Полный текст (1 221 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الْأُخْرَى فِي ذِمَّتِهِ وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ لَهَا، فَالْحِيلَةُ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ لَهَا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُوَكِّلُ: إنْ كُنْت أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا بِأَلْفَيْنِ فَقَدْ بِعْتُكهَا بِالْأَلْفَيْنِ.
فَيَقُولَ: قَدْ اشْتَرَيْتهَا مِنْك، فَيَمْلِكَهَا حِينَئِذٍ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ بِصُورَةِ الشَّرْطِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ صِحَّتَهُ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ كَانَتْ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهَا بِأَلْفَيْنِ " وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى نِصْفِ فَقِيهٍ يَقُولُ: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْبَيْعِ بِالشَّرْطِ فَيَبْطُلُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ بِعْتُك كَذَا بِكَذَا، بَلْ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: إنْ كُنْت جَائِزَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ بِعْتُك كَذَا، وَإِنْ أَعْطَيْتنِي ثَمَنَ هَذَا الْمَبِيعِ فَقَدْ بِعْتُكَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ الْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ الْمُودِعِ]
[الْحِيلَةٌ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ الْمُودِعِ] : الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِهِ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَبْضَ الْوَدِيعَةِ فَأَنْكَرَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ضَمِنَ، فَإِنْ ادَّعَى التَّلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ غَيْرُ أَمِينٍ لَهُ، وَقَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى قَبْضِهِ مَالَهُ فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ تَكْذِيبُ الْبَيِّنَةِ، فَالْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ أَنْ يَقُولَ: مَا لَك عِنْدِي شَيْءٌ، فَإِنْ حَلَّفَهُ حَلَفَ حَلِفًا صَادِقًا، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ الْوَدِيعَةِ فَلْيُصَدِّقْ الْبَيِّنَةَ، وَيَقُولُ: صَدَقْت فِيمَا شَهِدْت بِهِ، وَيَدَّعِي التَّلَفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ فَإِنْ كَذَّبَ الْبَيِّنَةَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَى التَّلَفِ.
[الْمِثَال التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ الْحِيلَةُ فِي تَضْمِينِ الرَّاهِنِ تَلَفَ الْمَرْهُونِ]
[الْحِيلَةُ فِي تَضْمِينِ الرَّاهِنِ تَلَفَ الْمَرْهُونِ] : الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا رَهَنَ عِنْدَهُ رَهْنًا، وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ، وَخَافَ أَنْ يَدَّعِيَ هَلَاكَهُ وَيَذْهَبَ بِهِ، فَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ أَوَّلًا، فَإِذَا قَبَضَهُ رَهَنَهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإِذَا تَلِفَ كَانَ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ طَرَيَان الرَّهْنِ عَلَى الْعَارِيَّةِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بَعْدَ الرَّهْنِ كَمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا قَبْلَهُ، وَلَوْ بَطَلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ.
[الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ]
[الْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ] : الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَارِيَّةِ: هَلْ تُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا لَمْ يُفَرِّطْ الْمُسْتَعِيرُ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ
الثَّانِي: لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَيَدُ الْمُسْتَعِيرِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّلَفُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ وَأَخْذِ السَّيْلِ وَمَوْتِ الْحَيَوَانِ وَخَرَابِ الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كَدَعْوَى سَرِقَةِ الْجَوْهَرَةِ وَالْمِنْدِيلِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْو ذَلِكَ ضَمِنَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَطْلَقَ ضَمِنَ،
стр. 877
وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ قَوِيٌّ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينِهِ، لَكِنْ إذَا صَدَّقَهُ الْمَالِكُ فِي التَّلَفِ بِأَمْرٍ لَا يُنْسَبُ فِيهِ إلَى تَفْرِيطٍ فَعَدَمُ التَّضْمِينِ أَقْوَى.
فَالْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ أَنْ يَشْتَرِطَ نَفْيَهُ، فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَفِيَ لَهُ بِالشَّرْطِ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعَيْنِ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَدَعْوَاك بَاطِلَةٌ. فَإِنْ لَمْ تَصْعَدْ مَعَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ أَوْ خَافَ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ الدَّعْوَى فَلَهُ حِيلَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَيْنَ مِنْهُ بِأَقَلِّ شَيْءٍ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرَهَا مِنْهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَبَضَ الْأُجْرَةَ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ مِمَّا تُحَلِّلُ حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمُ حَلَالًا
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْجِيلِ الْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ إذَا أَجَّلَهَا]
؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتَأَجَّلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّأْجِيلِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مَتَى شَاءَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُؤَجِّلْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلَ مِثْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ مِنْ مَوْضِعِهَا.
[الْحِيلَةٌ فِي لُزُومِ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ] : وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمُسْتَقْرِضُ وَالْمُسْتَعِيرُ آمِنٌ مِنْ غَدْرِ الْمُقْرِضِ غَنِيٌّ عَنْ الْحِيلَةِ لِلُّزُومِ الْأَجَلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِ التَّأْجِيلِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى مُدَّةِ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ إلَى مُدَّةِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ أَرَادَ حِيلَةً غَيْرَ هَذِهِ فَلْيَسْتَأْجِرْ مِنْهُ الْعَيْنَ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ ثُمَّ يُبْرِئْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْقَرْضُ فَالْحِيلَةُ فِي تَأْجِيلِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُقْرِضِ شَيْئًا مَا بِمَبْلَغِ الْقَرْضِ ثُمَّ يَكْتُبَهُ مُؤَجَّلًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ لَا يَبْطُلُ بِهَا حَقٌّ فَلَا تُكْرَهُ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ]
[حِيلَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: إذَا رَهَنَهُ رَهْنًا بِدَيْنٍ، وَقَالَ: " إنْ وَفَيْتُك الدَّيْنَ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا عَلَيْهِ " صَحَّ ذَلِكَ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: أَلَّا يُغْلَقَ الرَّهْنُ " وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ هَذَا كَانَ مُوجِبَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَمَلَّكُ الرَّهْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ إذَا لَمْ يُوفِهِ؛ فَهَذَا هُوَ غَلْقُ الرَّهْنِ الَّذِي أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَّا بَيْعُهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا عَلَيْهِ عِنْدَ
стр. 878
الْحُلُولِ فَلَمْ يُبْطِلْهُ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَيْعٌ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ، وَنَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ وَالْمَصْلَحَةُ إلَى هَذَا مِنْ الْمُرْتَهِنَيْنِ، وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا خَيْرٌ لِلرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مِنْ تَكْلِيفِهِ الرَّفْعَ إلَى الْحَاكِمِ، وَإِثْبَاتِهِ الرَّهْنَ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي بَيْعِهِ وَالتَّعَبِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ سِوَى الْخَسَارَةِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَهُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ الْحُلُولِ كَانَ أَصْلَحَ لَهُمَا وَأَنْفَعَ وَأَبْعَدَ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْخَسَارَةِ، فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَاكِمٍ أَوْ يُمَلِّكُهُ الْعَيْنَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَرْهَنَهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي يُرِيدُ اسْتِدَانَتَهُ، ثُمَّ يَقُولَ: إنْ وَفَيْتُك الثَّمَنَ إلَى كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا، فَإِنْ وَفَاهُ وَإِلَّا انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَعَادَتْ السِّلْعَةُ إلَى مِلْكِهِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ حَسَنَةٌ مُخَلِّصَةٌ لِغَرَضِهِمَا مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ وَلَا تَضَمُّنَ لِتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَا لِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ]
[الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَادَّعَى بِهِ صَاحِبُهُ وَأَقَرَّ بِهِ فَالصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِلْزَامُهُ بِهِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ إلْزَامٌ بِمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: يَكُونُ مُقِرًّا بِالْحَقِّ مُدَّعِيًا لِتَأْجِيلِهِ، فَيُؤَاخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَاهُ الْأَجَلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِهِ إقْرَارًا مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقًا؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْغِيَ التَّقْيِيدَ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ الْمُطْلَقِ كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ نَقْدِ كَذَا وَكَذَا أَوْ مُعَامَلَةِ كَذَا وَكَذَا؛ فَيَلْزَمُهُمْ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ أَنْ يُبْطِلُوا هَذِهِ التَّقْيِيدَاتِ كُلَّهَا وَيُلْزِمُوهُ بِأَلْفٍ كَامِلَةٍ مِنْ النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ إقْرَارَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] .
وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ الْأَجَلِ اتِّفَاقًا، فَهَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِهَا مُؤَجَّلَةً فَالْحِيلَةُ فِي خَلَاصِهِ مِنْ الْإِلْزَامِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْبَاطِلِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَوْفِيَةُ مَا تَدَّعِي عَلَيَّ أَدَاءَهُ إلَيْك إلَى مُدَّةِ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَإِنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: " لِي عَلَيْك كَذَا أَمْ لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ؟ " وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجِيبَ بِأَحَدِ الْجَوَابَيْنِ، فَالْحِيلَةُ فِي خَلَاصِهِ أَنْ يَقُولَ: إنْ ادَّعَيْتهَا مُؤَجَّلَةً فَأَنَا مُقِرٌّ بِهَا، وَإِنْ ادَّعَيْتهَا حَالَّةً فَأَنَا مُنْكِرٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَدْ قَضَاهُ الدَّيْنَ وَخَافَ أَنْ يَقُولَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْته، فَيَجْعَلَهُ الْحَاكِمُ مُقِرًّا بِالْحَقِّ مُدَّعِيًا لِقَضَائِهِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُنِي أَدَاءُ مَا يَدَّعِيهِ،
стр. 879
فَإِنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ غَيْرُ هَذَا، عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْحَقِّ مُدَّعِيًا لِقَضَائِهِ، بَلْ مُنْكِرًا الْآنَ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَكَيْفَ يُلْزَمُ بِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ أَقَرَّ بِثُبُوتٍ سَابِقٍ وَادَّعَى قَضَاءً طَارِئًا عَلَيْهِ.
قِيلَ: لَمْ يُقِرَّ بِثُبُوتٍ مُطْلَقٍ بَلْ بِثُبُوتٍ مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ وَهُوَ الزَّمَنُ الْمَاضِي، وَلَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ الْآنَ فِي ذِمَّتِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ بِهِ الْآنَ اسْتِنَادًا إلَى إقْرَارِهِ بِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ ثُبُوتَهُ فِي الْمَاضِي، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْكِرٌ لِثُبُوتِهِ الْآنَ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُقِرًّا بِمَا هُوَ مُنْكِرٌ لَهُ؟ وَقِيَاسُهُمْ هَذَا الْإِقْرَارَ عَلَى قَوْلِهِ: " لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي أَوْ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِي " قِيَاسٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ لَا يُعْقَلُ، وَأَمَّا هَذَا فَكَلَامٌ مَعْقُولٌ، وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ، وَلَمْ يُقِرَّ بِشَغْلِ ذِمَّتِهِ الْآنَ بِالْمُدَّعَى بِهِ، فَلَا يَجُوزُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِهِ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِهِ بِشَغْلِهَا فِي الْمَاضِي، وَمَا نَظِيرُ هَذَا إلَّا قَوْلُ الزَّوْجِ: " كُنْت طَلَّقْت امْرَأَتِي وَرَاجَعْتهَا " فَهَلْ يُجْعَلُ بِهَذَا الْكَلَامِ مُطَلِّقًا الْآنَ؟ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: كُنْت فِيمَا مَضَى كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمْت، فَهَلْ يُجْعَلُ بِهَذَا الْكَلَامِ كَافِرًا الْآنَ؟ .
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: كُنْت عَبْدًا فَأَعْتَقَنِي مَوْلَايَ، هَلْ يُجْعَلُ بِهَذَا الْكَلَامِ رَقِيقًا؟ فَإِنْ طَرَدُوا الْحُكْمَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَطَلَّقُوا الزَّوْجَ وَكَفَّرُوا الْمُعْتَرِفَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فَهَدَاهُ اللَّهُ وَأَمَرُوهُ أَنْ يُجَدِّدَ إسْلَامَهُ وَجَعَلُوا هَذَا قِنًّا.
قِيلَ لَهُمْ: فَاطْرُدُوا ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ أَوْ هَذَا الْبُسْتَانُ أَوْ هَذِهِ الْأَرْضُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ لِفُلَانٍ ثُمَّ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ، فَأَخْرِجُوهَا مِنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَقُولُوا: قَدْ أَقَرَّ بِهَا لِفُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى [أَنَّهُ] اشْتَرَاهَا فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فَمَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَى لِسَانِهِ وَقَالَ الْوَاقِعَ فَأَخْرِجُوا مِلْكَهُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: كُنْت مُزَوَّجَةً بِفُلَانٍ ثُمَّ طَلَّقَنِي، اجْعَلُوهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْكَلَامِ زَوْجَتَهُ، وَالْكَلَامُ بِآخِرِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُ وَيُلْغَى بَعْضُهُ، وَيُقَالُ قَدْ لَزِمَك حُكْمُ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِك؛ فَإِنَّ هَذَا يَرْفَعُ حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْيِيدَاتِ جَمِيعَهَا، وَهَذَا لَا يَخْفَى فَسَادُهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا عَلَى أَصْلِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْجَوَابَ إلَّا عَلَى وَفْقِ الدَّعْوَى يَحُولُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ التَّخَلُّصِ مِنْ ظُلْمِ الْمُدَّعِي، وَيُلْجِئُهُ إلَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِمَا يَتَوَصَّلُ بِهِ الْإِضْرَارُ بِهِ وَظُلْمُهُ، أَوْ إلَى أَنْ يُكَذِّبَ بَيَانَهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ مِنْهُ وَوَفَّاهُ، فَإِنْ قَالَ: " لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ " لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ عَلَى نَفْيِ الدَّعْوَى، وَإِنْ قَالَ: " كُنْت اسْتَدَنْت مِنْهُ وَوَفَّيْته " لَمْ تَسْمَعُوا مِنْهُ آخِرَ كَلَامِهِ وَسَمِعْتُمْ مِنْهُ أَوَّلَهُ، وَإِنْ قَالَ: " لَمْ أَسْتَدِنْ مِنْهُ " وَكَانَ كَاذِبًا فَقَدْ أَلْجَأْتُمُوهُ إلَى أَنْ يَظْلِمَ أَوْ يَكْذِبَ وَلَا بُدَّ؛ فَالْحِيلَةُ لِمَنْ بُلِيَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ التَّوْرِيَةَ، وَيَحْلِفَ مَا اسْتَدَانَ مِنْهُ، وَيَنْوِيَ أَنْ تَكُونَ مَا مَوْصُولَةً، فَإِذَا قَالَ: " وَاَللَّهِ إنِّي مَا اسْتَدَنْت مِنْهُ " أَيْ إنِّي الَّذِي اسْتَدَنْت مِنْهُ، وَيَنْفَعُهُ تَأْوِيلُهُ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ مَظْلُومًا، كَمَا لَا يَنْفَعُهُ إذَا كَانَ ظَالِمًا بِالِاتِّفَاقِ
стр. 880
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي تَأْجِيلِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ]
حِيلَةٌ فِي تَأْجِيلِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَعْسَرَ بِهِ فَادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ كَانَ كَاذِبًا، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ، وَإِنْ جَحَدَهُ أَقَامَ بِهِ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَّعِي قَدْ ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ كَذِبُهُ فِي جَحْدِهِ الْحَقَّ فَهَكَذَا هُوَ كَاذِبٌ فِي دَعْوَى الْإِعْسَارِ؛ فَالْحِيلَةُ فِي تَخْلِيصِهِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَوْفِيَةُ مَا يَدَّعِيه عَلَيَّ وَلَا أَدَاؤُهُ، فَإِنْ طَالَبَهُ الْحَاكِمُ بِجَوَابٍ يُطَابِقُ السُّؤَالَ فَلَهُ أَنْ يُوَرِّيَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَهُنَا تَعِزُّ عَلَيْهِ الْحِيلَةُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَجْزَهُ عَنْ الْوَفَاءِ أَوْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَفَاءِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْعَجْزِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حِيلَةٌ غَيْرُ الصَّبْرِ.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ]
[حِيلَةٌ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا هِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْيَدِ، فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ؛ فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَدْ تَعَارَضَتَا، وَسَلِمَتْ الْيَدُ عَنْ مُعَارِضٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ: بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ صَاحِبِ الْيَدِ فَإِنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى ظَاهِرِ الْيَدِ، وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ تَسْتَنِدُ أَيْضًا إلَى سَبَبٍ خَفِيٍّ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَتَكُونُ أَوْلَى، فَالْحِيلَةُ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَنْ يَدَّعِيَ الْخَارِجُ أَنَّهُ فِي يَدِ الدَّاخِلِ غَصْبًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَفْقِ مَا ادَّعَاهُ، فَحِينَئِذٍ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ.
[الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ الْمُخَلِّصَةُ مِنْ لَدْغِ الْمُخَادِعِ]
[حِيلَةٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ لَدْغِ الْمُخَادِعِ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْحِيلَةُ الْمُخَلِّصَةُ مِنْ لَدْغِ الْعَقَارِبِ، وَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى الْمَاكِرُ الْمُخَادِعُ مِنْ رَجُلٍ دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ سِلْعَةً، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ، ثُمَّ مَضَى إلَى الْبَيْتِ أَوْ الْحَانُوتِ لِيَأْتِيَهُ بِالثَّمَنِ، فَأَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ، فَلَا يَصِلُ الْبَائِعُ إلَى أَخْذِ الثَّمَنِ، فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَوْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْبَيْعِ مَعَهُ إلَيْهِ لِيَثْبُتَ لَهُ التَّبَايُعَ، ثُمَّ يَسْأَلَهُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ، وَيَقِفَهُ حَتَّى يُسْلِمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ؛ لِئَلَّا يَتْلَفَ مَالُهُ أَوْ يَتَبَرَّعَ بِهِ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ. وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إذَا خَشِيَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى حَقِّهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ
стр. 881
الْحِيلَةُ وَلَدَغَتْهُ الْعَقْرَبُ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَأَلَ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْعَقْرَبُ دَاهِيَةً بِأَنْ غَيَّرَ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ أَوْ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَرَى رُجُوعَ الْبَائِعِ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى إبْطَالِ الْعَقْدِ بِإِقْرَارٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَبِيعِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَوْ يَرْهَنَهُ أَوْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيُقَدِّمُ تَارِيخَ ذَلِكَ عَلَى بَيْعِ الْعَقْرَبِ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرًا وَخِدَاعًا؛ فَإِنَّ الْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ حَسَنٌ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الظُّلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] وَقَالَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَادَ لِيُوسُفَ فِي مُقَابَلَةِ كَيَدِ إخْوَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ]
[حِيلَةٌ فِي عَدَمِ سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا تَحَيَّلَ الْمَكَّارُ الْمُخَادِعُ عَلَى سُقُوطِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ بِالْمُمَاطَلَةِ وَقَالَ: إنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى دَيْنًا عَلَيَّ، فَتَرَكَهَا آمِنًا مِنْ إلْزَامِهِ بِهَا لِمَا مَضَى، فَالْحِيلَةُ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْرِضَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْتَأْذِنَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِهَا، فَإِذَا فَعَلَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِقَضَاءِ مَا اسْتَدَانَهُ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَرَضَهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَمَضَى الزَّمَانُ فَهَلْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَرَّحُوا بِسُقُوطِهَا مُطْلَقًا فُرِضَتْ أَوْ لَمْ تُفْرَضْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ فُرِضَتْ لَمْ تَسْقُطْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ فَلْيَقُلْ لَهُ: اشْفَعْ لِي إلَى فُلَانٍ لِيُنْفِقَ عَلَيَّ أَوْ يُعْطِيَنِي مَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ فَقَدْ لَزِمَ الشَّافِعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ أَدَّاهُ إلَى الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ عَنْ الشَّفِيعِ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْمَنْصُوصِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ عَلَى رُجُوعِ مَنْ عَمَرَ قَنَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَوْ أَنَّ الْقَرِيبَ اسْتَدَانَ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَحَالَ بِالدَّيْنِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ سَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَمْ تُصَادِفْ الْحَوَالَةُ مَحَلًّا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَدَانَ عَلَى الْمُنْفِقِ، بَلْ تَبَرَّعَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ تَكَلَّفَ أَوْ صَبَرَ، فَأَمَّا إذَا اسْتَدَانَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَهُنَا لَا وَجْهَ لِسُقُوطِهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ قَدْ أَطْلَقُوا السُّقُوطَ فَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَتَأَمَّلْهُ
стр. 882
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَاءِ]
حِيلَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَاءِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا اسْتَنْبَطَ فِي مِلْكِهِ أَوْ أَرْضٍ اسْتَأْجَرَهَا عَيْنَ مَاءٍ مَلَكَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ لِمَنْ يَسُوقُهُ إلَى أَرْضِهِ أَوْ يَسْقِي بِهِ بَهَائِمَهُ، بَلْ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَمَا فَضَلَ مِنْهُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ وَزَرْعِهِ، فَالْحِيلَةُ عَلَى جَوَازِ الْمُعَاوَضَةِ أَنْ يَبِيعَهُ نِصْفَ الْعَيْنِ أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ يُؤَجِّرَهُ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ الْمَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ الْمَاءُ تَبَعًا لِمِلْكِ الْعَيْنِ أَوْ مَنْفَعَتِهَا، وَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْحِيلَةُ تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ، وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَيْنَ، وَدَخَلَ الْمَاءُ تَبَعًا، وَالشَّيْءُ قَدْ يَسْتَتْبِعُ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ وَحْدَهُ
[الْمِثَال التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ تَسْوِيغِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي إلَّا لِمَنْ بَاعَهُ]
[حِيلَةٌ فِي عَدَمِ تَسْوِيغِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي إلَّا لِمَنْ بَاعَهُ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: إذَا بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَلَهُ غَرَضٌ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ بَائِعِهِ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا يَجُوزُ عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْمَانِعِينَ: " إنَّهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ " فَنَعَمْ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ، وَجَمِيعُ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ، وَلَا تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ، بَلْ هِيَ مُقْتَضَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَسْعَدْ مَعَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ لَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: إمَّا أَنْ تَقُولَ: " مَتَى بِعْته فَهُوَ حُرٌّ " وَإِلَّا فَسَخْت الْبَيْعَ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَمَتَى بَاعَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ فَإِنَّ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْعِتْقَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَذَلِكَ بَيْعٌ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا يُقَالُ: " بِعْته الْعَبْدَ فَاشْتَرَاهُ " فَكَمَا أَنَّ الشِّرَاءَ هُوَ قَبُولُ الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ هُوَ إيجَابُ الْبَائِعِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِذَا تُبَاعُ كَرِيمَةٌ أَوْ تُشْتَرَى ... فَسِوَاكَ بَائِعُهَا وَأَنْتَ الْمُشْتَرِي
هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، فَإِنْ لَمْ تَسْعَدْ مَعَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فَلْيَقُلْ لَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: " إمَّا أَنْ تَقُولَ مَتَى بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ، وَإِمَّا أَنْ أَفْسَخَ " فَمَتَى قَالَ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُ بَيْعُهُ أَلْبَتَّةَ.
[الْمِثَالُ الْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي تَجْوِيزِ شَهَادَةِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ]
[حِيلَةٌ فِي تَجْوِيزِ شَهَادَةِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ]
الْمِثَالُ الْأَرْبَعُونَ: إذَا كَانَ لِلْمُوَكِّلِ عِنْدَ وَكِيلِهِ شَهَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِيهِ لَمْ تُقْبَلْ، فَإِنْ أَرَادَ قَبُولَهَا فَلْيَعْزِلْهُ أَوْ لِيَعْزِلْ نَفْسَهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ ثُمَّ يُقِيمُ الشَّهَادَةَ، فَإِذَا تَمَّتْ عَادَ تَوَكُّلُهُ بِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ مَحْذُورٌ؛ فَلَا تَكُونُ مُحَرَّمَةً.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي تَجْوِيزِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
[حِيلَةٌ فِي تَجْوِيزِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ إحْدَى خُفَّيْهِ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ
стр. 883
غَسَلَ رِجْلَهُ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ، جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ الْأُولَى عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ؛ فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّ الرِّجْلِ الْأُولَى ثُمَّ يَلْبَسَهُ، وَهَذَا نَوْعُ عَبَثٍ لَا غَرَضَ لِلشَّارِعِ فِيهِ، وَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِ؛ فَالشَّرْعُ لَا يَأْمُرُهُ بِهِ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ حِنْثِ الْحَالِفِ]
[حِيلَةٌ فِي عَدَمِ حِنْثِ الْحَالِفِ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا اُسْتُحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ، فَأَحَبَّ أَنْ يَحْلِفَ وَلَا يَحْنَثَ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِقَوْلِ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُسْمِعَهَا نَفْسَهُ؟ فَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا: هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مَتَى حَرَّكَ لِسَانَهُ بِذَلِكَ كَانَ مُتَكَلِّمًا، وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وَهَكَذَا حُكْمُ الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، قُلْت: وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ وَيُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ذَاكِرًا، وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لِلشَّفَتَيْنِ فِي حُرُوفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، بَلْ كُلُّهَا حَلْقِيَّةٌ لِسَانِيَّةٌ؛ فَيُمْكِنُ الذَّاكِرُ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِهَا وَلَا يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَلَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، وَلَا تَرَاهُ الْعَيْنُ يَتَكَلَّمُ، وَهَكَذَا التَّكَلُّمُ يَقُولُ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " يُمْكِنُ مَعَ إطْبَاقِ الْفَمِ؛ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يَرَاهُ، وَإِنْ أَطْبَقَ أَسْنَانَهُ وَفَتَحَ شَفَتَيْهِ أَدْنَى شَيْءٍ سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ بِجُمْلَتِهِ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَمَّنْ قَتَلَ زَوْجَتَهُ الَّتِي لَاعَنَهَا أَوْ قَتَلَ وَلَدَهَا]
[حِيلَةٌ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَمَّنْ قَتَلَ زَوْجَتَهُ الَّتِي لَاعَنَهَا أَوْ قَتَلَ وَلَدَهَا]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، ثُمَّ قَتَلَ الْوَلَدَ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهَا فَلِوَلَدِهَا الْقِصَاصُ إذَا بَلَغَ؛ فَإِنْ أَرَادَ إسْقَاطَ الْقِصَاصِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، وَيُقِرَّ بِأَنَّهُ ابْنُهُ؛ فَيَسْقُطَ الْقِصَاصُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي جَوَازِ هَذِهِ الْحِيلَةِ نَظَرٌ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَقَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ ثُمَّ عَادَ فَادَّعَاهُ]
[حِيلَةٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ كَانَ أَدَّاهُ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَقَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ ثُمَّ عَادَ فَادَّعَاهُ؛ فَإِنْ قَالَ: " قَدْ أَبْرَأَنِي مِنْهُ " لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: " كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْته " وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ مُقِرًّا بِهِ مُدَّعِيًا لِلْإِبْرَاءِ؛ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ؛ فَالْحِيلَةُ عَلَى التَّخَلُّصِ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَبْرَأْتَنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى؛ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْمُدَّعَى بِهِ؛ فَإِذَا سَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْ الدَّعْوَى مَلَكَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ صَرَفَهُمَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ حَلَفَ طُولِبَ بِالْجَوَابِ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّعْوَى فَإِنْ قَالَ: " أَبْرَأْتنِي مِنْ الْحَقِّ " فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ قَالَ: " لَا شَيْءَ عِنْدِي " اكْتَفَى مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ عِنْدَ
стр. 884
الْجُمْهُورِ؛ فَإِنْ طَالَبَهُ الْحَاكِمُ بِالْجَوَابِ عَلَى وَفْقِ الدَّعْوَى فَالْحِيلَةُ أَنْ يُجِيبَ وَيُوَرِّيَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي الْمُضَارَبَةِ]
[حِيلَةٌ فِي الْمُضَارَبَةِ]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا خَافَ الْمُضَارِبُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ الْمَالَ فَقَالَ: " قَدْ رَبِحْت أَلْفًا " لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شَرِيكًا؛ فَإِنْ قَالَ: " ذَلِكَ حِيلَةٌ، وَلَمْ يَرْبَحْ " فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: " كَذَبْت " لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ؛ فَالْحِيلَةُ فِي تَخَلُّصِهِ أَنْ يَدَّعِيَ خَسَارَتهَا بَعْدِ ذَلِكَ أَوْ تَلَفَهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
[الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي تَجْوِيزِ نَظَرِ الْوَاقِفِ عَلَى وَقْفِهِ]
[حِيلَةٌ فِي تَجْوِيزِ نَظَرِ الْوَاقِفِ عَلَى وَقْفِهِ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا وَقَفَ وَقْفًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِيهِ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَلِي صَدَقَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، «وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِوَقْفِ أَرْضِهِ لَمْ يَقُلْ لَهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَتَّى تُخْرِجَهَا عَنْ يَدِك وَلَا تَلِي نَظَرَهَا» وَأَيُّ غَرَضٍ لِلشَّارِعِ فِي ذَلِكَ؟ وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ بَلْ الْمَصْلَحَةُ خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرُ بِمَالِهِ، وَأَقْوَمُ بِعِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ الْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَتْ خِبْرَتُهُ وَشَفَقَتُهُ كَخِبْرَةِ صَاحِبِهِ وَشَفَقَتِهِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَثُبُوتُ نَظَرِهِ وَيَدِهِ عَلَيْهِ كَثُبُوتِ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ وَيَدِهِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا، فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي أَنْ يُقَالَ لَهُ: " لَا يَصِحُّ وَقْفُك حَتَّى تَجْعَلَهُ فِي يَدِ مَنْ لَسْت عَلَى ثِقَةٍ مِنْ حِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَإِخْرَاجِ نَظَرِك عَنْهُ؟ "
فَإِنْ قِيلَ: إخْرَاجُهُ لِلَّهِ يَقْتَضِي رَفْعَ يَدِهِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَالْعِتْقِ.
قِيلَ: بِالْعِتْقِ خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا، وَصَارَ مُحَرَّرًا مَحْضًا، فَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ يَدُ أَحَدٍ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَأَحَقُّ مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ يَدُ أَشْفَقِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَأَقْوَمُهُمْ بِمَصَالِحِهِ، وَثُبُوتُ يَدِهِ وَنَظَرِهِ لَا يُنَافِي وَقْفَهُ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ وَقَفَهُ لِلَّهِ وَجَعَلَ نَظَرَهُ عَلَيْهِ وَيَدَهُ لِلَّهِ فَكِلَاهُمَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، فَكَيْفَ يُحْرَمُ ثَوَابَ هَذِهِ الْقُرْبَةِ وَيُقَالُ لَهُ: لَا يَصِحُّ لَك قُرْبَةُ الْوَقْفِ إلَّا بِحِرْمَانِ قُرْبَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْوَقْفِ؟ فَأَيُّ نَصٍّ وَأَيُّ قِيَاسٍ وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ وَأَيُّ غَرَضٍ لِلشَّارِعِ أَوْجَبَ ذَلِكَ؟ بَلْ أَيُّ صَاحِبٍ قَالَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ احْتَاجَ الْوَاقِفُ إلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُحْكَمُ فِيهِ إلَّا بِقَوْلِ مَنْ يُبْطِلُ الْوَقْفَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ وَإِذَا شَرَطَ النَّظَرَ بِنَفْسِهِ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَوِّضَ النَّظَرَ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ وَيَجْعَلَ إلَيْهِ تَفْوِيضَ النَّظَرِ لِمَنْ شَاءَ، فَيَقْبَلَ النَّاظِرُ ذَلِكَ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ وَيَلْزَمَ، ثُمَّ يُفَوِّضَهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ أَجْنَبِيًّا
стр. 885
بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ النَّاسِ، فَهَذِهِ حِيلَةٌ صَحِيحَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى حَقٍّ، فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ النَّظَرَ فِيهِ لِلْحَاكِمِ ثُمَّ فَوَّضَهُ الْحَاكِمُ إلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يُفَوِّضَهُ الْحَاكِمُ إلَيْهِ فَلْيُمَلِّكْهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيَقِفُهُ ذَلِكَ عَلَى مَا يُرِيدُ الْمُمَلِّكُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ لِتَجْوِيزِ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ]
[حِيلَةٌ لِتَجْوِيزِ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ صَحَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِحُّ.
وَالْمَانِعُونَ مِنْ صِحَّتِهِ قَالُوا: يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْإِنْسَانِ مُعْطِيًا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ وَلَا يَهَبَ نَفْسَهُ وَلَا يُؤَجِّرَ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَذَا لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ: الْوَقْفُ شَبِيهُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْتَنِعُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ، وَلِهَذَا لَا يُفْتَقَرُ إلَى قَبُولٍ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ اتِّفَاقًا، وَلَا إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ أُمُّ الْوَلَدِ.
وَإِذَا كَانَ مِثْلَ التَّحْرِيرِ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ مُمَلِّكًا لِنَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ مُخْرِجًا لِلْمِلْكِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَانِعًا لَهَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ مَعَ انْتِفَاعِهِ بِالْعَيْنِ كَأُمِّ الْوَلَدِ. وَهَذَا إذَا قُلْنَا بِانْتِقَالِ رَقَبَةِ الْوَقْفِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الْوَاقِفَ أَخْرَجَ رَقَبَةَ الْوَقْفِ لِلَّهِ وَجَعَلَ نَفْسَهُ أَحَدَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْ الْبُطُونِ الْمُرَتَّبَةِ فَلَا يَكُونُ دُونَ بَعْضِهِمْ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْوَقْفُ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ الْوَاقِفِ فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى أَحَدُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ جَازَ عَلَى الْمُخْتَارِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْمِلْكَيْنِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَنْقُلَ مِلْكَهُ الْمُخْتَصَّ إلَى طَبَقَاتٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهَا هُوَ أَحَدُهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ نَقَلَ مِلْكَهُ الْمُخْتَصَّ إلَى مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ، بَلْ فِي الشَّرِكَةِ الْمِلْكُ الثَّانِي مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ يَمْلِكُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ، وَفِي الْوَقْفِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَوَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، كَمَا وَقَفَ عُثْمَانُ بِئْرَ رُومَةَ وَجَعَلَ دَلْوَهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَمَا يُصَلِّي الْمَرْءُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي وَقَفَهُ، وَيَشْرَبُ
стр. 886
مِنْ السِّقَايَةِ الَّتِي وَقَفَهَا، وَيُدْفَنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي سَبَّلَهَا، أَوْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيق الَّتِي فَتْحَهَا، وَيَنْتَفِعُ بِالْكِتَابِ الَّذِي وَقَفَهُ، وَيَجْلِسُ عَلَى الْبِسَاطِ وَالْحَصِيرِ اللَّذَيْنِ وَقَفَهُمَا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ فِي الْجِهَةِ الْعَامَّةِ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ، لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى، بَلْ الْجَوَازُ هُنَا أَوْلَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِالتَّعْيِينِ، وَهُنَاكَ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ بِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ.
وَتَقْلِيدُ هَذَا الْقَوْلِ خَيْرٌ مِنْ الْحِيلَةِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يُمَلِّكُ الرَّجُلُ فِيهَا مَالَهُ لِمَنْ لَا تَطِيبُ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا ثُمَّ يَقِفَهُ ذَلِكَ الْمُمَلَّكُ عَلَى الْمُمَلِّكِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ تَضَمَّنَتْ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهُوَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَى الْمُمَلَّكِ. وَالثَّانِي: اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَوْ إذْنُهُ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا فِي الْمَعْنَى تَوْكِيلٌ [لَهُ] فِي الْوَقْفِ، كَمَا أَنَّ اشْتِرَاطَهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ الْوَقْفِ؛ فَصَارَ وُجُودُ هَذَا التَّمْلِيكِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُمَلَّكُ وَلَا يُمْكِنُهُ وُجُودُ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ وَقْفِهِ لَمْ يَحِلَّ لِوَرَثَتِهِ أَخْذُهُ، وَلَوْ أَنَّهُ أَخَذَهُ وَلَمْ يَقِفْهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ عُدَّ ظَالِمًا غَاصِبًا، وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ صَاحِبُهُ بَعْدَ هَذَا التَّمْلِيكِ لَكَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ نَافِذًا كَنُفُوذِهِ قَبْلَهُ، هَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُمَا تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ عِنْدَكُمْ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ؟
قِيلَ: نَعَمْ، أَنْ يَقِفَهُ عَلَى الْجِهَاتِ الَّتِي يُرِيدُ؛ وَيَسْتَثْنِيَ غَلَّتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَهَذَا جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يُعْتِقَ الْعَبْدَ وَيَسْتَثْنِيَ بَعْضَ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ مُدَّةً. وَيُجَوِّزُونَ أَنْ يَقِفَ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَسْتَثْنِيَ بَعْضَ مَنْفَعَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةٍ أَوْ إلَى حِينِ مَوْتِهِ. وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَبِحَدِيثِ عِتْقِ أُمِّ سَلَمَةَ سَفِينَةَ، وَبِحَدِيثِ عِتْقِ صَفِيَّةَ، وَبِآثَارٍ صِحَاحٍ كَثِيرَةٍ عَنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يُعْلَمْ فِيهِمْ مَنْ خَالَفَهَا، وَلِهَذَا الْقَوْلِ قُوَّةٌ فِي الْقِيَاسِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ عَدَلَ إلَى الْحِيلَةِ الْأُولَى فَمَا حُكْمُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؟ وَمَا حُكْمُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ بِالْحَالِ، هَلْ يَطِيبُ لَهُ تَنَاوُلُ الْوَقْفِ أَمْ لَا؟
قِيلَ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْوَقْفِ وَنُفُوذَهُ، وَيَطِيبُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ تَنَاوُلُ الْوَقْفِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيقُ إلَيْهِ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ وَهَذَا كَمَا إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ طَلَّقَ الْمَرْأَةَ وَجَحَدَ ذَلِكَ فَأَقَامَ الْعَبْدُ أَوْ الْمَرْأَةُ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ فَشَهِدَا بِهِ وَسِعَ الْعَبْدَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَالْمَرْأَةَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَفِقْهُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ هَذَا الْإِذْنَ وَالتَّوْكِيلَ فِي الْوَقْفِ وَإِنْ
стр. 887
حَصَلَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ أَوْ الْمُضَارَبَةُ لَمْ يَفْسُدْ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ وَالْعَامِلِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ مِنْ الْإِذْنِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاتِّفَاقَ يَلْزَمُهُ قَبْلَ التَّمْلِيكِ إذْنٌ صَحِيحٌ وَوَكَالَةٌ صَحِيحَةٌ فِي الْبَاطِنِ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهَا مَا يُنَافِيهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا بَطَلَ عَقْدُ الْهِبَةِ لِكَوْنِهِ شَرَطَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ إلَّا بِالْوَقْفِ عَلَى الْوَاهِبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْعَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمِلْكِ بَلْ يَصِحُّ بِالْوَكَالَةِ وَبِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ الْمِلْكِ بُطْلَانُ الْإِذْنِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُسْتَنَدٌ غَيْرُ الْمِلْكِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا بَطَلَ الْمِلْكُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ التَّصَرُّفُ الَّذِي هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ.
قِيلَ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْإِذْنِ وَالتَّوْكِيلِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ هَذِهِ الْحِيَلَ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا يَجِبُ أَنْ تُسْلَبَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي أُعِيرَتَهَا وَتُعْطَى الْأَسْمَاءَ الْحَقِيقِيَّةَ، كَمَا سُلِبَ مِنْهَا مَا يُسَمَّى بَيْعًا وَنِكَاحًا وَهَدِيَّةً هَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَأُعْطِيَ اسْمَ الرِّبَا وَالسِّفَاحِ وَالرِّشْوَةِ؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْهِبَةُ تُسْلَبُ اسْمَ الْهِبَةِ وَتُسَمَّى إذْنًا وَتَوْكِيلًا، وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ تَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْوَكَالَةِ؛ فَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي الْحَقِيقَةِ تَوْكِيلٌ لِلْغَيْرِ فِي أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ فَمَنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ اعْتَقَدَ جَوَازَ هَذَا الْوَقْفِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ وَبُطْلَانَ الْحِيَلِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْبَاطِلِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الِابْتِدَاءِ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَمَنْ أَبْطَلَهُ رَأَى أَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ وَمَنْ بَعْدَهَا تَبَعٌ لِلْأُولَى، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِي الْمَتْبُوعِ فَفِي التَّابِعِ أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ، وَلِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ أَنْ تَصِيرَ الثَّانِيَةُ إلَّا بَعْدَ الْأُولَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزَمَ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ؛ إذْ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ مِنْ رِضَا الْمُتَصَرِّفِ وَمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
فَإِذَا مَاتَ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ حِينَئِذٍ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَيَكُونُ مَأْخَذُهُمَا ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَ: " هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي " فَيَصِحُّ، أَوْ أَنَّهُ وَقْفٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهِ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي الزَّائِدِ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِهِ كَانَ مِيرَاثًا، وَمَنْ رَأَى صِحَّتَهُ قَالَ: قَدْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ تَصَرُّفِ الْعَاقِلِ الرَّشِيدِ بِأَنْ يُصَحِّحَ الْوَقْفَ وَيَصْرِفَهُ فِي الْحَالِ إلَى جِهَتِهِ الَّتِي يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا، وَتَلْغَى الْجِهَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ فَتُجْعَلُ كَالْمَعْدُومَةِ. وَقِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: بَلْ تُصْرَفُ مَصْرِفَ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ، فَإِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ صُرِفَ مَصْرِفَ الْجِهَةِ الصَّحِيحَةِ.
стр. 888
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ سَلَكَ حِيلَةً غَيْرَ هَذَا كُلِّهِ، وَأَسْهَلَ مِنْهُ وَأَقْرَبَ؟ وَهِيَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْعَقَارِ وَقْفٌ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ جَائِزِ الْمِلْكِ جَائِزِ الْوَقْفِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا، فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الْحِيلَةِ فِي الْبَاطِنِ، وَحُكْمُ مَنْ عَلِمَ بِهَا مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ؟ .
قِيلَ: هَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا إنْشَاءَ الْوَقْفِ، وَإِنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْإِخْبَارَ؛ فَهِيَ إنْشَاءٌ فِي الْبَاطِنِ إخْبَارٌ فِي الظَّاهِرِ، فَهِيَ كَمَنْ أَقَرَّ بِبُطْلَانٍ أَوْ عَتَاقٍ يَنْوِي بِهِ الْإِنْشَاءَ، وَالْوَقْفُ يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ وَبِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ وَتَكَلَّمَ بِقَوْلِهِ: " هَذَا وَقْفٌ عَلَيَّ " وَمَيَّزَهُ بِفِعْلِهِ عَنْ مِلْكِهِ صَارَ وَقْفًا؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ الْإِنْشَاءِ مَعَ النِّيَّةِ، فَإِذَا قَصَدَهُ بِهِ صَحَّ كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْإِنْشَاءِ يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْإِخْبَارُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ دِينَ، فَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ صَالِحٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْآخَرِ، فَقَدْ يُقْصَدُ بِالْإِقْرَارِ الْإِخْبَارُ عَمَّا مَضَى، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْإِنْشَاءُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ قَدْ قِيلَ: هِيَ إنْشَاءَاتٌ، وَقِيلَ: إخْبَارَاتٌ؛ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ؛ فَهِيَ إخْبَارٌ عَنْ الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقَلْبِ، وَقَصْدُ تِلْكَ الْمَعَانِي إنْشَاءٌ؛ فَاللَّفْظُ خَبَرٌ وَالْمَعْنَى إنْشَاءٌ، فَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقِفْهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يَصِيرَ وَقْفًا بِهَذَا الْإِخْبَارِ فَقَدْ اجْتَمَعَ لَفْظُ الْإِخْبَارِ وَإِرَادَةُ الْإِنْشَاءِ، فَلَوْ كَانَ أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَيْبٌ أَنَّهُ أَنْشَأَ الْوَقْفَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَفْظُهُ إخْبَارًا عَنْ غَيْرِ مَا عَنَاهُ، وَاَلَّذِي عَنَاهُ لَمْ يُنْشِئْ لَهُ لَفْظًا صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةً، وَنَشَأَتْ الشُّبْهَةُ؛ وَلَكِنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مَعَ هَذَا اللَّفْظِ الصَّالِحِ لِلْكِنَايَةِ مَعَ الْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْوَقْفِ يَقُومُ مَقَامَ التَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُنْشَأُ بِهِ الْوَقْفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ مُدَّةً]
[بَيْعُ الشَّيْءِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ مُدَّةً] : الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ بَاعَ غَيْرُهُ دَارًا أَوْ عَبْدًا أَوْ سِلْعَةً؛ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً جَازَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ وَالْمَصْلَحَةُ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ؛ فَإِنْ خَافَ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الشَّرْطِ فَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ؛ فَالْحِيلَةُ فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَاطِئَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِمَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ؛ وَيُقِرَّ بِقَبْضِ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ يَبِيعَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ يَسْتَأْجِرَهُ كَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَيُقِرَّ لَهُ بِقَبْضِ الْأُجْرَةِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ حَرَامٍ وَلَا تَحْرِيمَ حَلَالٍ.
стр. 889
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ]
حِيلَةٌ فِي إسْقَاطِ نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنَةُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَهِيَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنْ خَافَ الْمُطَلِّقُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ السُّكْنَى وَحْدَهَا فَالْحِيلَةُ فِي تَخْلِيصِهِ أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولَ: إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُك لِي مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ مِنْ دَعْوَى ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ فَلَا يُمْكِنُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَدَّعِي بِهِمَا أَلْبَتَّةَ. وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى نَظِيرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِذَا ادَّعَتْ بِذَلِكَ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ صَارَ لَهَا عَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ عَلَيْهَا، فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا وَيُعْطِيَهَا وَإِمَّا أَنْ يَتَقَاصَّا.
[الْمِثَالُ الْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي الشِّرَاءِ]
[حِيلَةٌ فِي الشِّرَاءِ] : الْمِثَالُ الْخَمْسُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ فَخَافَ أَنْ تُسْتَحَقَّ أَوْ تَظْهَرَ مَعِيبَةً وَلَا يَعْرِفُهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِيمَ لَهُ وَكِيلًا يُخَاصِمُهُ إنْ ظَهَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَعْزِلَ الْبَائِعُ الْوَكِيلَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْوَكِيلِ نَفْسِهِ وَيُضَمِّنَهُ دَرَكَ الْمَبِيعِ.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي الْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ]
[حِيلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ مَتَاعًا مِنْ [بَلَدٍ] غَيْرِ بَلَدِهِ فَاشْتَرَاهُ وَأَرَادَ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ وَإِقَامَتُهُ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَإِنْ أَوْدَعَهُ غَيْرَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ ضَمِنَ أَيْضًا، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُوصِلُهُ إلَيْهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْمَنُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ؛ فَالْحِيلَةُ فِي إيصَالِهِ إلَى رَبِّهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْمَالِ بِرَأْيِهِ، وَأَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ أَوْ أَنْ يُودِعَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْمُوَكِّلُ وَقَالَ: " لَا يُوَافِينِي بِهِ غَيْرُك " فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْحِيلَةُ، فَلْيُخْرِجْ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، فَتَصِيرُ يَدُهُ يَدَ مُودِعٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ، بَلْ مُؤْنَةُ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ مَالِهِ أَرْسَلَ مَنْ يَأْخُذُهُ أَوْ جَاءَ هُوَ فِي طَلَبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ كَانَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ؟
قِيلَ: لَمَّا دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ فَقَدْ الْتَزَمَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْمَالَ، فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ بِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ بَقِيَ كَالْمُودِعِ الْمَحْضِ، فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِجُعْلٍ فَهُوَ كَالْأَجِيرِ فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الْعَمَلِ كَالْأَجِيرِ.
стр. 890
[المثال الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ إسْلَامُ ذِمِّيٍّ وَعِنْدَهُ خَمْرٌ]
إسْلَامُ ذِمِّيٍّ وَعِنْدَهُ خَمْرٌ]
الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: إذَا أَرَادَ الذِّمِّيُّ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ خَمْرٌ، فَخَافَ إنْ أَسْلَمَ، يَجِبُ عَلَيْهِ إرَاقَتُهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ آخَرَ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يُسْلِمَ، وَيَتَقَاضَاهُ الثَّمَنَ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ كَتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا، وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ» .
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَسْلَمَ مَنْ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يُؤَدِّ ثَمَنَهَا هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ؟
قِيلَ: لَا يَسْقُطُ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا.
قِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَيَرُدُّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْرًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَخَافَ أَنْ يُلْزِمَهُ بِثَمَنِهَا، فَهَلْ لَهُ حِيلَةٌ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ ذَلِكَ؟
قِيلَ: الْحِيلَةُ أَنْ لَا يَمْلِكَهَا بِالشِّرَاءِ، بَلْ بِالْقَرْضِ، فَإِذَا اقْتَرَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِ الْقَرْضِ؛ فَإِنَّ مُوجِبَ الْقَرْضِ رَدُّ الْمِثْلِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالْإِسْلَامِ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيَلُ فِي الشُّفْعَةِ]
[حِيَلٌ فِي الشُّفْعَةِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا اشْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا وَقَدْ وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْحُدُودُ لَمْ تَقَعْ وَلَمْ تُصْرَفْ الطُّرُقُ بَلْ طَرِيقُهَا وَاحِدَةٌ فَفِيهَا الشُّفْعَةُ، هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ خَافَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْفَعَهُ الْجَارُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الشُّفْعَةَ وَإِنْ صُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَهُ التَّحَيُّلُ عَلَى إبْطَالِهَا بِضُرُوبٍ مِنْ الْحِيَلِ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَيُكَاتِبَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطِيَهُ عِوَضَ كُلِّ دِينَارٍ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَهَبَ مِنْهُ الدَّارَ وَالْأَرْضَ ثُمَّ يَهَبَهُ ثَمَنَهَا، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت بِعْتُكهَا بِمَا اشْتَرَيْتهَا بِهِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَصْبِرُ عَلَيْك بِالثَّمَنِ، فَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ، وَرَابِعُهَا: أَنْ يَتَصَادَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ تُفْسِدُ الْبَيْعَ كَأَجَلٍ مَجْهُولٍ أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ تَلْجِئَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقِرَّهَا الْبَائِعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ سَبِيلٌ عَلَيْهَا، وَخَامِسُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ مُدَّةً
стр. 891
طَوِيلَةً، فَإِنْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَإِنْ بَطَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، وَسَادِسُهَا: أَنْ يَهَبَ لَهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ، وَيَبِيعَهُ الْعُشْرَ الْبَاقِيَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَسَابِعُهَا: أَنْ يُوَكِّلَ الشَّفِيعَ فِي بَيْعِ دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ، فَيَقْبَلَ الْوَكَالَةَ فَيَبِيعَ، أَوْ يُوَكِّلَهُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ لَهُ، وَثَامِنُهَا: أَنْ يَزِنَ لَهُ الثَّمَنَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ سِرًّا ثُمَّ يَجْعَلَهُ صُبْرَةً غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَيَبِيعَهُ الدَّارَ بِهَا، وَتَاسِعُهَا: أَنْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِسَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ لِلْمُشْتَرِي فَيَصِيرَ شَرِيكَهُ ثُمَّ يَبِيعَهُ بَاقِيَ الدَّارِ، فَلَا يَجِدَ جَارُهُ إلَيْهَا سَبِيلًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْجَارِ.
وَعَاشِرُهَا: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مِنْ الدَّارِ، ثُمَّ يَبِيعَهُ بَاقِيَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَيَصِيرَ شَرِيكًا، فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ، وَحَادِي عَشَرَهَا: أَنْ يَأْمُرَ غَرِيبًا أَوْ مُسَافِرًا بِشِرَائِهَا، فَإِذَا فَعَلَ دَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ وَكَّلَهُ بِحِفْظِهَا، ثُمَّ يُشْهِدُ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ وَتَوْكِيلِهِ حَتَّى لَا يُخَاصِمَهُ الشَّفِيعُ، وَثَانِي عَشَرَهَا: أَنْ يَجِيءَ الْمُشْتَرِي إلَى الْجَارِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارِهِ وَيُرَغِّبَهُ فِي الثَّمَنِ أَضْعَافَ مَا تُسَاوِي، وَيَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَمْضِي وَيَشْتَرِي تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي يُرِيدُ شِرَاءَهَا، فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا فَسَخَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ جَارُهُ عَلَيْهِ شُفْعَةً؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ جَارًا، وَإِنَّمَا طَرَأَ لَهُ الْجِوَارُ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَثَالِثُ عَشَرَهَا: أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِ الدَّارِ عَبْدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ شَهْرًا بِسَهْمٍ مِنْ الدَّارِ، فَيَصِيرَ شَرِيكَهُ، ثُمَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَشْتَرِي مِنْهُ بَقِيَّتَهَا؛ فَلَا يَكُونُ لِجَارِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَرَابِعُ عَشَرَهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَضْعَافَ مَا تُسَاوِي، فَإِنَّ الْجَارَ لَا يَأْخُذُهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِذَا رَغِبَ عَنْهَا صَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ عَلَى مَا يُسَاوِيه حَالًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
[رَدُّ شُبْهَةٍ وَارِدَةٍ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ]
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ قَدْ بَالَغْتُمْ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ احْتَالَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَذَكَرْتُمْ تِلْكَ الْآثَارَ، فَنَكِيلُ لَكُمْ بِالْكَيْلِ الَّذِي كِلْتُمْ بِهِ لَنَا.
قُلْنَا: لَا سَوَاءٌ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّا ذَكَرْنَا هَذِهِ الْوُجُوهَ تَحَيُّلًا عَلَى [إبْطَالِ] مَا أَبْطَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَلَمَّا أَبْطَلَ الشُّفْعَةَ تَحَيَّلْنَا عَلَى تَنْفِيذِ حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ؛ فَكُنَّا فِي هَذِهِ الْحِيَلِ مُنَفِّذِينَ لِأَمْرِهِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبْطَلْتُمْ بِهَا مَا أَثْبَتَهُ بِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِذَا حَرَّمَ عَلَيْهِ الْبَيْعَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ فَمَا الظَّنُّ بِالتَّحَيُّلِ عَلَى إسْقَاطِ شُفْعَتِهِ؟ فَتَوَصَّلْتُمْ أَنْتُمْ بِهَذِهِ الْحِيَلِ إلَى إسْقَاطِ مَا أَثْبَتَهُ، وَتَوَصَّلْنَا نَحْنُ بِهَا إلَى إسْقَاطِ مَا أَسْقَطَهُ وَأَبْطَلَهُ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالصَّوَابِ، وَأَتْبَعُ لِمَقْصُودِ الرَّسُولِ ﷺ ؟ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
стр. 892
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ]
حِيلَةٌ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ] : الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ، كَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوِلَايَةِ بِالشَّرْطِ، كَمَا صَحَّتْ بِهِ السُّنَّةُ، بَلْ تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ فَإِنَّ الْوَلِيَّ وَكِيلٌ وَكَالَةً عَامَّةً، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ نِيَابَةً عَنْ الْمُولِي، فَوَكَالَتُهُ أَعَمُّ مِنْ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا صَحَّ تَعْلِيقُهَا فَتَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ الْخَاصَّةِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ؛ فَإِذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَوْ يُوَكِّلُهُ مُطْلَقًا ثُمَّ يُعَلِّقُ التَّصَرُّفَ عَلَى شَرْطٍ فَيَصِحُّ، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ فِقْهِيٌّ بَيْنَ امْتِنَاعِ هَذَا وَجَوَازِ هَذَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّوْكِيلِ التَّصَرُّفُ، وَالتَّوْكِيلُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ؛ فَإِذَا صَحَّ تَعْلِيقُ الْغَايَةِ فَتَعْلِيقُ الْوَسِيلَةِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى]
[حِيلَةٌ فِي إبْطَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا رَفَعَ إلَى الْإِمَامِ وَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى، فَخَافَ إنْ أَنْكَرَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَيُحَدَّ؛ فَالْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يُقِرَّ إذَا سُئِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهَا؛ فَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ وَلَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَرِّرَهُ تَمَامَ النِّصَابِ، بَلْ إذَا سَكَتَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَرَى وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ فَإِذَا خَافَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَقَرَّ أَيْضًا ثُمَّ رَجَعَ، وَهَكَذَا أَبَدًا، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ جَائِزَةٌ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُخْلِدَ إلَى التَّوْبَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحَابَةِ لَمَّا فَرَّ مَاعِزٌ مِنْ الْحَدِّ: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَإِذَا فَرَّ مِنْ الْحَدِّ إلَى التَّوْبَةِ فَقَدْ أَحْسَنَ.
[الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ الْحِنْثِ]
[حِيلَةٌ فِي الْخَلَاصِ مِنْ الْحِنْثِ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا حَلَفَ لِغَادِرٍ أَوْ جَاسُوسٍ أَوْ سَارِقٍ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا، وَلَا يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ وَأَنْ لَا يُخْفِيَهُ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَقْوَامٍ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ؛ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ: لَا، فَإِذَا انْتَهَتْ التَّوْبَةُ إلَيْهِ سَكَتَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَلَا يَأْثَمُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَإِيوَائِهِ، وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، قَالَ لَهُ السَّائِلُ: نَزَلَ بِي اللُّصُوصُ؛ فَأَخَذُوا مَالِي وَاسْتَحْلَفُونِي بِالطَّلَاقِ أَلَّا أُخْبِرَ أَحَدًا بِهِمْ؛ فَخَرَجْت فَرَأَيْتُهُمْ يَبِيعُونَ مَتَاعِي فِي السُّوقِ جَهْرَةً، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إلَى الْوَالِي فَقُلْ لَهُ يَجْمَعُ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ أَوْ السِّكَّةِ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ ثُمَّ يُحْضِرُهُمْ ثُمَّ يَسْأَلُك عَنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا؛ فَإِذَا سَأَلَك عَمَّنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَقُلْ: لَيْسَ مِنْهُمْ، وَإِذَا سَأَلَك عَمَّنْ هُوَ مِنْهُمْ فَاسْكُتْ؛ فَفَعَلَ الرَّجُلُ؛
стр. 893
فَأَخَذَ الْوَالِي مَتَاعَهُ مِنْهُمْ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ فَلَوْ عُمِلَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ مَعَ مَظْلُومٍ لَمْ تَنْفَعْ، وَحَنِثَ الْحَالِفُ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَبِالسُّكُوتِ قَدْ أَعَانَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي بِرِّ زَوْجٍ وَزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا]
[حِيلَةٌ فِي بِرِّ زَوْجٍ وَزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا]
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: مَا سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ امْرَأَةٍ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا سَأَلْتَينِي الْخُلْعَ إنْ لَمْ أَخْلَعْك، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَسْأَلْك الْخَلْع الْيَوْمَ؛ فَجَاءَ الزَّوْجُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: أَحْضِرْ الْمَرْأَةَ؛ فَأَحْضَرَهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو حَنِيفَةَ: سَلِيهِ الْخُلْعَ، فَقَالَتْ: سَأَلَتْك أَنْ تَخْلَعَنِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: قُلْ لَهَا قَدْ خَلَعْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِينِيهَا، فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا قَوْلِي: لَا أَقْبَلُ، فَقَالَتْ: لَا أَقْبَلُ، فَقَالَ: قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَلَمْ يَحْنَثْ فِي شَيْءٍ، ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ لَهُ.
وَإِنَّمَا تَتِمُّ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَلَوْ قَالَتْ لَهُ: " أَسْأَلُك الْخُلْعَ عَلَى أَلْفٌ دِرْهَمٍ حَالَّةً، أَوْ إلَى شَهْرٍ " فَقَالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلَى ذَلِكَ " وَقَعَ الْخُلْعُ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ لَهُ: " اخْلَعْنِي " قَالَ: " خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ " فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ خُلْعًا حَتَّى تَقْبَلَ وَتَرْضَى، وَهِيَ لَمْ تَرْضَ بِالْأَلْفِ؛ فَلَا يَقَعُ الْخُلْعُ.
[فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ إذًا لَمْ يَقَعْ الْخُلْعُ؟]
قِيلَ: هُوَ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَا عَلَى قَبُولِهَا؛ فَإِذَا قَالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ " فَقَدْ وُجِدَ الْخُلْعُ مِنْ جِهَتِهِ؛ فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَقِفْ حَلُّ الْيَمِينِ عَلَى قَبُولِهَا، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ أَخَوَانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجَةُ الْآخَرِ]
[أَخَوَانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجَةُ الْآخَرِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْهُ أَتَاهُ أَخَوَانِ قَدْ تَزَوَّجَا بِأُخْتَيْنِ؛ فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُمَا إلَى زَوْجِ أُخْتِهَا؛ فَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ الْحَالَ لَمَّا أَصْبَحَا؛ فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، وَسَأَلَاهُ الْمَخْرَجَ، فَقَالَ لَهُمَا: كُلٌّ مِنْكُمَا رَاضٍ بِاَلَّتِي دَخَلَ بِهَا؟ فَقَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ: لِيُطَلِّقْ كُلٌّ مِنْكُمَا امْرَأَتَهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةً؛ فَفَعَلَا، فَقَالَ: لِيَعْقِدْ كُلٌّ مِنْكُمَا عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا، فَفَعَلَا، فَقَالَ: لِيَمْضِ كُلٌّ مِنْكُمَا إلَى أَهْلِهِ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا فِي عِدَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِاَلَّتِي طَلَّقَهَا فَالْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْهُ، فَلِلْآخَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
стр. 894
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْحِيلَةُ فِي تَخَلُّصِ الْمَرْأَة مِنْ الزَّوْجِ الَّذِي لَا تَرْضَى بِهِ]
حِيلَةٌ فِي تَخَلُّصِ الْمَرْأَةِ مِنْ الزَّوْجِ الَّذِي لَا تَرْضَى بِهِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَخَافَتْ أَنْ يُسَافِرَ عَنْهَا الزَّوْجُ وَيَدَعَهَا أَوْ يُسَافِرَ بِهَا وَلَا تُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ دَارِهَا أَوْ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ يَتَسَرَّى أَوْ يَشْرَبَ الْمُسْكِرَ أَوْ يَضْرِبَهَا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ أَوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا أَوْ مَعِيبًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا أَوْ أُمِّيًّا وَقَدْ ظَنَّتْهُ قَارِئًا أَوْ جَاهِلًا وَقَدْ ظَنَّتْهُ عَالِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُهَا التَّخَلُّصُ، فَالْحِيلَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ خَافَتْ أَنْ لَا تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ فَلَا يُمْكِنُهَا إلْزَامُهُ بِالشَّرْطِ فَلَا تَأْذَنُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُمَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَيْتَ وَكَيْتَ؛ فَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا، وَلَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَتَخَلَّصُ بِهَا مِنْ نِكَاحِ مَنْ لَمْ تَرْضَ بِنِكَاحِهِ، وَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ رَفْعِ أَمْرِهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكَاحَهَا بِالْغَيْبَةِ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِمَا.
[الْمِثَالُ السِّتُّونَ ضَمَانُ مَا لَا يَجِبُ]
[ضَمَانُ مَا لَا يَجِبُ]
الْمِثَالُ السِّتُّونَ: يَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَا يَجِب كَقَوْلِهِ: " مَا أَعْطَيْت لِفُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ " عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِ مُؤَذِّنِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَالْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ أَوْ الضَّرُورَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ، وَسَلِمَ جَوَازُهُ إذَا تَبَيَّنَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَدَرَكِ الْمَبِيعِ.
وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِأَنْ يَلْتَزِمَ عَنْهُ مِقْدَارًا لَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِهِ لِلدَّافِعِ ثُمَّ يَضْمَنَهُ عَنْهُ الضَّامِنُ، فَإِنْ خَشِيَ الْمُقِرُّ أَنْ يُطَالِبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، فَإِنْ تَحَرَّجَ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْكَذِبِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ مَا يُرِيدُ أَخْذَهُ مِنْهُ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي الْتَزَمَ الضَّامِنُ أَدَاءَهُ، فَإِذَا صَارَ فِي ذِمَّتِهِ ضَمِنَهُ عَنْهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ وَضَمِنَ لِلْمَرْأَةِ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا فَالصَّحِيحُ فِي هَذَا كُلِّهِ جَوَازُ الضَّمَانِ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَلَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَةُ، وَعُقُودُ الِالْتِزَامِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْجَهَالَةُ كَالنَّذْرِ، ثُمَّ يُمْكِنُ رَفْعُ الْجَهَالَةِ بِأَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا فَيَقُولَ: مِنْ دِرْهَمٍ إلَى كَذَا وَكَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالْغَايَةِ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي كَمْ يَلْزَمُهُ مِنْهُ.
قِيلَ: لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي جَوَازِ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِي الْآخَرِ كَمْ هُوَ الْوَاجِبُ مِنْهُ، ثُمَّ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَقَالَ: " لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ " صَحَّ؛ فَهَكَذَا إذَا قَالَ: " ضَمِنْت عَنْهُ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ ".
стр. 895
فَإِنْ قِيلَ: الضَّامِنُ فَرْعٌ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَنْبَنِي الضَّمَانُ وَيَتَفَرَّعُ؟ قِيلَ: إنَّمَا يَصِيرُ ضَامِنًا إذَا ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِلَّا فِي الْحَالِ فَلَيْسَ هُوَ ضَامِنًا. وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: " هُوَ ضَامِنٌ بِالْقُوَّةِ " فَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ضَمَانٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِمَّا سَبَقَ بِهِ اللِّسَانُ]
[حِيلَةٌ فِي الْخَلَاصِ مِمَّا سَبَقَ بِهِ اللِّسَانُ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: إذَا سَبَقَ لِسَانُهُ بِمَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ، أَوْ أَرَادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَتَابَ مِنْهُ، أَوْ خَافَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَرُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ وَادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لَا يَرَى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَالْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ أَنْ لَا يُقِرَّ بِهِ وَلَا يُنْكِرَ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، بَلْ يَكْفِيه فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ، وَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللَّهِ مِنْهُ " وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَكْتَفِي مِنْك بِهَذَا الْجَوَابِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ، فَإِنَّ هَذَا جَوَابٌ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الْخَسْفِ بِالْإِقْرَارِ - وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ، أَوْ الْإِنْكَارِ وَقَدْ تَابَ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وَبَاطِلٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ بَعْدَ هَذَا هَلْ وَقَعَ مِنْك ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقَالَ: " لَمْ أَزَلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ لَا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وَإِلَى الْآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَمْ يُسْأَلْ لَا هُوَ وَلَا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللَّهِ مِنْهُ " أَوْ " قَدْ تُبْت مِنْهُ " فَقَدْ اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَلَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
[هَلْ تُعَلَّقُ التَّوْبَةُ بِالشَّرْطِ؟]
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلتَّوْبَةِ أَوْ الْإِسْلَامِ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ.
قِيلَ: هَذَا مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ مُورِدِهِ؛ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، تَلَفَّظَ بِهِ أَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، وَكَذَلِكَ تَجْدِيدُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُوجَدَ مَا يُنَاقِضُهُ فَتَلَفُّظُهُ بِالشَّرْطِ تَأْكِيدٌ لِمُقْتَضَى عَقْدِ التَّوْبَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَهَذَا كَمَا إذَا قَالَ: " إنْ كَانَ هَذَا مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُك إيَّاهُ " فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا بَيْعٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ؟ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: " إنْ كَانَتْ هَذِهِ امْرَأَتِي فَهِيَ طَالِقٌ " لَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ، وَنَظَائِرُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ
стр. 896
التَّعْلِيقَ بِالشُّرُوطِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ، حَتَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ شَكَتْ إلَيْهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي عَلَى رَبِّك فَقَوْلِي: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي، فَإِنَّ لَك مَا اشْتَرَطْت عَلَى رَبِّك» فَهَذَا شُرِعَ مَعَ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَقَدْ شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ لِحَاجَةِ الْأُمَّةِ إلَيْهِ، وَيُفِيدُ شَيْئَيْنِ: جَوَازُ التَّحَلُّلِ، وَسُقُوطُ الْهَدْيِ، وَكَذَلِكَ الدَّاعِي بِالْخِيَرَةِ يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّهِ فِي دُعَائِهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي عَاجِلُهُ وَآجِلُهُ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، فَيُعَلِّقُ طَلَبَ الْإِجَابَةِ بِالشَّرْطِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِخَفَاءِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَّهُ أَوْ لَعَنَهُ وَلَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا كَفَّارَةً لَهُ وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا إلَيْهِ، وَهَذَا تَعْلِيقٌ لَلْمُدَّعُو بِهِ بِشَرْطِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ شُرِعَ لَهُ تَعْلِيقُ الدُّعَاءِ بِالشَّرْطِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ؛ فَهَذَا طَلَبٌ لِلتَّجَاوُزِ عَنْهُ بِشَرْطٍ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ تَعْلِيقُ التَّوْبَةِ بِالشَّرْطِ؟
وَقَالَ شَيْخُنَا: كَانَ يُشْكِلُ عَلَيَّ أَحْيَانًا حَالُ مَنْ أُصَلِّي عَلَيْهِ الْجَنَائِزَ، هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ مُنَافِقٌ؟ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَسَأَلْته عَنْ مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ الشَّرْطَ الشَّرْطَ، أَوْ قَالَ: عَلِّقْ الدُّعَاءَ بِالشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ أَرْشَدَ أُمَّتَهُ ﷺ إلَى تَعْلِيقِ الدُّعَاءِ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ بِالشَّرْطِ فَقَالَ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «وَإِذَا أَرَدْت بِعِبَادِك فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ» وَقَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» .
وَتَعْلِيقُ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَالِالْتِزَامَاتِ وَغَيْرِهَا بِالشُّرُوطِ أَمْرٌ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ أَوْ الْحَاجَةُ أَوْ الْمَصْلَحَةُ؛ فَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُكَلَّفُ، وَقَدْ صَحَّ تَعْلِيقُ النَّظَرِ بِالشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ وَنَصِّ الْكِتَابِ، وَتَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِالشَّرْطِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيقُ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ فِي تَزْوِيجِ مُوسَى بِابْنَةِ صَاحِبِ مَدْيَنَ وَهُوَ [مِنْ] أَصَحِّ نِكَاحٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي شَرِيعَتِنَا مَا يَنْسَخُهُ، بَلْ أَتَتْ مُقَرِّرَةً لَهُ كَقَوْلِهِ ﷺ : " إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ " فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ حِلَّ الْفُرُوجِ بِالنِّكَاحِ قَدْ يُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، كَمَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ وَالْجَعَالَةُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْعُقُودِ، وَعَلَّقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّرْطِ، فَكَانَ يَدْفَعُ أَرْضَهُ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ فَلَهُ كَذَا وَإِنْ جَاءَ الْعَامِلُ بِالْبَذْرِ فَلَهُ كَذَا، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَاحِبٌ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْبَيْعِ
стр. 897
بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إنْ بِعْت هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَهَنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَعْلَهُ وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بِالْحَقِّ إلَى كَذَا وَإِلَّا فَهُوَ لَك، وَهَذَا بَيْعٌ بِشَرْطٍ، فَقَدْ فَعَلَهُ وَأَفْتَى بِهِ.
وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ فِعْلًا مِنْهُ، فَقَالَ لِمَنْ اغْتَابَهُ ثُمَّ اسْتَحَلَّهُ: " أَنْتَ فِي حِلٍّ إنْ لَمْ تَعُدْ " فَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: قَدْ اغْتَابَك وَتُحْلِلُهُ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَنِي قَدْ اشْتَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ؟ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِنُصُوصِهِ وَلَا لِأُصُولِهِ، وَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ، وَعَلَى تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَقَدْ عَلَّقَ أَبُو بَكْرٍ تَوْلِيَةَ عُمَرَ ﵁ بِالشَّرْطِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» فَهَذَا الشَّرْطُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّارِعُ، وَقَالَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: «كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَعْتَقْتُكَ، وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتَ، فَقُلْتُ: وَلَوْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتُ، فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ» ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ وَلَك مَا شَرَطْت.
، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ: إذَا أَحَلَّهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ، وَقَالَ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الْإِقْرَارِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ: وَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيهٍ: ارْحَلْ رِكَابَك فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَك فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: إنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا فَقَالَ: إنْ لَمْ آتِك الْأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَك بَيْعٌ، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْته، فَقَضَى عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْمَهْرِ: وَقَالَ الْمِسْوَرُ: «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَانِي» ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» .
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَرْثِ: وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُمْ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ: " إنْ خِطْته الْيَوْمَ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ خِطْته غَدًا فَلَكَ كَذَا " وَفِي جَوَازِ: " بِعْتُكَهُ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً " فَالصَّوَابُ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ لِلنَّصِّ وَالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: «بِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي» . وَرَوَى
стр. 898
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلِ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَافِعٌ إنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعُرْبُونِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَأَجَازَ هَذَا الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ فِيهِ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يَقُولُ: أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ حُزْمَةَ حَطَبٍ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَهَا إلَى قَصْرِ سَعْدٍ، وَاشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَتِهِ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ، وَفِي ذَلِكَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَفْتَى بِهِ.
[لِلشُّرُوطِ عِنْدَ الشَّارِعِ شَأْنٌ]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ لِلشُّرُوطِ عِنْدَ الشَّارِعِ شَأْنًا لَيْسَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُلْغُونَ شُرُوطًا لَمْ يُلْغِهَا الشَّارِعُ، وَيُفْسِدُونَ بِهَا الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ تَقْتَضِي فَسَادَهُ، وَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالشُّرُوطِ مِنْ الْعُقُودِ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ ضَابِطٌ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ فَالصَّوَابُ الضَّابِطُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَكِتَابَهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ، مَا لَمْ يُخَالِفْهُ حُكْمُهُ فَهُوَ لَازِمٌ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِالشَّرْطِ كَالِالْتِزَامِ بِالنَّذْرِ، وَالنَّذْرُ لَا يَبْطُلُ مِنْهُ إلَّا مَا خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَكِتَابَهُ، بَلْ الشُّرُوطُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوْسَعُ مِنْ النَّذْرِ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَالِالْتِزَامُ بِهِ أَوْفَى مِنْ الِالْتِزَامِ بِالنَّذْرِ.
وَإِنَّمَا بَسَطْت الْقَوْلَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ بَابَ الشُّرُوطِ يَدْفَعُ حِيَلَ أَكْثَرِ الْمُتَحَيِّلِينَ، وَيَجْعَلُ لِلرَّجُلِ مَخْرَجًا مِمَّا يَخَافُ مِنْهُ وَمِمَّا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ فَالشَّرْطُ الْجَائِزُ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ، بَلْ هُوَ عَقْدٌ وَعَهْدٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَقَالَ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] .
[الشَّرْطُ اللَّازِمُ وَالشَّرْطُ الْبَاطِلُ]
وَهَاهُنَا قَضِيَّتَانِ كُلِّيَّتَانِ مِنْ قَضَايَا الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، إحْدَاهُمَا: أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَنَاقَضَ كِتَابَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ كَائِنًا مَا كَانَ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَا يُخَالِفُ حُكْمَهُ وَلَا يُنَاقِضُ كِتَابَهُ وَهُوَ مَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ بِدُونِ الشَّرْطِ - فَهُوَ لَازِمٌ بِالشَّرْطِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ شَيْءٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ،
стр. 899
وَلَا تَعْبَأْ بِالنَّقْضِ بِالْمَسَائِلِ الْمَذْهَبِيَّةِ وَالْأَقْوَالِ الأرائية فَإِنَّهَا لَا تَهْدِمُ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ؛ فَالشُّرُوطُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ كَالنَّذْرِ فِي حُقُوقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكُلُّ طَاعَةٍ جَازَ فِعْلُهَا قَبْلَ النَّذْرِ لَزِمَتْ بِالنَّذْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ قَدْ جَازَ بَذْلُهُ بِدُونِ الِاشْتِرَاطِ لَزِمَ بِالشَّرْطِ، فَمَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. وَإِذَا كَانَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ إخْلَافُ الْوَعْدِ وَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فَكَيْفَ الْوَعْدُ الْمُؤَكَّدُ بِالشَّرْطِ؟ بَلْ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ يَدْخُلُ فِي الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوب]
[الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: إذَا بَاعَهُ جَارِيَةً مَعِيبَةً وَخَافَ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلْيُبَيِّنْ لَهُ مِنْ عَيْبِهَا وَيُشْهِدْ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ رَدَّهَا بِعَيْبٍ آخَرَ لَا يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ فَلْيُعَيِّنْ لَهُ عُيُوبًا يَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهَا وَأَنَّهُ رَضِيَ بِهَا كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ وَلَا دَاخِلٍ فِي جُمْلَةِ تِلْكَ الْعُيُوبِ فَلْيَقُلْ: " وَأَنَّك رَضِيت بِهَا بِجُمْلَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الرَّدَّ " مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يَقُلْ: " وَأَنَّك أَسْقَطْت حَقَّك مِنْ الرَّدِّ " وَلَا: " أَبْرَأْتنِي مِنْ كُلِّ دَعْوَى تُوجِبُ الرَّدَّ " وَلَا يَبِيعُهَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُسْقِطُ الرَّدَّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، وَالثَّانِي: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَفَسَادُ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ وَأَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ. وَهَلْ يَعُمُّ ذَلِكَ جَمِيعَ الْمَبِيعَاتِ أَوْ يَخُصُّ بَعْضَهَا؟ فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَبِيعَاتِ عَرْضًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ حَيَوَانًا. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمَبِيعَاتِ. وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي تَعْيِينِهِ فَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْحَيَوَانِ نَاطِقًا كَانَ أَوْ بَهِيمًا. وَاَلَّذِي فِي التَّهْذِيبِ اخْتِصَاصُهُ بِنَاطِقِ الْحَيَوَانِ.
قَالُوا: وَعَلَى [هَذَا] الْمَذْهَبِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، فَبَيْعُ السُّلْطَانِ وَبَيْعُ الْمِيرَاثِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مِيرَاثٌ جَارٍ مَجْرَى بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قَالَ: أَبِيعُكَ بَيْعَ الْمِيرَاثِ لَا قِيَامَ بِعَيْبٍ صَحَّ ذَلِكَ وَيَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ؛ وَفِي الْمِيرَاثِ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ.
قَالُوا: وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ فَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهَا [فِي] امْتِنَاعِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ؛ وَأَمَّا مَا عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ فَإِنَّ شَرْطَ الْبَرَاءَةِ لَا يَمْنَعُ رَدَّ الْمُشْتَرِي بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ؛ فَإِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي عِلْمَ الْبَائِعِ فَأَقَرَّ أَوْ نَكَلَ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ تَوَجَّهَ الرَّدُّ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَلَوْ مَلَكَ شَيْئًا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَعْمِلَهُ وَيَسْتَبْرِئَهُ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ.
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ فِي: التُّجَّارُ يَقْدَمُونَ بِالرَّقِيقِ
стр. 900
فَيَبِيعُونَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَلَمْ تَطُلْ إقَامَةُ الرَّقِيقِ عِنْدَهُمْ: هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَذْهَبُوا بِأَمْوَالِ النَّاسِ بَاطِلًا، لَا تَنْفَعُهُمْ الْبَرَاءَةُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُ: لَا يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا طُولُ مُقَامِهِ عِنْدَهُ، بَلْ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ كَمَا تَنْفَعُهُ مَعَ الطُّولِ وَالِاسْتِعْمَالِ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ فَأَدْخَلَهُ فِي جُمْلَةِ عُيُوبٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً، وَتَبَرَّأَ مِنْهَا كُلِّهَا، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ حَتَّى يُفْرِدَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَيُعَيِّنَ مَوْضِعَهُ وَجِنْسَهُ وَمِقْدَارَهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْمُبْتَاعِ فِيهِ قَوْلٌ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَاهُ الْعَيْبَ وَشَاهَدَهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِحَاطَةَ بِبَاطِنِهِ وَبَاطِنُهُ فِيهِ فَسَادٌ آخَرُ كَمَا إذَا أَرَاهُ دَبَرَةَ الْبَعِيرِ وَشَاهَدَهَا وَهِيَ مُنْغِلَةٌ مُفْسِدَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا فِيهَا مِنْ نَغَلٍ وَغَيْرِهِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّ بِهِ إبَاقًا أَوْ سَرِقَةً وَهُوَ إبَاقٌ بِعَبْدٍ أَوْ سَرِقَةٌ عَظِيمَةٌ وَالْمُشْتَرِي يَظُنُّهُ يَسِيرًا لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ عَلَى الْمُفْلِسِ أَوْ لِقَضَاءِ دُيُونٍ مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ بَيْعُ بَرَاءَةٍ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِالْمَبِيعِ وَبَيْعُ الْبَرَاءَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ السُّلْطَانُ بِأَحَدِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ لَمْ تُرَدَّ قَضِيَّتُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى خِلَافَ رَأْيِهِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: السُّلْطَانُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْبَيْعِ إلَى خِلَافٍ وَلَا وِفَاقٍ، وَلَا قَصَدَ إلَى حُكْمٍ بِهِ يَرْفَعُ النِّزَاعَ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الشُّيُوخِ الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَلَوْ تَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ بِنَفْسِهِ، قَالَ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَحْنُونًا قَالَ: وَكَانَ قَوْلُ مَالِكٍ الْقَدِيمُ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ الْوَارِثِ لَا قِيَامَ فِيهِ بِعَيْبٍ وَلَا بِعُهْدَةٍ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ خِلَافَ هَذَا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: إذَا بِيعَ عَبْدٌ عَلَى مُفْلِسٍ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، قَالَ: فَالصَّوَابُ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ الْوَرَثَةِ كَغَيْرِهِمَا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَمَّا بَيْعُ الْوَرَثَةِ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ فَإِنَّ فِيهِ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا بَاعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ لِلِانْفِصَالِ مِنْ شَرِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَمُلْتَحَقٌ بِبَيْعِ الرَّجُلِ مَالَ نَفْسِهِ بِالْبَرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ فِي وَلَايَتِهِ.
قُلْت: وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ: " إنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِحُكْمٍ " مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عَقَدَ بِنَفْسِهِ عَقْدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِهِ بِهِ [فَيَسُوغُ تَنْفِيذُهُ، وَلَا يَسُوغُ رَدُّهُ أَوْ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِهِ] فَيَسُوغُ لِحَاكِمٍ آخَرَ خِلَافُهُ؟ وَفِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ يُصَحِّحُ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ، وَلَا يُمَكِّنُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ الْعَامَّةِ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، حَيَوَانًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ غَيْرَهُ،
стр. 901
وَتَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ أَشَارَ إلَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ بَاعَتْ عَبْدًا زِنْجِيًّا عَلَى ذَكَرِهِ عَيْبٌ أَفَتَضَعُ أُصْبُعَهَا عَلَى ذَكَرِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إلَّا مِنْ عَيْبٍ عَيَّنَهُ وَعَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَلِمَهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ أَبْطَلْنَا الشَّرْطَ فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الرَّدُّ فِيهِ؟ وَجْهَانِ، فَإِذَا أَثْبَتْنَا الرَّدَّ وَأَبْطَلْنَا الشَّرْطَ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِالتَّفَاوُتِ الَّذِي نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَسْلَمْ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَاعَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا لَمْ يَبِعْهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالتَّفَاوُتِ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ وَقِيَاسُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ كَمَا يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ عِنْدَ فَوَاتِ غَرَضِهِ مِنْ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ فَهَكَذَا الْبَائِعُ يَرْجِعُ بِالتَّفَاوُتِ عِنْدَ فَوَاتِ غَرَضِهِ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي أَبْطَلْنَاهُ عَلَيْهِ.
[بَحْثٌ فِي النُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ]
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ بَاعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا، فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، فَتَرَافَعَا إلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ: تَحْلِفُ أَنَّك لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ، فَقَالَ: لَا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَبَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجَوَازِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ، وَاتِّفَاقٌ مِنْ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَتَى نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، لَكِنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا بِمَعْرِفَةِ الْحَالِ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا بِصُورَةِ الْحَالِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عِلْمُهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ فَمِثَالُ الْأَوَّلِ قَضِيَّةُ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْعَالِمُ بِأَنَّهُ هَلْ كَانَ يَعْلَمُ الْعَيْبَ أَوْ لَا يَعْلَمُهُ، بِخِلَافِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ عِلْمَ ابْنِ عُمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا عَدَمَ عِلْمِهِ، فَلَا يُشْرَعُ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: إذَا ادَّعَى عَلَى وَارِثِ مَيِّتٍ أَنَّهُ أَقْرَضَ مُورِثَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً وَلَمْ يُقْبِضْهُ
стр. 902
ثَمَنَهَا أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَالْوَارِثُ غَائِبٌ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَسَأَلَ إحْلَافَهُ، فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُقْضَ لَهُ. وَمِثَالُ الثَّالِثِ: إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَهُ أَوْ أَجَرَهُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، حَلَفَ الْمُدَّعِي وَقُضِيَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ وَلَمْ يُقِمْ لَهُ بَيِّنَةً لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ نُكُولِ خَصْمِهِ مُصَحِّحًا لِدَعْوَاهُ.
فَهَذَا التَّحْقِيقُ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ النُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ آثَارُ الصَّحَابَةِ وَيَزُولُ عَنْهَا الِاخْتِلَافُ، وَيَكُونُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ وَهَذَا فِي مَوْضِعِهِ.
وَعَرَفَ حُذَيْفَةُ جَمَلًا لَهُ فَادَّعَاهُ، فَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: أَتُرَانِي أَتْرُكُ جَمَلِي؟ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
[مَتَى يَكُونُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي؟]
فَقَدْ ثَبَتَ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَالشَّاهِدُ أَقْوَى مِنْ النُّكُولِ، فَتَحْلِيفُهُ مَعَ النُّكُولِ أَوْلَى، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ؛ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِاللَّوْثِ، فَتَحْلِيفُهُ مَعَ النُّكُولِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ شَرَعَ تَحْلِيفَ الزَّوْجِ فِي اللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ شَرَعَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ شَاهِدُ الْحَالِ يُصَدِّقُهُ كَمَا إذَا تَدَاعَيَا مَتَاعَ الْبَيْتِ أَوْ تَدَاعَى النَّجَّارُ وَالْخَيَّاطُ آلَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُقْضَى لِمَنْ تَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ» ، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ وَالْقِيَاسِ؛ فَإِنَّهُ إذَا نَكَلَ قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي فَظُنَّ صِدْقُهُ، فَشُرِعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ؛ فَإِنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالْأَصْلِ.
فَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ ضَعُفَ هَذَا الْأَصْلُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ قُوَّتُهُ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِالْيَمِينِ، وَهَكَذَا إذَا نَكَلَ ضَعُفَ أَصْلُ الْبَرَاءَةِ، وَلَمْ يَكُنْ النُّكُولُ مُسْتَقِلًّا بِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِجَهْلِهِ بِالْحَالِ، أَوْ لِتَوَرُّعِهِ عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ، أَوْ لِمُوَافَقَةِ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ؛ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ، أَوْ لِتَرَفُّعِهِ عَنْ ابْتِذَالِهِ بِاسْتِحْلَافِ خَصْمِهِ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ كَانَ صَادِقًا، وَإِذَا احْتَمَلَ نُكُولُهُ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا لِجَنَبَةِ الْمُدَّعِي فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا جَرَّ إلَيْهَا الْكَلَامُ فِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْبَرَاءَةِ.
وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُ هَذَا الشَّرْطِ، وَأَيْنَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَارُّ، وَأَيْنَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
стр. 903
وَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَنْفَعُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَتَى رَدَّهُ فَهُوَ حُرٌّ أَمْ لَا يَنْفَعُهُ وَإِذَا خَافَ تَوْكِيلَهُ فِي الرَّدِّ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: " مَتَى رَدَدْته أَوْ وَكَّلْت فِي رَدِّهِ " فَإِنْ خَافَ مِنْ رَدِّ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ حَيْثُ يَرُدُّهُ بِالشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي هُوَ الرَّادُّ وَلَا وَكِيلُهُ بَلْ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ لِلشَّرْعِ فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: " إذَا ادَّعَيْت رَدَّهُ فَهُوَ حُرٌّ " فَهُنَا تَصْعُبُ الْحِيلَةُ عَلَى الرَّدِّ، إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ مَتَى قُصِدَ بِهِ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ فَهُوَ يَمِينٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ، وَحُكْمُ مَا لَوْ قَالَ: " إنْ رَدَدْته فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ " بَلْ أَوْلَى بِعَدَمِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ هَذَا نَذْرُ قُرْبَةٍ، وَلَكِنَّ إخْرَاجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ مَنَعَ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ، مَعَ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الِالْتِزَامِ بِقَوْلِهِ: " فَهُوَ حُرٌّ " فَكُلُّ مَا فِي الْتِزَامِ قَوْلِهِ: " فَهُوَ حُرٌّ " فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْتِزَامِ: " فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ " وَلَا يَنْعَكِسُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ " يَتَضَمَّنُ وُجُوبَ الْإِعْتَاقِ وَفِعْلَ الْعِتْقِ وَوُقُوعَ الْحُرِّيَّةِ.
فَإِذَا مَنَعَ قَصْدُ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعِ وُقُوعَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَلَأَنْ يَمْنَعَ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا لَا جَوَابَ عَنْهُ، وَهُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ فَضْلَ فِقْهِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ بَيْنَ فِقْهِهِمْ وَفِقْهِ مَنْ بَعْدَهُمْ كَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَكَانَ هَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا لَا تَخْفَى عَلَى مُتَبَحِّرٍ تَتَبُّعُهَا، وَيَكْفِي قَوْلُ فَقِيهِ الْأُمَّةِ وَحَبْرِهَا وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الْعِتْقُ مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَالطَّلَاقُ مَا كَانَ عَنْ وَطَرٍ " فَتَأَمَّلْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ الصَّادِرَتَيْنِ عَنْ عِلْمٍ قَدْ رَسَخَ أَسْفَلُهُ وَبَسَقَ أَعْلَاهُ وَأَيْنَعَتْ ثَمَرَتُهُ وَذُلِّلَتْ لِلطَّالِبِ قُطُوفُهُ ثُمَّ اُحْكُمْ بِالْكَلِمَتَيْنِ عَلَى أَيْمَانِ الْحَالِفِينَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، هَلْ تَجِدُ الْحَالِفَ بِهَذَا مِمَّنْ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِإِعْتَاقِ هَذَا الْعَبْدِ؟ وَهَلْ تَجِدُ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ مِمَّنْ لَهُ وَطَرٌ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ؟ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَقَدْ شَفَتْ كَلِمَتَاهُ هَاتَانِ الصُّدُورَ، وَطَبَّقَتَا الْمُفَصَّلَ، وَأَصَابَتَا الْمَحَزَّ، وَكَانَتْ بُرْهَانًا عَلَى اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ.
وَلَا يُوحِشَنَّكَ مَنْ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ، فَإِذَا ظَفِرْت بِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ طَالِبٍ لِلدَّلِيلِ مُحَكِّمٍ لَهُ مُتَّبِعٍ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَأَيْنَ كَانَ وَمَعَ مَنْ كَانَ زَالَتْ الْوَحْشَةُ وَحَصَلَتْ الْأُلْفَةُ، وَلَوْ خَالَفَك فَإِنَّهُ يُخَالِفُك وَيَعْذِرُك، وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ يُخَالِفُك بِلَا حُجَّةٍ وَيُكَفِّرُك أَوْ يُبَدِّعُك بِلَا حُجَّةٍ، وَذَنْبُك رَغْبَتُك عَنْ طَرِيقَتِهِ الْوَخِيمَةِ، وَسِيرَتِهِ الذَّمِيمَةِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ هَذَا الضَّرْبِ، فَإِنَّ الْآلَافَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْهُمْ لَا يُعْدَلُونَ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعْدَلُ بِمِلْءِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ.
стр. 904
[مَنْ هُوَ الْعَالِمُ صَاحِبُ الْحَقِّ؟]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ وَالْحُجَّةَ وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ هُوَ الْعَالِمُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ: صَحِبْت مُعَاذًا بِالْيَمَنِ، فَمَا فَارَقْته حَتَّى وَارَيْته فِي التُّرَابِ بِالشَّامِ، ثُمَّ صَحِبْت مِنْ بَعْدِهِ أَفْقَهَ النَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَسَمِعْته يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ سَمِعْته يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَقُولُ: سَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ وُلَاةٌ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا؛ فَهِيَ الْفَرِيضَةُ، وَصَلُّوا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ، قَالَ: قُلْت يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ مَا أَدْرِي مَا تُحَدِّثُونَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْت: تَأْمُرُنِي بِالْجَمَاعَةِ وَتَحُضُّنِي عَلَيْهَا ثُمَّ تَقُولُ لِي: صَلِّ الصَّلَاةَ وَحْدَك وَهِيَ الْفَرِيضَةُ، وَصَلِّ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ نَافِلَةٌ قَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ قَدْ كُنْت أَظُنُّك مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، أَتَدْرِي مَا الْجَمَاعَةُ؟ قُلْت: لَا، قَالَ: إنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هُمْ الَّذِينَ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْت وَحْدَك، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي وَقَالَ: وَيْحَك، إنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: إذَا فَسَدَتْ الْجَمَاعَةُ فَعَلَيْك بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ قَبْلَ أَنْ تَفْسُدَ، وَإِنْ كُنْت وَحْدَك، فَإِنَّك أَنْتَ الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ، ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ؟ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ وَأَصْحَابُهُ. فَمُسِخَ الْمُخْتَلِفُونَ الَّذِينَ جُعِلُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَالْحُجَّةَ وَالْجَمَاعَةُ هُمْ الْجُمْهُورُ وَجَعَلُوهُمْ عِيَارًا عَلَى السُّنَّةِ، وَجَعَلُوا السُّنَّةَ بِدْعَةً، وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا لِقِلَّةِ أَهْلِهِ وَتَفَرُّدِهِمْ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَالُوا: مَنْ شَذَّ شَذَّ اللَّهُ بِهِ فِي النَّارِ، وَمَا عَرَفَ الْمُخْتَلِفُونَ أَنَّ الشَّاذَّ مَا خَالَفَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَهُمْ الشَّاذُّونَ.
وَقَدْ شَذَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ زَمَنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا؛ فَكَانُوا هُمْ الْجَمَاعَةُ، وَكَانَتْ الْقُضَاةُ حِينَئِذٍ وَالْمُفْتُونَ وَالْخَلِيفَةُ وَأَتْبَاعُهُ كُلُّهُمْ هُمْ الشَّاذُّونَ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ الْجَمَاعَةُ، وَلَمَّا لَمْ يَتَحَمَّلْ هَذَا عُقُولُ النَّاسِ قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكُونُ أَنْتَ وَقُضَاتُك وَوُلَاتُك وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ كُلُّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَحْمَدُ وَحْدَهُ هُوَ عَلَى الْحَقِّ؟ فَلَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُهُ لِذَلِكَ؛ فَأَخَذَهُ بِالسِّيَاطِ وَالْعُقُوبَةِ بَعْدَ الْحَبْسِ الطَّوِيلِ؛ فَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ، وَهِيَ السَّبِيلُ الْمَهْيَعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ،
стр. 905
مَضَى عَلَيْهَا سَلَفُهُمْ، وَيَنْتَظِرُهَا خَلَفُهُمْ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ نَفَقَةُ الْمَبْتُوتَةِ وَسُكْنَاهَا]
[نَفَقَةُ الْمَبْتُوتَةِ وَسُكْنَاهَا]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ الْبَائِنَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَمْ تَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَغَيَّبَ مُدَّةَ الْعِدَّةِ، فَإِذَا رَفَعَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، كَمَا يَقُولُ الْأَكْثَرُونَ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَكَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي نَفَقَةِ الْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَى إسْقَاطِ مَا أَسْقَطَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِخِلَافِ الْحِيلَةِ عَلَى إسْقَاطِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهَذِهِ لَوْنٌ وَتِلْكَ لَوْنٌ، فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْغَيْبَةُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِسُقُوطِ ذَلِكَ فَعَلَ.
وَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ بِذَلِكَ أَنْ يُنْشِئَ الطَّلَاقَ أَوْ يُقِرَّ بِهِ بِحَضْرَتِهِ ثُمَّ يَسْأَلَهُ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى بِهَذِهِ الْفُرْقَةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ بَدَرَتْهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى وُجُوبَهَا فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ وُجُوهُ الْحِيَلِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا حِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ دَعْوَاهُ أَنَّهَا [كَانَتْ] بَانَتْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَأَنَّهُ نَسِيَ سَبَبَ الْبَيْنُونَةِ. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ تَدْخُلُ فِي قِسْمِ التَّوَصُّلِ إلَى الْجَائِزِ بِالْمَحْظُورِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ الضَّمَانُ وَأَثَرُهُ]
[الضَّمَانُ وَأَثَرُهُ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّمَانِ، هَلْ هُوَ تَعَدُّدٌ لِمَحَلِّ الْحَقِّ وَقِيَامٌ لِلضَّمِينِ مَقَامَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَوْ هُوَ اسْتِيثَاقٌ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ، يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي مُطَالَبَةِ الضَّامِنِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُطَالَبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ - وَهُمْ الْجُمْهُورُ - قَالُوا: لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي قَالَ: لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِثَلَاثِ حُجَجٍ؛ إحْدَاهَا: أَنَّ الضَّامِنَ فَرْعٌ، وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ أَصْلٌ، وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْفُرُوعَ وَالْأَبْدَالَ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأُصُولِ كَالتُّرَابِ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَشَاهِدِ الْفَرْعِ مَعَ شَاهِدِ الْأَصْلِ. وَقَدْ اطَّرَدَ هَذَا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، لَا يَلِي فَرْعٌ مَعَ أَصْلِهِ وَلَا يَرِثُ مَعَهُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْكَفَالَةَ تَوْثِقَةٌ
стр. 906
وَحِفْظٌ لِلْحَقِّ، فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الرَّهْنِ، وَلَكِنَّ ذَاكَ رَهْنُ عَيْنٍ وَهِيَ رَهْنُ ذِمَّةٍ أَقَامَهَا الشَّارِعُ مَقَامَ رَهْنِ الْأَعْيَانِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا وَاسْتِدْعَاءِ الْمَصْلَحَةِ لَهَا، وَالرَّهْنُ لَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ إلَّا مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَكَذَا الضَّمِينُ. وَلِهَذَا كَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ لِتُوَاخِيهِمَا وَتَشَابُهِهِمَا وَحُصُولِ الِاسْتِيثَاقِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الضَّامِنَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يُوضَعْ لِتَعَدُّدِ مَحَلِّ الْحَقِّ كَمَا لَمْ يُوضَعْ لِنَقْلِهِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِيَحْفَظَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَقَّهُ مِنْ التَّوَى وَالْهَلَاكِ، وَيَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَحَلِّهِ الْأَصْلِيِّ، وَلَمْ يُنَصِّبْ الضَّامِنُ نَفْسَهُ لَأَنْ يُطَالِبَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْأَصِيلِ وَيَسْرَتِهِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ مُطَالَبَتِهِ.
وَالنَّاسُ يَسْتَقْبِحُونَ هَذَا، وَيُعِدُّونَ فَاعِلَهُ مُتَعَدِّيًا، وَلَا يَعْذُرُونَهُ بِالْمُطَالَبَةِ، حَتَّى إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْأَصِيلِ عَذَرُوهُ بِمُطَالَبَةِ الضَّامِنِ وَكَانُوا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ النَّاسِ وَمُعَامَلَاتِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ طَالَبَ الضَّامِنَ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَى جَانِبِهِ وَالدَّرَاهِمُ فِي كُمِّهِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مُطَالَبَتِهِ لَاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ غَايَةَ الِاسْتِقْبَاحِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْقُوَّةِ كَمَا تَرَى، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ عَنْ مَالِكٍ.
وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فَإِنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَارِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى الْأَصِيلُ لَمْ يَكُنْ غَارِمًا، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ لِتَعَذُّرِ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ الضَّمَانَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ فَاقْتَضَى لَفْظُهُ ضَمَّ إحْدَى الذِّمَّتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الضَّمَّ مِنْ الْمُضَاعَفِ، وَالضَّمَانَ مِنْ الضَّمِينِ، فَمَادَّتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ وَإِنْ تَشَابَهَا لَفْظًا وَمَعْنًى فِي بَعْضِ الْأُمُورِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الضَّمِّ فَالضَّمُّ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ضَمٍّ يُطَالِبُ مَعَهُ اسْتِقْلَالًا وَبَدَلًا، وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ.
[تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِالشَّرْطِ]
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا وَأَرَادَ الضَّامِنُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُعَلِّقَ الضَّمَانَ بِالشَّرْطِ فَيَقُولَ: إنْ تُوِيَ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ فَأَنَا ضَامِن لَهُ، وَلَا يَمْنَعُ تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِالشَّرْطِ وَقَدْ صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِتَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ؛ فَإِنَّهُ الْتِزَامٌ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَالنُّذُورِ، وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَمَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، فَإِنْ خَافَ مِنْ قَاصِرٍ فِي الْفِقْهِ غَيْرِ رَاسِخٍ فِي حَقَائِقِهِ فَلْيَقُلْ: " ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ " فَهَذَا ضَمَانٌ مَخْصُوصٌ بِحَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ بِهِ فِي غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ ضَمِنَ الْحَالَّ مُؤَجَّلًا أَوْ ضَمِنَهُ فِي مَكَان دُونَ مَكَان، فَإِنْ خَافَ مِنْ
стр. 907
إفْسَادِ هَذَا أَيْضًا فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ لَهُ بِهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ، وَأَنَّهُ مَتَى طَالَبَهُ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَصِيلِ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ هَلْ يَجُوزُ إبْهَامُ الْإِجَارَةِ]
[هَلْ يَجُوزُ إبْهَامُ الْإِجَارَةِ؟]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: قَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مُبْهَمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إنْ رَكِبْت هَذِهِ الدَّابَّةَ إلَى أَرْضِ كَذَا فَلَكَ عَشَرَةٌ وَإِنْ رَكِبْتهَا إلَى أَرْضِ كَذَا فَلَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ يَقُولَ: إنْ خِطْت هَذَا الْقَمِيصَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْته غَدًا فَنِصْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ زَرَعْت هَذِهِ الْأَرْضَ حِنْطَةً فَأُجْرَتُهَا مِائَةٌ، أَوْ شَعِيرًا فَأُجْرَتُهَا خَمْسُونَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ، لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، بَلْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِزَاعٌ مُتَأَخِّرٌ، فَالثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَنْهُمْ فِيهِ نِزَاعٌ جَوَازُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا وَقَالَ: إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ كَذَا، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ وَاحِدٌ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَا خَطَرَ، وَلَا غَرَرَ، وَلَا أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا جَهَالَةَ تَعُودُ إلَى الْعَمَلِ وَلَا إلَى الْعِوَضِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُعَيَّنًا، وَالْخِيَرَةُ إلَى الْأَجِيرِ؛ أَيَّ ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ فَعَلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ [لَهُ] أَيُّ ثَوْبٍ أَخَذْته مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ فَقِيمَتُهُ كَذَا، أَوْ أَيُّ دَابَّةٍ رَكِبْتهَا فَأُجْرَتُهَا كَذَا، أَوْ أُجْرَةُ هَذِهِ الْفَرَسِ كَذَا [وَأُجْرَةُ هَذَا الْحِمَارِ كَذَا] ، فَأَيُّهَا شِئْت فَخُذْهُ، أَوْ ثَمَنُ هَذَا الثَّوْبِ مِائَةٌ وَثَمَنُ هَذَا مِائَتَانِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ غَرَرٌ وَلَا جَهَالَةٌ وَلَا رِبًا وَلَا ظُلْمٌ، فَكَيْفَ تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِتَحْرِيمِهِ؟
وَعَلَى هَذَا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ عَلَى فِعْلِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ يُبْطِلُ هَذَا الْعَقْدَ، فَالْحِيلَةُ عَلَى جَوَازِهِ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَخِيطَهُ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ، فَإِنْ خِطْته غَدًا فَلَكَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَكَذَا يَقُولُ: آجَرْتُك هَذِهِ الدَّابَّةَ إلَى أَرْضِ كَذَا بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ رَكِبْتهَا إلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيْك أُجْرَةُ مِثْلِهَا كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ يَدُهُ يَدَ عُدْوَانٍ ضَمَّنَهُ فَلْيَقُلْ: فَإِذَا انْقَضَتْ الْمَسَافَةُ الْأُولَى فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَك، هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الْإِجَارَةَ الْمُضَافَةَ، وَمَنْ صَحَّحَهَا فَالْحِيلَةُ عِنْدَهُ أَنْ يَقُولَ: فَإِذَا قَطَعْت هَذِهِ الْمَسَافَةَ فَقَدْ آجَرْتُكَهَا إلَى مَسَافَةِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْتَهَتْ آجَرْتُكَهَا إلَى مَسَافَةِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ خَشِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَنْقَضِيَ شُغْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَبْقَى عَقْدُ الْإِجَارَةِ لَازِمًا لَهُ وَقَدْ فَرَغَ شُغْلُهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: إذَا انْقَضَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ الْمُدَّةُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي إجَارَتِهَا لِمَنْ شِئْت، فَلْيُؤْجِرْهَا لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَأْجِرْهَا مِنْهُ، فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا تَتِمَّ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى أَصْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ فَلْيُوَكِّلْهُ فِي الْحَالِ وَكَالَةً غَيْرَ مُعَلَّقَةٍ، ثُمَّ يُعَلِّقْ تَصَرُّفَهُ بِالشَّرْطِ، فَيَقُولُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي إجَارَتِهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي إجَارَتِهَا.
стр. 908
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ: إنْ احْتَالَ فِي إجَازَةِ هَذَا الشَّرْطِ فَقَالَ: اسْتَأْجِرْهَا إلَى دِمَشْقَ بِكَذَا، وَمِنْ دِمَشْقَ إلَى الرَّمْلَةِ بِكَذَا، وَمِنْ الرَّمْلَةِ إلَى مِصْرَ بِكَذَا، جَازَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّى لِكُلٍّ مِنْ الْمَسَافَتَيْنِ أُجْرَةً مَعْلُومَةً فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ.
قُلْت: وَلَكِنْ لَا تَنْفَعُهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ إذَا انْقَضَى غَرَضُهُ عِنْدَ الْمَسَافَةِ الْأُولَى، وَيَبْقَى عَقْدُ الْإِجَارَةِ لَازِمًا لَهُ فِيمَا وَرَاءَهَا، فَتَصِيرُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى مِصْرَ فَانْقَضَى غَرَضُهُ فِي الرَّمْلَةِ، فَمَا الَّذِي أَفَادَهُ تَعَدُّدُ الْعُقُودِ، فَوُجُودُ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَيْعُ الْمَقَاثِي وَمَا يَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا] : الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِي وَالْبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهَا بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا كَمَا تُبَاعُ الثِّمَارُ فِي رُءُوسِ الْأَشْجَارِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ تَلَاحُقُ الْمَبِيعِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ بَيْعِ التُّوتِ وَالتِّينِ وَسَائِرِ مَا يَخْرُجُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، هَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَعَلَيْهِ تَقُومُ مَصَالِحُ بَنِي آدَمَ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ مَنَعَ بَيْعَ ذَلِكَ إلَّا لُقَطَةً لُقَطَةً فَمَعَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذْ هُوَ فِي غَايَةِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ وَلَا مَا هِيَ اللُّقَطَةُ الْمَبِيعَةُ أَهِيَ الْكِبَارُ أَوْ الصِّغَارُ أَوْ الْمُتَوَسِّطُ أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ؟ وَتَكُونُ الْمَقْثَأَةُ كَبِيرَةً جِدًّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ اللُّقْطَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا فِي أَيَّامٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَحْدُثُ كُلَّ يَوْمٍ لُقَطَةٌ أُخْرَى تَخْتَلِطُ بِالْمَبِيعِ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهَا مِنْهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ دَوَابَّ الْمِصْرِ كُلَّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ مِنْ الْقَطَّافِينَ ثُمَّ يَقْطَعَ الْجَمِيعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَيُعَرِّضَهُ لِلتَّلَفِ وَالضَّيَاعِ، وَحَاشَا كُلَّ الشَّرَائِعِ - بَلْ غَيْرِهَا مِنْ الشَّرَائِعِ - أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذَا، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ الْأَغْلَاطِ الْوَاقِعَةِ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَيْنَ حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى الْأُمَّةِ مَا هُمْ أَحْوَجُ النَّاسِ إلَيْهِ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ نَظِيرَهُ؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا غَرَرًا فَبَيْعُ الثِّمَارِ الْمُتَلَاحِقَةِ الْأَجْزَاءِ غَرَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَرَرًا فَهَذَا مِثْلُهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كِلَيْهِمَا لَيْسَ غَرَرًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا شَرْعًا؛ وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، فَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى اللُّغَةِ طُولِبَ بِالنَّقْلِ، وَلَنْ يَجِدَ إلَيْهِ سَبِيلًا، وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ فَالْعُرْفُ شَاهِدٌ بِخِلَافِهِ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ غَرَرًا، وَإِنْ ادَّعَاهُ عَلَى الشَّرْعِ طُولِبَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ بُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ هَكَذَا فِي
стр. 909
الْكِتَابِ وَهَكَذَا قَالُوا: فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ بِعُرُوقِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى ثَمَرَتَهُ تَصَرَّفَ فِي الْعُرُوقِ بِمَا يُرِيدُ. وَالْمَانِعُونَ يُجَوِّزُونَ هَذِهِ الْحِيلَةَ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعُرُوقَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الثَّمَرَةُ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَيْعُ لِأَجْلِ الْغَرَرِ فَالْغَرَرُ لَمْ يَزُلْ بِمِلْكِ الْعُرُوقِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَبَيْعُ ذَلِكَ كَبَيْعِ الثِّمَارِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا.
стр. 910
[الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ قِسْمَةُ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ]
قِسْمَةُ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ] الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: تَجُوزُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ بِمِيرَاثٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ إتْلَافٍ فَيَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِحِصَّتِهِ، وَيَخْتَصُّ بِمَا قَبَضَهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي ذِمَمٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قِسْمَتِهِ أَوْ عَلَى بَقَائِهِ مُشْتَرَكًا، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ بِالْمُهَايَأَةِ بِالزَّمَانِ أَوْ بِالْمَكَانِ، وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ بِالزَّمَانِ تُقَدِّمُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقَدْ تُسَلِّمُ الْمَنْفَعَةَ إلَى نَوْبَةِ الشَّرِيكِ، وَقَدْ تَتْوَى.
وَالدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَرِيمِ وَغَيْرِهِ، وَتَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ زَكَاتُهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ مِنْهُ، وَلَا يُعَدُّ فَقِيرًا مُعْدَمًا، فَاقْتِسَامُهُ يَجْرِي مَجْرَى اقْتِسَامِ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ؛ فَإِذَا رَضِيَ كُلٌّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الدَّيْنِ فَيَنْفَرِدَ هَذَا بِرَجُلٍ يُطَالِبُهُ، وَهَذَا بِرَجُلٍ يُطَالِبُهُ، أَوْ يَنْفَرِدَ هَذَا بِالْمُطَالَبَةِ بِحِصَّتِهِ، وَهَذَا بِالْمُطَالَبَةِ بِحِصَّتِهِ، لَمْ يَهْدِمَا بِذَلِكَ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا اسْتَحَلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا خَالَفَا نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةَ رَسُولِهِ، وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسًا شَهِدَ لَهُ الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ، وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ عَدَمُ تَكَافُؤِ الذِّمَمِ، وَوُقُوعِ التَّفَاوُتِ فِيهَا، وَأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ،، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَرَاضِيهِمَا بِالْقِسْمَةِ مَعَ التَّفَاوُتِ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
وَعَدَمُ تَعَيُّنِ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَمْنَعُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرًا، وَيَكْفِي فِي إمْكَانِ الْقِسْمَةِ التَّعَيُّنُ بِوَجْهٍ؛ فَهُوَ مُعَيَّنٌ تَقْدِيرًا، وَيَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ تَحْقِيقًا، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ: " لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي عَدَمِ جَوَازِ قِسْمَةِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ الْوَاحِدَةِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهِ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّتَيْنِ، فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ عَنْهُ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ رِوَايَتَانِ، وَلَيْسَ فِي أُصُولِهِ مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْقِسْمَةِ، كَمَا لَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مَا يَمْنَعُهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا، فَيَحْتَاجُ إلَى التَّحَيُّلِ عَلَيْهَا، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْذَنَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْغَرِيمِ مَا يَخُصُّهُ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِيهِ بَعْدَ الْإِذْنِ، عَلَى
стр. 911
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ حِصَّتَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ الْمُحَاصَّةِ لَمْ يَضَعْنَ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَكَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ ضَمَانِهِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي قَبْضِ مَا يَخُصُّهُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمُحَاصَّةِ، فَيَخْتَصُّ الشَّرِيكُ بِالْمَقْبُوضِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَ الشَّرِيكُ مَا قَبَضَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ الْمُحَاصَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَبْضِ الشَّرِيكِ لَهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَفَّى شَرِيكَهُ نَظِيرَهُ لَمْ يَقُلْ انْتَقَلَ إلَى الْقَابِضِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ مِلْكًا لَلشَّرِيك، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ بِالْمُحَاصَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ قَبْضِ الشَّرِيكِ.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ بِعَقْدٍ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ إتْلَافًا أَوْ إرْثًا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَقْدٍ فَكَأَنَّهُ عَقْدٌ مَعَ الشَّرِيكَيْنِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُطَالِبَ بِمَا يَخُصُّهُ، بِخِلَافِ دَيْنِ الْإِرْثِ وَالْإِتْلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ]
[بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ] الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْجَزَرِ وَاللُّفْتِ وَالْفُجْلِ وَالْقُلْقَاسِ، وَنَحْوِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ، وَالْوَرَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِنِهِ، بِخِلَافِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُقْلَعَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَصْحَابِ الْحُقُولِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فَإِنَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ حَتَّى يُقْلَعَ أَعْظَمَ الضَّرَرِ وَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ؛ فَإِنَّهُ إنْ قَلَعَهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ وَالْفَسَادِ.
وَإِنْ قِيلَ: " كُلَّمَا أَرَدْت بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ فَاقْلَعْهُ " كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَإِنْ قِيلَ: " اُتْرُكْهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَفْسُدَ، وَلَا تَبِعْهُ فِيهَا " فَهَذَا لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُفْتُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَوْ بُلُوا بِذَلِكَ فِي حُقُولِهِمْ أَوْ مَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إلَّا بَيْعُهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا بُدَّ، أَوْ إتْلَافُهُ وَعَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " إنَّ هَذَا غَرَرٌ وَمَجْهُولٌ " فَهَذَا لَيْسَ حَظُّ الْفَقِيهِ، وَلَا هُوَ مِنْ شَأْنِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ عَدُّوهُ قِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَهُمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَظُّ الْفَقِيهِ يُحِلُّ كَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَهُ وَيُحَرِّمُ كَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، وَقَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ، وَقَالَ الصَّحَابَةُ.
وَأَمَّا أَنْ يَرَى هَذَا خَطَرًا وَقِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بَلْ أَرْبَابُهُ أَخْبَرُ بِهَذَا مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِيهِ، كَمَا يَرْجِعُ
стр. 912
إلَيْهِمْ فِي كَوْنِ هَذَا الْوَصْفِ عَيْبًا أَمْ لَا، وَكَوْنِ هَذَا الْبَيْعِ مُرْبِحًا أَمْ لَا، وَكَوْنِ هَذِهِ السِّلْعَةِ نَافِقَةً فِي وَقْتِ كَذَا وَبَلَدِ كَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْأُمُورِ الْعُرْفِيَّةِ، فَالْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فِيهَا مِثْلُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَإِنْ بُلِيتَ بِمَنْ يَقُولُ: هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا قَالُوا فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ تَسْتَأْجِرَ مِنْهُ الْأَرْضَ الْمَشْغُولَةَ بِذَلِكَ مُدَّةً يُعْلَمُ فَرَاغُهُ مِنْهَا، وَيُقِرُّ لَهُ إقْرَارًا مَشْهُودًا لَهُ بِهِ أَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لَهُ لَا حَقَّ لِلْمُؤَجِّرِ فِيهِ، وَلَكِنَّ عَكْسَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ وَضْعِ الْجَائِحَةِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ كَالثَّمَرَةِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ، وُضِعَتْ عَنْهُ الْجَائِحَةُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: جَوَازُ بَيْعِهِ، وَوَضْعُ الْجَوَائِحِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ الْمُبَايَعَةُ يَوْمِيًّا وَالْقَبْضُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ]
[الْمُبَايَعَةُ يَوْمِيًّا وَالْقَبْضُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَتْ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَصُورَتُهَا: الْبَيْعُ مِمَّنْ يُعَامِلُهُ مِنْ خَبَّازٍ أَوْ لَحَّامٍ أَوْ سَمَّانٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ثُمَّ يُحَاسِبُهُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ؛ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَجَعَلُوا الْقَبْضَ بِهِ غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
هَذَا وَكُلُّهُمْ إلَّا مَنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا، وَهُوَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمُسَاوَمَتِهِ لَهُ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ يَأْخُذُهَا قَلَّ ثَمَنُهَا أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ شَرَطَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظًا؛ فَلَا بُدَّ مَعَ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَقْرِنَ بِهَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي -: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ - جَوَازُ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُوَ أَطْيَبُ لِقَلْبِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُسَاوَمَةِ، يَقُولُ: لِي أُسْوَةٌ بِالنَّاسِ آخُذُ بِمَا يَأْخُذُ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: وَاَلَّذِينَ يَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ تَرْكُهُ، بَلْ هُمْ وَاقِعُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا إجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ مَا يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَكْثَرُهُمْ يُجَوِّزُونَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَالنِّكَاحِ وَالْغَسَّالِ، وَالْخَبَّازِ وَالْمَلَّاحِ، وَقَيِّمِ الْحَمَّامِ وَالْمُكَارِي، وَالْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَبَيْعِ مَاءِ الْحَمَّامِ؛ فَغَايَةُ الْبَيْعِ بِالسِّعْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَيَجُوزُ، كَمَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، وَلَا تَقُومُ مَصَالِحُ النَّاسِ إلَّا بِهِ.
стр. 913
فَإِنْ بُلِيتَ بِالْقَائِلِ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا قَالُوا؛ فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ قَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِلدَّافِعِ مِثْلُهُ، ثُمَّ يُعَاوِضُهُ عَلَيْهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ؛ فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِلدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ وَهُوَ جَائِزٌ.
وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ آفَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ السِّعْرُ فَيُطَالِبُهُ بِالْمِثْلِ فَيَتَضَرَّرُ الْآخِذُ، وَقَدْ يَنْخَفِضُ فَيُعْطِيهِ الْمِثْلَ فَيَتَضَرَّرُ الْأَوَّلُ؛ فَالطَّرِيقُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْلَى بِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ تَوْكِيلُ الدَّائِنِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ]
[تَوْكِيلُ الدَّائِنِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ وَقْفٌ مِنْ غَلَّةِ دَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ، فَوَكَّلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ جَازَ؛ فَإِنْ خَافَ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ وَيَعْزِلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ؛ فَلْيَجْعَلْهَا حَوَالَةً عَلَى مَنْ فِي ذِمَّتِهِ عِوَضَ ذَلِكَ الْمُغَلِّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ آجَرَ الدَّارَ أَوْ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مِنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِعِوَضٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يُعَاوِضَهُ بِدَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعِوَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَكِيلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ لَا بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَلَا بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فِي قَبْضِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَلَّةِ ذَلِكَ الْوَقْفِ، وَخَافَ عَزْلَهُ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ إقْرَارَهُ أَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَصْرِفَ إلَيْهِ بَعْدَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ وَجَبَ لِفُلَانٍ - وَهُوَ الْغَرِيمُ - عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُغِلِّ هَذَا الْوَقْفِ مُقَدَّمًا بِهِ عَلَى سَائِرِ مَصَارِفِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْمَوْقُوفِ شَيْءٌ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَأَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ إلَى فُلَانٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ؛ فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِذَلِكَ كَانَ أَوْفَقَ.
[الْمِثَالُ السَّبْعُونَ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ]
[تَعْلِيقُ الْإِبْرَاء بِالشَّرْطِ]
الْمِثَالُ السَّبْعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْت فِي حِلٍّ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَأَنْت فِي حِلٍّ " صَحَّ وَبَرِئَ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ فَإِنَّ إحْدَاهُمَا وَصِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، كَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْإِحْلَالِ مِنْ الْعَرْضِ، وَالْمَالُ مِثْلُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلَك فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " هُوَ إبْرَاءٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُقِيمُوا شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ صَحِيحٍ عَلَى امْتِنَاعِ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَدْفَعُهُ نَصٌّ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؛ فَالصَّوَابُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ؛ فَإِنْ بُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ وَهَكَذَا قَالُوا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ
стр. 914
عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَلَا فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ الْفَصْلَيْنِ فِي سِجِلٍّ وَاحِدٍ، وَضَمَّنَهُ الْوَصِيَّةَ لَهُ بِهِ إنْ مَاتَ رَبُّ الدَّيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَدِينُ فَلَا حَقَّ لَهُ بِهِ قِبَلَهُ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ مُسْتَنِدًا إلَى ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ إبْرَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ اسْتِدْرَاكُ الْأَمِينِ لِمَا غَلِطَ فِيهِ]
[اسْتِدْرَاكُ الْأَمِينِ لِمَا غَلِطَ فِيهِ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: لَوْ غَلِطَ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ وَقَالَ: " رَبِحْت أَلْفًا " ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنْكَارٌ بَعْدَ إقْرَارٍ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْغَلَطِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا؛ فَالْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ مَا غَلِطَ فِيهِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: خَسِرْتهَا بَعْدَ أَنْ رَبِحْتهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ، وَهَكَذَا الْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِ كُلِّ أَمِينٍ لِظِلَامَتِهِ كَالْمُودِعِ إذَا رَدَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي دُفِعَتْ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى رَدِّهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِذَا خَافَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فَالْحِيلَةُ فِي تَخَلُّصِهِ أَنْ يَدَّعِيَ تَلَفَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَإِنْ حَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَحْلِفْ مُوَرِّيًا مُتَأَوِّلًا أَنَّ تَلَفَهَا مِنْ عِنْدِهِ خُرُوجُهَا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ وَنَظَائِرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ تَصَرُّفُ الْمَدِينِ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْ]
[تَصَرُّفُ الْمَدِينِ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: إنْ اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِمَا يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الدُّيُونِ، سَوَاءٌ حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، أَوْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ؛ وَلِهَذَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَلَوْلَا تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، لَمْ يَسَعْ الْحَاكِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ؛ لَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنَّ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَالِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْهُ.
وَفِي تَمْكِينِ هَذَا الْمِدْيَانِ مِنْ التَّبَرُّعِ إبْطَالُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ بِحِفْظِ حُقُوقِ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَسَدِّ الطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى إضَاعَتِهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّبَرُّعَ إتْلَافٌ لَهَا، فَكَيْفَ يَنْفُذُ تَبَرُّعُ [مَنْ] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَاعِلِهِ؟ ، وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵀ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيُضَعِّفُهُ، قَالَ: إلَى أَنْ بُلِيَ بِغَرِيمٍ تَبَرَّعَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ وَتَرْجَمَتُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ
стр. 915
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَرَادَ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَدِيثَ جَابِرٍ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ نَفْسِهِ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُفْلِسِ، وَلَا عِتْقُهُ، وَلَا صَدَقَتُهُ إلَّا بِإِذْنِ غُرَمَائِهِ، وَكَذَلِكَ الْمِدْيَانُ الَّذِي لَمْ يُفَلِّسْهُ غُرَمَاؤُهُ فِي عِتْقِهِ وَهِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَا يُخْتَارُ غَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْحِيلَةُ لِمَنْ تَبَرَّعَ غَرِيمُهُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ، وَلَيْسَ فِي مَالِهِ سَعَةٌ لَهُ وَلِدَائِنِهِ؛ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا التَّبَرُّعِ، وَيَسْأَلَهُ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بِذَلِكَ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ إذَا خَافَ مِنْهُ ذَلِكَ الضَّمِينَ أَوْ الرَّهْنَ، فَإِنْ بَادَرَ الْغَرِيمُ وَتَبَرَّعَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَاقَتْ الْحِيلَةُ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّوَصُّلُ إلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ أَعْيَانُ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ، فَيَمْتَنِعُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، فَإِنْ قَدَّمَ تَارِيخَ الْإِقْرَارِ بَطَلَ التَّبَرُّعُ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ حِيلَةٌ عَلَى إبْطَالِ حَقٍّ، وَلَا تَحْقِيقِ بَاطِلٍ، بَلْ عَلَى إبْطَالِ جَوْرٍ وَظُلْمٍ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ خَوْفُ الدَّائِنِ مِنْ جَحْدِ الْمَدِينِ]
[خَوْفُ الدَّائِنِ مِنْ جَحْدِ الْمَدِينِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ [عَلَيْهِ] دَيْنٌ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَخَافَ أَنْ يَجْحَدَهُ، أَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِهِ، وَيَخَافُ أَنْ يَمْطُلَهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَدِينَ مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِهِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ نَظِيرُ دَيْنِهِ قَاصَّهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عَلَى أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ، فَإِنْ حَذَّرَ غَرِيمَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً، وَلَا يُعَيِّنَ الثَّمَنَ، وَيُخْرِجَ النَّقْدَ فَيَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا قَبَضَ السِّلْعَةَ وَطَلَبَ مِنْهُ الثَّمَنَ قَاصَّهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَطَرِيقُ الْحِيلَةِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ نَظِيرَ مَالِهِ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ خَوْفُ زَوْجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّ أَوْلَادِهِ]
[خَوْفُ زَوْجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّ أَوْلَادِهِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا خَافَ الْعَنَتَ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ وَكَرِهَ رِقَّ أَوْلَادِهِ، فَالْحِيلَةُ فِي عِتْقِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى السَّيِّدِ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ مِنْ الْوَلَدِ فَهُمْ أَحْرَارٌ، فَكُلُّ وَلَدٍ تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْوِلَادَةِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَحْفَظُ فِيهِ خِلَافًا.
следующие страницы →