Полный текст (1 221 стр.). Показаны 1191–1221 · переход к 1196.
стр. 1191
طَوِيلٌ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَتَعَذَّرَ اسْتِدْرَاكُهُ، وَأَفْرَطَ فِي طَائِفَةٍ أُخْرَى فَسَوَّغَتْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ أُتِيَتْ مِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِهَا فِي مَعْرِفَةِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْحَقِّ، وَقَامَتْ أَدِلَّةُ الْعَقْلِ، وَأَسْفَرَ صُبْحُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ وَرِضَاهُ وَأَمْرُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْصُرْ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَدِلَّتَهُ وَأَمَارَاتِهِ فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ وَأَبْطَلَ غَيْرَهُ مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَدَلُّ وَأَظْهَرُ، بَلْ بَيَّنَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَقِيَامُ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْحَقُّ وَمَعْرِفَةُ الْعَدْلِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهَا وَمُقْتَضَاهَا.
وَالطُّرُقُ أَسْبَابٌ وَوَسَائِلُ لَا تُرَادُ لِذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ غَايَاتُهَا الَّتِي هِيَ الْمَقَاصِدُ، وَلَكِنْ نَبَّهَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ عَلَى أَسْبَابِهَا وَأَمْثَالِهَا، وَلَنْ تَجِدَ طَرِيقًا مِنْ الطُّرُقِ الْمُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ إلَّا وَهِيَ شِرْعَةٌ وَسَبِيلٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَهَلْ يُظَنُّ بِالشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ خِلَافُ ذَلِكَ؟ وَلَا نَقُولُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا وَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَتَسْمِيَتُهَا سِيَاسَةً أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ عَدْلًا فَهِيَ مِنْ الشَّرْعِ، فَقَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تُهْمَةٍ، وَعَاقَبَ فِي تُهْمَةٍ لَمَّا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الرِّيبَةِ عَلَى الْمُتَّهَمِ؛ فَمَنْ أَطْلَقَ كُلًّا مِنْهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُ أَوْ حَلَّفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِاشْتِهَارِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَنَقْبِ الدُّورِ وَتَوَاتُرِ السَّرِقَاتِ - وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْمَسْرُوقِ مَعَهُ - وَقَالَ: لَا آخُذُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ أَوْ إقْرَارِ اخْتِيَارٍ وَطَوْعٍ فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَالَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَهْمَهُ، وَتَحْرِيقُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَتَاعَهُ، وَمَنْعُ الْمُسِيءِ عَلَى أَمِينٍ سَلَبَ قَتِيلَهُ، وَأَخْذُ شَطْرِ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَإِضْعَافُهُ الْغُرْمَ عَلَى سَارِقٍ مَالًا قَطْعٌ فِيهِ، وَعُقُوبَتُهُ بِالْجَلْدِ، وَإِضْعَافُهُ الْغُرْمَ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ، وَتَحْرِيقُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَانُوتَ الْخَمَّارِ، وَتَحْرِيقُهُ قَرْيَةً يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَتَحْرِيقُهُ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَحَلْقُهُ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفْيُهُ، وَضَرْبُهُ صَبِيغًا بِالدُّرَّةِ لَمَّا تَتَبَّعَ الْمُتَشَابِهَ فَسَأَلَ عَنْهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السِّيَاسَةِ الَّتِي سَاسَ بِهَا الْأُمَّةَ فَسَارَتْ سُنَّةً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَالَفَهَا مَنْ خَالَفَهَا.
وَلَقَدْ حَدَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الزِّنَا بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ، وَفِي الْخَمْرِ بِالرَّائِحَةِ وَالْقَيْءِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ دَلِيلَ الْقَيْءِ وَالرَّائِحَةِ وَالْحَبَلِ عَلَى الشُّرْبِ وَالزِّنَا أَوْلَى مِنْ الْبَيِّنَةِ قَطْعًا؛ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالشَّرِيعَةِ إلْغَاءُ أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ الصِّدِّيقِ اللُّوطِيَّ، وَإِلْقَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَهُ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى رَأْسِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ عُثْمَانَ الْمَصَاحِفَ الْمُخَالِفَةَ لِلْمُصْحَفِ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ
стр. 1192
الصِّدِّيقِ الْفُجَاءَةَ السُّلَمِيُّ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِيَارُ عُمَرَ ﵁ لِلنَّاسِ إفْرَادَ الْحَجِّ وَأَنْ يَعْتَمِرُوا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَا يَزَالُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ مَعْمُورًا بِالْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ عُمَرُ ﵁ النَّاسَ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَدْ بَاعُوهُنَّ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ إلْزَامُهُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِمَنْ أَوْقَعَهُ بِفَمٍ وَاحِدٍ عُقُوبَةً لَهُ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ هُوَ يُجْعَلُ وَاحِدَةً، إلَى أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنْ السِّيَاسَاتِ الْعَادِلَةِ الَّتِي سَاسُوا بِهَا الْأُمَّةَ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا.
وَتَقْسِيمُ بَعْضِهِمْ طُرُقَ الْحُكْمِ إلَى شَرِيعَةٍ وَسِيَاسَةٍ كَتَقْسِيمِ غَيْرِهِمْ الدِّينَ إلَى شَرِيعَةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَكَتَقْسِيمِ آخَرِينَ الدِّينَ إلَى عَقْلٍ وَنَقْلٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ، بَلْ السِّيَاسَةُ وَالْحَقِيقَةُ وَالطَّرِيقَةُ وَالْعَقْلُ كُلُّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ؛ فَالصَّحِيحُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ لَا قَسِيمٌ لَهَا، وَالْبَاطِلُ ضِدُّهَا وَمُنَافِيهَا، وَهَذَا الْأَصْلُ مِنْ أَهَمِّ الْأُصُولِ وَأَنْفَعِهَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عُمُومُ رِسَالَتِهِ ﷺ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعِبَادُ فِي مَعَارِفِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يُحْوِجْ أُمَّتَهُ إلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إلَى مَنْ يُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ بِهِ، فَلِرِسَالَتِهِ عُمُومَانِ مَحْفُوظَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمَا تَخْصِيصٌ: عُمُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وَعُمُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ بُعِثَ إلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ؛ فَرِسَالَتُهُ كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ عَامَّةٌ، لَا تُحْوِجُ إلَى سِوَاهَا، وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ بِهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ عُمُومِ رِسَالَتِهِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ رِسَالَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَقِّ الَّذِي تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي عُلُومِهَا وَأَعْمَالِهَا عَمَّا جَاءَ بِهِ.
[بَيَّنَ الرَّسُولُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ] وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلَّا ذَكَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْهُ عِلْمًا، وَعَلَّمَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى آدَابَ التَّخَلِّي وَآدَابَ الْجِمَاعِ وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، وَالصَّمْتِ وَالْكَلَامِ، وَالْعُزْلَةِ وَالْخُلْطَةِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَجَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَوَصَفَ لَهُمْ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ وَالنَّارَ وَالْجَنَّةَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ، وَعَرَّفَهُمْ مَعْبُودَهُمْ وَإِلَهَهُمْ أَتَمَّ تَعْرِيفٍ حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ وَيُشَاهِدُونَهُ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَعَرَّفَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ وَأُمَمَهُمْ وَمَا جَرَى لَهُمْ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مَعَهُمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ كَانُوا بَيْنَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ مِنْ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ دَقِيقَهَا وَجَلِيلَهَا مَا لَمْ يُعَرِّفْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ قَبْلَهُ، وَعَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ
стр. 1193
أَحْوَالِ الْمَوْتِ وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فِي الْبَرْزَخِ وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ مَا لَمْ يُعَرِّفْ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ فِرَقِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مَا لَيْسَ لِمَنْ عَرَفَهُ حَاجَةٌ مِنْ بَعْدِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا إلَى مَنْ يُبَلِّغُهُ إيَّاهُ وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُ مِنْهُ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ مَكَايِدِ الْحُرُوبِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَطُرُقِ النَّصْرِ وَالظُّفْرِ مَا لَوْ عَلِمُوهُ وَعَقَلُوهُ وَرَعَوْهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُمْ عَدُوٌّ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ مَكَايِدِ إبْلِيسَ وَطُرُقِهِ الَّتِي يَأْتِيهِمْ مِنْهَا وَمَا يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنْ كَيْدِهِ وَمَكْرِهِ وَمَا يَدْفَعُونَ بِهِ شَرَّهُ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أَحْوَالِ نُفُوسِهِمْ وَأَوْصَافِهَا وَدَسَائِسِهَا وَكَمَائِنِهَا مَا لَا حَاجَةَ لَهُمْ مَعَهُ إلَى سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أُمُورِ مَعَايِشِهِمْ مَا لَوْ عَلِمُوهُ وَعَمِلُوهُ لَاسْتَقَامَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ أَعْظَمَ اسْتِقَامَةٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَجَاءَهُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِرُمَّتِهِ، وَلَمْ يُحْوِجْهُمْ اللَّهُ إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ الَّتِي مَا طَرَقَ الْعَالَمَ شَرِيعَةٌ أَكْمَلُ مِنْهَا نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إلَى سِيَاسَةٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا تُكَمِّلُهَا، أَوْ إلَى قِيَاسٍ أَوْ حَقِيقَةٍ أَوْ مَعْقُولٍ خَارِجٍ عَنْهَا؟ وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى رَسُولٍ آخَرَ بَعْدَهُ، وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ خَفَاءُ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ وَقِلَّةُ نَصِيبِهِ مِنْ الْفَهْمِ الَّذِي وَفَّقَ اللَّهُ لَهُ أَصْحَابَ نَبِيِّهِ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَغْنَوْا بِهِ عَمَّا مَا سِوَاهُ، وَفَتَحُوا بِهِ الْقُلُوبَ وَالْبِلَادَ، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا، وَهُوَ عَهْدُنَا إلَيْكُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَمْنَعُ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَشْيَةَ أَنْ يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِهِ عَنْ الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى اشْتِغَالَ النَّاسِ بِآرَائِهِمْ وَزَبَدِ أَفْكَارِهِمْ وَزُبَالَةِ أَذْهَانِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ؟ فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وَكَيْفَ يَشْفِي مَا فِي الصُّدُورِ كِتَابٌ لَا يَفِي هُوَ وَمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ بِعُشْرِ مِعْشَارِ الشَّرِيعَةِ؟ أَمْ كَيْفَ يَشْفِي مَا فِي الصُّدُورِ كِتَابُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْيَقِينُ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؟ أَوْ عَامَّتُهَا ظَوَاهِرُ لَفْظِيَّةٍ دَلَالَتُهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أُمُورٍ لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ قَبْلَ وَضْعِ هَذِهِ الْقَوَانِينِ الَّتِي أَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهَا مِنْ الْقَوَاعِدِ، وَقَبْلَ اسْتِخْرَاجِ هَذِهِ الْآرَاءِ وَالْمَقَايِيسِ وَالْأَوْضَاعِ؟ أَهَلْ كَانُوا مُهْتَدِينَ
стр. 1194
مُكْتَفِينَ بِالنُّصُوصِ أَمْ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؟ حَتَّى جَاءَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَكَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُمْ وَأَهْدَى وَأَضْبَطَ لِلشَّرِيعَةِ مِنْهُمْ وَأَعْلَمَ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَ [مَا] يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ؟ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ [عَبْدُهُ] بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الْإِشْرَاكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ وَالِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ.
فَصْلٌ:
[كَلَامُ أَحْمَدَ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ]
وَهَذِهِ نَبْذَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ مَنْصُورٍ: وَالْمُخَنَّثُ يُنْفَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ إلَّا الْفَسَادُ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ، وَلِلْإِمَامِ نَفْيُهُ إلَى بَلَدٍ يَأْمَنُ فَسَادَ أَهْلِهِ، وَإِنْ خَافَ بِهِ عَلَيْهِمْ حَبَسَهُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِيمَنْ شَرِبَ خَمْرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ أَتَى شَيْئًا نَحْوَ هَذَا: أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَغُلِّظَ عَلَيْهِ مِثْلَ الَّذِي يَقْتُلُ فِي الْحَرَمِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ تُعَاقَبَانِ وَتُؤَدَّبَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا رَأَى الْإِمَامُ تَحْرِيقَ اللُّوطِيِّ بِالنَّارِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ قَوْلًا، فَقَالَ: إنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَمْ تَعْصِ اللَّهَ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَصَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، أَرَى أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِالنَّارِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِالنَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄ بِأَنْ يُحَرِّقُوا، فَحَرَّقَهُمْ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِيمَنْ طَعَنَ عَلَى الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَى السُّلْطَانِ عُقُوبَتُهُ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، بَلْ يُعَاقِبَهُ وَيَسْتَتِيبَهُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا أَعَادَ الْعُقُوبَةَ.
وَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ النِّسَاءَ إذَا خِيفَ عَلَيْهِنَّ الْمُسَاحَقَةَ حَرُمَ خَلْوَةُ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِ إحْدَاهُمَا، فَإِنْ أَبَى ضُرِبَ حَتَّى يَخْتَارَ.
قَالُوا: وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ.
стр. 1195
وَأَمَّا كَلَامُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ فَمَشْهُورٌ.
وَأَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ الْأَخْذِ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
مِنْهَا جَوَازُ وَطْءِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ عَدْلَانِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ.
وَمِنْهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يُوصِلُهَا إلَيْهِ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، وَجَوَازُ أَكْلِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا أَهْدَى لَكَ كَذَا، بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُهُ وَلَا تَلَفُّظُ الرَّسُولِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ.
وَمِنْهَا جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِي بَابِهِ بِقَرْعِ حَلَقَتِهِ وَدَقِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا اسْتِدْعَاءُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّارِ وَالْبُسْتَانِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَضُيُوفِهِ وَإِنْزَالُهُمْ عِنْدَهُ مُدَّةً، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ نُطْقًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ تَصَرُّفَهُمْ فِي مَنْفَعَةِ الدَّارِ وَإِشْغَالَهُمْ الْكَنِيفَ وَإِضْعَافَهُمْ السُّلَّمَ وَنَحْوَهُ.
وَمِنْهَا جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّعَامِ إذَا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ لَهُ بِالْإِذْنِ لَفْظًا.
وَمِنْهَا جَوَازُ شُرْبِهِ مِنْ الْإِنَاءِ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ إلَيْهِ وَلَا يَسْتَأْذِنْهُ.
وَمِنْهَا جَوَازُ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي كَنِيفِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ.
وَمِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِنَادِ إلَى وِسَادَتِهِ.
وَمِنْهَا أَخْذُ مَا يَنْبِذُهُ رَغْبَةً عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَمْلِيكِهِ لَهُ.
وَمِنْهَا انْتِفَاعُهُ بِفِرَاشِ زَوْجَتِهِ وَلِحَافِهَا وَوِسَادَتِهَا وَآنِيَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا نُطْقًا، إلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ.
وَهَلْ السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَهِيَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَرَائِنِ الَّتِي تُفِيدُ الْقَطْعَ تَارَةً وَالظَّنَّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ ظَنِّ الشُّهُودِ بِكَثِيرٍ تَارَةً؟ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِرَارًا، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ.
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْأَطْعِمَةِ]
فَصْلٌ:
فَلْنَرْجِعْ إلَى فَتَاوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ فَتَاوِيهِ فِي الْأَطْعِمَةِ.
[فَتَاوَى فِي الْأَطْعِمَةِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الثُّومِ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو أَيُّوبَ: هَلْ يَحِلُّ لَنَا الْبَصَلُ؟ فَقَالَ بَلَى، وَلَكِنِّي يَغْشَانِي مَا لَا يَغْشَاكُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الضَّبِّ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 1196
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفَرَا، فَقَالَ الْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الذِّئْبِ، فَقَالَ أَوَ يَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الضَّبُعِ؟ قَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» وَإِنْ صَحَّ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي إبَاحَةِ الضَّبُعِ فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْئًا، كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ أَكْلِهِ تَقَذُّرًا أَوْ تَنَزُّهًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ ﵂ فَقَالَتْ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ ، فَقَالَ سَمَّوْا أَنْتُمْ وَكُلُوا» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَأْكُلُ مَا قَتَلْنَا وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] » إلَى آخِرِ الْآيَةِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَنَّ الَّذِي سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ هُمْ الْيَهُودُ، وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ هُمْ الَّذِينَ أَوْرَدُوا هَذَا السُّؤَالَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، وَكَوْنُ الْيَهُودِ يُحَرِّمُونَ الْمَيْتَةَ كَمَا يُحَرِّمَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَكَيْفَ يُورِدُونَ هَذَا السُّؤَالَ وَهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهَذَا سُؤَالُ مُجَادِلٍ فِي ذَلِكَ، وَالْيَهُودُ لَمْ تَكُنْ تُجَادِلُ فِي هَذَا، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ، وَلَفْظُهُ «أَتَى نَاسٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَأْكُلُ مِمَّا نَقْتُلُ وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] » وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ كَوْنَ الْمُشْرِكِينَ هُمْ الَّذِينَ أَوْرَدُوا هَذَا السُّؤَالَ؛ فَسَأَلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَحْسَبُ قَوْلَهُ «إنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ» إلَّا وَهْمًا مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ، وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي، فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨] » ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ فَقَالَ: إنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ كِتَابٍ، وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ ﷺ :
стр. 1197
إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحِلُّ لَنَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا لَحْمَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» وَهَذَانِ اللَّفْظَانِ يُبْطِلَانِ [قَوْلَ] مَنْ تَأَوَّلَ نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ بِأَنَّهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ؛ فَإِنَّهُ تَأَمُّلٌ فَاسِدٌ قَطْعًا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: هَذَا ذَكَاةُ الْمُتَرَدِّي، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: هَذَا لِلضَّرُورَةِ، وَقِيلَ: هُوَ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْجَنِينِ يَكُونُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَهَذَا يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ يُذَكَّى كَمَا تُذَكَّى أُمُّهُ ثُمَّ يُؤْكَلُ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُفْرِدَ بِذَبْحٍ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ: إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفَتُذَكَّى بِاللِّيطَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفْرٍ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفْرَ مُدَى الْحَبَشَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللِّيطَةُ: الْفِلْقَةُ مِنْ الْقَصَبِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁، فَقَالَ: إنَّ أَحَدَنَا لَيُصِيبُ الصَّيْدَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ، أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرِرْ الدَّمَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ شَاةٍ حَلَّ بِهَا الْمَوْتُ، فَأَخَذَتْ جَارِيَةٌ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهَا» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ شَاةٍ نَيَّبَ فِيهَا الذِّئْبُ، فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَكْلِهَا» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْحُوتِ الَّذِي جَزَرَ الْبَحْرُ عَنْهُ، فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، وَأَطْعِمُونَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، فَقَالَ: إنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ فَقَالَ مَا صِدْتُ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتُ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ
стр. 1198
فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ لِحِلِّ الصَّيْدِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْرَحُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَالَ: إنِّي أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَقَالَ: إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا قُلْتُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ، فَقَالَ: إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ: «إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «إذَا أَرْسَلَتْ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ؛ فَإِنْ أَخَذَ الْكَلْبُ ذَكَاتَهُ» وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» وَفِيهِ «فَإِنْ غَابَ عَنْكَ الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ لَكَ كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَتْ عَلَيْكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكِيٌّ أَوْ غَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي، قَالَ: كُلْ مَا أَمْسَكَتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ قَالَ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ؟ قَالَ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي؟ قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَصِلْ يَعْنِي يَتَغَيَّرُ أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِكَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ» فَإِنَّ حَدِيثَ عَدِيٍّ فِيمَا أَكَلَ مِنْهُ حَالَ صَيْدِهِ؛ إذْ يَكُونُ مُمْسِكًا عَلَى نَفْسِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ فِيمَا أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَحْرُمُ كَمَا لَوْ أَكَلَ مِمَّا ذَكَّاهُ صَاحِبُهُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: كُلْهُ مَا لَمْ يَنْتُنْ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
стр. 1199
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَهْلُ بَيْتٍ كَانُوا فِي الْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ مَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي أَكْلِهَا فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِالْحَرَّةِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ لِي نَاقَةً قَدْ ضَلَّتْ؛ فَإِنْ وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَمَرِضَتْ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا، فَأَبَى، فَنَفَقَتْ، فَقَالَتْ: اُسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا نَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مَا يُغْنِيكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَكُلُوهُ قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا، قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إمْسَاكِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: مِنْ الطَّعَامِ طَعَامٌ نَتَحَرَّجُ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - النَّهْيُ عَمَّا شَابَهَ طَعَامَ النَّصَارَى، يَقُولُ: لَا تَشُكَّنَّ فِيهِ، بَلْ دَعْهُ، فَأَجَابَهُ بِجَوَابٍ عَامٍّ، وَخَصَّ النَّصَارَى دُونَ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنْ الْأَطْعِمَةِ، [بَلْ] يُبِيحُونَ مَا دَبَّ وَدَرَجَ مِنْ الْفِيلِ إلَى الْبَعُوضِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، «إنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ فَلَا يُضَيِّفُونَنَا، وَلَا يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ، وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إنْ أَبَوْا إلَّا أَنْ تَأْخُذُوا قِرًى فَخُذُوهُ» ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «لَيْلَةُ الضِّيقِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ» ، وَعِنْده أَيْضًا «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» .
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الضِّيَافَةِ، وَعَلَى أَخْذِ الْإِنْسَانِ نَظِيرَ حَقِّهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ إذَا أَبَى دَفْعَهُ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الظُّفْرِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِظُهُورِ سَبَبِ الْحَقِّ هَهُنَا، فَلَا يُتَّهَمُ الْآخِذُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: الرَّجُلُ أَمُرُّ بِهِ فَلَا يَقْرِينِي وَلَا يُضَيِّفُنِي، ثُمَّ يَمُرُّ بِي أَفَأَجْزِيهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَقْرِهِ قَالَ: وَرَآنِي - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ رَثَّ الثِّيَابِ، فَقَالَ هَلْ لَكَ
стр. 1200
مِنْ مَالٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ قَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، قَالَ فَلْيُرَ عَلَيْكَ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ جَائِزَةِ الضَّيْفِ، فَقَالَ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْعَقِيقَةِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الْعَقِيقَةِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْعَقِيقَةِ، وَكَانَ كَرِهَ الِاسْمَ، وَقَالَ مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ عَنْ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا نَسْأَلُكَ عَنْ أَحَدِنَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ، قَالَ مَنْ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» .
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْأَشْرِبَةِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الْأَشْرِبَةِ]
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: لَا أَرْوَى مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ: فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّسَ قَالَ: فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ قَالَ: فَأَهْرِقْهَا» ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ، قَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ إنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ إذَنْ عَنْ فِيكَ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْبِتْعِ، فَقَالَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ وَهُوَ مِنْ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ وَهُوَ مِنْ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يَنْبِذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ طَارِقُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَمَنِ عَنْ شَرَابٍ بِأَرْضِهِمْ يُقَالَ لَهُ الْمِزْرُ قَالَ: أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَإِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ أَنْ
стр. 1201
يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ قَيْسٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي شَرَابٍ نَصْنَعُهُ فِي أَرْضِنَا مِنْ ثِمَارِنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى سَأَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى قَامَ يُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: لَا تَشْرَبْهُ، وَلَا تَسْقِهِ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ - لَا يَشْرَبُهُ رَجُلٌ ابْتِغَاءَ لَذَّةِ سُكْرٍ فَيَسْقِيهِ اللَّهُ الْخَمْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، قَالَ: لَا» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو طَلْحَةَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ يَتِيمًا كَانَ فِي حِجْرِ أَبِي طَلْحَةَ، فَاشْتَرَى لَهُ خَمْرًا، فَلَمَّا حُرِّمْتُ الْخَمْرُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيَتَّخِذُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إنَّا نَنْتَبِذُ نَبِيذًا نَشْرَبُهُ عَلَى غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى طَعَامِنَا، فَقَالَ: اشْرَبُوا وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ وَكَثِيرِهِ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزِ الدَّيْلَمِيُّ ﵄، فَقَالَ: إنَّا أَصْحَابُ أَعْنَابٍ وَكَرْمٍ، وَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَمَا نَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ تَتَّخِذُونَهُ زَبِيبًا قَالَ: نَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ مَاذَا؟ قَالَ: تَنْقَعُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وَتَنْقَعُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: نَحْنُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتَ، وَنَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانِي مَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَمَنْ وَلِيُّنَا، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: حَسْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْأَيْمَانِ وَفِي النُّذُورِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الْأَيْمَانِ وَفِي النُّذُورِ] فِي طَرَفٍ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
«وَسَأَلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَفَتْ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَإِنَّ الْعَهْدَ كَانَ قَرِيبًا، فَقَالَ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ اُنْفُثْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَعَوَّذْ، وَلَا تَعُدْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَلَمَّا قَالَ ﷺ : «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ سَأَلُوهُ ﷺ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
стр. 1202
«وَأَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامٍ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ، مِنْ أَجْلِ الصِّبْيَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ مَالِكُ بْنُ فَضَالَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ أَسْأَلُهُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، قَالَ: فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي» .
«وَخَرَجَ سُوَيْد بْنُ حَنْظَلَةَ وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٌ يُرِيدَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِمَا، فَأَخَذَ وَائِلًا عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا أَنَّهُ أَخُوهُمْ، وَحَلَفَ سُوَيْد أَنَّهُ أَخُوهُ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدَ، وَيَصُومَ وَلَا يُفْطِرَ بِنَهَارِهِ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي النَّذْرِ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ قُرْبَةً صَحَّ النَّذْرُ فِي الْقُرْبَةِ وَبَطَلَ فِي غَيْرِ الْقُرْبَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَقْفِ سَوَاءٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الِاعْتِكَافِ عَنْ غَيْرِ صَوْمٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: «أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالصَّوْمِ إذْ الِاعْتِكَافُ الْمَشْرُوعُ إنَّمَا هُوَ اعْتِكَافُ الصَّائِمِ، فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمَشْرُوعِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْكَبَ وَتَخْتَمِرَ وَتَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» .
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلِتُهْدِ بَدَنَةً» .
«وَنَظَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ إلَى أَعْرَابِيٍّ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: نَذَرَتْ أَنْ لَا
стр. 1203
أَزَالَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَفْرُغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ هَذَا نَذْرًا، إنَّمَا النَّذْرُ فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْخًا يُهَادِي بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَنَظَرَ إلَى رَجُلَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ يَمْشِيَانِ إلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: مَا بَالُ الْقِرَانِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذَرْنَا أَنْ نَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ مُقْتَرِنَيْنِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا نَذْرًا، إنَّمَا النَّذْرُ فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرُ صِيَامٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: لِيَصُمْ عَنْهَا الْوَلِيُّ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ [النِّيَابَةُ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ] وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .
فَطَائِفَةٌ حَمَلَتْ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ، وَقَالَتْ: يُصَامُ عَنْهُ النَّذْرُ وَالْفَرْضُ وَأَبَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: لَا يُصَامُ عَنْهُ نَذْرٌ وَلَا فَرْضٌ.
وَفَصَّلَتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: يُصَامُ عَنْهُ النَّذْرُ دُونَ الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الصِّيَامِ جَارٍ مَجْرَى الصَّلَاةِ، فَكَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُسْلِمُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَكَذَلِكَ الصِّيَامُ، وَأَمَّا النَّذْرُ فَهُوَ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الدِّينِ، فَيُقْبَلُ قَضَاءُ الْوَلِيِّ لَهُ كَمَا يَقْضِي دَيْنَهُ، وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ، وَطَرْدُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ عَنْهُ، وَلَا يُزَكِّي عَنْهُ إلَّا إذَا كَانَ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ، كَمَا يُطْعِمُ الْوَلِيُّ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، فَأَمَّا الْمُفَرِّطُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا فَلَا يَنْفَعُهُ أَدَاءُ غَيْرِهِ عَنْهُ لِفَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا، وَكَانَ هُوَ الْمَأْمُورَ بِهَا ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا دُونَ الْوَلِيِّ، فَلَا تَنْفَعُ تَوْبَةُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا إسْلَامُهُ عَنْهُ، وَلَا أَدَاءُ الصَّلَاةِ عَنْهُ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا حَتَّى مَاتَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ، فَقَالَ: أَوْفِي بِنَذْرِكِ قَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا مَكَانٌ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: لِصَنَمٍ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: لِوَثَنٍ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَوْفِي بِنَذْرِكِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَانَ فِيهَا
стр. 1204
وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْجِهَادِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الْجِهَادِ] فِي طَرَفٍ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ.
«سُئِلَ عَنْ قِتَالِ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ، فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَقَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تَبْغَضُونَهُمْ وَيَبْغَضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا: أَفَلَا نُنَابَذُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ ثُمَّ قَالَ ﷺ أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعْنَ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ: «يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ لَا، مَا صَلَّوْا» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ أَحْمَدُ «مَا صَلَّوْا الْخَمْسَ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَنَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَنَا حَقَّهُمْ، قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ «إنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: لَا أَجِدُهُ ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: رَجُلٌ فِي شُعَبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسِ مِنْ شَرِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنَا صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَرَدَّ
стр. 1205
عَلَيْهِ كَمَا قَالَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَيْفَ قُلْتَ؟ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أَيْضًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَارَّنِي بِذَلِكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ.
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: الَّذِينَ يَلْقَوْنَ فِي الصَّفِّ لَا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَنْطَلِقُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنْ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّكَ تَعَالَى، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حِمْيَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَيُقَاتِلُ لِيُحْمَدَ، وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيَرَى مَكَانَهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّكَ لَمْ تُفْهِمْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
وَعِنْدَ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا شَيْءَ لَهُ. فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ وَابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ» .
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] الْآيَةُ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ
стр. 1206
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الطِّبِّ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الطِّبِّ] فِي ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي الطِّبِّ.
«سَأَلَهُ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ قَالَ نَعَمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَفِي السُّنَنِ «أَنَّ الْأَعْرَابَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ دَوَاءً، إلَّا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرَمُ» .
«وَسُئِلَ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ رُقًى تَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ : هَلْ يُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ مِنْ دَاءٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرِقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالُوا: إنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نُرْقِي بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنْ الرُّقَى، قَالَ اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ قَالَ: فَعَرَضُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا، مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَاسْتَفْتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ﵁، وَشَكَا إلَيْهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، الرَّجُلُ يُبْتَلَى عَلَى حَسْبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ رَقِيقَ الدِّينِ اُبْتُلِيَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ صَلْبَ الدِّينِ اُبْتُلِيَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ، فَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالرَّجُلِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» ذَكَره أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ
стр. 1207
مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إلَّا الْعَبَاءَةَ تَحْوِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالْعَافِيَةِ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: كَفَّارَاتٌ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: وَإِنْ قَلَّتْ؛ قَالَ وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا فَدَعَا أَبُو سَعِيدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ الْوَعْكُ حَتَّى يَمُوتَ، وَأَنْ لَا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عَنْ عُمْرَةٍ وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَا مَسَّهُ إنْسَانٌ إلَّا وَجَدَ حَرَّةً حَتَّى مَاتَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أُسَامَةُ ﵁: «شَهِدْتُ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعْلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إلَّا مَنْ اقْتَرَضَ مِنْ عِرْضِ أَخِيهِ شَيْئًا؛ فَذَلِكَ هُوَ الْحَرَجُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيْنَا مِنْ جُنَاحٍ أَنْ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إلَّا الْهَرَمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: حُسْنُ الْخُلُقِ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الرُّقَى، فَقَالَ اعْرِضُوا عَلَيَّ مِنْ رُقَاكُمْ ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ طَبِيبٌ عَنْ ضُفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا» ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ.
«وَشَكَا إلَيْهِ ﷺ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْقَمْلَ، فَأَفْتَاهُمْ بِلُبْسِ قَمِيصِ الْحَرِيرِ» ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
«وَأَفْتَى ﷺ أَنَّ مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَهُوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ طَبِيبًا وَأَخْطَأَ فِي تَطْبِيبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» .
«وَشَكَا إلَيْهِ ﷺ الْمُشَاةُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ تَعَبَهُمْ وَضَعْفَهُمْ عَنْ الْمَشْيِ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَعِينُوا بِالنَّسْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عَنْكُمْ الْأَرْضَ وَتَخِفُّونَ لَهُ قَالُوا: فَفَعَلْنَا فَخَفَّفْنَا لَهُ، وَالنَّسْلُ: الْعَدْوُ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا» ، ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ [أَنَّ] هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ﵂، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ
стр. 1208
تُسْرِعُ إلَيْهِمْ الْعَيْنُ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقُ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ قَالَ: «دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا: مَا لِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ: إنَّهُ لَتُسْرِعُ إلَيْهِمَا الْعَيْنُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُكَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: اسْتَرْقُوا لَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ النَّشْرَةِ، فَقَالَ: هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّشْرَةُ: حَلُّ السِّحْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: حَلُّ سِحْرٍ بِسِحْرٍ مِثْلَهُ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّ السَّحَرَ مِنْ عَمَلٍ فَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ النَّاشِرُ وَالْمُنْتَشِرُ بِمَا يُحِبُّ، فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنْ الْمَسْحُورِ، وَالثَّانِي: النَّشْرَةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْأَدْوِيَةِ الْمُبَاحَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَعَلَى النَّوْعِ الْمَذْمُومِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْحَسَنِ " لَا يَحِلُّ السِّحْرَ إلَّا سَاحِرٌ ".
[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الطِّيَرَةِ وَفِي الْفَأْلِ وَفِي الِاسْتِصْلَاحِ]
فَصْلٌ:
[فَتَاوَى فِي الطِّيَرَةِ وَفِي الْفَأْلِ وَفِي الِاسْتِصْلَاحِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: عَذَابًا كَانَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ وَيَكُونُ فِيهِ فَيَمْكُثُ لَا يَخْرُجُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا أَبْيَنُ، وَهِيَ رِيفُنَا وَمِيرَتُنَا، وَهِيَ وَبِئَةٌ، أَوْ قَالَ: وَبَاهَا شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهَا عَنْكَ، فَإِنَّ مِنْ الْقَرَفِ التَّلَفَ» .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَوْعٍ شَرِيفٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّبِّ؛ وَهُوَ اسْتِصْلَاحُ التُّرْبَةِ وَالْهَوَاءِ كَمَا يَنْبَغِي اسْتِصْلَاحُ الْمَاءِ، وَالْغِذَاءِ، فَإِنَّ بِصَلَاحِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ صَلَاحُ الْبَدَنِ وَاعْتِدَالُهُ.
وَقَالَ ﷺ : «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبنِي الْفَأْلَ قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ» .
стр. 1209
وَلَمَّا قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الْجَرَبُ فَتُجْرِبُ الْإِبِلَ، قَالَ: ذَاكَ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِمَنْ أَنْكَرَ الْأَسْبَابَ، بَلْ فِيهِ إثْبَاتُ الْقَدَرِ، وَرَدُّ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا إلَى الْفَاعِلِ الْأَوَّلِ؛ إذْ لَوْ كَانَ كُلُّ سَبَبٍ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ قَبْلَهُ لَا إلَى غَايَةٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْأَسْبَابِ، وَهُوَ مُمْتَنَعٌ؛ فَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ التَّسَلْسُلَ بِقَوْلِهِ: " فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ " إذْ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ جَرِبَ بِالْعَدْوَى وَاَلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ لَا إلَى غَايَةٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ الْمُمْتَنَعُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ، فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ، فَقَالَ: دَعُوهَا ذَمِيمَةً» ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَفِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ» وَهُوَ إثْبَاتٌ لِنَوْعٍ خَفِيٍّ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَلَا يُعْلَمُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُسَبَّبِهِ؛ فَإِنَّ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا يُعْلَمُ سَبَبِيَّتُهُ قَبْلَ وُقُوعِ مُسَبَّبِهِ وَهِيَ الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ سَبَبِيَّتُهُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُسَبَّبِهِ وَهِيَ الْأَسْبَابُ الْخَفِيَّةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ " فُلَانٌ مَشْئُومُ الطَّلْعَةِ، وَمُدَوَّرُ الْكَعْبِ " وَنَحْوُهُ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ أَشَارَ إلَى هَذَا النَّوْعِ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ، وَقَوْلُهُ: «إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِي ثَلَاثَةٍ» تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ الشُّؤْمِ فِيهَا، وَلَيْسَ نَفْيًا لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ: «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ تَتَدَاوُونَ بِهِ شِفَاءً فَفِي شَرْطِهِ مَحْجَمٌ، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٌ بِنَارٍ، وَلَا أُحِبُّ الْكَيَّ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ فُصُولٌ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ]
[التَّوْبَةُ]
ذِكْرُ فُصُولٍ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ:
[التَّوْبَةُ]
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهَا» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ: سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَجَاءَ قَوْمُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]
стр. 1210
إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَسْلَمَ» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَقَوْلُهُ: " أَوْجَبَ " أَيْ فَعَلَ مَا يَسْتَوْجِبُ النَّارَ.
[حَقُّ الطَّرِيقِ]
[حَقُّ الطَّرِيقِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] قَالَ: كَانُوا يَخْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
[الْكَذِبُ]
﴿الْكَذِبُ] «وَسُئِلَ ﷺ : أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالُوا: أَيَكُونُ كَذَّابًا؟ قَالَ: لَا» ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
«وَسَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ: الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَقُولُ إنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ أَكْذِبُ عَلَى امْرَأَتِي؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا، وَأَقُولُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا جُنَاحَ» ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
[الشِّرْكُ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ]
«وَقَالَ ﷺ : اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَقَالَ ﷺ : إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: هُمْ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا إلَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ
стр. 1211
عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ ذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] » .
«وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ؟ قَالَ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ فَيُزَيِّنَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ آخَرَ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[طَاعَةُ الْأُمَرَاءِ]
[طَاعَةُ الْأُمَرَاءِ] «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ الَّذِي أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَضْرَمُوهُ نَارًا، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَقَالَ ﷺ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» وَفِي لَفْظٍ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» .
فَهَذِهِ فَتْوَى عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ أَمَرَهُ أَمِيرٌ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَلَا تَخْصِيصَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ.
[مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ] وَلَمَّا قَالَ ﷺ «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ سَأَلُوهُ: كَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ وَأُمَّهُ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ «إنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قِيلَ: وَمَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؟ قَالَ ﷺ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ وَأُمَّهُ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ» .
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ الذَّرَائِعِ، وَطَلَبِ الشَّرْعِ لِسَدِّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شَوَاهِدُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
[حسن الْجِوَارُ]
[الْجِوَارُ] «وَقَالَ ﷺ : مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا قَالُوا: حَرَامٌ، فَقَالَ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالُوا: حَرَامٌ، قَالَ: لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
[الْغِيبَةُ]
[الْغِيبَةُ] وَقَالَ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا
стр. 1212
يَكْرَهُ قِيلَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا الْغِيبَةُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ» .
[الْكَبَائِرُ]
[الْكَبَائِرُ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ، وَقَتْلُ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهُ، وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ» وَهَذَا مَجْمُوعٌ مِنْ أَحَادِيثَ.
فَصْلٌ:
[تَعْدَادُ الْكَبَائِرِ]
وَمِنْ الْكَبَائِرِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ، وَتَرْكُ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَالْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ الْحَقِّ، وَأَخْذُ الرِّشَا عَلَى الْأَحْكَامِ، وَالْكَذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَجُحُودُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ كَلَامَهُ وَكَلَامَ رَسُولِهِ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ يَقِينٌ أَصْلًا، وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَلْ كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ وَضَلَالٌ، وَتَرْكُ مَا جَاءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الْخَيَّالِ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ وَالسِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ وَالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَالْإِدْرَاكَاتِ وَالْكُشُوفَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ﷺ ، وَوَضْعُ الْمُكُوسِ، وَظُلْمُ الرَّعَايَا، وَالِاسْتِئْثَارُ بِالْفَيْءِ، وَالْكِبْرِ، وَالْفَخْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَتَقْدِيمُ خَوْفِ الْخَلْقِ عَلَى خَوْفِ الْخَالِقِ، وَمَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْخَالِقِ، وَرَجَائِهِ عَلَى رَجَائِهِ، وَإِرَادَةُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ وَإِنْ لَمْ يَنَلْ ذَلِكَ، وَمِسَبَّةُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ الْفَاحِشَةَ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَالْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ، وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَتَخَنُّثُ الرَّجُلِ وَتَرَجُّلُ الْمَرْأَةِ، وَوَصْلُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَطَلَبُهَا ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْوَصْلِ كَبِيرَةٌ، وَفِعْلُهُ كَبِيرَةٌ، وَالْوَشْمُ وَالِاسْتِيشَامُ، وَالْوَشْرُ وَالِاسْتِيشَارُ،
стр. 1213
وَالنَّمْصُ وَالتَّنْمِيصُ، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَبَرَاءَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَبِيهِ، وَبَرَاءَةُ الْأَبِ مِنْ ابْنِهِ، وَإِدْخَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَشَقُّ الثِّيَابِ، وَحَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ، وَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَعْلَامُهَا، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَالْجَوْرُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَحِرْمَانُ الْوَارِثِ حَقَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالتَّحْلِيلُ، وَاسْتِحْلَالُ الْمُطَلَّقَةِ بِهِ، وَالتَّحَيُّلُ عَلَى إسْقَاطِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ.
وَتَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ مَحَارِمِهِ وَإِسْقَاطُ فَرَائِضِهِ بِالْحِيَلِ، وَبَيْعُ الْحُرِّ [ائْرَ] ، وَإِبَاقُ الْمَمْلُوكِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَنُشُوزُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَكِتْمَانُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِهِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ لِلدُّنْيَا وَالْمُبَاهَاةِ وَالْجَاهِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ، وَالْغَدْرُ، وَالْفُجُورُ فِي الْخِصَامِ، وَإِتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا وَفِي مَحِيضِهَا، وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ.
وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَاتِّهَامُهُ فِي أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَالتَّكْذِيبُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِجَ بِهِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ رَفَعَ الْمَسِيحِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَأَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا وَاِتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَنَّهُ نَادَى آدَمَ وَحَوَّاءَ وَنَادَى مُوسَى وَيُنَادِي نَبِيَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ وَأَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا الِاسْتِمَاعُ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ لَا يُحِبُّونَ اسْتِمَاعَهُ، وَتَخْبِيثُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَالْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَتَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَاهُ، وَأَخْذُ الرِّبَا وَإِعْطَاؤُهُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكِتَابَتُهُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَعَصْرُهَا وَاعْتِصَارُهَا وَحَمْلُهَا وَبَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، وَلَعْنُ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ اللَّعْنَ، وَإِتْيَانُ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالْعَرَّافِينَ وَالسَّحَرَةِ وَتَصْدِيقُهُمْ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَالِهِمْ، وَالسُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْحَلِفُ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» وَقَدْ قَصَّرَ مَا شَاءَ أَنْ يُقَصِّرَ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَجْعَلُهُ شِرْكًا، فَرُتْبَتُهُ فَوْقَ رُتْبَةِ الْكَبَائِرِ، وَاِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَجَعْلُهَا أَوْثَانًا وَأَعْيَادًا يَسْجُدُونَ لَهَا تَارَةً وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا تَارَةً وَيَطُوفُونَ بِهَا تَارَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ أَنْ يُدْعَى فِيهَا وَيُعْبَدَ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ.
стр. 1214
وَمِنْهَا مُعَادَاةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَإِسْبَالُ الثِّيَابِ مِنْ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْعِمَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَالتَّبَخْتُرُ فِي الْمَشْيِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الْهَوَى وَطَاعَةُ الشُّحِّ وَالْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَإِضَاعَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَنَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَزَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَالذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَنَةً كَمَا فِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَقَتْلِهِ» ، وَأَمَّا هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُونَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا الشَّفَاعَةُ فِي إسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَمِنْهَا تَكَلَّمُ الرَّجُلِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا.
وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَ إلَى بِدْعَةٍ أَوْ ضَلَالَةٍ أَوْ تَرْكِ سُنَّةٍ، بَلْ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مُضَادَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ بِمُسْلِمٍ أَكْلَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ بِهَا أَكْلَةً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَامَ بِمُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، وَمَنْ اكْتَسَى بِمُسْلِمٍ ثَوْبًا كَسَاهُ اللَّهُ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَذِبٍ عَلَيْهِ أَوْ سُخْرِيَةٍ أَوْ هُمَزَةٍ أَوْ لُمَزَةٍ أَوْ غِيبَةٍ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ وَالِازْدِرَاءِ بِهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالنَّيْلِ مِنْ عِرْضِهِ عِنْدَ عَدُوِّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَوْقَعَ فِي وَسَطِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَمِنْهَا التَّبَجُّحُ وَالِافْتِخَارُ بِالْمَعْصِيَةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَشْكَالِهِ، وَهُوَ الْإِجْهَارُ الَّذِي لَا يُعَافِي اللَّهُ صَاحِبَهُ، وَإِنْ عَافَاهُ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهَانِ وَلِسَانَانِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ، وَيَأْتِي غَيْرَهُمْ بِوَجْهٍ وَلِسَانٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا بَذِيًّا يَتْرُكُهُ النَّاسُ وَيَحْذَرُونَهُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ.
وَمِنْهَا مُخَاصَمَةُ الرَّجُلِ فِي بَاطِلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِنْ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، أَوْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ
стр. 1215
وَلَيْسَ بِابْنِهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» وَفِيهِمَا أَيْضًا «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ» وَفِيهِمَا أَيْضًا «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ اُدُّعِيَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلَّا وَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» .
فَمِنْ الْكَبَائِرِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ وَدِينُهُمْ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ، فَكَيْفَ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِالسُّنَّةِ وَمُخَالَفَةِ آرَاءِ الرِّجَالِ لَهَا وَتَحْكِيمِهَا وَالتَّحَاكُمِ إلَيْهَا؟ وَمِنْهَا أَنْ يُحَدِّثَ حَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ يُؤْوِيَ مُحْدِثًا وَيَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» وَمِنْ أَعْظَمِ الْحَدَثِ تَعْطِيلُ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِحْدَاثُ مَا خَالَفَهُمَا، وَنَصْرُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ وَالذَّبُّ عَنْهُ، وَمُعَادَاةُ مَنْ دَعَا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ .
وَمِنْهَا إحْلَالُ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ فِي حَرَمِ اللَّهِ.
وَمِنْهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنْ يَكُونَ دُونَهَا.
وَمِنْهَا الْغُلُولُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَمِنْهَا غِشُّ الْإِمَامِ وَالْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، أَوْ يَقَعُ عَلَى بَهِيمَةٍ.
وَمِنْهَا الْمَكْرُ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَمُخَادَعَتُهُ وَمُضَارَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَلْعُونٌ مَنْ مَكَرَ بِمُسْلِمٍ أَوْ ضَارَّ بِهِ» .
وَمِنْهَا الِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ وَإِهْدَارُ حُرْمَتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ وَطِئَهُ بِرِجْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنْ يُضِلَّ أَعْمَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَقَدْ لَعَنَ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَضَلَّ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ أَوْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؟
стр. 1216
وَمِنْهَا أَنْ يَسِمَ إنْسَانًا أَوْ دَابَّةً فِي وَجْهِهَا، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَفْعَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .
وَمِنْهَا الْجِدَالُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَدِينِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَمِنْهَا إسَاءَةُ الْمَلِكَةِ بِرَقِيقِهِ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» .
وَمِنْهَا أَنْ يَمْنَعَ الْمُحْتَاجَ فَضْلَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاهُ.
وَمِنْهَا الْقِمَارُ، وَأَمَّا اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ؛ لِتَشِبِّيهِ لَاعِبِهِ بِمَنْ صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا أَكَلَ الْمَالَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّعِبَ بِمَنْزِلَةِ غَمْسِ الْيَدِ، وَأَكْلُ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَمِنْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَحْرِيقِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِيُحَرِّقَ مُرْتَكِبَ صَغِيرَةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَهَذَا فَوْقَ الْكَبِيرَةِ.
وَمِنْهَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونَنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» وَفِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» .
وَمِنْهَا أَنْ يَقْطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، أَوْ يَدُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعَلِّمَهُ مِنْ الْحِيَلِ مَا يُخْرِجُهُ بِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَمِنْهَا الْغُلُوُّ فِي الْمَخْلُوقِ حَتَّى يَتَعَدَّى بِهِ مَنْزِلَتَهُ، وَهَذَا قَدْ يَرْتَقِي مِنْ الْكَبِيرَةِ إلَى الشِّرْكِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ» .
وَمِنْهَا الْحَسَدُ، وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.
وَمِنْهَا الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِ فَاعِلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ وُقُوفَهُ عَنْ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1217
[فَصْل عَوْدٌ إلَى فَتَاوَى الرَّسُولِ]
فَصْلٌ
[عَوْدٌ إلَى فَتَاوَى الرَّسُولِ] مُسْتَطْرَدٌ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ ، فَارْجِعْ إلَيْهَا.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: إذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ فَأَنْتَ مُهَاجِرٌ وَإِنْ مِتَّ بِالْحَضْرَمَةِ يَعْنِي أَرْضًا بِالْيَمَامَةِ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ بِلَادًا يَسْكُنَهَا، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَوَكَّلُ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
«وَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَأْمُرنِي؟ قَالَ هَهُنَا وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ» ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ الْيَهُودُ عَنْ الرَّعْدِ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُهُ بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ؟ قَالَ: زَجْرُهُ السَّحَابَ حَتَّى تَنْتَهِيَ حَيْثُ أُمِرَتْ قَالُوا: صَدَقْتَ، ثُمَّ قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إلَّا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، فَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ قَالُوا: صَدَقْتَ» ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ: أَهِيَ مِنْ نَسْلِ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا قَطُّ فَمَسَخَهُمْ فَكَانَ لَهُمْ نَسْلٌ حَتَّى يُهْلِكَهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا خَلْقٌ كَانَ، فَلَمَّا كَتَبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ مَسْخَهُمْ جَعَلَهُمْ مِثْلَهُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَقَالَ: فِيكُمْ الْمُغْرِبُونَ فَقَالَ عَائِشَةُ: وَمَا الْمُغْرِبُونَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمْ الْجِنُّ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، وَهَذَا مِنْ مُشَارَكَةِ الشَّيَاطِينِ لِلْإِنْسِ فِي الْأَوْلَادِ، وَسُمُّوا مُغْرِبِينَ لِبُعْدِ أَنْسَابِهِمْ وَانْقِطَاعِهِمْ عَنْ أُصُولِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ " عَنْقَاءُ مُغْرِبٍ ".
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَتَّزِرُ؟ فَأَشَارَ إلَى عَظْمِ سَاقِهِ، وَقَالَ هَهُنَا اتَّزِرْ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُ؟ قَالَ: فَهَهُنَا أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَهَهُنَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَقَالَ: إنَّ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: «مَنْ جَرَّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ
стр. 1218
إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ: إذًا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ يُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» .
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَامَّزَقَ شَعْرُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ إتْيَانِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَا تَأْتِهِمْ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الطِّيَرَةِ، قَالَ ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَرُدُّنَّهُمْ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْخَطِّ، فَقَالَ كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكُهَّانِ أَيْضًا، فَقَالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فَقَالَ السَّائِلُ: إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانَا بِالشَّيْءِ فَيَكُونُ، فَقَالَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنْ الْإِنْسِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فَقَالَ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ خَدِيجَةُ ﵂ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَالَتْ: إنَّهُ كَانَ صَدَّقَكَ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسَهُ ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَّ فِي أَثَرِهِ. فَقَالَ لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ أُمُّ الْعَلَاءِ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَيْنًا تَجْرِي، يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ» .
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد «أَنَّ مُعَاذًا سَأَلَهُ فَقَالَ: بِمَ أَقْضِي؟ قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَجِدْ؟ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَجِدْ؟ قَالَ اسْتَدْنِ الدُّنْيَا، وَعَظِّمْ فِي عَيْنَيْكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَاجْتَهِدْ رَأْيكَ فَسَيُسَدِّدُكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ» ، وَقَوْلُهُ " اسْتَدْنِ الدُّنْيَا " أَيْ: اسْتَصْغِرْهَا وَاحْتَقِرْهَا.
«وَسَأَلَهُ ﷺ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَقَالَ: أَلَا أَحْمِلُ لَكَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ فَتُنْتِجَ لَكَ بَغْلًا فَتَرْكَبَهَا؟ فَقَالَ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَلَمَّا نَزَلَ التَّشْدِيدُ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ عَزَلُوا طَعَامَهُمْ عَنْ طَعَامِ الْأَيْتَامِ وَشَرَابِهِمْ مِنْ
стр. 1219
شَرَابِهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فَقَالَ إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] فَقَالَ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كَمْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ؟ قَالَ عَشَرَةُ آلَافٍ» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو ثَعْلَبَةَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] الْآيَةُ، فَقَالَ: ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْتَهُوا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسُئِلَ ﷺ : مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ فَقَالَ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«وَسُئِلَ ﷺ : كَيْفَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ فَقَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي، رَأَتْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَوَّلُ مَا رَأَيْت مِنْ النُّبُوَّةِ؟ قَالَ إنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا بِرَجُلٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا لِأَحَدٍ قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا لِخَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى خَلْقٍ قَطُّ، فَأَقْبَلَا يَمْشِيَانِ حَتَّى أَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَضُدِي لَا أَجِدُ لِأَخْذِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ، فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْرٍ وَلَا هَصْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ، فَحَوَى أَحَدُهُمَا صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ، فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْخِلْ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ
стр. 1220
الَّذِي أَخْرَجَ شِبْهُ الْفِضَّةِ، ثُمَّ هَزَّ إبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى، فَقَالَ: اُغْدُ سَلِيمًا، فَرَجَعَتْ بِهَا رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ وَرَحْمَةً عَلَى الْكَبِيرِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ» .
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَحَبِّ النِّسَاءِ إلَيْهِ، فَقَالَ عَائِشَةُ فَقِيلَ: وَمِنْ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ أَبُوهَا فَقِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁» .
«وَسَأَلَهُ ﷺ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ: أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ قَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ أَحَبُّ أَهْلِي إلَيَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ، قَالَ إنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ «سُئِلَ: أَيُّ أَهْلِ بَيْتَكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْحَسَنُ ﵁ وَالْحُسَيْنُ ﵁» .
«وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ امْرَأَةٍ كَثِيرَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ هِيَ فِي النَّارِ فَقِيلَ: إنَّ فُلَانَةَ، فَذَكَرَ قِلَّةَ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَنَهَاهُمْ عَنْ الْجُلُوسِ بِالطُّرُقَاتِ إلَّا بِحَقِّهَا، فَسُئِلَ عَنْ حَقِّ الطَّرِيقِ، فَقَالَ «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» .
«سَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ لِي مَالًا وَوَالِدًا، وَإِنَّ أَبِي اجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ، إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ عَنْ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ، فَقَالَ أَلَكَ وَالِدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ وَيْحَكَ، الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1221
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ نَعَمْ، خِصَالٌ أَرْبَعٌ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا؛ فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسُئِلَ ﷺ : مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونِي وَأَعْفُو عَنْهُمْ وَيَظْلِمُونِي، أَفَأُكَافِئهُمْ؟ قَالَ: لَا، إذًا تَكُونُوا جَمِيعًا، وَلَكِنْ خُذْ الْفَضْلَ وَصِلْهُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يُزَالَ مَعَكَ ظَهِيرٌ مِنْ اللَّهِ مَا كُنْتَ عَلَى ذَلِكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» .
«وَسُئِلَ ﷺ : مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ قَالَ يُطْعِمُهَا إذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوهَا إذَا لَبِسَ، وَلَا يَضْرِبُ لَهَا وَجْهًا، وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَا يَهْجُرُ إلَّا فِي الْبَيْتِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا فَقَالَ: إنِّي خَادِمُهَا، قَالَ اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
«وَسُئِلَ عَنْ الِاسْتِئْنَاسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] قَالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ وَيَتَنَحْنَحُ وَيُؤْذِنُ أَهْلُ الْبَيْتِ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
«وَعَطَسَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ قُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا نَقُولُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ قُولُوا لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ: مَا أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ قُلْ لَهُمْ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.