجْزِي فِيهِ الرَّشُّ [أَمْ يَجِبُ الْغُسْلُ] ؟ فَيَقُولَ: لَا يَجْزِي [فِيهِ الرَّشُّ] وَصَاحِبُ الشَّرْعِ «يَقُولُ: يُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» وَرَشُّهُ [هُوَ] بِنَفْسِهِ.
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ التَّيَمُّمِ: هَلْ يَكْفِي بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى الْكُوعَيْنِ، فَيَقُولَ: لَا يَكْفِي وَلَا يُجْزِئُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي نَصًّا صَحِيحًا لَا مَدْفَعَ لَهُ.
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ بَيْعِ الرَّطْبِ بِالتَّمْرِ: هَلْ يَجُوزُ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ [يَجُوزُ] ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يُسْأَلَ عَنْهُ فَيَقُولُ: «لَا آذَنُ» .
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ سِتَّةَ عَبِيدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ: هَلْ تَكْمُلُ الْحُرِّيَّةُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُهُ؟ فَيَقُولَ: لَا تَكْمُلُ الْحُرِّيَّةُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، «وَقَدْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَمَّلَ الْحُرِّيَّةَ فِي اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً.» أَوْ يُسْأَلَ عَنْ الْقُرْعَةِ: هَلْ هِيَ جَائِزَةٌ أَمْ بَاطِلَةٌ؟ فَيَقُولَ: لَا، بَلْ هِيَ بَاطِلَةٌ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِالْقُرْعَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ: هَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَمْ لَا [صَلَاةَ] لَهُ؟ وَهَلْ
стр. 1095
يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ لَهُ صَلَاةٌ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ: «لَا صَلَاةَ لَهُ» وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ.
أَوْ يُسْأَلَ: هَلْ لِلرَّجُلِ رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ فَيَقُولَ: نَعَمْ لَهُ رُخْصَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» .
أَوْ يُسْأَلَ عَنْ رَجُلٍ أَسَلَفَ رَجُلًا مَالَهُ وَبَاعَهُ سِلْعَةً: هَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ فَيَقُولَ نَعَمْ يَحِلُّ ذَلِكَ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» .
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الطَّيِّبُ يَشْتَدُّ نَكِيرُهُمْ وَغَضَبُهُمْ عَلَى مَنْ عَارَضَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ اسْتِحْسَانٍ أَوْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيَهْجُرُونَ فَاعِلَ ذَلِكَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَضْرِبُ لَهُ الْأَمْثَالَ، وَلَا يُسَوِّغُونَ غَيْرَ الِانْقِيَادِ لَهُ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّلَقِّي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ التَّوَقُّفُ فِي قَبُولِهِ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ عَمَلٌ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ يُوَافِقَ قَوْلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، بَلْ كَانُوا عَامِلِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وَأَمْثَالُهَا، فَدُفِعْنَا إلَى زَمَانٍ إذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ " ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا " يَقُولُ: مَنْ قَالَ بِهَذَا؟ وَيَجْعَلُ هَذَا دَفْعًا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ، أَوْ يَجْعَلُ جَهْلَهُ بِالْقَائِلِ [بِهِ] حُجَّةً لَهُ فِي مُخَالَفَتِهِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلَوْ نَصَحَ نَفْسَهُ لَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ دَفْعُ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْجَهْلِ، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ عُذْرُهُ فِي جَهْلِهِ؛ إذْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى مُخَالَفَةِ تِلْكَ السُّنَّةِ، وَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إذْ يَنْسُبُهُمْ إلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مُخَالَفَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ عُذْرُهُ فِي دَعْوَى هَذَا الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ جَهْلُهُ وَعَدَمُ عِلْمِهِ بِمَنْ قَالَ بِالْحَدِيثِ، فَعَادَ الْأَمْرُ إلَى تَقْدِيمِ جَهْلِهِ عَلَى السُّنَّةِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَلَا يُعْرَفُ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ أَلْبَتَّةَ قَالَ: لَا نَعْمَلُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَعْرِفَ مَنْ عَمِلَ بِهِ، فَإِنْ جَهِلَ مَنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ مَنْ عَمِلَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْقَائِلُ.
стр. 1096
[إخْرَاجُ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا لِتُوَافِقَ مَذْهَبَ الْمُفْتِي]
لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا لِتُوَافِقَ مَذْهَبَ الْمُفْتِي] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِوُجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ لِمُوَافَقَةِ نِحْلَتِهِ وَهَوَاهُ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمَنْعَ مِنْ الْإِفْتَاءِ وَالْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ قُرْآنٌ أَوْ سَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحَّ الْإِسْنَادُ بِهِ فَهُوَ الْمُنْتَهَى وَالْإِجْمَاعُ أَكْبَرُ مِنْ الْخَبَرِ الْفَرْدِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهِرَهُ أَوْلَاهَا بِهِ، فَإِذَا تَكَافَأَتْ الْأَحَادِيثُ فَأَصَحُّهَا إسْنَادًا أَوْلَاهَا، وَلَيْسَ الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ، مَا عَدَا مُنْقَطِعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ وَلَا يُقَالُ لِأَصْلٍ: لِمَ؟ وَكَيْفَ؟ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْفَرْعِ: لِمَ؟ فَإِذَا صَحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَصْلِ صَحَّ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، رَوَاهُ الْأَصَمُّ عَنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ فِي الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ ": ذَهَبَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ إلَى الِانْكِفَافِ عَنْ التَّأْوِيلِ، وَإِجْرَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَوَارِدِهَا وَتَفْوِيضِ مَعَانِيهَا إلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَاَلَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدَ اتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ؛ فَالْأَوْلَى الِاتِّبَاعُ وَتَرْكُ الِابْتِدَاعِ، وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ حُجَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَهُوَ مُسْتَنَدُ مُعْظَمِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ دَرَجَ صَحْبُ الرَّسُولِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ عَلَى تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَعَانِيهَا وَدَرْكِ مَا فِيهَا، وَهُمْ صَفْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْتَقِلُّونَ بِأَعْبَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا لَا يَأْلُونَ جَهْدًا فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْمِلَّةِ وَالتَّوَاصِي بِحِفْظِهَا، وَتَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ مَسُوغًا أَوْ مَحْتُومًا لَأَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ اهْتِمَامُهُمْ بِهَا فَوْقَ اهْتِمَامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا انْصَرَمَ عَصْرُهُمْ وَعَصْرُ التَّابِعِينَ لَهُمْ عَلَى الْإِضْرَابِ عَنْ التَّأْوِيلِ، كَانَ ذَلِكَ قَاطِعًا بِأَنَّهُ الْوَجْهُ الْمُتَّبَعُ، فَحَقٌّ عَلَى ذِي الدِّينِ أَنْ يَعْتَقِدَ تَنْزِيهَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَلَا يَخُوضُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْكِلَاتِ، وَيَكِلُ مَعْنَاهَا إلَى الرَّبِّ تَعَالَى.
وَعِنْدَ إمَامِ الْقُرَّاءِ وَسَيِّدِهِمْ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] مِنْ الْعَزَائِمِ ثُمَّ الِابْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وَمِمَّا اُسْتُحْسِنَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ
стр. 1097
وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، فَلْتُجْرَ آيَةُ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَمَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ كَخَبَرِ النُّزُولِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: الصَّوَابُ لِلْخَلَفِ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ فِي الْإِيمَانِ الْمُرْسَلِ وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ: الْحَقُّ الِاتِّبَاعُ وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ الظَّاهِرِ رَأْسًا، وَالْحَذَرُ عَنْ اتِّبَاعِ تَأْوِيلَاتٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنْ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إلَى التَّأْوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامّ بُدِّعَ صَاحِبُهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ السَّلَفِ ذِكْرُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّوَاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: كُلُّ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْوِيلَ فِي نَفْسِهِ وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ فَمُخَالَفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالُ تَأْوِيلٍ وَلَوْ بِمَجَازٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانُهُ قَاطِعًا وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبُرْهَانُ يُفِيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ فَهُوَ كُفْرٌ.
قَالَ: وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ السَّلَفِ بِهَذِهِ الْمُجَادَلَاتِ، بَلْ شَدَّدُوا الْقَوْلَ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي الْكَلَامِ، وَيَشْتَغِلُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْكَلَامِ ضَعِيفٌ، وَالْإِيمَانُ الرَّاسِخُ إيمَانُ الْعَوَامّ الْحَاصِلُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي الصِّبَا بِتَوَاتُرِ السَّمَاعِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَرَائِنَ يَتَعَذَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا.
قَالَ: وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْمَعَالِي: يَحْرِصُ الْإِمَامُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى ذَمِّ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُهُ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُضْرَبُونَ وَيُطَافُ بِهِمْ فِي قَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ.
وَقَالَ: لَقَدْ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ، وَقَالَ: لَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ
стр. 1098
بِكُلِّ شَيْءٍ نُهِيَ عَنْهُ غَيْرَ الْكُفْرِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ، وَقَالَ لِحَفْصٍ الْفَرْدِ: أَنَا أُخَالِفُكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَنَا أَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَاَلَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَأَنْتَ تَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ إبْرَاهِيمَ بْنَ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فَقَالَ: أَنَا مُخَالِفٌ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَسْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ، أَنَا أَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَذَاكَ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كَلَامًا أَسْمَعَهُ مُوسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
وَقَالَ فِي أَوَّلِ خُطْبَةِ رِسَالَتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ الْوَاصِفُونَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَتَعَالَى وَيَتَنَزَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ.
وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السِّجْزِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: مَا التَّوْحِيدُ؟ فَقَالَ: تَوْحِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتَوْحِيدُ أَهْلِ الْبَاطِلِ الْخَوْضُ فِي الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَيْف لَا يَخْشَى الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنْ يَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَنْكَرَةِ وَالْمَجَازَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي أَوْلَى مِنْهَا بِالْبَيَانِ وَالْهِدَايَةِ؟ وَهَلْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ وَاَللَّهِ لِكُلِّ وَاصِفٍ كَذِبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ يَأْمَنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هِيَ لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ نَزَّهَ - سُبْحَانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ إلَّا الْمُرْسَلِينَ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَصِفُونَهُ بِمَا أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يَصِفُوهُ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠] وَيَكْفِي الْمُتَأَوِّلِينَ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَمْ يُرِدْهَا، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا كَلَامُ اللَّهِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِرَأْيِهِمْ عَلَى اللَّهِ، وَقَدَّمُوا آرَاءَهُمْ عَلَى نُصُوصِ الْوَحْيِ، وَجَعَلُوهَا عِيَارًا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ عَلِمُوا أَيَّ بَابِ شَرٍّ فَتَحُوا
стр. 1099
عَلَى الْأُمَّةِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَأَيَّ بِنَاءٍ لِلْإِسْلَامِ هَدَمُوا بِهَا، وَأَيَّ مَعَاقِلَ وَحُصُونٍ اسْتَبَاحُوهَا لَكَانَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ صَاحِبِ بَاطِلٍ قَدْ جَعَلَ مَا تَأَوَّلَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ عُذْرًا لَهُ فِيمَا تَأَوَّلَهُ هُوَ، وَقَالَ: مَا الَّذِي حَرَّمَ عَلَيَّ التَّأْوِيلَ وَأَبَاحَهُ لَكُمْ؟ فَتَأَوَّلَتْ الطَّائِفَةُ الْمُنْكِرَةُ لِلْمَعَادِ نُصُوصَ الْمَعَادِ، وَكَانَ تَأْوِيلُهُمْ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلِ مُنْكِرِي الصِّفَاتِ، بَلْ أَقْوَى مِنْهُ لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ يَعْرِفُهَا مَنْ وَازَنَ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ، وَقَالُوا: كَيْفَ نَحْنُ نُعَاقِبُ عَلَى تَأْوِيلِنَا وَتُؤْجَرُونَ أَنْتُمْ عَلَى تَأْوِيلِكُمْ؟ قَالُوا: وَنُصُوصُ الْوَحْيِ بِالصِّفَاتِ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ نُصُوصِهِ بِالْمَعَادِ، وَدَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَيْهَا أَبْيَنُ فَكَيْفَ يَسُوغُ تَأْوِيلُهَا بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا وَلَا يَسُوغُ لَنَا تَأْوِيلُ نُصُوصِ الْمَعَادِ؟ وَكَذَلِكَ فَعَلَتْ الرَّافِضَةُ فِي أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَذَلِكَ فَعَلَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي تَأْوِيلِ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّفَاعَةِ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ فِي نُصُوصِ الْقَدَرِ، وَكَذَلِكَ الْحَرُورِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخَوَارِجِ فِي النُّصُوصِ الَّتِي تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْقَرَامِطَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ طَرَدَتْ الْبَابَ، وَطَمَّثَ الْوَادِي عَلَى الْقَرِيِّ، وَتَأَوَّلَتْ الدِّينَ كُلَّهُ، فَأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِكَلَامِهِ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُرَادُهُ، وَهَلْ اخْتَلَفَتْ الْأُمَمُ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ وَهَلْ وَقَعَتْ فِي الْأُمَّةِ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ فَمِنْ بَابِهِ دَخَلَ إلَيْهَا، وَهَلْ أُرِيقَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ؟ [الْأَدْيَانُ السَّابِقَةُ إنَّمَا فَسَدَتْ بِالتَّأْوِيلِ] وَلَيْسَ هَذَا مُخْتَصًّا بِدِينِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، بَلْ سَائِرُ أَدْيَانِ الرُّسُلِ لَمْ تَزَلْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ حَتَّى دَخَلَهَا التَّأْوِيلُ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْبِشَارَاتُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَكِنْ سَلَّطُوا عَلَيْهَا التَّأْوِيلَاتِ فَأَفْسَدُوهَا، كَمَا أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - عَنْهُمْ مِنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْكِتْمَانِ، فَالتَّحْرِيفُ تَحْرِيفُ الْمَعَانِي بِالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَمْ يُرِدْهَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَا، وَالتَّبْدِيلُ تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَالْكِتْمَانُ جَحْدُهُ.
وَهَذِهِ الْأَدْوَاءُ الثَّلَاثَةُ مِنْهَا غُيِّرَتْ الْأَدْيَانُ وَالْمِلَلُ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ دِينَ الْمَسِيحِ وَجَدْتَ النَّصَارَى إنَّمَا تَطَرَّقُوا إلَى إفْسَادِهِ بِالتَّأْوِيلِ بِمَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ قَطُّ مِثْلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَدْيَانِ، وَدَخَلُوا إلَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ.
وَكَذَلِكَ زَنَادِقَةُ الْأُمَمِ جَمِيعُهُمْ إنَّمَا تَطَرَّقُوا إلَى إفْسَادِ دِيَانَاتِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَمِنْ بَابِهِ دَخَلُوا، وَعَلَى أَسَاسِهِ بَنَوْا، وَعَلَى نُقَطِهِ خَطُّوا.
стр. 1100
دَوَاعِي التَّأْوِيلِ] وَالْمُتَأَوِّلُونَ أَصْنَافٌ عَدِيدَةٌ، بِحَسَبِ الْبَاعِثِ لَهُمْ عَلَى التَّأْوِيلِ، وَبِحَسَبِ قُصُورِ أَفْهَامِهِمْ وَوُفُورِهَا، وَأَعْظَمُهُمْ تَوَغُّلًا فِي التَّأْوِيلِ الْبَاطِلِ مَنْ فَسَدَ قَصْدُهُ وَفَهْمُهُ، فَكُلَّمَا سَاءَ قَصْدُهُ وَقَصُرَ فَهْمُهُ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَشَدَّ انْحِرَافًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ هَوًى مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْحَقِّ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُ أَخْفَتْ عَلَيْهِ الْحَقَّ [وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ هُدًى مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، بَلْ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْحَقِّ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ الْهَوَى فِي الْقَصْدِ وَالشُّبْهَةُ فِي الْعِلْمِ.
[بَعْضُ آثَارِ التَّأْوِيلِ] وَبِالْجُمْلَةِ فَافْتِرَاقُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَافْتِرَاقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً إنَّمَا أَوْجَبَهُ التَّأْوِيلُ، وَإِنَّمَا أُرِيقَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالْحَرَّةِ وَفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهَلُمَّ جَرًّا بِالتَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالنُّصَيْرِيَّةِ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ، فَمَا اُمْتُحِنَ الْإِسْلَامُ بِمِحْنَةٍ قَطُّ إلَّا وَسَبَبُهَا التَّأْوِيلُ؛ فَإِنَّ مِحْنَتَهُ إمَّا مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبُوا مِنْ التَّأْوِيلِ وَخَالَفُوا ظَاهِرَ التَّنْزِيلِ وَتَعَلَّلُوا بِالْأَبَاطِيلِ، فَمَا الَّذِي أَرَاقَ دِمَاءَ بَنِي جَذِيمَةَ وَقَدْ أَسْلَمُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ حَتَّى رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَتَبَرَّأَ إلَى اللَّهِ مِنْ فِعْلِ الْمُتَأَوِّلِ بِقَتْلِهِمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ؟ وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ تَأَخُّرَ الصَّحَابَةِ ﵃ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ مُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ التَّأْوِيلِ حَتَّى اشْتَدَّ غَضَبُهُ لِتَأَخُّرِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ حَتَّى رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي سَفَكَ دَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَأَوْقَعَ الْأُمَّةَ فِيمَا أَوْقَعَهَا فِيهِ حَتَّى الْآنَ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي سَفَكَ دَمَ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِهِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أَرَاقَ دَمَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أَرَاقَ دَمَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَّةِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءُ الْعَرَبِ فِي فِتْنَةِ أَبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي جَرَّدَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بَيْن الْعِقَابَيْنِ وَضُرِبَ السِّيَاطَ حَتَّى عَجَّتْ الْخَلِيقَةُ إلَى رَبِّهَا تَعَالَى غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي قَتَلَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخُزَاعِيَّ وَخَلَّدَ خَلْقًا مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي السُّجُونِ حَتَّى مَاتُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي سَلَّطَ سُيُوفَ التَّتَارِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى رَدُّوا أَهْلَهَا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَهَلْ دَخَلَتْ طَائِفَةُ الْإِلْحَادِ مِنْ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ إلَّا مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ؟ وَهَلْ فُتِحَ بَابُ التَّأْوِيلِ إلَّا مُضَادَّةً وَمُنَاقَضَةً لِحُكْمِ اللَّهِ فِي تَعْلِيمِهِ عِبَادَهُ الْبَيَانَ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْإِنْسَان بِتَعْلِيمِهِ
стр. 1101
إيَّاهُ؛ فَالتَّأْوِيلُ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي وَالْأُغْلُوطَاتِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ، وَهَلْ فَرَّقَ بَيْنَ دَفْعِ حَقَائِقِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ وَأَمَرَتْ بِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا رَدُّ جُحُودٍ وَمُعَانِدَةٍ، وَذَاكَ رَدُّ خِدَاعٍ وَمُصَانَعَةٍ.
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَشْفِ عَنْ مَنَاهِجِ الْأَدِلَّةِ " وَقَدْ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ وَجِنَايَتَهُ عَلَى الشَّرِيعَةِ، إلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَدَلِ وَالْكَلَامِ، وَأَشَدُّ مَا عَرَضَ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا كَثِيرًا مِمَّا ظَنُّوهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالُوا: إنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي صُورَةِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءً لِعِبَادِهِ وَاخْتِبَارًا لَهُمْ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزِ إنَّمَا جَاءَ مُعْجِزًا مِنْ جِهَةِ الْوُضُوحِ وَالْبَيَانِ، فَمَا أَبْعَدُ مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ مَنْ قَالَ فِيمَا لَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ: إنَّهُ مُتَشَابِهٌ، ثُمَّ أَوَّلَ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهَ بِزَعْمِهِ، وَقَالَ لِجَمِيعِ النَّاسِ: إنَّ فَرْضَكُمْ هُوَ اعْتِقَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ، مِثْلُ مَا قَالُوهُ فِي آيَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا قَالُوا: إنَّ ظَاهِرَهُ مُتَشَابِهٌ، ثُمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي زَعَمَ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا الْمَقْصُودُ مِنْ الشَّرْعِ إذَا تَأَمَّلْتَ وَجَدْتَ لَيْسَ يَقُومُ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ.
[مَثَلُ الْمُتَأَوِّلِينَ] إلَى أَنْ قَالَ: وَمِثَالُ مَنْ أَوَّلَ شَيْئًا مِنْ الشَّرْعِ وَزَعَمَ أَنَّ مَا أَوَّلَهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الشَّرْعُ مِثَالُ مَنْ أَتَى إلَى دَوَاءٍ قَدْ رَكَّبَهُ طَبِيبٌ مَاهِرٌ لِيَحْفَظَ صِحَّةَ جَمِيعِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ فَجَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يُلَائِمْهُ ذَلِكَ الدَّوَاءُ الْأَعْظَمُ لِرَدَاءَةِ مِزَاجٍ كَانَ بِهِ لَيْسَ يَعْرِضُ إلَّا لِلْأَقَلِّ مِنْ النَّاسِ، فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِاسْمِهَا الطَّبِيبُ الْأَوَّلُ فِي ذَلِكَ الدَّوَاءِ الْعَامِّ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الْعَامَّ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ فِي اللِّسَانِ أَنْ يُدَلُّ بِذَلِكَ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ دَوَاءً آخَرَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُدَلُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِاسْتِعَارَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأَزَالَ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الْأَوَّلَ مِنْ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ الْأَعْظَمِ، وَجَعَلَ فِيهِ بَدَلَهُ الدَّوَاءَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ قَصَدَهُ الطَّبِيبُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: هَذَا هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ الطَّبِيبُ الْأَوَّلُ، فَاسْتَعْمَلَ النَّاسُ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الْمُرَكَّبَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمُتَأَوِّلُ، فَفَسَدَتْ أَمْزِجَةُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، فَجَاءَ آخَرُونَ فَشَعَرُوا بِفَسَادِ أَمْزِجَةِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ، فَرَامُوا إصْلَاحَهُ بِأَنْ بَدَّلُوا بَعْضَ أَدْوِيَتِهِ بِدَوَاءٍ آخَرَ غَيْرِ الدَّوَاءِ الْأَوَّلِ؛ فَعَرَضَ مِنْ ذَلِكَ لِلنَّاسِ نَوْعٌ مِنْ الْمَرَضِ غَيْرِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَجَاءَ ثَالِثٌ فَتَأَوَّلَ مِنْ أَدْوِيَةِ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ غَيْرَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَعَرَضَ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ نَوْعٌ ثَالِثٌ مِنْ الْمَرَضِ غَيْرُ النَّوْعَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، فَجَاءَ مُتَأَوِّلٌ رَابِعٌ فَتَأَوَّلَ دَوَاءً آخَرَ غَيْرَ الْأَدْوِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَعَرَضَ مِنْهُ لِلنَّاسِ نَوْعٌ رَابِعٌ مِنْ الْمَرَضِ غَيْرُ الْأَمْرَاضِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ بِهَذَا
стр. 1102
الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ الْأَعْظَمِ، وَسَلَّطَ النَّاسُ التَّأْوِيلَ عَلَى أَدْوِيَتِهِ، وَغَيَّرُوهَا وَبَدَّلُوهَا عَرَضَ مِنْهُ لِلنَّاسِ أَمْرَاضٌ شَتَّى، حَتَّى فَسَدَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِذَلِكَ الدَّوَاءِ الْمُرَكَّبِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَهَذِهِ هِيَ حَالَةِ الْفِرَقِ الْحَادِثَةِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَعَ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تَأَوَّلَتْ غَيْرَ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَتْهُ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى، وَزَعَمَتْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ حَتَّى تَمَزَّقَ الشَّرْعُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَبَعُدَ جِدًّا عَنْ مَوْضُوعِ الْأَوَّلِ، وَلَمَّا عَلِمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَعْرِضُ، وَلَا بُدَّ فِي شَرِيعَتِهِ قَالَ ﷺ : «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إلَّا وَاحِدَةً» يَعْنِي بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي سَلَكَتْ ظَاهِرَ الشَّرْعِ وَلَمْ تُؤَوِّلْهُ.
وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْتَ مَا عَرَضَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ الْفَسَادِ الْعَارِضِ فِيهَا مِنْ قِبَلِ التَّأْوِيلِ تَبَيَّنْتَ أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ صَحِيحٌ.
وَأَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ هَذَا الدَّوَاءَ الْأَعْظَمَ هُمْ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الْأَشْعَرِيَّةُ، ثُمَّ الصُّوفِيَّةُ، ثُمَّ جَاءَ أَبُو حَامِدٍ فَطَمَّ الْوَادِي عَلَى الْقُرَى، هَذَا كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا نَسْتَوْعِبُ مَا جَنَاهُ التَّأْوِيلُ عَلَى الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَمَا نَالَ الْأُمَمَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِسَبَبِهِ مِنْ الْفَسَادِ لَاسْتَدْعَى ذَلِكَ عِدَّةَ أَسْفَارٍ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[لَا يُعْمَلُ بِالْفَتْوَى حَتَّى يَطْمَئِنَّ لَهَا قَلْبُ الْمُسْتَفْتِي]
[لَا يُعْمَلُ بِالْفَتْوَى حَتَّى يَطْمَئِنَّ لَهَا قَلْبُ الْمُسْتَفْتِي] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمُجَرَّدِ فَتْوَى الْمُفْتِي إذَا لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ، وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ مِنْ قَبُولِهِ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ نَفْسَهُ أَوَّلًا، وَلَا تُخَلِّصُهُ فَتْوَى الْمُفْتِي مِنْ اللَّهِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا أَفْتَاهُ، كَمَا لَا يَنْفَعُهُ قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذُهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا يَظُنُّ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ مُجَرَّدَ فَتْوَى الْفَقِيهِ تُبِيحُ لَهُ مَا سَأَلَ عَنْهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ فِي الْبَاطِنِ، سَوَاءٌ تَرَدَّدَ أَوْ حَاكَ فِي صَدْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ فِي الْبَاطِنِ، أَوْ لِشَكِّهِ فِيهِ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ جَهْلَ الْمُفْتِي أَوْ مُحَابَاتِهِ فِي فَتْوَاهُ أَوْ عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَتْوَى بِالْحِيَلِ وَالرُّخَصِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الثِّقَةِ بِفَتْوَاهُ وَسُكُونِ النَّفْسِ إلَيْهَا؛ فَإِنْ كَانَ عَدَمُ الثِّقَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ لِأَجْلِ الْمُفْتِي يَسْأَلُ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يُكَلِّفْ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَالْوَاجِبُ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مُفْتِيَانِ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ مِنْ الْآخَرِ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ الْمَفْضُولِ مَعَ
стр. 1103
وُجُودِ الْفَاضِلِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ؛ فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ، فَوُجُودُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ كَالشَّاهِدِ، وَمَنْ مَنَعَ اسْتِفْتَاءَهُ قَالَ: الْمَقْصُودُ حُصُولُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْإِصَابَةُ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ أَقْوَى فَيَتَعَيَّنُ، وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بِأَنَّ الْمَفْضُولَ إنْ تَرَجَّحَ بِدِيَانَةٍ أَوْ وَرَعٍ أَوْ تَحَرٍّ لِلصَّوَابِ، وَعُدِمَ ذَلِكَ الْفَاضِلُ فَاسْتِفْتَاءُ الْمَفْضُولِ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَاسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[التُّرْجُمَانُ عِنْدَ الْمُفْتِي]
[التُّرْجُمَانُ عِنْدَ الْمُفْتِي] الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي لِسَانَ السَّائِلِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُسْتَفْتِي لِسَانَ الْمُفْتِي أَجْزَأَ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدٍ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ [وَالطِّبِّ] وَطَرْدُ هَذَا الِاكْتِفَاءِ بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالرِّسَالَةِ، وَالدَّعْوَى، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ، وَالتَّعْرِيفِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ إجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الْخَبَرِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُقْبَلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ، إجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الشَّهَادَةِ، وَسُلُوكًا بِهَا سَبِيلَهَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْإِقْرَارَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَتُثْبِتُ عَدَالَةَ الشُّهُودِ وَجَرْحَهُمْ، فَافْتَقَرَتْ إلَى الْعَدَدِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى وَالسُّؤَالِ؛ فَإِنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ، فَافْتَرَقَا.
[مَا يَصْنَعُ الْمُفْتِي فِي جَوَابِ سُؤَالٍ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ صُوَرٍ]
[مَا يَصْنَعُ الْمُفْتِي فِي جَوَابِ سُؤَالٍ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ صُوَرٍ] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمِلًا لِصُوَرٍ عَدِيدَةٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُفْتِي الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا لَمْ يُجِبْ عَنْ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَإِنْ عَلِمَ الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا فَلَهُ أَنْ يَخُصَّهَا بِالْجَوَابِ، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ غَيْرِهَا فَيَقُولَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا؛ فَالْجَوَابُ كَذَا وَكَذَا، وَلَهُ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ صُورَةٍ بِجَوَابٍ؛ فَيُفَصِّلُ الْأَقْسَامَ الْمُحْتَمَلَةَ، وَيَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى تَعْلِيمِ الْحِيَلِ، وَفَتْحُ بَابٍ لِدُخُولِ الْمُسْتَفْتِي وَخُرُوجِهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، الثَّانِي: أَنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِحَامِ أَحْكَامِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عَلَى فَهْمِ الْعَامِّيِّ فَيَضِيعُ مَقْصُودُهُ.
وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ؛ فَيُكْرَهُ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ - بَلْ يُسْتَحَبُّ - إذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ وَبَيَانٍ وَإِزَالَةُ لَبْسٍ، «وَقَدْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَجْوِبَتِهِ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ كَذَا فَالْأَمْرُ كَذَا، كَقَوْلِهِ فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ
стр. 1104
لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا» : وَهَذَا كَثِيرٌ فِي فَتَاوِيهِ ﷺ ] .
[يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ حَذِرًا]] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ: وَهِيَ مِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ: إنْ رَأَى الْمُفْتِي خِلَالَ السُّطُورِ بَيَاضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ، فَرُبَّمَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ، فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَخُطَّ عَلَى الْبَيَاضِ أَوْ يَشْغَلَهُ بِشَيْءٍ، كَمَا يَحْتَرِزُ مِنْهُ كُتَّابُ الْوَثَائِقِ وَالْمَكَاتِيبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلْيَكُنْ حَذِرًا فَطِنًا، وَلَا يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَهَذَا الَّذِي حَمَلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُقَيِّدُ السُّؤَالَ عِنْدَهُ فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يُجِيبُ فِي وَرَقَةِ السَّائِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ السُّؤَالَ فِي وَرَقَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالْعَادَةِ.
[وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ يَثِقُ بِهِ] الْفَائِدَةُ السِّتُّونَ: إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، وَلَا يَسْتَقِلَّ بِالْجَوَابِ، ذَهَابًا بِنَفْسِهِ وَارْتِفَاعًا بِهَا، أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى الْفَتَاوَى بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا مِنْ الْجَهْلِ، فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ أَمْرَهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» وَقَدْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ تَنْزِلُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَيَسْتَشِيرُ لَهَا مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرُبَّمَا جَمَعَهُمْ وَشَاوَرَهُمْ، حَتَّى كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ وَهُوَ إذْ ذَاكَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، وَكَانَ يُشَاوِرُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهَ وَجْهَهُ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَغَيْرَهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلَا سِيَّمَا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَمْرِينَ أَصْحَابِهِ وَتَعْلِيمَهُمْ، وَشَحْذَ أَذْهَانِهِمْ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " بَابُ إلْقَاءِ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ " وَأَوْلَى مَا أَلْقَى عَلَيْهِمْ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا، هَذَا مَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ مِنْ إفْشَاءِ سِرِّ السَّائِلِ أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلْأَذَى، أَوْ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْتَكِبَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عَابِرِ الرُّؤْيَا، فَالْمُفْتِي وَالْمُعَبِّرُ وَالطَّيِّبِ يَطَّلِعُونَ مِنْ أَسْرَارِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ؛ فَعَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُ السَّتْرِ فِيمَا لَا يَحْسُنُ إظْهَارُهُ.
[يَجْمُلُ بِالْمُفْتِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ بِالتَّوْفِيقِ] الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ: حَقِيقٌ بِالْمُفْتِي أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ
стр. 1105
بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» وَكَانَ شَيْخُنَا كَثِيرَ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ، وَكَانَ إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ يَقُولُ " يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي " وَيُكْثِرُ الِاسْتِعَانَةَ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ حَيْثُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ رَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَا كُنْتُ أُصِيبُهَا مِنْكَ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أَتَعَلَّمُهُمَا مِنْكَ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: إنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا، مَنْ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا، اُطْلُبْ الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَذَكَرَ الرَّابِعَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ هَؤُلَاءِ فَسَائِرُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَنْهُ أَعْجَزُ، فَعَلَيْكَ بِمُعَلِّمِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه.
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
وَكَانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦] ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨] وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَفِّقْنِي وَاهْدِنِي وَسَدِّدْنِي وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ الصَّوَابِ وَالثَّوَابِ وَأَعِذْنِي مِنْ الْخَطَأِ وَالْحِرْمَانِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَجَرَّبْنَا نَحْنُ ذَلِكَ فَرَأَيْنَاهُ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِصَابَةِ.
وَالْمُعَوِّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ، وَخُلُوصِ الْقَصْدِ، وَصِدْقِ التَّوَجُّهِ فِي الِاسْتِمْدَادِ مِنْ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ مُعَلَّمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مَنْ صَدَقَ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لِتَبْلِيغِ دِينِهِ وَإِرْشَادِ عَبِيدِهِ وَنَصِيحَتِهِمْ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ، فَإِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَرَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرًا إنْ فَاتَهُ أَجْرَانِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَقِيلَ لَهُ: رُبَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْنَا الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِكَ، فَلِمَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: سَلُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُوَفَّقَ لِلصَّوَابِ.
وَاقْتَدَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: اقْتَرِبُوا مِنْ أَفْوَاهِ الْمُطِيعِينَ وَاسْمَعُوا مِنْهُمْ مَا يَقُولُونَ؛ فَإِنَّهُمْ تُجْلَى لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ، وَذَلِكَ لِقُرْبِ قُلُوبِهِمْ مِنْ اللَّهِ، وَكُلَّمَا قَرُبَ الْقَلْبُ مِنْ اللَّهِ زَالَتْ عَنْهُ مُعَارَضَاتُ السُّوءِ، وَكَانَ نُورُ كَشْفِهِ لِلْحَقِّ أَتَمَّ وَأَقْوَى، وَكُلَّمَا بَعُدَ عَنْ اللَّهِ كَثُرَتْ عَلَيْهِ
стр. 1106
الْمُعَارَضَاتُ، وَضَعُفَ نُورُ كَشْفِهِ لِلصَّوَابِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ.
وَقَالَ مَالِكٌ لِلشَّافِعِيِّ ﵄ فِي أَوَّلِ مَا لَقِيَهُ: إنِّي أَرَى اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا فَلَا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وَمِنْ الْفُرْقَانِ النُّورُ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَكُلَّمَا كَانَ قَلْبُهُ أَقْرَبَ إلَى اللَّهِ كَانَ فُرْقَانُهُ أَتَمَّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[لَا يَسَعُ الْمُفْتِيَ أَنْ يَجْعَلَ غَرَضَ السَّائِلِ سَائِقَ حُكْمِهِ]
[لَا يَسَعُ الْمُفْتِيَ أَنْ يَجْعَلَ غَرَضَ السَّائِلِ سَائِقَ حُكْمِهِ] الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ: قَدْ تَكَرَّرَ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِفْتَاءِ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يُفْتُونَ بِهَا مِمَّا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ إذَا خَالَفَ غَرَضَ السَّائِلِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَسْأَلُهُ عَنْ غَرَضِهِ، فَإِنْ صَادَفَهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ، وَإِلَّا دَلَّهُ عَلَى مُفْتٍ أَوْ مَذْهَبٍ يَكُونُ غَرَضُهُ عِنْدَهُ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ أَوْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّاتِ الَّتِي فِيهَا نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسَعْ الْمُفْتِيَ تَرْكُهُ إلَى غَرَضِ السَّائِلِ، بَلْ لَا يَسَعُهُ تَوَقُّفُهُ فِي الْإِفْتَاءِ بِهِ عَلَى غَرَضِ السَّائِلِ، بَلْ ذَلِكَ إثْمٌ عَظِيمٌ، وَكَيْفَ يَسَعُهُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُقَدِّمَ غَرَضَ السَّائِلِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي يَتَجَاذَبُ أَعِنَّتَهَا الْأَقْوَالُ وَالْأَقْيِسَةُ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ قَوْلٌ مِنْهَا لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَتَرَجَّحَ لِغَرَضِ السَّائِلِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ لَهُ قَوْلٌ مِنْهَا وَظَنَّ أَنَّهُ الْحَقُّ فَأَوْلَى بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ السَّائِلَ إنَّمَا يَسْأَلُ عَمَّا يَلْزَمُهُ فِي الْحُكْمِ وَيَسَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ عَرَّفَهُ الْمُفْتِي أَفْتَاهُ بِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ غَرَضَهُ أَوْ خَالَفَهُ، وَلَا يَسَعُهُ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا عَلِمَ أَنَّ السَّائِلَ يَدُورُ عَلَى مَنْ يُفْتِيهِ بِغَرَضِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَيَجْعَلُ اسْتِفْتَاءَهُ تَنْفِيذًا لِغَرَضِهِ، لَا تَعَبُّدًا لِلَّهِ بِأَدَاءِ حَقِّهِ، وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى غَرَضِهِ أَيْنَ كَانَ، بَلْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَفْتُونَ دِيَانَةً، وَإِنَّمَا يَسْتَفْتُونَ تَوَصُّلًا إلَى حُصُولِ أَغْرَاضِهِمْ بِأَيِّ طَرِيقٍ اتَّفَقَ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي مُسَاعَدَتَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ الْحَقَّ، بَلْ يُرِيدُونَ أَغْرَاضَهُمْ بِأَيِّ طَرِيقٍ وَافَقَ، وَلِهَذَا إذَا وَجَدُوا أَغْرَاضَهُمْ فِي أَيِّ مَذْهَبٍ اتَّفَقَ اتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَتَمَذْهَبُوا بِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَرْبَابُ الْخُصُومَاتِ بِالدَّعَاوَى عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَلَا يَقْصِدُ أَحَدُهُمْ حَاكِمًا بِعَيْنِهِ، بَلْ أَيُّ حَاكِمٍ نَفَذَ غَرَضُهُ عِنْدَهُ صَارَ إلَيْهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا ﵀ مَرَّةً: أَنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ إفْتَاءِ هَؤُلَاءِ وَتَرْكِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَفْتُونَ لِلدِّينِ، بَلْ لِوُصُولِهِمْ إلَى أَغْرَاضِهِمْ حَيْثُ كَانَتْ، وَلَوْ وَجَدُوهَا عِنْدَ غَيْرِي لَمْ يَجِيئُوا إلَيَّ،
стр. 1107
بِخِلَافِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي حَقِّ مَنْ جَاءَهُ يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ لِأَجْلِ غَرَضِهِ لَا لِالْتِزَامِهِ لِدِينِهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢] فَهَؤُلَاءِ لَمَّا لَمْ يَلْتَزِمُوا دِينَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ذِكْرُ المفتى الْفَتْوَى مَعَ دَلِيلِهَا]
[ذِكْرُ الْفَتْوَى مَعَ دَلِيلِهَا أَوْلَى] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ: عَابَ بَعْضُ النَّاسِ ذِكْرَ الِاسْتِدْلَالِ فِي الْفَتْوَى، وَهَذَا الْعَيْبُ أَوْلَى بِالْعَيْبِ، بَلْ جَمَالُ الْفَتْوَى وَرُوحُهَا هُوَ الدَّلِيلُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ عَيْبًا؟ وَهَلْ ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا طِرَازُ الْفَتَاوَى؟ وَقَوْلُ الْمُفْتِي لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْأَخْذِ بِهِ، فَإِذَا ذُكِرَ الدَّلِيلُ فَقَدْ حَرُمَ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يُخَالِفَهُ، وَبَرِئَ هُوَ مِنْ عُهْدَةِ الْفَتْوَى بِلَا عِلْمٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَضْرِبُ لَهَا الْأَمْثَالَ وَيُشَبِّهُهَا بِنَظَائِرِهَا، هَذَا وَقَوْلُهُ وَحْدَهُ حُجَّةٌ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ بِحُجَّةٍ وَلَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ؟ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ وَأَعْلَاهَا أَنْ يَسُوغَ لَهُ قَبُولَ قَوْلِهِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَسُوغَ بِلَا حُجَّةٍ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَفْتَى بِالْحُجَّةِ نَفْسِهَا، فَيَقُولُ: قَالَ اللَّهُ كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا، فَيَشْفِي السَّائِلَ، وَيَبْلُغُ الْقَائِلُ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي فَتَاوِيهِمْ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا، ثُمَّ جَاءَ التَّابِعُونَ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ، وَعِلْمُهُ يَأْبَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَا حُجَّةٍ، وَالسَّائِلُ يَأْبَى قَبُولَ قَوْلِهِ بِلَا دَلِيلٍ.
ثُمَّ طَالَ الْأَمَدُ وَبَعُدَ الْعَهْدُ بِالْعِلْمِ، وَتَقَاصَرَتْ الْهِمَمُ إلَى أَنْ صَارَ بَعْضُهُمْ يُجِيبُ بِنَعَمْ أَوْ لَا فَقَطْ، وَلَا يَذْكُرُ لِلْجَوَابِ دَلِيلًا وَلَا مَأْخَذًا، وَيَعْتَرِفُ بِقُصُورِهِ وَفَضْلِ مَنْ يُفْتِي بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ نَزَلْنَا دَرَجَةً أُخْرَى إلَى أَنْ وَصَلَتْ الْفَتْوَى إلَى عَيْبِ مَنْ يُفْتِي بِالدَّلِيلِ وَذَمِّهِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُحْدِثَ لِلنَّاسِ طَبَقَةً أُخْرَى لَا يُدْرَى مَا حَالُهُمْ فِي الْفَتَاوَى، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[هَلْ يُقَلِّد الْمُفْتِي الْمَيِّتَ إذًا عَلِمَ عَدَالَتَهُ]
[هَلْ يُقَلِّدُ الْمُفْتِي الْمَيِّتَ إذًا عَلِمَ عَدَالَتَهُ؟] الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ إذَا عَلِمَ عَدَالَتَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ الْحَيَّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا، وَلَوْ بَطَلَتْ بِمَوْتِهِمْ لَبَطَلَ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْفِقْهِ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ، وَلَمْ يَسُغْ لَهُمْ تَقْلِيدُهُمْ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأَيْضًا لَوْ بَطَلَتْ أَقْوَالُهُمْ بِمَوْتِهِمْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاعِ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ
стр. 1108
بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا تَبْطُلُ رِوَايَتُهُ بِمَوْتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُفْتِي لَا تَبْطُلُ فَتْوَاهُ بِمَوْتِهِ، وَمَنْ قَالَ: تَبْطُلُ فَتْوَاهُ بِمَوْتِهِ قَالَ: أَهْلِيَّتُهُ زَالَتْ بِمَوْتِهِ، وَلَوْ عَاشَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ، وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُفْتِي أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنْ مَاتَ الْمُفْتِي قَبْلَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي فَلَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَقِيلَ: لَا يَعْمَلُ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ فَهَلْ يَسْتَفْتِي مِنْ جَدِيدٍ]
[إذَا تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ فَهَلْ يَسْتَفْتِي مِنْ جَدِيدٍ؟] الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ: إذَا اسْتَفْتَاهُ عَنْ حُكْمِ حَادِثَةٍ فَأَفْتَاهُ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِتِلْكَ الْفَتْوَى الْأُولَى أَمْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِفْتَاءُ مَرَّةً ثَانِيَةً؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، فَمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ قَالَ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْفَتْوَى وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَيُّرُ اجْتِهَادِهِ، كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِفْتَاءِ وَإِنْ جَازَ تَغَيُّرُ اجْتِهَادِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بَقَاءِ الْمُفْتِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَكُونَ الْمُسْتَفْتِي قَدْ عَمِلَ بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ، وَلِهَذَا رَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلِ الْحَيِّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلِيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ
[هَلْ يَلْزَمُ اسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ إذَا تعدد الْمَفْتُون]
[هَلْ يَلْزَمُ اسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ؟] الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وَيَسْأَلَ الْأَعْلَمَ وَالْأَدْيَنَ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ كَمَا سَبَقَ، وَبَيَّنَّا مَأْخَذَهُمَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ - تَعَالَى - الْمَأْمُورِ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُفْتِيَانِ أَحَدُهُمَا أَوَرَعُ، وَالْآخَرُ أَعْلَمُ فَأَيُّهُمَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبُ سَبَقَ تَوْجِيهُهَا.
[هَلْ يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَة أُمّ لَا]
وَهَلْ يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: [هَلْ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؟] أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ إذْ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَّةِ فَيُقَلِّدَهُ دِينَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ انْطَوَتْ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ مُبَرَّأَةً مُبَرَّأَ أَهْلِهَا مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ، بَلْ لَا يَصِحُّ لِلْعَامِّيِّ مَذْهَبٌ وَلَوْ تَمَذْهَبَ بِهِ؛ فَالْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ نَوْعُ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِالْمَذَاهِبِ عَلَى حَسْبِهِ، أَوْ لِمَنْ قَرَأَ كِتَابًا فِي فُرُوعِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَعَرَفَ فَتَاوَى إمَامِهِ وَأَقْوَالَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِذَلِكَ أَلْبَتَّةَ بَلْ قَالَ: أَنَا شَافِعِيٌّ، أَوْ
стр. 1109
حَنْبَلِيٌّ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا فَقِيهٌ، أَوْ نَحْوِيٌّ، أَوْ كَاتِبٌ، لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْقَائِلَ إنَّهُ شَافِعِيٌّ أَوْ مَالِكِيٌّ أَوْ حَنَفِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِذَلِكَ الْإِمَامِ، سَالِكٌ طَرِيقَهُ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَهُ إذَا سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَأَمَّا مَعَ جَهْلِهِ وَبُعْدِهِ جِدًّا عَنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ وَعِلْمِهِ وَطَرِيقِهِ فَكَيْف يَصِحُّ لَهُ الِانْتِسَابُ إلَيْهِ إلَّا بِالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ وَالْقَوْلِ الْفَارِغِ مِنْ كُلِّ مَعْنًى؟ وَالْعَامِّيُّ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِحَّ لَهُ مَذْهَبٌ، وَلَوْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا قَطُّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَّةِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ أَقْوَالَهُ كُلَّهَا وَيَدْعُ أَقْوَالَ غَيْرِهِ.
وَهَذِهِ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ حَدَثَتْ فِي الْأُمَّةِ، لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ أَعْلَى رُتْبَةً وَأَجَلُّ قَدْرًا وَأَعْلَمُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَنْ يُلْزِمُوا النَّاسَ بِذَلِكَ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ عَالِمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ، مَاتَتْ مَذَاهِبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَذَاهِبُ التَّابِعِينَ وَتَابِعَيْهِمْ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَطَلَتْ جُمْلَةٌ إلَّا مَذَاهِبَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ فَقَطْ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَهَلْ قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ كَلَامِهِ عَلَيْهِ؟ وَاَلَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى وَرَسُولُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَخْتَلِفُ الْوَاجِبُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّتُهُ أَوْ قَدْرُهُ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَالِ فَذَلِكَ أَيْضًا تَابِعٌ لِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَنْ صَحَّحَ لِلْعَامِّيِّ مَذْهَبًا قَالَ: هُوَ قَدْ اعْتَقَدَ أَنْ هَذَا الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ لَوْ صَحَّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ اسْتِفْتَاءِ أَهْلِ غَيْرِ الْمَذْهَبِ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ، وَتَحْرِيمُ تَمَذْهُبِهِ بِمَذْهَبِ نَظِيرِ إمَامِهِ أَوْ أَرْجَحَ مِنْهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي يَدُلُّ فَسَادُهَا عَلَى فَسَادِ مَلْزُومَاتِهَا، بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا رَأَى نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَوْلَ خُلَفَائِهِ الْأَرْبَعَةَ مَعَ غَيْرِ إمَامِهِ أَنْ يَتْرُكَ النَّصَّ وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَيُقَدِّمَ عَلَيْهَا قَوْلَ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِحَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ، بَلْ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ حِجَازِيًّا
стр. 1110
كَانَ أَوْ عِرَاقِيًّا أَوْ شَامِيًّا أَوْ مِصْرِيًّا أَوْ يَمَنِيًّا، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ التَّقَيُّدُ بِقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ إذَا وَافَقَتْ الْقِرَاءَةُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ وَصَحَّتْ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَصَحَّ سَنَدُهَا جَازَتْ الْقِرَاءَةُ بِهَا وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهَا اتِّفَاقًا، بَلْ لَوْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ جَازَتْ الْقِرَاءَةُ بِهَا وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهَا عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ، وَالثَّانِي تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا، وَهَاتَانِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالثَّالِثُ: إنْ قَرَأَ بِهَا فِي رُكْنٍ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِفَرْضِهِ، وَإِنْ قَرَأَ بِهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ مُبْطِلَةً، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْإِتْيَانُ بِالرُّكْنِ فِي الْأَوَّلِ وَلَا الْإِتْيَانُ بِالْمُبْطِلِ فِي الثَّانِي، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ وَأَخْذَ غَرَضِهِ مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ وَجَدَهُ فِيهِ، بَلْ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْحَقِّ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
[مَا الْحُكْمِ إذَا اخْتَلَفَ مُفْتِيَانِ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: فَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُفْتِيَانِ فَأَكْثَرُ، فَهَلْ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْأَقْوَالِ، أَوْ بِأَخَفِّهَا، أَوْ يَتَخَيَّرُ، أَوْ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ أَوْ الْأَوْرَعِ، أَوْ يَعْدِلُ إلَى مُفْتٍ آخَرَ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُوَافِقُ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ فَيَعْمَلُ بِالْفَتْوَى الَّتِي يُوَقِّعُ عَلَيْهَا، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَبْحَثَ عَنْ الرَّاجِحِ بِحَسَبِهِ؟ فِيهِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ، أَرْجَحُهَا السَّابِعُ؛ فَيَعْمَلُ كَمَا يَعْمَلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطَّبِيبَيْنِ أَوْ الْمُشِيرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي]
[هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي؟] الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ: إذَا اسْتَفْتَى فَأَفْتَاهُ الْمُفْتِي، فَهَلْ تَصِيرُ فَتْوَاهُ مُوجِبَةً عَلَى الْمُسْتَفْتِي الْعَمَلَ بِهَا بِحَيْثُ يَكُونُ عَاصِيًا إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَوْ لَا يُوجَبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَهُ هُوَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ التَّرْكُ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِحَّةُ فَتْوَاهُ وَأَنَّهَا حَقٌّ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِفُتْيَاهُ؛ فَإِنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ وَتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَاعَ، وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَطَاعُ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ مُفْتِيًا آخَرَ فَإِنْ وَافَقَ الْأَوَّلَ فَأَبْلَغُ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَإِنْ اسْتَبَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ الصَّوَابُ فَهَلْ يَتَوَقَّفُ، أَوْ يَأْخُذُ بِالْأَحْوَطِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ، أَوْ يَأْخُذُ بِالْأَسْهَلِ؛ فِيهِ وُجُوهٌ تَقَدَّمَتْ.
[الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ]
[الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ] الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالسِّتُّونَ: يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ
стр. 1111
إذَا عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ مَنْ يَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ قَبُولُ قَوْلِ الرَّسُولِ إنَّ هَذَا خَطُّهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَالْعُرْفِ، وَكَذَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الرَّجُلِ عَلَى مَا يَجِدُهُ مِنْ كِتَابَةِ الْوَقْفِ عَلَى كِتَابٍ أَوْ رِبَاطٍ، أَوْ خَانٍ أَوْ نَحْوَهُ فَيَدْخُلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يَجِدُهُ بِخَطِّ أَبِيهِ فِي بَرْنَامَجِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَيَحْلِفُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الزَّوْجِ أَنَّهُ أَبَانَهَا فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِنَاءً عَلَى الْخَطِّ، وَكَذَا الْوَصِيُّ وَالْوَارِثُ يَعْتَمِدُ عَلَى خَطِّ الْمُوصِي فَيُنَفِّذُ مَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ، وَكَذَا إذَا كَتَبَ الرَّاوِي إلَى غَيْرِهِ حَدِيثًا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ وَيَعْمَلَ بِهِ، وَيَرْوِيَهُ بِنَاءً عَلَى الْخَطِّ إذَا تَيَقَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ، هَذَا عَمَلُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ عَهْدِ نَبِيِّنَا ﷺ وَإِلَى الْآنَ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَبَالَغَ فِي إنْكَارِهِ، لَيْسَ مَعَهُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ إلَّا مُجَرَّدُ كِتَابٍ قِيلَ: إنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ، فَهُوَ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي وَيُحِلُّ وَيُحَرِّمُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُ كُتُبَهُ إلَى الْمُلُوكِ وَإِلَى الْأُمَمِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَتَقُومُ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِكِتَابِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ]
[مَا الْعَمَلُ إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ] الْفَائِدَةُ السَّبْعُونَ: إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا بِالْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمُ أَمْ لَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ فَتَاوَى الْأَئِمَّةِ وَأَجْوِبَتُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ حَوَادِثَ لَمْ تَقَعْ قَبْلَهُمْ فَيَجْتَهِدُونَ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَهَذَا يَعُمُّ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ قَوْلَ مَنْ قَبْلَهُ وَمَا عَرَفَ فِيهِ أَقْوَالًا وَاجْتَهَدَ فِي الصَّوَابِ مِنْهَا، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ وَاخْتِلَافِ الْحَوَادِثِ، وَمَنْ لَهُ مُبَاشَرَةٌ لِفَتَاوَى النَّاسِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْقُولَ، وَإِنْ اتَّسَعَ غَايَةَ الِاتِّسَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَفِي بِوَقَائِعِ الْعَالَمِ جَمِيعًا، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْتَ الْوَقَائِعَ رَأَيْتَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً وَاقِعَةً وَهِيَ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهَا كَلَامٌ لِأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَلَا لِأَتْبَاعِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ، وَلَا الْحُكْمُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَظْفَرَ فِيهَا بِقَائِلٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِبَعْضِ، أَصْحَابِهِ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ.
стр. 1112
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَمَلِ، وَشِدَّةِ
الْحَاجَةِ
إلَيْهَا، وَسُهُولَةِ خَطَرِهَا، وَلَا يَجُوزُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ.
وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ - بَلْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَجِبُ - عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ، فَإِنْ عُدِمَ الْأَمْرَانِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ احْتَمَلَ الْجَوَازَ، وَالْمَنْعَ، وَالتَّفْصِيلَ، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ دُونَ عَدَمِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصَلِّ مِنْ فَتَاوَى إمَامِ الْمُفْتِينَ]
[فَصْلٌ: فَتَاوَى فِي مَسَائِلَ مِنْ الْعَقِيدَةِ]
فَصْلٌ:
وَلْنَخْتِمْ الْكِتَابَ بِذِكْرِ فُصُولٍ يَسِيرٍ قَدْرُهَا، عَظِيمٍ أَمْرُهَا، مِنْ فَتَاوَى إمَامِ الْمُفْتِينَ، وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، تَكُونُ رُوحًا لِهَذَا الْكِتَابِ، وَرَقْمًا عَلَى جُلَّةِ هَذَا التَّأْلِيفِ.
[فَتَاوَى فِي مَسَائِلَ مِنْ الْعَقِيدَةِ] فَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ ﵎، فَقَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ صَحْوًا فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ: كَيْفَ نَرَاهُ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ، وَهُوَ وَاحِدٌ؟ فَقَالَ أُنَبِّئُكُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، وَلَعَمْرُ إلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ، وَمَا يَعْمَلُ النَّاسُ فِيهِ، أَمْرٌ قَدْ قُضِيَ وَفُرِغَ مِنْهُ أَمْ أَمْرٌ يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ بَلْ أَمْرٌ قَدْ قُضِيَ وَفُرِغَ مِنْهُ فَسُئِلَ حِينَئِذٍ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] إلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَكْتُمُهُ النَّاسُ فِي ضَمَائِرِهِمْ، هَلْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ نَعَمْ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ: كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
стр. 1113
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَبْدَأِ تَخْلِيقِ هَذَا الْعَالَمِ، فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ: كَانَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَصَحَّ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ؟ فَقَالَ عَلَى الصِّرَاطِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، فَسُئِلَ: مَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إجَازَةً، فَقَالَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ فَإِنَّ الظُّلْمَةَ أَوَّلُ الصِّرَاطِ؛ فَهُنَاكَ مَبْدَأُ التَّبْدِيلِ، وَتَمَامُهُ وَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ ذَلِكَ الْعَرْضُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَوَّلِ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ فَسُئِلَ ﷺ : مَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرِهِ؟ فَقَالَ يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا فَسُئِلَ ﷺ : مَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ فِيهَا؟ فَقَالَ مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ رَأَيْت رَبَّك؟ فَقَالَ نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، فَذَكَرَ الْجَوَازَ وَنَبَّهَ عَلَى الْمَانِعِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ النُّورُ الَّذِي هُوَ حِجَابُ الرَّبِّ تَعَالَى الَّذِي لَوْ كَشَفَهُ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَجْمَعُنَا رَبُّنَا بَعْدَمَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ أُنَبِّئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ فَقَالَتْ: لَا تُحْيِي أَبَدًا، ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ عَلَيْهَا السَّمَاءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إلَّا أَيَّامًا، ثُمَّ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَمْرُ إلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا إذَا لَقِينَاهُ؟ فَقَالَ تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ صَفَحَاتُكُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْكُمْ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنْ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ بِهَا قَلْبَكُمْ، فَلَعَمْرُ إلَهِكَ مَا يُخْطِي وَجْهَ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتُحَطِّمُهُ بِمِثْلِ الْحَمِيمِ الْأَسْوَدِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : بِمَ نُبْصِرُ وَقَدْ حَبَسَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ» وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتْ فِيهِ الْأَرْضُ ثُمَّ وَاجَهَتْهُ الْجِبَالُ «فَسُئِلَ ﷺ : بِمَ نُجْزَى مِنْ حَسَنَاتِنَا وَسَيِّئَاتِنَا؟ فَقَالَ الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا أَوْ
стр. 1114
يَعْفُو» .
«فَسُئِلَ ﷺ عَلَى مَاءٍ يَطْلُعُ مِنْ الْجَنَّةِ، فَقَالَ عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلَا نَدَامَةٍ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٍ لَعَمْرُ إلَهِكَ مِمَّا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ، وَأَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ» «فَسُئِلَ ﷺ : أَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ؟ فَقَالَ الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ، تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَلَذُّونَكُمْ، غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ إتْيَانِ الْوَحْيِ إلَيْهِ، فَقَالَ يَأْتِينِي أَحْيَانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ شِبْهِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ تَارَةً وَبِأُمِّهِ تَارَةً، فَقَالَ إذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ فَالشَّبَهُ لَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ قَالَ «إذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ الرَّجُلُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنَّثَ بِإِذْنِ اللَّهِ» فَكَانَ شَيْخُنَا يَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ هَذَا اللَّفْظِ مَحْفُوظًا، وَيَقُولُ: الْمَحْفُوظُ هُوَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ.
وَالْإِذْكَارُ وَالْإِينَاثُ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ طَبِيعِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ الرَّبِّ تَبَارَكَ - وَتَعَالَى - لِلْمَلِكِ أَنْ يَخْلُقَهُ كَمَا يَشَاءُ، وَلِهَذَا جُعِلَ مَعَ الرِّزْقِ وَالْأَجَلِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مَحْفُوظًا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ سَبْقُ الْمَاءِ سَبَبًا لِلشَّبَهِ وَعُلْوُهُ عَلَى مَاءِ الْآخَرِ سَبَبًا لِلْإِذْكَارِ وَالْإِينَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَمُرَادُهُ ﷺ بِكَوْنِهِمْ مِنْهُمْ التَّبَعِيَّةُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَعَدَمُ الضَّمَانِ، لَا التَّبَعِيَّةُ فِي عِقَابِ الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ﵇، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] «سُئِلَ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى تُؤَدُّوا إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاَللَّهِ إنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ» .
стр. 1115
«وَسُئِلَ ﷺ : كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِهِ؟» .
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا، حَيْثُ يُوضَعُ الْمِيزَانُ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ أَمْ يَخِفُّ، وَحَيْثُ يَتَطَايَرُ الْكُتُبُ حَتَّى يَعْلَمَ كِتَابَهُ مِنْ يَمِينِهِ أَوْ مِنْ شِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَحَيْثُ يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، عَلَى حَافَّتَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، يَحْبِسُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَنْجُو أَمْ لَا يَنْجُو» .
«وَسُئِلَ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ؟ فَقَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكَوْثَرِ، فَقَالَ: هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ، هُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا لَنَاعِمَةٌ، قَالَ: أُكُلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» .
«وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: الْأَجْوَفَانِ الْفَمُ وَالْفَرْجُ وَعَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْمَرْأَةِ تَتَزَوَّجُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، مَعَ مَنْ تَكُونُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: تُخَيَّرُ فَتَكُونُ مَعَ أَحْسَنِهِمْ خُلُقًا» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَكَ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا وَفِي لَفْظٍ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وَبَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى ﵉ مَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ، وَبِالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَوَّلِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ» .
وَهَذِهِ إحْدَى مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الثَّلَاثِ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ
стр. 1116
أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَالثَّالِثَةُ سَبَبُ شَبَهِ الْوَلَدِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ فَوَلَّدَهَا الْكَاذِبُونَ، وَجَعَلُوهَا كِتَابًا مُسْتَقِلًّا سَمَّوْهُ مَسَائِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهِيَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْإِحْسَانِ، فَقَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خُلِقَ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَ النَّارَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامّ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْأَدْوِيَةِ وَالرُّقَى، هَلْ تَرُدُّ مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: هِيَ مِنْ الْقَدَرِ»
«وَسُئِلَ ﷺ عَمَّنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا بِالتَّوَقُّفِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا قَوْلًا بِمُجَازَاةِ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ عَامِلُوهُ لَوْ كَانُوا عَاشُوا، بَلْ هُوَ جَوَابُ فَصْلٍ، وَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُوهُ وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَعْلُومِهِ فِيهِمْ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ.
стр. 1117
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ سَبَأٍ: هَلْ هُوَ أَرْضٌ أَمْ امْرَأَةٌ، فَقَالَ: لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنْ الْعَرَبِ؛ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَغَسَّانُ وَعَامِلَةُ، وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْدِ وَالْأَشْعَرِيُّونَ وَحِمْيَرُ وَكِنْدَةُ وَمَذْحِجُ وَأَنْمَارُ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَنْمَارُ؟ فَقَالَ الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ» .
«وَسُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فَقَالَ ﷺ : هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» .
«وَسُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ، يَعْنِي فِي الْعِتْقِ، فَقَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُرِيقَ دَمُهُ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلَ الْغِنَى» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ وَفِي لَفْظٍ: مَتَى كُنْت نَبِيًّا؟ فَقَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» هَذَا هُوَ اللَّفْظُ الصَّحِيحُ، وَالْعَوَامُّ يَرْوُونَهُ " بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ " قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ مَرْتَبَةٌ، وَاللَّفْظُ الْمَعْرُوفُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْهِجْرَةِ إلَيْكَ أَيْنَمَا كُنْتَ أَمْ لِقَوْمٍ خَاصَّةً أَمْ إلَى أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ أَمْ إذَا مِتَّ انْقَطَعَتْ؟ فَسَأَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا حَاضِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ وَإِنْ مِتَّ فِي الْحَضَرِ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَتَخْلُقُ خَلْقًا أُمّ تُنْسَجُ نَسْجًا؟ قَالَ: فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَضْحَكُونَ مِنْ جَاهِلٍ يَسْأَلُ عَالِمًا؟ فَاسْتَلْبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: هَا هُوَ ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَا، بَلْ تَنْشَقُّ عَنْهَا ثِمَارُ الْجَنَّةِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَنُفْضِي إلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: هَلْ نَصِلُ إلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ إي وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لِيُفْضِيَ فِي الْغَدَاةِ الْوَاحِدَةِ إلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ» قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: رِجَالُ إسْنَادِهِ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
стр. 1118
«وَسُئِلَ: أَنَطَأُ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، دَحْمًا دَحْمًا، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعَتْ مُطَهَّرَةً بِكْرًا» وَرِجَالُ إسْنَادِهِ عَلَى شَرْطِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ.
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ «أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَتَنَاكَحُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ بِذَكَرٍ لَا يَمِيلُ، وَشَهْوَةٍ لَا تَنْقَطِعُ، دَحْمًا دَحْمًا» .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الدَّحْمُ: الدَّفْعُ الشَّدِيدُ.
وَفِيهِ أَيْضًا «أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ : أَيُجَامِعُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ دَحْمًا دَحْمًا وَلَكِنْ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ فِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ فَقَالَ إنْ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيَتْ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ فَطَارَ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ فِي الْجَنَّةِ إبِلٌ؟ فَلَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ مِثْلَ مَا قَالَ لِلْأَوَّلِ، بَلْ قَالَ إنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَقَرَّتْ عَيْنُكَ» .
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] قَالَ حُورٌ: بِيضٌ، عِينٌ: ضِخَامُ الْعُيُونِ، شَعْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] فَقَالَ صَفَاؤُهُنَّ صَفَاءُ الدُّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] قَالَ: خَيْرَاتُ الْأَخْلَاقِ، حِسَانُ الْوُجُوهِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] قَالَ رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتِ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَةَ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] قَالَ هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمْطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ فَجَعَلَهُنَّ اللَّهُ عَذَارَى، عُرُبًا مُتَعَشَّقَاتٍ مُتَحَبِّبَاتٍ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمْ الْحُورُ الْعِينُ؟ قَالَ بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضَ الْأَلْوَانِ، خُضْرَ الثِّيَابِ، صُفْرَ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرُّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى
стр. 1119
لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ الزَّوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ زَوْجُهَا؟ قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِي خُلُقًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أَيْنَ النَّاسُ يَوْمئِذٍ؟ قَالَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ» .
«وَسُئِلَ عَنْ الْإِيمَانِ، فَقَالَ إذَا سَرَّتْكَ حَسَنَاتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَاتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ» .
«وَسُئِلَ عَنْ الْإِثْمِ، فَقَالَ إذَا حَاكَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ» .
«وَسُئِلَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ» .
«وَسَأَلَهُ عُمَرُ: هَلْ نَعْمَلُ فِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أَمْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ قَالَ بَلْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ يَا عُمَرُ لَا يُدْرَكُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعَمَلِ قَالَ: إذًا نَجْتَهِدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
وَكَذَلِكَ «سَأَلَهُ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ أَمْرِنَا كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إلَيْهِ، أَبِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ بِمَا يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ لَا، بَلْ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إذًا؟ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ مِنِّي الْآنَ» .
[فَصْلٌ فَتَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتُهُ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَالنَّتِنُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ -، فَقَالَ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» .
«وَسَأَلَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ: إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ
стр. 1120
وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا، وَاشْرَبُوا» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا» .
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ: أَفْتِنَا فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ إذَا اُضْطُرِرْنَا إلَيْهَا، فَقَالَ «إذَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهَا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، وَاطْبُخُوا فِيهَا» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ «سُئِلَ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ أَنْقُوهَا غَسْلًا، وَاطْبُخُوا فِيهَا» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْمَذْيِ، قَالَ يُجْزِئُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَكَيْفَ بِمَا أَصَابَ ثَوْبِي مِنْهُ؟ فَقَالَ يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَعَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ، فَقَالَ ذَاكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ» .
«وَسَأَلَتْهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضَةٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكَ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» .
«وَسُئِلَ عَنْهَا أَيْضًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، فَقَالَ نَعَمْ تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ نَعَمْ صَلُّوا فِيهَا» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَا» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأَةً لَا يَعْرِفُهَا، فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ امْرَأَتِهِ شَيْءٌ إلَّا قَدْ أَتَاهُ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ
стр. 1121
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ فَقَالَ مُعَاذٌ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ قَالَ بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً» .
«وَسَأَلَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ» .
وَفِي الْمُسْنَدِ «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى يُنْزِلَ» .
«وَسَأَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ الْمَذْيِ، فَقَالَ مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ، وَمِنْ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» وَفِي لَفْظٍ «إذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَتَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ نَضْحَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا فَقَالَ: يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ الْبَلَلَ، فَقَالَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يَكْسَلُ، وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: إنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأُنْقِضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «اغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ» .
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لَنَا طَرِيقًا إلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إذَا مُطِرْنَا؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ بَعْدُ طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَذِهِ بِهَذِهِ» وَفِي لَفْظٍ: «أَلَيْسَ بَعْدُهُ مَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْهُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يُذْهِبُ بِذَاكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
стр. 1122
«وَسُئِلَ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إنَّا نُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَنَطَأُ الطَّرِيقَ النَّجِسَةَ، فَقَالَ: الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تُقْرِضُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ مَيْمُونَةُ عَنْ شَاةٍ مَاتَتْ فَأَلْقُوا إهَابَهَا، فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا فَقَالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟ فَقَالَ لَهَا: إنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ إنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ فَأَرْسَلْتُ إلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ، فَاِتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: ذَكَاؤُهَا دِبَاغُهَا» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرُبَةِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَعَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا «أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ» وَلَمْ يَزِدْ.
«وَسَأَلَهُ سُرَاقَةُ عَنْ التَّغَوُّطِ؛ فَأَمَرَ أَنْ يَتَنَكَّبَ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَقْبِلَهَا، وَلَا يَسْتَدْبِرَهَا، وَلَا يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ، وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَمْرُو بْنُ عَنْبَسَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الْوُضُوءُ؟ قَالَ: أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّكَ إذَا تَوَضَّأَتْ فَغَسَلْتُ كَفَّيْكَ فَأَنْقَيْتَهُمَا خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ بَيْنِ أَظْفَارِكَ وَأَنَامِلِكَ، فَإِذَا تَمَضْمَضْتَ وَاسْتَنْشَقْتَ وَغَسَلْتَ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحْتَ رَأْسَكَ وَغَسَلْتَ رِجْلَيْكَ اغْتَسَلْتَ مِنْ عَامَّةِ خَطَايَاكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَعْرَابِيٌّ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
стр. 1123
«وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيَكُونُ مِنْهُ الرُّوَيْحَةُ، وَيَكُونُ فِي الْمَاءِ قِلَّةٌ، فَقَالَ: إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ ابْنُ عُمَارَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ وَيَوْمَيْنِ قَالَ: وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ نَعَمْ وَمَا شِئْتَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَخَذَتْ بِظَاهِرِهِ وَجَوَّزُوا الْمَسْحَ بِلَا تَوْقِيتٍ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: هَذَا مُطْلَقٌ وَأَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ مُقَيَّدَةٌ، وَالْمُقَيَّدُ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَكُونُ فِي الرَّمَلِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَيَكُونُ فِينَا النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ عَلَيْكَ بِالتُّرَابِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو ذَرٍّ: إنِّي أَغْرُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ، فَقَالَ إنَّ الصَّعِيدَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإِذَا وَجَدْتُ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَقَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَقَالَ ثَوْبَانُ: اسْتَفْتَوْا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْشُرْ رَأْسَهُ فَلْيَغْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ، لِتَغْرِفْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ تَكْفِيهَا» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي اغْتَسَلْتُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَصَلَّيْتُ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَرَأَيْت قَدْرَ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ مَاءٌ فَقَالَ لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ عَنْ الْحَيْضِ، فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطْهُرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذَ فُرْصَةً مُمْسِكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا» .
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ تَأْخُذُ مَاءً فَتَطْهُرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ الْمَاءَ عَلَيْهَا» .
стр. 1124
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ: تَشُدُّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا» ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ، فَقَالَ وَاكِلْهَا» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ : كَمْ تَجْلِسُ النُّفَسَاءُ؟ فَقَالَ تَجْلِسُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
[فَصَلِّ فَتَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا]
[فَتَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا]
«وَسَأَلَهُ ﷺ ثَوْبَانُ عَنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ ﷺ : عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ بِهَا عَنْكَ خَطِيئَةً» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: أَيُّمَا أَفْضَلُ، الصَّلَاةُ فِي بَيْتِي أَوْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: أَلَا تَرَى إلَى بَيْتِي مَا أَقْرَبَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ؟ فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: نَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسُئِلَ ﷺ : مَتَى يُصَلِّي الصَّبِيُّ؟ فَقَالَ: إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ بِالصَّلَاةِ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُخَنَّثٍ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَقَالَ إنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لِلسَّائِلِ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ مَا رَأَيْتُمْ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ مِنْ الْأُخْرَى؟ قَالَ نَعَمْ، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» .
стр. 1125
«وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَقَالَ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ.»
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سَاعَةٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا؟ فَقَالَ نَعَمْ إذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَدَعْ الصَّلَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ، فَدَعْ الصَّلَاةَ فَإِنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ وَتُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُهَا، حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ عَنْ حَاجِبِكَ الْأَيْمَنِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَالصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعْ الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِفِعْلِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَا بِوَقْتِهَا.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَعَلِّمْنِي مَا يَجْزِينِي، فَقَالَ قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِي؟ فَقَالَ قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافَنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَقَبَضَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ بِهِ بَوَاسِيرُ - عَنْ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ أُنْصِتُ؟ قَالَ: بَلْ أَنْصِتْ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ حِطَّانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَا نَزَالُ سَفْرًا فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ رُكُوعًا، وَثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ سُجُودًا» ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنَ صَلَاتِي وَبَيْنَ قِرَاءَتِي يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أُصَلِّي فِي ثَوْبِي الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي؟ قَالَ نَعَمْ، إلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ، قَالَ إنْ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قَالَ: قُلْتُ: فَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا، قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
следующие страницы →