Полный текст (1 221 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ حِصَّتَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ الْمُحَاصَّةِ لَمْ يَضَعْنَ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَكَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ ضَمَانِهِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي قَبْضِ مَا يَخُصُّهُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمُحَاصَّةِ، فَيَخْتَصُّ الشَّرِيكُ بِالْمَقْبُوضِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَ الشَّرِيكُ مَا قَبَضَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ الْمُحَاصَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَبْضِ الشَّرِيكِ لَهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَفَّى شَرِيكَهُ نَظِيرَهُ لَمْ يَقُلْ انْتَقَلَ إلَى الْقَابِضِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ مِلْكًا لَلشَّرِيك، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ بِالْمُحَاصَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ قَبْضِ الشَّرِيكِ.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ بِعَقْدٍ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ إتْلَافًا أَوْ إرْثًا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَقْدٍ فَكَأَنَّهُ عَقْدٌ مَعَ الشَّرِيكَيْنِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُطَالِبَ بِمَا يَخُصُّهُ، بِخِلَافِ دَيْنِ الْإِرْثِ وَالْإِتْلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ]
[بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ] الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْجَزَرِ وَاللُّفْتِ وَالْفُجْلِ وَالْقُلْقَاسِ، وَنَحْوِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ، وَالْوَرَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِنِهِ، بِخِلَافِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُقْلَعَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَصْحَابِ الْحُقُولِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فَإِنَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ حَتَّى يُقْلَعَ أَعْظَمَ الضَّرَرِ وَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ؛ فَإِنَّهُ إنْ قَلَعَهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ وَالْفَسَادِ.
وَإِنْ قِيلَ: " كُلَّمَا أَرَدْت بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ فَاقْلَعْهُ " كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَإِنْ قِيلَ: " اُتْرُكْهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَفْسُدَ، وَلَا تَبِعْهُ فِيهَا " فَهَذَا لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُفْتُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَوْ بُلُوا بِذَلِكَ فِي حُقُولِهِمْ أَوْ مَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إلَّا بَيْعُهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا بُدَّ، أَوْ إتْلَافُهُ وَعَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " إنَّ هَذَا غَرَرٌ وَمَجْهُولٌ " فَهَذَا لَيْسَ حَظُّ الْفَقِيهِ، وَلَا هُوَ مِنْ شَأْنِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ عَدُّوهُ قِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَهُمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَظُّ الْفَقِيهِ يُحِلُّ كَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَهُ وَيُحَرِّمُ كَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، وَقَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ، وَقَالَ الصَّحَابَةُ.
وَأَمَّا أَنْ يَرَى هَذَا خَطَرًا وَقِمَارًا أَوْ غَرَرًا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بَلْ أَرْبَابُهُ أَخْبَرُ بِهَذَا مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِيهِ، كَمَا يَرْجِعُ
стр. 912
إلَيْهِمْ فِي كَوْنِ هَذَا الْوَصْفِ عَيْبًا أَمْ لَا، وَكَوْنِ هَذَا الْبَيْعِ مُرْبِحًا أَمْ لَا، وَكَوْنِ هَذِهِ السِّلْعَةِ نَافِقَةً فِي وَقْتِ كَذَا وَبَلَدِ كَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْأُمُورِ الْعُرْفِيَّةِ، فَالْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فِيهَا مِثْلُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَإِنْ بُلِيتَ بِمَنْ يَقُولُ: هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا قَالُوا فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ تَسْتَأْجِرَ مِنْهُ الْأَرْضَ الْمَشْغُولَةَ بِذَلِكَ مُدَّةً يُعْلَمُ فَرَاغُهُ مِنْهَا، وَيُقِرُّ لَهُ إقْرَارًا مَشْهُودًا لَهُ بِهِ أَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لَهُ لَا حَقَّ لِلْمُؤَجِّرِ فِيهِ، وَلَكِنَّ عَكْسَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ وَضْعِ الْجَائِحَةِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ كَالثَّمَرَةِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إنْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ، وُضِعَتْ عَنْهُ الْجَائِحَةُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: جَوَازُ بَيْعِهِ، وَوَضْعُ الْجَوَائِحِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ الْمُبَايَعَةُ يَوْمِيًّا وَالْقَبْضُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ]
[الْمُبَايَعَةُ يَوْمِيًّا وَالْقَبْضُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: اخْتَلَفَتْ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَصُورَتُهَا: الْبَيْعُ مِمَّنْ يُعَامِلُهُ مِنْ خَبَّازٍ أَوْ لَحَّامٍ أَوْ سَمَّانٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، يَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ثُمَّ يُحَاسِبُهُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ؛ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَجَعَلُوا الْقَبْضَ بِهِ غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
هَذَا وَكُلُّهُمْ إلَّا مَنْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا، وَهُوَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمُسَاوَمَتِهِ لَهُ عِنْدَ كُلِّ حَاجَةٍ يَأْخُذُهَا قَلَّ ثَمَنُهَا أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ شَرَطَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظًا؛ فَلَا بُدَّ مَعَ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَقْرِنَ بِهَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي -: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ - جَوَازُ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُوَ أَطْيَبُ لِقَلْبِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُسَاوَمَةِ، يَقُولُ: لِي أُسْوَةٌ بِالنَّاسِ آخُذُ بِمَا يَأْخُذُ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: وَاَلَّذِينَ يَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ تَرْكُهُ، بَلْ هُمْ وَاقِعُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا إجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ مَا يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَكْثَرُهُمْ يُجَوِّزُونَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَالنِّكَاحِ وَالْغَسَّالِ، وَالْخَبَّازِ وَالْمَلَّاحِ، وَقَيِّمِ الْحَمَّامِ وَالْمُكَارِي، وَالْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَبَيْعِ مَاءِ الْحَمَّامِ؛ فَغَايَةُ الْبَيْعِ بِالسِّعْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَيَجُوزُ، كَمَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، وَلَا تَقُومُ مَصَالِحُ النَّاسِ إلَّا بِهِ.
стр. 913
فَإِنْ بُلِيتَ بِالْقَائِلِ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا قَالُوا؛ فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ قَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِلدَّافِعِ مِثْلُهُ، ثُمَّ يُعَاوِضُهُ عَلَيْهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ؛ فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِلدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ وَهُوَ جَائِزٌ.
وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ آفَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ السِّعْرُ فَيُطَالِبُهُ بِالْمِثْلِ فَيَتَضَرَّرُ الْآخِذُ، وَقَدْ يَنْخَفِضُ فَيُعْطِيهِ الْمِثْلَ فَيَتَضَرَّرُ الْأَوَّلُ؛ فَالطَّرِيقُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْلَى بِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ تَوْكِيلُ الدَّائِنِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ]
[تَوْكِيلُ الدَّائِنِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ وَقْفٌ مِنْ غَلَّةِ دَارٍ أَوْ بُسْتَانٍ، فَوَكَّلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ جَازَ؛ فَإِنْ خَافَ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ وَيَعْزِلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ؛ فَلْيَجْعَلْهَا حَوَالَةً عَلَى مَنْ فِي ذِمَّتِهِ عِوَضَ ذَلِكَ الْمُغَلِّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ آجَرَ الدَّارَ أَوْ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مِنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِعِوَضٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يُعَاوِضَهُ بِدَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعِوَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَكِيلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ لَا بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَلَا بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فِي قَبْضِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَلَّةِ ذَلِكَ الْوَقْفِ، وَخَافَ عَزْلَهُ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ إقْرَارَهُ أَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَصْرِفَ إلَيْهِ بَعْدَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ وَجَبَ لِفُلَانٍ - وَهُوَ الْغَرِيمُ - عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُغِلِّ هَذَا الْوَقْفِ مُقَدَّمًا بِهِ عَلَى سَائِرِ مَصَارِفِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْمَوْقُوفِ شَيْءٌ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَأَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ إلَى فُلَانٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ؛ فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِذَلِكَ كَانَ أَوْفَقَ.
[الْمِثَالُ السَّبْعُونَ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ]
[تَعْلِيقُ الْإِبْرَاء بِالشَّرْطِ]
الْمِثَالُ السَّبْعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْت فِي حِلٍّ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَأَنْت فِي حِلٍّ " صَحَّ وَبَرِئَ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ فَإِنَّ إحْدَاهُمَا وَصِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، كَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْإِحْلَالِ مِنْ الْعَرْضِ، وَالْمَالُ مِثْلُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلَك فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " هُوَ إبْرَاءٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُقِيمُوا شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ صَحِيحٍ عَلَى امْتِنَاعِ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَدْفَعُهُ نَصٌّ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؛ فَالصَّوَابُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ؛ فَإِنْ بُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ وَهَكَذَا قَالُوا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ
стр. 914
عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَلَا فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ الْفَصْلَيْنِ فِي سِجِلٍّ وَاحِدٍ، وَضَمَّنَهُ الْوَصِيَّةَ لَهُ بِهِ إنْ مَاتَ رَبُّ الدَّيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَدِينُ فَلَا حَقَّ لَهُ بِهِ قِبَلَهُ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ مُسْتَنِدًا إلَى ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ إبْرَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ اسْتِدْرَاكُ الْأَمِينِ لِمَا غَلِطَ فِيهِ]
[اسْتِدْرَاكُ الْأَمِينِ لِمَا غَلِطَ فِيهِ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: لَوْ غَلِطَ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ وَقَالَ: " رَبِحْت أَلْفًا " ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنْكَارٌ بَعْدَ إقْرَارٍ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْغَلَطِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا؛ فَالْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ مَا غَلِطَ فِيهِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: خَسِرْتهَا بَعْدَ أَنْ رَبِحْتهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ، وَهَكَذَا الْحِيلَةُ فِي اسْتِدْرَاكِ كُلِّ أَمِينٍ لِظِلَامَتِهِ كَالْمُودِعِ إذَا رَدَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي دُفِعَتْ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى رَدِّهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِذَا خَافَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فَالْحِيلَةُ فِي تَخَلُّصِهِ أَنْ يَدَّعِيَ تَلَفَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَإِنْ حَلَّفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَحْلِفْ مُوَرِّيًا مُتَأَوِّلًا أَنَّ تَلَفَهَا مِنْ عِنْدِهِ خُرُوجُهَا مِنْ تَحْتِ يَدِهِ وَنَظَائِرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ تَصَرُّفُ الْمَدِينِ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْ]
[تَصَرُّفُ الْمَدِينِ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: إنْ اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِمَا يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الدُّيُونِ، سَوَاءٌ حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، أَوْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ؛ وَلِهَذَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَلَوْلَا تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، لَمْ يَسَعْ الْحَاكِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ؛ لَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنَّ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَالِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْهُ.
وَفِي تَمْكِينِ هَذَا الْمِدْيَانِ مِنْ التَّبَرُّعِ إبْطَالُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ بِحِفْظِ حُقُوقِ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَسَدِّ الطُّرُقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى إضَاعَتِهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا التَّبَرُّعَ إتْلَافٌ لَهَا، فَكَيْفَ يَنْفُذُ تَبَرُّعُ [مَنْ] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَاعِلِهِ؟ ، وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵀ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيُضَعِّفُهُ، قَالَ: إلَى أَنْ بُلِيَ بِغَرِيمٍ تَبَرَّعَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ وَتَرْجَمَتُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ
стр. 915
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَرَادَ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَدِيثَ جَابِرٍ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ نَفْسِهِ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُفْلِسِ، وَلَا عِتْقُهُ، وَلَا صَدَقَتُهُ إلَّا بِإِذْنِ غُرَمَائِهِ، وَكَذَلِكَ الْمِدْيَانُ الَّذِي لَمْ يُفَلِّسْهُ غُرَمَاؤُهُ فِي عِتْقِهِ وَهِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَا يُخْتَارُ غَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْحِيلَةُ لِمَنْ تَبَرَّعَ غَرِيمُهُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ، وَلَيْسَ فِي مَالِهِ سَعَةٌ لَهُ وَلِدَائِنِهِ؛ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا التَّبَرُّعِ، وَيَسْأَلَهُ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بِذَلِكَ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ إذَا خَافَ مِنْهُ ذَلِكَ الضَّمِينَ أَوْ الرَّهْنَ، فَإِنْ بَادَرَ الْغَرِيمُ وَتَبَرَّعَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَاقَتْ الْحِيلَةُ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّوَصُّلُ إلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ أَعْيَانُ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ، فَيَمْتَنِعُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، فَإِنْ قَدَّمَ تَارِيخَ الْإِقْرَارِ بَطَلَ التَّبَرُّعُ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ حِيلَةٌ عَلَى إبْطَالِ حَقٍّ، وَلَا تَحْقِيقِ بَاطِلٍ، بَلْ عَلَى إبْطَالِ جَوْرٍ وَظُلْمٍ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ خَوْفُ الدَّائِنِ مِنْ جَحْدِ الْمَدِينِ]
[خَوْفُ الدَّائِنِ مِنْ جَحْدِ الْمَدِينِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ [عَلَيْهِ] دَيْنٌ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَخَافَ أَنْ يَجْحَدَهُ، أَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِهِ، وَيَخَافُ أَنْ يَمْطُلَهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَدِينَ مِنْهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِهِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ نَظِيرُ دَيْنِهِ قَاصَّهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عَلَى أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ، فَإِنْ حَذَّرَ غَرِيمَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً، وَلَا يُعَيِّنَ الثَّمَنَ، وَيُخْرِجَ النَّقْدَ فَيَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا قَبَضَ السِّلْعَةَ وَطَلَبَ مِنْهُ الثَّمَنَ قَاصَّهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَطَرِيقُ الْحِيلَةِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ نَظِيرَ مَالِهِ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ خَوْفُ زَوْجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّ أَوْلَادِهِ]
[خَوْفُ زَوْجِ الْأَمَةِ مِنْ رِقِّ أَوْلَادِهِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا خَافَ الْعَنَتَ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ وَكَرِهَ رِقَّ أَوْلَادِهِ، فَالْحِيلَةُ فِي عِتْقِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى السَّيِّدِ أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ مِنْ الْوَلَدِ فَهُمْ أَحْرَارٌ، فَكُلُّ وَلَدٍ تَلِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْوِلَادَةِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَحْفَظُ فِيهِ خِلَافًا.
стр. 916
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِدُونِ الشَّرْطَيْنِ إذَا أَمِنَ رِقَّ وَلَدِهِ بِهَذَا التَّعْلِيقِ؟ قِيلَ: هَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَلَا تَأْبَاهُ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْوَلَدَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ، وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ، وَمِثْلُ هَذَا هَلْ يَنْتَهِضُ سَبَبًا؛ لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ؟ أَوْ يُقَالُ - وَهُوَ أَظْهَرُ -: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ لَا يُحْجَبْنَ حَجْبَ الْحَرَائِرِ، وَهُنَّ فِي مِهْنَةِ سَادَاتِهِنَّ وَحَوَائِجِهِنَّ، وَهُنَّ بَرْزَاتٌ لَا مُخَدَّرَاتٌ؟ ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي إمَائِهِنَّ، وَإِلَى الْيَوْمِ، فَصَانَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَزْوَاجَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَاتُهُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، مَعَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ رِقِّ الْوَلَدِ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَمَا أَبَاحَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَكُلُّ هَذَا مَنَعَ مِنْهُ تَعَالَى كَنِكَاحِ غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ، وَلِهَذَا شَرَطَ تَعَالَى فِي نِكَاحِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ، وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ، أَيْ: غَيْرَ زَانِيَةٍ مَعَ مَنْ كَانَ، وَلَا زَانِيَةً مَعَ خَدِينِهَا وَعَشِيقِهَا دُونَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ نِكَاحَ الْإِمَاءِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ، وَإِذْنُ سَيِّدِهَا، وَأَنْ تَكُونَ عَفِيفَةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ فُجُورًا عَامًّا، وَلَا خَاصًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ أَمَتُهُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا تَصْبِرُ نَفْسُهُ عَنْهَا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ هِيَ، وَالْبَيْعُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ، ثُمَّ يُعْتِقُهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، فَإِذَا فَعَلَ اسْتَرَدَّهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ الْجَارِيَةُ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
[الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ بَيْعِ جَارِيَتِهِ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا أَرَادَهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ عَلَى بَيْعِ جَارِيَتِهِ مِنْهُ فَالْحِيلَةُ فِي خَلَاصِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ، وَيُشْهِدَ عَلَى عِتْقِهَا أَوْ نِكَاحِهَا، ثُمَّ يَسْتَقِيلَهُ الْبَيْعَ، فَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْبَاطِنِ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الظَّاهِرِ، وَيَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ ذِي حَقٍّ، وَإِنْ شَاءَ احْتَالَ بِحِيلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَضَعَتْ مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فَصَارَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا، فَإِنْ أَحَبَّ دَفْعَ التُّهْمَةِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّحَيُّلَ فَلْيَبِعْهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، ثُمَّ يُوَاطِئَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهَا وَضَعَتْ فِي مِلْكِهِ مَا فِيهِ صُورَةُ إنْسَانٍ.
وَيُقِرُّ بِذَلِكَ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَيَكْتُبُ بِذَلِكَ مَحْضَرًا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 917
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْجَارِيَةَ مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِيَلِ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ، كَمَا اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَيْهِ،، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ؛ لِعَدَمِ مَنْ يُنَفِّذُهَا لَهُ فَلْيَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنَّك إنْ بِعْتهَا لِغَيْرِي فَهِيَ حُرَّةٌ، وَيَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، وَتُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ، إمَّا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَإِمَّا بِالْقَبُولِ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَقِيبَهُ، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي.
قَالَ فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ: إذَا قَالَ: " إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ "، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: " إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ " فَبَاعَهُ عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْآخَرِ حَالَ اسْتِقْرَارٍ حَتَّى يُعْتَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ التَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ ثَابِتٌ لِلْبَائِعِ، فَمِلْكُ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ: " وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ " تَقْرِيرٌ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ، وَيُعْتَقُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ، وَيَقُولُ إذَا اشْتَرَاهَا مَلَكَهَا، وَلَا تُعْتَقُ بِالشَّرْطِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: إذَا بِعْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ، فَإِذَا بَاعَهَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵄ فَإِذَا لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا التَّعْلِيقَ فَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: إذَا اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ مُدَبَّرَةٌ، فَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ، وَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُ جَارٍ مَجْرَى الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا صَارَتْ مُدَبَّرَةً، وَلَمْ يُمْكِنْهُ بَيْعُهَا عِنْدَهُ.
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَعْلِيقَ التَّدْبِيرِ بِصِفَةٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ قَرَارَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ دَبَّرَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا حُرَّةً بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ - وَهُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا.
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَنْ تَحْمِلَ وَتَضَعَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ تَلِدَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ - فَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ وُجُوهُ الْحِيَلِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا حِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَتَرَاضَى سَيِّدُ الْجَارِيَةِ وَالْمُشْتَرِي بِرَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا فَيَبِيعُهَا هَذَا الْعَدْلُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنْ سَيِّدِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ، وَيَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا طَالَبَهُ بِبَاقِي الثَّمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَلَوْ لَمْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا ثَالِثًا بَلْ
стр. 918
اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: " أَبِيعُكهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَآخُذُ مِنْك أَرْبَعِينَ، فَإِنْ بِعْتهَا طَالَبْتُك بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا لَمْ أُطَالِبْك " جَازَ، لَكِنْ فِي تَوَسُّطِ الْعَدْلِ الَّذِي يَثِقُ بِهِ الْمُشْتَرِي كَأَبِيهِ وَصَاحِبِهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ، وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْبَائِعِ لَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ حِيلَةٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ]
[حِيلَةٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا طَلَبَ مِنْهُ وَلَدُهُ أَوْ عَبْدُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ، وَخَافَ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ بِالزَّوْجَةِ وَيَأْمُرَهُ بِطَلَاقِهَا فَلَا يُقْبَلُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا أُزَوِّجُك إلَّا أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَ الزَّوْجَةِ بِيَدِي، فَإِنْ وَثِقَ مِنْهُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ قَالَ لَهُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ: أَمْرُهَا بِيَدِك، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِهِ، وَخَافَ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الْعَقْدَ لَا يَفِي لَهُ التَّزْوِيجُ: أَمْرُهَا بِيَدِك، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِهِ، وَخَافَ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الْعَقْدَ لَا يَفِي لَهُ بِمَا وَعَدَهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لَهُ حَتَّى يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ: إنْ تَزَوَّجْتهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِك، وَيَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَلْيَكْتُبْ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ: "، وَأَقَرَّ الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ أَنَّ أَمْرَ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ بِيَدِ السَّيِّدِ أَوْ الْأَبِ " فَإِذَا وَقَعَ مَا يَحْذَرُهُ مِنْهَا تَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِنْ التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَدْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْوَكَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ مُرَادُهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى أَخْرَجَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ فَهِيَ طَالِقٌ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ حِيلَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ]
[حِيلَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ، وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَرْفَعَهُ الْعَبْدُ إلَى حَاكِمٍ لَا يَرَى بَيْعَ الْمُدَبَّرِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتَّ، وَأَنْت فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ تَمَّ لَهُ الْأَمْرُ كَمَا أَرَادَ، فَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهُ مَا دَامَ حَيًّا فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " إنْ مِتَّ، وَأَنْتَ فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ " فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: " أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي " فَإِنَّهُ جَزَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: " إنْ مِتَّ قَبْلِي فَأَنْت فِي حِلٍّ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك " فَهُوَ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: " أَنْتَ فِي حِلٍّ بَعْدَ مَوْتِي " صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا لِلْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَنَظِيرُهُ لَوْ قَالَ: " إنْ مِتَّ فَدَارِي وَقْفٌ " فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ بِالشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ: " هِيَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي " صَحَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّمَانُونَ بَرَاءَةُ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ]
[بَرَاءَةُ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ]
الْمِثَالُ الثَّمَانُونَ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ضَمِنَا رَجُلًا بِنَفْسِهِ، فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إلَى الطَّالِبِ، بَرِئَ الَّذِي
стр. 919
لَمْ يَدْفَعْ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ ضَمِنَا لِرَجُلٍ مَالًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُمَا يَبْرَآنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ إحْضَارُ وَاحِدٍ، فَإِذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا فَقَدْ وُجِدَ الْإِحْضَارُ الْمَضْمُونُ فَبَرِئَا جَمِيعًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَرُبَّمَا أَلْزَمَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ الضَّمَانَ بِنَفْسِ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يُجْعَلُ دَفْعُ الْآخَرِ بَرَاءَةً لِلَّذِي لَمْ يَدْفَعْ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَضْمَنَا لِلطَّالِبِ هَذَا الرَّجُلَ بِنَفْسِهِ، عَلَى أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا فَهُمَا جَمِيعًا بَرِيئَانِ، فَيَتَخَلَّصُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِي دَفْعِ هَذَا الرَّجُلِ إلَى الطَّالِبِ وَالتَّبَرُّؤِ إلَيْهِ، فَإِذَا دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَا جَمِيعًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَكِيلَ صَاحِبِهِ كَانَ تَسْلِيمُهُ كَتَسْلِيمِ مُوَكِّلِهِ.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ زَوَاجُ أَحَدِ دَائِنَيْ الْمَرْأَةِ إيَّاهَا بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ]
[زَوَاجُ أَحَدِ دَائِنَيْ الْمَرْأَةِ إيَّاهَا بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ: قَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ: إذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ مَالٌ، وَهُمَا شَرِيكَانِ، فَتَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهَا، لَمْ يَضْمَنْ لِصَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَصِيبَهُ فِي ضَمَانِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ، وَرُبَّمَا ضَمَّنَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ؛ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَ لَهَا نَصِيبَهُ مِمَّا عَلَيْهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ مَا وَهَبَهَا، ثُمَّ تَهَبَ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ الْمَهْرَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَهَبَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَضْمَنُ؛ لِكَوْنِهِ مُتَبَرِّعًا، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَهْرٍ، وَوَهَبَتْهُ لَهُ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وَتَخَلَّصَ مِنْ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ حِيلَةٌ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ فِي يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ فِي يَمِينٍ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَضْمَنَ عَنِّي؛ فَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ، أَنْ يُشَارِكَهُ وَيَشْتَرِيَ مَتَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَإِنَّهُ يَضْمَنُ عَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَقْدُ الضَّمَانِ، وَمَا يَلْزَمُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلُ صَاحِبِهِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرِكَةٌ، لَكِنَّهُ وَكَّلَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَاشْتَرَاهَا لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ الْحِيلَةُ فِي ضَمَانِ شَرِيكَيْنِ]
[حِيلَةٌ فِي ضَمَانِ شَرِيكَيْنِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ: شَرِيكَانِ شَرِكَةَ عِنَانٍ ضَمِنَا عَنْ رَجُلٍ مَالًا بِأَمْرِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدَّى الْمَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ رَجَعَ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ أَدَّاهُ الْآخَرُ فَشَرِيكُهُ مِنْهُ بَرِيءٌ.
стр. 920
وَلِلْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَا أَيُّنَا أَدَّاهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، الثَّانِيَةُ: عَكْسُهُ، الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ إنْ أَدَّيْتُهُ أَنَا رَجَعْت بِهِ عَلَيْك، وَلَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَيَّ إنْ أَدَّيْتَهُ، الرَّابِعَةُ: عَكْسُهُ، فَالصُّورَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى حِيلَةٍ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِمَا أَنْ يَضْمَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ الْمَدِينِ مَا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ يَجِيءُ شَرِيكُهُ فَيَضْمَنُ مَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا أَدَّى هَذَا الشَّرِيكُ الْمَالَ رَجَعَ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ وَالْأَصِيلِ، وَإِذَا أَدَّاهُ شَرِيكُهُ وَالْأَصِيلُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الشَّرِيكِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ قَدْ صَارَ صَاحِبَ الْأَصْلِ هَاهُنَا، فَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ لَرَجَعَ هُوَ عَلَيْهِ، فَمِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ يَسْقُطُ، فَلَا مَعْنَى لِلرُّجُوعِ عَلَيْهِ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ تَحَيُّلُ الْمَظْلُومِ عَلَى مَسَبَّةِ النَّاسِ لِلظَّالِمِ]
[تَحَيُّلُ الْمَظْلُومِ عَلَى مَسَبَّةِ النَّاسِ لِلظَّالِمِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: لَا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَحَيَّلَ عَلَى مَسَبَّةِ النَّاسِ لِظَالِمِهِ، وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالْأَخْذِ مِنْ عِرْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى ظُلْمِهِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ أَخَذَ مَالَهُ فَلَبِسَ أَرَثَّ الثِّيَابِ بَعْدَ أَحْسَنِهَا، وَأَظْهَرَ الْبُكَاءَ وَالنَّحِيبَ وَالتَّأَوُّهَ، أَوْ آذَاهُ فِي جِوَارِهِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ، وَطَرَحَ مَتَاعَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ أَخَذَ دَابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَلَسَ يَبْكِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَدْعُو النَّاسَ إلَى لَعْنِ الظَّالِمِ لَهُ وَسَبِّهِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَظْلُومَ بِأَذَى جَارِهِ لَهُ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفِي السُّنَنِ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جَارِهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَك فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ مِنْ لَطَائِفِ حِيَلِ أَبِي حَنِيفَةَ]
[مِنْ لَطَائِفِ حِيَلِ أَبِي حَنِيفَةَ]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ: مَا ذُكِرَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: أَدْرِكْنِي قَبْلَ الْفَجْرِ، وَإِلَّا طَلَّقْت امْرَأَتِي، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَرَكَتْ اللَّيْلَةَ كَلَامِي، فَقُلْت لَهَا: إنْ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَلَمْ تُكَلِّمِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَدْ تَوَسَّلْت إلَيْهَا بِكُلِّ أَمْرٍ أَنْ تُكَلِّمَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَمُرْ مُؤَذِّنَ الْمَسْجِدِ أَنْ يَنْزِلَ فَيُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَعَلَّهَا إذَا سَمِعَتْهُ أَنْ تُكَلِّمَك، وَاذْهَبْ إلَيْهَا وَنَاشِدْهَا أَنْ تُكَلِّمَك قَبْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وَجَلَسَ يُنَاشِدُهَا، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَالَتْ: قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَتَخَلَّصْت مِنْك، فَقَالَ: قَدْ كَلَّمْتِنِي قَبْلَ الْفَجْرِ وَتَخَلَّصْت مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْحِيَلِ.
стр. 921
حِيلَةٌ أُخْرَى لَهُ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ: كَانَ فِي جِوَارِ أَبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشَى مَجْلِسَهُ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِامْرَأَةٍ، وَقَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِنْ الْمَهْرِ فَوْقَ طَاقَتِي، وَقَدْ تَعَلَّقْت بِالْمَرْأَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَعْطِهِمْ مَا طَلَبُوا مِنْك، فَفَعَلَ، فَلَمَّا عَقَدَ الْعَقْدَ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ طَلَبُوا مِنِّي الْمَهْرَ، فَقَالَ: احْتَلْ وَاقْتَرِضْ وَأَعْطِهِمْ فَفَعَلَ، فَلَمَّا دَخَلَ بِأَهْلِهِ قَالَ: إنِّي أَخَافُ الْمُطَالَبِينَ بِالدَّيْنِ، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُوَفِّيهِمْ، فَقَالَ: أَظْهِرْ أَنَّك تُرِيدُ سَفَرًا بَعِيدًا، وَأَنَّك تُرِيدُ الْخُرُوجَ بِأَهْلِك، فَفَعَلَ، وَاكْتَرَى جِمَالًا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَأَوْلِيَائِهَا، فَجَاءُوا إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ، فَقَالُوا: نَحْنُ نُرْضِيهِ وَنَرُدُّ إلَيْهِ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُ، وَلَا يُسَافِرُ، فَلَمَّا سَمِعَ الزَّوْجُ طَمِعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى يَزِيدُونِي، فَقَالَ لَهُ: إنْ رَضِيت بِهَذَا، وَإِلَّا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ عَلَيْهَا دَيْنًا لِرَجُلٍ، فَلَا يُمْكِنُك أَنْ تُخْرِجَهَا حَتَّى تُوَفِّيَهُ فَقَالَ: بِاَللَّهِ لَا يَسْمَعُ أَهْلُ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ مِنْك، أَنَا أَرْضَى بِاَلَّذِي أَعْطَيْتهمْ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ وَالْبَرَاءَةِ بِالشُّرُوطِ]
[تَعْلِيقُ الْفَسْخِ وَالْبَرَاءَةِ بِالشُّرُوطِ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي شَهْرِ كَذَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَأَخَّرَهَا إلَى شَهْرٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ مِائَتَانِ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، قَالَ: أَمَّا جَوَازُ الصُّلْحِ مِنْ أَلْفٍ عَلَى مِائَةٍ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ التِّسْعَمِائَةِ لَا يَسْتَفِيدُهَا بِعَقْدِ الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَهَا بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ، وَهُوَ الْعَقْدُ السَّابِقُ؛ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى طَرِيقِ الْإِبْرَاءِ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ، قَالَ: وَيُفَارِقُ هَذَا إذَا كَانَتْ لَهُ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ فَصَالَحَهُ عَلَى تِسْعِمِائَةٍ حَالَّةً أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ هَذِهِ التِّسْعَمِائَةِ بِعَقْدِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهَا حَالَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْلِكُهَا مُؤَجَّلَةً، فَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ.
وَأَمَّا جَوَازُهُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مِائَتَانِ - فَلِأَنَّ الْمُصَالِحَ إنَّمَا عَلَّقَ فَسْخَ الْبَرَاءَةِ بِالشَّرْطِ، وَالْفَسْخُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ؛ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ بِالشَّرْطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: " أَبِيعُك هَذَا الثَّوْبَ بِشَرْطِ أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ الْيَوْمَ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُدْنِي الثَّمَنَ الْيَوْمَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا " إذَا لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ فِي يَوْمِهِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ يَقُولُ: هَذَا تَعْلِيقُ بَرَاءَةِ الْمَالِ بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، قَالَ: وَالْوَجْهُ فِي جَوَازِ هَذَا الصُّلْحِ عَلَى مَذْهَبِ الْجَمِيعِ أَنْ يُعَجِّلَ رَبُّ الْمَالِ حَطَّ ثَمَانَمِائَةٍ يَحُطُّهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ يُصَالِحَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمِائَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي شَهْرِ كَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ
стр. 922
أَخَّرَهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا فَقَدْ اسْتَوْثَقَ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى صَالَحَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ، وَقَدْ حَطَّ عَنْهُ الْبَاقِيَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْ الْمِائَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي شَهْرِ كَذَا فَإِنْ أَخَّرَهَا فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ فَسْخُ الْعَقْدِ مُعَلَّقًا بِتَرْكِ النَّقْدِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي سَنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى، فَهِيَ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ إيجَابَ الْمَالِ بِخَطَرٍ، وَتَعْلِيقُ الْمَالِ بِالْأَخْطَارِ لَا يَجُوزُ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَيَكْتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، ثُمَّ يُصَالِحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي سَنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ تَعْلِيقًا لِلْفَسْخِ بِخَطَرٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ؛ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَتَيْنِ فَأَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يُصَالِحَ سَيِّدَهُ عَلَى النِّصْفِ يُعَجِّلَهَا لَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَيُبْطِلُهُ غَيْرُنَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ صُلْحُ الشَّفِيعِ مِنْ الشُّفْعَةِ]
[صُلْحُ الشَّفِيعِ مِنْ الشُّفْعَةِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ الْقَاضِي: إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ فَجَاءَ الشَّفِيعُ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ؛ فَصَالَحَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ نِصْفَ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ صَالَحَ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ صَالَحَ مِنْ أَلْفٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ؛ فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَلَى شَيْءٍ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَحِصَّةُ الْمَبِيعِ مِنْ الثَّمَنِ مَجْهُولَةٌ، وَجَهَالَةُ الْعِوَضِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ فَالْحِيلَةُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَيْتَ لِلشَّفِيعِ وَالدَّارَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّفِيعُ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُسَمًّى، ثُمَّ يُسَلِّمَ الشَّفِيعَ لِلْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ، وَشِرَاءُ الشَّفِيعِ لِهَذَا الْبَيْتِ تَسْلِيمٌ لِلشُّفْعَةِ، وَمُسَاوَمَتُهُ بِالْبَيْتِ تَسْلِيمٌ لِلشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُسَمًّى كَانَ عِوَضُ الْبَيْتِ مَعْلُومًا، وَدُخُولُهُ فِي شِرَاءِ الْبَيْتِ تَسْلِيمٌ لِلشُّفْعَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْتَ بِهَذَا الثَّمَنِ الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسَلِّمًا لِلشُّفْعَةِ حَتَّى يَجِبَ لَهُ الْبَيْتُ أَنْ يَبْدَأَ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلشَّفِيعِ: هَذَا الْبَيْتُ ابْتَعْتُهُ لَك بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَيَقُولُ الشَّفِيعُ: قَدْ رَضِيت وَاسْتَوْجَبْت؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَتَى ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: " هَذَا الْبَيْتُ لَك بِكَذَا " لَمْ يَكُنْ الشَّفِيعُ مُسَلِّمًا لِلشُّفْعَةِ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ مُشَارَكَةُ الْعَامِلِ لِلْمَالِكِ وَأَنْوَاعُهَا]
[مُشَارَكَةُ الْعَامِلِ لِلْمَالِكِ، وَأَنْوَاعُهَا]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ: تَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ عِنْدَنَا عَلَى شَجَرِ الْجَوْزِ وَغَيْرِهِ، بِأَنْ يَدْفَعَ
стр. 923
إلَيْهِ أَرْضَهُ وَيَقُولَ: اغْرِسْهَا مِنْ الْأَشْجَارِ كَذَا وَكَذَا، وَالْغَرْسُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَهَذَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ يَزْرَعَهَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ شَجَرَةً يَقُومُ عَلَيْهِ، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ بَقَرَهُ أَوْ غَنَمَهُ أَوْ إبِلَهُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَالدَّرُّ وَالنَّسْلُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ زَيْتُونَهُ يَعْصِرُهُ، وَالزَّيْتُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ دَابَّتَهُ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهَا، وَسَهْمُهَا بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ قَنَاةً يَسْتَنْبِطُ مَاءَهَا، وَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ وَمَصَالِحُ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَصْلَحَةٍ، وَلَا مَعْنًى صَحِيحٍ يُوجِبُ فَسَادَهَا.
وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ عُذْرُهُمْ أَنَّهُمْ ظَنُّوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ، فَالْعِوَضُ مَجْهُولٌ فَيَفْسُدُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، وَالْمُضَارَبَةَ لِلْإِجْمَاعِ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْمُضَارَبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْجَوَازَ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ يَرْجِعُ إلَى الْعَامِلِ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَجَوَّزَهُ فِيمَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ كَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ.
وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا شَرِيكَ الْمَالِكِ هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِعَمَلِهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْلَى، بِالْجَوَازِ مِنْ الْإِجَارَةِ، حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمُشَارَكَاتُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَدْفَعُ مَالَهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، فَيَفُوزُ الْمُؤَجِّرُ بِالْمَالِ وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْخَطَرِ، إذْ قَدْ يَكْمُلُ الزَّرْعُ.
وَقَدْ لَا يَكْمُلُ، بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْفَوْزِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، إنْ رَزَقَ اللَّهُ الْفَائِدَةَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَنَعَهَا اسْتَوَيَا فِي الْحِرْمَانِ، وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ؛ فَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِحِلِّ الْإِجَارَةِ وَتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ.
وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُضَارَبَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَضَارَبَ أَصْحَابُهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهَا الْأُمَّةُ، وَدَفَعَ خَيْبَرَ إلَى الْيَهُودِ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَيَعْمُرُونَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَهَذَا كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَا امْتَنَعَ مِنْهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ، وَأَصْحَابُهُ بَعْدَهُ، بَلْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأَرَاضِيِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ يَدْفَعُونَهَا إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ.
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمَنْعُ إلَّا فِيمَا مَنَعَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ مَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إذَا نَظَرَ ذُو الْبَصَرِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ هَذِهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ؛ فَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
стр. 924
وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ فَإِذَا بُلِيَ الرَّجُلُ بِمَنْ يَحْتَجُّ فِي التَّحْرِيمِ بِأَنَّهُ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا قَالُوا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ؛ إذْ لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ الْأُمَّةِ إلَّا بِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ حِيلَةٍ تُؤَدِّي إلَيْهِ، فَإِنَّهَا حِيَلٌ تُؤَدِّي إلَى فِعْلِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَى الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِيلَةِ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَنَظِيرُهَا فِي الِاحْتِيَالِ عَلَى الْمُغَارَسَةِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْأَرْضَ يَغْرِسُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ الْأَشْجَارِ لِمُدَّةِ كَذَا وَكَذَا سَنَةً بِخِدْمَتِهَا، وَغَرْسِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْأَشْجَارِ فِيهَا؛ فَإِنْ اتَّفَقَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَا لِكُلٍّ مِنْهَا غِرَاسًا مُعَيَّنًا مُقَرَّرًا جَازَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ الْغِرَاسِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ الْمُشَارَكَةِ عَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِجُزْءٍ مِنْ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْقِيَامِ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا سَنَةً لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَاشِيَةِ أَوْ ثُلُثِهَا، عَلَى حَسَبِ مَا يُجْعَلُ لَهُ مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَيُقِرَّ لَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَاشِيَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا، فَيَصِيرُ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمَا، فَإِنْ خَافَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ بِمِلْكِ نِصْفِهَا حَيْثُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ ذَلِكَ النِّصْفَ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يَسْتَرْهِنَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمِلْكَ بَعْدَ هَذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ اقْتَضَاهُ مِنْ الرَّهْنِ.
وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ أَنْ يُمَلِّكَهُ جُزْءًا مِنْ الْحَبِّ أَوْ الزَّيْتُونِ، إمَّا رُبُعُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ، فَيَصِيرُ شَرِيكَهُ فِيهِ، ثُمَّ يَطْحَنَهُ أَوْ يَعْصِرَهُ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا فِيهِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُمَلِّكَهُ ذَلِكَ فَيُمَلِّكَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْدِثُ فِيهِ عَمَلًا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَصِيرَ شَرِيكَهُ فِيهِ، فَإِذَا عَمِلَ فِيهِ سَلَّمَ إلَيْهِ حِصَّتَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ خَافَ الْأَجِيرُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ وَيَتَسَلَّمَ الْجَمِيعَ، وَلَا يُعْطِيَهُ أُجْرَتَهُ؛ فَالْحِيلَةُ فِي أَمْنِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَصْلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْعَمَلِ، فَإِذَا أَحْدَثَ فِيهِ الْعَمَلَ فَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَهَكَذَا الْحِيلَةُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ حِيلَةٌ جَائِزَةٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقٍّ، وَلَا تَحْرِيمَ حَلَالٍ، وَلَا تَحْلِيلَ حَرَامٍ.
[الْمِثَالُ التِّسْعُونَ حِيلَةٌ فِي إسْقَاطِ الْمُحَلِّلِ فِي السِّبَاقِ]
[حِيلَةٌ فِي إسْقَاطِ الْمُحَلِّلِ فِي السِّبَاقِ]
الْمِثَالُ التِّسْعُونَ: إذَا خَرَجَ الْمُتَسَابِقَانِ فِي النِّضَالِ مَعًا جَازَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ،، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ فَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُحَلِّلٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ عَنْ الصِّدِّيقِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمُحَلِّلٍ، عَلَى تَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْمُحَلِّلِ وَحُكْمِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِنَا الْكَبِيرِ فِي الْفُرُوسِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَكَرْنَا فِيهِ وَفِي كِتَابِ: " بَيَانِ الِاسْتِدْلَالِ،
стр. 925
عَلَى بُطْلَانِ اشْتِرَاطِ مُحَلِّلِ السِّبَاقِ وَالنِّضَالِ " بَيَانَ بُطْلَانِهِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَجْهًا، وَبَيَّنَّا ضَعْفَ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ اشْتَرَطَهُ، وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي ضَعْفِهِ، وَعَدَمِ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ وَجْهِ الْحِيلَةِ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يُقْنَعُ بِهَذَا قَالُوا وَهَكَذَا فِي الْكِتَابِ؛ فَالْحِيلَةُ عَلَى تَخَلُّصِ الْمُتَسَابِقَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ مِنْهُ أَنْ يُمَلِّكَا الْعِوَضَيْنِ لِثَالِثٍ يَثِقَانِ بِهِ، وَيَقُولُ الثَّالِثُ: أَيُّكُمَا سَبَقَ فَالْعِوَضَانِ لَهُ، وَإِنْ جِئْتُمَا مَعًا فَالْعِوَضَانِ بَيْنَكُمَا؛ فَيَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ لَيْسَتْ حِيلَةً عَلَى جَوَازِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ، وَلَا تَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقٍّ، وَلَا تُدْخِلُ فِي مَأْثَمٍ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ حِيلَةٌ فِي اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ]
[اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ]
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ: يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ فَوْقَ ثَلَاثٍ عَلَى أَصَحِّ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ عَلَى تَفَاصِيلَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِهِ؛ لِكَوْنِ الْمَبِيعِ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْلَامُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ أَوْ لَغَيْبَةِ مَنْ يُشَاوِرُهُ وَيَثِقُ بِرَأْيِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ الْمَحْضُ جَوَازُهُ كَمَا يَجُوزُ تَأْجِيلُ الثَّمَنِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَالشَّارِعُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَدًّا فَاصِلًا بَيْنَ مَا يَجُوزُ مِنْ الْمُدَّةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَجَعَلَهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْلَبُ فِي الْبُيُوعِ، فَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثًا فِي كُلِّ سِلْعَةٍ يَشْتَرِيهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَازَ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ فَالْمَخْرَجُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا، فَإِذَا قَارَبَ انْقِضَاءَ الْأَجَلِ فَسَخَهُ ثُمَّ اشْتَرَطَ ثَلَاثًا، وَهَكَذَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُدْخِلُ فِي بَاطِلٍ، وَلَا تُخْرِجُ مِنْ حَقٍّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحِيلَةِ عَلَى إيجَارِ الْوَقْفِ مِائَةَ سَنَةٍ، وَقَدْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَحَيَّلَ عَلَى إيجَارِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
[الْمِثَالُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ حِيلَةٌ فِي الرَّهْنِ]
[حِيَلٌ فِي الرَّهْنِ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ رَجُلًا مَالًا وَيَأْخُذَ مِنْهُ رَهْنًا، فَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ الرَّهْنُ فَيَسْقُطُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ، فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي يُرِيدُ ارْتِهَانَهَا بِالْمَالِ الَّذِي يُقْرِضُهُ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُقْبِضْهُ، فَإِنْ وَثِقَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ تَرَكَهُ عِنْدَهُ، فَإِنْ تَلِفَ تَلِفَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ بَقِيَ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ أَقَالَهُ الْبَائِعُ.
стр. 926
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْعَيْنَ قَبْلَ الْقَرْضِ، ثُمَّ يُقْرِضَهُ، وَهِيَ عِنْدَهُ؛ فَهِيَ فِي الظَّاهِرِ وَدِيعَةٌ، وَفِي الْبَاطِنِ رَهْنٌ، فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَسْقُطْ بِهَلَاكِهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ.
فَإِنْ خَافَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ إذَا وَفَّاهُ حَقَّهُ لَمْ يُقِلْهُ الْبَيْعَ، فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْخِيَارَ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَفِّيهِ فِيهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
فَإِنْ خَافَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُسْتَحَقَّ الرَّهْنُ أَوْ بَعْضُهُ، فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ دَرْكَ الرَّهْنِ غَيْرَ الرَّاهِنِ، أَوْ يُشْهِدُ عَلَى مَنْ يَخْشَى دَعْوَاهُ الِاسْتِحْقَاقَ بِأَنَّهُ مَتَى ادَّعَاهُ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً، أَوْ يُضَمِّنَهُ الدَّرَكَ لِنَفْسِهِ.
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ بَيْعُ الثَّمَرِ وَقَدْ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضِهِ الْآخَرِ]
[بَيْعُ الثَّمَرِ، وَقَدْ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضِهِ الْآخَرِ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الشَّجَرَةِ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ النَّوْعِ كُلِّهِ فِي الْبُسْتَانِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْبُسْتَانِ كُلِّهِ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلَاحُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، تَقَارَبَ إدْرَاكُهُ وَتَلَاحَقَ أَمْ تَبَاعَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِيَالِ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا خَرَجَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا أَوْ خَرَجَ الْجَمِيعُ وَبَعْضُهُ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ دُونَ بَعْضٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمُتَقَوِّمِ وَغَيْرِهِ، فَتَصِيرُ حِصَّةُ الْمَوْجُودِ الْمُتَقَوِّمِ مَجْهُولَةً فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَبَعْضُ الشُّيُوخِ كَانَ يُفْتِي بِجَوَازِهِ فِي الثِّمَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا، جَعَلَا الْمَعْدُومَ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ.
وَأَفْتَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِجَوَازِهِ فِي الْوَرْدِ لِسُرْعَةِ تَلَاحُقِهِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
قَالُوا: فَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأُصُولَ، وَهَذَا قَدْ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا، قَالُوا: فَالْحِيلَةُ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَوْجُودَ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ مَا يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ أَيْضًا قَدْ تَتَعَذَّرُ؛ إذْ قَدْ يَرْجِعُ فِي الْإِبَاحَةِ، وَإِنْ جُعِلَتْ هِبَةً فَهِبَةُ الْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى الثَّمَرَةِ مِنْ كُلِّ أَلْفِ جُزْءٍ عَلَى جُزْءٍ - مَثَلًا - لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَهُمْ، وَتَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ آجَرَهُ الشَّجَرَةَ؛ لِأَخْذِ ثَمَرَتِهَا لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ فَالْحِيلَةُ إذًا أَنْ يَبِيعَهُ الثَّمَرَةَ الْمَوْجُودَةَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ، وَلَا يَذْكُرُ سَبَبَ الْحُدُوثِ، وَلَهُمْ حِيلَةٌ أُخْرَى فِيمَا إذَا بَدَتْ الثِّمَارُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ يَشْتَرِيَهَا وَيُطْلِقَ، وَيَكُونَ الْقَطْعُ [هُوَ] مُوجِبُ الْعَقْدِ، ثُمَّ يَتَّفِقَانِ عَلَى التَّبْقِيَةِ إلَى وَقْتِ الْكَمَالِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَخْرَجَ بِبَيْعِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهَا أَوْ بِإِجَارَةِ الشَّجَرِ أَوْ بِالْمُسَاقَاةِ أَقْرَبُ إلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
стр. 927
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ حِيلَةٌ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ]
حِيلَةٌ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِضَاعَةً، وَتِلْكَ الْبِضَاعَةُ عِنْدَ الْوَكِيلِ، وَهِيَ رَخِيصَةٌ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمَا تُسَاوِيهِ بَيْعًا تَامًّا صَحِيحًا لِأَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ إنْ شَاءَ اشْتَرَاهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِمُوَكِّلِهِ، وَلَكِنْ تَدْخُلُ هَذِهِ الْحِيلَةُ سَدًّا لِلذَّرَائِعِ؛ إذْ قَدْ يَتَّخِذُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ يَبِيعَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا تُسَاوِي فَيَكُونُ قَدْ غَشَّ الْمُوَكِّلَ، وَيَظْهَرُ هَذَا إذَا اشْتَرَاهَا بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا؛ فَيَكُونُ قَدْ غَرَّ الْمُوَكِّلَ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى الْحَالِ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَهُ غُرُورًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْضَهُ لَمْ يَجُزْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ: مُقَابَلَةُ الْمَكْرِ بِالْمَكْرِ]
[مُقَابَلَةُ الْمَكْرِ بِالْمَكْرِ]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا اشْتَرَى مِنْهُ دَارًا، وَخَافَ احْتِيَالَ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَّكَهَا لِبَعْضِ وَلَدِهِ فَيَتْرُكُهَا فِي يَدِهِ مُدَّةً ثُمَّ يَدَّعِيهَا عَلَيْهِ وَيَحْسِبُ سُكْنَاهَا بِثَمَنِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُخَادِعُونَ الْمَاكِرُونَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَحْتَالَ لِنَفْسِهِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَلِ، مِنْهَا أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ الدَّرَكُ، وَمِنْهَا: أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ فِي الدَّارِ كَانَتْ دَعْوَى بَاطِلَةً، وَكُلُّ بَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا زُورٌ، وَمِنْهَا: أَنْ يُضَمِّنَ الدَّرَكَ لِرَجُلٍ مَعْرُوفٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهَا أَضْعَافَ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَشْهَدَ بِهِ، مِثَالُهُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَيَشْتَرِيهَا بِعَشْرَةِ آلَافٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِالْعَشَرَةِ آلَافٍ سِلْعَةً ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِالْأَلْفِ، وَهِيَ الثَّمَنُ، فَيَأْخُذُ الْأَلْفَ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّمَنَ عَشْرَةُ آلَافٍ، وَأَنَّهُ قَبَضَهُ، وَبَرِئَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ آلَافٍ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمُقَابَلَةُ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ وَالْمَكْرِ بِالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ بِالْخِدَاعِ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا، بَلْ مَأْمُورًا بِهِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ حِيلَةٌ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ]
[حِيلَةٌ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالِ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ، فَأَدَّى إلَيْهِ مُعْظَمَهُ، ثُمَّ جَحَدَ السَّيِّدُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ نَفْسَهُ، وَلِلسَّيِّدِ فِي يَدِ الْعَبْدِ مَالٌ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِهِ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يُشْهِدَ الْعَبْدُ فِي السِّرِّ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ وَفَّى لَهُ سَيِّدُهُ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ وَفَّى لَهُ الْعَبْدُ، وَسَلَّمَهُ مَالَهُ، وَإِنْ غَدَرَ بِهِ تَمَكَّنَ الْعَبْدُ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ، وَإِخْرَاجِ الْمَالِ عَنْ يَدِهِ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ لَا تَتَأَتَّى عَلَى أَصْلِ مَنْ يَمْنَعُ مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ، وَلَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا، فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا ظَلَمَهُ بِجَحْدِهِ حَقَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَظْلِمَهُ بِمَنْعِهِ مَالَهُ، وَأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَيُقَابِلُ الظُّلْمَ بِالظُّلْمِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْهُ فَائِدَةٌ، وَلَكِنَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنَّ السَّيِّدَ مَتَى
стр. 928
عَلِمَ بِصُورَةِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ مَتَى جَحَدَهُ الْبَيْعَ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ بِالْإِقْرَارِ الَّذِي يُظْهِرُهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ جُحُودِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَمْسَكَ وَلَدَ غَيْرِهِ؛ لِيَقْتُلَهُ فَظَفِرَ هُوَ بِوَلَدِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ فَأَمْسَكَهُ، وَأَرَاهُ أَنَّهُ إنْ قَتَلَ وَلَدَهُ قَتَلَ هُوَ وَلَدَهُ أَيْضًا، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَخَافُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ لَا يُقِرَّ لَهُ بِالْمَالِ وَيُقِرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ يَتَوَاطَآنِ عَلَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبْدَأَ السَّيِّدُ فَيَبِيعَ الْعَبْدَ لِأَجْنَبِيٍّ فِي السِّرِّ، وَيُشْهِدَ عَلَى بَيْعِهِ، ثُمَّ يَبِيعَ الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا قَبَضَ الْمَالَ فَأَظْهَرَ الْعَبْدُ إقْرَارًا بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ أَظْهَرَ السَّيِّدُ أَنَّ بَيْعَهُ لِنَفْسِهِ كَانَ بَاطِلًا، وَأَنَّ فُلَانًا الْأَجْنَبِيَّ قَدْ اشْتَرَاهُ، فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ عِتْقَهُ يَبْطُلُ، وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ امْتَنَعَ مِنْ التَّحَيُّلِ عَلَى إخْرَاجِ مَالِ السَّيِّدِ عَنْهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْحِيلَةِ إذَا أَرَادَ ظَالِمٌ أَخْذَ دَارِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، ثُمَّ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ يُظْهِرَ أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِهِ حَاكِمٌ يَرَى صِحَّةَ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَصِحَّةَ اسْتِثْنَاءِ الْغَلَّةِ لَهُ وَحْدَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَصِحَّةَ وَقْفِهِ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَحَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ.
[الْحِيَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ]
وَحِيَلُ هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: حِيلَةٌ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ وَالْمَكْرِ حَتَّى لَا يَقَعَ، وَحِيلَةٌ عَلَى رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَحِيلَةٌ عَلَى مُقَابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فَالنَّوْعَانِ الْأَوَّلَانِ جَائِزَانِ، وَفِي الثَّالِثِ تَفْصِيلٌ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ إنْ كَانَ الْمُتَحَيَّلُ بِهِ حَرَامًا لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، كَمَا لَوْ جَرَّعَهُ الْخَمْرَ أَوْ زَنَى بِحُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَهُ فِي مَالِهِ، وَقَدَرَ عَلَى ظُلْمِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الظَّفَرِ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِيهَا قَوْمٌ حَتَّى أَفْرَطُوا وَجَوَّزُوا قَلْعَ الْبَابِ، وَنَقْبَ الْحَائِطِ وَخَرْقَ السَّقْفِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِمُقَابَلَتِهِ بِأَخْذِ نَظِيرِ مَالِهِ، وَمَنَعَهَا قَوْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ إلَّا بِإِعْلَامِهِ بِهِ، وَتَوَسَّطَ آخَرُونَ وَقَالُوا: إنْ كَانَ سَبَبُ الْحَقِّ ظَاهِرًا كَالزَّوْجِيَّةِ وَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ الْمُوجِبِ لِلْإِنْفَاقِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ إعْلَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا كَالْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ إلَّا بِإِعْلَامِهِ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ دَلَالَةً صَرِيحَةً؛ وَالْقَائِلُونَ بِهِ أَسْعَدُ بِهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَإِنْ كَانَ بَهْتًا لَهُ وَكَذِبًا عَلَيْهِ أَوْ قَذْفًا لَهُ أَوْ شَهَادَةً عَلَيْهِ بِالزُّورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ
стр. 929
كَانَ دُعَاءً عَلَيْهِ أَوْ لَعْنًا أَوْ مَسَبَّةً فَلَهُ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ مَنَعَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ إتْلَافُ مَالٍ لَهُ فَإِنْ كَانَ مُحْتَرَمًا كَالْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَإِنْ خَافَ تَعَدِّيَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَوْ حَرَقَ دَارِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْرِقَ دَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ - بَلْ كَانَ يَفْعَلُ بِهِ نَظِيرَ مَا فَعَلَ بِهِ سَوَاءٌ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَجَرَتَهُ أَوْ كَسَرَ إنَاءَهُ أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ أَوْ حَلَّ وِكَاءَ مَائِعٍ لَهُ أَوْ أَرْسَلَ الْمَاءَ عَلَى مِسْطَاحِهِ فَذَهَبَ بِمَا فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمْكَنَهُ مُقَابَلَتُهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ سَوَاءٌ - فَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ كِتَابٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ، بَلْ الْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْتَضِي جَوَازَهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
وَكَانَ شَيْخُنَا ﵁ يُرَجِّحُ هَذَا وَيَقُولُ: هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ إتْلَافِ طَرَفِهِ بِطَرَفِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ]
[فِي الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ: الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَلَا يُمْكِنُ الضَّامِنُ وَالْكَفِيلُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مَتَى شَاءَ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْكَفَالَةَ تُوجِبُ ضَمَانَ الْمَالِ إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوَقِّتْهَا بِمُدَّةٍ فَيَقُولُ: ضَمِنْتُهُ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ شَهْرًا أَوْ جُمُعَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَصِحُّ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَيِّدَهَا بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان فَيَقُولُ: ضَمِنْتُهُ أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ مَا دَامَ فِي هَذَا الْبَلَدِ أَوْ فِي هَذَا السُّوقِ.
الثَّالِثِ: أَنْ يُعَلِّقَهَا عَلَى شَرْطٍ فَيَقُولُ: ضَمِنْت أَوْ كَفَلْت إنْ رَضِيَ فُلَانٌ، أَوْ يَقُولُ: ضَمِنْت مَا عَلَيْهِ إنْ كَفَلَ فُلَانٌ بِوَجْهِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الرَّابِعِ: أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ حَتَّى يَتَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ الْأَصِيلِ، فَيَجُوزُ هَذَا الشَّرْطُ، بَلْ هُوَ حُكْمُ الضَّمَانِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ؛ فَلَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ حَتَّى يَتَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ الْأَصِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
الْخَامِسِ: أَنْ يَقُولَ: كَفَلْت بِوَجْهِهِ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُحْضِرْهُ بَلْ يَلْزَمُ بِإِحْضَارِهِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ.
السَّادِسِ: أَنْ يُطَالِبَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ؛ لِيَبْرَأَ هُوَ مِنْ الضَّمَانِ إذَا كَانَ قَدْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَيَكُونُ خَصْمًا فِي الْمُطَالَبَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَإِنْ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ [عَلَيْهِ] مُطَالَبَتُهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ، فَإِنْ أَدَّاهُ عَنْهُ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ حِينَئِذٍ.
стр. 930
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بِالشَّرْطِ]
تَعْلِيقُ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بِالشَّرْطِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ: إذَا كَانَ لَهُ دَارَانِ فَاشْتَرَى مِنْهُ إحْدَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ إنْ اُسْتُحِقَّتْ فَالدَّارُ الْأُخْرَى لَهُ بِالثَّمَنِ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ إذْ غَايَتُهُ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ، وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا رَهَنَ نَعْلَهُ، وَشَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِفِكَاكِهَا إلَى وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بِمَا عَلَيْهَا، وَنَصَّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ فَالْبَيْعُ أَوْلَى، وَنَصَّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ التَّوْلِيَةِ بِالشَّرْطِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ نَصًّا لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ،، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ عِنْدَ الْكُلِّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي الدَّارَ الْأُخْرَى الَّتِي لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا، وَيَقْبِضَهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهَا الدَّارَ الَّتِي يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَيُسَلِّمَهَا إلَيْهِ، وَيَتَسَلَّمَ دَارِهِ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ هَذِهِ الدَّارُ عَلَيْهِ رَجَعَ فِي ثَمَنِهَا، وَهُوَ الدَّارُ الْأُخْرَى، وَهَذِهِ حِيلَةٌ لَطِيفَةٌ جَائِزَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقٍّ، وَلَا دُخُولًا فِي بَاطِلٍ، وَهِيَ مِثَالٌ لِمَا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِمَّا يَخَافُ اسْتِحْقَاقَهُ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْبَائِعِ أَخْذُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ: رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً أَوْ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ]
ٍ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ تُسْتَحَقَّ أَوْ تَخْرُجَ مَعِيبَةً فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ، وَلَا الرَّدُّ، فَإِنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ ": أَنَا أُوَكِّلُ مَنْ تَعْرِفُهُ فِيمَا تَدَّعِي بِهِ مِنْ عَيْبٍ أَوْ رُجُوعٍ " لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ وَيَعْزِلَهُ فَيَذْهَبَ حَقُّهُ، فَالْحِيلَةُ فِي التَّوَثُّقِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ، وَيَضْمَنَ لَهُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الدَّرَكَ، وَيَكُونَ وَكِيلًا لِهَذَا الَّذِي تَوَلَّى الْبَيْعَ، فَيُمْكِنُ لِلْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ مُطَالَبَةُ هَذَا الَّذِي تَوَلَّى الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ وَيَأْمَنُ مَا يَحْذَرُهُ.
[الْمِثَالُ الْمُوَفِّي الْمِائَة رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرِ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَان بِكَذَا وَكَذَا وَأَنَا أُرْبِحُك فِيهَا كَذَا وَكَذَا]
الْمِثَالُ الْمُوَفِّي الْمِائَةَ: رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ: " اشْتَرِ هَذِهِ الدَّارَ - أَوْ هَذِهِ السِّلْعَةَ مِنْ فُلَانٍ - بِكَذَا وَكَذَا، وَأَنَا أُرْبِحُك فِيهَا كَذَا وَكَذَا " فَخَافَ إنْ اشْتَرَاهَا أَنْ يَبْدُوَ لِلْآمِرِ فَلَا يُرِيدُهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلْآمِرِ: قَدْ اشْتَرَيْتهَا بِمَا ذَكَرْت، فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْبَائِعِ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهَا الْآمِرُ إلَّا بِالْخِيَارِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ خِيَارًا أَوْ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ الْخِيَارِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا هُوَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِيَتَّسِعَ لَهُ زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ.
[الْمِثَالُ الْحَادِي بَعْدَ الْمِائَة اشْتَرَى مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا فَخَافَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا]
الْمِثَالُ الْحَادِي بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا اشْتَرَى مِنْهُ جَارِيَةً أَوْ سِلْعَةً ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا فَخَافَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا وَكَذَا أَنْ يُنْكِرَ الْبَائِعُ قَبْضَ الثَّمَنِ، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ يُنْكِرَ الْبَيْعَ وَيَسْأَلَهُ تَسْلِيمَ الْجَارِيَةِ إلَيْهِ، فَالْحِيلَةُ الَّتِي تُخَلِّصُهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ أَوَّلًا
стр. 931
فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِاسْتِحْقَاقِ ثَمَنِهَا، وَلَا يُعَيِّنُ السَّبَبَ، فَإِنْ أَقَرَّ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الثَّمَنُ، فَإِمَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَوْ يُحَلِّفَهُ
[الْمِثَال الثَّانِي بَعْدَ الْمِائَةِ: لَهُ مَالٌ حَالٌّ فَأَبَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ حَتَّى يُصَالِحَهُ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ يُؤَجِّلَهُ]
الْمِثَالُ الثَّانِي بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ حَالٌّ فَأَبَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ حَتَّى يُصَالِحَهُ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ يُؤَجِّلَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَأَرَادَ حِيلَةً يَتَوَسَّلُ بِهَا إلَى أَخْذِ مَالِهِ كُلِّهِ حَالًّا، وَيُبْطِلُ الصُّلْحَ وَالتَّأْجِيلَ فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يُوَاطِئَ رَجُلًا يَدَّعِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَيُقِرَّ لَهُ بِهِ، وَيَصِحَّ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَالُ مُضَارَبَةً فَيَصِيرُ دُيُونًا عَلَى النَّاسِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِهِ لَهُ لَضَاعَ مَالُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ إنَّ فِي الرِّعَايَةِ وَلَوْ قَالَ: دِينِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو احْتَمَلَ الصِّحَّةَ، وَالْبُطْلَانُ أَظْهَرُ؛ فَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَضَافَ الدَّيْنَ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ لِعَمْرٍو، فَيَصِيرُ نَظِيرَ مَا لَوْ قَالَ: مِلْكِي كُلُّهُ لِعَمْرٍو، أَوْ دَارِي هَذِهِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلتَّنَاقُضِ وَيَصِحُّ هِبَةً، فَأَمَّا إذَا قَالَ: " هَذَا الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو يَسْتَحِقُّهُ دُونِي " صَحَّ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ قَالَ ": هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، أَوْ هَذَا الثَّوْبُ لَهُ " عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ أَضَافَ الدَّيْنَ أَوْ الْعَيْنَ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَصْدُقُ مَعَ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ.
فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ دَارُ فُلَانٍ، إذَا كَانَ سَاكِنُهَا بِالْأُجْرَةِ، وَيَقُولُ الْمُضَارِبُ: دِينِي عَلَى فُلَانٍ، وَهَذَا الدَّيْنُ لِفُلَانٍ، يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَالْمُخَاصَمَةَ فِيهِ، فَالْإِضَافَةُ تَصْدُقُ بِدُونِ هَذَا، ثُمَّ يَأْتِي صَاحِبُ الْمَالِ إلَى مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ فَيُصَالِحُهُ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ يُؤَجِّلُهُ ثُمَّ يَجِيءُ الْمُقَرُّ لَهُ فَيَدَّعِي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ بِجُمْلَتِهِ حَالًّا، فَإِذَا أَظْهَرَ كِتَابَ الصُّلْحِ وَالتَّأْجِيلِ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْمُصَالِحُ، فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ إنَّمَا أَقَرَّ بِاسْتِحْقَاقِ غَرِيمِهِ الدَّيْنَ مُؤَجَّلًا أَوْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْهُ فَقَطْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ.
[الْحِيلَةُ فِي إيدَاعِ الشَّهَادَةِ]
[إيدَاعُ الشَّهَادَةِ]
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْحِيلَةِ حِيلَةُ إيدَاعِ الشَّهَادَةِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْخَصْمُ: لَا أُقِرُّ لَك حَتَّى تُبْرِئَنِي مِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ أَوْ ثُلُثِهِ، وَأُشْهِدَ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، فَيَأْتِي صَاحِبُ الْحَقِّ إلَى رَجُلَيْنِ فَيَقُولُ: اشْهَدَا أَنِّي عَلَى طَلَبِ حَقِّي كُلِّهِ مِنْ فُلَانٍ، وَأَنِّي لَمْ أُبْرِئْهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُظْهِرَ مُصَالَحَتَهُ عَلَى بَعْضِهِ؛ لِأَتَوَصَّلَ بِالصُّلْحِ إلَى أَخْذِ بَعْضِ حَقِّي، وَأَنِّي إذَا أَشْهَدْت أَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ سِوَى مَا صَالَحَنِي عَلَيْهِ فَهُوَ إشْهَادٌ بَاطِلٌ، وَأَنِّي إنَّمَا أَشْهَدْت عَلَى ذَلِكَ تَوَصُّلًا إلَى أَخْذِ بَعْضِ حَقِّي؛ فَهَذِهِ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ إيدَاعِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ بَقَاءَهُ عَلَى حَقِّهِ، وَيُقِيمَ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَجَارٍ عَلَى أُصُولِهِ.
فَإِنَّ لَهُ التَّوَصُّلَ إلَى حَقِّهِ بِكُلِّ
стр. 932
طَرِيقٍ جَائِزٌ، بَلْ لَا يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا مَظْلُومٌ تَوَصَّلَ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ بِطَرِيقٍ لَمْ يُسْقِطْ بِهَا حَقًّا لِأَحَدٍ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ؛ فَلَا خَرَجَ بِهَا مِنْ حَقٍّ، وَلَا دَخَلَ بِهَا فِي بَاطِلٍ.
وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، فَيَجْحَدُهُ وَيَأْبَى أَنْ يُقِرَّ بِهِ حَتَّى تُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَطَرِيقُ الْحِيلَةِ أَنْ تُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَةَ فُلَانٍ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ إقْرَارًا كَاذِبًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى أَخْذِ مَالِي عِنْدَهُ، فَاشْهَدُوا أَنَّ إقْرَارِي بِالزَّوْجِيَّةِ بَاطِلٌ أَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّي.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا أَنْ يُنْكِرَ نَسَبَ أَخِيهِ، وَيَأْبَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ حَتَّى يُشْهِدَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ شَيْئًا، وَأَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ جَمِيعَ مَا يَخُصُّهُ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهُ قَبَضَهُ أَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيُودِعُ الشَّهَادَةَ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ، وَأَنَّهُ يُظْهِرُ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ تَوَصُّلًا إلَى إقْرَارِ أَخِيهِ بِنَسَبِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَبْرَأَ أَخَاهُ، وَلَا عَاوَضَهُ، وَلَا وَهَبَهُ.
[الْحِيلَةُ فِي إقْرَارِ الْمُضْطَهَدِ]
[إقْرَارُ الْمُضْطَهَدِ]
وَهَذَا يُشْبِهُ إقْرَارَ الْمُضْطَهَدِ الَّذِي قَدْ اُضْطُهِدَ وَدُفِعَ عَنْ حَقِّهِ حَتَّى يُسْقِطَ حَقًّا آخَرَ، وَالسَّلَفُ كَانُوا يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذَا مُضْطَهَدًا، كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَأَرَادَ سَفَرًا، فَأَخَذَهُ أَهْلُهَا، فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ، فَجَاءَ الْأَجَلُ، وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ، فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَقَالَ: اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ، فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُضْطَهَدِ وَالْمُكْرَهِ] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ، وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ
стр. 933
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَوْ حَلَفَ أَوْ وَهَبَ أَوْ صَالَحَ لَا عَنْ رِضًا مِنْهُ، وَلَكِنْ مُنِعَ حَقُّهُ إلَّا بِذَلِكَ، فَهُوَ بِالْمُكْرَهِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمُخْتَارِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ.
وَمَنْ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمَعْرِفَةٌ بِمَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا، وَكَانَ الْإِنْصَافُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ التَّعَصُّبِ وَالْهَوَى، وَالْعِلْمُ وَالْحُجَّةُ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَكَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ نَفَائِسِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ لَا يَرَى الْإِحْسَانَ إلَّا إسَاءَةً، وَلَا الْهُدَى إلَّا الضَّلَالَةَ.
فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ لِلشَّمْسِ أَعْيُنٌ ... سِوَاكِ تَرَاهَا فِي مَغِيبٍ وَمَطْلَعِ
وَسَامِحْ نُفُوسًا بِالْقُشُورِ قَدْ ارْتَضَتْ ... وَلَيْسَ لَهَا لِلُّبِّ مِنْ مُتَطَلَّعِ
[الْمِثَالُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْمِائَة حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى ثَمَنِهَا وَأُجْرَتِهَا]
[حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى ثَمَنِهَا وَأُجْرَتِهَا] الْمِثَالُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْمِائَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ حَبْسَ السِّلْعَةِ عَلَى ثَمَنِهَا؟ وَهَلْ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ حَبْسَ الْعَيْنِ بَعْدَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُجْرَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يَمْلِكُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَالثَّالِثُ: يَمْلِكُ حَبْسَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى عَمَلِهَا، وَلَا يَمْلِكُ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَمَلَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ، وَلِهَذَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ؛ فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرِيكٌ لِمَالِكِ الْعَيْنِ بِعَمَلِهِ، فَأَثَرُ عَمَلِهِ قَائِمٌ بِالْعَيْنِ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَصَارَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ تَعَلُّقٌ بِالْعَيْنِ، وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا قَالَ: الْأُجْرَةُ قَدْ صَارَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ رَهْنُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا، فَلَا يَمْلِكُ حَبْسَهَا.
وَعَلَى هَذَا فَالْحِيلَةُ فِي الْحَبْسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى يَصِلَ إلَى حَقِّهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ رَهْنَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى أُجْرَتِهَا، فَيَقُولُ: رَهَنَتْك هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ، وَهِيَ كَذَا وَكَذَا، وَهَكَذَا فِي الْمَبِيعِ يَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَهْنَهُ عَلَى ثَمَنِهِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا مَعْنًى، وَلَا مَأْخَذًا قَوِيًّا يَمْنَعُ صِحَّةَ هَذَا الشَّرْطِ وَالرَّهْنِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنَ عَيْنٍ أُخْرَى عَلَى الثَّمَنِ جَازَ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ جَوَازَ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ؟ .
стр. 934
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْبِضَهُ أَوْ لَا يَقْبِضَهُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَصِحُّ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ عَبْدًا لِغَيْرِهِ يَشْتَرِيَهُ وَيَرْهَنَهُ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ الرَّهْنُ بَعْدَ مِلْكِهِ، وَاشْتِرَاطُهُ قَبْلَ الْمِلْكِ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ رَهْنِ الْمِلْكِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ رَهْنِ عَبْدِ زَيْدٍ أَنَّ اشْتِرَاطَ رَهْنِ عَبْدِ زَيْدٍ [غَرَرٌ] قَدْ يُمْكِنُ، وَقَدْ لَا يُمْكِنُ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ إنْ تَمَّ الْعَقْدُ صَارَ الْمَبِيعُ رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ثَمَنَ يُحْبَسُ عَلَيْهِ الرَّهْنُ، فَلَا غَرَرَ أَلْبَتَّةَ؛ فَالْمَنْصُوصُ أَفْقَهُ، وَأَصَحُّ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ " لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ " أَلْزَمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَنْصُوصِ أَحْمَدَ.
لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ، فَفِي إجْبَارِ الْبَائِعِ عَلَى التَّسْلِيمِ قَبْلَ حُضُورِ الثَّمَنِ، وَتَمْكِينِهِ مِنْ قَبْضِهِ إضْرَارٌ بِهِ، فَإِذَا [كَانَ] مَلَكَ حَبْسَهُ عَلَى ثَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مَعَ الشَّرْطِ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَقَوْلُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ أَحْمَدَ وَالْقِيَاسِ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ثُمَّ يَرْهَنَهُ عَلَى ثَمَنِهِ عِنْدَ بَائِعِهِ فَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: وَالرَّهْنُ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَرَطَا رَهْنَهُ قَبْلَ مِلْكِهِ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، وَعَلَّلَهُ أَيْضًا بِتَعْلِيلٍ آخَرَ فَقَالَ: إطْلَاقُ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ، وَالرَّهْنُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَهُ مِنْ عَيْنِهِ إنْ كَانَ عَيْنًا أَوْ ثَمَنَهُ إنْ كَانَ عَرَضًا فَيَتَضَادَّا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، فَيُقَالُ: الْمَحْذُورُ مِنْ التَّضَادِّ إنَّمَا هُوَ التَّدَافُعُ بِحَيْثُ يَدْفَعُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَضَادَّيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ الْآخَرَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْفَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَا مَحْذُورَ، وَالْبَائِعُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُؤَدِّيَهُ إيَّاهُ مِنْ عَيْنِ الْمَبِيعِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُقْبِضَهُ ثَمَنَهُ مِنْهُ.
وَغَايَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ، فَأَيُّ تَدَافُعٍ، وَأَيُّ تَنَافٍ هُنَا؟ : وَأَمَّا قَوْلُهُ " إطْلَاقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِلثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ " فَيُقَالُ: بَلْ إطْلَاقُهُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الثَّمَنِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ الْمُشْتَرِي، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَلَكَ أَنْ يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ ثَمَنًا كَمَا اسْتَوْفَاهُ مَبِيعًا، كَمَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ ذَلِكَ ثُمَّ وَفَّاهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ.
стр. 935
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: إذَا حَبَسَ السِّلْعَةَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَهُوَ غَاصِبٌ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ الرَّهْنَ، فَظَاهِرُ هَذَا إنْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَبِيعِ رَهْنًا [فِي حَالِ الْعَقْدِ أَصَحُّ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ رَهْنًا] غَيْرَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ رَهْنِ الْبَيْعِ اشْتِرَاطُ تَعْوِيقِ التَّسْلِيمِ فِي الْمَبِيعِ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى مُنَافَاةُ مَا قَالَهُ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي صُورَةِ حَبْسِ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ، فَقَالَ: " هُوَ غَاصِبٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ الرَّهْنَ " أَيْ: فَلَا يَكُونُ غَاصِبًا بِحَبْسِ السِّلْعَةِ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ إذَا حَبَسَ السِّلْعَةَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَهُوَ غَاصِبٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ لَهُ رَهْنًا آخَرَ غَيْرَ الْمَبِيعِ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا يَرْتَبِطُ أَوَّلُهُ بِآخِرِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ يُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نَصًّا فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " إنَّ اشْتِرَاطَ رَهْنِ الْمَبِيعِ تَعْوِيقٌ لِلتَّسْلِيمِ فِي الْمَبِيعِ " فَيُقَالُ: وَاشْتِرَاطُ التَّعْوِيقِ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْبَائِعِ، وَلَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِيهِ؟ ثُمَّ هَذَا يَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْوِيقًا لِلْمُشْتَرِي عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ، وَبِاشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي تَأْجِيلَ الثَّمَنِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْوِيقًا لِلْبَائِعِ عَنْ تَسَلُّمِهِ أَيْضًا، وَيَبْطُلُ عَلَى أَصْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَصْحَابِهِ بِاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ انْتِفَاعَهُ بِالْمَبِيعِ مُدَّةً يَسْتَثْنِيهَا؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْوِيقًا لِلتَّسْلِيمِ، وَيَبْطُلُ أَيْضًا بِبَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا قَبْلَ قَبْضِهِ تَدَافَعَ مُوجِبُ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، فَإِنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ تَلَفُهُ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَمُوجِبُ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ تَلَفُهُ قَبْلَ التَّمْكِينِ مِنْ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَإِذَا تَلِفَ هَذَا الرَّهْنُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ، فَمِنْ ضَمَانِ أَيِّهِمَا يَكُونُ؟ قِيلَ: هَذَا السُّؤَالُ أَقْوَى مِنْ السُّؤَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَالتَّدَافُعُ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْ التَّدَافُعِ فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي، وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الضَّمَانَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ كَانَ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا كَانَ، وَلَا يُزِيلُ هَذَا الضَّمَانَ إلَّا تَمَكُّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَبْضِ، فَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَبْضِهِ فَهُوَ
стр. 936
مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا كَانَ، وَحَبْسُهُ إيَّاهُ عَلَى ثَمَنِهِ لَا يُدْخِلُهُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَجْعَلُهُ مَقْبُوضًا لَهُ كَمَا لَوْ حَبَسَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ قَالَ: " إنَّهُ إذَا حَبَسَهُ عَلَى ثَمَنِهِ كَانَ غَاصِبًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ فَرَّقَ فِي ضَمَانِهِ بَيْنَ أَنْ يَحْبِسَهُ بِشَرْطٍ أَوْ يَحْبِسَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَعِنْدَكُمْ هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا جَعَلَهُ غَاصِبًا بِالْحَبْسِ، وَالْغَاصِبُ عِنْدَهُ يَضْمَنُ الْعَيْنَ بِقِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا، ثُمَّ يَسْتَوْفِي الثَّمَنَ أَوْ بَقِيَّتَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إذَا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ مِنْهُ أَعَادَهُ إلَيْهِ، فَهَذَا الضَّمَانُ شَيْءٌ، وَضَمَانُ الْغَاصِبِ شَيْءٌ آخَرُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ رَهْنًا وَضَمَانُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؟ قِيلَ: لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَهْنٌ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَبِيعًا لَمْ يَتَمَكَّنْ مُشْتَرِيهِ مِنْ قَبْضِهِ، فَحَقُّ تَوْفِيَتِهِ بَعْدُ عَلَى بَائِعِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ حَبَسَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ؛ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهَا، وَهَذَا يَكُونُ فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَبِيعَهُ دَارًا لَهُ فِيهَا مَتَاعٌ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِيَةِ: أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْبَائِعُ الِانْتِفَاعَ بِالْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَصْلِكُمْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَبْضِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ هَلْ تَكُونُ مِنْ ضَمَانَةِ أَوْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ؟ .
الثَّالِثَةِ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ وَيَمْنَعَهُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، قِيلَ: الضَّمَانُ فِي هَذَا كُلِّهِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَبْضِهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ؟ قِيلَ: بَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ لِوَارِثِهِ]
[إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ لِوَارِثِهِ] الْمِثَالُ الرَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ: إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِلتُّهْمَةِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ بَاطِلٌ، فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَوَصْلِ صَاحِبِ الدَّيْنِ إلَى مَالِهِ؟ فَهَهُنَا وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَ إقْرَارَ بَاقِي الْوَرَثَةِ
стр. 937
بِأَنَّ هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا بَطَلَ؛ لِحَقِّهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِهِ لَزِمَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فَلَهُ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ يُقِرُّ لَهُ بِالْمَالِ فَيَدْفَعُهُ الْأَجْنَبِيُّ إلَى رَبِّهِ.
فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فَلَهُ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً بِقَدْرِ دَيْنِهِ، وَيُقِرُّ الْمَرِيضُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، أَوْ يَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ بِمَحْضَرِ الشُّهُودِ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ تَتِمَّ لَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فَلْيَجْعَلْ الثَّمَنَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ فَيَكُونُ أَمَانَةً فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ، وَيَتَأَوَّلُ أَوْ يَدَّعِي رَدَّهُ إلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُحْضِرَ الْوَارِثُ شَيْئًا ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْ مَوْرُوثِهِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ فَيَقْبِضَهُ وَيَصِيرَ مَالَهُ، ثُمَّ يَهَبَهُ الْمَوْرُوثَ لِأَجْنَبِيٍّ وَيَقْبِضَهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَهَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِلْوَارِثِ، فَإِذَا فُعِلَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ؛ لِيَصِلَ الْمَرِيضُ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، وَالْوَارِثُ إلَى أَخْذِ دَيْنِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ الْإِحَالَةُ بِالدَّيْنِ وَخَوْفُ هَلَاكِ الْمُحَالِ بِهِ]
[الْإِحَالَةُ بِالدَّيْنِ وَخَوْفُ هَلَاكِ الْمُحَالِ بِهِ]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا أَحَالَهُ بِدَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ فَخَافَ أَنْ يَتْوَى مَالُهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تُحَوِّلُ الْحَقَّ وَتَنْقُلُهُ، فَلَهُ ثَلَاثُ حِيَلٍ.
إحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ: أَنَا لَا أَحْتَالُ، وَلَكِنْ أَكُونُ وَكِيلًا لَك فِي قَبْضِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ فَإِنْ اسْتَنْفَقَهُ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ، وَلَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ نَظِيرُهُ فَيَتَقَاصَّانِ، فَإِنْ خَافَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَكِيلُ ضَيَاعَ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَيَعُودَ يُطَالِبُهُ بِحَقِّهِ فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إقْرَارَهُ بِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ قَبْضُهُ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذَا الْحَقِّ أَوْ مِنْ جِهَتِهِ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ حَتَّى يَتَوَصَّلَ إلَى إبْطَالِهِ، بَلْ هُوَ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
الْحِيلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ تَوَى الْمَالُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ فَإِنَّ الْمُحْتَالَ إنَّمَا قَبِلَ الْحَوَالَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزَمَ بِهَا بِدُونِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ قَبِلَ عَقْدَ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الرَّهْنِ أَوْ الضَّمِينِ أَوْ التَّأْجِيلِ أَوْ الْخِيَارِ، أَوْ قَبِلَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِشَرْطِ الضَّمِينِ لِلْأُجْرَةِ أَوْ تَأْجِيلِهَا، أَوْ قَبِلَ عَقْدَ النِّكَاحِ بِشَرْطِ تَأْجِيلِ الصَّدَاقِ، أَوْ قَبِلَ عَقْدَ الضَّمَانِ بِشَرْطِ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ الْحَالِّ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، أَوْ قَبِلَ عَقْدَ الْكَفَالَةِ
стр. 938
بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَوْ قَبِلَ عَقْدَ الْحَوَالَةِ بِشَرْطِ مَلَاءَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْجُورٍ، وَلَا مُمَاطِلٍ، وَأَضْعَافُ أَضْعَافُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا تُحَرِّمُ حَلَالًا، فَإِنَّهَا جَائِزٌ اشْتِرَاطُهَا لَازِمٌ الْوَفَاءُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ نَصًّا وَقِيَاسًا.
وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِصِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ فِي الْحَوَالَةِ، فَقَالُوا، وَاللَّفْظُ لِلْخَصَّافِ: يَجُوزُ أَنْ يَحْتَالَ الطَّالِبُ بِالْمَالِ عَلَى غَرِيمِ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْغَرِيمَ إنْ لَمْ يُوَفِّ الطَّالِبَ هَذَا الْمَالَ إلَى كَذَا وَكَذَا فَالْمَطْلُوبُ ضَامِنٌ لِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَالِهِ، وَلِلطَّالِبِ أَخْذُهُ بِذَلِكَ، وَتَقَعُ الْحَوَالَةُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَإِنْ وَفَّاهُ الْغَرِيمُ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي يَشْتَرِطُهُ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَأَخَذَهُ بِالْمَالِ، ثُمَّ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: قُلْت: وَهَذَا جَائِزٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
الْحِيلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ طَالِبُ الْحَقِّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ: اضْمَنْ لِي هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى غَرِيمِي، وَيَرْضَى مِنْهُ بِذَلِكَ بَدَلَ الْحَوَالَةِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ تَمَكَّنَ مِنْ مُطَالَبَةِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ الْحِيَلِ، وَأَلْطَفِهَا.
[الْمِثَالُ السَّادِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ حِيلَةٌ فِي لُزُومِ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ الْحَالِّ]
[حِيلَةٌ فِي لُزُومِ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ الْحَالِّ]
الْمِثَالُ السَّادِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ، فَاتَّفَقَا عَلَى تَأْجِيلِهِ، وَخَافَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ لَا يَفِيَ لَهُ بِالتَّأْجِيلِ؛ فَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِهِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الدَّيْنِ الْحَالِّ، ثُمَّ يَعْقِدَهُ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ كَانَ عَنْ ضَمَانٍ أَوْ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ أَوْ عَنْ دِيَةٍ، وَقَدْ حَلَّتْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِ التَّأْجِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِمِقْدَارِ هَذَا الدَّيْنِ، وَيُؤَجِّلَ عَلَيْهِ ثَمَنَهَا، ثُمَّ يَبِيعَهُ الْمَدِينُ تِلْكَ السِّلْعَةَ بِالدَّيْنِ الَّذِي أَجَّلَهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَيَبْرَأَ مِنْهُ، وَيَثْبُتَ فِي ذِمَّتِهِ نَظِيرُهُ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ خَافَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ لَا يَفِيَ لَهُ مَنْ عَلَيْهِ بِأَدَائِهِ عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ كَمَا أَجَّلَهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ حَلَّ نَجْمٌ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ قِسْطَهُ فَجَمِيعُ الْمَالِ عَلَيْهِ حَالٌّ، فَإِذَا نَجَّمَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ جَازَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِهِ حَالًّا وَمُنَجَّمًا عِنْدَ مَنْ يَرَى لُزُومَ تَأْجِيلِ الْحَالِّ وَمَنْ لَا يَرَاهُ، أَمَّا مَنْ لَا يَرَاهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ؛ لِهَذَا الشَّرْطِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ السَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ وَصِيَّةُ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فِي الْبِرِّ]
[وَصِيَّةُ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فِي الْبِرِّ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا أَرَادَ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ الشَّارِعُ
стр. 939
مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَكَانَ لَهُ وَرَثَةٌ، فَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ فِي مَالِهِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ حَاكِمٌ لَا يَرَاهُ فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يُقِرَّ لِإِنْسَانٍ يَثِقُ بِدَيْنِهِ، وَأَمَانَتِهِ بِدَيْنٍ يُحِيطُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، ثُمَّ يُوصِيهِ إذَا أَخَذَ ذَلِكَ الْمَالَ أَنْ يَضَعَهُ فِي الْجِهَاتِ الَّتِي يُرِيدُ، فَإِنْ خَافَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُلْزَمَ بِيَمِينٍ بِاسْتِحْقَاقِهِ لِمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمَرِيضُ اشْتَرَى مِنْهُ الْمَرِيضُ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَيُسَلِّمُ الْعَرْضَ فَإِذَا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ حَلَفَ بَارًّا، فَإِنْ خَافَ الْمَرِيضُ أَنْ يَصِحَّ فَيَأْخُذَهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ الْعَرْضِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ سَنَةً، فَإِنْ مَاتَ بَطَلَ الْخِيَارُ، وَإِنْ عَاشَ فَسَخَ الْعَقْدَ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يُوقِفَهُ جَمِيعَهُ عَلَى قَوْمٍ يَسْتَغِلُّونَهُ، وَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ وَاقِفًا وَقَفَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْجِهَاتِ الَّتِي يُعَيِّنُهَا، وَيُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّ هَذَا الْعَقَارَ فِي يَدِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ مِنْ وَاقِفٍ كَانَ ذَلِكَ الْعَقَارُ مِلْكًا لَهُ إلَى حِينِ الْوَقْفِ، أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّ وَاقِفًا مُعَيَّنًا وَقَفَهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَاتِ، وَجَعَلَهُ نَاظِرًا عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي يَدِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحِيلَةُ إذَا كَانَ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ وَارِثٌ بِالْفَرْضِ لَا يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، وَلَا عَصَبَةَ لَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ السُّلْطَانُ فَلَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْمَخَارِجِ: مِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الْوَارِثُ تِلْكَ الْأَعْيَانَ، وَيُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى قَبْضِهِ بِأَنْ يُحْضِرَ الْوَارِثُ مَالًا يَقْبِضُهُ إيَّاهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ سِرًّا، فَهُوَ أَوْلَى، وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ سِلْعَةً بِمِقْدَارِ التَّرِكَةِ مِنْ الثَّمَنِ وَيُشْهِدَ عَلَى الشِّرَاءِ، ثُمَّ يُعِيدَ إلَيْهِ تِلْكَ السِّلْعَةَ، وَيَرْهَنَهُ الْمَالَ كُلَّهُ عَلَى الثَّمَنِ، فَإِذَا أَرَادَ السُّلْطَانُ مُشَارَكَتَهُ قَالَ: وَفُّونِي حَقِّي، وَخُذُوا مَا فَضَلَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ، وَيُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، أَوْ يَقْبِضَهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، ثُمَّ يَأْذَنَ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي تَمْلِيكِهِ لِلْوَارِثِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَنْ يُقِرَّ لِأَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ بِمَا يُرِيدُ، ثُمَّ يَأْمُرَهُ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى الْوَارِثِ.
وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحِيَلِ، وَأَمْثَالِهَا أَمْرَانِ مَخُوفَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ فَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ قَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ إلَى الْوَارِثِ، فَلَا خَلَاصَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ إقْرَارَ الْأَجْنَبِيِّ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فِي مَكْتُوبٍ ثَانٍ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يُوَاطِئَهُ عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَارِثِهِ هَذَا الْمَالَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً.
وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً فَهِيَ بَيِّنَةُ زُورٍ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَلَا وَارِثَهُ بِوَجْهٍ مَا، وَيُمْسِكَ الْكِتَابَ عِنْدَهُ، فَيَأْمَنُ هُوَ وَالْوَارِثُ ادِّعَاءَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الثَّامِنُ بَعْدَ الْمِائَةِ اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ وَتَوَارِي الْمَدِينِ]
[اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ وَتَوَارِي الْمَدِينِ]
الْمِثَالُ الثَّامِنُ بَعْدَ الْمِائَةِ: رَجُلٌ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيُوَكِّلُ وَكِيلًا فِي اقْتِضَاءِ دُيُونِهِ، ثُمَّ يَتَوَارَى عَنْ غَرِيمِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ اقْتِضَاءُ دَيْنِهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ الْغَرِيمُ مِمَّنْ لَهُ الدَّيْنُ
стр. 940
عَلَى هَذَا الرَّجُلِ حِيلَةً يَقْتَضِي بِهَا دَيْنَهُ مِنْهُ، وَلَا يَضُرُّهُ تَوَارِي مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَقُولَ لَهُ: وَكَّلْتُك بِقَبْضِ مَالِي عَلَى فُلَانٍ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ، وَوَكَّلْتُك أَنْ تَجْعَلَ مَالَهُ عَلَيْك قِصَاصًا بِمَالِي عَلَيْهِ، وَأَجَزْت أَمْرَك فِي ذَلِكَ، وَمَا عَمِلْت فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَيَقْبَلُ الْوَكِيلُ، وَيُشْهِدَ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شُهُودًا، ثُمَّ يُشْهِدُهُمْ الْوَكِيلُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ الَّتِي لِفُلَانٍ عَلَيْهِ قِصَاصًا بِالْأَلْفِ الَّتِي لِمُوَكِّلِهِ عَلَى فُلَانٍ، فَيَصِيرُ الْأَلْفُ قِصَاصًا، وَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُتَوَارِي عَلَى هَذَا الْوَكِيلِ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَكَّلَهُ.
وَهَذِهِ الْحِيلَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَ الْوَكِيلَ مَقَامَ نَفْسِهِ، وَالْوَكِيلُ يَقُولُ: مُطَالَبَتِي لَك بِهَذَا الدَّيْنِ كَمُطَالَبَةِ مُوَكَّلِي بِهِ، فَأَنَا أُطَالِبُك بِأَلْفٍ، وَأَنْتَ تُطَالِبُنِي بِهِ، فَاجْعَلْ الْأَلْفَ الَّذِي تُطَالِبُنِي بِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَلْفِ الَّذِي أُطَالِبُك بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَلْفُ لِي لَحَصَلَتْ الْمُقَاصَّةُ، إذْ لَا مَعْنَى لِقَبْضِك لِلْأَلْفِ مِنِّي أَمْ أَدَائِهَا إلَيَّ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا إذَا طَالَبْتُك بِهَا لِمُوَكِّلِي؛ أَنَا أَسْتَحِقُّ عَلَيْك أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ الْأَلْفَ، وَأَنْتَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ أَنْ أَدْفَعَ إلَيْك أَلْفًا، فَنَتَقَاصُّ فِي الْأَلْفَيْنِ.
[الْمِثَالُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ إثْبَاتُ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ]
[إثْبَاتُ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ]
الْمِثَالُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، فَغَابَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ، فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُثْبِتَ مَالَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَلْيَرْفَعْهُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ حَكَمُ الْبَلَدِ لَا يَرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَجِيءَ رَجُلٌ فَيَضْمَنَ لِهَذَا الَّذِي لَهُ الْمَالُ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى الرَّجُلِ الْغَائِبِ، وَيُسَمِّيَهُ وَيَنْسُبَهُ، وَلَا يَذْكُرَ مَبْلَغَ الْمَالِ، بَلْ يَقُولُ: ضَمِنْت لَهُ جَمِيعَ مَا صَحَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يُقَدِّمَهُ إلَى الْقَاضِي، فَيُقِرُّ الضَّامِنُ بِالضَّمَانِ، وَيَقُولُ: لَا أَعْرِفُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ شَيْئًا.
فَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْمَضْمُونَ لَهُ: هَلْ لَك بَيِّنَةٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَأْمُرُهُ بِإِقَامَتِهَا، فَإِذَا شَهِدَتْ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ، وَحَكَمَ عَلَى الضَّمِينِ بِالْمَالِ، وَيَجْعَلُهُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى الضَّامِنِ بِثُبُوتِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَى الْغَائِبِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ، وَثُبُوتُ الْفَرْعِ بِدُونِ أَصْلِهِ مُمْتَنِعٌ، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، حَيْثُ يُجَوِّزُونَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ إذَا اتَّصَلَ الْقَضَاءُ بِحَاضِرٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ كَوَكِيلِ الْغَائِبِ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَائِبٍ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَبِالشُّفْعَةِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَكَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ ادَّعَتْ زَوْجَةُ غَائِبٍ أَنَّ لَهُ عِنْدَ فُلَانٍ وَدِيعَةً، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لَهَا مِمَّا فِي يَدَيْهِ.
стр. 941
[الْمِثَالُ الْعَاشِرُ بَعْدَ الْمِائَةِ انْتِفَاعُ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ]
انْتِفَاعُ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ]
الْمِثَالُ الْعَاشِرُ بَعْدَ الْمِائَةِ: لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ كَانَ إبَاحَةً أَوْ عَارِيَّةً لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ، وَيَقْضِي لَهُ بِالْأُجْرَةِ مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ فَالْحِيلَةُ فِي انْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ آمِنًا مِنْ الرُّجُوعِ وَمِنْ الْأُجْرَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ مِنْهُ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِيهَا، ثُمَّ يُبْرِئَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ، أَوْ يُقِرَّ بِقَبْضِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَلَى عَقْدِ الرَّهْنِ، وَلَا يُبْطِلَهُ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ مَا اسْتَأْجَرَهُ، فَيَرُدَّ كُلٌّ مِنْ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَحَقُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فِيهِمَا، إلَّا أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمَرْهُونِ مَعَ الْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
[الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ اسْتِيثَاقُ كُلٍّ مِنْ الرَّاهِنِ وَالدَّائِنِ بِمَالِهِ]
[اسْتِيثَاقُ كُلٍّ مِنْ الرَّاهِنِ وَالدَّائِنِ بِمَالِهِ]
الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَبِالْمَالِ رَهْنٌ، فَادَّعَى صَاحِبُ الرَّهْنِ بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَخَافَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُقِرَّ بِالرَّهْنِ، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ: قَدْ أَقْرَرْت بِأَنَّ لِي رَهْنًا فِي يَدِك، وَادَّعَيْت الدَّيْنَ، فَيَنْزِعُهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا يُقِرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ، فَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ حِيلَةً تُحْرِزُ حَقَّهُ، وَهِيَ أَنْ لَا يُقِرَّ بِهِ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ صَاحِبُهُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ، وَسَأَلَ إحْلَافَهُ أَنْكَرَ وَحَلَفَ، وَعَرَّضَ فِي يَمِينِهِ، بِأَنْ يَنْوِيَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ قَبْلَ مِلْكِهِ أَوْ إذَا بَاعَهُ، أَوْ لَيْسَ لَهُ عَارِيًّا عَنْ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يُفَصِّلَ فِي جَوَابِ الدَّعْوَى فَيَقُولَ: إنْ ادَّعَيْتَهُ رَهْنًا فِي يَدِي عَلَى أَلْفٍ لِي عَلَيْك فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ، وَإِنْ ادَّعَيْتَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا أُقِرُّ لَك، وَيَنْفَعُهُ هَذَا الْجَوَابُ، كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا، فَقَالَ: إنْ ادَّعَيْتهَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ مِنْك فَأَنَا مُقِرٌّ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا مِثْلُهُ سَوَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ هُوَ الْمُدَّعِيَ لِلْمَالِ فَخَافَ الرَّاهِنُ أَنْ يُقِرَّ بِالْمَالِ فَيَجْحَدَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَيَلْزَمَ الرَّاهِنَ الْمَالُ، وَيَذْهَبُ رَهْنُهُ، فَالْحِيلَةُ فِي أَمْنِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إنْ ادَّعَيْت هَذَا الْمَالَ، وَأَنَّك تَسْتَحِقُّهُ مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ لِي عِنْدَك فَلَا أُقِرُّ بِهِ، وَإِنْ ادَّعَيْتَهُ مَعَ كَوْنِي رَهَنْتُك بِهِ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ مِنْهُ بِدِرْهَمٍ فَيَقُولَ: لَك عَلَيَّ دِرْهَمٌ، وَلِي عِنْدَك رَهْنُ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ عَنْ الرَّهْنِ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فَلْيُقِرَّ لَهُ خَصْمُهُ بِبَاقِي دَيْنِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ وَسِعَ الْآخَرَ أَنْ يَجْحَدَ بَاقِي الدَّيْنِ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ
стр. 942
عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ مِنْ حَقِّهِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ سَقَطَ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ فِيهِ صَارَتْ قِيمَتُهُ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ.
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلَيْنِ لَهُمْ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ، وَالثَّانِي: جَوَازُ الِاسْتِيفَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ.
[الْمِثَالُ الثَّانِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ حِيلَةٌ فِي إبْرَارِ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ]
[حِيلَةٌ فِي إبْرَارِ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ]
الْمِثَالُ الثَّانِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ " إنْ لَمْ أَطَأَكِ اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " فَقَالَتْ " إنْ وَطِئَتْنِي اللَّيْلَةَ فَأَمَتِي حُرَّةٌ " فَالْمُخَلِّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَبِيعَهُ الْجَارِيَةَ فَإِذَا وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ؟ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهَا ثُمَّ تَسْتَرِدَّهَا.
فَإِنْ خَافَتْ أَنْ يَطَأَ الْجَارِيَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الرَّجُلِ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ الَّتِي يَشْتَرِيهَا مِنْ امْرَأَتِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
فَالْحِيلَةُ أَنْ تَشْتَرِيَهَا مِنْهُ عَقِيبَ الْوَطْءِ فَإِنْ خَافَتْ أَنْ لَا يَرُدَّ إلَيْهَا الْجَارِيَةَ وَيُقِيمَ عَلَى مِلْكِهَا فَلَا تَصِلُ إلَيْهَا، فَالْحِيلَةُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرُدَّ الْجَارِيَةَ إلَيْهَا عَقِيبَ الْوَطْءِ فَهِيَ حُرَّةٌ.
فَإِنْ خَافَتْ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِغَيْرِهِ تَلْجِئَةً فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ عِتْقِهَا، فَالْحِيلَةُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهَا عَقِيبَ الْوَطْءِ فَهِيَ طَالِقٌ، فَهُنَا تَضِيقُ عَلَيْهِ الْحِيلَةُ فِي اسْتِدَامَةِ مِلْكِهَا، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ مُفَارَقَةِ إحْدَاهُمَا.
[الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ حِيلَةٌ فِي الْمُخَالَفَةِ عَلَى نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا قَبْلَ وُجُوبِهِمَا]
[حِيلَةٌ فِي الْمُخَالَفَةِ عَلَى نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا قَبْلَ وُجُوبِهِمَا]
الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُخَالِعَ امْرَأَتَهُ الْحَامِلَ عَلَى سُكْنَاهَا وَنَفَقَتِهَا جَازَ ذَلِكَ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا، هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ، وَقَدْ خَالَعَهَا بِمَعْدُومٍ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عِوَضِ شَيْءٍ يُتْلِفُهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَتَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ السُّكْنَى، قَالُوا: لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لَهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْهُ، وَالسُّكْنَى حَقُّ الشَّارِعِ فَلَا تَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهَا، فَيَلْزَمُ إسْكَانُهَا.
قَالُوا: فَالْحِيلَةُ عَلَى سُقُوطِ الْأُجْرَةِ عَنْهُ أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ فِي الْخُلْعِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ السُّكْنَى، وَأَنَّ مُؤْنَتَهَا تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ فِي مَالِهَا، وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمَسْكَنِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ أَبْرَأَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَنْ النَّفَقَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْخُلْعِ بَرَاءَةَ الزَّوْجِ عَنْ النَّفَقَةِ صَحَّ.
стр. 943
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ إذَا شُرِطَ فِي الْخُلْعِ كَانَ إبْرَاءً بِعِوَضٍ، فَالْإِبْرَاءُ بِعِوَضٍ اسْتِيفَاءٌ لِمَا وَقَعَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ قَائِمٌ مَقَامَ مَا وَقَعَتْ الْبَرَاءَةُ عَنْهُ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَجُوزُ قَبْلَ الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَسَلَّفَتْ نَفَقَةَ شَهْرٍ جُمْلَةً، وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي غَيْرِ خُلْعٍ قَبْلَ ثُبُوتِهَا فَهُوَ إسْقَاطٌ لِمَا لَمْ يَجِبْ فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَتْ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ " وَقِيلَ: إنْ أَوْجَبْنَا نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ بِالْعَقْدِ صَحَّ، وَإِلَّا فَهُوَ خُلْعٌ بِمَعْدُومٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ " يَعْنِي إنْ قُلْنَا: إنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ، وَإِنَّ النَّفَقَةَ لَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، وَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ خُلْعًا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ فَقَدْ زَالَ التَّمْكِينُ بِالْخُلْعِ، وَصَارَتْ النَّفَقَةُ نَفَقَةَ قَرِيبٍ، فَالْخُلْعُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ حِينَئِذٍ خُلْعٌ بِمَعْدُومٍ، هَذَا أَقْرَبُ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ حِيلَةٌ فِي التَّحْلِيلِ مِنْ الطَّلَاقِ بَعْدَ الثَّلَاثِ]
[لِلتَّحْلِيلِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ]
الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِالْمَرْأَةِ، وَكَانَ دِينُهَا وَدِينُ وَلِيِّهَا وَزَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ أَعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلَعْنَةِ اللَّهِ وَمَقْتِهِ بِالتَّحْلِيلِ الَّذِي لَا يُحِلُّهَا، وَلَا يُطَيِّبُهَا بَلْ يَزِيدُهَا خُبْثًا فَلَوْ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ مِنْ مَالِهَا ثَمَنَ مَمْلُوكٍ فَوَهَبَتْهُ لِبَعْضِ مَنْ تَثِقُ بِهِ فَاشْتَرَى بِهِ مَمْلُوكًا ثُمَّ خَطَبَهَا عَلَى مَمْلُوكِهِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ فَدَخَلَ بِهَا الْمَمْلُوكُ ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ مَشْرُوطٌ، وَلَا مَنْوِيٌّ مِمَّنْ تُؤَثِّرُ نِيَّتُهُ وَشَرْطُهُ، وَهُوَ الزَّوْجُ؛ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِنِيَّةِ الزَّوْجَةِ، وَلَا الْوَلِيِّ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِنِيَّةِ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ إذَا نَوَى التَّحْلِيلَ كَانَ مُحَلِّلًا فَيَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجُ الْمُطَلِّقُ إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِهَذَا النِّكَاحِ الْبَاطِلِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ الثَّانِي، وَلَا الْأَوَّلُ بِمَا فِي قَلْبِ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا مِنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ شَيْئًا.
وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ رُجُوعِهَا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَانِعَ عَدَمَ وَطْءِ الثَّانِي فَقَالَ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» .
وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ ذَلِكَ يُحِلُّهَا، فَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِيهِ: فَإِنْ تَزَوَّجَهَا مَمْلُوكٌ وَوَطِئَهَا أَحَلَّهَا، وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا. قُلْت: هَذِهِ الصُّورَةُ غَيْرُ الصُّورَةِ الَّتِي مَنَعَ مِنْهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ حِلِّهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ الْمُطَلِّقُ قَدْ اشْتَرَى الْعَبْدَ وَزَوَّجَهُ بِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا لِيُحِلَّهَا، فَهَذِهِ حِيلَةٌ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَلَا لِلثَّانِي فِيهَا نِيَّةٌ، وَمَعَ هَذَا فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ حِيلَةٍ.
стр. 944
[الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْإِبْرَارُ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ]
الْإِبْرَارُ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ]
الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِهِ: سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُجَامِعْك الْيَوْمَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ اغْتَسَلْتُ مِنْكِ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يُجَامِعُهَا، فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " اغْتَسَلْت " الْمُجَامَعَةَ.
وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَطَأَكِ فِي رَمَضَانَ، فَسَافَرَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ وَطِئَهَا، فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّهَا حِيلَةٌ، وَلَا يُعْجِبُنِي الْحِيلَةُ فِي هَذَا، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَقْصُودًا مُبَاحًا، وَهَذَا لَا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ حِلِّ الْيَمِينِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ، وَيُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ بَعِيدٌ مُبَاحٌ؛ لِقَصْدٍ صَحِيحٍ، وَإِرَادَةِ حِلِّ يَمِينِهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَدْ أَبَحْنَا لِمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ قَصِيرَةٌ لَا يَقْصِرُ فِيهَا وَبَعِيدَةٌ أَنْ يَسْلُكَ الْبَعِيدَةَ؛ لِيُقْصِرَ فِيهَا الصَّلَاةَ وَيُفْطِرَ، مَعَ أَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ سِوَى التَّرَخُّصِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُ اخْتِيَارَ الشَّيْخِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ أَنْبَأَ الْأَزْهَرِيُّ أَنْبَأَ سُهَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَثُ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ثنا أُبَيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ ﵇ فِي رَجُلٍ حَلَفَ فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ يَطَأْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا، قَالَ: يُسَافِرُ ثُمَّ يُجَامِعُهَا نَهَارًا.
[الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَخَارِجُ مِنْ التَّحْلِيلِ فِي الطَّلَاقِ]
[الْمَخَارِجُ مِنْ التَّحْلِيلِ فِي الطَّلَاقِ]
الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: فِي الْمَخَارِجِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي التَّحْلِيلِ الَّذِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فَاعِلَهُ وَالْمُطَلِّقَ الْمُحَلَّلَ لَهُ، فَأَيُّ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ بِهِ مِنْ لَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَعْذَرَ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ارْتِكَابِهِ لِمَا يُلْعَنُ عَلَيْهِ، وَمَبَاءَتِهِ بِاللَّعْنَةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَخَارِجَ الَّتِي نَذْكُرُهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ أَفْتَى بِهِ الصَّحَابَةُ، بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ فِيهِ خِلَافٌ، أَوْ أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ أَقْوَالِهِمْ، أَوْ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَوْ إمَامٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ أَتْبَاعِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَخْرُجُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الَّتِي نَذْكُرُهَا عَنْ
стр. 945
ذَلِكَ، فَلَا يَكَادُ يُوصَلُ إلَى التَّحْلِيلِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ جَمِيعِهَا إلَّا فِي أَنْدَرِ النَّادِرِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ نَصَحَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَنَصَحَ نَفْسَهُ وَنَصَحَ عِبَادَهُ أَنَّ أَيًّا مِنْهَا ارْتَكَبَ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ.
[الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ زَائِلَ الْعَقْلِ]
الْمَخْرَجُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُطَلِّقُ أَوْ الْحَالِفُ زَائِلَ الْعَقْلِ إمَّا بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ شُرْبِ مُسْكِرٍ يُعْذَرُ بِهِ أَوْ لَا يُعْذَرُ أَوْ وَسْوَسَةٌ، وَهَذَا الْمُخَلِّصُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ إلَّا فِي شُرْبِ مُسْكِرٍ لَا يُعْذَرُ بِهِ، فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ.
[طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُكْرَهِ]
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ، وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشَّكِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَتَلَا الشَّعْبِيُّ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ، «، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: أَبِكَ جُنُونٌ» وَقَالَ «عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفِيَّ فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِآبَائِي؟ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ» .
قَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ، وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ، هَذَا لَفْظُ التَّرْجَمَةِ، ثُمَّ سَاقَ بَقِيَّةَ الْبَابِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خَالَفَ عُثْمَانَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُفْتِي بِنُفُوذِ طَلَاقِهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ الشَّافِي وَالزَّادِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: قَدْ كُنْت أَقُولُ بِأَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ يَجُوزُ، حَتَّى تَبَيَّنْتَهُ، فَغَلَبَ عَلَيَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ بَاعَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ.
قَالَ: وَأُلْزِمُهُ الْجِنَايَةَ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ، وَفِي مَسَائِلِ الْمَيْمُونِيِّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ، فَقَالَ: أَكْثَرُ مَا عِنْدِي فِيهِ أَنَّهُ لَا
стр. 946
يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، قُلْت: أَلَيْسَ كُنْت مَرَّةً تَخَافُ أَنْ يَلْزَمَهُ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ أَكْثَرُ مَا عِنْدِي فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُهُ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ، قُلْت: السُّكْرُ شَيْءٌ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ، قَالَ: قَدْ يَشْرَبُ رَجُلٌ الْبَنْجَ أَوْ الدَّوَاءَ فَيَذْهَبُ عَقْلُهُ، قُلْت: فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، وَإِقْرَارُهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ " لَيْسَ لِمَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ طَلَاقٌ ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَاَلَّذِي لَا يَأْمُرُ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّمَا أَتَى خَصْلَةً وَاحِدَةً، وَاَلَّذِي يَأْمُرُ بِالطَّلَاقِ قَدْ أَتَى خَصْلَتَيْنِ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ، وَأَحَلَّهَا لِغَيْرِهِ، فَهَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَأَنَا اتَّقِي جَمِيعَهَا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ نُفُوذِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ.
وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ اتَّبَعَهُمَا.
وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ فِي النِّهَايَةِ، وَالشَّافِعِيُّ نَصَّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَنَصَّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، فَمِنْ أَتْبَاعِهِ مَنْ نَقَلَ عَنْ الظِّهَارِ قَوْلًا إلَى الطَّلَاقِ، وَجَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَّرَ حُكْمَ النَّصَّيْنِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بِطَائِلٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِأَقْوَالِهِ مِنْ طَلَاقٍ، وَلَا عَتَاقٍ، وَلَا بَيْعٍ، وَلَا هِبَةٍ، وَلَا وَقْفٍ، وَلَا إسْلَامٍ، وَلَا رِدَّةٍ، وَلَا إقْرَارٍ؛ لِبِضْعَةِ عَشَرَ دَلِيلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا، وَيَكْفِي مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَدَمُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حَمْزَةَ بِتَجْدِيدِ إسْلَامِهِ لَمَّا قَالَ فِي سُكْرِهِ " أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِآبَائِي " وَفَتْوَى عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الْمَحْضُ عَلَى زَائِلِ الْعَقْلِ بِدَوَاءٍ أَوْ بَنْجٍ أَوْ مُسْكِرٍ هُوَ فِيهِ مَعْذُورٌ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ السَّكْرَانَ لَا قَصْدَ لَهُ؛ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ مِنْ اللَّاغِي، وَمَنْ جَرَى اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ، وَقَالُوا: لَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمَعْتُوهِ، وَهُوَ مَنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَهْمِ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ، وَلَا يَشْتُمُ كَمَا يَفْعَلُ الْمَجْنُونُ.
стр. 947
فَصْلٌ:
[الْمَخْرَجُ الثَّانِي وَيَشْتَمِلُ عَلَى الْقَوْلِ فِي طَلَاقِ الْغَضْبَانِ]
الْمَخْرَجُ الثَّانِي: أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يَحْلِفَ فِي حَالِ غَضَبٍ شَدِيدٍ قَدْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَمَالِ قَصْدِهِ وَتَصَوُّرِهِ؛ فَهَذَا لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَلَا عِتْقُهُ، وَلَا وَقْفُهُ، وَلَوْ بَدَرَتْ مِنْهُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ فِي هَذَا الْحَالِ لَمْ يَكْفُرْ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْغَلْقِ وَالْإِغْلَاقِ الَّذِي مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِيهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ زَادِ الْمُسَافِرِ لَهُ: بَابٌ فِي الْإِغْلَاقِ فِي الطَّلَاقِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: وَحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَا طَلَاقَ، وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ» يَعْنِي الْغَضَبَ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَالْإِغْلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبَ.
وَقَسَّمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ الْغَضَبَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُزِيلُ الْعَقْلَ كَالسُّكْرِ، فَهَذَا لَا يَقَعُ مَعَهُ طَلَاقٌ بِلَا رَيْبٍ.
وَقِسْمٌ يَكُونُ فِي مَبَادِئِهِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ تَصَوُّرِ مَا يَقُولُ وَقَصْدُهُ، فَهَذَا يَقَعُ مَعَهُ الطَّلَاقُ.
وَقِسْمٌ يَشْتَدُّ بِصَاحِبِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ زَوَالَ عَقْلِهِ، بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّثَبُّتِ وَالتَّرَوِّي وَيُخْرِجُهُ عَنْ حَالِ اعْتِدَالِهِ، فَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْغَلْقَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ انْغَلَقَ عَلَيْهِ طَرِيقُ قَصْدِهِ وَتَصَوُّرِهِ كَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمُكْرَهِ وَالْغَضْبَانِ، فَحَالُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ حَالُ إغْلَاقٍ، وَالطَّلَاقُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ وَطَرٍ؛ فَيَكُونُ عَنْ قَصْدِ الْمُطَلِّقِ وَتَصَوُّرٍ لِمَا يَقْصِدُهُ، فَإِنْ تَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ ": أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَقُولَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، أَوْ خَرَجْت مِنْ بَيْتِي بِغَيْرِ إذْنِي، ثُمَّ بَدَا لِي فَتَرَكْت الْيَمِينَ، وَلَمْ أُرِدْ التَّنْجِيزَ فِي الْحَالِ، إنَّهُ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّنْجِيزَ، وَلَمْ يُتِمَّ الْيَمِينَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ " أَنْتِ طَاهِرٌ " فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ " لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، لَا فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةِ لَا يَقَعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَقَعُ فِي الْحُكْمِ، وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ عُمَارَةَ سُئِلَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ غَلِطَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَلَطٌ، ثنا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَامِرٍ فِي رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ فَغَلِطَ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
стр. 948
فَصْلٌ:
[الْمَخْرَجُ الثَّالِثُ وَيَشْتَمِلُ عَلَى الْقَوْلِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ]
الْمَخْرَجُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْحَلِفِ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي حَقِيقَةِ الْإِكْرَاهِ وَشُرُوطِهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يَمِينُ الْمُسْتَكْرَهِ إذَا ضُرِبَ.
ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُرِيَاهُ شَيْئًا، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: إذَا طَلَّقَ الْمُكْرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ، فَإِذَا فَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ فَهُوَ مُكْرَهٌ؛ لِأَنَّ ثَابِتًا عَصَرُوا رِجْلَهُ حَتَّى طَلَّقَ، فَأَتَى ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَرَيَا ذَلِكَ شَيْئًا، وَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ : ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وَلِلْكُفْرِ أَحْكَامٌ، فَلَمَّا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَقَطَتْ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ عَنْ الْقَوْلِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إذَا سَقَطَ عَنْ النَّاسِ سَقَطَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي» وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ «تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا تُوَسْوِسُ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» .
زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: لَا طَلَاقَ لِمُكْرَهٍ، وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ وَابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَجُزْ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ طَلَاقَهُ غَيْرَ جَائِزٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدِينِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَلَا الْمُضْطَهَدِ طَلَاقٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى أَهْل الْمَدِينَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَا لَا يَرَيَانِ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا، ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا.
قُلْت: قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا تَدَلَّى يَشْتَارُ عَسَلًا فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَوَقَفَتْ عَلَى الْحَبْلِ، فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّهُ أَوْ لِتُطَلِّقْنِي ثَلَاثًا، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَبَتْ إلَّا ذَلِكَ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا. فَلَمَّا ظَهَرَ أَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهَا إلَيْهِ وَمِنْهُ إلَيْهَا، فَقَالَ: ارْجِعْ إلَى أَهْلِك فَلَيْسَ هَذَا بِطَلَاقٍ، تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ
стр. 949
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بِهَذَا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: فَرَفَعَ إلَى عُمَرَ فَأَبَانَهَا مِنْهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَنْفِيذُ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ سِوَى هَذَا الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ، وَلَوْ صَحَّ إبَانَتُهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْوُقُوعِ، بَلْ لَعَلَّهُ رَأَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمَا لَا يَتَصَافَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَلْزَمَهُ بِإِبَانَتِهَا.
وَلَكِنَّ الشَّعْبِيَّ وَشُرَيْحًا وَإِبْرَاهِيمَ يُجِيزُونَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ حَتَّى قَالَ إبْرَاهِيمُ: لَوْ وَضَعَ السَّيْفَ عَلَى مَفْرِقِهِ ثُمَّ طَلَّقَ لَأَجَزْتُ طَلَاقَهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ: قَالَ ابْنُ شَيْبَةَ: ثنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي الرَّجُلِ يُكْرَهُ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ الْعَتَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَقَالَ: إذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ جَازَ، وَإِذَا أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ لَمْ يَجُزْ، وَلِهَذَا الْقَوْلِ غَوْرٌ وَفِقْهٌ دَقِيقٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
فَصْلٌ:
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُكْرَهِ يَظُنُّ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ فَيَنْوِيهِ، هَلْ يَلْزَمُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَمَنْ أَلْزَمَهُ رَأَى أَنَّ النِّيَّةَ قَدْ قَارَنَتْ اللَّفْظَ، وَهُوَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى النِّيَّةِ، فَقَدْ أَتَى بِالطَّلَاقِ الْمَنْوِيِّ اخْتِيَارًا فَلَزِمَهُ، وَمَنْ لَمْ يُلْزِمْهُ بِهِ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْمُكْرَهِ لَغْوٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، وَهِيَ لَا تَسْتَقِلُّ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
فَصْلٌ:
وَاخْتُلِفَ فِي مَا لَوْ أَمْكَنَهُ التَّوْرِيَةُ فَلَمْ يُوَرِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ تَرَكَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ التَّوْرِيَةَ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، مَعَ أَنَّ التَّوْرِيَةَ هُنَاكَ أَوْلَى، وَلَكِنَّ الْمُكْرَهَ إنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ، وَلَا مُرِيدٍ لِمُوجِبِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِدَاءً لِنَفْسِهِ مِنْ ضَرَرِ الْإِكْرَاهِ، فَصَارَ تَكَلُّمُهُ بِاللَّفْظِ لَغْوًا بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَمَنْ لَا قَصْدَ لَهُ، سَوَاءٌ وَرَّى أَوْ لَمْ يُوَرِّ.
وَأَيْضًا فَاشْتِرَاطُ التَّوْرِيَةِ إبْطَالٌ لِرُخْصَةِ التَّكَلُّمِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَرُجُوعٌ إلَى الْقَوْلِ بِنُفُوذِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَرَّى بِغَيْرِ إكْرَاهٍ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، وَالتَّأْثِيرُ إذًا إنَّمَا هُوَ لِلتَّوْرِيَةِ لَا لِلْإِكْرَاهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُوَرِّيَ إنَّمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ مَعَ قَصْدِهِ لِلتَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَدْلُولَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِي الْإِكْرَاهِ، فَالْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ مِنْ النُّفُوذِ فِي التَّوْرِيَةِ هُوَ الَّذِي مَنَعَ النُّفُوذَ فِي الْإِكْرَاهِ.
стр. 950
[فَصْلٌ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
فَصْلٌ: [الْمَخْرَجُ الرَّابِعُ وَيَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ]
الْمَخْرَجُ الرَّابِعُ: أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي يَمِينِهِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيقَاعِ وَالْحَلِفِ، فَإِذَا قَالَ: " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ " نَفَعَهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْضِعِ [الَّذِي] يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ، فَاشْتَرَطَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ اتِّصَالَهُ بِالْكَلَامِ فَقَطْ، سَوَاءٌ نَوَاهُ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ عَقَدَ الْيَمِينَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ عَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ فَوَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ، وَإِنْ نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ عَقْدِ الْيَمِينِ صَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى كَذَا وَكَذَا امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَالَهَا لَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْعِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَقْصُودِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ.
وَثَبَتَ فِي السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا [أَلْبَتَّةَ] فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَنَفْعِهِ أَنْ يَنْوِيَهُ مَعَ الشُّرُوعِ فِي الْيَمِينِ، وَلَا قَبْلَهَا، بَلْ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ " لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا "، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى نَفْعِ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ النِّسْيَانِ أَظْهَرُ دَلَالَةً.
وَمَنْ شَرَطَ النِّيَّةَ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ النِّسْيَانِ عِنْدَهُ تَأْثِيرٌ، وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ بِآخِرِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ،، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي أَجْزَائِهِ، وَأَبْعَاضِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْتَحْضِرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ مَا يَرْفَعُ بَعْضَهَا، وَلَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِي حَالِ تَكَلُّمِهِ بِهَا، فَيَقُولُ: لِزَيْدٍ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ فِي الْحَالِ يَذْكُرُ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْهَا مِائَةً فَيَقُولُ: إلَّا مِائَةً، فَلَوْ اشْتَرَطَ نِيَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَتَعَذَّرَ
следующие страницы →