Полный текст (1 159 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
رَغْبَتُهُمْ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ بَعْضِ السَّادَاتِ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ فَإِنْ حَسُنَ بِرَأْيِ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ وَرَادَفَ لَدَيْهِ فَضْلَهُ وَكَرَمَهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ عَنَّا فَيَنْتَفِعُوا وَيَبْقَى لَهُ عِنْدَهُمْ تَذْكِرَةٌ لِتَدُومَ أَدْعِيَتُهُمْ الصَّالِحَةُ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ فَلْيُشَرِّفْ بِخَطِّهِ الْكَرِيمِ فِي وَرَقَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْكَلَامِ عَلَى خَمْسِ مَسَائِلَ:
(إحْدَاهَا) أَنَّ مَنْ قَالَ مَثَلًا: إنَّ نَحْوَ سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ الْأَوْلَى فِيهِ مُرَاعَاةُ التَّفْصِيلِ دُونَ الْإِجْمَالِ لِمَا فِي التَّفْصِيلِ مِنْ الرُّسُوخِ وَالْبَسْطِ الشَّارِحِ لِلصَّدْرِ مِثْلَ التَّفْصِيلِ بِأَنْ قَالَ: يَأْخُذُ الْمُسَبِّحُ أَحَدَ عَشَرَ مَعْنًى فَيُلَمِّحُ وَاحِدًا مِنْهَا فِي ثَلَاثٍ ثُمَّ آخَرَ فِي ثَلَاثٍ وَهَكَذَا فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ تَجَدُّدِ الْأَجْسَامِ وَتَقَدُّرِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ تَحَيُّزِ الْأَجْسَامِ وَتَمَاثُلِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ اضْطِرَارِ الْأَعْرَاضِ وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةِ نَقْصٍ أَوْ آفَةٍ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ صِفَةِ كَمَالٍ ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي صِفَاتِهِ نَقْصُ تَصَوُّرٍ مَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ نَقْصٌ مَا ثَلَاثًا ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِسُنَّتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَبْدِيلًا ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الْحَامِدُ فَيُلَمِّحُ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ أَجَلَّ النِّعَمِ وَهُوَ خَلْقُ الْعَقْلِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ آلَاتِ الْعَقْلِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الْبَدَنِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ مَا يَحْتَاجُهُ الْبَدَنُ مِنْ الْعُلْوِيَّاتِ كَالسَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ السُّفْلِيَّاتِ كَالْأَرْضِ وَنَبَاتِهَا وَحَيَوَانِهَا وَمَعَادِنِهَا فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ مِنَّةَ اللَّهِ فِي نَصْبِ الْأَشْيَاءِ دَالَّةً عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي الِاعْتِنَاءِ بِتَنْبِيهِهِ عَلَى ذَلِكَ بِكُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي جَعْلِ بَشَرٍ مِنْ جِنْسٍ مَا أَلَّفَهُ يُلْقِي إلَيْهِ ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَيُبَيِّنُ لَهُ مَا يَدُقُّ عَنْ فَهْمِهِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي تَنْوِيرِ قَلْبِهِ لِفَهْمِ ذَلِكَ وَإِيقَاظِهِ لَهُ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا ثُمَّ فِي تَوْفِيقِهِ لِامْتِثَالِ مَا يَفْهَمُهُ مِنْ الشَّرْعِ الْمُيَسَّرِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا فِي صَيْرُورَتِهِ حَنِيفًا مُسْلِمًا مَنْ لَا يُحْصِي أَحَدٌ ثَنَاءً عَلَيْهِ فَيَحْمَدُ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ الْمُكَبِّرُ يُلَمِّحُ مَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ أَوْ يُحْصَى ثَنَاءٌ عَلَيْهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ مَا قَدْ يَقَعُ مِنْ الْعِصْيَانِ فَيُكَبِّرُ اللَّهَ عَنْ أَنْ يَلِيقَ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ يُلَمِّحُ جَمِيلَ سِتْرِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ عَجِيبَ حُكْمِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ كَوْنُهُ لَا حَوْلَ لَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إلَّا بِهِ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَتَعَجَّبُ مِنْ الْعَاصِي كَيْفَ لَا يَتُوبُ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ مِنْ شِدَّةِ بَطْشِهِ وَانْتِقَامِهِ آخِرًا فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ مِنْ شِدَّةِ قَبُولِهِ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ سُبْحَانَهُ
стр. 142
فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا مِنْ عَفْوِهِ تَارَةً وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَوْبَةٌ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، هَلْ قَوْلُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَهَلْ تَمْثِيلُهُ جَيِّدٌ أَمْ لَا وَهَلْ مَنَالُ غَيْرِهِ أَجْوَدُ مِنْهُ فَيُذْكَرُ ضِمْنًا أَوْ لَا؟
(الثَّانِيَةُ) أَنَّ إمَامًا يُحْرِمُ بِالْفَرْضِ فَيُحْرِمُ خَلْفَهُ إجْمَاعًا ثُمَّ إنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ كَامِلَةً أَوْ أَخَلَّ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ فِيهَا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَالْتَفَتَ إلَى الْجَمَاعَةِ وَقَالَ: بَطَلَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ فَبَطَّلُوا صَلَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْرَمَ الْإِمَامُ فَأَحْرَمُوا فَقَالَ شَخْصٌ مِنْهُمْ: صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَبْطِيلُهُمْ صَلَاتَهُمْ مَعَ أَنَّهَا فَرْضٌ فَأَمْرُهُمْ بِذَلِكَ يَكُونُ حَرَامًا وَلَكِنَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجَدِّدَ هُوَ التَّحْرِيمَ سَاكِتًا عَنْهُمْ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ صَارُوا يُبْطِلُونَ صَلَاتَهُمْ مَتَى سَمِعُوهُ كَبَّرَ ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ الشَّخْصُ: كَبِّرْ بِحَيْثُ تُسْمَعُ. فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِالْحَالِ فَنِيَّةُ اقْتِدَائِهِمْ الْأُولَى هَلْ تَكْفِيهِمْ اسْتِصْحَابًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا تَجِبُ فِي أَعْمَالِهِمْ أَوْ لَا؟
(الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْبُرَّ لَا تُوجَدُ فِيهِ دَرَاهِمُ خَالِصَةٌ وَلَا ذَهَبٌ وَالْفِضَّةُ الْمَغْشُوشَةُ مَعْلُومٌ أَمْرُهَا فِي الرَّوَاجِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا صَحَّحُوهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا؟ .
(الرَّابِعَةُ) أَنَّ النَّحْلَ يُبَاعُ بِالْكُوَّارَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ شَمْعٍ وَعَسَلٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَلَا يَقَعُ فِي مُبَايَعَاتِ النَّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَلْ الضَّرُورَةُ إلَى مِثْلِهِ وَعُمُومُ الْبَلْوَى بِهِ تَجْعَلُ الْبَيْعَ صَحِيحًا أَوْ لَا وَعَسَلُ النَّاسِ كُلُّهُ حَلَالًا؟
(الْخَامِسَةُ) أَنَّ الْمُتَعَبِّدَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ غَيْرَهُ أَوْ لَا وَمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّهُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَالْمَانِعُ مِنْ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ بَعْدَ كَوْنِ التَّقْلِيدِ طَرِيقًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا؟
الْحَمْدُ لِلَّهِ (أَجَابَ) تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ قَدْ تَأَمَّلْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا سَادَاتِي الْفُقَرَاءُ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَرَضِيَ عَنْهُمْ فَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الذِّكْرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ اخْتِيَارُ الْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ أَعْنِي تَفْصِيلَ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَبِّحُ عَنْهَا وَاَلَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا وَمَا يَكْبُرُ عَنْهُ لِأَنِّي وَجَدْت التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّكْبِيرَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَذَلِكَ مُطْلَقَةً إلَّا فِي قَوْلِهِ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] وَ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ ذَاتِ الْوَلَدِ غَيْرُ نَقَائِصِ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَتِلْكَ النَّقَائِصُ أَحْقَرُ وَأَذَلُّ مِنْ أَنْ تَحْضُرَ فِي الْقَلْبِ مَعَ الرَّبِّ وَإِنَّمَا تُسْتَحْضَرُ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ لِضَرُورَةِ التَّسْبِيحِ عَنْهَا وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ لِاسْتِحْضَارِهَا لِاسْتِغْرَاقِ الْقَلْبِ فِي عَظَمَةِ الرَّبِّ وَتَعَالِيهِ وَخِلَافُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تِلْكَ النَّقَائِصِ أَلْبَتَّةَ وَانْظُرْ إلَى السُّنَّةِ لَمَّا فَصَّلَتْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ
стр. 143
عَدَدَ خَلْقِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ كَيْفَ نَصَّ عَلَى صِفَاتِ التَّسْبِيحِ فِي نَفْسِهِ وَأَشَارَ إلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ إفْرَادِهِ لِأَنَّ عَدَدَ الْخَلْقِ فِيمَا كَانَ وَيَكُونُ لَا يَتَنَاهَى وَكِبَرَ مِقْدَارِهِ لِأَنَّ الْعَرْشَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِذَا أُخِذَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي كَانَتْ وَسَتَكُونُ لَا تَتَنَاهَى وَشَرَفَ نَوْعِهِ حَتَّى يَكُونَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَدَوَامُهُ بِلَا نَفَادٍ لِأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَفَادَ لَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنَّقَائِصِ الَّتِي يُسَبِّحُ عَنْهَا مُسْتَحْقِرًا لَهَا مِنْ أَنْ تَمُرَّ بِحَضْرَةِ الْجَلَالِ أَوْ تَخْطُرَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْكَمَالِ وَالشَّيْخُ فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِ يُرِيدُ أَنْ يَجْذِبَهُ مِنْ الْأَغْيَارِ إلَى الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَيَشْغَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالصِّفَاتِ الْآلِهِيَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ فَكَيْفَ نَشْغَلُهُ عَنْ الْفَضَائِلِ بِالرَّذَائِلِ وَيَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ مُحَارَبَةُ مَا أَلِفَهُ مِنْهَا بِطَبْعِ الْبَشَرِيَّةِ وَالذِّكْرُ يُرَقِّيهِ عَنْ ذَلِكَ وَيُجَرِّدُهُ إلَى جِهَةِ الصَّمَدِيَّةِ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ فِي ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلِكُلِّ قَلْبٍ فُتِحَ تُشْرِقُ مِنْهُ أَنْوَارُهُ وَتَتَجَلَّى بِهِ أَسْتَارُهُ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ إلَى أَنْ يَتَرَقَّى إلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ وَأَجَلُّ الْأَذْكَارِ أَذْكَارُ الْقُرْآنِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِهَا وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا الْمُسَبِّحُ عَنْهَا إلَّا فِي نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا فِي الْحَمْدِ عَلَى كَذَا وَلَا فِي التَّكْبِيرِ عَلَى كَذَا بَلْ أُطْلِقَ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فَإِذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَطُلْ زَمَانُ الشَّكِّ وَلَا أَتَى بِرُكْنٍ فِيهِ بَلْ تَذَكَّرَهَا عَلَى الْفَوْرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَتْ فَرْضًا وَإِنْ طَالَ أَوْ أَتَى بِرُكْنٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَبُطْلَانُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْعِقَادِهَا إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ حَصَلَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ حَصَلَتْ وَالْأَصْلُ يُعَضِّدُهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْأَرْجَحُ هُنَا عِنْدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تَكُونُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ انْعَقَدَتْ جَمَاعَةً وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي تَكُونُ صَلَاتُهُمْ انْعَقَدَتْ عِنْدَنَا كَصَلَاتِهِمْ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَهَلْ هِيَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فُرَادَى وَجْهَانِ عِنْدَنَا حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَقْرَبُهُمَا إلَى ظَاهِرِ الْمَنْقُولِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا جَمَاعَةٌ وَأَقْوَاهُمَا عِنْدِي أَنَّهَا فُرَادَى وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّهَا جَمَاعَةٌ اسْتَنَدُوا إلَى حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ فَمَكَثُوا ثُمَّ انْطَلَقَ فَاغْتَسَلَ وَكَانَ رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنِّي خَرَجْت إلَيْكُمْ جُنُبًا وَإِنِّي نَسِيت حِينَ قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» . وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ حَتَّى إذَا قَامَ فِي
стр. 144
مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَاهُ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ وَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا تَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدْ اغْتَسَلَ» هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الصَّحِيحُ وَحِينَئِذٍ لَا دَلِيلَ عَلَى حُصُولِ الْجَمَاعَةِ لِلْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُحْدِثِ بَلْ صِحَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَمَذْهَبُنَا صِحَّتُهَا وَالرُّويَانِيُّ اسْتَنَدَ فِي صِحَّتِهَا إلَى الْحَدِيثِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَذَلِكَ الدَّلِيلُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجَمَاعَةِ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ جَمَاعَةٍ بِلَا إمَامٍ نَعَمْ إنْ قِيلَ يَحْصُلُ لَهُمْ أَجْرٌ لِقَصْدِهِمْ فَنَعَمْ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ الْمَأْمُومُونَ قَدْ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ تَنْعَقِدْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَرَى صِحَّةَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ خُرُوجٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
فَالْإِمَامُ إنْ جَدَّدَ النِّيَّةَ وَكَبَّرَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ الْمَأْمُومُونَ فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُمْ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ الْأُولَى مَا صَحَّتْ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَتَكْبِيرُهُ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ حَتَّى يُنْشِئُوا إلَيْهِ اقْتِدَاءً فَتَفُوتُهُمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ لِلْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُحْدِثِ فَيَكْفِي ذَلِكَ إنْ جُعِلَ الْإِمَامُ بِإِحْرَامِهِ ثَانِيًا كَالْخَلِيفَةِ وَفِيهِ فِقْهٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ تَابِعٌ وَالْإِمَامُ بِإِحْرَامِهِ لَيْسَ تَابِعًا لِنَفْسِهِ وَلَا إمَامَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى إمَامَةٍ مُنْعَقِدَةٍ حَتَّى يَجْعَلَ الْمَأْمُومُونَ حَائِزِينَ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ إمَامٌ جَدِيدٌ ظَنُّوهُ إمَامًا فَمِنْ هَذَا النَّظَرِ نَتَوَقَّفُ فِي حُصُولِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ أَيْضًا وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ سِرًّا وَإِنْ كَبَّرَ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَهُ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إلَى مَا يَفْعَلُونَ فَقَدْ يَتَخَبَّطُونَ لِأَنَّ فِيهِمْ عَوَامَّ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ وَإِنْ أَرْشَدَهُمْ قَبْلَ تَكْبِيرِهِ إلَّا أَنَّهُمْ يُنْشِئُونَ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ فِيهِمْ الْخِلَافُ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَالْحَاصِلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَلَاتُهُمْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَقُولَانِ: بَاطِلَةٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: صَحِيحَةٌ وَعِنْدَهُ خِلَافٌ أَيْضًا فِي إنْشَاءِ الْقُدْوَةِ وَفِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَفِي كَوْنِهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَإِنْ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَحْرَمُوا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً جَمَاعَةً عِنْدَ الْجَمْعِ وَكَانَ مَا فَعَلُوهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِمَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ قَاصِدِينَ بِذَلِكَ تَحْصِيلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْسَنِ التَّقْلِيدِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّرَخُّصُ بَلْ الِاحْتِيَاطُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ أَمْرَ هَذَا الْإِمَامِ لَهُمْ بِتَبْطِيلِ نِيَّتِهِمْ لَيْسَ حَرَامًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا عِنْدِي إذَا قَصَدَ بِهِ مَا قُلْتُهُ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا لَمْ يَغْفُلْ عَنْ التَّقْلِيدِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ وَإِنْ
стр. 145
قَصَدَ الْحَقَّ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يَحْضُرْ فِي قَلْبِهِ التَّقْلِيدُ أَرْجُو لَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَالْمُخْتَارُ عِنْدِي جَوَازُ الْقَرْضِ عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فَبَيْعُ النَّحْلِ فِي الْكُوَّارَةِ وَخَارِجِهَا بَعْدَ رُؤْيَتِهِ صَحِيحٌ وَقَبْلَ رُؤْيَتِهِ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِي بَيْعُ الْغَائِبِ وَبَيْعُ مَا فِيهَا مِنْ عَسَلٍ وَشَمْعٍ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ صَحِيحٌ وَقَبْلَهَا يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِي بَيْعُ الْغَائِبِ، وَبَيْعُ الْغَائِبِ قَدْ صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاتِّبَاعُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْفَقِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (وَالثَّانِي) أَنَّ الدَّلِيلَ يُعَضِّدُهُ (وَالثَّالِثُ) احْتِيَاجُ غَالِبِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهَا مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَلْبُوسِ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ خَفِيفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأُمُورُ إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَلَا يُكَلَّفُ عُمُومُ النَّاسِ بِمَا يُكَلَّفُ بِهِ الْفَقِيهُ الْحَاذِقُ النِّحْرِيرُ.
وَأَمَّا (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فَالْمُتَعَبِّدُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَهُ أَحْوَالٌ: إحْدَاهَا أَنْ يَعْتَقِدَ بِحَسَبِ حَالِهِ رُجْحَانَ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلرَّاجِحِ فِي ظَنِّهِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ لَا يَعْتَقِدَ رُجْحَانًا أَصْلًا وَلَكِنْ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي اعْتِقَادَهُ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَعَدَمَ الِاعْتِقَادِ لِلرُّجْحَانِ أَصْلًا بِقَصْدِ تَقْلِيدِهِ احْتِيَاطًا لِدِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا، وَهَذَا كَالْحِيلَةِ إذَا قُصِدَ بِهَا الْخَلَاصُ مِنْ الرِّبَا كَبَيْعِ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاءِ الْخَبِيثِ بِهَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، بِخِلَافِ الْحِيلَةِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ نَحْكُمُ بِكَرَاهَتِهَا.
(الثَّالِثَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِتَقْلِيدِهِ الرُّخْصَةَ فِيمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ حَاقَّةٍ لَحِقَتْهُ أَوْ ضَرُورَةٍ أَرْهَقَتْهُ فَيَجُوزُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ إمَامِهِ وَيَعْتَقِدَ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ فَيَمْتَنِعُ وَهُوَ صَعْبٌ وَالْأَوْلَى الْجَوَازُ.
(الرَّابِعَةُ) أَنْ لَا تَدْعُوَهُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ بَلْ مُجَرَّدُ قَصْدِ التَّرَخُّصِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ رُجْحَانُهُ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِلدِّينِ.
(الْخَامِسَةُ) أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَيَجْعَلَ اتِّبَاعَ الرُّخَصِ دَيْدَنَهُ فَيَمْتَنِعُ لِمَا قُلْنَاهُ وَزِيَادَةِ فُحْشِهِ.
(السَّادِسَةُ) أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مُمْتَنِعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَمْتَنِعُ.
(السَّابِعَةُ) أَنْ يَعْمَلَ بِتَقْلِيدِهِ الْأَوَّلِ كَالْحَنَفِيِّ يَدَّعِي بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ فَيَأْخُذُهَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَيُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّافِعِيَّ فَيَمْتَنِعُ مِنْهَا فَيَمْتَنِعُ لِتَحَقُّقِ خَطَئِهِ إمَّا فِي الْأَوَّلِ وَإِمَّا فِي الثَّانِي وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مُكَلَّفٌ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ السَّبْعِ حَسَبَ مَا ظَهَرَ لَنَا، وَقَوْلُ الشَّيْخِ سَيْفِ الدِّينِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ
стр. 146
لَا بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ فِيهَا نَظَرٌ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مَا يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ خِلَافِ الْعَمَلِ أَيْضًا وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَلَكِنَّ وَجْهَ مَا قَالَاهُ أَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ يُكَلَّفُ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ غَيْرُهُ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَظْهَرُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ حَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْ إمَارَةٍ إلَى إمَارَةٍ، هَذَا وَجْهُ مَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنِّي أَرَى تَنْزِيلَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَنَزِيدُ الِامْتِنَاعَ عَلَى مَا صَرَّحْت فِيهِ بِالِامْتِنَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَنْقُولًا بِالْمَنْقُولِ وَتَحْقِيقُهُ قَدْ يَشْهَدُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَنَّ التَّقْلِيدَ بَعْدَ الْعَمَلِ إنْ كَانَ مِنْ الْوُجُوبِ إلَى الْإِبَاحَةِ لَيُتْرَكُ كَالْحَنَفِيِّ يُقَلِّدُ فِي أَنَّ الْوَتْرَ سُنَّةٌ أَوْ مِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ لِيَفْعَلَ كَالشَّافِعِيِّ يُقَلِّدُ فِي أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنْهُ فِي الْوَتْرِ هُوَ الْفِعْلُ وَفِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ التَّرْكُ وَكِلَاهُمَا لَا يُنَافِي الْإِبَاحَةَ، وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ خَارِجٌ عَنْ الْعَمَلِ وَحَاصِلٌ قَبْلَهُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِمَا مَانِعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْإِبَاحَةَ فَقَلَّدَ فِي الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ أَبْعَدُ وَلَيْسَ فِي الْعَامِّيِّ إلَّا هَذِهِ الْأَقْسَامُ نَعَمْ الْمُفْتِي عَلَى مَذْهَبٍ إذَا أَفْتَى بِكَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ حَرَامًا عَلَى مَذْهَبِهِ حَيْثُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ لِلْإِفْتَاءِ يَحْسُنُ أَنْ يُقَلِّدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْضُ تَشَبُّهٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً فَنَعُودُ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَنَقُولُ بِجَوَازِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَفْتَى وَلَدَهُ فِي نَذْرِ الْحَاجِّ بِمَذْهَبِ اللَّيْثِ وَالْخَلَاصُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ.
وَقَالَ لَهُ: إنْ عُدْت لَمْ أُفْتِك إلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ يَعْنِي بِالْوَفَاءِ عَلَى أَنَّا إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّخْيِيرَ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَالْمُقَلِّدُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ التَّخْيِيرَ إذَا قَصَدَ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً، وَأَمَّا بِالتَّشَهِّي فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَجَابَ بِذَلِكَ ﵁ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعْظَمِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. .
(مَسْأَلَةٌ) فِي رَجُلٍ أَخْرَجَ صَلَاةً فَرْضًا لَا تُجْمَعُ عَنْ وَقْتِهَا عَالِمًا ذَاكِرًا بِنِيَّةِ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِكُفْرِهِ أَمْ لَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ .
(أَجَابَ) مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ بِقَتْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَا لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي قَتْلِهِ هَلْ هُوَ حَدٌّ أَوْ كُفْرٌ فَيَلْزَمُ بِذَلِكَ قَوْلٌ يُكَفِّرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْكَافِر إِن جن قَبْل الْبُلُوغ]
(مَسْأَلَةٌ) تَفَقَّهْت فِيهَا وَلَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً الْكَافِرُ إنْ جُنَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ وَإِنْ جُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْكُفْرِ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْهُ الْقَلَمُ لِأَنَّ رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْ الْمَجْنُونِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ رُخْصَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا مِنْ
стр. 147
كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُرْتَدَّ تُقْضَى الصَّلَوَاتُ لَهُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ وُلِدَ كَافِرًا وَلَا أَقُولُ كَافِرًا بَلْ بَيْنَ كَافِرِينَ بِحَيْثُ حُكِمَ لَهُ بِالْكُفْرِ الظَّاهِرِ وَجُنَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ حَتَّى صَارَ شَيْخًا وَمَاتَ عَلَى حَالِهِ دَخَلَ النَّارَ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبْته لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشْرَيْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْعَادِلِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) الْمُصَلِّي إذَا أَخْبَرَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ بِأَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ أَوْ الْحَاكِمُ إذَا أَخْبَرُوهُ عَنْ حُكْمِهِ أَوْ الشَّاهِدُ إذَا أَخْبَرُوهُ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَتَّبِعُهُمْ لِأَنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَشْهَدُ عَنْ حِسِّهِ وَأَمَّا الْحَاكِمُ وَالْمُصَلِّي فَفِيهِمَا نَظَرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ عَنْ التَّذَكُّرِ وَالْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ عَنْ التَّوَاتُرِ أَنَّ الْأَوَّلَ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهُوَ كَالشَّيْءِ الْمُشَاهَدِ وَالثَّانِي بِوَاسِطَةِ الْخَبَرِ فَالْمَعْلُومُ غَيْبٌ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ» مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَوَّلُ أَوْ كِلَاهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) فِي عَوْرَةِ الْمُبَعَّضَةِ وَالنَّظَرِ إلَى الْمُبَعَّضَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُسْتَوْلَدَةِ وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ حُكْمُ الْأَمَةِ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَوْلَدَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ وَالثَّانِي كَعَوْرَةِ الْحُرَّةِ إلَّا رَأْسَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَالثَّالِثُ مَا يَنْكَشِفُ فِي حَالِ خِدْمَتِهَا وَتَصَرُّفِهَا كَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَمَا عَدَاهُ عَوْرَةٌ وَسَبَقَهُمَا إلَى ذَلِكَ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقِ نِصْفُهَا كَحُكْمِ الْأَمَةِ فِي الْعَوْرَةِ وَكَذَا الْمُتَوَلِّي قَالَ: مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ فِي السُّتْرَةِ حُكْمُ الْأَرِقَّاءِ لِأَنَّ وُجُوبَ سِتْرِ الرَّأْسِ مِنْ أَمَارَاتِ الْحُرِّيَّةِ وَعَلَامَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ فِي أَحْكَامِ الْكَمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ الْوِلَايَاتُ وَالشَّهَادَاتُ وَالْمَوَارِيثُ وَغَيْرُهَا وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَمَنْ نِصْفُهَا رَقِيقٌ وَنِصْفُهَا حُرٌّ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ: وَمَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: وَمَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]
[مَسْأَلَةٌ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فِي الْقِبْلَةِ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ دَخَلَ بَلْدَةً مَطْرُوقَةً أَوْ قَرْيَةً مَطْرُوقَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِيهَا مِحْرَابٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ مَطْعَنٌ فَلَا اجْتِهَادَ لَهُ مَعَ وِجْدَانِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْيَقِينِ وَلَوْ ازْدَادَ بَصِيرَةً إنْ تَيَامَنَ بِالِاجْتِهَادِ
стр. 148
قَلِيلًا أَوْ تَيَاسَرَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُسَوِّغُ ذَلِكَ.
وَسَمِعْت شَيْخِي حَكَى فِيهِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَنْ قَالَ يَتَيَامَنُ أَوْ يَتَيَاسَرُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ حَقٌّ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ إلَى بَصِيرَةٍ إذَا دَخَلَ إلَى بَلْدَةٍ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي صَوَابِ الْقِبْلَةِ فَقَدْ يَلُوحُ لَهُ أَنَّ التَّيَامُنَ وَجْهُ الصَّوَابِ وَهَذَا إنْ ارْتَكَبَهُ مُرْتَكِبٌ فَفِيهِ تَعَدٍّ ظَاهِرٌ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ مَعَ اعْتِقَادِ اتِّحَادِ الْجِهَةِ يَتَبَيَّنُ بِأَمْرٍ نَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قُلْت: اسْتِبْعَادُ الْإِمَامِ فِيهِ نَظَرٌ قَدْ يُقَالُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَاعْتِمَادُ الْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ فِي الْبِلَادِ تَقْلِيدٌ فَلَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَقَدْ لَا يُقَالُ بِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ هُنَا وَالتَّقْلِيدِ فِي غَيْرِهِ فَيَجُوزُ مِثْلُ هَذَا التَّقْلِيدِ وَلَا يُكَلَّفُ الِاجْتِهَادَ وَهَذَا مَا لَمْ يَجْتَهِدْ أَمَّا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ وَظُهُورِ الْحَقِّ لَهُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا فَلَا يُسَوَّغُ التَّقْلِيدُ أَصْلًا وَقَوْلُ الْإِمَامِ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ مِحْرَابٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ مَطْعَنٌ مَا أَحْسَنَهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَشْتَهِرَ فِيهِ مَطْعَنٌ فَإِذَا جِئْنَا إلَى بَلَدٍ فِيهِ مِحْرَابٌ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ أَوْ اُشْتُهِرَ فِيهِ مَطْعَنٌ وَجَبَ عَلَيْنَا الِاجْتِهَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذِكْرِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ: وَقَدْ أَلَّفَ ذَوُو الْبَصَائِرِ فِيهِ كُتُبًا فَلْتُطْلَبْ أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ مِنْ كُتُبِهَا.
قُلْت: فَهَذَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَحَلُّهُ مِنْ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ قَدْ عُلِمَ يُحِيلُ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَلَى كُتُبِ أَهْلِهَا فَلَا يَسْتَحْيِ مَنْ يُنْكِرُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا بِجَهْلِهِ وَعَدَمِ اشْتِغَالِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَإِنَّ الْفِقْهَ يُخَالِفُهَا وَمَا يَسْتَحْيِ عَامِّيٌّ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى الْعَالِمِينَ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَنْ ظَنُّهُ أَنَّهُ عَلَى الصَّوَابِ دُونَهُمْ وَإِمَّا يَسْتَحْيِ الْفَرِيقَانِ مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَمَنْ نِسْبَتُهُمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَدْخُلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ فَضْلًا عَنْ مَسْجِدِهَا وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَى الْجَابِيَةِ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِيهَا كَأَبِي عُبَيْدَةَ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ فَكَانُوا قَبْلَ فَتْحِهَا فِي مَرَاكِزِهِمْ خَارِجَهَا يُصَلُّونَ هُنَاكَ وَبَعْدَ فَتْحِهَا اللَّهُ أَعْلَمُ أَيْنَ كَانُوا وَهَلْ اتَّفَقَ لَهُمْ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِهَا أَوْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي مَضَارِبِهِمْ وَإِنْ كَانُوا صَلَّوْا إلَى الْجِدَارِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ أَوْ تَيَاسَرُوا قَلِيلًا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ صَلَّى بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقُدْوَةِ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ فَلَا عَلَيْهِ فِي اسْتِقْبَالِ الْجِدَارِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْوَاجِبَ الْعَيْنَ وَلَا يَدْرِي مَا كَانَ يَصْنَعُ هَلْ مَالَ قَلِيلًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ نَقْلُهُ حَتَّى يَسْتَدِلَّ بِعَدَمِ نَقْلِهِ عَلَى عَدَمِهِ فَمَنْ يَتْرُكُ الْأَدِلَّةَ الْمُحَقَّقَةَ وَكَلَامَ الْعُلَمَاءِ
стр. 149
فِي ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأُمُورِ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يَعْبَأَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَطْلُوبَ الْمُجْتَهِدِ جِهَةُ الْكَعْبَةِ أَوْ عَيْنُهَا وَقَالَ: لَعَلَّ الْغَرَضَ مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ فِي تَصَوُّرِ دَرْكِ الْعَيْنِ الْخَطَأِ وَفِي الْجِهَةِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُتَصَوَّرُ كَالْجِهَتَيْنِ وَالثَّانِي لَا فَإِنْ قُلْنَا يُتَصَوَّرُ فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَيْنِ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجِهَةِ ثُمَّ اُسْتُبْعِدَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ أَوْ جِهَاتِ شَخْصِ الْمُصَلِّي فِي مَوْقِفِهِ أَرْبَعٌ فَقَدْ بَعُدَ عَنْ التَّحْصِيلِ وَكُلُّ مَيْلٍ بِفَرْضٍ فِي مَوْقِفِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ مَنْ اقْتَرَبَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَصِيرُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا بِأَدْنَى مَيْلٍ وَفِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ يَخْتَلِفُ اسْمُ الِاسْتِقْبَالِ.
فَالصَّوَابُ فِي الْبُعْدِ الَّذِي لَا يَقْطَعُ الْمَاهِرُ بِالْخُرُوجِ بِهِ عَنْ اسْمِ الِاسْتِقْبَالِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْجِهَةِ وَاَلَّذِي نَقْطَعُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ هُوَ جِهَةٌ أُخْرَى غَيْرُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَبَيْنَ جُزْأَيْ الْخُرُوجِ بَعْضُ الْوَقَفَاتِ أَقْرَبُ إلَى السَّدَادِ مِنْ بَعْضٍ فَهَلْ يَجِبُ طَلَبُ الْأَسَدِّ؟
عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَالْوَاقِفِ فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ؛ وَالثَّانِي نَعَمْ لِأَنَّ الَّذِي فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ قَاطِعٌ بِاسْمِ الِاسْتِقْبَالِ. انْتَهَى مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ ﵀.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْوَاقِفِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: لَوْ اسْتَطَالَ الصَّفُّ وَلَمْ يَسْتَدِيرُوا فَصَلَاةُ الْخَارِجِينَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْقِبْلَةِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ تَرَاخَى الصَّفُّ الطَّوِيلُ وَوَقَفُوا فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ الْمُتَّبِعَ اسْمُ الِاسْتِقْبَالِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَرَامَ الصَّغِيرَ كُلَّمَا ازْدَادَ الْقَوْمُ عَنْهُ بُعْدًا ازْدَادُوا لَهُ مُحَاذَاةً كَغَرَضِ الرُّمَاةِ وَنَحْوِهِ، وَالْوَاقِفُ فِي الْمَدِينَةِ يَنْزِلُ مِحْرَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَقِّهِ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى بِالِاجْتِهَادِ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَلِكَ الْمَحَارِيبُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الطَّرِيقِ الَّتِي هِيَ حَاذِيهِمْ يَتَعَيَّنُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَهَا وَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ إذَا نَشَأَ فِيهَا قُرُونٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا مَنَعْنَا مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْجِهَةِ فَهَلْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ؟ أَمَّا فِي مِحْرَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَصَحُّهُمَا - وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْثَرُونَ سِوَاهُ - يَجُوزُ وَيُقَالُ: إنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الْحَجِّ تَيَاسَرُوا يَا أَهْلَ مَرْوَ وَجَعَلَ الرُّويَانِيُّ قِبْلَةَ الْكُوفَةِ يَقِينًا وَلَمْ يَجْعَلْ قِبْلَةَ الْبَصْرَةِ يَقِينًا، وَقَضَيْت جَوَازَ الِاجْتِهَادِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فِي الْبَصْرَةِ دُونَ الْكُوفَةِ، وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ الْقَزْوِينِيِّ مِثْلُهُ لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى فِي الْكُوفَةِ مَعَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَلَا اجْتِهَادَ مَعَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقِبْلَةُ الْبَصْرَةِ نَصَبَهَا عُتْبَةُ بْنُ
стр. 150
غَزْوَانَ وَالصَّوَابُ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ أَقْرَبُ وَقَالَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِيهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا إنْ عَنَى بِهِ الِاجْتِهَادَ فِي الْجِهَةِ فَبَعِيدٌ بَلْ الَّذِي قَطَعَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ مَنَعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَفِي الْمَحَارِيبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَإِنْ عَنَى فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ كَمَا فَعَلَهُ الرُّويَانِيُّ فَبَعِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَدْ دَخَلَهَا الصَّحَابَةُ وَسَكَنُوهَا وَصَلَّوْا إلَيْهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْيَقِينُ فَكَذَلِكَ.
قُلْت: هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَدِمَشْقُ مِثْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بَلْ الْكُوفَةُ أَعْلَى مِنْهَا لِأَنَّ عَلِيًّا دَخَلَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ دِمَشْقَ مِثْلُ عَلِيٍّ فَلَوْ سَلِمَتْ قِبْلَةُ دِمَشْقَ عَنْ الْكَلَامِ لَكَانَ الْأَصَحُّ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ فِيهَا بِالتَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَكَيْفَ وَلَمْ تَسْلَمْ لِأَنَّ الْفُضَلَاءَ مَا بَرِحُوا يَقُولُونَ فِيهَا:
إنَّهَا مُنْحَرِفَةٌ إلَى الْغَرْبِ فَيَجِبُ التَّيَاسُرُ فِيهَا وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الْمَحَارِيبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِهَا احْتِرَازٌ كَالِاحْتِرَازِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ مِحْرَابِ دِمَشْقَ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهِ. سَمِعْت قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرَ بْنَ جَمَاعَةَ وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهَذَا الْعِلْمِ يَقُولُ: الدَّاخِلُ مِنْ بَابِ الْغَطَفَانِيِّينَ يَقِفُ عَلَى الْبَابِ وَيَسْتَقْبِلُ مِحْرَابَ الصَّحَابَةِ يَكُونُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
وَقَدْ انْتَهَى مَا أَرَدْت نَقْلَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ وَهُوَ إنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ حَيْثُ تَكُونُ الْمَحَارِيبُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا غَيْرَ مَطْعُونٍ فِيهَا أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ قَطْعًا بَلْ يَجِبُ لِأَنَّ الطَّعْنَ وَعَدَمَ الِاتِّفَاقِ أَسْقَطَ التَّعَبُّدَ بِاعْتِمَادِهَا فِيمَا عَدَا الْجِهَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعَيْنِ أَمَّا الْمُكْتَفَوْنَ بِالْجِهَةِ فَقَدْ يُقَالُ عِنْدَهُمْ لَا حَاجَةَ إلَى الِاجْتِهَادِ فَلَا يَجِبُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ طَلَبًا لِلْأَسَدِّ، وَإِذَا كَانَ هَذَا كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَمُقْتَضَاهُ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وَعُمْدَةَ الْمَذْهَبِ فَمَنْ الَّذِي يَقُولُ سِوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: وَإِنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَإِنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْقِبْلَةَ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ شِمَالِهَا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ أَنَّ الْخَطَأَ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ قَطْعًا.
قُلْت: وَهَذَا التَّعْلِيلُ الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْلَاهُ لَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ اعْتِرَاضٌ فَإِنَّهُ مَتَى تَيَقَّنَ الْخَطَأَ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا فِي الْأَصَحِّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْجِهَةِ أَوْ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ
стр. 151
مَعَ الْبُعْدِ لَا يُمْكِنُ فَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِيهِ أَمَّا فِي الْجِهَةِ فَيُمْكِنُ فَكَانَ الْيَقِينُ وَعَدَمُهُ هُوَ مَنْشَأُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى شَارِعٍ يَكْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ لِلْمُجْتَهِدِينَ فِي الدَّلَالَةِ وَيَعْمَلُ عَلَى مُوجِبِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ: الْغَائِبُ عَنْ الْبَيْتِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ طَلَبُ الْجِهَةِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَا يُعْرَفُ هَذَا لِلشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَهَبَ إلَى مَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا الْجُرْجَانِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: فَرْضُهُ الْعَيْنُ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَلْنَكْتَفِ بِمَا حَكَيْنَاهُ.
وَالْغَرَضُ أَنَّ مَحَارِيبَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ إذَا كَانَتْ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَلَمْ يُطْعَنْ فِيهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا إنَّمَا نُصِبَتْ بِمُسْتَنَدٍ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَسْكُتُونَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إلَّا لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ فَيَجُوزُ اعْتِمَادُهَا وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَسْمِيَةُ هَذَا الِاتِّبَاعِ تَقْلِيدًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِهِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ بِغَيْرِ دَلِيلِ التَّقْلِيدِ حِينَئِذٍ صَادِقٌ عَلَيْهِ فَلَا جَرَمَ يُسَمَّى تَقْلِيدًا بِمَعْنَى أَنَّ وَاضِعَ ذَلِكَ الْمِحْرَابِ مُجْتَهِدٌ وَنَحْنُ فِي صَلَاتِنَا إلَى ذَلِكَ الْمِحْرَابِ نَجْتَهِدُ وَنَقُولُ وَنَحْنُ فِي صَلَاتِنَا إلَى ذَلِكَ الْمِحْرَابِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا دَلِيلٍ عِنْدَنَا مُقَلِّدُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ:
إنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَنَا شَخْصٌ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ بِأَنَّهُ شَاهَدَ الْكَعْبَةَ فَنَأْخُذُ بِقَوْلِهِ وَلَا نُسَمِّيهِ تَقْلِيدًا بَلْ قَبُولُ خَبَرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَهُ.
فَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ فِي الْمَحَارِيبِ وَلَمْ أَرَهُمَا مَنْقُولَيْنِ لَكِنْ قُلْتُهُمَا تَفَقُّهًا يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي الْعَارِفِ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا أَوْ لَا؟
إنْ قُلْنَا: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَإِنْ قُلْنَا بِمَنْزِلَةِ التَّقْلِيدِ جَازَ الِاجْتِهَادُ بَلْ قَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِهِ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدَ وَالْأَظْهَرُ التَّوَسُّطُ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ فِي الْجِهَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْجِهَةِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاضِعِينَ لَمْ يُشَاهِدُوا الْكَعْبَةَ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَنْعَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُعَلَّلًا بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ قَدْ يَسْتَنِدُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَإِذَا تَقَرَّرَ الْإِجْمَاعُ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَحُرِّمَتْ مُخَالَفَتُهُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي بَلَدٍ تَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِيهِ وَذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى طُولِ زَمَانٍ وَتَكَرُّرِ عُلَمَاءَ إلَيْهِ.
هَذَا فِي الْجِهَةِ أَمَّا التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ فَأَمْرُهُمَا خَفِيٌّ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ مَعْنَى الْخَبَرِ وَلَا مَعْنَى الْإِجْمَاعِ فَلِذَلِكَ يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْعَارِفِ بِالْأَدِلَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ بِدُونِ الْوُجُوبِ لِأَنَّا نَعْلَمُ مِنْ سِيَرِ السَّلَفِ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ.
стр. 152
إذَا عَرَفْت هَذَا فَإِنَّا نَجِدُ الْبِلَادَ فِيهَا بَعْضَ الْأَوْقَاتِ مَحَارِيبُ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ شَاهَدْنَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قِبْلَةَ جَامِعِ الْحَاكِمِ وَجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَجَامِعِ الصَّالِحِ وَغَيْرِهَا صِحَاحًا وَشَاهَدْنَا قِبْلَةَ جَامِعِ طُولُونَ وَغَيْرَهَا مُنْحَرِفَةً إلَى الْغَرْبِ وَالصَّوَابُ التَّيَاسُرُ فِيهَا وَكَذَلِكَ شَاهَدْنَا فِي الشَّامِ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِجَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ وَهُوَ أَقْدَمُهَا وَأَشْهَرُهَا فِيهِ انْحِرَافٌ إلَى جِهَةِ الْغَرْبِ وَجَامِعُ تَنْكُزَ فِيهِ انْحِرَافٌ أَكْثَرُ مِنْهُ وَجَامِعُ جَرَّاحٍ أَكْثَرُهَا انْحِرَافًا وَهُوَ السَّبَبُ الدَّاعِي إلَى كِتَابَتِي هَذِهِ الْأَوْرَاقَ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ كَثْرَةُ انْحِرَافِ قِبْلَتِهِ تَطَوَّعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَا يَعْمُرُ بِهِ وَتُجْعَلُ قِبْلَتُهُ صَحِيحَةً فَأَرَدْت أَنْ أَجْعَلَهَا عَلَى الْوَضْعِ الصَّحِيحِ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ الْمَسْطُورَةِ فِي كُتُبِ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ فَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَبَعْضِ الْعَوَامّ إنْكَارُ ذَلِكَ وَطَلَبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِبْلَةِ جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ قِبْلَةَ جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ هِيَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِأَنَّهَا عَلَى مَا زَعَمَ صَلَّى إلَيْهَا الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) : مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا جَامِعَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي ذَلِكَ بَلْ كَلَامُهُمْ يَشْمَلُهُ وَيَقْتَضِي أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بِالتَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ.
(الثَّانِي) : مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ مِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ أَنَّ قِبْلَتَهُ مُنْحَرِفَةٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْخِلَافُ بَلْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ قَطْعًا وَإِذَا جَازَ هَلْ يَجِبُ أَوْ لَا وَجْهَانِ.
(الثَّالِثُ) : إنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقِبْلَةِ إنْ كَانَ الْجِهَةُ وَالتَّيَاسُرُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجِهَةِ وَالتَّيَاسُرِ جَائِزٌ هَهُنَا فَيَكُونُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ جَائِزًا لَا وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْعَيْنَ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْأَصْلِ أَوْ التَّيَاسُرُ فَمَنْ يَقُولُ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ يُجَوِّزُ التَّيَاسُرَ قَطْعًا وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْعَيْنُ وَيُسَلِّمُ أَدِلَّةَ هَذَا الْعِلْمِ يُوَافِقُهُ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى الْجَوَازِ وَمُخْتَلِفَانِ فِي الْمِحْرَابِ الْأَصْلِيِّ فَكَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
وَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْعَيْنُ وَيَقُولُ: إنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِ.
(الرَّابِعُ) : إنَّ جَامِعَ جَرَّاحٍ لَيْسَ مُسْتَهْدَمًا وَإِنَّمَا يُقْصَدُ هَدْمُهُ لِإِقَامَةِ الْقِبْلَةِ عَلَى الْحَقِّ فَإِذَا هُدِمَ وَجُعِلَ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي يَدُلُّ الْعِلْمُ عَلَيْهَا كَانَ عَلَى الْأَحَقِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إلَّا مَنْ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ فَمَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوَاجِبَ الْعَيْنُ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ وَإِذَا جَعَلَ عَلَى قِبْلَةِ جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَوَضْعُ مِحْرَابٍ نَعْتَقِدُ نَحْنُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ.
(الْخَامِسُ) : إنَّ جَامِعَ بَنِي أُمَيَّةَ لَمْ يُبْنَ جَامِعًا وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى الْكَعْبَةِ وَلَمَّا فَتَحَ
стр. 153
الصَّحَابَةُ دِمَشْقَ لَمْ يَسْتَوْطِنُوهَا بَلْ صَالَحُوا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ النَّصَارَى وَكَانُوا فِي شُغُلٍ شَاغِلٍ مِنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اشْتَغَلُوا مِنْ الْيَرْمُوكِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ صَلَاتِهِمْ كَانَتْ فِي مَضَارِبِهِمْ وَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ فِيهِ قَدْ يَكُونُ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْوَاجِبَ الْجِهَةُ دُونَ الْعَيْنِ أَوْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الْعَيْنِ وَنِيَّتُهُ الْمُخَالَفَةُ وَتَيَاسَرَ قَلِيلًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ نَقْلُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَصَارُوا إنْ كَانُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ لَمْ نُخَالِفْهُمْ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ إنْ صَحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ مَعْلُومٌ وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ فَالتَّمَسُّكُ بِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَعَ قِيَامِ أَدِلَّةِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنْ لَا يُحْتَجَّ بِمَا نَجِدُ مِنْ الْمَحَارِيبِ فَمِحْرَابُ جَامِعِ جَرَّاحٍ بَنَاهُ الْمِلْكُ الْأَشْرَفُ فَكَانَ رَجُلًا مَشْكُورًا فِي زَمَانِهِ عِلْمًا وَفِقْهًا وَقَضَاءً فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ اجْتَهَدُوا وَرَأَوْا أَنَّ قِبْلَتَهُ هِيَ الصَّحِيحَةُ إنْ لَمْ يُرْجَعْ إلَى هَذَا الْعِلْمِ مَا يَكُونُ جَوَابُنَا لِهَذَا الْقَائِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
[إشْرَاقُ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ]
(مَسْأَلَةٌ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀: مُصَنَّفَاتٌ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَكْبَرُهَا ضَوْءُ الْمَصَابِيحِ فِي مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ وَالثَّانِي مُخْتَصَرَاتٌ هَذَا أَحَدُهَا.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَبَعْدُ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ يُسَمَّى بِإِشْرَاقِ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ مُرَتَّبٌ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
(الْأَوَّلُ) فِيمَا نُقِلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ ﵃ فِيهَا: أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ الْوَتْرُ سُنَّةٌ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ سُنَّةٌ وَالْعِيدَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْكُسُوفُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ» ، قَالَ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْعِيدَانِ أَوْكَدُ وَقِيَامُ رَمَضَانَ فِي مَعْنَاهَا فِي التَّأْكِيدِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِيضَاحِ قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ أَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْعِيدَيْنِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ دَلَّتْ صَلَاتُهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِهِمْ جَمَاعَةً عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَتَأَكَّدُ حَتَّى يُدَانِيَ الْفَرَائِضَ.
وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ
стр. 154
قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَفِي نِهَايَةِ الِاخْتِصَارِ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّوَوِيِّ ﵀ وَيُؤَكِّدُ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدَ وَالتَّرَاوِيحَ. وَعِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٍ: التَّرَاوِيحُ مِمَّا يُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَقَالُوا: إنَّ مَا سُنَّتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ آكَدُ مِمَّا لَمْ تُسَنَّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَلَامُ التَّنْبِيهِ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ عَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا ذَكَرَهَا صَاحِبُ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَقَالَ رَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ التَّرَاوِيحِ وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَمْ يُخْرِجْهُ عُمَرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبْتَدِعًا وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ إلَّا عَنْ أَصْلٍ لَدَيْهِ وَعَهْدٍ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ سَنَّ عُمَرُ هَذَا وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَصَلَّاهَا جَمَاعَةٌ مُتَوَاتِرُونَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَطَلْحَةُ وَالْعَبَّاسُ وَابْنُهُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاذٌ وَأُبَيٌّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ سَاعَدُوهُ وَوَافَقُوهُ وَأَمَرُوا بِذَلِكَ (الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ) ذَكَرَهَا الْأُسْتَاذُ الشَّهِيدُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْقِيَامُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا. (الْعِبَارَةُ الثَّالِثَةُ) ذَكَرَهَا السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّرَاوِيحَ سُنَّةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا.
وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَمَّا السُّنَنُ فَمِنْهَا التَّرَاوِيحُ وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَأَنْكَرَهَا الرَّوَافِضُ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْوَتْرُ سُنَّةٌ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَعْنِي سُنَّةً لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ: هِيَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُنَّةُ عُمَرَ وَعِنْدَنَا هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قِيَامُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاسِ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّ مَالِكًا ﵁ أَرَادَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ أَنْ يَنْقُصَهَا عَنْ الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُومُونَ بِهِ وَهُوَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ فَشَاوَرَ مَالِكًا فَنَهَاهُ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ بْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ مِنْ غَيْرِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ قَامُوا رَمَضَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِيهِمْ كُلِّهِمْ حَتَّى يُتْرَكَ الْمَسْجِدُ لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَقُومُوا فِيهِ لِأَنَّ قِيَامَ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
стр. 155
مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مُسْتَنَدِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا مَضَى الْوَتْرُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَرِيبًا مِنْهُ.
«وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَتْ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَالَ: فَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ قُلْت: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا» فِي إسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَالشَّافِعِيُّ ﵁ يُوَثِّقُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُحَدِّثُونَ ضَعَّفُوهُ.
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ بِاللَّيْلِ أَوْزَاعًا يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الشَّيْءُ مِنْ الْقُرْآنِ النَّفَرُ الْخَمْسَةُ أَوْ السَّبْعَةُ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ قُلْت: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْصِبَ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حِجْرِي فَفَعَلْت فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِهِمْ» وَذَكَرَتْ الْقِصَّةَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا بِمَعْنَاهُ.
وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ الْقِيَامَ كَانَ عَلَى
стр. 156
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ يَقُومُ الرَّجُلُ وَالنَّفَرُ كَذَلِكَ هَهُنَا وَالنَّفَرُ وَالرَّجُلُ فَكَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قَارِئٍ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: شَهْرٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامَهُ» ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَإِنْ كَانَ النَّسَائِيُّ تَكَلَّمَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ قَالَ: خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْت هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ يَعْنِي أَوَّلَ اللَّيْلِ
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَسُنَّ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَسُنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ إلَّا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا ﷺ فَلَمَّا عَلِمَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يَنْقُصُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ أَقَامَهَا لِلنَّاسِ وَأَحْيَاهَا وَأَمَرَ بِهَا وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ شَيْءٌ ذَخَرَهُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُ بِهِ وَلَمْ يُلْهِمْهُ أَبَا بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ وَأَشَدَّ سَبْقًا إلَى كُلِّ خَيْرٍ بِالْجُمْلَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا لَيْسَتْ لِصَاحِبِهِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَسْتَحْسِنُ مَا فَعَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ وَيُفَضِّلُهُ وَيَقُولُ: نُورُ شَهْرِ الصَّوْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» . انْتَهَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُنَا.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ عُمَرَ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَسُنَّةُ التَّرَاوِيحِ ثَابِتَةٌ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ وَجَمْعِ النَّاسِ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ لَهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَصْوِيبِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَرْغِيبِهِ ﷺ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَاسْتِمْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ ﷺ وَزَمَنَ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ أَوْزَاعًا وَجَمْعِ عُمَرَ
стр. 157
النَّاسَ لَهَا عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَطْلُوبِيَّتِهَا وَإِجْمَاعِ جَمْعِ النَّاسِ عَلَى فِعْلِهَا بِقَصْدِ التَّقْرِيبِ إجْمَاعًا مُتَوَاتِرًا فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ.
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً لَكَانَتْ بِدْعَةً مَذْمُومَةً كَمَا فِي الرَّغَائِبِ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ وَأَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ فَكَانَ يَجِبُ إنْكَارُهَا وَبُطْلَانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَهَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَسُنِّيَّتِهَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْهَضْ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُفِيدُ ذَلِكَ وَيُفِيدُ تَأَكُّدَهَا فَإِنَّ التَّأْكِيدَ يُسْتَفَادُ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الطَّلَبِ وَمِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ وَمِنْ الِاهْتِمَامِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا.
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي دَفْعِ الْمُنَازَعَةِ فِي ذَلِكَ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ الْمُمْكِنَةَ فِي الْعَقْلِ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا مَا ادَّعَيْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّرَاوِيحَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. الثَّانِي أَنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ. الثَّالِثُ أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ غَيْرُ سُنَّةٍ. الرَّابِعُ أَنَّهَا لَا سُنَّةٌ وَلَا مُؤَكَّدَةٌ.
أَمَّا الثَّانِي فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَلْيُسْنِدْهُ إلَى عَالِمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وَلَنْ يَجِدَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَسَبِيلُ الَّذِي يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَنِي بِمَقَالَةٍ فِي كِتَابٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ فَلَا يُتَكَلَّمُ مَعَهُ إنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ فَإِنَّ قَوْلًا لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ وَنَيِّفٍ إلَى الْيَوْمَ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ وَلَيْسَ يَخْفَى الصَّوَابُ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْيَوْمَ وَيَظْهَرُ لَنَا وَلَا يَغْلَطُ النَّاظِرُ فِي كَلَامِي وَيَعْتَقِدُ أَنَّ نَقْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَسْهَلُ بَلْ يَتَدَبَّرُ وَيَزِنُ كَلَامَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُ وَأَنْ يَتَأَمَّلَ مَا قَالَ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَضُرَّنَا لِأَنَّ الْخَصْمَ الَّذِي يُنَازِعُنَا إنَّمَا نَازَعَ فِي التَّأْكِيدِ وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ التَّأْكِيدَ أَخَصُّ مِنْ السُّنَّةِ فَيَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهُ بِدُونِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ تَعَلُّقًا بِأَمْرٍ لَفْظِيٍّ فِي إطْلَاقِ السُّنَّةِ وَسَلْبِهَا وَإِنْ ثَبَتَ التَّأْكِيدُ وَقُوَّةُ الطَّلَبِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ عِنْدَنَا بَاطِلٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَمَنْ يُنَازِعُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي الِاصْطِلَاحِ فِي اسْمِ السُّنَّةِ لَمْ يُنَازِعْ هُنَا بَلْ أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَبَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ وَبُطْلَانِ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ نَقْلُ جَمَاعَةٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ. وَمِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَالنَّوَافِلِ وَلَا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ التَّرَاوِيحَ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ وَقَدْ اغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ وَقَعَ نِزَاعُنَا مَعَهُ حَتَّى أَنَّهَا لَا تَلْحَقُ بِالسُّنَنِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ لِلْمَالِكِيَّةِ اصْطِلَاحَيْنِ: أَحَدُهُمَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَالْآخَرُ
стр. 158
اصْطِلَاحٌ عَامٌّ يُوَافِقُونَ فِيهِ غَيْرَهُمْ فِي إطْلَاقِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَمِمَّنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا مِنْهُمْ عَبْدُ الْحَقِّ الصَّقَلِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ، وَنَحْنُ وَمَنْ يُسْتَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ وَالْعَوَامُّ إنَّمَا يَسْأَلُونَ عَنْ هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِمَالِكِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُطْلِقَ الْقَوْلَ لَهُمْ إنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فِي فَرْقِهِمْ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ التَّرَاوِيحَ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ إنَّمَا ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اصْطِلَاحٍ وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهَا وَأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَمُرَغَّبٌ فِيهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْعَامِّيُّ مِنْ السُّنَّةِ وَأَمَّا التَّأْكِيدُ فَدَرَجَاتُهُ مُتَفَاوِتَةٌ أَعْلَاهَا مَا قَرُبَ مِنْ الْفَرَائِضِ قُرْبًا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَأَدْنَاهَا مَا يَرْقَى عَنْ دَرَجَةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ ذَلِكَ مَرَاتِبُ مُتَعَدِّدَةٌ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ بِاهْتِمَامِ الشَّارِعِ بِهِ وَبِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ وَمُلَازَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلِكَوْنِهِ شِعَارًا ظَاهِرًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ وَكَذَلِكَ تَكَرُّرُ الطَّالِبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا رِيبَةَ فِي أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
(سُؤَالٌ وَرَدٌّ مِنْ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ وَهُوَ بِالشَّامِ) الشَّخْصُ يُحِبُّ النَّوْعَ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ قِيَامِ لَيْلٍ أَوْ نَحْوِهِ رَجَاءً لِثَوَابِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ بَاعِثٌ شَدِيدٌ عَلَى ذَلِكَ يُعَارِضُهُ فِيهِ مَانِعُ الْكَسَلِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ، وَنَفْسُهُ تُمَنِّيهِ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ فَلَا يَنْهَضُ ذَلِكَ الْبَاعِثُ الَّذِي دَفَعَ مَانِعَ الْكَسَلِ إلَّا بِأَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ بَاعِثَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ فَلَا يُحَصِّلُ مِنْهُ تِلْكَ الْعِبَادَةَ أَبَدًا، وَإِنْ أَصَابَ الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ الْبَاعِثَ الدُّنْيَوِيَّ وَقَعَتْ الْعِبَادَةُ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ إيقَاعُهَا بِمَجْمُوعِ الْبَاعِثَيْنِ وَسِيلَةً إلَى ظُهُورِ أَثَرِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ قُوَّةِ أَحَدِ الْبَاعِثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا؟
وَالْفَرْضُ أَنَّ الْبَاعِثَ الدُّنْيَوِيَّ أَيْضًا لَوْ انْفَرَدَ لَمَا أَثَّرَ وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْحَقِيقَةِ رُبَّمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا وَرَاءَهُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَكِنْ مُرَاعَاةُ ذَاكَ الْفَاعِلِ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ إلَى الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ الْبَاعِثَ الدُّنْيَوِيَّ أَوْ انْفَرَدَ بَاعِثُهُ الدُّنْيَوِيُّ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَتَكَرَّرَ مَرَّةً وَمَرَّةً حَصَلَ لَهُ مِنْ الْإِدْمَانِ مَا يُزِيلُ عَنْهُ الْكَسَلَ الَّذِي كَانَ مَانِعًا مِنْ تَأْثِيرِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ فِي الْفِعْلِ فَتَقَعُ الْعِبَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ خَالِصَةً لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَزَوَالِ مَانِعِ الْكَسَلِ الَّذِي كَانَ
стр. 159
مُقَارَنًا لَهُ فِي الْأَوَّلِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ تِلْكَ الْعِبَادَةَ مَعَ قَصْدِ الرِّيَاءِ وَسِيلَةً إلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَذْبِ نَفْسِهِ إلَيْهِ إلَّا بِالرِّيَاءِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْعِبَادَةِ إلَّا بِجَعْلِهِ سَابِقًا وَمُقَدِّمَةً لَهُ وَهَذَا قَصْدٌ جَمِيلٌ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْعِبَادَةِ إلَّا بِهِ عِبَادَةٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ» أَنَّ الشَّرَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ الرِّيَاءُ قَنْطَرَةُ الْإِخْلَاصِ، أَوْ يَكُونُ حَرَامًا وَالْمَسْئُولُ إيضَاحُ ذَلِكَ بِمَا يَشْفِي الْغَلِيلَ فَإِنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ قَصْدُهُ تَقْلِيدُكُمْ فِي الْعَمَلِ بِمَا تَقُولُونَهُ.
(الْجَوَابُ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّرَ وَنَقْطَعُ بِالْجَوَازِ فِي ذَلِكَ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ بِمَجْمُوعِ الْبَاعِثَيْنِ عَلَى جِهَةِ الْوَسِيلَةِ يُحَقِّقُ قَصْدًا ثَالِثًا وَهُوَ التَّوَسُّلُ وَهُوَ غَيْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاعِثَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا حَرَامٌ وَالْحَرَامُ هُوَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ هُوَ مَعَ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ الْقُصُودِ الْمُتَجَاوَزِ عَنْهَا وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ عِنْدَ الِانْضِمَامِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَاعِثُ إمَّا وَحْدَهُ أَوْ يَكُونَ هُوَ الْغَالِبُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ وَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا يُحَرَّمُ أَيْضًا لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ ﷺ فِيمَنْ تَصَدَّقَ لِلَّهِ وَلِصِلَةِ الرَّحِمِ «لَا حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِلرَّحِمِ مِنْهُ شَيْءٌ» أَمَّا هُنَا إذَا اسْتَحْضَرَ الْمُصَلِّي الْبَاعِثَيْنِ وَتَفَاوَتَا عِنْدَهُ وَقَصَدَ التَّوَسُّلَ بِالْفِعْلِ إلَى إخْلَاصِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْفِعْلِ حِينَئِذٍ هُوَ ذَلِكَ الْقَصْدُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَصْدٌ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْفِعْلُ إنَّمَا وَقَعَ بِهِ فَقَطْ وَوُقُوعُ الْبَاعِثَيْنِ فِي طَرِيقِهِ لَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ بِمَجْمُوعِهِمَا وَلَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بِالْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ وَحْدَهُ وَلَا بِالْبَاعِثِ الدِّينِيِّ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا وَقَعَ بِالْبَاعِثِ الْأَخِيرِ وَهُوَ أَمْرٌ دِينِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ وَهُوَ أَعْنِي مَا تَكَلَّمَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ مِنْ تَسَاوِي الْبَاعِثَيْنِ وَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا وَإِذَا عُلِمَ الشَّخْصُ مِنْ عَادَتِهِ انْدِفَاعُ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ.
(وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي) عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَرَامٌ فَسُؤَالٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: بِالتَّحْرِيمِ بَعْدَ قَصْدِ التَّوَسُّلِ كَيْفَ يَتَرَدَّدُ فِيهِ هُنَا وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ آخَرُ إلَّا قُوَّةُ التَّوَسُّلِ بِالْعِبَادَةِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قُوَّةُ التَّوَسُّلِ وَلَا يَنْهَضُ فِي دَفْعِ مَا فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْرِيمِ نَعَمْ إذَا تَقَاوَمَ الْبَاعِثَانِ وَلَمْ يَحْصُلْ قَصْدٌ ثَالِثٌ وَحَصَلَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْعَادَةِ يَظْهَرُ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ وَيُقَالُ: إنَّمَا مَنَعْنَا فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَهَهُنَا صَحَّ.
وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ الثَّالِثَ حَاصِلٌ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ
стр. 160
بِدُونِ الْعَادَةِ وَإِنْ لَمْ يُحَصَّلْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ السَّالِكُ لَهُ حَتَّى يُحَصِّلَهُ فَتَحْصِيلُهُ بِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَهْلٌ. فَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ الْحِلُّ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ وَأَنْ لَا يُتْرَكَ الْعَمَلُ خَوْفَ الرِّيَاءِ أَصْلًا لِأَنَّهُ تَرْكُ مَصْلَحَةٍ مُحَقَّقَةٍ لِمَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ تَكُونُ مَشُوبَةً ثُمَّ تَصْفُو بَلْ أَكْثَرُ الْأَشْيَاءِ هَكَذَا كُلُّ مَنْ خَاضَ بِأَمْرٍ لَا بُدَّ أَنْ يَخْتَلِطَ فِيهِ الْغَثُّ بِالسَّمِينِ ثُمَّ يُنْتَقَى وَيَتَصَفَّى إلَى أَنْ يَصْفُوَ وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ فَرْقٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ يُحَصَّلُ بِهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ النَّفْعُ الْمُتَعَدِّي بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لَكِنَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ انْقِيَادُ الْبَدَنِ لَهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَمَا يَنْبَغِي صَعْبٌ فَيَنْبَغِي الْأَمَانُ عَلَيْهَا مَعَ مُعَالَجَةِ الْقَلْبِ فِي الْإِخْلَاصِ فَيَصِلُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ وَلَوْ قَطَعْنَا السَّالِكَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إلَّا عَنْ الْخَالِصِ لَانْقَطَعَ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ وَيَكْفِي مِنْ هَذَا السَّائِلِ سُؤَالُهُ هَذَا فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ قَصْدٍ إذْ مَنْ بَعُدَ عَنْ الْعِبَادَةِ حَتَّى يَصِحَّ لَهُ الْإِخْلَاصُ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَتَعَوَّدَ بَدَنُهُ الْإِهْمَالَ وَجَرَى عَلَى أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فَسِيرُوا إلَى اللَّهِ عُرْجًا وَمَكَاسِيرَ فَإِنَّ انْتِظَارَ الصِّحَّةِ بَطَالَةٌ وَتَرْكَ الْعَمَلِ خَوْفَ الرِّيَاءِ رِيَاءٌ وَقَوْلُهُمْ الرِّيَاءُ قَنْطَرَةُ الْإِخْلَاصِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى.
بَلْ أَنَا أَقُولُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا رِيَاءَ أَصْلًا لِأَنَّ الرِّيَاءَ إنَّمَا وَقَعَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَحْدَهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلسَّالِكِ أَنْ يُوقِفَهُ عَنْ الْعَمَلِ مَا يَلْقَاهُ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْعَمَلِ صَحِيحًا أَمَّا إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْعَمَلِ مَعَ مَا يَشُوبُهُ وَتَرْكِ الْعَمَلِ مَعَ مَا يَشُوبُهُ أَوْلَى بِلَا شَكٍّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ وَالنَّفْسَ وَالْهَوَى وَالدُّنْيَا بِالْمَرَاصِدِ تَجُرُّ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ إلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمَا وَالْبَطَالَةُ تُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا وَدَعْ أَنْ يَكُونَ مَشُوبًا كَانَ سَابِقًا لِمَنْ يُرَاصِدُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُعِينَهُ وَلِلَّهِ فِي الْأَعْمَالِ أَسْرَارٌ يُرْجَى بِهَا صَلَاحُهُ فَمِثَالُ الْعَمَلِ مِثَالُ السَّبِيكَةِ الذَّهَبِ فِيهَا عَيْبٌ إنْ رَمَيْتهَا لِأَجْلِ عَيْبِهَا لَمْ تَجِدْ سَبِيكَةً خَالِصَةً وَإِنْ اسْتَعْمَلْتهَا وَصَفَّيْتهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَصَلْت مِنْهَا عَلَى صَفْوَتِهَا.
وَمَنْ انْتَظَرَ فِي سَفْرَتِهِ رَفِيقًا صَالِحًا رُبَّمَا يُعَوَّقُ سَيْرُهُ فَلْيُرَافِقْ مَنْ اتَّفَقَ وَيَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ هُوَ بِحَسَبِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ لَمَّا قَالَ بِمَجْمُوعِ الْبَاعِثَيْنِ وَسِيلَةً فَنَصَبَ وَسِيلَةً عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عِلَّةَ الْفِعْلِ الْوَسِيلَةُ وَهِيَ مُغَايَرَةٌ لِلِاثْنَيْنِ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْغَزَالِيُّ وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودِ السَّائِلِ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ حَدَثَ مِنْهُ
стр. 161
تَوْلِيدُ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فِيهَا تَخَلُّصٌ فَيَجِبُ النَّظَرُ فِيهَا وَلَا تُهْمَلُ وَإِذَا كَانَ لَنَا طَرِيقٌ فِقْهِيٌّ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ فِي طُرُقِ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ كَانَ أَوْلَى مِنْ التَّحَجُّرِ، وَاَلَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ إذَا اجْتَمَعَ الْبَاعِثَانِ وَلَمْ يَنْظُرْ السَّالِكُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الَّذِي لَمْ يُرَدْ بِهِ إلَّا الرِّيَاءُ سَبَبٌ لِلْمَقْتِ وَالْعِقَابِ وَإِنَّ الْخَالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ سَبَبُ الثَّوَابِ وَإِنَّ الْمَشُوبَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا ثَوَابَ لَهُ وَلَيْسَ تَخْلُو الْأَخْبَارُ عَنْ تَعَارُضٍ فِيهِ وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ فِيهِ أَنَّ الْبَاعِثَيْنِ إنْ تَسَاوَيَا فَلَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَاعِثُ الرِّيَاءِ أَغْلَبَ فَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْعِقَابِ وَالْعِقَابُ فِيهِ أَخَفُّ مِنْ عِقَابِ الْعَمَلِ الَّذِي تَجَرَّدَ لِلرِّيَاءِ سَبَبٌ لِلْمَقْتِ وَالْعِقَابِ فَصَحِيحٌ وَالْعَمَلُ حِينَئِذٍ فَاسِدٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فَإِنَّ الرِّيَاءَ إذَا تَجَرَّدَ لَمْ تَصِحَّ النِّيَّةُ فَلِذَلِكَ تَبْطُلُ وَيَحْصُلُ الْمَقْتُ وَالْعِقَابُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمَعْبُودِ.
وَلَا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ شِرْكًا ظَاهِرًا لَا خَفِيًّا وَلَا نَقُولُ: إنَّ الرِّيَاءَ لِذَاتِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى اسْتِلْزَامِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ الشَّرْعِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وَقَوْلَهُ ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] وَقَوْلَهُ ﴿رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] كُلُّ ذَلِكَ فِي كُفَّارٍ أَوْ مُنَافِقِينَ. وَلَكِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّيَاءَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ فَالتَّحْرِيمُ وَالْإِفْسَادُ إنَّمَا أَخَذْنَاهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَالْمَقْتَ تَصَوُّرُهُ بِصُورَةٍ مُزَوَّرَةٍ وَإِذَا قَالَ مَا لَا يَفْعَلُ تَعَرَّضَ لِلْمَقْتِ فَفِعْلُ مَا لَا رُوحَ لَهُ أَوْلَى بِالْمَقْتِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْخَالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ سَبَبٌ لِلثَّوَابِ فَصَحِيحٌ وَالْمُرَادُ صِحَّتُهُ وَاعْتِبَارُهُ فَإِنَّ الثَّوَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَشُوبِ فِي الثَّوَابِ وَنَفْيِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ أَوْ فَسَادِهِ وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ، وَنَصَبَ التَّرْدِيدَ فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ مَعَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ خِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إذَا نَوَى الْمُتَوَضِّئُ التَّبَرُّدَ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِيَّةَ التَّبَرُّدِ لَيْسَتْ عِبَادَةً وَقَدْ ضَمَّهَا إلَى الْعِبَادَةِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْمُومَةً بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَهِيَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
(إحْدَاهَا) نِيَّةُ عِبَادَتَيْنِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَفِيهَا خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَالتَّحِيَّةُ مَعَ عِبَادَةٍ أُخْرَى وَلَا خِلَافَ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا بِخِلَافِ الْغُسْلَيْنِ.
(وَالثَّانِيَةُ) عِبَادَةٌ مَعَ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا مَذْمُومٍ كَالتَّبْرِيدِ. (وَالثَّالِثَةُ) الْعِبَادَةُ مَعَ الرِّيَاءِ وَيَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّ قَصْدَ الْعِبَادَةِ إنْ قَوِيَ صَحَّ وَأَجْرُهُ دُونَ أَجْرِ الْخَالِصِ وَإِنْ ضَعُفَ أَوْ تَسَاوَى احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِالْفَسَادِ رَأْسًا لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ وَاحْتَمَلَ وَهُوَ الْأَقْوَى أَنْ يُقَالَ
стр. 162
بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ قَصْدَ شَيْئَيْنِ مُمْكِنٌ فَقَصْدُ الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاءِ قَصْدُ شَيْئَيْنِ بَالِغًا مِنْ الْآخَرِ.
وَقَدْ يُقَالُ: مَنْ يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ إلَّا وَاحِدًا فَمَتَى سَاوَى أَوْ ضَعُفَ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِهِ فَيَبْطُلُ الْعَمَلُ لَكِنَّ هَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ الْوَاحِدِ بَاعِثَانِ وَأَكْثَرُ وَسِعَ بِهِمَا، وَمِنْ الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» فَقَوْلُهُ ﷺ «إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» عَامٌّ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَمَا فَوْقَهُ فَإِذَا كَانَ الَّذِي هَاجَرَ إلَيْهِ مُتَعَدِّدًا اقْتَضَى الْحَدِيثُ حُصُولَهُ سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَتَيْنِ أَوْ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ لَكِنْ يَتَفَاوَتُ الْأَجْرُ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَمَعَ الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ يَمْتَنِعُ الْعِقَابُ فَإِنَّ الْعِقَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى حَرَامٍ وَمَعَ الصِّحَّةِ يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْعِبَادَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْعَمَلَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَإِنَّمَا اقْتَضَاهُ مِنْ حَيْثُ اسْتِلْزَامُهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا تَجَرَّدَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] مَعْنَاهُ لَا يَقْصِدُ بِهِمَا الْعِبَادَةَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَهُمَا بِالْعِبَادَةِ كَانَ شِرْكًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِي وَلِشَرِيكِي فَكُلُّهُ لِشَرِيكِي وَلَيْسَ لِي مِنْهُ شَيْءٌ» مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. أَمَّا إذَا قَصَدَ الْعِبَادَةَ قَصْدًا صَحِيحًا وَوَقَعَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَإِنْ سُمِّيَ شِرْكًا خَفِيًّا فَلَيْسَ بِشِرْكٍ حَقِيقِيٍّ وَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ مِنْ الشَّرْعِ صَحِيحٍ وَالْآثَارُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ كُلُّهَا إنَّمَا تَقْتَضِي مُنَافَاتَهُ لِلْإِخْلَاصِ وَكَلَامِي الْآنَ إنَّمَا هُوَ فِي الصِّحَّةِ فَقَدْ تَكُونُ الْعِبَادَةُ صَحِيحَةً وَلَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا نِصْفُهَا ثُلُثُهَا رُبْعُهَا خُمُسُهَا سُدُسُهَا سُبْعُهَا ثُمُنُهَا تُسْعُهَا عُشْرُهَا» فَكَمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَفَاوُتِ الْخُشُوعِ يَحْصُلُ أَيْضًا بِتَفَاوُتِ الْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْقَصْدِ الَّذِي بِهِ تَصِحُّ الصَّلَاةُ.
وَمِنْ الدَّلِيلِ لِذَلِكَ أَنَّ إرَاءَةَ الشَّخْصِ عَمَلَهُ لِلنَّاسِ قَدْ يَكُونُ لِمَقَاصِدَ كَثِيرَةٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا عَدَمُ الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعِبَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّمَلَ قَصَدَ فِيهِ أَنْ يَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ وَقَوْلُهُ ﷺ أَوْ الصَّحَابَةُ " النَّطْرُونِيُّ الْجِمَالُ لَا جِمَالُ خَيْبَرَ " وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ» وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ «أَيَضَعُ شَهْوَتَهُ فِي الْحَلَالِ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ ﷺ أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقَعَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَمْكَنَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْفِعْلَ يَقَعُ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢] ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
стр. 163
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ فِعْلُ الْفَتْحِ لَهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَذَلِكَ يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِالْفِعْلِ فِيهَا أُمُورًا كَثِيرَةً فَعَلِمْنَا صِحَّةَ قَصْدِ الشَّخْصِ فِعْلًا لِأُمُورٍ. ثُمَّ يَجِبُ النَّظَرُ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا صَالِحَةً فَلِكُلِّهَا أَجْرٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا صَالِحًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ صَالِحٍ فَإِنْ كَانَتْ مُتَضَادَّةً بَطَلَتْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَضَادَّةٍ وَجَبَ عَلَيْنَا تَوْفِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ حُكْمَهُ ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] فَيُرَتِّبُ عَلَى الصَّالِحِ مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَيُهْمِلُ غَيْرَ الصَّالِحِ مُبَاحًا كَانَ أَوْ مَكْرُوهًا فَإِنْ لَزِمَ مِنْ غَيْرِ الصَّالِحِ إبْطَالُ الصَّالِحِ أَبْطَلْنَاهُ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا تَجَرَّدَ الرِّيَاءُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِهِ إلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَلَوْ كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنَّمَا حَرَّفَ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ التَّحْرِيمَ عَارِضٌ بِالْمُسَبِّبِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَصُورَةُ الْفِعْلِ وَالْقَصْدِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا صَحَّ التَّوَسُّلُ بِهَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً وَلَا يَكُونُ التَّوَسُّلُ بِهَا تَوَسُّلًا بِالْحَرَامِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ بِعَيْنِهِ أَعْنِي لَا لَأَنْ عَرَضَ لَهُ مَا اقْتَضَى تَحْرِيمَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَوَاعِثَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ قَوْلُهُ ﷺ «يَكْفُلُ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ أَنْ يَقْصِدَ الْمُجَاهِدُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» لَا يُنَافِي ذَلِكَ بَلْ يَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ فَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَلَمْ يَقْصِدْ أَمْرًا آخَرَ فَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَمَنْ قَاتَلَ لِذَلِكَ وَقَصَدَ مَعَهُ الْغَنِيمَةَ جَازَ أَيْضًا مِنْ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يُحْرَمُ الثَّوَابَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ إلَّا الْمَغْنَمَ أَوْ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا كَمَا جَاءَ فِي الْكَلَامِ «إنَّمَا قَاتَلْت لِيُقَالَ» فَانْظُرْ كَيْفَ جَاءَ بِإِنَّمَا الَّتِي هِيَ لِلْحَصْرِ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدَ الْبَاعِثَيْنِ أَمَّا إذَا فَرَضَ كَمَا فِي السُّؤَالِ مِنْ حُدُوثِ بَاعِثٍ آخَرَ وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالْعَمَلِ إلَى رَفْعِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا بَاعِثٌ دِينِيٌّ خَالِصٌ مُسَوِّغٌ لِلْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا أَقُولُ: إنَّ الْعَمَلَ خَالِصٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ حَتَّى يَصْفُوَ عَنْهُ. وَقَدْ وَقَفْت عَلَى أَسْئِلَةٍ سُئِلَهَا الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ ﵁.
وَالسُّؤَالُ الثَّانِي مِنْهَا مَعَ الْأَعْمَالِ يُدَاخِلُهُ الْعُجْبُ وَمَتَى تَرَكَ الْأَعْمَالَ يَخْلُدُ إلَى الْبَطَالَةِ.
قَالَ: الْجَوَابُ لَا يَتْرُكُ الْأَعْمَالَ وَيُدَاوِي الْعُجْبَ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظُهُورَهُ عَنْ النَّفْسِ وَكُلَّمَا أَلَمَّ بِبَاطِنِهِ خَاطِرُ الْعُجْبِ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَيَكْرَهْ الْخَاطِرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ كَفَّارَةَ خَاطِرِ الْعُجْبِ وَهَذَا لَا يَدَعُ الْعَمَلَ رَأْسًا.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شِهَابُ الدِّينِ يُشْبِهُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ
стр. 164
دُونَ وَجْهٍ أَمَّا شَبَهُهُ إيَّاهُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُجْبَ يُفْسِدُهُ كَالرِّيَاءِ وَلَمْ يُسْمَحْ لَهُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ كَمَا قُلْنَاهُ وَأَمَّا عَدَمُ شَبَهِهِ فَإِنَّ الْعُجْبَ لَا يُضَادُّ النِّيَّةَ كَمَا يُضَادُّهَا الرِّيَاءُ لَوْ انْفَرَدَ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ احْتِمَالِ الْعَمَلِ مَعَ الْعُجْبِ احْتِمَالَهُ مَعَ الرِّيَاءِ.
وَوَقَفْت عَلَى كِتَابِ تُحْفَةِ الْبَرَرَةِ فِي السُّؤَالَاتِ الْعَشَرَةِ تَصْنِيفِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ مَجْدِ الدِّينِ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] إنَّ الْإِنْسَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يُرِيدُ الدُّنْيَا فَحَسْبُ إذَا أَيْقَظَهُ اللَّهُ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ وَذَكَّرَهُ حُبَّ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ وَأَسْمَعَهُ قَوْلَهُ ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] تَذَكَّرَ الْمِيثَاقَ وَعَرَفَ الْوَثَاقَ فَظَهَرَ فِي قَلْبِهِ حَسْرَةٌ بِمَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَرُفِعَ إلَى الْحَضْرَةِ وَتَابَ فَتَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ أَحْوَالُ الْأَشْخَاصِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ فِيهِ طَلَبُ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْقَلْبِ مَعَ بَقَاءِ طَلَبِ الدُّنْيَا وَدَاعِيَةِ الْآخِرَةِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِرَادَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إرَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ يُقَالُ لَهُ الْمُتَمَنِّي وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَبُ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي فَلَا يَهْنَأُ عَيْشُهُ وَلَا يَطِيبُ قَلْبُهُ وَلَا تَسْتَرِيحُ نَفْسُهُ وَأَنَّهُ كُلَّمَا أَقْبَلَ عَلَى الدُّنْيَا نُغِّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ تَمَنَّى الْآخِرَةَ وَكُلَّمَا أَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ كُدِّرَ عَلَيْهِ تَمَنَّى الدُّنْيَا سُرْبَتَهُ فَيَبْقَى لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ يُرِيدُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ فِي قَلْبِهِ طَلَبُ الْآخِرَةِ ظُهُورًا يَنْفِي مِنْ قَلْبِهِ سَائِرَ الدَّوَاعِي الْمُخْتَلِفَةِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ هَمٌّ إلَّا هَمُّ اللَّهِ كَمَا ظَهَرَ لِنَبِيِّنَا ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ هَكَذَا دَاعِيَةُ الْحَقِّ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ صَحَّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِرَادَةِ وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ حُسْنُ اسْتِعْدَادِ قَبُولِ تَأْثِيرِ الشَّيْخِ.
وَأَطَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي ذَلِكَ وَالْمَقْصُودُ لَنَا مِنْهُ مَا ذَكَرَ فِي الدَّاعِيَيْنِ وَإِشَارَتُهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِتَعَارُضِهِمَا كَمَا قُلْنَاهُ، وَفِي قُوتِ الْقُلُوبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْعَمَلُ بِلَا إخْلَاصٍ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَمِنْ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ» عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِيهِ وَهُوَ التَّعْلِيلُ أَيْ لِأَجْلِ مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالُ لِمَا فِيهَا مِنْ النَّفْعِ نَفَعَتْ صَاحِبَهَا مَعَ الْكُفْرِ حَتَّى أَنْقَذَتْهُ مِنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَمَا ظَنُّك بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَعَ الْإِسْلَامِ خَالَطَهَا شَوْبٌ يَضْمَحِلُّ بَعْدَ حِينٍ؛ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُبْتَدِئِ أَمَّا الْمُنْتَهِي أَوْ الْمُتَوَسِّطُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِاَللَّهِ مَا يَدْفَعُ عَنْ قَلْبِهِ وَإِنَّمَا الْمُبْتَدِئُ ضَعِيفٌ إنْ مَنَعْنَاهُ عَنْ الْعَمَلِ حَتَّى يُخْلِصَ قَلَّ السَّالِكُونَ وَانْقَطَعَتْ الطَّرِيقُ وَبَقِيَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ عَلَى كَدَرِهَا وَاسْتَوْلَتْ الشَّيَاطِينُ عَلَيْهَا فَلْيُفْتَحْ لَهُمْ بَابٌ يَدْخُلُونَ فِيهِ
стр. 165
إلَى الْخَيْرِ وَاَللَّهُ رَفِيقُهُمْ وَمُعِينُهُمْ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَيُصَفِّيَ السَّرَائِرَ وَيُظْهِرَ مَا أَكْمَنَهُ فِي تِلْكَ الْمَعَادِنِ وَيُخْرِجَ الْخَبِيثَ وَيُنْصِعَ الطَّيِّبَ وَيُتَوَكَّلُ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.
وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أَجْمَعَ الْكَلَامَ وَأُلَخِّصَهُ وَأَقُولَ: فِي الْجَوَابِ هُنَا مَسَائِلُ: إحْدَاهَا الْمَقْصُودُ بِالسُّؤَالِ فِيمَنْ تَقَاوَمَ عِنْدَهُ الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ وَالْبَاعِثُ الدِّينِيُّ وَأَرَادَ الْعَمَلَ بِهِمَا وَسِيلَةً إلَى ظُهُورِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ وَعُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ فَيَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فَجَوَابِي لِهَذَا الْمُسْتَرْشِدِ نَفَعَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْمُورٌ بِالثَّلَاثَةِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْكَلَامِ فِي نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَنَحْوِهِ أَمَّا السُّنَنُ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى خُصُوصَاتِهَا فَهِيَ آكَدُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ تَرْكِهَا وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَأَعْظَمُ وَتَرْكُهَا يَحْرُمُ صَلَاةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا حَتَّى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ.
فَهَذَا جَوَابِي لِمَنْ قَصَدَ تَقْلِيدِي فِي الْعَمَلِ بِمَا أَقُولُهُ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِي وَلَهُ، وَلَوْ فُقِدَ الرَّابِعُ وَهُوَ عِلْمُ عَادَتِهِ وَوَجَدْت الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ فَجَوَابِي كَذَلِكَ لِأَنَّ إرَادَةَ الْعَمَلِ بِهَا لِأَجْلِ الْوَسِيلَةِ خَالِصٌ لِلَّهِ فَإِذَا فُرِضَ قَصْدُ ذَلِكَ انْقَطَعَ أَثَرُ الْبَاعِثَيْنِ الْمُتَقَاوِمَيْنِ دِينًا وَدُنْيَا وَصَارَ الْبَاعِثُ هَذَا الثَّالِثَ وَهُوَ دِينِيٌّ فَحَسْبُ فَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ.
وَهَذَا بِحَسَبِ مَا فَرَضَهُ السَّائِلُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ قَصَدَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ دَقِيقَةٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهَا، وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْبَاعِثُ الثَّالِثُ بِأَنْ يَجِدَ مِنْ نَفْسِهِ اتِّبَاعًا مِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ وَشَهْوَةً لِدَفْعِ الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ وَقَصْدًا لِإِجَابَتِهَا فِيمَا انْبَعَثَتْ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكْفِي أَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ: إنَّهُ يَقْصِدُ التَّوَسُّلَ وَلَا إنَّهُ يَخْتَارُ أَنَّهُ يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ هَذَا الثَّالِثُ وَإِنَّمَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْبَاعِثَانِ الْمُتَقَاوِمَانِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ السَّائِلُ فِي اسْتِفْتَائِهِ: إنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ.
وَاَلَّذِي أَقُولُهُ فِيهِ أَيْضًا: إنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ وَلَا يَحْرُمُ سَوَاءٌ أَتَسَاوَى الْبَاعِثَانِ أَمْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا أَيًّا مَا كَانَ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ حُصُولُ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ وَاجْتِمَاعَ الْبَوَاعِثِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ وَاقِعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَحِسًّا فَيَحْصُلُ لَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» وَيَصِحُّ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَكِنَّ ثَوَابَهُ أَنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْمُخْلِصِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فُقِدَ الْإِخْلَاصُ فِيهِ يُفْقَدُ الثَّوَابُ فِيهِ بَلْ نَقُولُ ذَلِكَ إثْمٌ مُخْلَصٌ فِيهِ مِنْ الْجِهَةِ الدِّينِيَّةِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ شَابَهُ نَقْصٌ لِاخْتِلَاطِهِ بِالدُّنْيَوِيِّ، وَإِنَّمَا يَحْبَطُ الْعَمَلُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ وَلَيْسَ حُبُوطُ الْعَمَلِ حِينَئِذٍ لِتَحْرِيمِ
стр. 166
الْبَاعِثِ الدُّنْيَوِيِّ لِذَاتِهِ بَلْ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَتَجَرَّدُ الْعَمَلُ عَنْ النِّيَّةِ فَيَكُونُ بَاطِلًا وَيَصِيرُ الْعَامِلُ بِهِ بِلَا نِيَّةٍ كَالْمُسْتَخِفِّ بِعِبَادَةِ اللَّهِ مَمْقُوتًا لِتَلْبِيسِهِ وَتَزْوِيرِهِ.
وَإِذَا كَانَ مَنْ يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ مَمْقُوتًا فَمَنْ يُصَوِّرُ نَفْسَهُ فِي صُورَةِ مَنْ يَفْعَلُ بِلَا فِعْلٍ أَشَدُّ مَقْتًا فَمِنْ هُنَا حُرِّمَ الرِّيَاءُ وَإِلَّا فَالرِّيَاءُ قَدْ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ مَعَ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَكُونُ جَائِزًا بَلْ مَطْلُوبًا كَإِظْهَارِ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَإِرَاءَةِ الْمُشْرِكِينَ الْقُوَّةَ بِالرَّمَلِ وَالتَّبَخْتُرِ بِالْحَرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالْعَمَلُ الَّذِي لَمْ يُرَدْ بِهِ إلَّا الرِّيَاءُ حَرَامٌ لِمَا قُلْنَاهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي قُلْنَاهَا وَالْعَمَلُ الَّذِي خَالَطَهُ الرِّيَاءُ نَاقِصٌ وَالتَّوَسُّلُ بِهِ كَالتَّوَسُّلِ بِالْحَرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّوَسُّلُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ إنْ تُخُيِّلَ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهَا وَالرِّيَاءُ تَحْرِيمُهُ لِمَا سَبَقَ فَفِي حَالَةِ الْمُخَالَطَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُهُ وَيَصِيرُ مِمَّا تُخَالِطُهُ الْعِبَادَةُ مِنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ الَّتِي لَيْسَتْ حَرَامًا وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ وُضُوءِ مَنْ قَصَدَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ مَعَهُ وَقَصْدُ التَّبَرُّدِ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ أَقْوَى مِنْ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَكَذَلِكَ قَصْدُ الرِّيَاءِ مَعَ قَصْدِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ مَذْمُومًا وَقَصْدُ التَّبَرُّدِ لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَكِنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي عَدَمِ الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ مُضَادَّةُ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ مَسَائِلَ كُنَّا قَصَدْنَا إفْرَادَ كُلِّ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ انْجَرَّ تَرْتِيبُ الْكَلَامِ إلَى ذِكْرِهِ هَكَذَا، وَمِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ قَوْلُ السَّائِلِ إذَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَكِنَّ مَنْ عَادَتُهُ كَذَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَأُحَاشِي السَّائِلَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فَإِنَّهُ مَتَى سَلَّمَ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ كَمَنْ تَخَيَّلَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ لِيَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ فَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَاتَ الرِّيَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنْقَسِمَةٌ وَالتَّحْرِيمُ عَارِضٌ لَهَا كَمَا يَعْرِضُ لِلْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فَحَيْثُ نُجَوِّزُ الْإِقْدَامَ مَعَهُ لَا نَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الْعِبَادَةَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ.
وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا بِالتَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا حَكَمُوا فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ مَا لَمْ يَتَجَرَّدْ الرِّيَاءُ، وَلَكِنْ مَعَ الصِّحَّةِ قَدْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ وَأَنَا أَقُولُ: إنَّهُ يَصِحُّ وَيُثَابُ مَا لَمْ يَتَجَرَّدْ قَصْدُ الرِّيَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ.
(مَسْأَلَةٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ تَقْدِيمًا يَوْمَ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ تَأْخِيرًا لَهُمْ بِمُزْدَلِفَةَ قَالَ بِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي السَّفَرِ
стр. 167
قَالَ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا جَوَازُهُ لِثُبُوتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِهِ صَرِيحًا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَبِالْمَطَرِ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَالِكٌ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا وَفِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمُخْتَارُ مَنْعُهُ لِثُبُوتِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ فِيهِ وَالْجَمْعُ بِالْمَرَضِ قَالَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ وَبِالْوَحْلِ وَالرِّيحِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِالْجَمْعِ بِالْمَطَرِ، وَالْجَمْعُ بِالْعُذْرِ الْخَفِيفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ ذَلِكَ عَادَةً قَالَ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَحُكِيَ قَرِيبٌ مِنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَلَمْ يَصِحَّ لَا عَنْ هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا، وَأَمَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْعَادِلِيَّةِ بِدِمَشْقَ انْتَهَى.
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
(مَسْأَلَةٌ) فِي السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ التَّأَهُّبُ لَهَا وَالِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِهَا وَالْمَشْيُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وُجُوبًا مُضَيَّقًا وَلَيْسَ عَلَى التَّوْسِعَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] وَالْمَعْنَى فِيهِ تَعْظِيمُ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَخُصَّتْ بِوُجُوبِ السَّعْيِ إلَيْهَا مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَصْدًا، وَغَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَإِتْيَانِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّمَا تَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَهُوَ وُجُوبُ الْوَسَائِلِ لَا وُجُوبُ الْمَقَاصِدِ بِخِلَافِ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ
وَقَوْلُهُ ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أَيْ الْمُفَوِّتَ لِلسَّعْيِ وَلَا نَقُولُ الْمُفَوِّتَ لِلْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا: السَّعْيُ غَيْرُ وَاجِبٍ لَعَيْنِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ عَدَمُ تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ لَكَانَ هَذَا اسْتِنْبَاطَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ لِتَفْوِيتِ السَّعْيِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرَانُ الْكَلَامِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ النَّصَّ وَلَكِنْ يُخَصِّصُهُ وَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ الْأَوَّلِ يَجُوزُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْجَامِعِ لَا يُحَرَّمُ وَكَذَا فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّ الْبَيْعَ فِي بَيْتِهِ حَرَامٌ بَلْ الْجُلُوسُ وَعَدَمُ الِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ حَرَامٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ السَّعْيَ عَلَى الْفَوْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ فِي الْمَسْجُونِينَ بِسِجْنِ الشَّرْعِ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ هَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا مِنْ بَيْنِهِمْ إمَامًا يَخْطُبُ بِهِمْ وَيُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَالْأَعْيَادَ؟
(أَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي السِّجْنِ بَلْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّجُونِ أَقْوَامٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَوَرِّعِينَ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ أَرْبَعُونَ وَأَكْثَرُ مَوْصُوفُونَ
стр. 168
بِصِفَاتِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَفَعَلُوهُ وَالسِّرُّ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجُمُعَةِ إقَامَةُ الشِّعَارِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ إذَا وَسِعَ النَّاسُ اتِّفَاقًا وَكَأَنَّهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ فُرُوضَ الْكِفَايَاتِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِهَا إتْيَانُهَا فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلُ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ لِمَا اُشْتُهِرَ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَعِنْدِي يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ النَّقْلِ عَلَى مَا أَشَرْت إلَيْهِ بِأَنَّ فِيهَا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا:
(أَحَدُهُمَا) قَصْدُ إظْهَارِ الشِّعَارِ وَإِقَامَتُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ أَرْبَعُونَ وَهَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهَا مِمَّنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِنْهَا إذَا كَانُوا دُونَ الْأَرْبَعِينَ.
(وَالثَّانِي) وُجُوبُ حُضُورِهَا وَهُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَمِمَّنْ حَوْلَهَا مِمَّنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَحِلِّهِ، وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا ذَلِكَ وَالسِّجْنُ لَيْسَ مَحَلَّ ظُهُورِ الشِّعَارِ فَلَا تُشْرَعُ إقَامَتُهَا فِيهِ وَلَعَلَّ لِذَلِكَ لَمْ يُقِمْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَأَقَامَهَا أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بِالْبَقِيعِ بَقِيعِ الْحَصَمَاتِ مِنْ ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِهِ ﷺ وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهَا وَلَا يَفْعَلُهَا لِمَا قُلْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَالسِّجْنُ لَيْسَ مَحَلًّا لِإِقَامَتِهَا لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) عَدَمُ ظُهُورِ الشِّعَارِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ تَعْطِيلُ إقَامَتِهَا فِي بَقِيَّةِ الْبَلَدِ إذَا كَانَتْ لَا تَحْتَمِلُ جُمُعَتَيْنِ، وَمَا عَطَّلَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ نَمْنَعُ مِنْهُ فَعَدَمُ الْجَوَازِ إذَا كَانَتْ الْبَلْدَةُ صَغِيرَةً لِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ وَكُلُّ عِلَّةٍ مِنْهُمَا كَافِيَةٌ لِهَذَا الْحُكْمِ وَلَوْ أَنَّ أَرْبَعِينَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الشِّعَارُ وَعَجَّلُوا بِالْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ الَّتِي تُقَامُ فِي الْبَلَدِ فِي الشِّعَارِ الظَّاهِرِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمْ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْبَلْدَةُ كَبِيرَةً وَالْجَامِعُ الَّذِي لَهَا لَا يَسَعُ النَّاسَ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَجُوزُ إقَامَةُ جُمُعَةٍ أُخْرَى فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَقَامَ أَهْلُ السِّجْنِ الْجُمُعَةَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الشِّعَارُ فَأَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ وَهِيَ أَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ إقَامَةِ جُمُعَةٍ فَهِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى عِبَادَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ لَا يَجُوزُ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي السِّجْنِ سَوَاءٌ أَضَاقَ الْبَلَدُ أَمْ اتَّسَعَ سَوَاءٌ أَجَوَّزْنَا جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ إذَا ضَاقَ أَمْ لَمْ نُجَوِّزْ وَلِذَلِكَ لَمْ نَسْمَعْ بِذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَأَهْلُ السِّجْنِ يُصَلُّونَ ظُهْرًا وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْجَمَاعَةُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ إخْفَاؤُهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِخْفَاءُ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شِعَارِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا تُهْمَةَ عَلَى
стр. 169
هَؤُلَاءِ أَمَّا الْمُعَذَّرُونَ الَّذِينَ نَخْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ التُّهَمِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْإِخْفَاءُ قَطْعًا وَإِنَّمَا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بَعْدَ فَرَاغِ جُمُعَةِ الْبَلَدِ وَأَمَّا الْعِيدُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ صَلَاتُهُ وَأَمَّا خُطْبَتُهُ فَفِي اسْتِحْبَابِهَا نَظَرٌ لِمَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ الشِّعَارِ وَلَمْ أَنْظُرْ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى كَشْفٍ وَتَأَمُّلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ. وَمِمَّا لَحَظْنَاهُ مِنْ مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَظْهَرُ تَحْرِيمُ السَّفَرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَ الزَّوَالِ الْمُفَوِّتِ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا لَمْ يَدْخُلْ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَلَقَدْ كُنْت أَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ وَلَا أُصْغِي لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الْجُمُعَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْيَوْمِ وَأَقُولُ كَيْفَ تَجِبُ الْوَسِيلَةُ قَبْلَ وُجُوبِ الْمَقْصِدِ حَتَّى ظَهَرَ لِي هَذَا الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّ إقَامَةَ شِعَارِ هَذَا الْيَوْمِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَوْمِ وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّوَالِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَصِحَّتُهَا وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ لَهَا وَمَسَائِلُ أُخْرَى تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا انْتَهَى.
[الِاعْتِصَامُ بِالْوَاحِدِ الْأَحَدِ مِنْ إقَامَةِ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: إقَامَةُ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ لَمْ أَرَ لَهَا ذِكْرًا فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إلَّا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا جُمُعَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ، وَلَمْ أَرَ جَوَازَ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ كَتَبُوا إلَى عُمَرَ ﵁ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ فَكَتَبَ جَمِّعُوا حَيْثُ مَا كُنْتُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ ﵁ تَعَرُّضٌ لِلتَّعَدُّدِ وَإِنَّمَا فِيهِ إجَازَتُهُ الْجُمُعَةَ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ مِنْ الْقُرَى وَالْمُدُنِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا تَشْرِيقَ وَلَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ. وَهَذَا مَعَ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَإِنْ كَانَ سُفْيَانُ ﵁ أَيْضًا مُدَلِّسًا لَكِنَّهُ جَلِيلٌ وَرَأَيْتُ فِي عِلَلِ الْحَدِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَرَوَى أَبُو إسْرَائِيلَ شَيْئًا غَرِيبًا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نَعَمْ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ فِي تَصْحِيحِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ
стр. 170
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْهُمَا تَعَرُّضٌ لِلتَّعَدُّدِ فَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ مَاشِيًا وَإِنْ شَاءَ رَاكِبًا. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مَاشِيًا. حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ أَبِي غَسَّانَ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ الْحَجَبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ وَلَوْ حَبْوًا.
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَرْسَلْتُ إلَى عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَسْأَلُهَا عَنْ الْجُمُعَةِ فَقَالَتْ: كَانَ سَعْدُ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ وَكَانَ أَحْيَانًا يَأْتِيهَا وَأَحْيَانًا لَا يَأْتِيهَا.
حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسًا شَهِدَ الْجُمُعَةَ مِنْ الرَّاوِيَةِ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ الْبَصْرَةِ. حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَجْتَمِعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا يَأْتُونَ رِحَالَهُمْ إلَّا مِنْ الْغَدِ.
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ كَانَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ مَاشِيًا فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ: كَمْ كَانَ بَيْنَ مَنْزِلِهِ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: مِيلَيْنِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ قُلْت لِلزُّهْرِيِّ: عَلَى مَنْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ كَانَ هُوَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: كَانَ أَهْلُ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَجْمَعُ مِنْ هَذِهِ الْمَزَالِفِ فَيَقُولُ: كَانُوا يَجْمَعُونَ مِنْ الْمَزَالِفِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ فِي الطَّائِفِ وَهُوَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الرَّهْطُ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ وَهُمْ الَّذِينَ سَمَّوْهَا الْجُمُعَةَ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَلِلنَّصَارَى أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ وَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنُصَلِّي وَنَشْكُرُهُ أَوْ كَمَا قَالُوا: فَقَالُوا: يَوْمَ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِلنَّصَارَى فَاجْعَلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْعُرُوبَةَ وَكَانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَذَبَحَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لَهُمْ شَاةً فَتَغَدَّوْا وَتَعَشَّوْا مِنْ شَاةٍ وَاحِدَةٍ لَيْلَتَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ
стр. 171
﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ زَعَمُوا قُلْت: أَبِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَمَهْ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هِشَامٍ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمْ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ بِأَمِيرٍ وَلَكِنْ انْطَلَقَ يُعَلِّمُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ» قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: حَيْثُ مَا كَانَ أَمِيرٌ فَإِنَّهُ يَعِظُ أَصْحَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ يَكُونُ بِالرَّهْطِ فَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ مَعَ النَّاسِ بِالطَّائِفِ وَإِنَّمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّائِفِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كَانَ يَكُونُ أَنَسٌ فِي أَرْضِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ بِالْبَصْرَةِ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَدْعُو النَّاسَ إلَى شُهُودِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ فَيَقُولُ: اشْهَدُوا الْجُمُعَةَ يَا أَهْلَ كَذَا يَا أَهْلَ كَذَا حَتَّى يَدْعُوَ أَهْلَ قَائِنٍ وَأَهْلُ قَائِنٍ حِينَئِذٍ مِنْ دِمَشْقَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا فَيَقُولُ: اشْهَدُوا الْجُمُعَةَ يَا أَهْلَ قَائِنٍ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِهِ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَرْوَ يَا أَهْلَ دَائِرَةِ فَرْسَخَيْنِ مِنْ دِمَشْقَ إحْدَاهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ وَالْأُخْرَى عَلَى خَمْسَةٍ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَزِمَتْكُمْ وَأَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا مَعَنَا.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ شَهِدُوا بَدْرًا أُصِيبَتْ أَبْصَارُهُمْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ وَكَانُوا لَا يَتْرُكُونَ شُهُودَ الْجُمُعَةِ فَلَا نَرَى أَنْ يَتْرُكَ شُهُودَ الْجُمُعَةِ مَنْ وَجَدَ إلَيْهَا سَبِيلًا. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ ثُمَّ لَمْ يَحْضُرْ الْجُمُعَةَ أَوْ قَالَ: لَمْ يُجِبْ كُتِبَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ» . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْهَدَ الْجُمُعَةَ مِنْ قُبَاءَ» قَالَ أَبُو عِيسَى: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَفِي الْمُحَلَّى لِابْنِ حَزْمٍ
стр. 172
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى: لَا جُمُعَةَ لِمَنْ صَلَّى فِي الرَّحْبَةِ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) هَذَا مَا اتَّفَقَ ذِكْرُهُ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَتَلَخَّصَ مِنْهُ مَذْهَبُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الْجُمُعَةَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَقَرْيَةٍ. وَمَذْهَبُ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي مِصْرٍ. وَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ السُّلْطَانَ وَإِذَا أَخَذْنَا بِالْإِطْلَاقِ أَتَتْنَا هُنَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ مُطْلَقَةٌ مَذْهَبَانِ فِي اشْتِرَاطِ السُّلْطَانِ مُطْلَقًا فِي الْقَرْيَةِ وَالْمِصْرِ، وَمَذْهَبَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ مُطْلَقًا مَعَ السُّلْطَانِ وَبِدُونِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِلتَّعَدُّدِ أَصْلًا، وَلَكِنَّ ظَاهِرَهُ وَظَاهِرَ الْفِعْلِ الْمُسْتَمِرِّ عَدَمُ التَّعَدُّدِ لِمُحَافَظَةِ مَنْ قَدَّمْنَاهُ عَلَى الْإِتْيَانِ إلَيْهَا مِنْ بُعْدٍ، وَاشْتِرَاطُ الْمِصْرِ يَرُدُّهُ التَّجْمِيعُ فِي حَوَايَا وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ.
وَقَدْ نَقَلُوا فِي السِّيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ وَأَقَامَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ وَخَرَجَ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي» ، وَهَذَا إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنَّ الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِمَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حَيْثُ كَانَ وَهُوَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ أَنْ تَكُونَ الْجُمُعَةُ فِي مَحَلِّ ظُهُورِ الشِّعَارِ وَلَا مَحَلَّ لِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ مَحَلِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِمْ وَكَذَلِكَ مَحَلُّ خُلَفَائِهِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَإِنْ أَذِنَ فِي فِعْلِهَا بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ قُرَيْشٌ مَسْئُولِينَ عَلَيْهَا وَالْمَقْصُودُ بِالْجُمُعَةِ اجْتِمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ وَمَوْعِظَتُهُمْ. وَأَكْمَلُ وُجُوهِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان وَاحِدٍ لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُهُمْ وَتَحْصُلَ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمْ، وَحَصَلَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى مُقَدَّمًا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَعُطِّلَتْ لِهَذَا الْقَصْدِ وَإِنْ كَانَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ بَلْ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا الْعَمَلُ مُسْتَمِرٌّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَفِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ مَقَاصِدَ: أَحَدُهَا: ظُهُورُ الشِّعَارِ. وَالثَّانِي: الْمَوْعِظَةُ. وَالثَّالِثُ: تَأْلِيفُ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِبَعْضٍ لِتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ الثَّلَاثَةُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَقَاصِدِ وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهَا وَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ أَدْعَى إلَيْهَا اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ نَصٌّ مِنْ الشَّارِعِ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَكِنَّ قَوْله تَعَالَى
стр. 173
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَقَدْ أَتَانَا فِعْلُهُ ﷺ وَسُنَّتُهُ وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَمِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ اجْتِمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّ طَائِفَةٍ فِي مَسْجِدِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ثُمَّ اجْتِمَاعُ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ فِي الْجُمُعَةِ ثُمَّ اجْتِمَاعُ أَهْلِ الْبَلَدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ الْعَوَالِي فِي الْعِيدَيْنِ لِتَحْصُلَ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمْ وَلَا يَحْصُلُ تَقَاطُعٌ وَلَا تَفَرُّقٌ فَالتَّفْرِيقُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَضَرِّ شَيْءٍ يَكُونُ، فَالِاجْتِمَاعُ دَاعٍ إلَى اتِّفَاقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ لَا ضَبْطَ لَهَا فَاقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَهَذَا فِي الْجُمُعَةِ لَا يَشُقُّ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ جُعِلَتْ فِي مَسَاجِدِ الْمَحَالِّ فَانْظُرْ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] كَيْفَ جَعَلَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِهَدْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ.
(فَصْلٌ) وَانْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى ذَلِكَ، وَجَاءَ التَّابِعُونَ فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، وَلَا قَالَ بِجَوَازِ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ إلَّا رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجْمَعُونَ فِيهِ ثُمَّ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَنْكَرَ النَّاسُ أَنْ يُجَمِّعُوا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ.
هَذَا لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ نَقَلْتُهُ مِنْهُ وَفِيهِ مَا تَرَاهُ مِنْ إنْكَارِ النَّاسِ مَا قَالَهُ عَطَاءٌ وَمِنْهُ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا عَطَاءٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ لَا يَسَعُهُمْ فَلَيْسَ فِيهِ إجَازَةُ ذَلِكَ وَفِيهِ قَوْلٌ لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ ثُمَّ يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ النَّاسِ فَالرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ سَائِرِ النَّاسِ مَعَ الصَّحَابَةِ جَمِيعِهِمْ أَوْلَى وَيَصِيرُ مَذْهَبُ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَذَاهِبِ الشَّاذَّةِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْ بِهَا النَّاسُ؛ وَيُحْتَمَلُ تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ يُجَمِّعُونَ بِالدُّعَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ إقَامَةَ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاعِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَيَجْتَهِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّابِقُ فَإِنْ حَصَلَ السَّبْقُ لِأَحَدِهِمَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ثُمَّ يُجْزِئُ عَنْهُ.
وَنَحْنُ نِزَاعُنَا إنَّمَا هُوَ فِي صِحَّتِهَا وَإِنْ عُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَمَسْبُوقِيَّةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ انْقَرَضَ عَصْرُ التَّابِعِينَ ﵃ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ خِلَافٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ عَطَاءٍ زِيَادَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
وَلْنَذْكُرْ مَا وَرَدَ عَنْ التَّابِعِينَ: رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَسَارٍ أَنَا صَالِحُ بْنُ سُعَيْدٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ مُبْتَدِئٌ بِالسُّوَيْدَاءِ
стр. 174
وَهُوَ فِي إمَارَتِهِ عَلَى الْحِجَازِ، فَحَضَرَتْ الْجُمُعَةُ فَهَيَّئُوا لَهُ مَجْلِسًا مِنْ الْبَطْحَاءِ ثُمَّ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَجَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ أَذَّنُوا أَذَانًا آخَرَ ثُمَّ خَطَبَهُمْ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَأَعْلَنَ فِيهِمَا بِالْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ: إنَّ الْإِمَامَ يُجْمِعُ حَيْثُ كَانَ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إلَيْهِ: إنِّي فِي قَرْيَةٍ لِي فِيهَا مَوَالٍ كَثِيرٌ وَأَهْلٌ وَنَاسٌ أَفَأُجْمِعُ بِهِمْ وَلَسْت بِأَمِيرٍ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمِعَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تَكْتُبَ إلَى هِشَامٍ لِيَأْذَنَ لَك فَافْعَلْ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ رَاجِعًا إلَى أَهْلِهِ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَطَاءً مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: فَقَالَ يُقَالُ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ إلَى بَرِيدٍ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْزِلُونَ إلَى الْجُمُعَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٍ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّا دَاوُد بْنَ قَيْسٍ قَالَ سُئِلَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَأَنَا أَسْمَعُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: مِنْ مَدِّ الصَّوْتِ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى ابْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ قَالَ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ فَارِسٍ ثنا قَبِيصَةُ ثنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» وَقَبِيصَةُ رَجُلٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ فِي غَيْرِ الثَّوْرِيِّ وَكَثِيرُ الْخَطَأِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ ظَنَّ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ الْمَصْلُوبُ وَلَيْسَ إيَّاهُ وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَتَكَلَّمْت عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ نُبَيْهٍ مَجْهُولٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. وَرَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ جَمَاعَةٌ مَقْصُورًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ رُوِيَ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّحِيحُ يَعْنِي إنَّهُ أَصَحُّ مِنْ الرَّفْعِ وَأَمَّا صِحَّتُهُ فَيَمْنَعُ مِنْهَا جَهَالَةُ رَاوِيهِ وَسُئِلَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ أَيْنَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: مِنْ مَدْنَةِ الرَّحْبَةِ إلَى صَنْعَاءَ وَمِثْلِ قَدْرِهَا وَمَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ شَاءُوا حَضَرُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَحْضُرُوا.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَكَانَ يَعُدُّ الْأَمْصَارَ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْبَحْرَيْنِ وَمِصْرَ وَالشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ وَرُبَّمَا قَالَ الْيَمَنُ وَالْيَمَامَةُ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ التَّيْمِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ.
стр. 175
قَالَ وَاسِطُ مِصْرٍ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ مَا الْقَرْيَةُ الْجَامِعَةُ؟ قَالَ: ذَاتُ الْجَمَاعَةِ وَالْأَثَرِ وَالْقِصَاصِ وَالدُّورِ الْمُجْتَمِعَةُ غَيْرُ الْمُتَفَرِّقَةِ وَالْآخِذُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَهَيْئَةِ جُدَّةَ قَالَ: فَجُدَّةُ جَامِعَةٌ قَالَ: وَالطَّائِفُ قَالَ: وَإِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ فَنُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَمَرَ أَهْلَ قُبَاءَ وَأَهْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الْقُرَى الصِّغَارَ لَا تُجْمِعُوا وَأَنْ تَشْهَدُوا الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَنْ يُجْمِعُوا فَقَالَ عَطَاءٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ فِي سَفَرِهِ خَطَبَهُمْ مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسِ» .
عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْنَا أَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ يَقُولُ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُجْمَعُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ فَلْتُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةَ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى أَهْلَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يَجْمَعُونَ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَتْ عَرَفَةُ وَلَا الظَّهْرَانُ وَلَا سَرْوُ وَلَا أَهْلُ أَوْدِيَتِنَا هَذِهِ بِجَامِعَةٍ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا كُنْت فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ يُجْمِعُ أَهْلُهَا فَإِنْ شِئْت فَاجْمَعْ مَعَهُمْ وَإِنْ شِئْت فَلَا إلَّا أَنْ تَسْمَعَ النِّدَاءَ فَإِنْ جَمَعْت مَعَهُمْ فَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُمْ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقُمْ فَزِدْ رَكْعَتَيْنِ وَلَا تَقْصُرْ مَعَهُمْ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَأَلْت عَنْ الْقَرْيَةِ غَيْرِ الْجَامِعَةِ يَجْمَعُونَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ قَالَ: قُلْت: أَجْمَعُ مَعَهُمْ وَأَقْصُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: لَا جُمُعَةَ وَلَا أَضْحَى وَلَا فِطْرَ إلَّا عَلَى مَنْ حَضَرَهُ الْإِمَامُ. ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ قَالَا: الْجُمُعَةُ فِي الْأَمْصَارِ. ثنا هُشَيْمٌ أَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ: عَلَى أَهْلِ الْأَيْلَةِ جُمُعَةٌ؟ قَالَ: لَا.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ كَانُوا لَا يُجْمِعُونَ فِي الْعَسَاكِرِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الرَّيُّ مِصْرٌ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ أَيُّمَا أَهْلِ قَرْيَةٍ لَيْسُوا بِأَهْلِ عَمُودٍ يَنْتَقِلُونَ فَأُمِّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ يُجْمِعُ بِهِمْ. حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذِهِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُجْمِعُونَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ مِنْ أَرْبَعِ فَرَاسِخَ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَكُونُ يَسِيرُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلَا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً.
стр. 176
هَذَا مَا اتَّفَقَ نَقْلُهُ مِنْ كَلَامِ التَّابِعِينَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ جُمُعَتَيْنِ إلَّا مَا حَكَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ وَأَنْكَرَهُ النَّاسُ.
(فَصْلٌ) قَدْ عَلِمْت قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ لِعَطَاءٍ إنَّ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ الْأَكْبَرَ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا وَقَدْ عَلِمْت قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ وَقَوْلَ عَلِيٍّ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ وَقَوْلَهُ لَا جُمُعَةَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ وَقَوْلَ عَطَاءٍ بَلَغَنَا أَنْ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ عَطَاءٍ اشْتِرَاطُ الْمِصْرِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ مَعَ ذَلِكَ كَمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ يَشْتَرِطُ الْإِمَامَ أَوْ لَا فَإِذَا فَرَضَ الْكَلَامَ فِي الْبَصْرَةِ وَشَبَهِهَا وَمَسْجِدُهَا الْأَكْبَرُ لَا يَسَعُ أَهْلَهَا فَمَنْ يَقُولُ لَا يَشْتَرِطُ لِلْجُمُعَةِ الْمَسْجِدَ وَلَا الْإِمَامَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي الطُّرُقَاتِ مَعَ الْجَامِعِ وَتَتَّصِلُ الصُّفُوفُ فَلَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِجُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَنْ يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُ.
فَإِذَا امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَحْتَاجُ الَّذِي يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ فِي حَقِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا إنَّهُمْ يُقِيمُونَ الظُّهْرَ لِتَعَذُّرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِمْ كَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَإِمَّا أَنْ يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي إقَامَةِ جُمُعَةٍ أُخْرَى فِي مَسْجِدٍ آخَرَ مِنْ مَسَاجِدِ الْمِصْرِ إمَّا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ إنْ اشْتَرَطَ الْإِمَامَ وَإِمَّا بِدُونِهِ إنْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ يَجُوزُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ إقَامَةُ الظُّهْرِ فَعَلَيْهِ دَلِيلٌ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ وَمَعْرِفَةُ حُكْمِهِ بِكَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الظُّهْرُ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى الْجُمُعَةِ بِشُرُوطٍ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ يَرْجِعُ إلَى الظُّهْرِ، فَكَأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَصْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا عَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الْجُمُعَةَ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ فَالْجُمُعَةُ عِنْدَهُ مُمْكِنَةٌ فَحَصَلَ فِي الْبَصْرَةِ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جُمُعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ أَنَّ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ وَاَلَّذِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ وَلَا تَتَعَدَّدُ الْجُمُعَةُ، وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا وَلَكِنَّهُ مُقْتَضَى الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ اشْتَرَطَ الْمَسْجِدَ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ مَعَ ضَعْفِهِ وَلَعَلَّ عَطَاءً ذَهَبَ إلَيْهِ، وَفِي قَوْلِ عَطَاءٍ احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ وَضِيقُ الْمَسْجِدِ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا فَلَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِمْكَانِ وَيُصَلِّيهَا كَيْفَ مَا اتَّفَقَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
стр. 177
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الزِّبْرِقَانِ قَالَ: قُلْت لِشَقِيقٍ إنَّ الْحَجَّاجَ يُمِيتُ الْجُمُعَةَ قَالَ: تَكْتُمْ عَلَيَّ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: صَلِّهَا فِي بَيْتِك لِوَقْتِهَا وَلَا تَتْرُكْ الْجَمَاعَةَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَقِيقٌ لَا مَأْخَذَ لَهُ إلَّا مَا ذَكَرْتُهُ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَاَلَّذِي تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا ظَاهِرًا لِخَوْفِهِ مِنْهُ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ وَلَوْ وَحْدَهُ لِيَكُونَ قَدْ أَدَّى بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَعَطَاءٌ لَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا إنَّمَا يَأْتِي إنْ كَانَ أَحَدٌ يَشْرِطُ الْمَسْجِدَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عِنْدَ السَّعَةِ وَعِنْدَ الضِّيقِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَتَى عَلَى رِجَالٍ جُلُوسٍ فِي الرَّحْبَةِ فَقَالَ: اُدْخُلُوا الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السَّعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ اُدْخُلُوا الْمَسْجِدَ.
أَمَّا حَالَةُ الضِّيقِ فَلَا وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ بَنَاهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ يُصَلُّونَ وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ لَا جُمُعَةَ لِمَنْ صَلَّى فِي الرَّحْبَةِ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الدُّخُولِ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ انْقَرَضَ عَصْرُ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى تَعَدُّدُ جُمُعَةٍ وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ وَبُنِيَتْ بَغْدَادُ وَحَدَثَ فِيهَا جَوَامِعُ أَوَّلًا جَامِعُ الْمَنْصُورِ ثُمَّ جَامِعُ الْمَهْدِيِّ ثُمَّ غَيْرُهُمَا، وَكَانَتْ بَلْدَةً عَظِيمَةً فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ رَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵁ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ رَأَى بَغْدَادَ وَبَيْنَ جَامِعِيهَا نَهْرٌ فَرَأَى جَوَازَ جُمُعَتَيْنِ إمَّا لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ بَلَدَيْنِ فَالْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ بَلَدٌ وَالْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ بَلَدٌ وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلِهَذَا مَا كَانَ يُوضَعُ الْجِسْرُ الَّذِي عَلَى النَّهْرِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَعَلَى هَذَا لَمْ يَقُلْ بِتَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِمَّا لِأَنَّ حَيْلُولَةَ النَّهْرِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ الْمُحْوِجِ إلَى السِّبَاحَةِ يَشُقُّ مَعَهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّ كُلَّ جَانِبٍ تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فَأَشْبَهَ الْجَانِبَانِ الْبَلَدَيْنِ وَإِنْ كَانَا بَلَدًا وَاحِدًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ هَذَا فِي غَيْرِ بَغْدَادَ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُشَارِكُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فَلَوْ وَجَدْنَا مَا يُشَارِكُهَا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ وَرَأْيُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ يُرِيدُونَ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الشَّرْطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ هَذَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَيَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى إجَازَةِ تَعَدُّدِهَا مُطْلَقًا فِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ فَتَصِيرُ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْجُمُعَةِ خُصُوصِيَّةٌ.
فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ لِاسْتِمْرَارِ عَمَلِ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْيَوْمَ، وَدَخَلَ الشَّافِعِيُّ
стр. 178
- ﵁ بَغْدَادَ وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جَارٍ لِلْمَشَقَّةِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا، وَمِنْهُمْ ابْنُ كَجٍّ وَالْحَنَّاطِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا غَيْرَ مُسَلَّمٍ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُنْكِرُ عَلَى مُجْتَهِدٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ: لَا يُصَلَّى فِي مِصْرٍ وَإِنْ عَظُمَ وَكَثُرَتْ مَسَاجِدُهُ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَعَلُوا هَذَا مَذْهَبَهُ لَيْسَ إلَّا، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَبَقَتُهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ وَمِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَنَحْنُ لَا نَدْرِي مَا كَانَ يَصْنَعُ الشَّافِعِيُّ هَلْ يُعِيدُهَا ظُهْرًا أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْجُمُعَةَ الَّتِي صَلَّاهَا هِيَ السَّابِقَةُ فَتَصِحُّ وَحْدَهَا عِنْدَهُ ثُمَّ جَاءَ أَحْمَدُ ﵁ فَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ: عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالتَّجْوِيزُ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ثُمَّ حَدَّثَتْ فُقَهَاءُ آخَرُونَ فَقَالُوا: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَرُبَّمَا رَجَّحُوهَا وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
وَأَمَّا تَخَيُّلُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَهَذَا مِنْ الْمُنْكَرِ بِالضَّرُورَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِصْرِ أَمَّا الْقُرَى فَعِنْدَهُمْ لَا جُمُعَةَ فِيهَا أَصْلًا وَقَالُوا: إنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ فِيمَا وَرَاءَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ بِشَرْطِ الْمَسْجِدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَشْتَرِطُ الْمِصْرَ وَيُجَوِّزُهَا فِي جَمِيعِ الْقُرَى قَرُبَتْ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ بَعُدَتْ إذَا كَانَ فِيهَا أَرْبَعُونَ.
[فَصْلٌ اشْتِرَاطِ السُّلْطَانِ فِي الْجُمُعَةِ]
(فَصْلٌ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي اشْتِرَاطِ السُّلْطَانِ فِي الْجُمُعَةِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ السُّلْطَانِ أَوْ إذْنِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ مِثْلُهُ وَالْجَدِيدُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ وَلَا إذْنُهُ وَمُسْتَنَدُ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاطِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَنْ تُفَوِّتَ كُلُّ شِرْذِمَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَرْضَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ بَعْضِ التَّابِعِينَ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْإِذْنِ. وَهَذَا فِي الْجُمُعَةِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا التَّعَدُّدُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالِاشْتِرَاطِ لَا مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الصِّحَّةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ
стр. 179
قَبْلَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ السُّلْطَانَ يَقُولُ السَّابِقَةُ صَحِيحَةٌ، وَمَنْ يَشْتَرِطُهُ يَقُولُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي هُوَ مَعَهَا وَأَمَّا الْجَوَازُ فَإِذَا قَصَدَ التَّعَدُّدَ حَيْثُ الْحَاجَةُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاجَ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ حَيْثُ قُلْنَاهَا السُّلْطَانُ.
فَالْمُرَادُ بِهِ السُّلْطَانُ أَوْ الْأَمِيرُ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا كَانَ قَاضِيًا عَامًّا يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْعَامَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقُومُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا خَشْيَةُ فِتْنَةٍ وَنِيَابَةُ السَّلْطَنَةِ هِيَ الْمُسْتَقِلَّةُ بِذَلِكَ وَالْقَاضِي إنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَفَصْلِ الْمُحَاكَمَاتِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ جَعَلُوا الْقَاضِيَ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ مِثْلَ السُّلْطَانِ وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فِيهِ إلَى فِتْنَةٍ، وَتَسْكِينُ الْفِتَنِ إلَى السُّلْطَانِ لَا إلَى الْقَاضِي.
وَهَذَا فِي قَاضٍ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عُرْفًا وَلَا لَفْظًا عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا إذَا نَصَّ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ شَيْءٌ اسْتِفَادَةً بِالْوِلَايَةِ مِثْلَ شَيْءٍ يَشْتَرِطُ نَظِيرَهُ لِلْقَاضِي وَنَحْوِهِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَى ذَلِكَ جَائِزًا فِي مَذْهَبِهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى عُمُومِهِمْ وَمَتَى لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ لَا يَأْذَنْ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْقُضَاةِ لَا تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ أُمُورٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ وَالْحُكْمُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَحْكُومٍ لَهُ وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَإِلْزَامٍ وَفَصْلٍ وَذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ لَا يُتَصَوَّرُ نَعَمْ قَدْ يُعَلِّقُ الشَّخْصُ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا عَلَى صِحَّةِ عِبَادَةٍ أَوْ فَسَادِهَا فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِوُقُوعِ ذَلِكَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِنَاءً عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبَبُهُ وَاسْتُجْمِعَتْ شُرُوطُ الْحُكْمِ وَأَمَّا أَنَّهُ يَحْكُمُ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ.
(فَصْلٌ) خَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِنْ اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ مَسَائِلُ:
(إحْدَاهَا) : مِصْرٌ أَذِنَ السُّلْطَانُ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَأُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ تَتَعَدَّدْ فِيهِ وَلَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ الَّتِي إذَا فَارَقَهَا الْمُسَافِرُ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَهَذِهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبِحَمْدِ اللَّهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ الْمُعَظَّمَةُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُدُنِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : مِصْرٌ أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الشُّرُوطِ وَلَكِنْ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : قَرْيَةٌ أُقِيمَتْ فِيهَا الْجُمُعَةُ كَذَلِكَ
стр. 180
بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلْتَجْعَلْ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي قَرْيَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْمِصْرِ وَعَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرَى انْفِصَالًا ظَاهِرًا بِحَيْثُ تُعَدُّ مُسْتَقِلَّةً وَحْدَهَا غَيْرَ تَابِعَةٍ كَأَكْثَرِ الْقُرَى الَّتِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) : الْأَبْنِيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمِصْرِ تَابِعَةٌ لَهُ وَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً وَلَا تُعَدُّ قَرْيَةً وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِفِنَاءِ الْمِصْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمِصْرِ سُوَرٌ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ بِلَا شَكٍّ؛ وَإِنْ كَانَ لِلْمِصْرِ سُوَرٌ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ فَلَا تَفْرُدُ بِحُكْمٍ فَعَلَى هَذَا هِيَ وَالْمِصْرُ بَلَدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ أُقِيمَتْ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ إمَّا دَاخِلَ السُّورِ وَإِمَّا خَارِجَهُ جَازَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ أَنْ تُقَامَ دَاخِلَ السُّورِ وَلَا يَكْفِي إقَامَتُهَا خَارِجَ السُّورِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّابِعِ فَلَا يَكُونُ مَتْبُوعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
(الْخَامِسَةُ) : قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ السُّورِ أَوْ مِنْ الْمِصْرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ سُورٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِاسْمٍ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ لِقُرْبِهَا كَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تُعَدُّ فِنَاءً لِلْمِصْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تَفْرُدُ بِحُكْمٍ بَلْ لِقُرْبِهَا تَابِعَةٌ فَتُعْطَى حُكْمُ الْفِنَاءِ فَتَكُونُ كَالْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيهِمَا.
(السَّادِسَةُ) : حُكْمُ بَغْدَادَ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ فِي الْمِصْرِ مَعْلُومٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ وَفِي الْقَرْيَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْجُمُعَةَ كَذَلِكَ وَفِي الْمِصْرِ مَعَ الْفِنَاءِ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَفِي الْمِصْرِ مَعَ الْقَرْيَةِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا وَاحِدًا فَالتَّعَدُّدُ كَالتَّعَدُّدِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا اثْنَيْنِ جَازَ التَّعَدُّدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ لَا يُجَوِّزُ التَّعَدُّدَ وَتَكُونُ السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَالْمَسْبُوقَةُ بَاطِلَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمِصْرِ وَخَارِجَهُ.
(السَّابِعَةُ) : حَيْثُ حَصَلَ التَّعَدُّدُ لِحَاجَةٍ فَقَدْ عُرِفَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَحَيْثُ حَصَلَ لَا لِحَاجَةٍ إمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِزِيَادَةِ مَالِيَّةٍ لَا لِحَاجَةٍ إلَيْهَا تَقْضِي التَّطَرُّقَ إلَى فَسَادِ صَلَاةِ الْجَمِيعِ وَلَا تَقْتَضِي الْفَسَادَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ الْمَكَانَانِ مَكَانًا وَاحِدًا.
(الثَّامِنَةُ) : الْمَكَانُ، الْأَبْنِيَةُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ الَّتِي حَدَثَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الشَّاغُورِ إنْ عُدَّ مُسْتَقِلًّا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ وَإِنْ عُدَّ مَعَ الْمِصْرِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَانَ إحْدَاثُ هَذِهِ فِيهِ كَإِحْدَاثِهَا فِي دَاخِلِ سُورِ دِمَشْقَ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ بِإِحْدَاثِ هَذِهِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَلْزَمُ إبْطَالُ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ إذَا كَانَتْ مَسْبُوقَةً وَفِي ظَاهِرِ دِمَشْقَ النَّيْرَبِ وَالْمِزَّةِ وَكَفْرِ سُوسِيَّا وَالشَّاغُورِ كَانَ فِيهِ جَامِعُ جَرَّاحٍ وَحْدَهُ وَبَيْتُ لَهْيَا وَبَيْتُ الْآبَارِ وَالْعُقَيْبَةُ كَانَ فِيهَا جَامِعُ الْأَشْرَفِ وَحْدَهُ الَّذِي هُوَ الْيَوْمَ جَامِعُ الْعُقَيْبَةِ.
следующие страницы →