← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11496

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

«وَسُئِلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى رَجُلٍ يُغْبَنُ فِي الْبَيْعِ لِضَعْفٍ فِي عُقْدَتِهِ، فَنَهَاهُ عَنْ الْبَيْعِ، فَقَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهُ، فَقَالَ إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ، وَأَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا» . «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اسْتَغَلَّ غُلَامِي، فَقَالَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أَبِيعُ وَأَشْتَرِي، فَإِذَا أَرَدْت أَنْ أَبْتَاعَ الشَّيْءَ سُمْت بِهِ أَقَلَّ مِمَّا أُرِيدُ ثُمَّ زِدْت حَتَّى أَبْلُغَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإِذَا أَرَدْت أَنْ أَبِيعَ الشَّيْءَ سُمْت بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي أُرِيدُ ثُمَّ وَضَعْتُ حَتَّى أَبْلُغَ الَّذِي أُرِيدُ، فَقَالَ لَا تَفْعَلِي، إذَا أَرَدْتِ أَنْ تَبْتَاعِي شَيْئًا فَاسْتَامِي بِهِ الَّذِي تُرِيدِينَ أُعْطِيت أَوْ مُنِعْتِ، وَإِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَبِيعِي شَيْئًا فَاسْتَامِي بِهِ الَّذِي تُرِيدِيهِ أُعْطِيت أَوْ مُنِعْتِ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَسَأَلَهُ ﷺ بِلَالٌ عَنْ تَمْرٍ رَدِيءٍ بَاعَ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ جَيِّدٍ، فَقَالَ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بَيْعًا آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِالثَّمَنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ أَمَّا مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ عَنْ «الْبَرَاءِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ الصَّرْفِ، فَقَالَ إنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ قِلَادَةٍ اشْتَرَاهَا يَوْمَ خَيْبَرَ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَقَالَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ مَا فِي الْآخَرِ وَزِيَادَةٌ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحُ الرِّبَا، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَنْعَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ الصُّوَرِ «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْفَرَسِ بِالْأَفْرَاسِ وَالنَّجِيبَةِ بِالْإِبِلِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: أَشْتَرِي الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ؟ ، فَقَالَ: إذَا أَخَذْتَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَا يُفَارِقُكَ صَاحِبُكَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ» وَفِي لَفْظٍ: «كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ، وَكُنْتُ آخُذُ الذَّهَبَ مِنْ الْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ مِنْ الذَّهَبِ، وَالدَّنَانِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَسَأَلْتُ

стр. 1157

النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إذَا أَخَذْتَ أَحَدَهُمَا، وَأَعْطَيْتَ الْآخَرَ فَلَا يُفَارِقُكَ صَاحِبُكَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا فِي اللَّفْظِ الَّذِي عِنْدَ أَبِي دَاوُد عَنْهُ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ﵃. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ أَسْلَفَ فِي نَخْلٍ فَلَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ السَّنَةَ، فَقَالَ اُرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ ثُمَّ قَالَ لَا تُسْلِفُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ النَّخْلُ، فَلَمْ يُطْلِعْ النَّخْلُ شَيْئًا ذَلِكَ الْعَامَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ لِي حَتَّى يُطْلِعَ، وَقَالَ الْبَائِعُ: إنَّمَا بِعْتُكَ النَّخْلَ هَذِهِ السَّنَةَ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ آخُذُ مِنْ نَخْلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَهُ؟ اُرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ ثُمَّ قَالَ لَا تُسْلِفُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» . وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ السَّلَمَ إلَّا فِي مَوْجُودِ الْجِنْسِ حَالَ الْعَقْدِ، كَمَا يَقُولُهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ بَنِي فُلَانٍ قَدْ أَسْلَمُوا، لِقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ جَاعُوا، فَأَخَاف أَنْ يَرْتَدُّوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، لِشَيْءٍ سَمَّاهُ أَرَاهُ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ] « وَسَأَلَهُ ﷺ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اجْعَلْنِي عَلَى شَيْءٍ أَعِيشُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَمْزَةُ نَفْسٌ تُحْيِيهَا أَحَبُّ إلَيْكَ أَمْ نَفْسٌ تُمِيتُهَا؟ فَقَالَ: نَفْسٌ أُحْيِيهَا، قَالَ عَلَيْكَ نَفْسُكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَسُئِلَ ﷺ : مَا عَمَلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ " الصِّدْقُ، فَإِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ بَرَّ، وَإِذَا بَرَّ آمَنَ، وَإِذَا آمَنَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ".

стр. 1158

«وَسُئِلَ ﷺ : مَا عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ الْكَذِبُ، إذَا كَذَبَ الْعَبْدُ فَجَرَ، وَإِذَا فَجَرَ كَفَرَ، وَإِذَا كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ» . «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ؟ فَقَالَ الصَّلَاةُ قِيلَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ الصَّلَاةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّ لِي وَالِدَيْنِ، قَالَ آمُرُكَ بِالْوَالِدَيْنِ خَيْرًا قَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأُجَاهِدَنَّ وَلْأَتْرُكْهُمَا، فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ» ذَكَرُهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْغُرَفِ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ إنْ جَاهَدْتُ بِنَفْسِي وَمَالِي فَقُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ إلَّا إنْ مِتَّ وَعَلَيْكَ دَيْنٌ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ وَفَاؤُهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِتَشْدِيدٍ أُنْزِلَ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ الدَّيْنُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ» ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ عَنْ أَخِيهِ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ هُوَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاقْضِ عَنْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَدَّيْتُ عَنْهُ إلَّا دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ أَعْطِهَا فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا عَلِمَ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ جَازَ لَهُ وَفَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ. «وَسَأَلُوهُ ﷺ أَنْ يُسَعِّرَ لَهُمْ، فَقَالَ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَا يَطْلُبنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إيَّاهُ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. فَصْلٌ: «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرْضِي لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَرِكَةٌ وَلَا قِسْمَةٌ إلَّا الْجَارُ، فَقَالَ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَالصَّوَابُ الْعَمَلُ بِهَذِهِ الْفَتْوَى إذَا اشْتَرَكَا فِي طَرِيقٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ. «وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الظُّلْمِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: ذِرَاعٌ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَقِصُهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، وَلَيْسَتْ

стр. 1159

حَصَاةٌ مِنْ الْأَرْضِ أَخَذَهَا إلَّا طُوِّقَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى قَعْرِ الْأَرْضِ، وَلَا يَعْلَمُ قَعْرَهَا إلَّا الَّذِي خَلَقَهَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَأَفْتَى ﷺ فِي شَاةٍ ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَقُدِّمَتْ إلَيْهِ أَنْ تُطْعَمُ الْأُسَارَى» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ] فَتَاوَى فِي الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ] «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّ ظَهْرَ الرَّهْنِ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنَ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخَذَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِهَذِهِ الْفَتْوَى، وَهُوَ الصَّوَابُ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَغْلَقُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. «وَأَفْتَى ﷺ فِي رَجُلٍ أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَأَمَرَ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوفِ ذَلِكَ دَيْنَهُ، فَقَالَ لِلْغُرَمَاءِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَأَفْتَى ﷺ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ تَصَدَّقُ الْمَرْأَة] فَصْلٌ: [الْمَرْأَةُ تَتَصَدَّقُ] «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ عَنْ حُلِيٍّ لَهَا تَصَدَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ فِي مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَفِي لَفْظٍ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا» ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّ خَيْرَةَ امْرَأَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَتَتْهُ بِحُلِيٍّ فَقَالَتْ: تَصَدَّقْتُ بِهَذَا، فَقَالَ هَلْ اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَبَعَثَ إلَى كَعْبٍ، فَقَالَ: هَلْ أَذِنْتَ لِخَيْرَةَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . [مَالُ الْيَتِيمِ] «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلِي يَتِيمٌ، فَقَالَ: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ أَوْ قَالَ تَفْدِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ» . وَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عَزَلُوا أَمْوَالَ

стр. 1160

الْيَتَامَى، حَتَّى جَعَلَ الطَّعَامُ يَفْسُدُ وَاللَّحْمُ يَنْتُنُ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ. [اللُّقَطَةُ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: اعْرَفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً؛ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلِتَكُنَّ وَدِيعَةً عِنْدَكَ؛ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ» . «فَسُئِلَ ﷺ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» . «فَسُئِلَ ﷺ عَنْ الشَّاةِ، فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ الذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ لِمُسْلِمٍ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» . وَقَالَ «أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهَا الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: اعْرَفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنْ الضَّالَّةِ مِنْ الْإِبِلِ، قَالَ: مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَأْكُلُ الشَّجَرَ وَتَرِدُ الْمَاءَ، فَدَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا قَالَ: الضَّالَّةُ مِنْ الْغَنَمِ، قَالَ: لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، تَجْمَعُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا قَالَ: الْحَرِيسَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي مَرَاتِعِهَا، قَالَ فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أَخَذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالثِّمَارُ وَمَا أَخَذَ مِنْهَا فِي أَكْمَامِهَا، قَالَ مَا أَخَذَ بِفَمِهِ فَلَمْ يَتَّخِذْ خَبِيئَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَا احْتَمَلَ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أَخَذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاللُّقَطَةُ يَجِدُهَا فِي سَبِيلِ الْعَامِرَةِ، قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَإِنْ وَجَدَتْ بَاغِيَهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ قَالَ: مَا يُوجَدُ فِي الْحَرْبِ الْعَادِي، قَالَ فِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ. وَالْإِفْتَاءُ بِمَا فِيهِ مُتَعَيَّنٌ، وَإِنْ خَالَفَهُ مَنْ خَالَفَهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُوجِبُ تَرْكَهُ.

стр. 1161

وَأَفْتَى بِأَنَّ مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ؛ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءَ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ جَلَسَ لِحَاجَتِهِ فَأَخْرَجَ جُرَذُ مِنْ جُحْرٍ دِينَارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ آخَرَ، ثُمَّ أَخْرَجَ آخَرَ، حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ طَرَفَ خِرْقَةٍ حَمْرَاءَ، فَأَتَى بِهَا السَّائِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، وَقَالَ: خُذْ صَدَقَتَهَا، قَالَ ارْجِعْ بِهَا، لَا صَدَقَةَ فِيهَا، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكَ أَهْوَيْتَ بِيَدِكَ فِي الْجُحْرِ قُلْتُ: لَا، وَاَلَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، فَلَمْ يُفْنِ آخِرَهَا حَتَّى مَاتَ» . وَقَوْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " لَعَلَّكَ أَهْوَيْتَ بِيَدِكَ فِي الْجُحْرِ " إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكَانَ [ذَلِكَ] فِي حُكْمِ الرِّكَازِ، وَإِنَّمَا سَاقَ اللَّهُ هَذَا الْمَالَ إلَيْهِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ، أَخْرَجَتْهُ لَهُ الْأَرْضُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَلِهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَجْعَلْهُ لُقَطَةً؛ إذْ لَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ دَفْنِ الْكُفَّارِ. [فَصْلٌ الْهَدِيَّةُ وَمَا فِي حُكْمِهَا] فَصْلٌ: [الْهَدِيَّةُ وَمَا فِي حُكْمِهَا] «وَأَهْدَى لَهُ ﷺ عِيَاضُ بْنُ حَمَّادٍ إبِلًا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ إنَّا لَا نَقْبَلُ زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: قُلْتُ وَمَا زَبْدُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: رِفْدُهُمْ وَهَدِيَّتُهُمْ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَبُولَهُ هَدِيَّةَ أُكَيْدِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَقَبِلَ هَدِيَّتَهُمْ وَلَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ الْمُشْرِكِينَ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَقَالَ: رَجُلٌ أَهْدَى إلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ إنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» . وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ جَعَالَةٌ عَلَى الطِّبِّ؛ فَطَبَّهُ بِالْقُرْآنِ، فَأَخَذَ الْأُجْرَةَ عَلَى الطِّبِّ، لَا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَهَهُنَا مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢١] فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَبْلِيغِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى غُلَامٍ نَحَلَهُ لِابْنِهِ، فَلَمْ يَشْهَدْ، وَقَالَ لَا

стр. 1162

تُشْهِدنِي عَلَى جَوْرٍ وَفِي لَفْظٍ إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَفِي لَفْظٍ: أَكَلَ وَلَدُكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ وَفِي لَفْظٍ فَارْجِعْهُ وَفِي لَفْظٍ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ قَطْعًا لَا أَمْرُ إبَاحَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ جَوْرًا وَخِلَافُ الْعَدْلِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ، وَمُحَالٌ مَعَ هَذَا أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى مَا هَذَا شَأْنُهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا رَجُلٌ ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ لَا قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لَا قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أَنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقْ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتُ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةٍ. أَفَأَعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْمَوَارِيثِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي الْمَوَارِيثِ] «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ لَكَ السُّدُسُ فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ لَكَ سُدُسٌ آخَرُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ وَقَالَ إنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ» ذَكَرَهُ مَالِكٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ جَابِرٌ: كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي وَلَا يَرِثُنِي إلَّا كَلَالَةٌ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] » ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. «وَسَأَلَهُ ﷺ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ

стр. 1163

الْوَلِيدَةَ، قَالَ قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي الْقَوْلِ بِالرَّدِّ، فَتَأَمَّلْهُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْكَلَالَةِ قَالَ مَا خَلَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ» ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي أَحْكَامِهِ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةُ سَعْدٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ، قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَابْنُ عَمِّهِمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا تَرَكَ أَبُوهُمَا، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ إلَّا عَلَى مَالِهَا، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ أَعْطِ بِنْتَيْ سَعْدٍ ثُلُثَيْ مِيرَاثِهِ، وَأَعْطِ امْرَأَتَهُ الثُّمْنَ، وَخُذْ أَنْتَ مَا بَقِيَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَسُئِلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلِلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ ، لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: عِنْدِي مِيرَاثُ رَجُلٍ مِنْ الْأَزْدِ، وَلَسْتُ أَجِدُ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إلَيْهِ، فَقَالَ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ أَزْدِيًّا حَوْلًا فَأَتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إلَيْهِ، قَالَ فَانْطَلِقْ فَانْظُرْ أَوَّلَ خُزَاعِيٍّ تَلْقَاهُ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ اُنْظُرْ أَكْبَرَ خُزَاعَةَ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا، إلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهُ لَهُ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَبِهَذِهِ الْفَتْوَى نَأْخُذُ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقُهَا، وَلَقِيطُهَا، وَوَلَدُهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَبِهِ نَأْخُذُ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ، وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا وَمَالِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَبِهِ نَأْخُذُ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّهُ أَيُّمَا رَجُلٌ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنًا، لَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ» ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 1164

وَقَضَى ﷺ «فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَمَنْ قَذَفَهَا جُلِدَ ثَمَانِينَ، وَمَنْ دَعَاهُ وَلَدَ زِنًا جُلِدَ ثَمَانِينَ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «وَجُعِلَ مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا» . [فَتَاوَى تَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ] «وَسَأَلَهُ ﷺ الشَّرِيدُ بْنُ سُوَيْد، فَقَالَ: إنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ تَعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نُوبِيَّةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا عَنْهَا؟ فَقَالَ ائْتِ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: اللَّهُ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَأَتَاهُ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ أَعْجَمِيَّةٍ، فَقَالَ لَهَا أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ بِأُصْبُعِهَا السَّبَّابَةِ، فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنَا فَأَشَارَتْ بِأُصْبُعِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَإِلَى السَّمَاءِ، أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ أَعْتِقْهَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ نَجْدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ: ائْتِنِي بِهَا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا وَصَفْتِ الْإِيمَانَ وَأَنَّ رَبَّهَا ﵎ فِي السَّمَاءِ، قَالَ " أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ " فَقَدْ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَيْنَ اللَّهُ ". وَسَأَلَ ﷺ أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَجَابَ مَنْ سَأَلَهُ بِأَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، فَرَضِيَ جَوَابَهُ، وَعَلِمَ بِهِ أَنَّهُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ لِرَبِّهِ، وَأَجَابَ هُوَ ﷺ مَنْ " سَأَلَهُ أَيْنَ اللَّهُ "، وَلَمْ يُنْكِرْ هَذَا السُّؤَالَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الْجَهْمِيِّ أَنَّ السُّؤَالَ بِأَيْنَ اللَّهُ كَالسُّؤَالِ بِمَا لَوْنُهُ وَمَا طَعْمُهُ وَمَا جِنْسُهُ وَمَا أَصْلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْمُحَالَةِ الْبَاطِلَةِ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ مَيْمُونَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: أَشَعُرْتَ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ صَاحِبٍ لَهُمْ قَدْ أَوْجَبَ، يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.

стр. 1165

«وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: كَمْ أَعْفُو عَنْ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنْ الْخَادِمِ؟ قَالَ اُعْفُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةٍ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ وَلَدِ الزِّنَا، فَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ، نَعْلَانِ أُجَاهِدُ فِيهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ الزِّنَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، أَفَيَجْزِي عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ: «إنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ نَعَمْ» . «وَاسْتَفْتَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ ﵂، فَقَالَتْ: إنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَأَعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكَهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَقَالَ لَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ، إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَصِحُّ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، وَإِنَّمَا صَحَّ عَقْدُ عَائِشَةَ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَعْدِ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُعَلِّلْ بِهِ، وَلَا أَشَارَ فِي الْحَدِيثِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا، وَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ كَالْمُقَارَنِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي الْكَلَامِ إضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ أَوْ لَا تَشْتَرِطِيهِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّكِ أَنْتِ الَّتِي تَعْتِقِينَ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ تَكَلُّفًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَفِيهِ إلْغَاءُ الِاشْتِرَاطِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تَشْتَرِطْ لَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَهَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: بَلْ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ تَصْحِيحًا لِهَذَا الشَّرْطِ، وَلَا إبَاحَةً لَهُ، وَلَكِنْ عُقُوبَةً لِمُشْتَرِطِهِ؛ إذْ أَبَى أَنْ يَبِيعَ جَارِيَةً لِلْمُعْتِقِ إلَّا بِاشْتِرَاطِ مَا يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْعَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ شَرْطِهِمْ الْبَاطِلِ لِيُظْهِرَ بِهِ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الْبَاطِلَةَ لَا تُغَيِّرُ شَرْعَهُ، وَإِنَّ مَنْ شَرَطَ مَا يُخَالِفُ دِينَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ، وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهِ، وَإِنَّ مَنْ عَرَفَ فَسَادَ الشَّرْطِ وَشَرَطَهُ أُلْغِيَ اشْتِرَاطُهُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الطُّرُقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1166

[فَصْلٌ فَتَاوِي فِي الزَّوَاجِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي الزَّوَاجِ] «وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ : أَيُّ الْمَالِ يَتَّخِذُ؟ فَقَالَ لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ لَا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ الْفِتْنَةُ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ، أَفَلَا أَخْتَصِي؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ زِدْ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. «وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ، قَالَ خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ، إنَّ كُلَّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَأَفْتَى ﷺ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا» . «وَسَأَلَهُ ﷺ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَنْ امْرَأَةٍ خَطَبَهَا، قَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا فَأَتَى أَبَوَيْهَا فَأَخْبَرَهُمَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، فَسَمِعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ فِي خِدْرِهَا فَقَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ فَانْظُرْ، وَإِلَّا فَإِنِّي أَنْشُدَكَ، كَأَنَّهَا عَظَّمَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهَا فَتَزَوَّجْتُهَا، فَذَكَرَ مِنْ مُوَافَقَتِهَا لَهُ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ.

стр. 1167

«وَسَأَلَهُ ﷺ جَرِيرٌ عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ، فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَكَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ، فَقَالَ إنْ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قِيلَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصْدِقَهَا شَيْئًا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، قَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَاسْتَأْذَنَتْهُ ﷺ أُمُّ سَلَمَةَ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا، قَالَ: حَسِبَتْ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَأَمَرَ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ أَنْ يَحْتَجِبَا مِنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَتَا: أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ قَالَ أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟» ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَأَخَذَتْ طَائِفَةٌ بِهَذِهِ الْفَتْوَى، وَحَرَّمَتْ عَلَى الْمَرْأَةِ نَظَرَهَا إلَى الرَّجُلِ، وَعَارَضَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى هَذَا الْحَدِيثَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَفِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ نَظَرٌ؛ إذْ لَعَلَّ قِصَّةَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَخَصَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى ذَلِكَ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . «وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فَقَالَ ﷺ فَذَاكَ إذْنُهَا إذَا هِيَ سَكَتَتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَبِهَذِهِ الْفَتْوَى نَأْخُذُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْمَارِ الْبِكْرِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَفِي لَفْظِ وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» . «وَسَأَلَتْهُ ﷺ جَارِيَةٌ بِكْرٌ، فَقَالَتْ: إنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ فَقَدْ أَمَرَ بِاسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ، وَنَهَى عَنْ إنْكَاحِهَا بِدُونِ إذْنِهَا، وَخَيَّرَ ﷺ مَنْ نُكِحَتْ، وَلَمْ تُسْتَأْذَنْ» ، فَكَيْفَ بِالْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُخَالَفَتِهِ بِمُجَرَّدِ مَفْهُومِ قَوْلِهِ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» ؟ كَيْفَ وَمَنْطُوقُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ الَّذِي فَهِمَهُ مَنْ قَالَ

стр. 1168

تُنْكَحُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا غَيْرُ مُرَادٍ؟ فَإِنْ قَالَ عَقِيبَهُ " وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا " بَلْ هَذَا احْتِرَازٌ مِنْهُ ﷺ مِنْ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي خِطَابِهِ كَقَوْلِهِ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّهُ لَمَّا نَفَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ أَوْهَمَ ذَلِكَ إهْدَارَ دَمِ الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَرَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَلَمَّا كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ " يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا ثَبَتَ لَهُ الْعَهْدُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ رُفِعَ هَذَا الْوَهْمُ بِقَوْلِهِ " فِي عَهْدِهِ " وَجُعِلَ ذَلِكَ قَيْدًا لِعِصْمَةِ الْعَهْدِ فِيهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ ﷺ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، كَقَوْلِهِ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» فَإِنَّ نَهْيَهُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لَمَّا كَانَ رُبَّمَا يُوهِمُ التَّعْظِيمَ الْمَحْذُورَ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَمْرَهُ بِاسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَنَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِهَا بِدُونِ إذْنِهَا وَتَخْيِيرِهَا حَيْثُ لَمْ تُسْتَأْذَنْ لَا مُعَارِضَ لَهُ؛ فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَقَالَ هُوَ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَعِنْدَهُ مَرْفُوعًا «أَنْكِحُوا الْيَتَامَى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» . «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. «وَلَمَّا هَلَكَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ تَرَكَ ابْنَةً لَهُ، فَزَوَّجَهَا عَمُّهَا قُدَامَةُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهَا؛ فَكَرِهَتْ نِكَاحَهُ، وَأَحَبَّتْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ فَنَزَعَهَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةَ، وَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ مَرْثَدٌ الْغَنَوِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عِنَاقًا، وَكَانَتْ بَغِيًّا بِمَكَّةَ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] وَقَالَ لَا تَنْكِحْهَا» . «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ آخَرُ عَنْ نِكَاحِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَهْزُولٍ كَانَتْ تُسَافِحُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْآيَةَ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّ الزَّانِيَ الْمَجْلُودَ لَا يَنْكِحُ إلَّا مِثْلَهُ» ، فَأَخَذَ بِهَذِهِ الْفَتَاوَى الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهِيَ مِنْ مَحَاسِنِ مَذْهَبِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ زَوْجَ قَحْبَةٍ، وَيُعَضِّدُ مَذْهَبَهُ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

стр. 1169

«وَأَسْلَمَ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . «وَأَسْلَمَ غَيْلَانُ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» ، ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ، وَهُمَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْخِيرَةَ إلَيْهِ بَيْنَ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ. وَسَأَلَهُ ﷺ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فَقَالَ: «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ بُصْرَةُ بْنُ أَكْتَمَ؛ فَقَالَ: نَكَحْتُ امْرَأَةً بِكْرًا فِي سِتْرِهَا، فَدَخَلْت عَلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، فَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا يُشْكِلُ مِنْ هَذِهِ الْفَتْوَى إلَّا مِثْلُ عُبُودِيَّةِ الْوَلَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. «وَأَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمْتُ بِإِسْلَامِي؛ فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ، وَرَدَّهَا إلَى الْأَوَّلِ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ، فَقَضَى لَهَا عَلَى صَدَاقِ نِسَائِهَا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذِهِ فَتْوَى لَا مُعَارِضَ لَهَا، فَلَا سَبِيلَ إلَى الْعُدُولِ عَنْهَا. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ وَمَرِضَتْ، فَتَمَعَّطَ شَعْرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهُ، فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الْعَزْلِ، قَالَ أَوَ إنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «أَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا سَتَكُونُ» . « وَسُئِلَ ﷺ أَيْضًا عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ. » «وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ مَوْءُودَةٌ صُغْرَى، فَقَالَ كَذَبَتْ الْيَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. «وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ فَقَالَ: عِنْدِي جَارِيَةٌ وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا، إذَا أَرَادَ اللَّهُ فَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ

стр. 1170

حَمَلَتْ، فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا: «إنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمَتُنَا وَسَاقِيَتُنَا وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيُؤْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ، فَقَالَ قَدْ أَخْبَرَتْكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» . وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهَرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَلَيَخْلُقَنَّ اللَّهَ نَفْسًا هُوَ خَالِقُهَا» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَعْزِلُ عَنْ امْرَأَتِي، فَقَالَ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنِّي أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وَفِي لَفْظٍ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا، مَا ضَرَّ ذَلِكَ فَارِسَ وَالرُّومَ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. فَصْلٌ: «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ التَّجْبِيَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي قُبُلِهَا مِنْ نَاحِيَةِ دُبُرِهَا، فَتَلَا عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] صِمَامًا وَاحِدًا» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى رَسُولِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقُوا الْحَيْضَةَ وَالدُّبُرَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ الْوَطْءُ مِنْ الدُّبُرِ لَا فِي الدُّبُرِ، وَقَدْ قَالَ «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» وَقَالَ «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» وَقَالَ «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» وَقَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» وَقَالَ «فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا: هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ جَمِيعُهَا ذَكَرَهَا أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ. «وَسُئِلَ ﷺ : مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ قَالَ أَنْ يُطْعِمَهَا إذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَى، وَلَا يَضْرِبَ الْوَجْهَ وَلَا يُقَبِّحَ، وَلَا يَهْجُرَ إلَّا فِي الْبَيْتِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ.

стр. 1171

[فَصْلٌ فَتَاوَى فِي أَحْكَامِ الرَّضَاعِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي أَحْكَامِ الرَّضَاعِ] «وَسَأَلَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ؛ إنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ أَرْضَعَتْنِي، فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ إنَّهُ عَمُّكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: إنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحَدْثَاءَ رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَتْهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: إنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقِلُوا، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. فَأَخَذَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ بِهَذِهِ الْفَتْوَى مِنْهُمْ عَائِشَةُ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهَا أَحَادِيثَ تَوْقِيتِ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ بِمَا قَبْلَ الْفِطَامِ وَبِالصِّغَرِ وَبِالْحَوْلَيْنِ لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: كَثْرَتُهَا وَانْفِرَادُ حَدِيثِ سَالِمٍ، الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ خَلَا عَائِشَةَ ﵅ فِي شِقِّ الْمَنْعِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَحْوَطُ، الرَّابِعُ: أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ لَا يُنْبِتُ لَحْمًا وَلَا يَنْشُرُ عَظْمًا، فَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَعْضِيَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ، الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِسَالِمٍ وَحْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ ذَلِكَ إلَّا فِي قِصَّتِهِ، السَّادِسُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَغَضِبَ، فَقَالَتْ: إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي قِصَّةِ سَالِمٍ مَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا كَانَ مَوْضِعَ حَاجَةٍ؛ فَإِنَّ سَالِمًا كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَرَبَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ وَمِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ بُدٌّ، فَإِذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ بِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَعَلَّ هَذَا الْمَسْلَكَ أَقْوَى الْمَسَالِكِ، وَإِلَيْهِ كَانَ شَيْخُنَا يَجْنَحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. «وَسُئِلَ ﷺ أَنْ يَنْكِحَ ابْنَةَ حَمْزَةَ، فَقَالَ لَا تَحِلُّ لِي؛ إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: تَزَوَّجَتْ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ؛ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: إنَّهَا كَاذِبَةٌ، فَقَالَ كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ بِأَنَّهَا

стр. 1172

أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا عَنْكَ فَفَارَقَهَا وَأُنْكِحَتْ غَيْرَهُ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ «دَعْهَا عَنْكَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا» . «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذِمَّةَ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالْمَذِمَّةُ - بِكَسْرِ الذَّالِ - مِنْ الذِّمَامِ، لَا مِنْ الذَّمِّ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْمَدْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِلْمُرْضِعَةِ عَلَى الْمُرْضَعِ حَقًّا وَذِمَامًا فَيُذْهِبُهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَيُعْطِيهَا إيَّاهُ. «وَسُئِلَ ﷺ : مَا الَّذِي يَجُوزُ مِنْ الشُّهُودِ فِي الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الطَّلَاقِ] فَصْلٌ مِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي الطَّلَاقِ [فَتَاوَى فِي الطَّلَاقِ] ثَبَتَ عَنْ «عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ طَلَاقِ ابْنِهِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدُ فَلْيُطَلِّقْ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ ، رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي، وَذَكَرَ مِنْ بَذَائِهَا، فَقَالَ طَلِّقْهَا فَقَالَ: إنَّ لَهَا صُحْبَةً وَوَلَدًا، قَالَ مُرْهَا وَقُلْ لَهَا، فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ، وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أَمَتَكَ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ آخَرُ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: غَيِّرْهَا إنْ شِئْتَ وَفِي لَفْظٍ طَلِّقْهَا قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» . فَعُورِضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَشَابِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُحْكَمَةُ الصَّرِيحَةُ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِ الْبَغَايَا، وَاخْتَلَفَتْ مَسَالِكُ الْمُحَرِّمِينَ لِذَلِكَ فِيهِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِاللَّامِسِ مُلْتَمِسُ الصَّدَقَةِ، لَا مُلْتَمِسُ الْفَاحِشَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ هَذَا فِي الدَّوَامِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ وُرُودُ الْعَقْدِ عَلَى زَانِيَةٍ؛ فَهَذَا هُوَ الْحَرَامُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ هَذَا مِنْ الْتِزَامِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أَعْلَاهُمَا؛ فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِمُفَارَقَتِهَا خَافَ أَنْ لَا يَصْبِرَ عَنْهَا فَيُوَاقِعَهَا حَرَامًا؛ فَأَمَرَهُ حِينَئِذٍ بِإِمْسَاكِهَا؛ إذْ مُوَاقَعَتُهَا بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ أَقَلُّ فَسَادًا مِنْ مُوَاقَعَتِهَا بِالسِّفَاحِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ لَمَسَهَا أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَهِيَ تُعْطِي اللِّيَانَ لِذَلِكَ، وَلَا

стр. 1173

يَلْزَمُ أَنْ تُعْطِيَهُ الْفَاحِشَةَ الْكُبْرَى، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ إجَابَتُهَا لِدَاعِي الْفَاحِشَةِ، فَأَمْرُهُ بِفِرَاقِهَا تَرْكًا لِمَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ نَفْسَهُ تَتْبَعُهَا وَأَنَّهُ لَا صَبْرَ لَهُ عَنْهَا رَأَى مَصْلَحَةَ إمْسَاكِهَا أَرْجَحَ مِنْ مُفَارَقَتِهَا لِمَا يُكْرَهُ مِنْ عَدَمِ انْقِبَاضِهَا عَمَّنْ يَلْمِسُهَا، فَأَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا، وَهَذَا لَعَلَّهُ أَرْجَحُ الْمَسَالِكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي، يَعْنِي، ثَلَاثًا، وَإِنِّي تَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَدْ دَخَلَ بِي، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَلَمْ يَقْرَبْنِي إلَّا بِهَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَصِلْ مِنِّي إلَى شَيْءٍ، أَفَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَسُئِلَ ﷺ أَيْضًا عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَيَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَيُغْلِقُ الْبَابَ وَيُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، قَالَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعَهَا الْآخَرُ» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ التَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ فَقَالَ هُوَ الْمُحَلِّلُ ثُمَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ عَنْ كُفْرِ الْمُنَعَّمِينَ، فَقَالَ لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ أَنْ تَطُولَ أَيْمَتُهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبَوَيْهَا تَعْنُسَ فَيَرْزُقَهَا اللَّهُ زَوْجًا وَيَرْزُقَهَا مِنْهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَتَغْضَبَ الْغَضْبَةَ، فَتَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ يَوْمًا خَيْرًا قَطُّ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ طَلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ أَيَلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ» ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. «وَطَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ طَلَّقْتُهَا؟ فَقَالَ: طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ إنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْجِعْهَا إنْ شِئْتَ قَالَ: فَرَاجَعَهَا» ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِي إنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ، ذَكَرَ أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ وَأَحْمَدُ يُصَحِّحُ هَذَا الْإِسْنَادَ، وَيَحْتَجُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتُهُ أُمَّ رُكَانَةَ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا يُغْنِي عَنِّي إلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ، لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا، فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّتُهُ، فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَتَرَوْنَ أَنَّ

стр. 1174

فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ يَزِيدَ: طَلِّقْهَا، فَفَعَلَ، فَقَالَ: رَاجِعْ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتَهُ؛ فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا وَتَلَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] » . قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، فَذَكَرَهُ، فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى مُتَابِعَةٌ لِابْنِ إِسْحَاقَ، وَاَلَّذِي يُخَافُ مِنْ ابْنِ إِسْحَاقَ التَّدْلِيسُ، وَقَدْ قَالَ " حَدَّثَنِي " وَهَذَا مَذْهَبُهُ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، صَحَّ عَنْهُ ذَلِكَ، وَصَحَّ عَنْهُ إمْضَاءُ الثَّلَاثِ مُوَافَقَةً لِعُمَرَ ﵁، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ وَاحِدَةً فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄، وَغَايَةُ مَا يَقْدِرُ مَعَ بُعْدِهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَالْمُسْتَحِيلِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ الصِّدِّيقِ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَفْتَى هُوَ ﷺ بِهِ، فَهَذِهِ فَتْوَاهُ وَعَمَلُ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهُ أَخْذٌ بِالْيَدِ، وَلَا مُعَارِضَ لِذَلِكَ، وَرَأَى عُمَرُ ﵁ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى إنْفَاذِ الثَّلَاثِ عُقُوبَةً وَزَجْرًا لَهُمْ لِئَلَّا يُرْسِلُوهَا جُمْلَةً، وَهَذَا اجْتِهَادٌ مِنْهُ ﵁، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ سَائِغًا لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، وَلَا يُوجِبُ تَرْكَ مَا أَفْتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ خَلِيفَتِهِ؛ فَإِذَا ظَهَرَتْ الْحَقَائِقُ فَلْيَقُلْ امْرُؤٌ مَا شَاءَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ، قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقَالَ تَزَوَّجَهَا؛ فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ» . «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ» ذَكَرَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ. «وَسَأَلَهُ ﷺ عَبْدٌ فَقَالَ: إنَّ مُولَاتِي زَوَّجَتْنِي، وَتُرِيدُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُزَوِّجُونَ عَبِيدَهُمْ إمَاءَهُمْ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ، أَلَا إنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [الْخُلْعُ] «وَسَأَلَهُ ﷺ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ يَصْلُحُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ مَالِ امْرَأَتِهِ وَيُفَارِقَهَا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد، وَكَانَتْ قَدْ شَكَتْهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتُحِبُّ فِرَاقَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ

стр. 1175

أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» . وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: «إنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا أُطِيقُهُ بُغْضًا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ» ، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْتَاهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً» . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ» . «وَأَفْتَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ طَلَاقَ زَوْجِهَا، فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ اسْتَحْلَفَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَإِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَازَ طَلَاقُهُ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. [فَصْلٌ الظِّهَارُ وَاللِّعَانُ] فَصْلٌ: [الظِّهَارُ وَاللِّعَانُ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَالَ لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ » حَدِيثٌ صَحِيحٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ اللَّهُمَّ افْتَحْ وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ، فَابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَاعَنَا» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِي غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنَّا أَهْلَ بَيْتٍ لَمْ يَكُنْ فِينَا أَسْوَدُ قَطُّ، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ» ، " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحُكِمَ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا، وَأَخْذِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا، وَانْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ أَوْ قَذَفَ أُمَّهُ، وَسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ الزَّوْجِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ وَلَا كِسْوَةٌ وَلَا سُكْنَى بَعْدَ الْفُرْقَةِ. «وَسَأَلَهُ ﷺ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ فَقَالَ: ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ؛ فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إذْ انْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ

стр. 1176

عَلَيْهَا، فَقَالَ أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ فَقُلْت: أَنَا بِذَاكَ فَأَنَا صَابِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ ، فَاحْكُمْ فِي بِمَا أَرَاك اللَّهُ، قَالَ حَرِّرْ رَقَبَةً قُلْتُ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا، وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قُلْتُ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ بِتْنَا وَحْشِيَّيْنِ مَا لَنَا مِنْ طَعَامٍ، قَالَ فَانْطَلِقْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالَكَ بَقِيَّتَهَا فَرَجَعْتُ إلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدَتْ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْي، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَأَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ خَوْلَةُ بِنْتُ مَالِكٍ، فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجَهَا أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهَرَ مِنْهَا، وَشَكَتْهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَادِلُهَا فِيهِ بِقَوْلِهِ اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] الْآيَاتُ، فَقَالَ يَعْتِقُ رَقَبَةً قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ، فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ: إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَأَتَى سَاعَتَهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: «قَالَتْ فِي وَاَللَّهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَا وَاَلَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَخْلُصُ إلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمٍ، قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي، فَامْتَنَعْتُ مِنْهُ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي، ثُمَّ خَرَجْتُ إلَى بَعْضِ جَارَاتِي، فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ، فَجَعَلْتُ أَشْكُو إلَيْهِ مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ؛ يَا خُوَيْلَةُ ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ، قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلَ

стр. 1177

شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إذَا كَبِرَ سِنِي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أَشْكُو إلَيْكَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَائِيلُ ﵇ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ» . [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْعِدَدِ] فَصْلٌ فِي فَتَاوِيهِ ﷺ فِي الْعِدَدِ: [فَتَاوَى فِي مَسَائِلِ الْعِدَدِ] ثَبَتَ «أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ سَأَلَتْهُ، وَقَدْ مَاتَ زَوْجُهَا وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، قَالَتْ: فَأَفْتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي» . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهَا سُئِلَتْ، كَيْفَ أَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: أَفْتَانِي إذَا وَضَعْتُ أَنْ أُنْكِحَ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَقَالَتْ لَهُ، وَهِيَ حَامِلٌ: طَيِّبْ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَتْ فَقَالَ لَهَا: خَدَعْتِينِي خَدَعَكِ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَبَقَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، اُخْطُبْهَا إلَى نَفْسِهَا» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ، فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إذَا كَانَ بِطَرَفِ الْقُدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ - أَوْ فِي الْمَسْجِدِ - نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ، فَقَالَ كَيْفَ قُلْتِ فَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ» ، حَدِيثٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ أَهْلُ السُّنَنِ. «وَأَفْتَى ﷺ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ وَجَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لَمَّا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا» ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْضَةً» . وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ «الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - أَوْ أُمِرَتْ - أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ الصَّحِيحُ أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ الرُّبَيِّعِ قَالَتْ:

стр. 1178

اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ، فَسَأَلْتُ: مَاذَا عَلَيَّ مِنْ الْعِدَّةِ؟ فَقَالَ: " لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِكِ فَتَمْكُثِينَ عِنْدَهُ حَتَّى تَحِيضِي حَيْضَةً " قَالَتْ: وَإِنَّمَا تَبِعَ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرْيَمَ الْمُغَالِيَةِ، وَكَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ [فَصْلٌ ثُبُوتُ النَّسَبِ] فَصْلٌ: [ثُبُوتُ النَّسَبِ] «وَاخْتَصَمَ إلَيْهِ ﷺ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي الْغُلَامِ، فَقَالَ سَعْدٌ: هُوَ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ» . وَعِنْدَ النَّسَائِيّ: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَلَيْسَ لَكِ بِأَخٍ» . وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ، وَأَمَّا أَنْتِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ» فَحَكَمَ وَأَفْتَى بِالْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ عَمَلًا بِمُوجَبِ الْفِرَاشِ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ عَمَلًا بِشَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ» لِلشُّبْهَةِ، وَجَعَلَهُ أَخًا فِي الْمِيرَاثِ، فَتَضَمَّنَتْ فَتْوَاهُ ﷺ أَنَّ الْأَمَةَ فِرَاشٌ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَبَعَّضُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ عَمَلًا بِالِاشْتِبَاهِ كَمَا تَتَبَعَّضُ فِي الرَّضَاعَةِ، وَثُبُوتُهَا يَثْبُتُ بِهَا الْحُرْمَةُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ دُونَ الْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ، وَكَمَا فِي وَلَدِ الزِّنَا، هُوَ وَلَدٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ وَلَدًا فِي الْمِيرَاثِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ؛ فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَذَا الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَيِّتِ] [الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَيِّتِ] «وَسَأَلَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَمَنَعَ ﷺ الْمَرْأَةَ أَنْ تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجِ فَإِنَّهَا تَحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرًا، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تُطَيِّبُ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَرَخَّصَ لَهَا فِي طُهْرِهَا إذَا اغْتَسَلَتْ فِي نَبْذَةٍ مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «وَلَا تَخْتَضِبُ» . وَعِنْدَ النَّسَائِيّ «وَلَا تَمْتَشِطُ» . وَعِنْدَ أَحْمَدَ «لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ، وَلَا الشُّقَّةَ الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، لَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» . «وَجَعَلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبْرًا لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ قُلْتُ:

стр. 1179

بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكَ» ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ» . «وَسَأَلَتْهُ ﷺ خَالَةُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ طَلُقَتْ: هَلْ تَخْرُجُ تَجُدُّ نَخْلَهَا؟ فَقَالَ: فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَتَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ وَكُسْوَتِهَا] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ وَكُسْوَتِهَا] فِي فَتْوَاهُ ﷺ فِي نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ وَكُسْوَتِهَا. ثَبَتَ أَنَّ «فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَلْبَتَّةَ، فَخَاصَمَتْهُ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً» ، وَفِي السُّنَنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا بِنْتَ آلِ قَيْسٍ، إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ كَانَتْ لَهُ رَجْعَةٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا «إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهَا: «طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّ «أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ خَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إلَى امْرَأَتِهِ بِتَطْلِيقَةٍ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالَا: وَاَللَّهِ مَا لَهَا نَفَقَةٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا، فَقَالَ لَا نَفَقَةَ لَكِ فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنُ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنْ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَتْهُ، فَقَالَ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا مِنْ امْرَأَةٍ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ . «وَأَفْتَى النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ رِزْقَهُنَّ وَكُسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسُئِلَ ﷺ : مَا تَقُولُ فِي نِسَاءَنَا؟ فَقَالَ أَطْعِمُوهُنَّ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَكْسُوهُنَّ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تَضْرِبُوهُنَّ، وَلَا تُقَبِّحُوهُنَّ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَتْهُ ﷺ هِنْدُ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَتْ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي

стр. 1180

مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا مَا أَخَذَتْ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، قَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكَ وَوَلَدَكَ بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْفَتْوَى أُمُورًا، أَحَدُهَا: أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ الْمَعْرُوفُ يَنْفِي تَقْدِيرَهَا، وَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُهَا مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِيهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ كِلَاهُمَا بِالْمَعْرُوفِ. الثَّالِثُ: انْفِرَادُ الْأَبِ بِنَفَقَةِ أَوْلَادِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْأَبَ إذَا لَمْ يَبْذُلْ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ فَلِلزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ أَنْ يَأْخُذُوا قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَدَرَتْ عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَى الْفَسْخِ سَبِيلٌ. السَّادِسُ: أَنَّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ. السَّابِعُ: إنَّ ذَمَّ الشَّاكِي لِخَصْمِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ حَالَ الشِّكَايَةِ لَا يَكُونُ غَيْبَةً، فَلَا يَأْثَمُ بِهِ هُوَ وَلَا سَامِعُهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ. الثَّامِنُ: أَنَّ مَنْ مَنَعَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَكَانَ سَبَبُ ثُبُوتِهِ ظَاهِرًا فَلِمُسْتَحِقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ هِنْدًا، وَأَفْتَى بِهِ الضَّيْفَ إذَا لَمْ يُقِرَّهُ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْحَقِّ خَفِيًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا أَفْتَى النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبُوكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ «ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ» . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبِرِّ، وَقَالَ أَيْضًا: الطَّاعَةُ لِلْأَبِ، وَلِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبِرِّ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ «ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ، حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ» .

стр. 1181

[فَصْلٌ فِي الْحَضَانَةِ] [فَتَاوَى فِي الْحَضَانَةِ وَفِي مُسْتَحِقِّهَا] قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا خَمْسَ قَضَايَا. إحْدَاهَا: «قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» فَتَضَمَّنَ هَذَا الْقَضَاءُ أَنَّ الْخَالَةَ مَقَامُ الْأُمِّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَأَنَّ تَزَوُّجَهَا لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا إذَا كَانَتْ جَارِيَةً. الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ، فَاخْتَصَمَ فِيهِ هُوَ وَأُمُّهُ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْأُمُّ، فَأَجْلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَبَ هَهُنَا وَأَجْلَسَ الْأُمَّ هَهُنَا، ثُمَّ خَيَّرَ الصَّبِيَّ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. الْقَضِيَّةُ الثَّالِثَةُ: «أَنَّ رَافِعَ بْنَ سِنَانٍ أَسْلَمَ، وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَتْ: ابْنَتِي فَطِيمٌ أَوْ شِبْهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُقْعُدْ نَاحِيَةً وَقَالَ لَهَا: اُقْعُدِي نَاحِيَةً فَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: اُدْعُوَاهَا فَمَالَتْ إلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. الْقَضِيَّةُ الرَّابِعَةُ: «جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عُتْبَةَ، وَقَدْ دَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَهِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَبُوكَ وَهَذَا أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. الْقَضِيَّةُ الْخَامِسَةُ: «جَاءَتْهُ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. [وَعَلَى هَذِهِ الْقَضَايَا الْخَمْسِ تَدُورُ الْحَضَانَةُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ] . [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي جُرْمِ الْقَاتِلِ وَجَزَائِهِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي جُرْمِ الْقَاتِلِ وَجَزَائِهِ] وَمِنْ فَتَاوِيهِ ﷺ فِي بَابِ الدِّمَاءِ وَالْجِنَايَاتِ.

стр. 1182

«سُئِلَ ﷺ عَنْ الْآمِرِ وَالْقَاتِلِ، فَقَالَ قُسِّمَتْ النَّارُ سَبْعِينَ جُزْءًا فَلِلْآمِرِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ، وَلِلْقَاتِلِ جُزْءٌ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي، قَالَ اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ كَمَا قَتَلَ أَخَاكَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: اتَّقِ اللَّهَ وَاعْفُ عَنِّي فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ وَخَيْرٌ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَخَلَّى عَنْهُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ أَمَا إنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا هُوَ صَانِعٌ بِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَ أَخِي» . «وَجَاءَهُ ﷺ رَجُلٌ بِآخَرَ قَدْ ضَرَبَ سَاعِدَهُ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِفْصَلٍ، فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَقَالَ: أُرِيدُ الْقِصَاصَ، فَقَالَ خُذْ الدِّيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَأَفْتَى ﷺ بِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. «وَرُفِعَ إلَيْهِ ﷺ يَهُودِيٌّ قَدْ رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلَ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ فِي الْجَنِينِ يَسْقُطُ مِنْ الضَّرْبَةِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا. «وَقَضَى ﷺ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ: أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَقَضَى ﷺ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» ؛ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ. «وَقَضَى ﷺ أَنْ يَعْقِلَ الْمَرْأَةَ عَصْبَتُهَا مَنْ كَانُوا وَلَا يَرِثُونَ عَنْهَا، إلَّا مَا فَضُلَ عَنْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا، فَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ الْحَامِلَ إذَا قَتَلَتْ عَمْدًا لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا، وَإِنْ زَنَتْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 1183

«وَقَضَى ﷺ أَنَّ مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ: الْجِرَاحُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَادَ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا فِيهِ» ، يَعْنِي قَتَلَ بَعْدَ عَفْوِهِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ الْجَانِي. «وَقَضَى ﷺ أَنْ لَا يَقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. [فَتَاوَى فِي الدِّيَاتِ] [فَتَاوَى فِي الدِّيَاتِ] «وَقَضَى ﷺ فِي الْأَنْفِ إذَا أَوْعَبَ جَدْعًا بِالدِّيَةِ، وَإِذَا جُدِعَتْ أَرْنَبَتُهُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ» . «وَقَضَى ﷺ فِي الْعَيْنِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ عَدْلِهَا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، أَوْ مِائَةِ بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفِ شَاةٍ، وَفِي الرِّجْلِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَفِي الْيَدِ نِصْفُ الْعَقْلِ؛ وَالْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الْعَقْلِ، وَالْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْأَسْنَانُ خُمْسُ خَمْسٍ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ الْأَسْنَانَ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ فِي دِيَةِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِعُشْرِ عَشَرٍ» ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. «وَقَضَى ﷺ فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا إذَا طُمِسَتْ بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ فِي اللِّسَانِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الذَّكَرِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الصُّلْبِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ بِالدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ» ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ ابْنِ لَبُونٍ» ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ ذَكَرٍ» . «وَقَضَى ﷺ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. «وَقَضَى ﷺ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ بِمِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ» ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.

стр. 1184

«وَقَضَى ﷺ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ» ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ. وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ» ، حَدِيثٌ [حَسَنٌ] يُصَحِّحُ مِثْلَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، وَثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ رَفَعَ دِيَةَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنْ الدِّيَةِ» . «وَقَضَى ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ ضَرَبَتْهَا أُخْرَى بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَقَضَى ﷺ فِي امْرَأَتَيْنِ قَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجٌ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَمِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا، فَقَالَ عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ: مِيرَاثُهَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : لَا، مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَجَاءَهُ ﷺ عَبْدٌ صَارِخٌ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: سَيِّدِي رَآنِي أُقَبِّلُ جَارِيَةً لَهُ، فَجَبَّ مَذَاكِيرِي، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ فَطُلِبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ: عَلَى مَنْ نَصَرَنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، أَوْ مُسْلِمٍ» ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِبْطَالِ دِيَةِ الْعَاضِّ لَمَّا انْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَأَسْقَطَ ثَنِيَّتَهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَقَضَى ﷺ بِأَنَّ مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَخَذَفُوهُ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ بِأَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمْ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: «فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» . وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» . «وَقَضَى ﷺ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلَا الْجَائِفَةِ وَلَا الْمُنَقِّلَةِ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ. «وَجَاءَهُ ﷺ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ:

стр. 1185

كُنْتُ أَنَا، وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: مَا لِي إلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَانْطَلَقَ بِهِ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَأَخَذْتَهُ بِأَمْرِكَ، فَقَالَ أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَلَى، فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِطْ بِمَعْنَاهُ، وَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إثْمُ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، فَيَسْتَوِي هُوَ وَالْوَلِيُّ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ، أَمَّا الْوَلِيُّ فَإِنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ، وَأَمَّا هُوَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ اقْتَصَّ مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: " تَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ " فَإِثْمُ الْوَلِيِّ مَظْلِمَتُهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ، وَإِثْمُ الْمَقْتُولِ إرَاقَةُ دَمِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْمِلُ خَطَايَاكَ وَخَطَايَا أَخِيكَ، وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَهَذِهِ غَيْرُ قِصَّةِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ وَقَدْ قَتَلَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ: «أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَقَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ» فَخَلَّاهُ الرَّجُلُ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْقِصَّةَ فَتَكُونُ هَذِهِ عِلَّةَ كَوْنِهِ إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَأْثَمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْقَسَامَةِ] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي الْقَسَامَةِ] «وَأَقَرَّ ﷺ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَضَى بِهَا بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَقَضَى ﷺ فِي شَأْنِ مُحَيِّصَةُ بِأَنْ يُقْسِمَ خَمْسُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ بِهِ، فَيُدْفَعَ بِرُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَأَبَوْا، فَقَالَ تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ فَأَبَوْا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِائَةٍ مِنْ عِنْدِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ «بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» . وَعِنْدَ النَّسَائِيّ «فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا» . «وَقَضَى ﷺ أَنَّهُ: لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ» وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِجِنَايَتِهِ فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.

стр. 1186

«وَقَضَى ﷺ أَنَّ: مَنْ قَتَلَ فِي عِمِّيًّا أَوْ رِمِّيًّا لِكَوْنِهِ بَيْنَهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ سَوْطٍ فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطَأٍ، وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدَيْهِ، فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ: الْمَعْدِنَ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءَ جُبَارٌ، وَالْبِئْرَ جُبَارٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ: «الْمَعْدِنَ جُبَارٌ» قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْفِرُ لَهُ مَعْدِنًا فَسَقَطَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَهُوَ جُبَارٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ اقْتِرَانُهُ بِقَوْلِهِ: «الْبِئْرَ جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءَ جُبَارٌ» وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ اقْتِرَانُهُ بِقَوْلِهِ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ، فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِي الرِّكَازِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَجْمُوعٌ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا تَعَبٍ، وَأَسْقَطَهَا عَنْ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ وَتَعَبٍ فِي اسْتِخْرَاجِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي حَدِّ الزِّنَا] فَصْلٌ: [فَتَاوَى فِي حَدِّ الزِّنَا] «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. «وَقَضَى ﷺ فِيمَنْ زَنَى، وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. «وَقَضَى ﷺ أَنَّ الثَّيِّبَ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ الرَّجْمُ، وَالْبِكْرَ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَجَاءَهُ الْيَهُودُ فَقَالُوا: إنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا؛ فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا وَمَا قَبْلَهَا، فَقَالَ لَهُ

стр. 1187

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالُوا: اذْهَبُوا بِهِ إلَى هَذَا النَّبِيِّ؛ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا مِنْهُ، وَاحْتَجَبْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقُلْنَا: إنَّهَا فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ؛ فَأَتَوْهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّحَابَةِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ بِكَلِمَةٍ حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إذْ أُحْصِنَ؟ قَالُوا: يُحَمَّمُ وَيُجَبَّهُ وَيُجْلَدُ، وَالتَّجْبِيهُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَتُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافَ بِهِمَا، فَسَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ سَكَتَ نَظَرَ إلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إذْ أَنْشَدْتَنَا فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأُخِّرَ عَنْهُ الرَّجْمُ؛ ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ؛ وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا» . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد أَيْضًا «أَنَّهُ دَعَا بِالشُّهُودِ، فَجَاءَهُ أَرْبَعَةٌ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ» . «وَسَأَلَهُ ﷺ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ أَنْ يُطَهِّرَهُ، وَقَالَ: إنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إلَّا أَوْفَى الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نَرَى، فَأَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ رَجُلًا فَاسْتَنْكَهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، وَلَمْ يَحْفِرْ لَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةَ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ: شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» . وَفِي بَعْضِهَا: «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» .

стр. 1188

وَفِي بَعْضِ طُرُقِهَا «أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَمْ تَرَ إلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدْعُهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: انْزِلَا وَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ أَكْلًا مِنْهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهَا «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ، لَعَلَّكَ اُسْتُكْرِهَتْ» ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَحِيحَةٌ. وَفِي بَعْضِهَا «أَنَّهُ أَمَرَ فَحُفِرَتْ لَهُ حُفَيْرَة» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَهِيَ غَلَطٌ مِنْ رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمٌ قَدْ رَوَى لَهُ فِي الصَّحِيحِ فَالثِّقَةُ قَدْ يَغْلَطُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ وَأَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ قَدْ تَكَلَّمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْوَهْمُ مِنْ حُفْرَةِ الْغَامِدِيَّةِ، فَسَرَى إلَى مَاعِزٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. «وَجَاءَتْهُ ﷺ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّدَهَا، فَقَالَتْ: تُرَدِّدُنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزًا فَوَاَللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى، فَقَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، فَقَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِهِ، وَفِي يَدِهِ كِسْرَةٌ مِنْ خُبْزٍ؛ فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ فَطَمْتُهُ وَأَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إيَّاهَا، فَقَالَ مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ» ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَجَاءَهُ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِي كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ - أَوْ قَالَ - حَدَّكَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَجْهِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَرَّ بِحَدٍّ لَمْ يُسَمِّهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ اسْتِفْسَارُهُ، وَلَوْ سَمَّاهُ لَحَدَّهُ كَمَا حَدَّ مَاعِزًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِتَوْبَتِهِ،

стр. 1189

وَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ تَابَ مِنْ الذَّنْبِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. «وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصَبْتُ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: إلَيَّ هَذِهِ؟ فَقَالَ: بَلْ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّعْزِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ إسْقَاطَهُ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ. «وَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ تُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَجَلَّلَهَا رَجُلٌ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ وَفَرَّ، وَمَرَّ عَلَيْهَا غَيْرُهُ فَأَخَذُوهُ؛ فَظَنَّتْ أَنَّهُ هُوَ وَقَالَتْ: هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِي، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ؛ فَقَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: أَنَا صَاحِبُهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ قَوْلًا حَسَنًا، فَقَالُوا: أَلَا تَرْجُمُ صَاحِبَهَا؟ فَقَالَ لَا، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَلَا فَتْوَى وَلَا حُكْمَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَمَرَ بِرَجْمِ الْبَرِيءِ؟ قِيلَ: لَوْ أَنْكَرَ لَمْ يَرْجُمْهُ؛ وَلَكِنْ لَمَّا أُخِذَ وَقَالَتْ: هُوَ هَذَا، وَلَمْ يُنْكِرْ، وَلَمْ يَحْتَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَاتَّفَقَ مَجِيءُ الْقَوْمِ بِهِ فِي صُورَةِ الْمُرِيبِ، وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ هَذَا هُوَ، وَسُكُوتُهُ سُكُوتَ الْمُرِيبِ، وَهَذِهِ الْقَرَائِنُ أَقْوَى مِنْ قَرَائِنِ حَدِّ الْمَرْأَةِ بِلِعَانِ الرَّجُلِ وَسُكُوتِهَا، فَتَأَمَّلْهُ. [أَثَرُ اللَّوَثِ فِي التَّشْرِيعِ] [أَثَرُ اللَّوَثِ فِي التَّشْرِيعِ] وَلِلَّوْثِ تَأْثِيرٌ فِي الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ: أَمَّا الدِّمَاءُ فَفِي الْقَسَامَةِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ فَفِي اللِّعَانِ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَفِي قِصَّةِ الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّهُ إنْ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ وَالْوَصِيَّيْنِ ظَلَمَا وَغَدَرَا أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا، وَيَقْضِيَ لَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي لَا حُكْمَ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّ اللَّوَثَ إذَا أَثَّرَ فِي إرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَإِزْهَاقِ النُّفُوسِ وَفِي الْحُدُودِ فَلَأَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي الْمَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَقَدْ حَكَمَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد فِي النَّسَبِ مَعَ اعْتِرَافِ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهَا، بَلْ هُوَ وَلَدُ الْأُخْرَى، فَقَالَ لَهَا: " هُوَ ابْنُكِ " وَمِنْ تَرَاجِمِ النَّسَائِيّ عَلَى قِصَّتِهِ: " التَّوْسِعَةُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَفْعَلُهُ أَفْعَلُ كَذَا لِيَسْتَبِينَ بِهِ الْحَقَّ " ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرَى فَقَالَ: " الْحُكْمُ بِخِلَافِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ " وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ اسْتِنْبَاطًا

стр. 1190

وَدَلِيلًا، ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً ثَالِثَةً فَقَالَ: " نَقْضُ الْحَاكِمِ مَا حَكَمَ بِهِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَجَّلَ مِنْهُ ". قُلْتُ: وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا، إجْرَاءٌ لِلنَّسَبِ مَجْرَى الْمَالِ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ، وَفِيهِ نَوْعٌ لَطِيفٌ شَرِيفٌ عَجِيبٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِقَدَرِ اللَّهِ عَلَى شَرْعِهِ؛ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ اسْتَدَلَّ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَخَلَقَهُ فِي قَلْبِ الصُّغْرَى مِنْ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ بِحَيْثُ أَبَتْ أَنْ يُشَقَّ الْوَلَدُ، عَلَى أَنَّهُ ابْنُهَا، وَقَوَّى هَذَا الِاسْتِدْلَالَ رِضَا الْأُخْرَى بِأَنْ يُشَقَّ الْوَلَدُ، وَقَالَتْ: نَعَمْ شُقَّهُ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ مِنْ أُمٍّ، وَإِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ حَاسِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَأَسَّى بِصَاحِبِ النِّعْمَةِ فِي زَوَالِهَا عَنْهُ كَمَا زَالَتْ عَنْهُ هُوَ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ وَهَذَا الْفَهْمِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا فِي الْحَاكِمِ أَضَاعَ حُقُوقَ النَّاسِ، وَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ طَافِحَةٌ بِذَلِكَ. [الْعَمَلُ بِالسِّيَاسَةِ] [الْعَمَلُ بِالسِّيَاسَةِ] وَجَرَتْ فِي ذَلِكَ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ أَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ وَبَيْنَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَمَلُ بِالسِّيَاسَةِ هُوَ الْحَزْمُ، وَلَا يَخْلُو مِنْهُ إمَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السِّيَاسَةُ مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ بِحَيْثُ يَكُونُ النَّاسُ مَعَهُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يُشَرِّعْهُ الرَّسُولُ ﷺ وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ؛ فَإِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ " لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ " أَيْ لَمْ يُخَالِفْ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ فَغَلَطٌ وَتَغْلِيطٌ لِلصَّحَابَةِ؛ فَقَدْ جَرَى مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْمَثْلِ مَا لَا يَجْحَدُهُ عَالِمٌ بِالسِّيَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَحْرِيقُ الْمَصَاحِفِ كَانَ رَأْيًا اعْتَمَدُوا فِيهِ عَلَى مَصْلَحَةٍ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيقُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الزَّنَادِقَةَ فِي الْأَخَادِيدِ، وَنَفْيُ عُمَرُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ. قُلْتُ: هَذَا مَوْضِعُ مَزَلَّةِ أَقْدَامٍ، وَمَضَلَّةِ أَفْهَامٍ، وَهُوَ مَقَامٌ ضَنْكٌ فِي مُعْتَرَكٍ صَعْبٍ، فَرَّطَ فِيهِ طَائِفَةٌ فَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَضَيَّعُوا الْحُقُوقَ، وَجَرَّؤُا أَهْلَ الْفُجُورِ عَلَى الْفَسَادِ، وَجَعَلُوا الشَّرِيعَةَ قَاصِرَةً لَا تَقُومُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَسَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طُرُقًا صَحِيحَةً مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ، وَعَطَّلُوهَا مَعَ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ النَّاسِ بِهَا أَنَّهَا أَدِلَّةُ حَقٍّ، ظَنًّا مِنْهُمْ مُنَافَاتِهَا لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَاَلَّذِي أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فِي مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ وَالتَّطْبِيقِ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَبَيْنَهَا، فَلَمَّا رَأَى وُلَاةُ الْأَمْرِ ذَلِكَ وَأَنَّ النَّاسَ لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهُمْ إلَّا بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فَهِمَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ الشَّرِيعَةِ فَأَحْدَثُوا لَهُمْ قَوَانِينَ سِيَاسِيَّةً يَنْتَظِمُ بِهَا مَصَالِحُ الْعَالَمِ؛ فَتَوَلَّدَ مِنْ تَقْصِيرِ أُولَئِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَإِحْدَاثِ هَؤُلَاءِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ أَوْضَاعِ سِيَاسَتِهِمْ شَرٌّ

стр. 1191

طَوِيلٌ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَتَعَذَّرَ اسْتِدْرَاكُهُ، وَأَفْرَطَ فِي طَائِفَةٍ أُخْرَى فَسَوَّغَتْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ أُتِيَتْ مِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِهَا فِي مَعْرِفَةِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْحَقِّ، وَقَامَتْ أَدِلَّةُ الْعَقْلِ، وَأَسْفَرَ صُبْحُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ وَرِضَاهُ وَأَمْرُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْصُرْ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَدِلَّتَهُ وَأَمَارَاتِهِ فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ وَأَبْطَلَ غَيْرَهُ مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَدَلُّ وَأَظْهَرُ، بَلْ بَيَّنَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَقِيَامُ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْحَقُّ وَمَعْرِفَةُ الْعَدْلِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهَا وَمُقْتَضَاهَا. وَالطُّرُقُ أَسْبَابٌ وَوَسَائِلُ لَا تُرَادُ لِذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ غَايَاتُهَا الَّتِي هِيَ الْمَقَاصِدُ، وَلَكِنْ نَبَّهَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ عَلَى أَسْبَابِهَا وَأَمْثَالِهَا، وَلَنْ تَجِدَ طَرِيقًا مِنْ الطُّرُقِ الْمُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ إلَّا وَهِيَ شِرْعَةٌ وَسَبِيلٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَهَلْ يُظَنُّ بِالشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ خِلَافُ ذَلِكَ؟ وَلَا نَقُولُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا وَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَتَسْمِيَتُهَا سِيَاسَةً أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ عَدْلًا فَهِيَ مِنْ الشَّرْعِ، فَقَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تُهْمَةٍ، وَعَاقَبَ فِي تُهْمَةٍ لَمَّا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الرِّيبَةِ عَلَى الْمُتَّهَمِ؛ فَمَنْ أَطْلَقَ كُلًّا مِنْهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُ أَوْ حَلَّفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِاشْتِهَارِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَنَقْبِ الدُّورِ وَتَوَاتُرِ السَّرِقَاتِ - وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْمَسْرُوقِ مَعَهُ - وَقَالَ: لَا آخُذُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ أَوْ إقْرَارِ اخْتِيَارٍ وَطَوْعٍ فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَالَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَهْمَهُ، وَتَحْرِيقُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَتَاعَهُ، وَمَنْعُ الْمُسِيءِ عَلَى أَمِينٍ سَلَبَ قَتِيلَهُ، وَأَخْذُ شَطْرِ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَإِضْعَافُهُ الْغُرْمَ عَلَى سَارِقٍ مَالًا قَطْعٌ فِيهِ، وَعُقُوبَتُهُ بِالْجَلْدِ، وَإِضْعَافُهُ الْغُرْمَ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ، وَتَحْرِيقُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَانُوتَ الْخَمَّارِ، وَتَحْرِيقُهُ قَرْيَةً يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَتَحْرِيقُهُ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَحَلْقُهُ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفْيُهُ، وَضَرْبُهُ صَبِيغًا بِالدُّرَّةِ لَمَّا تَتَبَّعَ الْمُتَشَابِهَ فَسَأَلَ عَنْهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السِّيَاسَةِ الَّتِي سَاسَ بِهَا الْأُمَّةَ فَسَارَتْ سُنَّةً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَالَفَهَا مَنْ خَالَفَهَا. وَلَقَدْ حَدَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الزِّنَا بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ، وَفِي الْخَمْرِ بِالرَّائِحَةِ وَالْقَيْءِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ دَلِيلَ الْقَيْءِ وَالرَّائِحَةِ وَالْحَبَلِ عَلَى الشُّرْبِ وَالزِّنَا أَوْلَى مِنْ الْبَيِّنَةِ قَطْعًا؛ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالشَّرِيعَةِ إلْغَاءُ أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ الصِّدِّيقِ اللُّوطِيَّ، وَإِلْقَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَهُ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى رَأْسِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ عُثْمَانَ الْمَصَاحِفَ الْمُخَالِفَةَ لِلْمُصْحَفِ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ

стр. 1192

الصِّدِّيقِ الْفُجَاءَةَ السُّلَمِيُّ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِيَارُ عُمَرَ ﵁ لِلنَّاسِ إفْرَادَ الْحَجِّ وَأَنْ يَعْتَمِرُوا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَا يَزَالُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ مَعْمُورًا بِالْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ عُمَرُ ﵁ النَّاسَ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَدْ بَاعُوهُنَّ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ إلْزَامُهُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِمَنْ أَوْقَعَهُ بِفَمٍ وَاحِدٍ عُقُوبَةً لَهُ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ هُوَ يُجْعَلُ وَاحِدَةً، إلَى أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنْ السِّيَاسَاتِ الْعَادِلَةِ الَّتِي سَاسُوا بِهَا الْأُمَّةَ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا. وَتَقْسِيمُ بَعْضِهِمْ طُرُقَ الْحُكْمِ إلَى شَرِيعَةٍ وَسِيَاسَةٍ كَتَقْسِيمِ غَيْرِهِمْ الدِّينَ إلَى شَرِيعَةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَكَتَقْسِيمِ آخَرِينَ الدِّينَ إلَى عَقْلٍ وَنَقْلٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ، بَلْ السِّيَاسَةُ وَالْحَقِيقَةُ وَالطَّرِيقَةُ وَالْعَقْلُ كُلُّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ؛ فَالصَّحِيحُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ لَا قَسِيمٌ لَهَا، وَالْبَاطِلُ ضِدُّهَا وَمُنَافِيهَا، وَهَذَا الْأَصْلُ مِنْ أَهَمِّ الْأُصُولِ وَأَنْفَعِهَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عُمُومُ رِسَالَتِهِ ﷺ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعِبَادُ فِي مَعَارِفِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يُحْوِجْ أُمَّتَهُ إلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إلَى مَنْ يُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ بِهِ، فَلِرِسَالَتِهِ عُمُومَانِ مَحْفُوظَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمَا تَخْصِيصٌ: عُمُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وَعُمُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ بُعِثَ إلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ؛ فَرِسَالَتُهُ كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ عَامَّةٌ، لَا تُحْوِجُ إلَى سِوَاهَا، وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ بِهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ عُمُومِ رِسَالَتِهِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ رِسَالَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَقِّ الَّذِي تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي عُلُومِهَا وَأَعْمَالِهَا عَمَّا جَاءَ بِهِ. [بَيَّنَ الرَّسُولُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ] وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلَّا ذَكَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْهُ عِلْمًا، وَعَلَّمَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى آدَابَ التَّخَلِّي وَآدَابَ الْجِمَاعِ وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، وَالصَّمْتِ وَالْكَلَامِ، وَالْعُزْلَةِ وَالْخُلْطَةِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَجَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَوَصَفَ لَهُمْ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ وَالنَّارَ وَالْجَنَّةَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ، وَعَرَّفَهُمْ مَعْبُودَهُمْ وَإِلَهَهُمْ أَتَمَّ تَعْرِيفٍ حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ وَيُشَاهِدُونَهُ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَعَرَّفَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ وَأُمَمَهُمْ وَمَا جَرَى لَهُمْ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مَعَهُمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ كَانُوا بَيْنَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ مِنْ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ دَقِيقَهَا وَجَلِيلَهَا مَا لَمْ يُعَرِّفْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ قَبْلَهُ، وَعَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ

стр. 1193

أَحْوَالِ الْمَوْتِ وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فِي الْبَرْزَخِ وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ مَا لَمْ يُعَرِّفْ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ فِرَقِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مَا لَيْسَ لِمَنْ عَرَفَهُ حَاجَةٌ مِنْ بَعْدِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا إلَى مَنْ يُبَلِّغُهُ إيَّاهُ وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُ مِنْهُ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ مَكَايِدِ الْحُرُوبِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَطُرُقِ النَّصْرِ وَالظُّفْرِ مَا لَوْ عَلِمُوهُ وَعَقَلُوهُ وَرَعَوْهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُمْ عَدُوٌّ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ مَكَايِدِ إبْلِيسَ وَطُرُقِهِ الَّتِي يَأْتِيهِمْ مِنْهَا وَمَا يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنْ كَيْدِهِ وَمَكْرِهِ وَمَا يَدْفَعُونَ بِهِ شَرَّهُ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أَحْوَالِ نُفُوسِهِمْ وَأَوْصَافِهَا وَدَسَائِسِهَا وَكَمَائِنِهَا مَا لَا حَاجَةَ لَهُمْ مَعَهُ إلَى سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ عَرَّفَهُمْ ﷺ مِنْ أُمُورِ مَعَايِشِهِمْ مَا لَوْ عَلِمُوهُ وَعَمِلُوهُ لَاسْتَقَامَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ أَعْظَمَ اسْتِقَامَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَجَاءَهُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِرُمَّتِهِ، وَلَمْ يُحْوِجْهُمْ اللَّهُ إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ الَّتِي مَا طَرَقَ الْعَالَمَ شَرِيعَةٌ أَكْمَلُ مِنْهَا نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إلَى سِيَاسَةٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا تُكَمِّلُهَا، أَوْ إلَى قِيَاسٍ أَوْ حَقِيقَةٍ أَوْ مَعْقُولٍ خَارِجٍ عَنْهَا؟ وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى رَسُولٍ آخَرَ بَعْدَهُ، وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ خَفَاءُ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ وَقِلَّةُ نَصِيبِهِ مِنْ الْفَهْمِ الَّذِي وَفَّقَ اللَّهُ لَهُ أَصْحَابَ نَبِيِّهِ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَغْنَوْا بِهِ عَمَّا مَا سِوَاهُ، وَفَتَحُوا بِهِ الْقُلُوبَ وَالْبِلَادَ، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا، وَهُوَ عَهْدُنَا إلَيْكُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَمْنَعُ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَشْيَةَ أَنْ يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِهِ عَنْ الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى اشْتِغَالَ النَّاسِ بِآرَائِهِمْ وَزَبَدِ أَفْكَارِهِمْ وَزُبَالَةِ أَذْهَانِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ؟ فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وَكَيْفَ يَشْفِي مَا فِي الصُّدُورِ كِتَابٌ لَا يَفِي هُوَ وَمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ بِعُشْرِ مِعْشَارِ الشَّرِيعَةِ؟ أَمْ كَيْفَ يَشْفِي مَا فِي الصُّدُورِ كِتَابُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْيَقِينُ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؟ أَوْ عَامَّتُهَا ظَوَاهِرُ لَفْظِيَّةٍ دَلَالَتُهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أُمُورٍ لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ قَبْلَ وَضْعِ هَذِهِ الْقَوَانِينِ الَّتِي أَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهَا مِنْ الْقَوَاعِدِ، وَقَبْلَ اسْتِخْرَاجِ هَذِهِ الْآرَاءِ وَالْمَقَايِيسِ وَالْأَوْضَاعِ؟ أَهَلْ كَانُوا مُهْتَدِينَ

стр. 1194

مُكْتَفِينَ بِالنُّصُوصِ أَمْ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؟ حَتَّى جَاءَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَكَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُمْ وَأَهْدَى وَأَضْبَطَ لِلشَّرِيعَةِ مِنْهُمْ وَأَعْلَمَ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَ [مَا] يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ؟ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ [عَبْدُهُ] بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الْإِشْرَاكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ وَالِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ. فَصْلٌ: [كَلَامُ أَحْمَدَ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ] وَهَذِهِ نَبْذَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ مَنْصُورٍ: وَالْمُخَنَّثُ يُنْفَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ إلَّا الْفَسَادُ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ، وَلِلْإِمَامِ نَفْيُهُ إلَى بَلَدٍ يَأْمَنُ فَسَادَ أَهْلِهِ، وَإِنْ خَافَ بِهِ عَلَيْهِمْ حَبَسَهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِيمَنْ شَرِبَ خَمْرًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ أَتَى شَيْئًا نَحْوَ هَذَا: أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَغُلِّظَ عَلَيْهِ مِثْلَ الَّذِي يَقْتُلُ فِي الْحَرَمِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ تُعَاقَبَانِ وَتُؤَدَّبَانِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا رَأَى الْإِمَامُ تَحْرِيقَ اللُّوطِيِّ بِالنَّارِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ قَوْلًا، فَقَالَ: إنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَمْ تَعْصِ اللَّهَ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَصَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، أَرَى أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِالنَّارِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِالنَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄ بِأَنْ يُحَرِّقُوا، فَحَرَّقَهُمْ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِيمَنْ طَعَنَ عَلَى الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَى السُّلْطَانِ عُقُوبَتُهُ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، بَلْ يُعَاقِبَهُ وَيَسْتَتِيبَهُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا أَعَادَ الْعُقُوبَةَ. وَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ النِّسَاءَ إذَا خِيفَ عَلَيْهِنَّ الْمُسَاحَقَةَ حَرُمَ خَلْوَةُ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِ إحْدَاهُمَا، فَإِنْ أَبَى ضُرِبَ حَتَّى يَخْتَارَ. قَالُوا: وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ.

стр. 1195

وَأَمَّا كَلَامُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ فَمَشْهُورٌ. وَأَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ الْأَخْذِ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ. مِنْهَا جَوَازُ وَطْءِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ عَدْلَانِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ. وَمِنْهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يُوصِلُهَا إلَيْهِ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، وَجَوَازُ أَكْلِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا أَهْدَى لَكَ كَذَا، بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُهُ وَلَا تَلَفُّظُ الرَّسُولِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ. وَمِنْهَا جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِي بَابِهِ بِقَرْعِ حَلَقَتِهِ وَدَقِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ. وَمِنْهَا اسْتِدْعَاءُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّارِ وَالْبُسْتَانِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَضُيُوفِهِ وَإِنْزَالُهُمْ عِنْدَهُ مُدَّةً، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ نُطْقًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ تَصَرُّفَهُمْ فِي مَنْفَعَةِ الدَّارِ وَإِشْغَالَهُمْ الْكَنِيفَ وَإِضْعَافَهُمْ السُّلَّمَ وَنَحْوَهُ. وَمِنْهَا جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّعَامِ إذَا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ لَهُ بِالْإِذْنِ لَفْظًا. وَمِنْهَا جَوَازُ شُرْبِهِ مِنْ الْإِنَاءِ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ إلَيْهِ وَلَا يَسْتَأْذِنْهُ. وَمِنْهَا جَوَازُ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي كَنِيفِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ. وَمِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِنَادِ إلَى وِسَادَتِهِ. وَمِنْهَا أَخْذُ مَا يَنْبِذُهُ رَغْبَةً عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَمْلِيكِهِ لَهُ. وَمِنْهَا انْتِفَاعُهُ بِفِرَاشِ زَوْجَتِهِ وَلِحَافِهَا وَوِسَادَتِهَا وَآنِيَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا نُطْقًا، إلَى أَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ. وَهَلْ السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهِيَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَرَائِنِ الَّتِي تُفِيدُ الْقَطْعَ تَارَةً وَالظَّنَّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ ظَنِّ الشُّهُودِ بِكَثِيرٍ تَارَةً؟ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِرَارًا، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ. [فَصْلٌ فَتَاوَى فِي الْأَطْعِمَةِ] فَصْلٌ: فَلْنَرْجِعْ إلَى فَتَاوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ فَتَاوِيهِ فِي الْأَطْعِمَةِ. [فَتَاوَى فِي الْأَطْعِمَةِ] «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الثُّومِ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ» ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. «وَسَأَلَهُ ﷺ أَبُو أَيُّوبَ: هَلْ يَحِلُّ لَنَا الْبَصَلُ؟ فَقَالَ بَلَى، وَلَكِنِّي يَغْشَانِي مَا لَا يَغْشَاكُمْ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ الضَّبِّ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
следующие страницы →