Полный текст (1 159 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فَتَحُوا " يَضَعُ " وَالْمَوْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ الْهِبَةُ وَبِفَتْحِهَا النُّقْرَةُ فِي الصَّخْرِ، وَالْوَهَّابُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنْعِمُ عَلَى الْعِبَادِ.
(الْعَاشِرُ) : (الْمُلْكُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَبْلُغُ مِنْهُ بِكَسْرِهَا فَإِنَّهُ بِالضَّمِّ يَسْتَدْعِي الْعِزَّ وَالْقُوَّةَ وَبِالْكَسْرِ يَسْتَدْعِي الْقُدْرَةَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ. وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يُوجَدُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ» وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمَلِكِ الْحَقِيقِيِّ الْمُشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُلُوكِ الدُّنْيَا. وَسَبَبُهُ أَنَّ الْمُلْكَ الَّذِي بِيَدِ الْعِبَادِ هُوَ مِنْ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى آتَاهُمْ مِنْهُ نَصِيبًا فَيُطْلَقُ الِاسْمُ عَلَيْهِمْ لِحُصُولِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِمْ، كَالْمَالِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ.
فَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمُلْكِ عَلَى الْعِبَادِ إمَّا لِحُصُولِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمِلْكِ فِيهِمْ الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يُطْلِقُ الْقَائِلُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ فَتَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ اسْتِعَارَةٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) : ﴿لا يَنْبَغِي﴾ [ص: ٣٥] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَا يَسْهُلُ وَلَا يَكُونُ. كَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُمْكِنِ الَّذِي لَا يَلِيقُ كَمَا تَقُولُ مَا يَنْبَغِي لِفُلَانٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَأَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَالْبَغْيُ: فِي عَدْوِ الْفَرَسِ بِاخْتِيَالٍ وَمَرَحٍ، وَأَنَّهُ يَسْعَى فِي عَدْوِهِ وَلَا يُقَالُ فَرَسٌ بَاغٍ، وَبَغَى عَلَى أَخِيهِ حَسَدَهُ، وَبَغَى عَلَيْهِ ظَلَمَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْحَسَدِ لِأَنَّ الْحَاسِدَ يَظْلِمُ الْمَحْسُودَ جَهْدَهُ؛ وَبَغَى الْحَاجَةَ وَالضَّالَّةَ طَلَبَهَا وَأَبْغَيْتُهُ أَعَنْته عَلَى الظُّلْمِ، وَبَغَتْ الْمَرْأَةُ فَجَرَتْ، وَالْبَاغِي الَّذِي يَطْلُبُ الشَّيْءَ الضَّالَّ وَمَا ابْتَغَى لَك أَنْ تَقُولَ هَذَا.
وَمَا ابْتَغَى أَيْ مَا يَنْبَغِي وَالْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ الظَّالِمَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ.
(الثَّانِي عَشَرَ) : ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ مِنْ دُونِي، وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَلْجَأَ الزَّمَخْشَرِيَّ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، فَإِنْ أَرَادَ بِدُونِ غَيْرٍ فَصَحِيحٌ؛ وَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَتَهَا فَيَرُدُّهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى " بَعْدَ " عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا، وَيُرَادُ مِنْ بَعْدِ هِبَتِهِ لِي، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ كَانَ لَهُ اسْتِيلَاءٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ دَعْوَةَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَصْبَحَ مَوْثُوقًا تَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَعَلَّ الْمَانِعَ لَعِبُ صِبْيَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ دُونَ سُلَيْمَانَ أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا مَانِعَ مِنْ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) : قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو (مِنْ بَعْدِي) بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ.
(الرَّابِعُ عَشَرَ) : قَوْلُهُ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] تَعْلِيلٌ لِسُؤَالِ الْهِبَةِ " وَإِنْ " كَانَتْ مَكْسُورَةً فَإِنَّهَا تَقْتَضِي
стр. 107
التَّعْلِيلَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاقْتِضَاءُ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةِ التَّعْلِيلَ بِالْوَضْعِ لِتَقْدِيرِ اللَّامِ مَعَهَا، وَالْمَكْسُورَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا اقْتَضَتْ التَّعْلِيلَ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَاءِ كَمَا فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وَنَحْوِهِ.
هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ وَالْأُصُولِيُّونَ أَطْلَقُوا كَوْنَ " أَنَّ " تُفِيدُ التَّعْلِيلَ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ قِسْمِ الْإِيمَاءِ بَلْ مِنْ قِسْمِ النَّصِّ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا هُوَ صَرِيحٌ؛ كَقَوْلِهِ الْعِلَّةُ كَذَا أَوْ " مِنْ أَجْلِ كَذَا " وَالثَّانِي إدْخَالُ لَفْظٍ يُفِيدُ التَّعْلِيلَ وَهُوَ اللَّامُ " وَأَنَّ " وَ " الْبَاءُ " فَأَمَّا اللَّامُ وَإِنَّ فَصَحِيحَانِ يَقْتَضِيَانِ وَضْعًا ظَاهِرًا غَيْرَ قَطْعِيٍّ لِاحْتِمَالِهِمَا مَعْنًى آخَرَ وَأَمَّا " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةُ فَكَذَلِكَ لِتَقْدِيرِ اللَّامِ مَعَهَا وَالْمُفِيدُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ اللَّامُ لَا " أَنَّ " وَإِنَّ الْمَكْسُورَةُ فَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَأْكِيدِ الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَأَمَّا كَوْنُهَا عِلَّةً لِمَا قَبْلَهَا فَلَيْسَ بِالْوَضْعِ، لَكِنَّهُ يُرْشِدُ إلَيْهِ الْكَلَامُ، فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِيمَاءِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.
(الْخَامِسُ عَشَرَ) : خَتَمَ سُلَيْمَانُ ﵇ بِهَذَا الثَّنَاءِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، فَيُسْتَحَبُّ لِلدَّاعِي إذَا دَعَا بِشَيْءٍ أَنْ يَخْتِمَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ مُنَاسِبَةٍ لِمَا دَعَا بِهِ.
(السَّادِسَ عَشَرَ) : قَوْلُهُ ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ﴾ [ص: ٣٦] التَّسْخِيرُ التَّذْلِيلُ تَسْخِيرُهَا تَذْلِيلُهَا وَتَيْسِيرُهَا وَتَهْوِينًا لَهُ.
(السَّابِعُ عَشَرَ) : قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيَاحَ) بِالْجَمْعِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِفْرَادِ.
(الثَّامِنَ عَشَرَ) : جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا هَاجَتْ الرِّيحُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» وَقِيلَ فِي شَرْحِهِ: إنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لَا يُلَقَّحُ السَّحَابُ إلَّا مِنْ رِيَاحٍ مُخْتَلِفَةٍ يُرِيدُ لَفْظَ السَّحَابِ وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ مَجِيءُ الْجَمْعِ فِي آيَاتِ الرَّحْمَةِ وَالْوَاحِدُ فِي قِصَصِ الْعَذَابِ كَ ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] وَ ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] فَيَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ عَنْ مَجِيئِهَا عَلَى الْإِفْرَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الرِّيحَ الْمُسَخَّرَةَ لِسُلَيْمَانَ ﵇ فِي طَوَاعِيَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَتَسْيِيرِ جُيُوشِهِ وَحَمْلِهَا لِبِسَاطِهِ وَمَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ يُنَاسِبُ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَأَنْ تَتَّفِقَ حَرَكَتُهَا فِي السُّرْعَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ أَمْرِ سُلَيْمَانَ وَلَا الرِّيَاحُ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ زَرْعٌ فَكَذَلِكَ جَاءَ الْإِفْرَادُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْعُمُومُ وَإِنَّمَا أُشِيرُ إلَى مَا جَاءَ مِنْهُ لِلرَّحْمَةِ وَأُشِيرُ
стр. 108
إلَى مَا جَاءَ مِنْهُ لِلْعَذَابِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعْمِيمِ فِي ذَلِكَ.
(التَّاسِعَ عَشَرَ) : ﴿تَجْرِي﴾ [ص: ٣٦] فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً تَفْسِيرَ " نا " مِنْ " سَخَّرْنَا " فَإِنْ جَعَلْنَاهَا حَالًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوَّلَ التَّسْخِيرِ كَانَ قَبْلَ جَرْيِهَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَمِرًّا فِي جَمِيعِ أَحْوَالهَا لِأَنَّهَا فِي مُدَّةِ جَرَيَانِهَا أَيْضًا مُسَخَّرَةٌ.
(الْعِشْرُونَ) : ﴿بِأَمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا حَقِيقِيًّا بِقَوْلٍ وَيَكُونُ سُلَيْمَانُ ﵇ إذَا أَرَادَ جَرْيَهَا إلَى جِهَةٍ قَالَ لَهَا ذَلِكَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَعَلَى هَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنْ الْإِدْرَاكِ مَا تَفْهَمُ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أَمْرِهِ إيَّاهَا يُحَرِّكُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ أَمْرًا حَقِيقِيًّا بَلْ مَعْنَاهُ بِإِرَادَتِهِ وَعَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، فَمَتَى أَرَادَ جِهَةً جَرَتْ عَلَى حَسَبِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ.
(الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ) : عَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ خَاطَبَهَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ هَلْ تَقُولُ إنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِذَلِكَ أَوْ لَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُكَلَّفَةً هَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ رَكَّبَ فِيهَا الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ فِينَا أَوْ لَا؟ وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْجَمَادِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا تَكُونَ مُكَلَّفَةً فِيهِ جَوَازُ حُسْنِ مُخَاطَبَةِ الْجَمَادِ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ.
وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ كُلُّهَا تَأْتِي فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «اُسْكُنْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْك إلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»
(الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ) ﴿رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي تَجْرِي فَهِيَ حَالٌ
(الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ) : بَيْنَ " رُخَاءً وَتَجْرِي " نَوْعٌ مِنْ الطِّبَاقِ لِأَنَّ الْجَرْيَ يَقْتَضِي الشِّدَّةَ وَالرُّخَاءُ يَقْتَضِي اللِّينَ وَكَوْنُ هَذِهِ تَجْرِي مَعَ اللِّينِ فِي غَايَةِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَلِذَلِكَ أَخَّرَ " رُخَاءً " عَنْ " تَجْرِي " وَلَوْ قَدَّمَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ الْوَصْفُ حَالَةَ الْجَرْيِ.
(الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ) : ﴿أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] مَعْنَاهُ هُنَا أَرَادَ. حَكَى الْأَصْمَعِيُّ عَنْ الْعَرَبِ أَصَابَ الصَّوَابَ فَأَخْطَأَ الْجَوَابَ وَعَنْ رُؤْبَةَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَصَدَاهُ أَنْ يَسْأَلَاهُ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهَا فَقَالَ أَيْنَ تُصِيبَانِ؟ فَقَالَا: هَذِهِ طَلَبَتُنَا وَرَجَعَا. وَيُقَالُ أَصَابَ اللَّهُ بِك خَيْرًا.
(السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ) : قَوْلُهُ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] قَالُوا فِي تَفْسِيرِهِ حَيْثُ أَصَابَ حَيْثُ قَصَدَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَيْثُ انْتَهَى قَصْدُهُ مِنْ الْمَسِيرَةِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إلَى حَيْثُ قَصَدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ نِهَايَةُ الْجَرْيِ، وَأَمَّا مَكَانُهُ مِمَّنْ حِينَ قَصَدَ إلَيْهِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَيْثُ وَجَدَ الْقَصْدَ، وَالْقَصْدُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ أَوَّلِ الْجَرْيِ إلَى آخِرِهِ؛ وَهُوَ أَبْلُغُ، فَإِنَّهَا يَكُونُ جَرْيُهَا فِي كُلِّ مَكَان مَنُوطًا
стр. 109
بِقَصْدِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ؛ بِخِلَافِ " حَيْثُ " فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَمْكِنَةِ الْجَرْيِ. وَالْمَقْصُودُ مُخْتَلِفٌ فَفِي الْآيَةِ الْمَقْصُودُ الْأَمْكِنَةُ، وَلَوْ قِيلَ " مَتَى " كَانَ الْمَقْصُودُ الْجَرْيَ، وَذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالْأَمْرِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ مُلَازِمًا لِلْإِرَادَةِ أَوْ لَا. فَجَاءَتْ الْآيَةُ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ لِتَضَمُّنِهَا عُمُومَ الْأَمْكِنَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَعَلُّقِ الْقَصْدِ بِالْجَرْيِ بَلْ مَتَى قَصَدَ مَكَانًا جَرَتْ فِيهِ وَهُوَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ.
(السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ) : تَسْخِيرُ الرِّيحِ بِيَدِهِ بِقَوْلِهِ ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] وَتَسْخِيرُ الشَّيَاطِينِ أَطْلَقَهُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، بَلْ نَفْسُ تَسْخِيرِهِمْ مُعْجِزَةٌ، لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالشَّيْطَنَةِ، فَتَذْلِيلُهُمْ خَارِقُ الْعَادَةِ.
(الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ) : ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] بَدَلٌ مِنْ الشَّيَاطِينِ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ، وَبِهِ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَدَلَ بَعْضٍ لَاحْتَاجَ إلَى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ، وَلَكَانَ الْمُسَخَّرُ بَعْضَ الشَّيَاطِينِ لَا كُلَّهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا مُسَخَّرِينَ لَهُ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَعْمَالِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَوْصِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَفْعَالِ، فَجَعَلَ هَذَانِ الْوَصْفَانِ لِلْجَمِيعِ؛ وَيَبْقَى فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ بَدَلَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَالْأَوَّلُ الشَّيَاطِينُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَالثَّانِي مَدْلُولُهُ كُلُّ فَرْدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ إيَّاهُ؟
(التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ) : قَوْلُهُ ﴿وَآخَرِينَ﴾ [ص: ٣٨] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ كُلٍّ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْبَدَلِ وَهُوَ بَدَلُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ.
(الثَّلَاثُونَ) : ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ [ص: ٣٨] كَانَ يَقْرُنُ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ بَعْضَهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي الْقُيُودِ وَالسَّلَاسِلِ لِلتَّأْدِيبِ وَالْكَفِّ عَنْ الْفَسَادِ. وَعَنْ السُّدِّيِّ كَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَعْنَاقِهِمْ مُغَلَّلِينَ فِي الْجَوَامِعِ وَهُوَ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْيَدِ وَيَشُدُّ.
(الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ) : الْأَصْفَادُ جَمْعُ صَفَدٍ وَهُوَ الْقَيْدُ وَيُسَمَّى بِهِ الْعَطَاءُ كَمَا قِيلَ
وَمَنْ وَجَدَ الْإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدَا
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ قَالُوا صَفَدَهُ وَأَصْفَدَهُ أَعْطَاهُ كَ وَعَدَهُ وَأَوْعَدَهُ.
(الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ) : الْعَطَاءُ الْعَطِيَّةُ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى وَفِي تَصْوِيرِهِ حَاضِرًا وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِهَذَا وَإِضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَنُونَ الْوَاحِدِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ خِطَابًا مِنْهُ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْعَطَاءِ.
(الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ) : ﴿فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] قِيلَ اُمْنُنْ عَلَى مَنْ شِئْت مِنْ الشَّيَاطِينِ أَوْ أَمْسِكْ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ اُمْنُنْ أَيْ أَنْعِمْ وَهُوَ مِنْ الْمِنَّةِ أَيْ أَعْطِ مَنْ شِئْت مَا شِئْت أَوْ أَمْسِكْ فَوَّضَ إلَيْهِ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا تَخْيِيرٌ مَحْضٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ فِي أَمْثِلَةِ التَّخْيِيرِ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] الْمُرَادُ بِهِ التَّسْوِيَةُ وَلَعَلَّهُ مِمَّا خَرَجَ فِيهِ اللَّفْظُ عَنْ مَعْنَى الْأَمْرِ إلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَقَوْلُهُ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] أَمْرُ إبَاحَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ أَرْجَحَ مِنْ الْآخَرِ.
(الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ) : ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] يَحْتَمِلُ
стр. 110
أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] عَطَاؤُنَا بِغَيْرِ حِسَابٍ.
(السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ) : ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] وُجُوهًا: أَحَدُهَا بِلَا حِسَابٍ عَلَيْك فِي ذَلِكَ وَلَا تَبَعَةٍ. الثَّانِي بِغَيْرِ حِسَابٍ مِنَّا كَثِيرًا لَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَى حَسْبِهِ وَحَصْرِهِ. الثَّالِثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِك. فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنْ الْمُحَاسَبَةِ وَالثَّالِثُ مِنْ الْحُسْبَانِ.
(السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ) : ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠] هَذَا مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ خَتَمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِالْقُرْبِ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ وَحُسْنِ الْمَآبِ. اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا ذَلِكَ بِنَبِيِّك ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] أَمَرَهُ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ اللَّهَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ بِعِبَادَتِهِ مُخْلِصًا لَهُ دِينَهُ، وَأَجَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ مِنْ تَتِمَّتِهِ أَنَّ هَذَا الِاخْتِصَاصَ لَا يَجْعَلُهُ مِثْلَ " مَا وَإِلَّا " مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّك لَوْ قُلْت: لَا أَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي إنْ قَدَّرْت " مُخْلِصًا " مَعْمُولَ " أَعْبُدُ " مُتَقَدِّمًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ كُنْت قَدْ خَصَصْت اللَّهَ بِالْإِخْلَاصِ لَا بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ؛ بَلْ اللَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعِبَادَةِ وَبِالْإِخْلَاصِ وَإِنْ قَدَّرْت الِاسْتِثْنَاءَ مُتَقَدِّمًا وَ " مُخْلِصًا " مَعْمُولٌ لِ أَعْبُدُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَجُزْ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ قَدَّرْت لَهُ فِعْلًا آخَرَ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا لَزِمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأَدَاةِ الْحَصْرِ. أَمَّا التَّقْدِيمُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ مِنْ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَحَوَى الْكَلَامِ. فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ النَّحْوِيُّ فِي تَأَخُّرِ الْحَالِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ انْتَهَى. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْمُرَادُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْوَارِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْخِذْلَانِ وَالتَّخْلِيَةِ. عَلَى مَا حَقَقْت الْقَوْلَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ، قُلْت وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَعْنًى حَسَنٌ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَعْنَى التَّهْدِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أَوْ هُوَ هُوَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّرَ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَتَزْدَادُ مَعَانِي صِيغَةِ " افْعَلْ " مَعْنًى آخَرَ وَكَانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ [الزمر: ٨] إنَّهُ مِنْ بَابِ الْخِذْلَانِ وَالتَّخْلِيَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أَبَيْت قَبُولَ مَا أُمِرْت بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فَمِنْ حَقِّك أَنْ لَا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ مُبَالَغَةً فِي خِذْلَانِهِ وَتَخْلِيَتِهِ وَشَأْنِهِ لِأَنَّهُ لَا مُبَالَغَةَ فِي الْخِذْلَانِ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُبْعَثَ عَلَى عَكْسِ مَا أُمِرَ بِهِ وَنَظِيرُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] قُلْت: وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْنَى التَّهْدِيدِ،
стр. 111
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَعْبُدُ اللَّهَ وَمَا أَحَدٌ غَيْرَهُ يُعْبَدُ، فَأَنْتُمْ إذَا لَمْ تُوَافِقُونِي اُعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ فَلَمْ تَجِدُوا شَيْئًا.
وَنَظِيرُهُ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ يُجَادِلُك وَقَدْ ذَكَرْت لَهُ الْقَوْلَ الْحَقَّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ: أَنَا قُلْت هَذَا فَقُلْ أَنْتَ مَا تَشْتَهِي يَعْنِي أَنَّهُ مَنْ قَالَ خِلَافَهُ فَلَا شَيْءَ فَهُوَ مِثَالٌ لِفَسَادِ مَا يَقُولُهُ وَإِنْ لَمْ يُرَتَّبْ عَلَيْهِ وَعِيدَانِ قَصَدْت تَرْتِيبَ وَعِيدٍ عَلَيْهِ فَهُوَ التَّهْدِيدُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخَائِنَةُ صِفَةٌ لِلنَّظْرَةِ أَوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخِيَانَةِ كَالْعَافِيَةِ بِمَعْنَى الْمُعَافَاةِ وَالْمُرَادُ اسْتِرَاقُ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الرَّيْبِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُرَادَ الْخَائِنَةُ مِنْ الْأَعْيُنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلَى مَا لَا يَحِلُّ وَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَةِ الْغَرِيبِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنْ قَالَاهُ هُمَا وَغَيْرُهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ لَمَّا أَهْدَرَ دَمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَأَتَاهُ بِهِ عُثْمَانُ أَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَعْطَفَهُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ عَفَا عَنْهُ حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ. فَانْصَرَفَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَّا أَوْمَأْت إلَيْنَا؟ فَقَالَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» فَانْظُرْ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ كَانَ قَتْلُهُ حَلَالًا وَلَوْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَوْمَأَ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ لَا يُبْطِنُونَ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَ فَكَانَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَالٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ هِيَ النَّظْرَةُ إلَى مَا لَا يَحِلُّ كَانَتْ حَرَامًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْخَصَائِصِ فَلَمَّا كَانَتْ مِنْ الْخَصَائِصِ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا قَالَ
стр. 112
الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وَإِنَّمَا هِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مَا لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ الْمُومَأُ فِي حَقِّهِ، وَلَعَلَّ تَسْمِيَتَهَا خَائِنَةً لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُجَالَسَةِ وَالْمُكَالَمَةِ الْمُصَافَاةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَاسْتِوَاءُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حَقِّ الْمُتَجَالِسِينَ وَالْمُتَخَاطَبِينَ أَمْرٌ يَقْتَضِيهِ أَدَبُ الصُّحْبَةِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَكَأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَمُخَالَفَةٌ الْأَمَانَةِ خِيَانَةٌ. وَلَيْسَ كُلُّ خِيَانَةٍ حَرَامًا. فَإِنَّ الْأَمَانَةَ تَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ، فَكَذَلِكَ تَنْقَسِمُ الْخِيَانَةُ إلَى حَرَامٍ وَمَكْرُوهٍ وَخِلَافُ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ تَكُونُ حَرَامًا فِي حَقِّكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَحُجَّهُمْ إلَى ذَلِكَ. فَاسْتَوَتْ بَوَاطِنُهُمْ وَظَوَاهِرُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ بِأَنَّ اسْتِرَاقَ النَّظَرِ فَوْقَ حَدِّ التَّكْلِيفِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَكَانَ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِالْحُرْمَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا افْتَرَقَ الْحَالُ فِيهِ وَجُعِلَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ حَرَامًا وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ حَلَالًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ وَالْقُدْرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَلَا يَحْسُنُ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لِعَطْفِ الْعَرَضِ عَلَى الْجَوْهَرِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْعَرَضَ يُعْطَفُ عَلَى الْجَوْهَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَقِيلَ لِيَشْمَلَ أَدَقَّ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَهُوَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَعْلَاهَا وَأَدَقُّ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ تَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهَا، وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ، لَكِنْ لَا يَكْفِي وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيمَا أَشَارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ النَّظْرَةَ الْخَائِنَةَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَسَبَبُهَا الْحَامِلُ عَلَيْهَا الَّذِي هُوَ أَخْفَى مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَخْفَى هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا مَعْنَى مُسَاعِدَتِهِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِهِ بِخِلَافِ كَوْنِهِ عَرَضًا مَعَ جَوَاهِرَ أَوْ فِعْلِ قَلْبٍ مَعَ فِعْلِ جَارِحَةٍ فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ وَإِنَّ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ هِيَ الَّتِي تَنْظُرُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي سَوَاءٌ أَكَانَتْ سِرًّا أَمْ جَهْرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ بَلْ الْمُرَادُ الْأَسْرَارُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَاَللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَعْنِي وَاَلَّذِي هَذِهِ صِفَاتُهُ وَأَحْوَالُهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِالْحَقِّ وَكَذَا قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ فِي خُصُوصِ الْكَلَامِ، وَفَكَّرْت فِيهِ فَوَجَدْت لَهُ طَرِيقِينَ:
(أَحَدُهُمَا) مَفْهُومُ الصِّفَةِ فَإِنَّ السَّيِّئَ مَوْصُوفٌ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ أَوْ الْقَضَاءِ وَتَخْصِيصُهُ بِإِحْدَى صِفَتَيْ الذَّاتِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَهَذَا مُطَّرَدٌ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ كَلَامٍ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ غَافِرِ - أَنَّ مَنْ
стр. 113
هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِالْحَقِّ فَهَذَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ وَيَطَّرِدُ حَيْثُ ذُكِرَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ سَبَبُهُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ لَيُشْعِرَ بِالْعِلَّةِ؛ وَحَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ يُوجَدُ الْمَعْلُولُ؛ وَحَيْثُ وُجِدَ الْمَعْلُولُ يَنْتَفِي ضِدُّهُ.
وَهَذَا مَعْنَى الْحَصْرِ، وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي مَادَّةٍ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى اسْمٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى مَعْنًى يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ. فَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ تُفِيدَانِ الْمَقْصُودَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا الْحَصْرُ. وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَحَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمَخْبَرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بِقَوْلٍ أَوْ بِنَصٍّ، فَذَاكَ حَصْرٌ غَيْرُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ " مِنْ " إذَا دَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَهَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِنَا: مَا قَامَ مِنْ رَجُلٍ وَشَبَهِهِ هَلْ هِيَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ قَوْلِنَا مَا قَامَ، أَوْ لِتَأْكِيدِ إرَادَةِ الْعُمُومِ مِنْ قَوْلِنَا " رَجُلٌ " الْمَنْفِيُّ؟ وَالْحَقُّ الثَّانِي وَلِذَلِكَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَا مِنْ عَائِبٍ وَلَا عَاتِبٍ وَلَا مُعَاقَبٍ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهَا. وَمِمَّا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] لَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِفْهَامَ أَيُّ سَبِيلٍ أَوْ بَعْضُ سَبِيلٍ؟ وَيَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [الشورى: ٤٤] وَكَوْنُهُ مَاضِيًا كَيْفَ جَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٤] وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ؟ وَقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهَا﴾ [الشورى: ٤٥] الضَّمِيرُ لِلنَّارِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ، لَكِنْ دَلَّ الْعَذَابُ عَلَيْهَا. قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] . قَالَ ﵀.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَبْتَدِئُونَهُمْ بِالظُّلْمِ حَسَنٌ؛ وَلَكِنَّ أَحْسَنَ مِنْهُ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُبْتَدِئَ هُوَ الظَّالِمُ، وَالْمُنْتَصِرَ لَيْسَ بِظَالِمٍ، وَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الظُّلْمِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ يَبْتَدِئُونَهُمْ بِالظُّلْمِ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الثَّانِيَ ظُلْمٌ غَيْرُ مُبْتَدَأٍ بِهِ، فَيُرَخَّصُ فِيهِ، بَلْ هُوَ لَيْسَ بِظُلْمٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا اسْتَفَدْنَا ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ الْآيَةِ ﴿يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَظْلِمُونَ وَأَنَّهُمْ هُمْ ظَالِمُونَ، فَهِيَ جَامِعَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْجَانِبَيْنِ لِبَيَانِ ظُلْمِ الْمُبْتَدِئِ بِالسَّيِّئَةِ وَنَفْيِ ظُلْمِ الْمُجَازِي بِهَا. وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ " إنَّمَا " لِلْحُصْرِ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا تَأْكِيدَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وَإِنَّمَا يُؤَكِّدُ النَّفْيَ إذَا دَلَّتْ عَلَى الْحَصْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلْنَاهَا لِمُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ.
[قَوْله تَعَالَى إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ
стр. 114
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَحَذَفَ الرَّاجِعَ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ كَمَا حُذِفَ مِنْ قَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الصَّبْرِ وَالْمَغْفِرَةِ لِدَلَالَةِ " صَبَرَ وَغَفَرَ " عَلَيْهِمَا كَأَنَّهُ قَالَ إنَّ صَبْرَهُمْ وَمَغْفِرَتَهُمْ فَأَغْنَى عَنْ الرَّابِطِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ﴾ [الزخرف: ٣٦] قُرِئَ شَاذًّا (وَمَنْ يَعْشُو) بِالْوَاوِ وَجَعَلَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْصُولَةً وَإِنْ كَانَتْ تُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَثَبَتَتْ الْوَاوُ كَمَا ثَبَتَتْ فِي (مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ) . ثُمَّ قَالَ وَحَقُّ هَذَا الْقَارِئِ أَنْ يَرْفَعَ (نُقَيِّضْ) وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ بِأَنْ يَكُونَ جَزْمُ الْجَوَابِ يُشَبِّهُ الْمَوْصُولَ بِاسْمِ الشَّرْطِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْمُوعًا فِي " الَّذِي " وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ اسْمُ شَرْطٍ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِيمَا اُسْتُعْمِلَ مَوْصُولًا. وَشَرْطًا قَالَ الشَّاعِرُ
وَلَا تَحْفِرَنْ بِئْرًا تُرِيدُ أَخًا بِهَا ... فَإِنَّك فِيهَا أَنْتَ مِنْ دُونِهِ تَقَعْ
كَذَاك الَّذِي يَبْغِي عَلَى النَّاسِ ظَالِمًا ... تُصِبْهُ عَلَى رَغْمٍ عَوَاقِبُ مَا صَنَعْ
أَنْشَدَهُمَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَلَهُ وَجْهٌ مِنْ الْقِيَاسِ. لِأَنَّهُ كَمَا يُشَبِّهُ الْمَوْصُولَ بِاسْمِ الشَّرْطِ فَدَخَلَتْ الْفَاءُ فِي خَبَرِهِ فَكَذَلِكَ يُشَبِّهُ بِهِ فَيَنْجَزِمُ الْخَبَرُ، إلَّا أَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ يَنْقَاسُ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ النَّحْوِ وَهَذَا لَا يَنْفِيهِ الْبَصْرِيُّونَ. انْتَهَى مَا قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ.
فَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنْ الْقِيَاسِ فِي جَزْمِ الْجَوَابِ عَلَى دُخُولِ الْفَاءِ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا الْقِيَاسُ " مِنْ " عَلَى " الَّذِي " فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ " الَّذِي " اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ، فَلَا بُعْدَ فِي دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِهَا، وَفِي جَزْمِ جَوَابِهَا نَظَرٌ إلَى مَعْنَاهَا، لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ وَأَمَّا " مِنْ " إذَا خَرَجَتْ عَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَاسْتُعْمِلَتْ مَوْصُولَةً لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ فَكَيْفَ يُجْزَمُ الْجَوَابُ. فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ بِهَا أَصْلًا، لِأَنَّ الْجَزْمَ إمَّا بِالْمَعْنَى وَإِمَّا بِاللَّفْظِ لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى وَالْحَالَةَ هَذِهِ لَيْسَ هُوَ الشَّرْطُ، وَلَا بِاللَّفْظِ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْمَوْصُولِ فَقَدْ يُرِيدُ الثَّانِي، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ اتَّحَدَ الْمَعْنَى، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الْمَعْنَى فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَوْلَى انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى سَيَهْدِينِ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵁: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﵊ (سَيَهْدِينِ) أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وَمَرَّةً ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] فَاجْمَعْ بَيْنَهَا وَقَدِّرْ كَأَنَّهُ قَالَ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وَ (سَيَهْدِينِ) فَيَدُلَّانِ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْهِدَايَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ. قُلْت: وَاَلَّذِي قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ صَحِيحٌ وَلَيْسَ عِنْدِي فِيهِ
стр. 115
زِيَادَةٌ أُخْرَى تَظْهَرُ بِهَا مُنَاسَبَةُ كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ فَإِنَّهُ هُنَا قَالَ ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] فَنَاسَبَ الِاسْتِقْبَالَ لِأَجَلِ الْعَقِبِ وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ لَهُ وَحْدَهُ فَنَاسَبَ قَوْلَهُ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وَيَبْقَى قَوْلُهُ ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْعَقِبِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ بِالسِّينِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْفِعْلِ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵁ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَصْرِ لَمْ تَفْدِ هُنَا إلَّا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ " إنْ " الْأُولَى وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ تَسْتَقْرِئَ هَلْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إنْ زَيْدًا إنَّهُ قَائِمٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَسْمُوعًا صَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ؛ وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا فَتَتَوَقَّفُ الدَّلَالَةُ لِأَنَّهُ يُقَالُ إنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] الْآيَةُ خَطَرَ لِي فِي أَنَّهُ رَدٌّ «لِقَوْلِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَمَنْ مَعَهُ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ لَوْ نَعْلَمُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاك» كَأَنَّهُ بِلِسَانِ الْحَالِ يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ شَهَادَةٍ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ أَنْ يَكُونَ (رَسُولُ اللَّهِ) خَبَرًا وَلَا يَكُونُ صِفَةً وَإِنْ كَانَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْإِعْرَابَ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ أَوْ مُبْتَدَأً وَمَا بَعْدَهُ عَطْفُ بَيَانٍ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة: ٩٥] مَا نَصُّهُ: تَكَلَّمَ فِيهِ السُّهَيْلِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ " لَا " أَبْلَغُ. وَصَاحِبُ دُرَّةِ التَّنْزِيلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ " لَنْ " أَبْلَغُ. وَأَنَا أَقُولُ إنَّ " لَنْ " أَبْلَغُ فِي حَقِيقَةِ النَّفْيِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ أَوَّلَ زَمَانِ النَّفْيِ، وَ " لَا " أَبْلَغُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمُسْتَقْبَلُ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ. وَوَرَدَ التَّأْبِيدُ فِيهِمَا، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]
وَهَذَا الشَّرْطُ وَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ نِهَايَةُ مُرَادِ الْمُؤْمِنِ، وَجَزَاؤُهَا الْأَمْرُ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ نِهَايَةُ الْمُرَادِ قَدْ حَصَلَتْ فَلَا مَانِعَ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ الْمُوصِلِ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي ثَبَتَ حُصُولُهَا لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَحَسُنَ بَعْدَهُ " لَنْ " لِأَنَّهَا قَاطِعَةٌ بِالنَّفْيِ الْآنَ الْمُضَادِّ لِلشَّرْطِ الَّذِي قُدِّرَ حُصُولُهُ الْآنَ، فَالْمَقْصُودُ تَحْقِيقُ النَّفْيِ الْآنَ وَتَأْكِيدُهُ،
стр. 116
وَإِنْ امْتَدَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلِذَلِكَ قُرِنَ بِالتَّأْبِيدِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدَانِ أَحَدُهُمَا فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ بِلَنْ وَالثَّانِي فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ بِالتَّأْبِيدِ. وَفِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦] فَجَعَلَ الشَّرْطَ أَمْرًا مُسْتَقْبَلًا قَدْ يَقَعُ الزَّعْمُ مِنْهُمْ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ. وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَوْلِيَاءَ حُصُولُ الدَّارِ الْآخِرَةِ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا مُطَابَقَةً كَالْآيَةِ الْأُولَى فَجَاءَ الِانْتِفَاءُ لِلتَّمَنِّي الْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي مَتَى وَقَعَ الزَّعْمُ عُلِمَ انْتِفَاءُ التَّمَنِّي، فَكَانَ التَّأْكِيدُ فِيهِ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ صُرِّحَ بِالتَّأْبِيدِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِصِيغَةِ " لَنْ " فَإِنْ قُلْت فَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ " لَنْ " وَ " لَا " وَلَمْ يَذْكُرْهُ النُّحَاةُ وَغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ " لَنْ " أَوْسَعُ أَوْ " لَا " أَوْسَعُ وَفِي أَنَّ " لَا " تَخْتَصُّ بِالْمُسْتَقْبَلِ أَوْ تَحْتَمِلُ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ، وَهَذَا الَّذِي قُلْته أَنْتَ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَبْلَغُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ. قُلْت وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنْفُوهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ مَوَارِدِهَا.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: ٢٤] ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا - وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ﴾ [الإسراء: ٢٢ - ٩٣] ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. فَانْظُرْ مَوَارِدَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَقُوَّةَ تَحْقِيقِ النَّفْيِ فِي الْحَالِ فِيهَا، وَفِي بَعْضِهَا التَّأْبِيدُ لِإِرَادَةِ تَقْوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ وَفِي قَوْلِهِ (إذًا أَبَدًا) الْمَقْصُودُ تَحْقِيقُ النَّفْيِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى الْأَبَدِ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ فَالتَّأْبِيدُ مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَانِهِ إلَى الْأَبَدِ وَلِذَلِكَ احْتَرَزْت فِي أَوَّلِ كَلَامِي فَلَمْ أَقُلْ مِنْ الْآنَ وَأَمَّا " لَا " فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] لِأَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ عِلْمِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَلَا يَحْسُنُ هُنَا.
وَكَذَلِكَ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] لَيْسَ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَقَوْلُ مُوسَى ﵇ ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ [الكهف: ٦٠] أَيْ لَا أَبْرَحُ مُسَافِرًا وَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ السَّفَرِ فَلَيْسَ كَقَوْلِ أَخِي يُوسُفَ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ - وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٠ - ٧٦] لَمَّا كَانَ الْمُسْتَثْنَى الزَّمَانَ الْأَوَّلَ جَازَ " لَا " وَالْمُسْتَثْنَى فِي ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] الْفِعْلُ فَكَانَ " لَنْ " مَعَ تَحْقِيقِ النَّفْيِ فِي أَوَّلِ الْأَزْمِنَةِ وَانْظُرْ كَيْفَ وَقَعَ التَّعَادُلُ بَيْنَ " لَنْ " وَ " لَا " اشْتَرَكَا فِي نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَاخْتَصَّتْ " لَا " بِنَفْيِ الْحَالِ وَالْمَاضِي وَاخْتَصَّتْ
стр. 117
لَنْ بِقُوَّةِ النَّفْيِ مِنْ ابْتِدَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قُوَّةُ نَفْيِ رُؤْيَتِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا التَّأْبِيدُ فَلَا صَرِيحَ فِي دَلَالَتِهِمَا عَلَى النَّفْيِ فِي الْآخِرَةِ وَدَلَالَةُ " لَنْ " عَلَى النَّفْيِ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ " لَا " وَدَلَالَةُ " لَا " عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ " لَنْ " لِمَا فِي " لَا " مِنْ الْمَدِّ الْمُنَاسِبِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ " لَا " أَوْسَعُ " وَلَنْ " أَقْوَى وُسْعَةً لَا فِي الظَّرْفِ مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَيَمُدُّهُ مَا قَبْلَهُ إلَى أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَاضِي فَصَارَتْ لِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ؛ " وَلَنْ " لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أَوَّلِهِ، فَظَاهِرُ " لَنْ " بَاقِيَةٌ وَالْمُعَادَلَةُ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ مِنْ حِكْمَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[الْفَهْمُ السَّدِيدُ مِنْ إنْزَالِ الْحَدِيدِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي نَظَرْت يَوْمًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وَأَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ، فَقِيلَ نَزَلَ آدَم ﵇ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَعَهُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مِنْ حَدِيدِ الْكِلْبَتَانِ وَالسِّنْدَانِ وَالْمِطْرَقَةِ وَالْمِيقَعَةِ وَالْإِبْرَةِ؛ وَالْمِيقَعَةُ خَشَبَةُ الْقَصَّارِ الَّتِي يَدُقُّ عَلَيْهَا، وَعَنْ الْحَسَنِ ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] خَلَقْنَاهُ، كَقَوْلِهِ ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] وَذَلِكَ أَنَّ أَوَامِرَهُ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَقَضَايَاهُ وَأَحْكَامُهُ، فَاسْتَحْسَنْت هَذَا الْقَوْلَ، وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْإِنْزَالِ عَنْ الْخَلْقِ وَالْعَلَّاقَةُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْأَوَامِرَ وَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَامَ نَازِلَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِحَسَبِ تَسْمِيَةِ الْمَخْلُوقِ بِالْمُنْزَلِ لِذَلِكَ، لِأَنَّ كِلَاهُمَا مِنْ الْقَضَايَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا، ثُمَّ فَكَّرْت فِي كَوْنِ الْقَضَاءِ وَالْأَوَامِرِ وَالْأَحْكَامِ نَازِلَةً مِنْ السَّمَاءِ فَوَقَعَ لِي أَنَّهَا جِهَةُ الْعُلُوِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ وَمَقْضِيٌّ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُنَاسَبَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُورَ مَحَلُّهُ التَّسَافُلُ وَالذِّلَّةُ وَالْخُضُوعُ، وَالْأَوَامِرُ الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ مَحَلُّهَا الْعُلُوُّ وَالِاسْتِعْلَاءُ وَالْقَهْرُ، وَذَلِكَ عُلُوٌّ مَعْنَوِيٌّ، وَالْعُلُوُّ الْمَعْنَوِيُّ يُنَاسِبُهُ الْعُلُوُّ الْحِسِّيُّ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأَوَامِرُ تَأْتِي مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ؛ وَالسَّمَاءُ مُحِيطَةٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ؛ فَجُعِلَتْ الْأَوَامِرُ مِنْهَا، وَالْمَأْمُورُ فِي الْحَضِيضِ مِنْهَا لِيَرَى نَفْسَهُ أَبَدًا سَافِلًا رُتْبَةً وَصُورَةً تَحْتَ الْأَوَامِرِ لِيَنْقَادَ إلَيْهَا، وَذَلِكَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ، حَتَّى لَا تَتَكَبَّرَ نَفْسُهُ فَيَهْلَكُ، فَهَذِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي تَخْصِيصِ السَّمَاءِ بِمَجِيءِ الْأَوَامِرِ مِنْهَا، وَكَانَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَعَلَّ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَأَسْكَنَهَا مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ هُمْ سُفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَحَمَلَةُ أَمْرِهِ وَأَحْكَامِهِ
стр. 118
وَخَلَقَ فَوْقَ ذَلِكَ عَرْشَهُ وَكُرْسِيَّهُ لِيُرَكِّزَ فِي نُفُوسِ الْعِبَادِ عَظَمَتَهُ وَاسْتِعْلَاءَ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِمْ لِيَنْقَادُوا لَهَا.
وَيُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَحَيُّزِهِ تَعَالَى فِيهَا، وَلَمَّا كَانَتْ جِهَةُ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَارْتَكَزَتْ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ فِي نُفُوسِ الْعِبَادِ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ لِنُزُولِ الْقَضَاءِ لَا لِتَحَيُّزِ الرَّبِّ فِيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَدْبِيرٌ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يَرِدُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَوَامِرِ وَمَا يَصْلُحُهُمْ، وَالرَّبُّ مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ الْعُقُولُ، وَحَسْبُ الْعَبْدِ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ بِالذِّلَّةِ وَالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَالتَّكْلِيفِ وَامْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ وَكُلِّفَ وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَتَعْظِيمِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا وَعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فَالْعُقُولُ تَقْصُرُ دُونَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠] شَاهِدٌ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ لِلْعُمُومِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّسُولِ مُوسَى ﵇ الْمُرْسَلُ إلَى فِرْعَوْنَ، وَلَفْظُ الْمُرْسَلِ إلَى الْمُؤْتَفِكَاتِ وَيَدْخُلُ أَيْضًا هَارُونُ وَيُوسُفُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْله تَعَالَى لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ هَذَا التَّرْتِيبِ، إنْ كَانَ مِنْ تَرْتِيبِ الْجُمَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى رُؤْيَتِهَا ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَى رُؤْيَتِهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَى السُّؤَالِ فَوَاضِحٌ؛ لَكِنَّهُ لَيْسَ الْمُتَبَادِرَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْآيَةِ، فَإِنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ التَّرْتِيبُ فِي الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بَلْ فِي نَفْسِ الْمُقْسِمِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ فِي الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمُتَبَادَرِ، وَالْقَسَمُ إنْشَاءٌ لَا يَقْبَلُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُمَا مَعًا أَوْ يَضْرِبَ عَمْرًا ثُمَّ زَيْدًا، فَإِنَّهُ إنَّمَا رَتَّبَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ لَا بَيْنَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِمَا.
فَالْوَجْهُ فِي فَهْمِ الْآيَةِ أَنْ نَقُولَ " ثُمَّ " دَالَّةٌ عَلَى تَأَخُّرِ مَا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْجَحِيمِ الْأُولَى، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْجَحِيمِ ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ " بَعْدَ " ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِأَنَّ الْقَسَمَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ لَكِنَّا نَقُولُ هُوَ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] وَاَللَّهِ وَهَكَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ. فَالْقَسَمُ الْآنَ عَلَى مَا يَقَعُ مُرَتَّبًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا وَطَئْتُكِ فَهُوَ قَسَمٌ الْآنَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطَأُ بَعْدَ دُخُولِ الدَّارِ فَالْمُعَلَّقُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ لَا الْقَسَمُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ التَّعْلِيقِ
стр. 119
يَقْتَضِي أَنَّهُ الْقَسَمُ لِأَنَّهُ الَّذِي جُعِلَ جَزَاءً فَالشَّرْطُ كَالْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا وَالْقَسَمُ كَالْجُمَلِ الْمَعْطُوفَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا كُلُّهُ إنْ قَدَّرْنَا الْقَسَمَ بَعْدَ قَسَمٍ يَقْبَلُ اللَّامَ أَمَّا إذَا قَدَّرْنَاهُ قَسَمًا وَاحِدًا قَبْلَ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] شَامِلًا لِلْجُمَلِ الثَّلَاثِ فَلَا يَأْتِي هَذَا الْإِمْكَانُ وَيَكُونُ قَدْ أَقْسَمَ قَسَمًا وَاحِدًا لَا أَقْسَامًا ثَلَاثَةً، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْبَحْثِ إذَا حَلَفَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا ثُمَّ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ عَمْرًا ثُمَّ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ خَالِدًا كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ؛ وَكَوْنُ الْيَمِينِ عَلَى الثَّلَاثِ الْآنَ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، هَذَا مُحْتَمَلٌ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى نِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى التَّرْتِيبَ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالتَّرْتِيبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَفَى وُجُودُ الثَّلَاثِ كَيْفَ اتَّفَقَ؛ وَمَتَى تَرَكَ الثَّلَاثَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، وَإِنْ فَعَلَ وَاحِدَةً وَتَرَكَ ثِنْتَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ مَا تَرَكَ، وَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا ثُمَّ لَأَضْرِبَنَّ عَمْرًا ثُمَّ لَأَضْرِبَنَّ خَالِدًا، كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً مَرْتَبَةً عَلَى الثَّلَاثِ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا ثُمَّ عَمْرًا ثُمَّ خَالِدًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا زِيَادَةَ التَّأْكِيدِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا ثُمَّ عَمْرًا ثُمَّ خَالِدًا يَمِينًا وَاحِدَةً بِلَا إشْكَالٍ، وَمَتَى أَعَادَ اللَّامَ فِي الِاثْنَيْنِ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَدِّرُ الْقَسَمَ فِي كُلٍّ مِنْهَا؛ بَلْ هُوَ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَا فِي النَّفْيِ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا ضَرَبْت زَيْدًا وَلَا عَمْرًا فَإِنَّهَا يَمِينَانِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْيَمِينِ وَاحِدًا، وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ قُلْتهمَا تَفَقُّهًا لَا نَقْلًا وَلَا يَتَرَجَّحُ الْآنَ مِنْهُمَا عِنْدِي شَيْءٌ. وَلَعَلَّهُ يَقْوَى عِنْدِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، فَإِنَّنِي مَائِلٌ إلَيْهِ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ الْآنَ دَلِيلًا يَنْهَضُ تَرْجِيحُهُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]
(آيَاتٌ أُخْرَى)
هَذِهِ الْآيَاتُ إذَا كُتِبَتْ تُقَدَّمُ إلَى مَوَاضِعِهَا. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] زِيدَتْ " مِنْ " لِإِفَادَةِ صِفَةِ الْعُمُومِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: لَا حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ إذَا ثَبَتَ اسْمُ لَا مَعَهَا فِي إفَادَةِ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا ذُكِرَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ النَّفْيُ الشَّفَاعَةَ وَالطَّاعَةَ مَعًا، وَأَنْ يَتَنَاوَلَ الطَّاعَةَ دُونَ الشَّفَاعَةِ كَمَا تَقُولُ مَا عِنْدِي كِتَابٌ يُبَاعُ، فَهُوَ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ عِنْدَك كِتَابًا إلَّا أَنَّك لَا تَبِيعُهُ وَنَفْيُهُمَا جَمِيعًا وَأَنْ لَا كِتَابَ عِنْدَك وَلَا كَوْنُهُ مَبِيعًا وَنَحْوُهُ
وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ
يُرِيدُ نَفْيَ الضَّبِّ وَانْجِحَارِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ، وَلَكِنْ لِانْتِفَاءِ الْمُرَكَّبِ طَرِيقَانِ وَهُمَا الِاحْتِمَالَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا، فَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي طَرِيقِ الِانْتِفَاءِ
стр. 120
الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، لَا فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ.
فَإِنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْمَدْلُولِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ لَهُمَا إمَّا مُشْتَرَكًا وَإِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُضَلَاءِ بِخِلَافِ مَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ هَذَا وَكَذَا قَوْلُك مَا عِنْدِي كِتَابٌ يُبَاعُ إنَّمَا مَدْلُولُهُ نَفْيُ كِتَابٍ مَوْصُوفٍ وَسَاكِتٌ عَمَّا سِوَاهُ، وَالِاحْتِمَالَانِ فِي الْوَاقِعِ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَكَذَا
وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ
إنَّمَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ الضَّبِّ مُنْجَحِرًا، وَالِاحْتِمَالَانِ فِي الضَّبِّ بِهَا وَلَا يَنْجَحِرُ أَوْ لَا ضَبَّ بِهَا أَصْلًا، وَحَمْلُهُ عَلَى إرَادَةِ الثَّانِي صَحِيحٌ لَيْسَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ لَاطَّرَدَ وَلَكَانَ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " عَلِيٌّ لَا حُبَّ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ " يُرِيدُ لَا مَنَارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ، تَعْرِفُ مَقْصُودَهُ ذَلِكَ مِنْ الْقَرِينَةِ لَا مِنْ اللَّفْظِ وَحْدَهُ، أَلَا تَرَاك لَوْ قُلْت زَيْدٌ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ وَلَا عِلْمَ لَهُ مَا لَمْ يُحْسِنْ ذَلِكَ إلَّا عَلَى بَعْدِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ حَيْثُ قَصَدَ وَصْفَ النَّكِرَةِ كَلَا حِبَّ وُصِفَ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِمَنَارِهِ فَالْأَبْلَغُ انْتِفَاءُ الْمَنَارِ، وَفِي زَيْدٍ لَمْ يَقْصِدْ وَصْفَهُ بَلْ الْمَدْلُولُ نَفْيُ الِانْتِفَاعِ عَنْ عِلْمِهِ فَاسْتَدْعَى وُجُودَ السَّالِبَةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمَنْطِقِيُّونَ وَأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي وُجُودَ مَوْضُوعِهَا صَحِيحٌ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مِنْهَا مَا يُسْتَحْسَنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَحْسَنُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْت فَعَلَى أَيِّ الِاحْتِمَالَيْنِ يَجِبُ حَمْلُهُ؟
قُلْت عَلَى نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشُّفَعَاءَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا يُحِبُّونَ وَلَا يَرْضَوْنَ إلَّا مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَهُ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ فَلَا يُحِبُّونَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يُحِبُّوهُمْ لَمْ يَنْصُرُوهُمْ وَلَمْ يَشْفَعُوا لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] قَالَ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وَلِأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي زِيَادَةِ التَّفَضُّلِ، وَأَهْلُ التَّفَضُّلِ وَزِيَادَتِهِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ الثَّوَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] .
وَعَنْ الْحَسَنِ " وَاَللَّهِ مَا يَكُونُ لَهُمْ شَفِيعٌ أَلْبَتَّةَ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ حَمْلُهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُنَا " انْتِفَاء " خَيْرٌ مِنْ قَوْلِهِ " نَفْي " لِأَنَّ النَّفْيَ فِعْلُ الْفَاعِلِ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَالِاسْتِدْلَالُ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] صَحِيحٌ، وَمَعْنَاهُ ارْتَضَى الشَّفَاعَةَ لَهُ وَكَذَا ﴿إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وَكَذَا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ الْأُولَى أَصَرْحُ فِي اشْتِرَاطِ الِارْتِضَاءِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْنَى لِمَنْ ارْتَضَاهُ فَتَجْتَمِعُ شُرُوطُ حَذْفِ الْعَائِدِ عَلَى الْمَوْصُولِ.
وَكَأَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أَرَادَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ مُرْتَضًى فَلَا تَشْمَلُهُ الشَّفَاعَةُ، لَكِنَّا نَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، فَحُذِفَ هَذَا وَتُوُسِّعَ فِي الضَّمِيرِ وَنُصِبَ بِالْفِعْلِ وَحُذِفَ
стр. 121
حِينَئِذٍ؛ أَوْ يُقَالُ إنَّهُ بِالْإِذْنِ بِالشَّفَاعَةِ لَهُ حَصَلَ الْعَفْوُ عَنْهُ، فَصَارَ مُرْتَضًى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَكْفِي فِي كَوْنِهِ مُرْتَضًى إسْلَامُهُ وَإِنْ كُرِهَ فِسْقُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي زِيَادَةِ التَّفَضُّلِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اعْتِزَالٌ مِنْهُ لِإِنْكَارِهِ الشَّفَاعَةَ الَّتِي هِيَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يُسَلِّمُهَا، وَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِأَهْلِ التَّفْضِيلِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ إذَا لَمْ يُحِبُّوهُمْ لَمْ يَشْفَعُوا لَهُمْ قَدْ يَمْنَعُ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ قَدْ تَكُونُ لِلرَّحْمَةِ مِنْ غَيْرِ مَحَبَّةٍ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْت الْغَرَضُ حَاصِلٌ بِذِكْرِ الشَّفِيعِ وَنَفْيِهِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَنَفْيِهَا؟ قُلْت فِي ذِكْرِهَا فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهِيَ أَنَّهَا ضُمَّتْ إلَيْهِ لِيُقَامَ انْتِفَاءُ الْمَوْصُوفِ مَقَامَ الشَّاهِدِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَتَأَتَّى بِدُونِ مَوْصُوفِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إزَالَةً لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَوْصُوفِ.
بَيَانُهُ أَنَّك إذَا عُوتِبْت عَلَى الْقُعُودِ عَنْ الْغَزْوِ؛ فَقُلْت: مَا لِي فَرَسٌ أَرْكَبُهُ وَلَا مَعِي سِلَاحٌ أُحَارِبُ بِهِ، فَقَدْ جَعَلْت عَدَمَ الْفَرَسِ وَفَقْدَ السِّلَاحِ عِلَّةً مَانِعَةً مِنْ الرُّكُوبِ وَالْمُحَارَبَةِ كَأَنَّك تَقُولُ كَيْفَ يَتَأَتَّى مِنِّي الرُّكُوبُ وَالْمُحَارَبَةُ وَلَا فَرَسَ لِي وَلَا سِلَاحَ مَعِي؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] مَعْنَاهُ كَيْفَ يَتَأَتَّى الشَّفِيعُ وَلَا شَفِيعَ؟ فَكَانَ ذِكْرُ التَّشْفِيعِ وَالِاسْتِشْهَادُ عَلَى عَدَمِ تَأَتِّيهِ بِعَدَمِ الشَّفِيعِ وَضْعًا لِانْتِفَاءِ الشَّفِيعِ مَوْضِعَ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ خِلَافُهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ (يُطَاعُ) سِتُّ فَوَائِدَ:
(إحْدَاهَا) أَنَّهَا الَّذِي تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ نُفُوسُ مَنْ يَقْصِدُ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ فَكَانَ التَّصْرِيحُ بِنَفْيِهَا فَتًّا فِي أَعْضَادِ الظَّالِمِينَ وَقَطْعًا لِقُلُوبِهِمْ وَحَطْمًا لَهُمْ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُتَشَوِّقًا إلَى شَيْءٍ فَصُرِّحَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ كَانَ أَنْكَى لَهُ مِنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ شَامِلٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَوْ مُسْتَلْزِمٍ إيَّاهُ فَكَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ أَوْ لِلتَّوْضِيحِ أَوْ لِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَصْدِ مَعَ مُسَاوَاتِهَا.
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ مِنْ الشُّفَعَاءِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ فَلَا غَرَضَ فِيهِ أَصْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، فَنَصَّ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِمَنْ قَصَدَ نَفْيَهُ، وَهِيَ صِفَةٌ مُخَصَّصَةٌ، وَقَدَّمَ هَذَا الْغَرَضَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ الصِّفَةِ مِنْ وُجُودِ غَيْرِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِهِ وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ مُغَايِرَةٌ لِلْأُولَى، لِأَنَّ هَذِهِ فِي آحَادِ الشُّفَعَاءِ وَتِلْكَ فِي صِفَةِ شَفَاعَتِهِمْ.
(الثَّالِثَةُ) مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَادَّةُ " يُطَاعُ " وَالْغَالِبُ فِي الشَّفَاعَةِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْقَبُولِ وَالنَّفْعِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، أَمَّا الطَّاعَةُ فَإِنَّمَا تُقَالُ فِي الْأَمْرِ، فَذِكْرُهَا هَاهُنَا لِنُكْتَةٍ بَدِيعَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ وَشَأْنُ الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا الْقُوَّةُ وَالشُّفَعَاءُ الْمُتَكَلَّمُ عَنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْمُرُ فَيُطَاعُ نَفَى عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ تَبْكِيتًا وَحَسْرَةً، فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا
стр. 122
ذَكَرَتْ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَزَالَ عَنْهَا وَخُوطِبَتْ بِهِ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهَا.
(الرَّابِعَةُ) أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنَّ شِدَّتَهُ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يَنْفَعُ فِيهِ إلَّا شَفِيعٌ لَهُ قُوَّةٌ وَرُتْبَةٌ أَنْ يُطَاعَ، لَوْ وُجِدَ، وَهُوَ لَا يُوجَدُ. وَهَذِهِ قَرِيبَةٌ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا، إلَّا أَنَّهَا بِحَسَبِ الْحَاضِرِ وَتِلْكَ بِحَسَبِ الْمَاضِي.
(الْخَامِسَةُ) التَّنْبِيهُ عَلَى مَا قُصِدَ الشَّفِيعُ لِأَجَلِهِ كَقَوْلِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي مَا عِنْدَهُ أَحَدٌ قُصِدَ الشَّفِيعُ لِأَجَلِهِ؛ يَقُولُ مَا عِنْدِي أَحَدٌ يَنْصُرُنِي، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ النُّصْرَةُ.
(السَّادِسَةُ) مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَحَاصِلُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الصِّفَةِ وَذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِهَا. وَذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ أَحْسَنُ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ قَبُولُ الشَّفَاعَةِ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ النَّفْيِ بِانْتِفَاءِ الشَّفِيعِ؛ وَكَوْنُ الْمَقْصُودِ نَفْيَ الطَّاعَةِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي كَلَامِنَا فِي الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالتَّعْلِيلُ أَفَادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا؛ وَيَخْرُجُ مِنْ دَلَالَتِهِ أَيْضًا إفَادَةُ نَفْيِ الشَّفِيعِ عَلَى عَكْسِ مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ الصِّفَةِ؛ فَتَكُونُ فَائِدَةً سَابِعَةً وَلْنَشْرَحْ كَلَامَهُ فَنَقُولُ قَوْلُهُ " ضُمَّتْ إلَيْهِ " أَيْ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الضَّمِّ لِيُفِيدَ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ، فَإِنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ مِنْهَا لَا مِنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ وَحْدَهَا وَقَوْلُهُ " لِيُقَامَ " أَيْ الْغَرَضُ مِنْ الضَّمِّ هَذِهِ الْإِقَامَةُ وَقَوْلُهُ " مَقَامَ الشَّاهِدِ " أَيْ الدَّلِيلُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُودِيَّاتِ وَالِانْتِفَاءُ عَدَمِيٌّ وَقَوْلُهُ " لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَتَأَتَّى بِدُونِ مَوْصُوفِهَا " تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ انْتِفَاءِ الْمَوْصُوفِ شَاهِدًا وَدَلِيلًا وَهُوَ تَعْلِيلٌ صَحِيحٌ وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصِّفَةِ وُجُودُ الْمَوْصُوفِ وَمِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ وَلَوْ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى صِفَةٌ بِدُونِ مَوْصُوفِهَا سَلِمَ مَنْ جَعْلِ اسْمِ " إنَّ " نَكِرَةً.
وَقَوْلُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَيْ إقَامَةُ الْمَوْصُوفِ شَاهِدًا لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَوْصُوفِ أَيْ الشَّفِيعِ وَلَا يُرِيدُ الْمَوْصُوفَ الْمُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا لِاسْتِحَالَةِ تَوَهُّمِ وُجُودِهِ بِدُونِ صِفَتِهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ مُطْلَقَ الشَّفِيعِ وَإِنَّمَا كَانَتْ إقَامَةُ نَفْيِهِ شَاهِدًا مُزِيلَةَ وُجُودِهِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَإِذَا كَانَ الِانْتِفَاءُ مَعْلُومًا لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَوْهُومًا.
وَهَذَا قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ خِلَافُهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِنَفْيِ الشَّفِيعِ إفَادَةَ الِانْتِفَاءِ لِأَنَّ انْتِفَاءَهُ مَعْلُومٌ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وَنَحْوِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ هُنَا إنَّمَا قُصِدَ بِهِ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الشَّفِيعِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالطَّاعَةِ وَأَقَامَهُ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى الْحَاشِيَةِ أَيْ وَبَيَانًا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِنَفْيِ الْمَوْصُوفِ إلَّا نَفْيَ صِفَتِهِ وَالِاسْتِدْلَالَ بِانْتِفَائِهِ عَلَى انْتِفَائِهَا وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ إشْكَالٌ وَقَوْلُهُ " وَبَيَانُهُ " إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ فَكَانَ الشَّفِيعُ
стр. 123
وَالِاسْتِشْهَادُ أَيْ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالشَّفِيعُ هُوَ قَبُولُ الشَّفَاعَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّاعَةِ هُنَا وَقَوْلُهُ " وَضْعًا " أَيْ تَنْزِيلًا لِانْتِفَاءِ الشَّفِيعِ مَنْزِلَةَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ فَلَا يُنْفَى لِقَصْدِ نَفْيِهِ فِي ذَاتِهِ بَلْ لِدَلَالَتِهِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ بَعْدَ أَنْ أُشْكِلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَظَنُّوهُ مَعْكُوسًا وَكَمْ لَهُ مِثْلُ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ فَهْمِهِ وَتَدْقِيقِهِ وَإِشَارَتِهِ بِالْكَلَامِ الْيَسِيرِ إلَى الْمَعْنَى الْكَثِيرِ الْغَامِضِ، لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ هُنَا قُصُورٌ عَنْ مُرَادِهِ.
وَهُوَ مَوْضِعُ قَلَقٍ، وَكُنْت مِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ كَلَامَهُ مَعْكُوسٌ، وَرَأَيْت عَلَيْهِ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ حَلًّا لِإِشْكَالِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا فِي حَلِّهِ وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ وَصَارَتْ صُعُوبَتُهُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ؛ وَهَكَذَا الْعِلْمُ يَنْفَتِحُ بِأَدْنَى شَيْءٍ، وَإِنِّي لَأُسِرُّ بِمَا مَنَحَنِي اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَرَاهُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَا يَعْدِلُهُ مُلْكٌ وَلَا مَالٌ.
وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ أُعْجَبَ بِهِ أَوْ يَحْصُلَ لِي فِي نَفْسِي مِنْهُ كِبْرٌ، لَكِنِّي أَرَاهُ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ عَلَيَّ مَعَ ضَعْفِي وَعَجْزِي وَقِلَّةِ حِيلَتِي وَاعْتِرَافِي بِفَضْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ فِي سَنَةِ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[قَوْله تَعَالَى رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] :
مِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ دَبَّرُوا فَتَحَصَّلُوا ... عَلَى نِعْمَةٍ فِي نَسْلِهِمْ هِيَ بَاقِيَهْ
وَمَا لِي تَدْبِيرٌ لِنَفْسِي لَا وَلَا ... لِنَسْلِيَ لَكِنْ نِعْمَةُ اللَّهِ كَافِيَهْ
كَمَا عَالَنِي دَهْرِي كَذَاكَ يَعُولُ مَنْ ... أُخَلِّفُهُ فِي عِيشَةٍ هِيَ رَاضِيَهْ
وَمِنْهُمْ أُنَاسٌ وَفَّرَ اللَّهُ حَظَّهُمْ ... لِخَيْرِهِمْ فِي جَنَّةٍ هِيَ عَالِيَهْ
وَقَوْلِي رَبِّي آتِنَا حَسَنَتَيْهِمَا ... وَثَالِثَةً عَنَّا جَهَنَّمَ وَاقِيَهْ
نَظَمْتُهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِسَبَبِ أَنِّي تَفَكَّرْت فِي حَالِي وَحَالِ أَوْلَادِي وَلِي فِي الْقَضَاءِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَحْصُلُ لَهُمْ مَا يَبْقَى لَهُمْ مِنْ بَعْدِي وَأَقَمْت قَبْلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ نَحْوًا مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ أُحَصِّلَ لَهُمْ رَوَاتِبَ كَثِيرَةً لَمْ أُحَصِّلْ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَافْتَكَرْت قَاضِيَيْنِ فِي دِمَشْقَ ابْنَ أَبِي عَصْرُونٍ وَابْنَ الزَّكِيِّ حَصَّلَا مَا هُوَ بَاقٍ لِذُرِّيَّتِهِمَا إلَى الْيَوْمِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي مِصْرَ لَمْ يَتْرُكْ لِأَوْلَادِهِ شَيْئًا وَلَا حَصَّلَ لَهُمْ بَعْدَهُ شَيْئًا وَنَفْسِي تَطْلُبُ الْخَيْرَ لِأَوْلَادِي فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي فَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَأَحَلْتُهُمْ عَلَى فَضْلِهِ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَيَّ، وَنَظَّمْت هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَأَشَرْت فِي الْبَيْتِ الْأَخِيرِ إلَى قَوْله تَعَالَى
стр. 124
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. كَتَبَهُ دَاعِيًا لِمُصَنَّفِهِ وَلِذُرِّيَّتِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَجَوَامِعِ الْخَيْرَاتِ فِي الدَّارَيْنِ لِي وَلَهُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَصِيحُ الْمُقْرِئُ الشَّافِعِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " وَكُلُّ الْمَاءِ طَهُورٌ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ " لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُتَغَيِّرُ تَغَيُّرًا كَثِيرًا بِطَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ، وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا بِمَا لَا يَسْلُبُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ طَهُورٌ، خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ؛ وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ وَمَنْ يَمْنَعُهُ يَعْتَذِرُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّافِعِيِّ غَيْرُهُ؛ وَقَدْ يُورِدُ عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَمَا خَالَطَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَالَطَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ كَثِيرًا إلَّا أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِ التَّبَاعُدِ فَلَا يَرِدُ شَيْءٌ وَهُوَ الْجَدِيدُ وَالْأُمُّ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَحَ عَلَى هَذَا وَمَا جَاوَزَ الْقُلَّتَيْنِ يَمْنَعُ أَنَّ مُخَالَطَتَهُ لِلنَّجَاسَةِ وَيَكُونُ حَدُّ الْقُلَّتَيْنِ فَاصِلًا ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ " الْمَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا يُنَجَّسُ إلَّا بِنَجَسٍ يُخَالِطُهُ " وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْمُجَاوِرِ وَيُجَابُ بِمَا سَبَقَ انْتَهَى. نَقْلٌ مِنْ خَطِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ جُنُبٌ وَفِي ظَهْرِهِ جِرَاحٌ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ، فَجَاءَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا، فَهَلَّا تَيَمَّمَ لِحَقِّ الْجِرَاحَةِ الَّتِي فِي ظَهْرِهِ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ أَمْ لَا؟
(الْجَوَابُ) الْأَصْلُ الْمُقَرَّرُ أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنْ الْحَدَثِ وَعَنْ الْجَنَابَةِ لَا يُبِيحُ إلَّا صَلَاةَ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْمَذْكُورُ اسْتَفَادَ بِتَيَمُّمِهِ اسْتِبَاحَةَ فَرِيضَةٍ وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا أَحْدَثَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّفَلُ مُضَافًا إلَى امْتِنَاعِ الْفَرْضِ؛ فَإِذَا تَوَضَّأَ عَادَ إلَى حَالَتِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ فَقَطْ وَامْتِنَاعُ الْفَرْضِ حَتَّى يَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ؛ أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا حَصَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى يُعِيدُ التَّيَمُّمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
стр. 125
وَبَقِيَّةُ الْأَصْحَابِ كَلَامُهُمْ يَقْتَضِيهِ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ، وَقَدْ نَصَّ الْجُرْجَانِيُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إذَا تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَأَدَّى بِهِ الْفَرْضَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ وَلَا يَكْفِيهِ لِلْجَنَابَةِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِلْحَدَثِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ فَلْيَسْتَعْمِلْهُ وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَنَفَّلَ، وَيَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِلنَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ، فَوُضُوءُهُ يَرْفَعُ حَدَثَهُ الطَّارِئَ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ مَمْنُوعًا مِنْ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْفَرْضَ تَيَمَّمَ لَهُ. قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ شَاذَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا هُوَ وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُحْدِثٌ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ لِلْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. انْتَهَى كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ
وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا إلَّا أَنَّهَا فِي عَدَمِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَتِنَا فِي الْجِرَاحَةِ وَلَا فَرْقَ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ إذَا كَانَ جُنُبًا وَالْجِرَاحَةُ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً لَزِمَهُ الْوُضُوءُ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَدَثُ وَهَذَا الْوُضُوءُ يُبِيحُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدَثِ وَقَدْ كَانَا مُبَاحَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَلَكِنْ بِالْحَدَثِ امْتَنَعَ فِعْلُهُمَا فَبِالْوُضُوءِ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْمَنْعُ وَيَرْجِعُ إلَى حُكْمِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَهُوَ اسْتِبَاحَتُهَا وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ عَقِيبَ ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلنَّافِلَةِ وَلَا يَتَيَمَّمُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجُرْجَانِيِّ أَعْنِي نَظِيرَتَهَا فَهَذَا الْوُضُوءُ يُبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ إلَى حَالَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَهُوَ كَانَ يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ.
وَسَكَتَ النَّوَوِيُّ عَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضًا وَوَجَبَ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِطَهُورِهِ وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَكَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا. فَيُوهِمُ أَنَّ الْفَرَائِضَ كُلَّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ النَّافِلَةِ، وَأَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ يَتَوَضَّأُ لَهَا وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ؛ فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقَالَ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، بَلْ الْوَطْءُ عَلَى رَأْيٍ إذَا تَيَمَّمَتْ الْحَائِضُ وَوَطِئَهَا فَفِي وَجْهٍ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ التَّيَمُّمِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: كُلَّمَا تَيَمَّمَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ فَرْضًا ثُمَّ أَحْدَثَتْ بَعْدَهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِلنَّافِلَةِ وَلَا تَتَيَمَّمُ أَيْ لِلنَّافِلَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. .
[محدث غمس يَده فِي مَاء كَثِير غمسة وَاحِدَة هَلْ يَحْصُلُ لَهُ التَّثْلِيث]
(مَسْأَلَةٌ) مُحْدِثٌ غَمَسَ يَدَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ غَمْسَةً وَاحِدَةً هَلْ يَحْصُلُ لَهُ التَّثْلِيثُ
стр. 126
الْمَنْدُوبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ مَرَّتَيْنِ؟
(أَجَابَ) إنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّثْلِيثُ سَوَاءٌ أَحَرَّكَ يَدَهُ أَمْ لَا، وَلَوْ كَانَ جَارِيًا حَصَلَ التَّثْلِيثُ بِمُكْثِهَا وَقْفَةَ ثَلَاثِ لَحَظَاتٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي الرَّاكِدِ: إنَّهُ إذَا خَضْخَضَ الْمَاءَ فِيهِ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ إذَا حَرَّكَهُ فِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ فَلَمْ تَتَبَيَّنْ لِي صِحَّتُهُ. وَقَدْ أَبْطَلَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَ بِأَنَّ مُكْثَهُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ طَوِيلٍ يُمِرُّ أَجْزَاءَهُ عَلَى الْمَحَلِّ شَيْئًا فَشَيْئًا لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ صُورَةِ الْعَدَدِ؛ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَضْخَضَةَ تَكْفِي بَعِيدٌ جِدًّا.
وَعِبَارَةُ الْمُهَذَّبِ إنْ حُمِلَتْ عَلَى ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَاءَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْمَحَلِّ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمٌ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَدَدُ، فَإِنْ فُرِضَتْ حَرَكَةٌ بِحَيْثُ انْفَصَلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَدَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ فَهُوَ أَقْرَبُ قَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَيْضًا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْمَاءَ الرَّاكِدَ كُلَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ يَتَقَوَّى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ غَسْلُهُ مَا لَمْ تَنْفَصِلْ الْيَدُ أَوْ الْإِنَاءُ أَوْ الثَّوْبُ عَنْ الْمَاءِ أَوْ يَأْتِي عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ حُكْمُهُ غَيْرُ حُكْمِ الْمَاءِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مسح الصِّمَاخَيْنِ بِمَاء جَدِيد]
(مَسْأَلَةٌ) قَوْلُ الْفُقَهَاءِ يَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ مَاءً جَدِيدًا هَلْ أَخْذُ الْمَاءِ الْجَدِيدِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ مَسْحِ الصِّمَاخَيْنِ أَوْ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا حَتَّى لَوْ مَسَحَ بِتِلْكَ مَسَحَ وَجْهَيْ الْأُذُنَيْنِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ مَا مَسَحَ بِهِ الْأُذُنَيْنِ طَهُورٌ، وَكَذَا مَا مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ثَانِيًا؟
(أَجَابَ) هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) فِي مُحْدِثٍ غَسَلَ يَدَهُ عَنْ الْفَرْضِ بِغُرْفَةٍ ثُمَّ أَخَذَ غُرْفَةً ثَانِيَةً فَغَسَلَ بِهَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ رَدَّ الْمَاءَ مِنْ الْمِرْفَقِ إلَى الْأَصَابِعِ، فَهَلْ يَحْصُلُ التَّثْلِيثُ الْمَنْدُوبُ بِرَدِّ الْمَاءِ ثَانِيًا قَبْلَ انْفِصَالِهِ عَنْ الْيَدِ أَمْ لَا، وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا ابْتَدَأَ الْغَسْلَ مِنْ الْمِرْفَقِ إلَى الْأَصَابِعِ ثُمَّ رَدَّ الْمَاءَ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ.
(أَجَابَ) تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى غُرُفَاتِ جَنَّتِهِ: لَا يَحْصُلُ التَّثْلِيثُ الْمَنْدُوبُ بِذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْأَصَابِعِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الهرة إذَا أَكَلت فارا وولغت فِي مَاء قليل]
(مَسْأَلَةٌ) الْهِرَّةُ إذَا أَكَلَتْ فَأْرَةً وَوَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إنْ غَابَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُرُودُهَا عَلَى مَاءٍ كَثِيرٍ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا. وَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْهِرَّةِ وَفِي الثَّوْبِ إذَا تَنَجَّسَ وَغُسِلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّجَسُ أَوْ لَا؟ وَهَلْ إذَا حَمَلَ الْمُصَلِّي الْهِرَّةَ أَوْ الثَّوْبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ (الْجَوَابُ) لَا يَتَعَدَّى حُكْمُ الْهِرَّةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهَارَةِ فِيهَا يَسْتَنِدُ إلَى اسْتِصْحَابِ طَهَارَةٍ مَعَ ضَرْبٍ مِنْ الْعَفْوِ قَوِيٍّ. وَإِذَا حَمَلَهَا الْمُصَلِّي
стр. 127
بَطَلَتْ صَلَاتُهُ اسْتِصْحَابًا لِلنَّجَاسَةِ وَلَا يَتَعَدَّى الْعَفْوُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لِعَدَمِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ وَهُوَ عِلَّةُ الْعَفْوِ، وَالْمُعْظَمُ إنَّمَا صَحَّحُوا النَّجَاسَةَ إذَا لَمْ تَغِبْ وَتَصْحِيحُ الطَّهَارَةِ إذَا غَابَتْ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَسْنُونًا إلَى الْمُعْظَمِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ؛ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَالثَّوْبُ الْمَذْكُورُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ لِعَدَمِ اسْتِصْحَابِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، فَإِنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ حُصُولَهَا فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي وَإِذَا لَبِسَهُ الْمُصَلِّي بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِاشْتِرَاطِ يَقِينِ الطَّهَارَةِ أَوْ ظَنِّهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ، وُجُوبُ غَسْلِ جَمِيعِ الثَّوْبِ مُحَقَّقٌ بَعْضُهُ يَغْسِلُهُ لِلنَّجَاسَةِ وَبَعْضُهُ يَغْسِلُهُ لِلِاشْتِبَاهِ، فَإِذَا غَسَلَ بَعْضَهُ فَالْمُحَقَّقُ الْمُسْتَحَبُّ وُجُوبُ الْغَسْلِ بِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لَا الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَوُجُوبُ الْغَسْلِ يَكْفِي فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَكْفِي فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً وَقَدْ كَتَبْت عَلَيْهَا كِتَابَةً مُطَوَّلَةً فِي فَتْوَى سَأَلَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الشعر الَّذِي عَلَى الْفَرْو الْمَدْبُوغ]
(مَسْأَلَةٌ) الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْفَرْوِ الْمَدْبُوغِ طَاهِرٌ، إمَّا لِأَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَإِمَّا لِأَنَّ الشُّعُورَ طَاهِرَةٌ. وَهَذَا لَا شَكَّ عِنْدِي فِيهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ «عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مُرْشِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ قَالَ. رَأَيْت عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوَةً فَمَسِسْتُهُ فَقَالَ مَالَك تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْت: إنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ دِبَاغُهُ طَهُورُهُ»
فَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَصَحَّحَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ أَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّعْرَ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَأَفْتَى بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَذْهَبَ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْجِلْدَ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَزَادَ فَقَالَ: إنَّهُ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الزُّهُومَةَ الَّتِي فِيهِ نَجِسَةٌ فَهُوَ كَثَوْبِ مُتَنَجِّسٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ، فَجَعْلُهُ إيَّاهُ مِثْلَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ مَا فِي التَّتِمَّةِ بِدُونِ كَوْنِ الزُّهُومَةِ نَجِسَةً، وَجَعَلَهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُ طَاهِرٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَنَقَلَ الْوَجْهَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ،
стр. 128
وَهَذَا لِمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ، أَمَّا عِنْدَنَا فَلَا.
(فَائِدَةٌ) : تَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا غَمَسَ الْجُنُبُ بَعْضَ بَدَنِهِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَنَوَى إذَا كَانَ الْمَاءُ يَتَرَدَّدُ عَلَى أَعْضَائِهِ، وَفِي اغْتِسَالِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَخَطَرَ لِي فِيهِ بَحْثَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْجَنَابَةِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُنْغَمِسِ أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ الْجَمِيعِ فَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْجَمِيعِ لَا يَقَعُ حَتَّى يَنْغَمِسَ، وَكَذَا مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ وَبَدَنِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي اغْتِرَافِ الْمَرْأَةِ فَلْيُحَرَّرْ هَذَا الْبَحْثَ وَيُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ مِنْهَا هَلْ نَوَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ الِاغْتِرَافَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّقْرِيرِ. .
[الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ هَلْ تُقْضَى]
(مَسْأَلَةٌ) الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ هَلْ تُقْضَى؟ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَلَكِنْ مَرَّةً تَرَكْت غُسْلَ الْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ فَلَمَّا جِئْت فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ أَغْتَسِلُ لَهَا تَذَكَّرْت وَأَرَدْت أَنْ أَغْتَسِلَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، فَفَكَّرْت فِيمَا يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ مِنْ ذَلِكَ فَتَرَدَّدْت، إنْ نَظَرْنَا إلَى أَنَّهُ شُرِعَ لِمَعْنًى وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ فَقَدْ فَاتَ فَلَا يُقْضَى وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَيُقْضَى كَسَائِرِ السُّنَنِ، لَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَأَنَّهُ لِأَجْلِ الْيَوْمِ؛ وَقَدْ يُقَالُ: وَلَوْ قُلْنَا لِأَجْلِ الْيَوْمِ فَقَدْ فَاتَ الْيَوْمُ فَلَا يُقْضَى، وَقَدْ يُقَالُ: وَلَوْ قُدِّرَ لِأَجْلِ الِاجْتِمَاعِ وَإِنْ فَاتَ فَيُقْضَى اسْتِدْرَاكًا لِأَصْلِ الْعِبَادَةِ. وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ.
[اشتبه مَاء طَاهِر بِمَاء نجس]
(فَائِدَةٌ) إنْ قَالَ قَائِلٌ، فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ: إنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الطَّهَارَةُ وَيَقِينُ النَّجَاسَةِ إنَّمَا هُوَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا يُعَارَضُ الْأَصْلُ الْمُسْتَصْحَبُ
стр. 129
فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ فَبَقِيَ الْوَجْهُ الْمُقَابِلُ بِأَنَّهُ تَهَجُّمٌ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ. فَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ الطَّهَارَةُ يُعَارِضُهُ الْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْآخَرِ، فَلْتَكُنْ وَاقِعَةً فِيهِ وَصَارَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ أَصْلَانِ: أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ بِنَفْسِهِ وَأَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا. فَاحْتَجْنَا إلَى تَقْوِيَةِ الْأَوَّلِ بِالِاجْتِهَادِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ الثَّانِي فَيَنْفَرِدُ الْأَوَّلُ وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالْهُجُومِ يَقُولُ: إنَّ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ دَالٌّ بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي دَالٌّ بِوَاسِطَةٍ فَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ فَيُكْتَفَى بِهِ بِلَا اجْتِهَادٍ لَكِنْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ نَجِدُ التَّعَارُضَ قَوِيًّا لِأَنَّ يَقِينَ النَّجَاسَةِ مَوْجُودٌ وَاحْتِمَالُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ حَتَّى يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِاجْتِهَادٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَاسُوا الْجُنُونَ عَلَى النَّوْمِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِعِلَّةِ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَك أَنْ تَقُولَ فِي النَّوْمِ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ وَاسْتِرْخَاءُ الْمَفَاصِلِ، وَهُوَ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْخَارِجِ وَأَمَّا الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ فَإِنَّمَا تَقْتَضِي عَدَمَ الشُّعُورِ لَا نَفْسَ الْخُرُوجِ وَمَتَى اُعْتُبِرَ اسْتِرْخَاءُ الْمَفَاصِلِ إمَّا عِلَّةً وَإِمَّا جُزْءَ عِلَّةٍ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ وَهَذَا الْقِيَاسُ ظَهَرَ لِي وَلَمْ يَظْهَرْ لِي جَوَابُهُ.
(فَائِدَةٌ) السَّكْرَانُ إذَا عُومِلَ مُعَامَلَةَ الصَّاحِي مُطْلَقًا لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ وُضُوئِهِ وَيُدْعَى إلَى الصَّلَاةِ وَيُقْتَلُ بِتَرْكِهَا، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] .
(فَائِدَةٌ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] هَلْ الضَّمِيرُ فِي " اغْسِلُوا " لِلَّذِينَ آمَنُوا فَيَكُونُونَ مَأْمُورِينَ الْآنَ بِالْغُسْلِ وَقْتَ الْقِيَامِ أَوْ الَّذِينَ آمَنُوا الْقَائِمِينَ لِلصَّلَاةِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ فَلَا يَكُونُونَ مَأْمُورِينَ إلَّا وَقْتَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ؟ فِيهِ بَحْثٌ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَنِي عَلَيْهَا مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ وَيَشْهَدُ لِاخْتِيَارِ الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَطَابَقَ الْأَمْرُ مَا دَلَّ الشَّرْطُ عَلَيْهِ. وَمِنْ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ إذَا قُلْت: يَا زَيْدُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ، هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ الْآنَ أَوْ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا إلَّا وَقْتَ الزَّوَالِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّا نَخْتَارُ عَدَمَ التَّعَلُّقِ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِحَسْبِهِ فَالتَّعَلُّقُ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِهِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَبِالْقَائِمِينَ وَقْتَ الْقِيَامِ فَهُمْ بِهَذَا الْقَيْدِ مُتَعَلَّقُ الْأَمْرِ وَهُمْ بِدُونِ الْقَيْدِ لَيْسُوا مُتَعَلَّقَ الْأَمْرِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّا نَخْتَارُ فِي قَوْلِهِ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّ الْإِيقَاعَ الْآنَ وَالْوُقُوعَ عِنْدَ الطُّلُوعِ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالْإِيقَاعِ إلَّا إيقَاعَ مَا يَقَعُ عِنْدَ الطُّلُوعِ. فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ نَفَائِسِ الْمَبَاحِثِ وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا لَكِنْ حَرَّكَنِي لَهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " إنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى
стр. 130
الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ " فَتَأَمَّلْت كَلَامَهُ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَضَّئُوا إذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ فَانْظُرْ مَا أَنْفَعَ تَأَمُّلَ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ لَا سِيَّمَا إمَامُ الْعُلَمَاءِ وَخَطِيبُهُمْ ﵀. .
(فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ)
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ تَنَجُّسَ الْبَدَنِ أَوْ بَعْضِهِ وَنِيَّتَهُ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْأَكْثَرِينَ آمَنُوا بِذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ جُزْءٌ مِنْ الْغُسْلِ وَإِلَّا لَمْ يَمْنَعُوا وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ الْغُسْلِ وَأَمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي تَنَجُّسِ الْبَدَنِ لَا يَجِبُ غُسْلُهُ أَلْبَتَّةَ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ فَصْلُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ، وَقَدْ صَوَّرْتُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا تَكَشَّطَ الْجِلْدُ الَّذِي مَسَّتْهُ النَّجَاسَةُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّجَاسَةُ. وَالْجَنَابَةُ وَاجِبُهَا غَسْلُ الْبَدَنِ حَتَّى لَوْ تَكَشَّطَ الْجِلْدُ أَوْ قُطِعَ عُضْوٌ وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ وَكَذَا فِي الْحَدَثِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنْ لَا نِيَّةَ عَلَى الْبَدَنِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ أَصْلًا بِخِلَافِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرق بَيْن مطلق الْمَاء وَالْمَاء المطلق]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مُطْلَقِ الْمَاءِ وَالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مُطْلَقِ الشَّيْءِ وَالشَّيْءِ الْمُطْلَقِ وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ حَقِيقَةُ الْمَاهِيَّةِ وَبِالثَّانِي هِيَ تَقَيُّدُ الْإِطْلَاقِ فَالْأَوَّلُ لَا يُقَيِّدُ، وَالثَّانِي يُقَيِّدُ لَا تَقَيُّدَ التَّجَرُّدِ عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ، وَقَدْ لَا يُرَادُ ذَلِكَ بَلْ يُرَادُ التَّجَرُّدُ عَنْ قُيُودٍ مَعْرُوفَةٍ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا مُطْلَقُ الْمَاءِ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ، فَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى الطَّهُورِ، وَالطَّاهِرِ غَيْرِ الطَّهُورِ وَالنَّجِسِ وَكُلٌّ مِنْ الطَّاهِرِ غَيْرِ الطَّهُورِ وَالنَّجِسِ يَنْقَسِمُ إلَى الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ وَالْمُتَغَيِّرُ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ وَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَإِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى أَحَدِهَا وَهُوَ الطَّهُورُ وَذَلِكَ لَا أَجِدُ فِيهِ قَيْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ التَّجَرُّدُ عَنْ الْقُيُودِ اللَّازِمَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ بِهَا أَنْ يُقَالَ لَهُ مَاءٌ إلَّا مُقَيَّدًا كَقَوْلِنَا: مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ أُشْنَانٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ وَمَاءُ اللَّحْمِ وَمَاءُ الْبَاقِلَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا اسْمُ الرَّقَبَةِ وَحَقِيقَتُهَا يَصْدُقُ عَلَى السَّلِيمَةِ وَالْمَعِيبَةِ؛ وَالْمُطْلَقَةُ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى السَّلِيمَةِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ لِإِطْلَاقِ الشَّارِعِ إيَّاهَا وَالرَّقَبَةُ الْمُطْلَقَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ. وَمِنْهَا الدِّرْهَمُ الْمَذْكُورُ فِي الْعُقُودِ قَدْ يُقَيَّدُ بِالنَّاقِصِ وَالْكَامِلِ وَحَقِيقَتُهُ مُنْقَسِمَةٌ إلَيْهِمَا، وَإِذَا أُطْلِقَ تَقَيَّدَ بِالْكَامِلِ الْمُتَعَارَفِ بِالرَّوَاجِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنْهَا الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَالصَّدَاقُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَجْعُولَةِ فِي الذِّمَّةِ تَنْقَسِمُ إلَى الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَإِذَا أُطْلِقَتْ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى الْحَالِّ فَالْإِطْلَاقُ قَيْدٌ اقْتَضَى ذَلِكَ.
وَمِنْهَا حَقِيقَةُ الْقَرَابَةِ يَدْخُلُ فِيهَا الْأَبُ وَالِابْنُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ
стр. 131
الْقَرَابَاتِ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَبُ وَالِابْنُ لِأَنَّهُمَا أَعْلَى مِنْ أَنْ يُطْلَقَ فِيهِمَا لَفْظُ الْقَرَابَةِ لِمَا لَهُمَا مِنْ الْخُصُوصِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ الْمَزِيدَ عَلَى بَقِيَّةِ الْقَرَابَاتِ فَيُقَالُ: إنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَسْتَدْعِي الْمُشَارَكَةَ فَلَوْلَا مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقَرَابَةِ فِيهِمَا لَمَا صَدَقَ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إطْلَاقُ الْقَرَابَةِ عَلَيْهِمَا لِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْقَرَابَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا مَزِيدَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ فَإِنْ قُلْت اللَّفْظُ إنَّمَا وُضِعَ لِمُطْلَقِ الْحَقِيقَةِ لَا لِلْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ فَتَقْيِيدُكُمْ إيَّاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِالْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ أَيْنَ؟
قُلْت: قَدْ أَوْرَدَ عَلَى ابْنَيْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي حَرَّكَنِي لِمَا كَتَبْت وَأَجَبْتُهُ بِإِطْلَاقِ الْمُتَكَلِّمِ فَصَارَ قَيْدًا فِي اللَّفْظِ فَإِنْ قُلْت: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ فَهَلْ تَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ. قُلْت: هُوَ قَرِينَةٌ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْقَرَائِنِ الْمَلْفُوظِ بِهَا وَالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَهِيَ مِنْهُ صَادِرَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَ كَلَامِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامًا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامًا وَلَكِنْ يَتَعَيَّنُ مَعْنَاهُ بِالتَّقْيِيدِ فَإِنَّك إذَا قُلْت: قَامَ النَّاسُ كَانَ كَلَامًا يَقْتَضِي إخْبَارَك بِقِيَامِ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ، فَإِذَا قُلْت: إنْ قَامَ النَّاسُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامًا وَلَكِنْ خَرَجَ عَنْ اقْتِضَاءِ كَلَامِ جَمِيعِهِمْ إلَى قِيَامِ مَنْ عَدَا زَيْدًا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ لِإِفَادَةِ قَامَ النَّاسُ لِلْإِخْبَارِ بِقِيَامِ جَمِيعِهِمْ شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَبْتَدِئَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَخْتِمَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ، وَلَهُ شَرْطٌ ثَالِثٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ قَصْدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِ السَّاهِي وَالنَّائِمِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَعَلَى السَّامِعِ التَّنَبُّهُ لَهَا.
فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ لَنَا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ وَاللَّفْظُ وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْإِفَادَةِ؟ لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَهُ لِذَلِكَ.
قُلْت: وَضْعُ الْوَاضِعِ لَهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُهَيَّئًا لَأَنْ يُفِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ وَالْمُفِيدُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْمُتَكَلِّمُ وَاللَّفْظُ دَلَالَةُ الْمَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: لَوْ سَمِعْنَا " قَامَ النَّاسُ " وَلَمْ نَعْلَمْ مَنْ قَائِلُهُ هَلْ قَصَدَهُ أَوْ لَا " وَهَلْ ابْتَدَأَهُ أَوْ خَتَمَهُ بِمَا يُغَيِّرُهُ أَوْ لَا، هَلْ لَنَا أَنْ نُخْبِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ: " قَامَ النَّاسُ " أَوْ لَا. قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِابْتِدَاءِ وَالْخَتْمِ بِمَا يُغَيِّرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ لَيْسَ هُوَ اللَّفْظُ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ النَّفْسَانِيَّ الْقَدِيمَ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ حُكْمُهُ. وَاللَّفْظُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعِلْمَ بِالْقَصْدِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَالْعِلْمُ بِعَدَمِ الِابْتِدَاءِ أَوْ الْخَتْمِ بِمَا يُخَالِفُهُ لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُمَا مَانِعَانِ وَالشَّكُّ فِي الْمَانِعِ لَا يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ
стр. 132
الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِالثَّلَاثَةِ وَمَقْصُودُنَا بِهَذَا أَنْ يُجْعَلَ سُكُوتُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى كَلَامِهِ كَالْجُزْءِ مِنْ اللَّفْظِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت هَلْ يُشْبِهُ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ وَقَوْلِ سُفْيَانَ كَانَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ فَنَسِيَتْهُ، وَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ. قُلْت: نَعَمْ يُشْبِهُهُ مِنْ وَجْهٍ وَيُفَارِقُهُ مِنْ وَجْهٍ؛ وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ تَحَقَّقْنَا مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ: إنَّهُ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ يُقَوِّي احْتِمَالَ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ، نَعَمْ لَوْ سَمِعْنَا كَلَامَ مُتَكَلِّمٍ، وَفِي آخِرِهِ كَلَامٌ خَفِيَ عَلَيْنَا فَهَذَا نَظِيرُهُ؛ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُخْبِرَ عَنْهُ بِمَا سَمِعْنَاهُ، وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْخَفِيَّ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْنَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمٍ فَإِنْ قُلْت: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ " قَامَ النَّاسُ " دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِ النَّاسِ؟ قُلْت " مُجَرَّدُ هَذَا الْقَوْلِ إذَا قَبِلْنَاهُ فِيهِ تَسَمُّحٌ وَإِذَا أَنْكَرْنَاهُ قَدْ لَا يَحْتَمِلُهُ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ كَلَامَنَا وَاَلَّذِي نَقُولُهُ: إنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَلْتَفِتُ هَذَا عَلَى مَا قِيلَ فِي حَدِّ دَلَالَةِ اللَّفْظِ؟ قُلْت: نَعَمْ وَقَدْ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهَا أَنَّهَا كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ فَهِمَ مِنْهُ الْمَعْنَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِوَضْعِهِ لَهُ؛ وَهَذِهِ دَلَالَةٌ بِالْقُوَّةِ.
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ إفَادَتُهُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي بِالْقُوَّةِ أَيْضًا أُخِذَ فِيهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ، وَالْإِطْلَاقُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِعْمَالُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِعْمَالُ الْمُقَيَّدُ بِالْإِطْلَاقِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَالدَّلَالَةُ قَدْ تُنْسَبُ إلَى اللَّفْظِ وَهِيَ إفَادَتُهُ الْمَعْنَى كَمَا قُلْنَاهُ وَقَدْ تُنْسَبُ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَهِيَ إفَادَتُهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هِيَ فَهْمُ الْمَعْنَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إفْهَامُ الْمَعْنَى، فَرَجَعَ إلَى مَا قُلْنَاهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَهْمِ وَالْإِفْهَامِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْفَهْمَ صِفَةُ السَّامِعِ وَالْإِفْهَامَ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ
стр. 133
أَوْ صِفَةُ اللَّفْظِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ مِنْ مِصْرَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) : مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْمُوَفَّقِينَ لِهِدَايَتِهِ لِطَاعَتِهِ وَالْمُعَانُونَ بِعِنَايَتِهِ عَلَى مَرْضَاتِهِ فِي رَجُلٍ مُتَوَضِّئٍ ثُمَّ أَجْنَبَ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ وَلَا نَوْمٍ مُتَّكِئًا، وَقُلْتُمْ: إنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ أَدَاءِ فَرِيضَةٍ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَأَعْوَزَهُ بِشُرُوطِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى تِلْكَ الْفَرِيضَةَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ ثَانِيَةٌ وَكَذَا ثَالِثَةٌ وَهَلُمَّ جَرَّا وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْجَنَابَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَيَنْزِلَ التَّيَمُّمُ مَنْزِلَةَ الْغُسْلِ أَمْ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ تَيَمُّمًا، وَمَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ﵀ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ إنَّ الْجُنُبَ أَوْ الْحَائِضَ إذَا لَمْ يَجِدَا الْمَاءَ وَجَازَ لَهُمَا الْقِرَاءَةُ فَإِنْ أَحْدَثَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(الْجَوَابُ) إذَا صَلَّى الْجُنُبُ الْمَذْكُورُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ فَرِيضَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً أُخْرَى حَتَّى يَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا آخَرَ لِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ أَمْ جَنَابَةٍ بَلْ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إلَى تَيَمُّمٍ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ﵁ الْمَذْكُورُ وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ لِذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْجَنَابَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ كَمَا يَقُومُ فِي الْحَدَثِ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ قِيَامُهُ مَقَامَهُمَا فِي الْإِبَاحَةِ لَا فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا فِي رَفْعِ الْجَنَابَةِ وَلَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ إنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ أَوْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْغُسْلِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَنْزِلُ التَّيَمُّمُ مَنْزِلَةَ الْغُسْلِ فِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالتَّيَمُّمِ كَمَا جَازَتْ بِالْغُسْلِ وَأَنَّ الْحَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ الْقِرَاءَةَ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ الْغُسْلِ فِيهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِفْتَاءِ وَمَسْأَلَةِ الْأَذْكَارِ اشْتِرَاكٌ وَافْتِرَاقٌ فَإِنَّ الْمُسْتَفْتَى عَنْهُ مُتَوَضِّئٌ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بِجَنَابَتِهِ حَتَّى يَتَيَمَّمَ وَيُبَاحُ لَهُ الْقُرْآنُ بِتَيَمُّمِهِ الْأَوَّلِ.
وَاَلَّذِي فِي الْأَذْكَارِ جُنُبٌ لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَلَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِتَيَمُّمِهِ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالسُّجُودُ لِحَدَثِهِ فَاشْتَرَكَا فِي إبَاحَةِ الْقُرْآنِ وَافْتَرَقَا فِي أَنَّ الْمُسْتَفْتَى عَنْهُ يُصَلِّي النَّوَافِلَ وَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَذْكَارِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَةَ الْأَذْكَارِ مِنْ النَّوَادِرِ أَنَّهُ جُنُبٌ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُعَايَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ جُنُبًا لَا يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا
стр. 134
مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ جُنُبٌ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْجَنَابَةِ وَيُمْنَعُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْحَدَثِ كَمَا إذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ.
وَالصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَفْتَى قَدْ تَرِدُ عَلَى الْجُرْجَانِيِّ وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي إذَا تَيَمَّمَ الْجُنُبُ وَأَدَّى الْفَرْضَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ وَقُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِلنَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ فَيُبَاحُ لَهُ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْفَرْضَ تَيَمَّمَ لَهُ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَاذَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ، وَمُحْدِثٌ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ لِلْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَعَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا إنْ كَانَ جُنُبًا وَالْجِرَاحَةُ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً لَزِمَهُ الْوُضُوءُ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ بَاقٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِهِ إلَى الْآنَ فَرْضًا قَالَ:
وَكَذَا الْفَرَائِضُ كُلُّهَا يَعْنِي الَّتِي يَتَيَمَّمُ إذَا تَيَمَّمَ الْجُنُبُ لَهَا ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ إذَا كَانَتْ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ كَالطَّوَافِ وَلَا يَلْزَمُ التَّيَمُّمُ يَبْقَى حُكْمٌ إذَا كَانَ قَدْ أَدَّى بِهِ ذَلِكَ الْفَرْضَ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى بِهِ فَرْضًا فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمٍ آخَرَ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنْ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ فَرْضَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَذْكَارِ إذَا حُمِلَتْ عَلَى أَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَا إشْكَالَ فِيهَا فَلَوْ كَانَ قَدْ قَرَأَ فَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ هَلْ تَكُونُ كَالْفَرِيضَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَحْتَاجَ فِيهَا إلَى تَيَمُّمٍ آخَرَ أَوْ لِأَنَّهَا كُلَّهَا كَالْفَرْضِ الْوَاحِدِ وَفِي جَعْلِهِ كُلَّ قِرَاءَةٍ فَرْضًا يَحْتَاجُ إلَى إفْرَادِهِ بِتَيَمُّمٍ لِعُسْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ فَرْضٌ فَكَانَ يَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ لِكُلِّ آيَةٍ بَلْ لِكُلِّ كَلَامٍ مُتَمَيِّزٍ بِنَفْسِهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ دُونَ آيَةٍ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ يَضْبِطُ مِقْدَارَ مَا يُعَدُّ فَرِيضَةً مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ كُلَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّ الْقِرَاءَةَ كَالنَّوَافِلِ فَيَسْتَبِيحُ الْمُتَيَمِّمُ بِهَا مَا شَاءَ وَقَدْ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: إذَا تَيَمَّمَ الْجُنُبُ اسْتَبَاحَ فِعْلَ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودَ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي أَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ فَإِذَا تَيَمَّمَ لَهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّيَمُّمِ اسْتَفَادَ جَوَازَهَا وَجَوَازَ كُلِّ مَا ذُكِرَ مَعَهَا لِأَنَّهُ كَنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ فِيمَا يُغَلِّبُ ظَنَّ الْوَطْءِ كَالْحَائِضِ لَكِنَّ الْقَاضِي حُسَيْنَ قَالَ: إذَا تَيَمَّمَتْ لِغَشَيَانِ الزَّوْجِ فَهُوَ كَالتَّيَمُّمِ لِلْفَرْضِ لِأَنَّ التَّمْكِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا وَاحِدًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ وَطْأَةٍ وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ عَنْهُ وَاسْتَشْكَلَهُ وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي اسْتِشْكَالِهِ، وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. .
стр. 135
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مَحَبَّتُهُ ﷺ لَأَنْ يُوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ إبْرَاهِيمَ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يُعَظِّمُونَهَا فَيُرْجَى إسْلَامُهُمْ بِهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَنْبَغِي الْحِرْصُ عَلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى أَبْلَغِ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ لَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً وَلَكِنْ اسْتَنْبَطْتُهَا وَإِنَّمَا قُلْت إنَّ التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا أَطْوَلُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكُلُّ مَا كَانَ طَلَبُهُ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ وَلِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالنَّاسِخُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ إلَى الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ كَانَ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَاضِلًا وَاجِبًا وَهَذَا شَيْءٌ يَقْتَضِي الْحِرْصَ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ مَا كَانَ ﷺ يَتَوَقَّعُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْوِيلِهِ إلَى الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ لَا يَطْلُبُ تَغْيِيرَهَا. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْحِرْصُ عَلَى التَّحْوِيلِ إلَى الْكَعْبَةِ طَلَبًا لِكَمَالِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْفَضْلِ فَلِمَ لَا طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا عِنْدَكُمْ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَدِينَةِ؟ قُلْت: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ فَلَا نَقُولُ: إنَّ صَلَاتَهُمْ بِالْمَدِينَةِ تَنْقُصُ عَنْ صَلَاتِهِمْ بِمَكَّةَ بَلْ هِيَ مِثْلُهَا وَيَحْصُلُ لَهُمْ الْأَجْرُ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ بِمَكَّةَ لِأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْهَا كَرْهًا فَيَسْتَمِرُّ لَهُمْ ذَلِكَ الْأَجْرُ كَمَا قَالَ ﷺ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وَهَكَذَا نَقُولُ لَوْ أَنَّ شَخْصًا مِنْ الْمُجَاوِرِينَ فِي مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أُخْرِجَ كَرْهًا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِهَا كَصَلَاتِهِ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا يَسْتَمِرُّ لَكُمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّا بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ بِهَا. قُلْت: الْمُهَاجِرُونَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ: تَعَالَى وَشَيْءٌ تُرِكَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُرْجَعُ فِيهِ فَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمَمْنُوعِينَ مِنْهَا فَكَذَلِكَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْأَجْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَرَتْ فِي الْمِيعَادِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِرَسُولِهِ وَهَدَانَا
стр. 136
لِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ وَبَيَّنَ لَنَا مَعَالِمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَوْضَحَ لَنَا طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ نَحْمَدُهُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى مَا حَكَمَ وَقَضَى وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَوْحِيدًا تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ شُبَهُ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ ﷺ وَشَمَلَ أَصْحَابَهُ بِالرِّضْوَانِ وَعَمَّمَ وَبَعْدُ.
فَإِنَّ أَهَمَّ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الصَّلَاةُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاهْتِمَامُ بِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَائِهَا وَإِقَامَةُ شِعَارِهَا وَفِيهَا أُمُورٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا وَأُمُورٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهَا، وَطَرِيقُ الرَّشَادِ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ: إمَّا أَنْ يَتَحَرَّى الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ إنْ أَمْكَنَ وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ صَوَابًا صَالِحَةً دَاخِلَةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] وَإِنَّ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَفَى بِهَذَا تَرْجِيحًا لِمَنْ يَقْصِدُ الِاحْتِيَاطَ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ أَمْ بَاطِلَةٌ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا، وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَآثَارٌ أُخْرَى فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَأَمَّا الْآثَارُ فِي تَرْكِهَا فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ فَقَلِيلَةٌ، وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ فَلْيُطَالِعْ كِتَابَ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْآثَارِ فِي تَرْكِهَا فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَمُسَاوَاتِهَا لِلْآثَارِ الْأُخْرَى فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِهَا، وَحِينَئِذٍ نَرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ شِفَاءً وَهُدًى بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ " لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا النَّبِيُّ ﷺ " وَأَخَذَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُجَاهِدٌ وَأَخَذَهَا مِنْهُمَا مَالِكٌ ﵁ وَاشْتُهِرَتْ عَنْهُ، وَوَجَدْنَا الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ مِنْ السُّنَّةِ وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَنَقَلْت عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إمَامِكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ
стр. 137
حَسَنٌ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ؛ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ صَحِيحٌ. قُلْت: وَغَايَةُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُخَالِفُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيَّ رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ بِهَذَا فَذَكَرَهُ؛ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي إسْنَادِهِ: هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ. الثَّانِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ وَمَكْحُولٍ، فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ إلَى مَكْحُولٍ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا مَنْ فِيهِ مَطْعَنٌ، وَلَفْظُ حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ عُبَادَةَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدُكُمْ إذَا جَهَرْت بِالْقِرَاءَةِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَهُوَ الَّذِي قَبْلَهُ يَدْفَعُ جَمِيعَ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ لِوُجُوهٍ مِنْهَا تَصْرِيحُهُ بِالْجَهْرِيَّةِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَالسِّرِّيَّةُ أَوْلَى، وَمِنْهَا تَصْرِيحُهُ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا وَهُوَ يَدُلُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى الْقَطْعِ بِدُخُولِ الْمَأْمُومِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ إذَا دَلَّتْ عُمُومَاتٌ لَيْسَ فِيهَا قَطُّ نَصٌّ خَاصٌّ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَتْرُكُ الْفَاتِحَةَ فِي جَمِيعِ الرَّكْعَةِ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي الْمَقْرُوءِ فِي مَحَلِّهِ وَأَدِلَّتُنَا خَاصَّةٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهَا وَيُجْعَلُ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَقَوْلِهِ ﷺ " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " فَهُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا بِمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ إذَا أَمْكَنَ الْمَأْمُومَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهِنَّ كَانَ أَوْلَى لِيَجْمَعَ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوا مَا لَمْ يَكُنْ يَصْنَعُونَهُ يَعْنِي مِنْ تَرْكِ هَذِهِ السَّكَتَاتِ فَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لِلْإِمَامِ سُكُوتٌ فَلَا يُعَارِضُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ فَيَبْقَى الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ وَدَلِيلُنَا خَاصٌّ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا فَإِنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَوَاتِ لِلْوُجُوبِ وَالْأَمْرَ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لَيْسَ فِي رُتْبَتِهِ فَلَوْ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ لَكَانَ تَقْدِيمُ مَا اُتُّفِقَ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْلَى، هَذَا مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا الْمَنْعَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ لَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَمْتَنِعُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَيْضًا، وَتَهْوِيلُ الْمُخَالِفِ بِمَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ إنْ صَحَّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ فَهُوَ عَامٌّ يُحْمَلُ عَلَى
стр. 138
الزَّائِدِ عَنْ الْفَاتِحَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ عَلَى جَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَكَمَا لَا يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ قِيَامًا وَلَا قُعُودًا وَلَا رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا وَلَا غَيْرَهَا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ لَا يَتَحَمَّلُ الْفَاتِحَةَ فَإِذَا صَحَّ قَوْلُهُ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا أَوْ غَيْرَهُ. وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْد عَنْ عَيَّاشٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «صَلَّى رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ ارْجِعْ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَقَامَ الرَّجُلُ فَصَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ارْجِعْ فَصَلِّ ثَلَاثًا قَالَ فَحَلَفَ لَهُ لَقَدْ اجْتَهَدْت فَقَالَ ابْدَأْ فَكَبِّرْ تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تَرْكَعُ يَطْمَئِنُّ صُلْبُك فَمَا انْتَقَصْت مِنْ هَذَا فَقَدْ انْتَقَصْت مِنْ صَلَاتِك» وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ لِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِنَّا إنَّمَا نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِي قِرَاءَتِهَا لِلْمَأْمُومِ بَعْدَ تَقْرِيرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي أَتَى وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاكِعٌ وَأَحْرَمَ وَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَعُدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ الْإِحْرَامِ دُونَ الصَّفِّ أَوْ عَنْ الرُّكُوعِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ دَلِيلٌ لِعَدَمِ سُقُوطِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ثُمَّ الْبُخَارِيُّ: إنَّمَا أَجَازَ إدْرَاكَ الرُّكُوعِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَاَلَّذِينَ لَمْ يُسِرُّوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك.
قُلْت: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَسْبُوقِ وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِخَامِسَةٍ بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ الرُّكُوعَ الَّذِي أَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الضُّبَعِيُّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا، وَكَأَنَّهُمَا جَمَعَا بِذَلِكَ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَهُوَ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ دَلِيلًا، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ قَالُوا بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ وَيَعْتَدُّ لَهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْلَهُ " لَا تَعُدْ " الْإِحْرَامَ دُونَ الصَّفِّ مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ التَّنْزِيهَ عِنْدَهُمْ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ كَانَ ذَلِكَ
стр. 139
مُخَصَّصًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْمَأْمُومِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَيَبْقَى فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةَ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ اتَّجَهَ مَذْهَبُ الْمُوجِبِينَ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَسْبُوقِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْقِرَاءَةُ لِلْمَأْمُومِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا مِرْيَةَ فِيهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ نُقِلَ عَنْهُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا إلَّا اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرُوِيَ عَنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَوَجَدْت أَنَا النَّقْلَ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَصَدْت أَنْ أُثْبِتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ وَأَذْكُرَ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ لِمَا أَشَرْت إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الرَّاجِحَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ إذَا قَرَأَ أَنْ يَكُونَ قَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعَ صِحَّتِهَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ كَانَ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَحَرَامًا مُبْطِلًا عِنْدَ الْبَاقِينَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُ الدَّلِيلِ فَكَيْفَ وَقَدْ ظَهَرَ وَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ أَوْ يُسَاوِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ وَاسْتَعْمَلَ الْأَدِلَّةَ عَلَى قَوَاعِدِ الْعِلْمِ الْمُسْتَقِيمَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ وَيُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَيُسَدِّدَ أَقْوَالَنَا وَأَفْعَالَنَا وَيُخْلِصَ نِيَّاتِنَا وَيَرْزُقَنَا حُسْنَ الْخَاتِمَةِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ بِلَا مِحْنَة وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ وَمَنْ يُحِبُّهُ. كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ فِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمَنْزِلِنَا بِالْمُقْسَمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. .
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ: هِيَ بِالشُّرُوطِ أَشْبَهُ. وَهَذَا لَيْسَ تَصْرِيحًا بِخِلَافٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهَا رُكْنٌ يُشْبِهُ الشَّرْطَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ فِيهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهَا قَصْدُ النَّاوِي وَالثَّانِي فِي الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَذَلِكَ الْأَمْرُ النَّاشِئُ الَّذِي يُكْسِبُ الْفِعْلَ صِفَةَ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ هُوَ رُكْنٌ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ مَعَ الْفِعْلِ كَالرُّوحِ مَعَ الْبَدَنِ قَصْدُ النَّاوِي إلَى ذَلِكَ خَارِجٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ فَمِنْ هُنَا أَشْبَهَ الشَّرْطَ وَلِهَذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ هِيَ رُكْنٌ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لِلْفِعْلِ الْمُسَاوِي لَهُ الْمُصَاحِبِ لَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ رُوحُهُ وَقِوَامُهُ، وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ شَرَطَ لِذَلِكَ الْقَصْدَ الْقَائِمَ بِذَاتِ النَّاوِي فَهُمَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا قَائِمٌ بِذَاتِ النَّاوِي
стр. 140
صِفَةً لِلْفِعْلِ فَالْأَوَّلُ شَرْطٌ وَالثَّانِي رُكْنٌ وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ النَّاوِيَ يَقْصِدُ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْفِعْلَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا لِلرَّبِّ وَذَلِكَ الْفِعْلُ يَكْتَسِبُ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ صِفَةً يَنْصَبِغُ بِهَا كَمَا يَنْصَبِغُ الثَّوْبُ فَالثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ صَبْغُهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَالصِّبْغُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْفَاعِلِ خَارِجٌ عَنْهُ وَشَرْطُهُ فِيهِ كَتِلْكَ الْعِبَادَةِ. وَتَأَمَّلْ إذَا قُلْت: قُمْت إجْلَالًا لَك كَيْفَ صَارَ الْقِيَامُ مُكْتَسِبًا صِفَةَ الْإِجْلَالِ وَلَوْلَاهَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدَ نُهُوضٍ فَيُؤْثِرُ الْقِيَامَ وَيَقُومُ بِالْإِجْلَالِ وَأَشْبَهَ نَثْرِيَّةَ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ فَالْقِيَامُ هُوَ الْبَدَنُ وَالْإِجْلَالُ هُوَ الرُّوحُ وَالْقَصْدُ فِي مَا كَنَفْخِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ وَمِنْ تَأَمَّلْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُخَالِجْهُ شَكٌّ فِي أَنَّهَا رُكْنٌ مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ مُقَوِّمَةٌ لَهُ دَاخِلَةٌ فِي مَاهِيَّةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ مَجْمُوعُ الْفِعْلِ الْمَنْوِيِّ وَلَيْسَتْ الْمُقَارَنَةُ خَاصَّةً بِالتَّكْبِيرِ فَأُرِيدَ مِنْ مُقَارَنَةِ رُكُوبِهِ وَالْمَقَادِيرُ الْحُكْمِيَّةُ حَاصِلَةٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَامَ إجْلَالًا الْإِجْلَالُ مُقَارَنٌ دَائِمٌ مَعَهُ وَإِنْ وَصَفْنَاهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمَاهِيَّةِ فِي التَّعَقُّلِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ بِغَيْرِ جِهَةٍ وَهُوَ مَعَهُ كَالْفَاعِلِ وَالْمُنْفَعِلِ إذَا نَظَرْت إلَى الْفِعْلِ وَجَدْت لَهَا خُرُوجًا مِنْ وَجْهٍ. .
[قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الرُّكُوع والسجود]
(فَائِدَةٌ) سَأَلْت فِي يَوْمِ السَّبْتِ خَامِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ عَنْ الْعِلَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّوَجُّهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِقَوْلِ الْمُصَلِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي، ثُمَّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا وَالْقِيَامُ لَيْسَ عِبَادَةً لِمُجَرَّدِهِ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ بَلْ قَصْدُ التَّوَجُّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ رَكَعَ خُضُوعًا لِلَّهِ فَالرُّكُوعُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ فِيهِ الْقُرْآنُ لِأَنَّ عِبَادَةً لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا عِبَادَةٌ وَالدُّعَاءُ الَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ تَحَقُّقٌ لِمَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ: لَكَ رَكَعْت إلَى آخِرِهِ، وَالسُّجُودُ كَذَلِكَ وَهُوَ أَكْمَلُ خُضُوعًا وَالدُّعَاءُ الَّذِي فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ سَجَدَ وَجْهِي تَحَقُّقٌ لِمَعْنَاهُ. فَهَذِهِ الْعِبَادَاتُ الثَّلَاثُ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ هِيَ مَقَاصِدُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ كُلُّهَا تَوَجُّهٌ مَحْضٌ فَلَمَّا فَرَغْت خَتَمْت بِالتَّشَهُّدِ فِي الْقُعُودِ الَّذِي هُوَ كَالْقِيَامِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُعْتَادًا لَيْسَتْ هَيْئَاتُهُ مِنْ هَيْئَاتِ الْعِبَادَةِ فَجُعِلَ فِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ السَّلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ مُتَجَرِّدًا عَنْ هَذَا الْعَالَمِ مُقْبِلًا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِكُلِّيَّتِهِ فَعِنْدَمَا قَارَبَ الْعَوْدَ إلَى حِسِّهِ وَإِلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ سَلَّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّلَامِ لِأَنَّ الْغَائِبَ إذَا قَدِمَ يُسَلِّمُ فَلَمَّا كَانَ غَائِبًا فِي الصَّلَاةِ وَفَرَغَ سَلَّمَ عَلَى الصَّالِحِينَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
(اسْتِفْتَاءُ الشَّيْخِ فَرَجٍ)
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ السَّادَةَ الْفُقَرَاءَ بَلَّغَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَمَانِيَهُمْ قَدْ اشْتَدَّتْ
стр. 141
رَغْبَتُهُمْ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ بَعْضِ السَّادَاتِ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ فَإِنْ حَسُنَ بِرَأْيِ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ وَرَادَفَ لَدَيْهِ فَضْلَهُ وَكَرَمَهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ عَنَّا فَيَنْتَفِعُوا وَيَبْقَى لَهُ عِنْدَهُمْ تَذْكِرَةٌ لِتَدُومَ أَدْعِيَتُهُمْ الصَّالِحَةُ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ فَلْيُشَرِّفْ بِخَطِّهِ الْكَرِيمِ فِي وَرَقَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْكَلَامِ عَلَى خَمْسِ مَسَائِلَ:
(إحْدَاهَا) أَنَّ مَنْ قَالَ مَثَلًا: إنَّ نَحْوَ سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ الْأَوْلَى فِيهِ مُرَاعَاةُ التَّفْصِيلِ دُونَ الْإِجْمَالِ لِمَا فِي التَّفْصِيلِ مِنْ الرُّسُوخِ وَالْبَسْطِ الشَّارِحِ لِلصَّدْرِ مِثْلَ التَّفْصِيلِ بِأَنْ قَالَ: يَأْخُذُ الْمُسَبِّحُ أَحَدَ عَشَرَ مَعْنًى فَيُلَمِّحُ وَاحِدًا مِنْهَا فِي ثَلَاثٍ ثُمَّ آخَرَ فِي ثَلَاثٍ وَهَكَذَا فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ تَجَدُّدِ الْأَجْسَامِ وَتَقَدُّرِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ تَحَيُّزِ الْأَجْسَامِ وَتَمَاثُلِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ اضْطِرَارِ الْأَعْرَاضِ وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةِ نَقْصٍ أَوْ آفَةٍ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ صِفَةِ كَمَالٍ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي صِفَاتِهِ نَقْصُ تَصَوُّرٍ مَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ نَقْصٌ مَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِسُنَّتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَبْدِيلًا ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الْحَامِدُ فَيُلَمِّحُ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ أَجَلَّ النِّعَمِ وَهُوَ خَلْقُ الْعَقْلِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ آلَاتِ الْعَقْلِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الْبَدَنِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ مَا يَحْتَاجُهُ الْبَدَنُ مِنْ الْعُلْوِيَّاتِ كَالسَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ السُّفْلِيَّاتِ كَالْأَرْضِ وَنَبَاتِهَا وَحَيَوَانِهَا وَمَعَادِنِهَا فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ مِنَّةَ اللَّهِ فِي نَصْبِ الْأَشْيَاءِ دَالَّةً عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي الِاعْتِنَاءِ بِتَنْبِيهِهِ عَلَى ذَلِكَ بِكُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي جَعْلِ بَشَرٍ مِنْ جِنْسٍ مَا أَلَّفَهُ يُلْقِي إلَيْهِ ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَيُبَيِّنُ لَهُ مَا يَدُقُّ عَنْ فَهْمِهِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي تَنْوِيرِ قَلْبِهِ لِفَهْمِ ذَلِكَ وَإِيقَاظِهِ لَهُ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي تَوْفِيقِهِ لِامْتِثَالِ مَا يَفْهَمُهُ مِنْ الشَّرْعِ الْمُيَسَّرِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا فِي صَيْرُورَتِهِ حَنِيفًا مُسْلِمًا مَنْ لَا يُحْصِي أَحَدٌ ثَنَاءً عَلَيْهِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الْمُكَبِّرُ يُلَمِّحُ مَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ أَوْ يُحْصَى ثَنَاءٌ عَلَيْهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ مَا قَدْ يَقَعُ مِنْ الْعِصْيَانِ فَيُكَبِّرُ اللَّهَ عَنْ أَنْ يَلِيقَ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ جَمِيلَ سِتْرِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ عَجِيبَ حُكْمِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ كَوْنُهُ لَا حَوْلَ لَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إلَّا بِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَتَعَجَّبُ مِنْ الْعَاصِي كَيْفَ لَا يَتُوبُ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ مِنْ شِدَّةِ بَطْشِهِ وَانْتِقَامِهِ آخِرًا فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ مِنْ شِدَّةِ قَبُولِهِ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ سُبْحَانَهُ
стр. 142
فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا مِنْ عَفْوِهِ تَارَةً وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَوْبَةٌ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، هَلْ قَوْلُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ تَمْثِيلُهُ جَيِّدٌ أَمْ لَا وَهَلْ مَنَالُ غَيْرِهِ أَجْوَدُ مِنْهُ فَيُذْكَرُ ضِمْنًا أَوْ لَا؟
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ إمَامًا يُحْرِمُ بِالْفَرْضِ فَيُحْرِمُ خَلْفَهُ إجْمَاعًا ثُمَّ إنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ كَامِلَةً أَوْ أَخَلَّ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ فِيهَا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَالْتَفَتَ إلَى الْجَمَاعَةِ وَقَالَ: بَطَلَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ فَبَطَّلُوا صَلَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْرَمَ الْإِمَامُ فَأَحْرَمُوا فَقَالَ شَخْصٌ مِنْهُمْ: صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَبْطِيلُهُمْ صَلَاتَهُمْ مَعَ أَنَّهَا فَرْضٌ فَأَمْرُهُمْ بِذَلِكَ يَكُونُ حَرَامًا وَلَكِنَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجَدِّدَ هُوَ التَّحْرِيمَ سَاكِتًا عَنْهُمْ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ صَارُوا يُبْطِلُونَ صَلَاتَهُمْ مَتَى سَمِعُوهُ كَبَّرَ ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ الشَّخْصُ: كَبِّرْ بِحَيْثُ تُسْمَعُ. فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِالْحَالِ فَنِيَّةُ اقْتِدَائِهِمْ الْأُولَى هَلْ تَكْفِيهِمْ اسْتِصْحَابًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا تَجِبُ فِي أَعْمَالِهِمْ أَوْ لَا؟
(الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْبُرَّ لَا تُوجَدُ فِيهِ دَرَاهِمُ خَالِصَةٌ وَلَا ذَهَبٌ وَالْفِضَّةُ الْمَغْشُوشَةُ مَعْلُومٌ أَمْرُهَا فِي الرَّوَاجِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا صَحَّحُوهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا؟ .
(الرَّابِعَةُ) أَنَّ النَّحْلَ يُبَاعُ بِالْكُوَّارَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ شَمْعٍ وَعَسَلٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَلَا يَقَعُ فِي مُبَايَعَاتِ النَّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَلْ الضَّرُورَةُ إلَى مِثْلِهِ وَعُمُومُ الْبَلْوَى بِهِ تَجْعَلُ الْبَيْعَ صَحِيحًا أَوْ لَا وَعَسَلُ النَّاسِ كُلُّهُ حَلَالًا؟
(الْخَامِسَةُ) أَنَّ الْمُتَعَبِّدَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ غَيْرَهُ أَوْ لَا وَمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّهُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَالْمَانِعُ مِنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ بَعْدَ كَوْنِ التَّقْلِيدِ طَرِيقًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا؟
الْحَمْدُ لِلَّهِ (أَجَابَ) تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ قَدْ تَأَمَّلْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا سَادَاتِي الْفُقَرَاءُ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَرَضِيَ عَنْهُمْ فَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الذِّكْرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ اخْتِيَارُ الْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ أَعْنِي تَفْصِيلَ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَبِّحُ عَنْهَا وَاَلَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا وَمَا يَكْبُرُ عَنْهُ لِأَنِّي وَجَدْت التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّكْبِيرَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَذَلِكَ مُطْلَقَةً إلَّا فِي قَوْلِهِ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] وَ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ ذَاتِ الْوَلَدِ غَيْرُ نَقَائِصِ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَتِلْكَ النَّقَائِصُ أَحْقَرُ وَأَذَلُّ مِنْ أَنْ تَحْضُرَ فِي الْقَلْبِ مَعَ الرَّبِّ وَإِنَّمَا تُسْتَحْضَرُ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ لِضَرُورَةِ التَّسْبِيحِ عَنْهَا وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ لِاسْتِحْضَارِهَا لِاسْتِغْرَاقِ الْقَلْبِ فِي عَظَمَةِ الرَّبِّ وَتَعَالِيهِ وَخِلَافُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تِلْكَ النَّقَائِصِ أَلْبَتَّةَ وَانْظُرْ إلَى السُّنَّةِ لَمَّا فَصَّلَتْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ
стр. 143
عَدَدَ خَلْقِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ كَيْفَ نَصَّ عَلَى صِفَاتِ التَّسْبِيحِ فِي نَفْسِهِ وَأَشَارَ إلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ إفْرَادِهِ لِأَنَّ عَدَدَ الْخَلْقِ فِيمَا كَانَ وَيَكُونُ لَا يَتَنَاهَى وَكِبَرَ مِقْدَارِهِ لِأَنَّ الْعَرْشَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِذَا أُخِذَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي كَانَتْ وَسَتَكُونُ لَا تَتَنَاهَى وَشَرَفَ نَوْعِهِ حَتَّى يَكُونَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَدَوَامُهُ بِلَا نَفَادٍ لِأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَفَادَ لَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنَّقَائِصِ الَّتِي يُسَبِّحُ عَنْهَا مُسْتَحْقِرًا لَهَا مِنْ أَنْ تَمُرَّ بِحَضْرَةِ الْجَلَالِ أَوْ تَخْطُرَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْكَمَالِ وَالشَّيْخُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِ يُرِيدُ أَنْ يَجْذِبَهُ مِنْ الْأَغْيَارِ إلَى الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَيَشْغَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالصِّفَاتِ الْآلِهِيَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ فَكَيْفَ نَشْغَلُهُ عَنْ الْفَضَائِلِ بِالرَّذَائِلِ وَيَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ مُحَارَبَةُ مَا أَلِفَهُ مِنْهَا بِطَبْعِ الْبَشَرِيَّةِ وَالذِّكْرُ يُرَقِّيهِ عَنْ ذَلِكَ وَيُجَرِّدُهُ إلَى جِهَةِ الصَّمَدِيَّةِ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ فِي ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلِكُلِّ قَلْبٍ فُتِحَ تُشْرِقُ مِنْهُ أَنْوَارُهُ وَتَتَجَلَّى بِهِ أَسْتَارُهُ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ إلَى أَنْ يَتَرَقَّى إلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ وَأَجَلُّ الْأَذْكَارِ أَذْكَارُ الْقُرْآنِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِهَا وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا الْمُسَبِّحُ عَنْهَا إلَّا فِي نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا فِي الْحَمْدِ عَلَى كَذَا وَلَا فِي التَّكْبِيرِ عَلَى كَذَا بَلْ أُطْلِقَ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فَإِذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَطُلْ زَمَانُ الشَّكِّ وَلَا أَتَى بِرُكْنٍ فِيهِ بَلْ تَذَكَّرَهَا عَلَى الْفَوْرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَتْ فَرْضًا وَإِنْ طَالَ أَوْ أَتَى بِرُكْنٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَبُطْلَانُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْعِقَادِهَا إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ حَصَلَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ حَصَلَتْ وَالْأَصْلُ يُعَضِّدُهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْأَرْجَحُ هُنَا عِنْدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تَكُونُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ انْعَقَدَتْ جَمَاعَةً وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي تَكُونُ صَلَاتُهُمْ انْعَقَدَتْ عِنْدَنَا كَصَلَاتِهِمْ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَهَلْ هِيَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فُرَادَى وَجْهَانِ عِنْدَنَا حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَقْرَبُهُمَا إلَى ظَاهِرِ الْمَنْقُولِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا جَمَاعَةٌ وَأَقْوَاهُمَا عِنْدِي أَنَّهَا فُرَادَى وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّهَا جَمَاعَةٌ اسْتَنَدُوا إلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ فَمَكَثُوا ثُمَّ انْطَلَقَ فَاغْتَسَلَ وَكَانَ رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنِّي خَرَجْت إلَيْكُمْ جُنُبًا وَإِنِّي نَسِيت حِينَ قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» . وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ حَتَّى إذَا قَامَ فِي
стр. 144
مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَاهُ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ وَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا تَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدْ اغْتَسَلَ» هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الصَّحِيحُ وَحِينَئِذٍ لَا دَلِيلَ عَلَى حُصُولِ الْجَمَاعَةِ لِلْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُحْدِثِ بَلْ صِحَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَمَذْهَبُنَا صِحَّتُهَا وَالرُّويَانِيُّ اسْتَنَدَ فِي صِحَّتِهَا إلَى الْحَدِيثِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَذَلِكَ الدَّلِيلُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجَمَاعَةِ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ جَمَاعَةٍ بِلَا إمَامٍ نَعَمْ إنْ قِيلَ يَحْصُلُ لَهُمْ أَجْرٌ لِقَصْدِهِمْ فَنَعَمْ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ الْمَأْمُومُونَ قَدْ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ تَنْعَقِدْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَرَى صِحَّةَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ خُرُوجٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
فَالْإِمَامُ إنْ جَدَّدَ النِّيَّةَ وَكَبَّرَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ الْمَأْمُومُونَ فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُمْ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ الْأُولَى مَا صَحَّتْ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَتَكْبِيرُهُ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ حَتَّى يُنْشِئُوا إلَيْهِ اقْتِدَاءً فَتَفُوتُهُمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ لِلْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُحْدِثِ فَيَكْفِي ذَلِكَ إنْ جُعِلَ الْإِمَامُ بِإِحْرَامِهِ ثَانِيًا كَالْخَلِيفَةِ وَفِيهِ فِقْهٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ تَابِعٌ وَالْإِمَامُ بِإِحْرَامِهِ لَيْسَ تَابِعًا لِنَفْسِهِ وَلَا إمَامَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى إمَامَةٍ مُنْعَقِدَةٍ حَتَّى يَجْعَلَ الْمَأْمُومُونَ حَائِزِينَ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ إمَامٌ جَدِيدٌ ظَنُّوهُ إمَامًا فَمِنْ هَذَا النَّظَرِ نَتَوَقَّفُ فِي حُصُولِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ أَيْضًا وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ سِرًّا وَإِنْ كَبَّرَ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَهُ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إلَى مَا يَفْعَلُونَ فَقَدْ يَتَخَبَّطُونَ لِأَنَّ فِيهِمْ عَوَامَّ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ وَإِنْ أَرْشَدَهُمْ قَبْلَ تَكْبِيرِهِ إلَّا أَنَّهُمْ يُنْشِئُونَ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ فِيهِمْ الْخِلَافُ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَالْحَاصِلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَلَاتُهُمْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَقُولَانِ: بَاطِلَةٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: صَحِيحَةٌ وَعِنْدَهُ خِلَافٌ أَيْضًا فِي إنْشَاءِ الْقُدْوَةِ وَفِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَفِي كَوْنِهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَإِنْ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَحْرَمُوا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً جَمَاعَةً عِنْدَ الْجَمْعِ وَكَانَ مَا فَعَلُوهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِمَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ قَاصِدِينَ بِذَلِكَ تَحْصِيلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْسَنِ التَّقْلِيدِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّرَخُّصُ بَلْ الِاحْتِيَاطُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ أَمْرَ هَذَا الْإِمَامِ لَهُمْ بِتَبْطِيلِ نِيَّتِهِمْ لَيْسَ حَرَامًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا عِنْدِي إذَا قَصَدَ بِهِ مَا قُلْتُهُ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا لَمْ يَغْفُلْ عَنْ التَّقْلِيدِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ وَإِنْ
стр. 145
قَصَدَ الْحَقَّ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يَحْضُرْ فِي قَلْبِهِ التَّقْلِيدُ أَرْجُو لَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَالْمُخْتَارُ عِنْدِي جَوَازُ الْقَرْضِ عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فَبَيْعُ النَّحْلِ فِي الْكُوَّارَةِ وَخَارِجِهَا بَعْدَ رُؤْيَتِهِ صَحِيحٌ وَقَبْلَ رُؤْيَتِهِ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِي بَيْعُ الْغَائِبِ وَبَيْعُ مَا فِيهَا مِنْ عَسَلٍ وَشَمْعٍ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ صَحِيحٌ وَقَبْلَهَا يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِي بَيْعُ الْغَائِبِ، وَبَيْعُ الْغَائِبِ قَدْ صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاتِّبَاعُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْفَقِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (وَالثَّانِي) أَنَّ الدَّلِيلَ يُعَضِّدُهُ (وَالثَّالِثُ) احْتِيَاجُ غَالِبِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهَا مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ خَفِيفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأُمُورُ إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَلَا يُكَلَّفُ عُمُومُ النَّاسِ بِمَا يُكَلَّفُ بِهِ الْفَقِيهُ الْحَاذِقُ النِّحْرِيرُ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فَالْمُتَعَبِّدُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَهُ أَحْوَالٌ: إحْدَاهَا أَنْ يَعْتَقِدَ بِحَسَبِ حَالِهِ رُجْحَانَ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلرَّاجِحِ فِي ظَنِّهِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ لَا يَعْتَقِدَ رُجْحَانًا أَصْلًا وَلَكِنْ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي اعْتِقَادَهُ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَعَدَمَ الِاعْتِقَادِ لِلرُّجْحَانِ أَصْلًا بِقَصْدِ تَقْلِيدِهِ احْتِيَاطًا لِدِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا، وَهَذَا كَالْحِيلَةِ إذَا قُصِدَ بِهَا الْخَلَاصُ مِنْ الرِّبَا كَبَيْعِ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاءِ الْخَبِيثِ بِهَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، بِخِلَافِ الْحِيلَةِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ نَحْكُمُ بِكَرَاهَتِهَا.
(الثَّالِثَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِتَقْلِيدِهِ الرُّخْصَةَ فِيمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ حَاقَّةٍ لَحِقَتْهُ أَوْ ضَرُورَةٍ أَرْهَقَتْهُ فَيَجُوزُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ إمَامِهِ وَيَعْتَقِدَ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ فَيَمْتَنِعُ وَهُوَ صَعْبٌ وَالْأَوْلَى الْجَوَازُ.
(الرَّابِعَةُ) أَنْ لَا تَدْعُوَهُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ بَلْ مُجَرَّدُ قَصْدِ التَّرَخُّصِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ رُجْحَانُهُ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِلدِّينِ.
(الْخَامِسَةُ) أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَيَجْعَلَ اتِّبَاعَ الرُّخَصِ دَيْدَنَهُ فَيَمْتَنِعُ لِمَا قُلْنَاهُ وَزِيَادَةِ فُحْشِهِ.
(السَّادِسَةُ) أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مُمْتَنِعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَمْتَنِعُ.
(السَّابِعَةُ) أَنْ يَعْمَلَ بِتَقْلِيدِهِ الْأَوَّلِ كَالْحَنَفِيِّ يَدَّعِي بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ فَيَأْخُذُهَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَيُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّافِعِيَّ فَيَمْتَنِعُ مِنْهَا فَيَمْتَنِعُ لِتَحَقُّقِ خَطَئِهِ إمَّا فِي الْأَوَّلِ وَإِمَّا فِي الثَّانِي وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مُكَلَّفٌ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ السَّبْعِ حَسَبَ مَا ظَهَرَ لَنَا، وَقَوْلُ الشَّيْخِ سَيْفِ الدِّينِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ
следующие страницы →