← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 1121–1159 · переход к 1126.

стр. 1121

الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَمُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ أَعَمُّ مِنْ الرِّسَالَةِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: هَلْ نَالَك مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] مِنْ أَصَحِّ مَا يَكُونُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وَأَنَّ الْجِنَّ يُسَمَّوْنَ نَاسًا وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ لَكِنَّ تَسْمِيَةَ الْجِنِّ نَاسًا مُخْتَلِفٌ فِيهِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِقَاقِ النَّاسِ هَلْ هُوَ مِنْ النَّوَسِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ أَوْ مِنْ الْإِينَاسِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ أَوْ مِنْ الْإِنْسِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَحْشَةِ وَمَنْ يَقُولُ بِتَسْمِيَتِهِمْ نَاسًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَالْأَغْلَبُ خِلَافُهُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَغْلَبِ أَوْجَبُ وَالْجَوْهَرِيُّ ذَكَرَ بَابَ أَنِسَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ذَلِكَ وَذَكَرَ بَابَ نَوَسَ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَبِإِدْخَالِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّوَسِ وَقَالَ فِي بَابِ أَنِسَ إنَّ الْأُنَاسَ لُغَةٌ فِي النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِنْ النُّحَاةِ يَقُولُونَ إنَّ النَّاسَ أَصْلُهُ الْأُنَاسُ وَأَنَّهُ مِمَّا حُذِفَتْ فِيهِ الْهَمْزَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِي فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ أَنَّ النَّاسَ لَفْظٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَةِ وَهُوَ فِي التَّقْدِيرِ لَفْظَانِ أَحَدُهُمَا أُنَاسٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَنِسَ إمَّا بِمَعْنَى أَبْصَرَ وَإِمَّا ضِدُّ أَوْحَشَ وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ لِأَنَّا لَا نُبْصِرُهُمْ وَلَا نَأْنَسُ بِهِمْ وَالثَّانِي مَأْخُوذٌ مِنْ نَوَسَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ وَعَلَى هَذَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَلَكِنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَهُ فِي الْإِنْسِ أَغْلَبُ فَهُمَا لَفْظَانِ مُشْتَقَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنْهُمَا وَلَمَّا حَصَلَ الْحَذْفُ وَفِي أَحَدِ الْمُشْتَقَّيْنِ وَالْقَلْبُ فِي الْآخَرِ صَارَا عَلَى صُورَةِ لَفْظٍ وَاحِدٍ إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] وَشَبَهُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْإِنْسِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ أَلْبَتَّةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ النَّوَسِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ قَلِيلًا فَدُخُولُ الْجِنِّ فِي الْآيَةِ إمَّا مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا قَلِيلٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا بَانَ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ادَّعَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ دُخُولَ الْجِنِّ فِي لَفْظِ النَّاسِ قَوْله تَعَالَى ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] وَتُجْعَلُ

стр. 1122

مِنْ " بَيَانًا لِلنَّاسِ وَالْمُوَسْوِسِ فِي صُدُورِهِمْ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّهَا بَيَانٌ لِلْخَنَّاسِ. وَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» صَحِيحٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ أَتَاهُ دَاعِي الْجِنِّ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمَوْعِظَةَ وَلَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ قَرُبَ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ إنْ أَرَادَ بِإِجَابَتِهِمْ فِي الزَّادِ وَالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ فَصَحِيحٌ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ تَوَقُّفٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ فِي دَعْوَى مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا أَسْتَحْضِرُهَا، وَلَوْ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ إلَيْهِمْ. وَقَدْ فَكَّرْت فِي حَدِيثِ «أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا وَكَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ وَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ لِيَسْرِقَ مِنْهَا، وَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَدْفَعَنَّكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ» ، وَلَمْ يَتَّفِقْ رَفْعُهُ حَتَّى نَعْلَمَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بِإِمْسَاكِهِ وَرَفْعِهِ إلَيْهِ وَمُجَرَّدِ إمْسَاكِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ عَنْ السَّرِقَةِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ وَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ أَمْ لَا كَمَا يُدْفَعُ الصَّبِيُّ وَالْبَهِيمَةُ. فَلِهَذَا لَمْ أَسْتَدِلَّ بِهَا. وَلَوْ اتَّفَقَ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمُهُ عَلَيْهِ لَمْ أَتَوَقَّفْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ. وَلَيْسَ لِقَائِلٍ ذَلِكَ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ لَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ كَحُكْمِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْحَنَفِيِّ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ تِلْكَ أُمُورٌ مَظْنُونَةٌ فَالشَّافِعِيُّ يَحْكُمُ عَلَى الْحَنَفِيِّ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ وَإِنْ كَانَ الْحَنَفِيُّ مُكَلَّفًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ. وَأَمَّا هُنَا فَالْأَمْرُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِحُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مَقْطُوعٌ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ فَلَوْ رُفِعَ إلَى نَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْهُ إلَيْهِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ حُكْمُ ذَلِكَ الْفَرْعِ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ فِي شَرْعِهِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ فِي شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: هَذَا حُكْمُ مَا فَعَلَ فَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ إمَّا

стр. 1123

بِرِسَالَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ إلَيْهِ وَإِمَّا بِمُوَافَقَتِهِ لِشَرْعِ نَبِيِّهِ وَأَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالْحُكْمِ بِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَحْكُمْ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى لِنَسْخِ شَرِيعَتِهِ لِسَائِرِ الشَّرَائِعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُهُ وَأَنَّ حُكْمَهَا لَازِمٌ لَهُمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ كَمَا تَحَدَّى الْإِنْسَ بِهِ قَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ هَذَا الْقَائِلِ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] هَذَا الِاسْتِدْلَال عِنْدِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ تَحَدِّيَ الْإِنْسِ فَقَطْ وَالْمُبَالَغَةَ فِي تَعْجِيزِهِمْ بِعَجْزِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُمْ وَأَقْدَرُ وَأَذْكَى، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَهُمْ كُلَّ طَعَامٍ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ فَإِذَا أَحَلَّ لَهُمْ فَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضَ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ لَكِنَّ الَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الصَّحِيحِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» . وَصِيغَتُهُ " لَكُمْ " لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الْإِحْلَالِ فَقَدْ يَكُونُ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِ بَعْدَ ضِيقِ، الِاسْتِدْلَالِ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ مِنْ أَجْلِهِمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِنَا لَا بِهِمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا إلَّا مِنْ الْإِنْسِ لَا أَرْتَضِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْسُنُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا إلَّا مِنْ الْإِنْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ الْمُفَسَّرِ إنَّ الرُّسُلَ إلَى الْجِنِّ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمَنْ تَبِعَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ إلَّا مِنْ الْإِنْسِ وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَطُولُ وَلَيْسَ هَذَا مَحِلَّهُ. وَلَمْ يَقُلْ الضَّحَّاكُ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي الْمِلَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ خَاصَّةً وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ فَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ عَقِيلُ بْنُ عَطِيَّةَ الْقُضَاعِيُّ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْفَصْلِ وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ

стр. 1124

الْعُلَمَاءُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ كَوْنَهُ ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ، وَرُبَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي صُدُورِ تَوَالِيفِهِمْ. قُلْت: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةَ أَنَّهُ ﷺ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا فِي الشَّامِلِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا دَلِيلُكُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ قُلْنَا: مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّتِهِ وَأَقَرَّ بِوُجُوبِ صِدْقِ لَهْجَتِهِ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضِيَّةِ مُعْجِزَتِهِ فَثَبَتَ مَا تَرُومُهُ مِنْ بَعْثَتِهِ إلَى الْكَافَّةِ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ أَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ وَبَدِيهَةَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ تَعَلَّقَ دَعْوَتَهُ لِمَنْ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ وَلَا يُخَصِّصُهَا بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَهَذَا مِمَّا نُقِلَ تَوَاتُرًا مِنْهُ كَمَا نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَأَبْطَالُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ رَادًّا عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى نَقْلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ هُنَا. وَقَوْلُ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلِّ فِيمَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا قَدْ حَمَلْنَا كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَحْمَلٍ صَحِيحٍ هُوَ أَنَّهُ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ نَقُولَ: إنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِي لَيْلَةِ الْجِنِّ أَتَرَى يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَسُورَةِ الْجِنِّ مَا فِيهِمَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ خَاصَّةً لَا حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى يُشَبَّهَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي خَفِيَتْ عَنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَرِيحًا بَلْ هُوَ فِي غَيْرِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُطْلَقَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ هَاهُنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَحِلَّهَا وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. وَقَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَنْهَضُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ؟ جَوَابُهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ بَعْضَهُ يَنْهَضُ وَبَعْضَهُ لَا يَنْهَضُ وَقَدْ نَهَضَتْ الْأَدِلَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] يَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَبِتَقْدِيرِ قَوْلِهِ ﷺ فَهُوَ دَالٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَمُطْلَقُ الْإِيمَانِ أَعَمُّ مِنْ الْإِيمَانِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ

стр. 1125

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَعَمِّ ثُبُوتُ الْأَخَصِّ بَلْ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِهِ ﷺ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْنَا بِمُوسَى وَعِيسَى ﵉. أَقُولُ: تَكَلَّمَ السَّائِلُ فِي الضَّمِيرِ فِي ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي قَوْلِهِ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَوْضَحُ، فَإِنْ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الدَّاعِيَ هُوَ الْقُرْآنُ فَيُبْعِدُهُ أُمُورٌ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: أَجِيبُوهُ لِتَقَدُّمِهِ فِي قَوْلِهِمْ ﴿كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا وَمُضْمَرًا فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْإِجَابَةُ لَقِيلَ: أَجِيبُوهُ وَوَضْعُ الظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى. (الثَّانِي) أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ تَثْبُتْ تَسْمِيَتُهُ دَاعِيًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهُ دَاعِيًا فِي مَوَاضِعَ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] وَلِحَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، وَفِيهِ فَقَالُوا: إنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا، وَفِيهِ قَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ » ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِمْ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِمَعْنًى آخَرَ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ سُورَةُ الْجِنِّ وَقِيلَ: سُورَةُ الرَّحْمَنِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ إسْنَادَ الدُّعَاءِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَقِيقَةٌ وَإِلَى الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ دَاعِيَ اللَّهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَفَى. ثُمَّ نَقُولُ: الضَّمِيرُ فِي ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَائِدٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ وَعَوْدُهُ فِي سُورَةِ الْجِنِّ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِهِ دُونَ غَيْرِهِ، هَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ هُنَا. وَقَوْلُ السَّائِلِ وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ. أَقُولُ: وَكَذَلِكَ لَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فَالْقُرْآنُ

стр. 1126

وَالنَّبِيُّ ﷺ كُلٌّ مِنْهُمَا تَجِبُ إجَابَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَوُجُوبُ إجَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْتَضِي تَعَلُّقَ شَرْعِهِ بِهِمْ، وَوُجُوبُ إجَابَةِ الْقُرْآنِ تَقْتَضِي وُجُوبَ امْتِثَالِ مَا فِيهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمْ جَمِيعُ تَكَالِيفِهِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَقَصْرُ السَّائِلِ كَلَامَهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَهُمْ قَدْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ وَالْإِجَابَةِ فَلَمْ تَزَلْ الْإِجَابَةُ وَتَكَلَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَإِنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْإِجَابَةِ الْإِيمَانُ مَنَعْنَاهُ فَإِنَّهُمَا أَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ. وَقَوْلُهُ وَبِتَقْدِيرِ عَوْدِهِ إلَيْهِ ﷺ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: وَمُطْلَقُ الْإِيمَانِ بِهِ أَعَمُّ مِنْ الْإِيمَانِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ إلَى آخِرِهِ. جَوَابُهُ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِإِجَابَتِهِ وَبِالْإِيمَانِ بِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِجَابَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ وَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ دَاعِيًا إلَى اللَّهِ تَجِبُ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ وَذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ بِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْإِيمَانِ عَلَيْنَا بِمُوسَى وَعِيسَى ﵉ فَمَعْنَاهُ أَنَّا نُؤْمِنُ بِأَنَّهُمَا نَبِيَّانِ رَسُولَانِ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَرِيمَانِ وَمَحِلُّهُمَا الْمَحِلُّ الَّذِي أَحَلَّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْجِنِّ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ دَاعٍ لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إجَابَتُهُ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ قَوْمُهُمْ كَإِيمَانِنَا بِهِ ﷺ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ دَاعٍ يَجِبُ عَلَى الْمَدْعُوِّ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَدْعُوِّ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْجِنُّ مَدْعُوُّونَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إلَيْهِمْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ الْأَخَصُّ بِخِلَافِ مَا قَالَ السَّائِلُ (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَكَوْنُهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ رِسَالَتُهُ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ أَعَمُّ مِنْ الرِّسَالَةِ صَحِيحٌ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ. (فَصْلٌ) وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْفُرْقَانِ وَبِتَقْدِيرِ عَوْدِهِ إلَيْهِ فَالنَّذِيرُ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ وَأَيْضًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ. أَقُولُ: كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْفُرْقَانِ يَرُدُّهُ كَوْنُهُ أَبْعَدَ وَكَوْنُ النَّذِيرِ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ إنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فَالنَّذِيرُ وَالرَّسُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ النَّذِيرَ هُوَ الْمُخْبِرُ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَبَرُ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ غَيْرِهِ وَالرَّسُولُ هُوَ الْمُخْبِرُ عَنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِمُخَوِّفٍ أَمْ بِغَيْرِهِ وَسُمِّيَ الرَّسُولُ عَنْ اللَّهِ نَذِيرًا؛ لِأَنَّهُ يُخَوِّفُ النَّاسَ عَذَابَ اللَّهِ

стр. 1127

وَسُمِّيَ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُمْ نُذُرًا؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وَيُسَمَّوْنَ أَيْضًا رُسُلًا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا رُسُلًا عَنْ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] وَكَانُوا رُسُلَ عِيسَى ﵈ وَبِهَذَا قِيلَ: إنَّ الرُّسُلَ إلَى الْجِنِّ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ وَكَانُوا نُذُرًا مِنْ جِهَةِ رُسُلِ الْإِنْسِ فَسُمُّوا رُسُلًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِيهَا. إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَتَسْمِيَتُهُ ﷺ فِي هَذِهِ نَذِيرًا إنَّمَا كَانَ لِإِخْبَارِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] فَإِذَا سَلِمَ أَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْجِنِّ وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ السَّائِلِ هُنَا إنَّ النَّذِيرَ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ وَقَوْلُهُ وَأَيْضًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ يُشِيرُ إلَى خُرُوجِ الْمَلَائِكَةِ مِنْهُ، وَجَوَابُهُ إنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَلَوْ بَطَلَ الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومَاتِ الْمَخْصُوصَةِ لَبَطَلَ الِاسْتِدْلَال بِأَكْثَرِ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ مَخْصُوصَةٌ، وَأَيْضًا فَلَوْ قِيلَ لِمُدَّعِي خُرُوجِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ أَنْذَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ إمَّا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَإِمَّا غَيْرَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِنْذَارِ وَالرِّسَالَةِ إلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ أَنْ يَكُونَ بِالشَّرِيعَةِ كُلِّهَا. وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ فِي حَقِّهِمْ فِي مُطْلَقِ الْإِنْذَارِ لَا يَكَادُ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهِ. وَأَيْضًا مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمْ مُؤْمِنُو الْجِنِّ السَّمَاوِيَّةِ فَإِذَا رُكِّبَ هَذَا مَعَ الْقَوْلِ بِعُمُومِ الرِّسَالَةِ لِلْجِنِّ الَّذِي قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ لَزِمَ عُمُومُ الرِّسَالَةِ لَهُمْ لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْجِنِّ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعَالَمِينَ ثَلَاثَةٌ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ أَضْعَافُ الثَّقَلَيْنِ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا عَدَمَ تَسَرُّعِ السَّائِلِ إلَى الْقَطْعِ بِالتَّخْصِيصِ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَتَسْمِيَتُهُ الْجِنَّ نَاسًا إنْ كَانَ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ الِاشْتِرَاكَ وَإِلَّا فَمَجَازٌ وَهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ثُمَّ حَيْثُ أَطْلَقَ النَّاسَ فَالْمُرَادُ وَلَدُ آدَمَ ﵇؛ لِأَنَّهَا السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ أَقُولُ قَوْلُهُ إنْ كَانَ حَقِيقَةً يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكَ وَإِلَّا فَمَجَازٌ وَهُمَا عَلَى

стр. 1128

خِلَافِ الْأَصْلِ. يَرِدُ عَلَيْهِ التَّوَاطُؤُ وَهُوَ الْحَقُّ إذَا قُلْنَا: يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ نَاسٌ فَإِنَّ النَّاسَ جَسَدٌ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّوَسِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى عَامٍّ مُسْتَوْفًى فِي مُحَالِهِ وَهَذَا حَدُّ الْمُتَوَاطِئِ وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ وَلَا مَجَازٍ يَعُمُّ إطْلَاقَ الْمُتَوَاطِئِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ فِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ لِشُيُوخِنَا وَشُيُوخِ شُيُوخِنَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْخُصُوصُ غَيْرُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْخُصُوصِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ كَانَ مَجَازًا. وَلَا تَحْقِيقَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ أَوْ هُوَ عَيْنُ التَّحْقِيقِ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْخُصُوصِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْخُصُوصِ أَمَّا إذَا أَرَدْتُ الْعُمُومَ فَلَا تَسْتَعْمِلْهُ فَلَا وَجْهَ لِلْخُصُوصِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّفْصِيلِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا. وَتَفْصِيلُ السَّائِلِ التَّسْمِيَةَ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازِ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا بِمَجَازٍ وَإِنَّمَا الْمَوْصُوفُ بِهِمَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِهِ وَفِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ. وَتَحْرِيرُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: اسْمُ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلْجِنِّ مَعَ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْإِنْسِ لَزِمَ الِاشْتِرَاكَ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلْإِنْسِ فَقَطْ وَأُطْلِقَ عَلَى الْجِنِّ لَزِمَ الْمَجَازَ. وَإِذَا حَرَّرَ الْعِبَارَةَ هَكَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ إنْكَارَ اسْتِعْمَالِ هَذَا الِاسْمِ فِي الْجِنِّ بِالْأَصَالَةِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ لِنَقْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَلِكَ فَكَوْنُهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَا يَضُرُّ بَلْ يَتَرَجَّحُ إنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، أَوْ يَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ مُتَوَاطِئٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَاطِئَ خَيْرٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِالتَّوَاطُؤِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِنِّ وَلَكِنْ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ لَا يَخْلُو عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ إنْكَارُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ النَّاسِ فِي الْجِنِّ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِدَعْوَى الْقِلَّةِ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقِلَّةِ لَا يُنَافِي

стр. 1129

قَوْلَنَا: إنَّهُ مُتَوَاطِئٌ لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمُتَوَاطِئَ قَدْ يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ دُونَ بَعْضٍ. وَالثَّانِي: مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ لَفْظَ النَّاسِ صُورَتُهُ وَاحِدَةٌ وَهُوَ لَفْظَانِ فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أَصْلَانِ. فَالنَّاسُ الْمَوْضُوعُ لِلْإِنْسِ فَقَطْ مَادَّتُهُ مِنْ هَمْزَةٍ وَنُونٍ وَسِينٍ، وَالْأَلْفُ الَّتِي وَسَطُ زَائِدَةٌ فَوَزْنُهُ عَالٍ، وَهُوَ غَيْرُ النَّاسِ الْمُتَوَاطِئُ بَيْنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَإِنَّ مَادَّتَهُ مِنْ نُونٍ وَوَاوٍ وَسِينٍ وَلَا حَذْفَ فِيهِ بَلْ قُلِبَتْ وَاوُهُ أَلْفًا فَوَزْنُهُ فَعَلَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّغَايُرِ لَكَانَ مُشْتَرَكًا، وَثَمَّ أَلْفَاظٌ فِي اللُّغَةِ هَكَذَا صُورَتُهَا وَاحِدَةٌ وَإِذَا نُظِرَ إلَى تَصْرِيفِهَا وَاشْتِقَاقِهَا عُلِمَ تَغَايُرُهَا مِثْلُ " زَالَ " مَاضِي يَزَالُ وَ " زَالَ " مَاضِي يَزُولُ وَمِثْلُ " عَلَا " الَّتِي هِيَ فِعْلٌ، وَ " عَلَى " الَّتِي هِيَ حَرْفٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ فَلَفْظُ النَّاسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، هَذَا الَّذِي تَخْتَارُهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النُّحَاةِ يَنْقُلُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّهُ حَيْثُ أُطْلِقَ النَّاسُ فَالْمُرَادُ وَلَدُ آدَمَ هُوَ الظَّاهِرُ لَكِنَّا قَدَّمْنَا خِلَافًا فِي قَوْلِهِ ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] وَالْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُرَادُ فِيهِمَا وَلَدُ آدَمَ لِقَرِينَةٍ فِيهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ عَامَّةً» أَيْ رَحْمَةً. أَقُولُ: هَذَا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا عَنْ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ بِلَا دَلِيلٍ، وَمُخَالِفٌ لِمَقْصُودِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ فَتَفْسِيرُ الْإِرْسَالِ هُنَا بِالرَّحْمَةِ تَحْرِيفٌ وَهُوَ مِمَّا يَشْمَئِزُّ لَهُ الطَّبْعُ فَأُحَاشِي السَّائِلَ مِنْهُ وَلَا يُسْلَكُ مِثْلُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ إلَّا حَيْثُ تَكُونُ أَدِلَّةٌ قَوِيَّةٌ تُلْجِئُ إلَى ذَلِكَ وَهَا هُنَا بِالْعَكْسِ الْأَدِلَّةُ تُوَافِقُ الظَّاهِرَ فَأَيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَى هَذِهِ التَّعَسُّفَاتِ. (فَصْلٌ) قَالَ: وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وَلِكَوْنِ الْخَلْقِ فِيهِ مَنْ يَتَأَتَّى الْإِرْسَالُ إلَيْهِ. أَقُولُ: أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَةِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ وَالْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ الرَّحْمَةُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّحْمَةَ عَامَّةٌ فَلَوْ عَكَسَ السَّائِلُ وَجَعَلَ

стр. 1130

الْعُمُومَ فِي الْمُرْسَلِ إلَيْهِ كَذَلِكَ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ، أَمَّا تَفْسِيرُ الْإِرْسَالِ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّتُهُ فَغَيْرُ مَرْضِيٍّ. وَأَمَّا كَوْنُ الْخَلْقِ فِيهِ مَنْ يَتَأَتَّى الْإِرْسَالُ إلَيْهِ فَالْجِنُّ يَتَأَتَّى الْإِرْسَالُ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وَلِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ فَإِنْ قَالَ: لَا يَتَأَتَّى الْإِرْسَالُ مِنْ الْإِنْسِ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمْ فَنَقُولُ: إنَّهُ يَتَأَتَّى فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ سُخِّرَتْ لَهُ الْجِنُّ؛ وَغَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكِنْ إذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لَا بُدَّ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ طَرِيقًا إلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَحْصُلَ وُصُولُ ذَلِكَ الْكَلَامِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ وَقَدْ حَصَلَ هَذَا فِي اسْتِمَاعِ الْجِنِّ لِقِرَاءَتِهِ ﷺ وَفِي ذَهَابِهِ إلَيْهِمْ وَقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ؛ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يُحَقِّقَ عَجْزَهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَيُثْبِتَ مُدَّعَاهُ إذْ لَا يَمْتَنِعُ اخْتِصَاصُ الرِّسَالَةِ بِقَوْمٍ وَتَحَدِّيهِمْ بِمُعْجِزَةٍ لَا يَقْدِرُونَ هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا؛ وَإِذَا انْضَافَ إلَى عَجْزِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ عَجْزُ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى وَأَقْدَرُ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ. أَقُولُ: أَمَّا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَانَ ذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ بِسُؤَالِهِمْ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا تَحَدِّيهِمْ بِهِ فَذَلِكَ الْمُسْتَدِلُّ أَطْلَقَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنْ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ ذَكَرَهَا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨]- الْآيَةَ وَقُلْنَا: إنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى التَّحَدِّي بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، وَأَمَّا عُمُومُ الدَّعْوَةِ بِهِ أَوْ خُصُوصُهَا فَلَا تَعَرُّضَ فِي الْآيَةِ لِذَلِكَ وَلِذَلِكَ فَقَوْلُ السَّائِلِ أَمَّا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ لِقَصْدِ التَّحَدِّي. فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا كَانَ لِلتَّعْلِيمِ، وَالتَّحَدِّي فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُبَارَاةُ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالْجِنُّ مِنْ حَيْثُ سَمِعُوا الْقُرْآنَ بِنَخْلَةٍ إذْ صَرَفَهُمْ اللَّهُ إلَيْهِ عَلِمُوا أَنَّهُ مُعْجِزٌ فَلَمْ يُبَارُوا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالْجِنُّ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى أَسَالِيبِهِ وَتَضَمَّنَ مِنْ نَظْمِ تِلْكَ الْأَسَالِيبِ وَالْجَزَالَةِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى الَّذِي أَعْجَزَتْ الْخَلَائِقَ الَّذِينَ هُمْ فُصَحَاءُ ذَلِكَ اللِّسَانِ فَعَجْزُهُمْ

стр. 1131

عَنْ مُعَارَضَتِهِ أُعْجِبُ مِنْ عَجْزِ الْجِنِّ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْجِنُّ فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] تَعْظِيمًا لِإِعْجَازِهِ؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِلْأَفْرَادِ فَإِذَا فُرِضَ اجْتِمَاعُ جَمِيعِ الْإِنْسِ وَجَمِيعِ الْجِنِّ فَظَاهَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَعَجَزُوا عَنْ الْمُعَارَضَةِ كَانَ الْفَرِيقُ الْوَاحِدُ وَالطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ أَعْجَزَ، فَمَقْصُودُ الْآيَةِ إثْبَاتُ عَجْزِهِمْ بِدَلِيلِ الْأَوْلَى سَوَاءٌ حَصَلَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ أَمْ لَمْ يَحْصُلْ. وَالسَّائِلُ مَعْذُورٌ فِي رَدِّهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ عَلَى عُمُومِ الْبَعْثَةِ لِلْجِنِّ وَنَحْنُ لَمْ نَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ بَلْ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَا مُعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَلَا مَرَدَّ لَهُ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَأَمَّا مَا أُحِلَّ لَهُمْ فَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفٌ لَنَا وَمُتَعَلِّقٌ بِنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِهِمْ كَمَا نَهَى عَنْ الْبَصْقِ عَنْ الْيَمِينِ مِنْ أَجْلِ الْمَلَكِ وَكَمَا حَرَّمَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ. أَقُولُ: إنْ ثَبَتَ لَفْظُ الْإِحْلَالِ لَهُمْ لَمْ يَرِدْ هَذَا؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ لَهُمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ وَهُوَ إخْبَارٌ لَهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَالْبَعْثَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ لَفْظُ الْإِحْلَالِ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا اللَّفْظُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُهُ «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْإِحْلَالِ وَلِغَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَهُوَ مَحَلُّ التَّوَقُّفِ وَإِذَا جُعِلَ التَّوَقُّفُ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْبُصَاقِ لِأَجْلِ الْمَلَكِ وَتَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَنَظِيرُهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ مِنْ أَجْلِ الْجِنِّ وَذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالتَّحْلِيلِ لَهُمْ، فَلْيَفْهَمْ النَّاظِرُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّحْلِيلِ لَهُمْ وَالتَّحْرِيمِ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِهِمْ، وَالْأَوَّلُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ، وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِنَا لَا بِهِمْ، وَلَيْسَ لَنَا إذَا وَرَدَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ مَا أَمْكَنَ وَفَهْمُ مَعَانِيهَا وَتَوْفِيَتُهَا مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا نُهْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا نَتَجَاوَزُهُ فَنَزِيدُ أَحْكَامًا لَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا نَنْقُصُ مِنْهُ فَنَتْرُكُ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ فِي الْأَوَّلِ حَاكِمًا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَفِي الثَّانِي تَارِكًا لِلْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤]- الْآيَاتِ وَإِذَا تَوَعَّدَ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَعَلَى الْحُكْمِ بِمَا لَمْ

стр. 1132

يُنْزِلْ اللَّهُ أَوْلَى نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَى الْجِنِّ إلَّا مِنْ الْإِنْسِ فَمُجَرَّدُ دَعْوَى وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ مِنْهُمْ، وَاحْتِمَالُ غَيْرِ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ أَقُولُ: هَذِهِ مَسْأَلَةٍ خِلَافٌ ذَهَبَ الضَّحَّاكُ إلَى مَا قَالَهُ السَّائِلُ وَلَا أَعْرِفُ ذَلِكَ نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مُعَيَّنٍ إلَّا عَنْهُ لَكِنَّ فِي كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُ قَالَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ وَإِنَّمَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ صَرِيحًا عَنْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ثنا ابْنُ حُمَيْدٍ ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سُئِلَ الضَّحَّاكُ عَنْ الْجِنِّ هَلْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]- الْآيَةَ يَعْنِي بِذَلِكَ رُسُلًا مِنْ الْإِنْسِ وَرُسُلًا مِنْ الْجِنِّ؟ قَالُوا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ مِنْ الْجِنِّ رُسُلًا أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، قَالَ: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنْ رُسُلِ الْجِنِّ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ رُسُلُ الْإِنْسِ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنْ رُسُلِ الْإِنْسِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ رُسُلُ الْجِنِّ قَالُوا: وَفِي فَسَادِ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْخِطَابِ دُونَ غَيْرِهِ. هَذَا جُمْلَةُ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي مَذْهَبِ الضَّحَّاكِ، وَالْأَكْثَرُونَ خَالَفُوا الضَّحَّاكَ وَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ مِنْ الْجِنِّ قَطُّ رَسُولٌ وَلَمْ تَكُنْ رُسُلٌ إلَّا مِنْ الْإِنْسِ. نُقِلَ مَعْنَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَرِيرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْوَاحِدِيِّ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ لِلضَّحَّاكِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَأَوَّلُونَهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ رُسُلَ الْإِنْسِ رُسُلٌ مِنْ اللَّهِ إلَيْهِمْ وَرُسُلَ الْجِنِّ قَوْمٌ مِنْ الْجِنِّ لَيْسُوا رُسُلًا عَنْ اللَّهِ وَلَكِنْ بَثَّهُمْ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ فَسَمِعُوا كَلَامَ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ وَجَاءُوا إلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْجِنِّ فَأَخْبَرُوهُمْ كَمَا اتَّفَقَ لِلَّذِينَ صَرَفَهُمْ اللَّهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَوَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ فَهُمْ رُسُلٌ عَنْ الرُّسُلِ لَا رُسُلٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَيُسَمَّوْنَ نُذُرًا وَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ رُسُلًا لِتَسْمِيَةِ رُسُلِ عِيسَى رُسُلًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] وَجَاءَ

стр. 1133

قَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلَى ذَلِكَ فَالرُّسُلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ الْإِنْسِ وَهُمْ رُسُلُ اللَّهِ، وَالنُّذُرِ مِنْ الْجِنِّ وَهُمْ رُسُلُ الرُّسُلِ وَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ رُسُلًا هَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ طَائِفَةٌ وَالْكَلْبِيُّ: تَأْوِيلُ الْآيَةِ وَقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَرُبَّمَا نُقِلَ مَعْنَى هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ كَانَتْ الرُّسُلُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَبْعَثُونَ إلَى الْإِنْسِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِنْ الْإِنْسِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلَّا نُذُرٌ يُخْبِرُونَهُمْ عَنْ الرُّسُلِ وَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِمْ التَّكْلِيفُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْكَلْبِيُّ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلٌ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَحَدٌ وَالضَّحَّاكُ إنَّمَا خَالَفَهُ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ كَمَا تُشِيرُ إلَيْهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ مِثْلُ الضَّحَّاكِ عَنْ الْجِنِّ هَلْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْظُرْ هَذَا التَّقْيِيدَ فَمَنْ نَقَلَ عَنْ الضَّحَّاكِ مُطْلَقًا أَنَّ رُسُلَ الْجِنِّ مِنْهُمْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَيْهِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ النُّزُوعُ عَنْهُ وَعَدَمُ اعْتِقَادِهِ، وَأَنْ لَا يَنْسِبَ إلَى رَجُلٍ عَالِمٍ مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ فَيَكُونُ قَدْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً يُطَالِبُهُ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُ السَّائِلِ وَاحْتِمَالُ غَيْرِ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ. عِبَارَةٌ رَدِيئَةٌ فَإِنَّ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ هُوَ سُلُوكُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَالْقَوْلُ بِهِ لَا نَفْسُ الِاحْتِمَالِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْعِبَارَةُ يُجَابُ بِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاَلَّذِينَ عَدَلُوا عَنْ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ أَكَابِرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ دُونَهُ وَأَيْنَ يَقَعُ الضَّحَّاكُ مِنْهُمْ أَوْ مَنْ وَافَقَهُ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: ثُمَّ إنَّ الْجِنَّ سَابِقُونَ عَلَى الْإِنْسِ فِي الْخَلْقِ وَالْوُجُودِ فَحَالُ وُجُودِهِمْ السَّابِقِ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: يَلْزَمُ كَوْنَ الرُّسُلِ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسِ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ تَكْلِيفِهِمْ وَعَدَمُ تَعْذِيبِهِمْ وَذَلِكَ

стр. 1134

عَلَى خِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] أَقُولُ: عَطْفُ الْوُجُودِ عَلَى الْخَلْقِ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا أَنْ تَقُولَ: إنَّ الْخَلْقَ فِعْلٌ وَالْوُجُودَ انْفِعَالٌ، وَالثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ فِي الذِّهْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْخَارِجِ فَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَا يُعْتَمَدُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَوْلُهُ: إنَّهُمْ سَابِقُونَ عَلَى الْإِنْسِ إنْ اسْتَنَدَ فِي هَذَا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فَالنَّاسُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْجِنَّ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ اسْتَتَرَ عَنْ الْعُيُونِ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ وَيَنْقَسِمُ إلَى مُؤْمِنِينَ يُسَمَّوْنَ مَلَائِكَةً وَإِلَى كُفَّارٍ يُسَمَّوْنَ شَيَاطِينَ حَكَاهُ الْحَلِيمِيُّ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ جِنْسٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْجِنِّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ وَعَلَى هَذَا قُلْ: إنَّ إبْلِيسَ أَبُو الْجِنِّ كَآدَمَ أَبِي الْبَشَرِ فَعَلَى الْأَوَّلِ مُؤْمِنُو الْجِنِّ هُمْ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ مُكَلَّفُونَ وَتَكْلِيفُهُمْ إمَّا بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْهُ وَإِمَّا بِأَنْ يُرْسَلَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكُفَّارُ الْجِنِّ هُمْ الشَّيَاطِينُ وَلَعَلَّ أَوَّلَهُمْ إبْلِيسُ وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ: يَجُوزُ وُصُولُ رُسُلِ الْإِنْسِ إلَيْهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ الْجِنُّ مَوْجُودِينَ قَبْلَ آدَمَ ﵇، وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا كَيْفَ كَانَ تَكْلِيفُهُمْ هَلْ هُوَ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ وَاسْتِدْلَالِيٍّ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَفَرْضُ هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَى الْكَلَامِ فِيهِ وَتَوْقِيفُ التَّكْلِيفِ عَلَى الرَّسُولِ إنَّمَا هُوَ فِي هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي فِيهَا الرُّسُلُ وَإِلَّا فَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ رُسُلٌ كَجِبْرِيلَ مُكَلَّفُونَ. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ إنْكَارَ وُجُودِ الْجِنِّ وَهُوَ عَجَبٌ كَيْفَ يُنْكِرُ مَنْ يُصَدِّقُ بِالْقُرْآنِ وُجُودَ الْجِنِّ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِيَعْلَمَ السَّائِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي يَأْخُذُهَا مُسَلَّمَةٌ مِنْ نَفْسِهِ لَا يُسَلِّمُهَا إلَيْهِ غَيْرُهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥]- الْآيَةَ سِيَاقُ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْإِنْسِ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]- الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ ﴿رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وَلَا خِلَافَ أَنَّ إبْلِيسَ مُكَلَّفٌ مُعَذَّبٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ رَسُولٌ لَا إنْسِيٌّ وَلَا

стр. 1135

جِنِّيٌّ فَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ أَوْ أَنَّ الْعَقْلَ قَائِمٌ مَقَامَ الرَّسُولِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْأَحْكَامَ بِالْعَقْلِ أَوْ أَنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ أَنَّ التَّكْلِيفَ يَحْصُلُ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ خَلْقِ عِلْمٍ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّائِلَ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا إلَّا لِأَمْرِهِمْ بِالْعِبَادَةِ وَهُوَ قَوْلٌ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَفِيهَا بَحْثٌ كَبِيرٌ لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَهَلْ لَهُ مُسْتَنَدٌ وَهَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ وَهَلْ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَطْعُ أَوْ الظَّنُّ وَهَلْ تَثْبُتُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي الْأُصُولِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. أَقُولُ: أَمَّا مُسْتَنَدُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ عَقِيلِ بْنِ عَطِيَّةَ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ بَلْ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ إلَّا اسْتِطْرَادًا فِي الرَّدِّ عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ مَنْسُوبُونَ إلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عِيسَى يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَسُولٌ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الْمُفِيدِ لِلضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّعَى الرِّسَالَةَ مُطْلَقَةً وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِقَبِيلَةٍ وَلَا طَائِفَةٍ وَلَا إنْسٍ وَلَا جِنٍّ فَهِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ هُوَ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ، وَسُكَّانُ الْأَرْضِ هُمْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ فَهُمْ كُلُّهُمْ فِي دَعْوَتِهِ وَعُمُومِ رِسَالَتِهِ. وَقَوْلُ السَّائِلِ: قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ، قَدْ عُلِمَ جَوَابُهُ وَأَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَتَضَمَّنَ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِذَلِكَ وَهُوَ الْقُدْوَةُ لَكِنِّي أُنَبِّهُ هُنَا عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرْعِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَعْرِفُهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَالثَّانِي: قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْعَوَامّ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَنَا: إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ مَارَسَ الشَّرِيعَةَ وَعَلِمَ مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِذَلِكَ وَهَذَا قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ بِحَسَبِ الْمُمَارَسَةِ وَكَثْرَتِهَا أَوْ قِلَّتِهَا أَوْ عَدَمِهَا فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَهُ الْعَوَامُّ أَوْ الْخَوَاصُّ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي خَبَرِهِ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إنْكَارُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا وَتَخْصِيصُ رِسَالَتِهِ بِبَعْضِ الْإِنْسِ. فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَإِنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إلَيْهِ لِأَنَّ عُمُومَ رِسَالَتِهِ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الدِّينِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ

стр. 1136

لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِنْ مُمَارَسَتِهِ الشَّرْعَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَإِنْ كَانَتْ كَثْرَةُ الْمُمَارَسَةِ أَوْجَبَتْ لِلْعُلَمَاءِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ عُمُومُ رِسَالَتِهِ ﷺ إلَى الْجِنِّ فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُمَارَسَتِنَا لِأَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَخْبَارِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا الْعَامِّيُّ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ فَإِنْ قَيَّدَ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ إلَى الْإِنْسِ خَاصَّةً خَشِيت عَلَيْهِ الْكُفْرَ كَمَا قَدَّمْته فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْفَتْوَى، وَإِنْ أَطْلَقَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ لِعُمُومِ الدَّعْوَى لِلْجِنِّ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلَا أَرَى الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ عَلَى كَلَامِهِ فِي الدَّيْنِ بِالْجَهْلِ وَيُؤْمَرُ بِأَنْ يَتَعَلَّمَ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لِتَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَوْجَبَتْ الْإِنْكَارَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إنْكَارٌ وَلَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِتَعَلُّمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْضَ عَيْنٍ وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَاعْتِقَادُ الْحَقِّ أَوْ صَرْفُ نَفْسِهِ عَنْ اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَيَشْهَدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرِّسَالَةِ مُطْلَقَةً. وَقَوْلُ السَّائِلِ هُوَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَطْعُ أَوْ الظَّنُّ. حَوَابُّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُكَلَّفُ بِذَلِكَ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا وَالْعَالِمُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْقَطْعُ. وَقَوْلُهُ وَهَلْ تَثْبُتُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي الْأُصُولِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؟ جَوَابُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ قُلْنَا: إنَّهَا قَطْعِيَّةٌ فِي نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ فِيهَا غَيْرَ لَازِمٍ لِلْعَامِّيِّ فَتَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَيُكْتَفَى فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِالْأَحَادِ، وَأَمَّا الْعَالِمُ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ عِنْدَهُ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ بِالتَّوَاتُرِ كَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي كِتَابِهِ الشِّفَا لِذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ إطْنَابِهِ وَإِسْهَابِهِ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُعْجِزَاتِهِ. أَقُولُ: هَذَا لَا تَعَلُّقَ فِيهِ وَلَيْسَ كِتَابٌ حَوَى الْعِلْمَ كُلَّهُ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَخَصَائِصُهُ ﷺ وَمُعْجِزَاتُهُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ وَلَوْ أَسْهَبَ الْخَلْقُ فِيهَا وَأَطْنَبُوا لَكَانَ مَا فَاتَهُمْ مِنْهَا أَكْثَرَ، وَيَنْبَغِي تَجَنُّبُ لَفْظِ الْإِسْهَابِ وَالْإِطْنَابِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا الْإِكْثَارُ وَالْمُبَالَغَةُ وَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْبَشَرِ مُقَصِّرٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ مُسْهِبٌ أَوْ مُطْنِبٌ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَاكُمِهِمْ إلَيْهِ ﷺ إرْسَالُهُ إلَيْهِمْ مَا لَمْ يُنَصَّ

стр. 1137

عَلَى ذَلِكَ. أَقُولُ قَدْ سَبَقَ بَعْضُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ مَتَى تَحَاكَمُوا إلَيْهِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إمَّا بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِمْ وَهُوَ الْمُدَّعَى وَإِمَّا بِمُوَافَقَةِ رِسَالَةِ غَيْرِهِ إلَيْهِمْ كَمَا يَدَّعِيهِ السَّائِلُ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ مُوَافِقًا لِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فَثَبَتَتْ الرِّسَالَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍّ. وَرَوَى الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إنَّ الْجِنَّ تَدَارَأَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ فَتَحَاكَمُوا إلَيَّ فَقَضَيْت بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ مَعَ جَزْمِهِ بِذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ عَنْ اجْتِهَادٍ. أَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مُرَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ السَّائِلُ وَالْمُسْتَدِلُّ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: ثُمَّ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الْجِنِّ فَهَلْ هُمْ مُمْتَازُونَ عَنَّا بِشَرِيعَةٍ وَعِبَادَاتٍ أَوْ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَمَا الْحُكْمُ فِي إخْفَاءِ شَرِيعَتِهِمْ عَنْ الْأُمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أَحْوَالَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ ﵈ وَأَذْكَارَهُمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَهُمْ أَشْرَفُ وَأَرْفَعُ مِنْهُمْ. أَقُولُ الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمْتَازُوا بِشَرِيعَةٍ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالطَّهَارَةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْنَا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي حَقِّهِمْ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فِيهِمْ شَبَهٌ أَوْ لَا يَعْلَمُوا أَنَّهُ هَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِي ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْإِمَامُ لِلْجَمِيعِ وَأَحْكَامُهُ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ بَعْضَ الْفُرُوعِ لَا تَلْزَمُهُمْ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ بِالرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ مَاذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَشْكَالِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ يَمْتَازُونَ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ يُخْتَصُّونَ بِهَا عَنْ الْإِنْسِ فَمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وَعَدَمُ إعْلَامِنَا بِذَلِكَ لِعَدَمِ حَاجَتِنَا إلَيْهِ وَلَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ إخْفَاءٌ حَتَّى تَطْلُبَ لِحِكْمَةٍ فِيهِ وَبَيَانُ أَحْوَالِ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ أَشْرَفُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَلْزَمُ مِنْهُ بَيَانُ أَحْوَالِ الْجِنِّ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ تَتَبَيَّنْ كُلُّهَا وَإِنَّمَا بُيِّنَ بَعْضُهَا مِمَّا يَحْصُلُ بِبَيَانِهِ اعْتِبَارٌ وَفَائِدَةٌ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ

стр. 1138

إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً هَلْ التَّخْصِيصُ بِاعْتِبَارِ مَا بُعِثُوا بِهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُخْتَصَّةِ بِأُمَّةٍ دُونَ أُخْرَى لِاتِّفَاقِهِمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَمْ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ حَتَّى لَا يَكُونَ الرَّسُولُ إلَى طَائِفَةٍ خَاصَّةٍ مُبْدِيهِمَا سِوَاهُمْ وَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ الدُّخُولُ فِي دَعَوْتِهِ. أَقُولُ: الَّذِي ظَهَرَ لَنَا بِاعْتِبَارِ مَا وَصَلَ بَحْثِي إلَيْهِ وَمَا فَهِمْته مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ - إنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا صَارِفَ لَهُ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي عُلُوِّ شَأْنِهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَابِلَةَ بَيْنَ بَعْثِهِ وَبَعْثِهِمْ لَا بَيْنَ شَرِيعَتِهِ وَشَرِيعَتِهِمْ، وَالِاحْتِمَالُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ وَلِأَنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِي غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مَعَ كَوْنِ مُوسَى ﵇ شَرِيعَتُهُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَأَجَابُوا بِأَنَّ مُوسَى ﵇ أَيْضًا كَانَ رَسُولًا إلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِالْإِيمَانِ مَعَ اسْتِعْبَادِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٢٤] الْآيَتَيْنِ كَذَلِكَ ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]- الْآيَتَيْنِ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى دَعْوَةِ مُوسَى وَهَارُونَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ بِالْأُصُولِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧] لِأَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا بِالْأُصُولِ وَبِهَذَا الْفَرْعِ كُلُّ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى شَرِيعَةِ مُوسَى وَإِنْ كَانَ قَدْ كَانَ مُكَلَّفًا قَبْلَ ذَلِكَ أَيْضًا بِشَرِيعَةِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ فِيمَا مَضَى وَتَقَدَّمَ تَكْلِيفُهُ. وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُوسَى رَسُولٌ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَإِلَى الْقِبْطِ وَكَذَا هُوَ، وَتَتَعَلَّقُ شَرِيعَتُهُ أَيْضًا بِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي شَرِيعَتِهِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَنُزُولِ التَّوْرَاةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَنِي إسْرَائِيلَ وَمِنْ دَانَ بِدِينِهِمْ خَاصَّةً دُونَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَنْ مَاتَ مِنْ الْكُفَّارِ فِي أَوَّلِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ تَجَدَّدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَحْكَامٌ أُخْرَى نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ النَّاسَ قَالُوا فِي الطُّوفَانِ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا قَوْمُ نُوحٍ ﵇ فَلِذَلِكَ عُوقِبُوا. وَرُبَّمَا مَرَّ بِي مِنْ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ غَرَقِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالطُّوفَانِ وَغَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُكَلَّفِينَ بِالْإِيمَانِ بِدَعْوَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الرُّسُلِ لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الرُّسُلِ فِي

стр. 1139

الدَّعْوَةِ إلَى الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا التَّخْصِيصُ بِالْفَرْعِ وَهَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي الطُّوفَانِ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا قَوْمُ نُوحٍ وَبِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ دَخَلُوا فِي دَعْوَةِ مُوسَى بِالْإِيمَانِ. وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا أُصُولَهَا وَفُرُوعَهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْعَقْلِ فَيَكْتَفُونَ فِي إغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَيْهِ وَبِالْإِيمَانِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فُرِضَ سَوَاءٌ قُلْنَا بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ بِمَا مَرَّ بِي مِنْ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ بِمَا قُلْنَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ دَعْوَةَ كُلِّ نَبِيٍّ بِالْإِيمَانِ وَأُصُولِ الدِّينِ كَانَتْ عَامَّةً لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الدَّعْوَةِ إلَى الْإِيمَانِ أَنَّ دَعْوَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَامَّةٌ فِيهِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ دَعَا قَوْمَهُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣]- الْآيَةَ فَكُلُّ وَاحِدٍ دَاعٍ إلَى ذَلِكَ مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] وَقَالَ فِي التَّوْرَاةِ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] وَقَالَ عِيسَى ﵇ ﴿وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] وَلَمْ يُخَصِّصْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً» وَظَاهِرُهُ مَا قُلْنَاهُ فَالْعُدُولُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الْآيَاتِ فَلَمْ يُنْكِرْ مُوسَى ﵊ عَلَيْهِمْ فَلَا دَعَاهُمْ إلَى دِينِهِ. أَقُولُ: أَمَّا كَوْنُ مُوسَى ﵇ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَلَا يُقْدَرُ عَلَى إثْبَاتِهِ وَلَعَلَّهُ قَدْ أُنْكِرَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَا دَعَاهُمْ إلَى التَّوْحِيدِ فَكَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ نَبِيٍّ قَبْلَهُ فَمُوسَى ﵇ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ لَكِنَّهُ إذَا رَآهُمْ عَلَى جَهْلٍ وَخَطَأٍ لَا يَتْرُكُ إرْشَادَهُمْ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَأْيِيدُ ذَلِكَ الْمُدَّعَى بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ضَعِيفٌ وَذَلِكَ الْمُدَّعَى مُتَأَيَّدٌ ثَابِتٌ بِغَيْرِهَا كَمَا سَبَقَ. هَذَا مَا انْتَهَى نَظَرِي إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. وَقَدْ اسْتَوْفَيْت كَلَامَ السَّائِلِ فَلَمْ أَحْذِفْ مِنْهُ شَيْئًا وَهَذَا الْجَوَابُ يُصْلَحُ أَنْ يَكُونَ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا وَيُسَمَّى (الدَّلَالَةُ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ) فَرَغْت مِنْهُ عِنْدَ أَذَانِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ ٢٣٨ انْتَهَى.

стр. 1140

[مُسْلِم اسْتَأْجَرَ ذِمِّيًّا شَهْرًا فَهَلْ تُسْتَثْنَى السُّبُوتِ] السُّؤَالُ الثَّانِي) فِي رَجُلٍ مُسْلِمٍ اسْتَأْجَرَ ذِمِّيًّا شَهْرًا كَامِلًا عَلَى عَمَلٍ وَاقْتَضَى إطْلَاقُ الْعَقْدِ اسْتِثْنَاءَ السُّبُوتِ ثُمَّ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي السُّبُوتِ أَمْ لَا وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا مَعَ اسْتِحْقَاقِ صَرْفِهَا إلَى الْعَمَلِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ هَلْ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْفَسْخِ بِذَلِكَ أَمْ يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ الْأُجْرَةِ بِنَظِيرِهِ مِنْ الْمُسَمَّى أَمْ يُقَابِلُ بِأَيَّامِ السُّبُوتِ. (الْجَوَابُ) أَنَّ إطْلَاقَ عَقْدِ اسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ عَلَى عَمَلٍ مُقَدَّرٍ بِزَمَانٍ يَقْتَضِي اسْتِثْنَاءَ السُّبُوتِ. قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ عَنْهُ وَلَمْ يَنْقُلَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مُسْلِمًا بَلْ يُنْظَرَ فِيهِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ مُتَعَقِّبًا عَلَى الْغَزَالِيِّ فَقَالَ: يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِشَرْعِنَا فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: قَدْ رَأَيْت فِي جُزْءٍ جَمَعَ فِيهِ مَسَائِلَ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى أَنَّهَا تَكُونُ مُسْتَثْنَاةً فَسَكَتَ طَوِيلًا فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَيُسْتَثْنَى بِالْعُرْفِ كَمَا يُسْتَثْنَى اللَّيْلُ مِنْ الْمُدَّةِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا اقْتَضَى الْعُرْفُ ذَلِكَ وَلَفْظُ الْفَتَاوَى مَا أَحْكِيهِ لَك: مَسْأَلَةٌ إذَا أَجَّرَ الْيَهُودِيُّ نَفْسَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً مَا يَكُونُ حُكْمُ السُّبُوتِ الَّتِي تَتَخَلَّلُهَا إذَا لَمْ يَسْتَثْنِهَا فَإِذَا اسْتَثْنَاهَا فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ عَنْ الْعَقْدِ. جَوَابُهَا إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَيُنَزَّلُ اسْتِثْنَاءُ السَّبْتِ مَنْزِلَةَ اسْتِثْنَاءِ اللَّيْلِ فِي عَمَلٍ لَا يُتَوَلَّى إلَّا بِالنَّهَارِ. وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى الْإِجَارَةَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مُصَرِّحًا بِالْإِضَافَةِ إلَى أَوَّلِ الْغَدِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ أَجَّرَ أَرْضًا لِلْمُزَارَعَةِ فِي وَقْتٍ مِنْ الشِّتَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ الْمُبَادَرَةُ إلَى زِرَاعَتِهِ أَوْ أَجَّرَ دَارًا مَشْحُونَةً بِالْأَمْتِعَةِ لَا تُفْرَغُ إلَّا فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَهُوَ كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيمٌ وَفِيهِ فَوَائِدُ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا أَنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْهَا يُتَوَصَّلُ إلَى جَوَابِ السُّؤَالِ: أَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُرْفِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُؤَجِّرِ جَمِيعًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَأْجَرُ مُسْلِمًا أَمْ لَا، فَلَوْ كَانَ عُرْفُ الْيَهُودِ مُطَّرِدًا بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْمُسْلِمَ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ

стр. 1141

إطْلَاقُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ بِذَلِكَ الْعُرْفِ وَحِينَئِذٍ فَهَلْ نَقُولُ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ أَوْ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ يَصِحُّ وَيُلْزِمُ الْيَهُودِيَّ بِالْعَمَلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ مُفَرِّطٌ بِالْإِطْلَاقِ مَعَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ. وَقَوْلُهُ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْهَمَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ خُرُوجُ السَّبَبِ عَنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَرَى فِي الْإِجَارَةِ خِلَافٌ كَإِجَارَةِ الْعَقِبِ وَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِآخَرِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ بِالسَّبْتِ، وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ لِشَخْصَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ يَأْبَاهُ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهَا مِثْلُهُ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي اسْتِثْنَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي اسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ مُدَّةً لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مُتَخَلِّلَةٌ بَيْنَ أَزْمَانِ الْإِجَارَةِ تَكُونُ كَإِجَارَةِ الْعَقِبِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي اسْتِثْنَاءِ اللَّيْلِ أَوْ أَكْثَرِهِ مِنْ اسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ خُرُوجَهُ عَنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ بَلْ الَّذِي نَقُولُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا أَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الشَّخْصِ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمُدَّةِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَمَعَ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَوْفِيرُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَمَا أَنَّ السَّيِّدَ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَةَ عَبْدِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَوْفِيرُهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الرَّاحَةِ بِاللَّيْلِ وَنَحْوِهِ. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَمْلُوكِ لَا مِنْ الْمِلْكِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْعَقْدُ مُقْتَضٍ لِاسْتِحْقَاقِهَا وَلَكِنْ مَنَعَ مَانِعٌ فَاسْتَثْنَاهَا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ الْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ عِنْدَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَوْ الْمَنْفَعَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالتَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ حَذَرًا مِنْ التَّقَطُّعِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَاقْتَضَى مَا قُلْنَاهُ. وَسَبَبُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ تَارَةً يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي السِّلْمِ وَالْأَوْقَاتِ الَّتِي يَضُرُّ الْعَمَلُ فِيهَا بِالْأَجِيرِ كَأَوْقَاتِ النَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَتَارَةً مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ كَأَوْقَاتِ الرَّاحَةِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ لِلْخِدْمَةِ فِي الْأَزْمَانِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ وَإِنْ كَانَ لَوْ تَكَلَّفَ الْعَمَلَ لَمْ يَضُرَّهُ وَكَمَا يَنْصَرِفُ

стр. 1142

الصُّنَّاعُ مِنْ الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِقَلِيلٍ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُغْتَفَرُ عُرْفًا وَلَا يَسْقُطُ بِسَبَبِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ شَيْءٌ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ الْمُسْتَثْنَيَيْنِ بِالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ دَاخِلٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ صُرِّحَ بِخُرُوجِهَا فَإِنْ أَرَادَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي قُلْنَاهُ صَحَّ وَكَانَ تَصْرِيحًا بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ أَرَادَ خُرُوجَهَا مِنْ الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بَلْ أَشَارُوا إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْخِدْمَةِ نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ، وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَلَا تَرَى إلَى تَصْرِيحِ الْغَزَالِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْإِجَارَةَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مُصَرِّحًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْغَدِ لَمْ يَصِحَّ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ يُطْلِقَ وَاللَّيْلُ مُسْتَثْنًى خَارِجٌ عَنْ الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْغَزَالِيِّ شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَاهُ مُبَيِّنٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ اسْتِئْجَارِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ فِي وَقْتِ الشِّتَاءِ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُبَادَرَةُ إلَى زِرَاعَتِهَا أَوْ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ فَإِنَّ إجَارَتَهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَتِلْكَ الْمَنَافِعُ الْيَسِيرَةُ مُسْتَثْنَاةٌ وَلَا نَقُولُ: إنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ حَتَّى لَوْ اقْتَضَتْ تَفْرِيغَهَا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ أَوْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ مُبَادَرَةً عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ كَانَ مُسْتَوْفِيًا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْفٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِدَلِيلِ أَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ. فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَنَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا السُّبُوتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْيَهُودِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ فَإِنَّهَا لَمْ يَقْتَضِهَا شَرْعٌ وَلَا عُرْفٌ عَامٌّ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا إمَّا بِصَرِيحِ الِاسْتِثْنَاءِ إنْ جَوَّزْنَاهُ كَإِجَارَةِ الْعَقِبِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِمَّا بِأَنْ يُوقِعَ الْإِجَارَةَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ عَلَى مَا سِوَى السَّبْتِ وَتَبْتَدِئُ بَعْدَ السَّبْتِ إجَارَةٌ أُخْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الرَّاحَةِ لَا طَرِيقَ فِيهِمَا إلَّا إطْلَاقُ الْعَقْدِ وَاسْتِثْنَاؤُهُمَا حُكْمًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَيُنَزَّلُ اسْتِثْنَاءُ السَّبْتِ مَنْزِلَةَ اسْتِثْنَاءِ اللَّيْلِ فِي عَمَلٍ لَا يُتَوَلَّى إلَّا بِالنَّهَارِ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَاهُ فِي تَأْيِيدِ قَوْلِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى

стр. 1143

مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْإِجَارَةَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مُصَرِّحًا بِالْإِضَافَةِ إلَى أَوَّلِ الْغَدِ لَمْ يَصِحُّ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ إلَى آخِرِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَأْيِيدُ مَا قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ: إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ وَهُوَ الْأَوْلَى وَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَأَتَى عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ يَوْمُ سَبْتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْإِجَارَةِ وَمِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ لِمَنْفَعَتِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ لِأَمْرٍ عُرْفِيٍّ مَشْرُوطٍ بِبَقَاءِ الْيَهُودِيَّةِ فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يَبْقَ مَانِعٌ، وَالِاسْتِحْقَاقُ ثَابِتٌ لِعُمُومِ الْعَقْدِ فَيَسْتَوْفِيهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَيَزُولَ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَأْجِرِ لِاسْتِيفَائِهَا بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْعَقْدِ كَمَا لَمْ يُسْتَحَقَّ اسْتِيفَاؤُهَا فِي اسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ لِأَجْلِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ اسْتِحْقَاقُ صَرْفِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إلَى الْعَمَلِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَنَظِيرُهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِعَمَلٍ مُدَّةً فَحَاضَتْ فِي بَعْضِهَا فَأَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَيْسَتْ مُسْتَثْنَاةً وَفِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ مُسْتَثْنَاةً لِمَا قُلْنَاهُ، وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى حَالِ الْعَقْدِ بَلْ إلَى حَالِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَكَذَا اكْتِرَاءُ الْإِبِلِ لِلْحَجِّ وَسَيْرُهَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ وَالْمَنَازِلِ الْمُعْتَادَةِ فَلَوْ اتَّفَقَ بِغَيْرِ الْعَادَةِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَسَارَ النَّاسُ عَلَى خِلَافِ مَا كَانُوا يَسِيرُونَ فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْأَجِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا صَارَ عَادَةً لِلنَّاسِ وَلَا نَقُولُ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَلَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْأُولَى، وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا. وَقَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ بِذَلِكَ مِنْ الْفَسْخِ؟ جَوَابُهُ قَدْ ظَهَرَ مِمَّا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْفَسْخِ بِذَلِكَ وَلَا يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَا يُقَابَلُ بِأَيَّامِ السُّبُوتِ. وَمِنْ هَذَا الْفِقْهِ الَّذِي أَبْدَيْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجُولُ النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَوْ اسْتَعْمَلَ الْأَجِيرَ الْيَهُودِيَّ يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ قُلْنَا: يَجِبُ تَخْلِيَتُهُ أَوْ لَوْ أَلْزَمَ الْأَجِيرَ الْمُسْلِمَ بِالْعَمَلِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا ظَالِمًا بِذَلِكَ أَوْ فِي اللَّيْلِ هَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، كَذَا لَوْ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ ظَالِمًا

стр. 1144

فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ فِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لِنَوْعِهَا الْمَقْدِرَةِ بِالزَّمَانِ هَلْ تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْأَجِيرِ أَوْ لِلْمُسْتَأْجَرِ؟ هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي النَّظَرُ فِيهِ وَسَوَاءٌ ثَبَتَ أَمْ لَا لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَفْت بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى كَلَامٍ لِلْبَغَوِيِّ شَاهِدٍ لِمَا قُلْته نَاصٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ فِيمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَاسْتَعْمَلَهُ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الزَّمَانِ مُسْتَحَقَّةٌ وَتَرْكُهُ لِلرَّاحَةِ لِيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ لَيْلًا تَرَكَهُ لِلرَّاحَةِ نَهَارًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَدَخَلَهُ نَقْصٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ كَمَا أَنَّ زَمَانَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ تَرْكُهُ لِيُصَلِّيَ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زِيَادَةُ أُجْرَةٍ وَعَلَيْهِ تَرْكُهُ لِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ. فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْبَغَوِيِّ هُوَ نَصُّ مَا حَرَّرْته مِنْ الْبَحْثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى إصَابَةِ الْحَقِّ. [هَلْ تَدْخُلُ الذِّمِّيَّةُ فِي حَدِيثِ لَا تَحُدُّ الْمَرْأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ] (السُّؤَالُ الثَّالِثُ) فِي رَجُلٍ قَالَ: إنَّ الذِّمِّيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» قَالَ: وَالذِّمِّيَّةُ مُؤْمِنَةٌ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فَادَّعَى أَنَّ الْإِيمَانَ عَلَى قِسْمَيْنِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ فَأَهْلُ الذِّمَّةِ مُؤْمِنُونَ إيمَانًا مُقَيَّدًا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، فَسُئِلَ عَنْ قَائِلِهِ فَقَالَ: لَسْتُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِ النَّقْلِ لَا نِسْبَتِهِ إلَى مُعَيَّنٍ. وَقَالَ: إنَّ الْكُفَّارَ إذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ إذَا فَعَلُوهَا فِي الدُّنْيَا خَفَّفَ عَذَابَهَا فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] قَالَ: مَعْنَاهُ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا يَجِدُونَهُ فَهَلْ هَذَا الْقَائِلُ مُصِيبٌ فِي هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَهَلْ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ مُخْطِئًا فِيهِ وَأَصَرَّ عَلَى اعْتِقَادِهِ مُظْهِرًا مُعْلِنًا بِهِ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (الْجَوَابُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]- الْآيَةَ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالذِّمِّيَّةُ مِنْهُمْ فَهِيَ لَا تُؤْمِنُ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الْآخِرَةَ وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا فَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِمْ: إنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَكَذَلِكَ إيمَانُهُمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ فَالْقَائِلُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ غَيْرُ

стр. 1145

مُصِيبٍ. وَقَوْلُهُ: إيمَانًا مُقَيَّدًا، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَإِنَّ الْمَجَازَ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمَا احْتَاجَ إلَى تَقْيِيدٍ كَالْجَنَاحِ إذَا أُرِيدَ بِهِ يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِذَا أُرِيدَ الْمَجَازُ يُقَيَّدُ كَجَنَاحِ الذُّلِّ فَأَيُّ دَاعٍ لِهَذَا الْقَائِلِ إلَى الْإِطْلَاقِ الْمَجَازِيِّ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ فِي حُكْمِهِ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ ذَلِكَ وَأَمَّا فِي لَفْظِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تُدْخِلْ فِي عُمُومِ لَفْظَةِ غَيْرَهَا، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَكْلِيفِ الْكَافِرَةِ بِمَا تُكَلَّفُ الْمُؤْمِنَةُ، وَنِسْبَتُهُ إلَى الْعُلَمَاءِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَمُرَادُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ الْمَجَازِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ كُلُّ الْخَلْقِ مُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] . وَقَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَاجُ إلَى إحْضَارِهِ، نَقْلٌ لَا يَنْبَغِي مُشَاحَحَتُهُ فِيهِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُتَنَاظَرَيْنِ أَنْ يَحْتَمِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَهُمَا أَخَوَانِ مُتَعَاوِنَانِ عَلَى إظْهَارِ الْحَقِّ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْأَخِ أَنْ يُحَقِّرَ أَخَاهُ وَإِنْ جَفَاهُ احْتَمَلَهُ وَلَا يُؤَاخِذُهُ بَلْ يُعَظِّمُهُ وَيُوَقِّرُهُ وَيَتَأَدَّبُ مَعَهُ وَيَدْعُو لَهُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ سَبَبٌ فِي زِيَادَةِ عِلْمِهِ فَيَجْعَلُهُ وَسِيلَةً لَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ صَرَّحُوا بِأَنَّهُمْ إذَا تَرَكُوهَا يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ فَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ وَعَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ فِي حَالِ الْكُفْرِ إلَّا بِالْإِيمَانِ قَالُوا: لَا يُعَاقَبُونَ إلَّا عَلَى الْكُفْرِ فَقَطْ وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ دَرَكَاتٌ بَعْضُهُمْ أَقْوَى عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ فَأَصْحَابُ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ أَزْيَدُ عَذَابًا مِمَّنْ فَوْقَهُمْ؛ لِأَنَّ مَرَاتِبَ الْكُفْرِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الَّذِينَ فَوْقَهُمْ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ الْعَذَابِ سَوَاءٌ قُلْنَا: الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِالْفَرْعِ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ فَالْوَاجِبَاتُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتُوا بِهَا فِي الْكُفْرِ الَّذِي مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُمْ فَهُمْ مُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُطْلَقًا، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إذَا فَعَلُوهَا خُفِّفَ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ أَرَادَهُ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْقِرْبَةِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِيّ وَالْغُصُوبِ وَالْكَفَّارَاتِ

стр. 1146

إذَا غَلَبَ فِيهَا شَائِبَةُ الْغَرَامَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ فَإِذَا فَعَلُوا هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ لَمْ يُعَذَّبُوا فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَرْكِهَا إذْ لَا تَرْكَ مِنْهُمْ لَهَا، وَإِذَا اجْتَنَبُوا الْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلَى ارْتِكَابِهَا إذْ لَمْ يَرْتَكِبُوهَا وَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ لَمْ يُخَفَّفْ عَنْهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا يَجِدُونَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ الْمُرَادُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ وَلَا شَيْءَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ خَفِيفٌ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ بَلْ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَالْكُلُّ شَدِيدٌ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْقَائِلِ إذَا أَخْطَأَ أَوْ أَصَرَّ لَا يَنْبَغِي بَلْ الَّذِي يَجِبُ التَّعَاوُنُ عَلَى الْحَقِّ وَالرَّشَادُ وَالتَّنَاصُرُ وَأَنْ يَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ لُغَوِيَّة فِي يُهَرِيق الْمَاءَ] (مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَمَّا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ قَوْلِهِمْ يُهَرِيق الْمَاءَ وَالدَّمَ وَنَحْوَهُمَا هَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَوْ بِإِسْكَانِهَا وَعَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي سَائِرِ تَصَارِيفِهَا وَعَنْ أَصْلِهَا وَمَا صَارَتْ إلَيْهِ. (الْجَوَابُ) إنَّ قَوْلَهُمْ: يُهَرِيق فِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ الْهَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَهُوَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمُحَدِّثِينَ وَوَقَعَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَأَمَّا أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَمَا صَارَتْ إلَيْهِ وَكَيْفِيَّةُ النُّطْقِ بِهَا فِي تَصَارِيفِهَا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ " أَرَاقَ " وَيُقَالُ فِيهِ " هَرَاقَ " أَبْدَلُوا مِنْ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ هَاءً مَفْتُوحَةً وَيُقَالُ فِيهِ أَهْرَقَ عَلَى مَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ فَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ زِيَادَةُ الْهَاءِ وَحَذْفُ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَالْهَاءُ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ أَيْضًا سَاكِنَةٌ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقَالُ: أَهَرَاقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهِيَ خَمْسُ لُغَاتٍ أَرَاقَ وَهُوَ الْأَصْلُ وَهَرَاقَ وَهُوَ فَصِيحٌ كَثِيرٌ وَأَهْرَاقَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِأَلْفٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَأَهْرَقَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَأَهْرَاقَ بِزِيَادَةِ هَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَا تَسْكُنُ أَوَائِلُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَزِيدَةِ، وَأَمَّا هَرَقْت وَأَهْرَقْتُ فَأَبْدَلُوا مَكَانَ الْهَمْزَةِ الْهَاءَ كَمَا تُحْذَفُ اسْتِثْقَالًا لَهَا، فَلَمَّا جَاءَ حَرْفٌ أَخَفُّ مِنْ الْهَمْزَةِ لَمْ يُحْذَفْ فِي شَيْءٍ وَلَزِمَ لُزُومَ الْأَلْفِ فِي مُضَارِبٍ وَأُجْرِيَ مَجْرَى مَا يَنْبَغِي لِإِلْفِ أَفْعَلَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا:

стр. 1147

أَهْرَقْتُ فَأَنَّمَا جَعَلُوهَا عِوَضًا مِنْ حَذْفِهِمْ الْعَيْنَ وَإِسْكَانِهِمْ إيَّاهَا كَمَا جَعَلُوا ثَلَاثِينَ وَأَلِفَ ثَمَانٍ عِوَضًا وَجَعَلُوا الْهَاءَ الْعِوَضَ؛ لِأَنَّهَا تُزَادُ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُمْ اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ جَعَلُوا الْعِوَضَ السِّينَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فَلَمَّا كَانَتْ السِّينُ تُزَادُ فِي الْفِعْلِ زِيدَتْ فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ الَّتِي تُزَادُ فِي الْفِعْلِ، وَجَعَلُوا الْهَاءَ بِمَنْزِلَتِهَا لَا تَلْحَقُ الْفِعْلَ فِي قَوْلِهِمْ ارْمِهِ وَعِهْ وَنَحْوِهِمَا. انْتَهَى كَلَامُ سِيبَوَيْهِ ﵀. قَالَ: وَفِي بَابِ حُرُوفِ الْبَدَلِ وَقَدْ أُبْدِلَتْ يَعْنِي الْهَاءَ مِنْ الْهَمْزَةِ فِي هَرَقْت. وَاشْتَمَلَ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ عَلَى ثَلَاثِ لُغَاتٍ أَرَاقَ وَهَرَاقَ وَإِهْرَاقَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَوْ بِإِسْكَانِهَا لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: إنَّهَا نَظِيرُ اسْتَطَاعَ أَنَّهَا بِإِسْكَانِهَا، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهَا الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ مُقَيَّدَةً بِالْخَطِّ فِي كِتَابِهِ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ وَهِيَ أَهْرَقَ فَحَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ: أَهْرَقَ الْمَاءَ يُهْرِقُهُ إهْرَاقًا عَلَى أَفْعَلَ يُفْعِلُ قَالَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أَبْدَلُوا مِنْ الْهَمْزَةِ الْهَاءَ ثُمَّ أُلْزِمَتْ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ ثُمَّ أُدْخِلَتْ الْأَلْفُ بَعْدُ عَلَى الْهَاءِ أَوْ تُرِكَتْ الْهَاءُ عِوَضًا مِنْ حَذْفِهِمْ حَرَكَةَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ أَهْرَقَ أَرْيَقَ. انْتَهَى كَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ فِي بَابِ شَوَاذِّ التَّصْرِيفِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: قَالُوا: الْمَاءُ ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنْ الْهَمْزَةِ هَاءً فَقَالُوا: هَرَقْت، ثُمَّ قَالَ سِيبَوَيْهِ: ثُمَّ لَزِمَتْ الْهَاءَ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ ثُمَّ أُدْخِلَتْ الْأَلْفُ بَعْدُ عَلَى الْهَاءِ وَتُرِكَتْ الْهَاءُ عِوَضًا مِنْ حَذْفِهِمْ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا أُرِيقَتْ فَقَالُوا: أُهْرِقَتْ وَنَظِيرُهُ اسْطَعْتَ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَلَا فِيمَا حَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَلَا فِيمَا حَكَيْنَاهُ نَحْنُ عَنْ سِيبَوَيْهِ مَا يُصَرِّحُ بِمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ أَهْرَقَ يُهْرِقُ عَلَى أَفْعَلَ يُفْعِلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ وَقَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ أُهْرِقَتْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ هَرَاقَ الَّتِي هِيَ اللُّغَةُ الثَّانِيَةُ، وَلَعَلَّ عِنْدَ الْجَوْهَرِيِّ شَيْئًا زَائِدًا أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ لَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ وَالْهَاءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا أَصْلِيَّيْنِ أَمَّا الْهَمْزَةُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْهَاءُ؛ لِأَنَّ مَادَّةَ هَرَقَ مَفْقُودَةٌ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَخَرَجَ عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَادَّةِ أَرَاقَ بَلْ يَكُونُ أَصْلًا آخَرَ، ثُمَّ إنْ الْجَوْهَرِيَّ حَكَى كَلَامَ سِيبَوَيْهِ أَهْرَقَ يُهْرِقُ ثُمَّ حَكَى لُغَةَ أَهْرَاقَ وَنَظِيرُهَا اسْطَاعَ وَقَدْ عَرَفْت

стр. 1148

أَنَّ سِيبَوَيْهِ نَظَّرَهَا بِاسْطَاعَ وَلَعَلَّ لِسِيبَوَيْهِ كَلَامًا آخَرَ غَيْرَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ غَيْرُ مَا حَكَيْنَاهُ. وَأَمَّا اللُّغَةُ الْخَامِسَةُ وَهِيَ أَهَرَاقَ بِالْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَةِ الْغَرِيبِ: أَرَاقَ الْمَاءَ يُرِيقُهُ وَهَرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةٍ وَيُقَالُ فِيهِ: أَهْرَقْتُ الْمَاءَ أُهْرِقُهُ فَتَجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ ابْنِ الْأَثِيرِ إنْ كَانَ عَنْ ثَبْتٍ يَلْزَمُ مِنْهُ هَذِهِ اللُّغَةُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْهَا وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ وَأَمَّا السَّاكِنَةُ فَلَيْسَتْ بَدَلًا مِنْ الْهَمْزَةِ. وَيُشِيرُ إلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ مَاحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَنَّهُمْ أَبْدَلُوا مِنْ الْهَمْزَةِ الْهَاءَ ثُمَّ أُلْزِمَتْ ثُمَّ أُدْخِلَتْ الْأَلِفُ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَلِفَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ وَإِنْ كَانَ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ لَمْ يُورِدَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. فَهَذِهِ خَمْسُ لُغَاتٍ قَدْ تَحَرَّرَتْ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي وَجَمِيعُ تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ يَأْتِي فِيهِ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا فَنَقُولُ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ الْمَبْنِيُّ لِلْفَاعِلِ فَعَلَى لُغَةِ أَرَاقَ يُرِيقُ وَأَصْلُهُ يَأْرِيقُ ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ وَيَجُوزُ أَيْضًا فِي هَذَا أَنْ يَأْتِيَ مُضَارِعُهُ يُهَرِيق بِفَتْحِ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ لَمَّا ذَكَرَ إبْدَالَ الْهَاءِ مِنْ الْهَمْزَةِ ذَكَرَ فِي الْمَاضِي وَفِيمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِبْدَالُ مِنْ الْمُضَارِعِ وَإِنْ كَانَ مَاضِيهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَعَلَى لُغَةِ هَرَاقَ يُهَرِيق بِفَتْحِ الْهَاءِ لَيْسَ إلَّا، وَلَا يَجُوزُ إسْكَانُهَا وَلَا حَذْفُهَا، وَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ إسْكَانُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِثْلَ دَالِ دَحْرَجَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ حَذْفُهَا لِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَمَّا جَاءَ حَرْفٌ أَخَفُّ مِنْ الْهَمْزَةِ لَمْ يُحْذَفْ فِي شَيْءٍ وَلَزِمَ لُزُومَ الْأَلِفِ فِي ضَارِبٍ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ إذَا أُبْدِلَتْ هَاءً فِي ذَلِكَ لَمْ تُحْذَفْ شَيْخُنَا أَبُو حَيَّانَ فِي كِتَابِ ارْتِشَافِ الضَّرَبِ، وَعَلَى اللُّغَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ أَهْرَاقَ يُهْرِيقُ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ فِي الْمُضَارِعِ كَمَا هُوَ فِي الْمَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْهُ: مِهْرَاقٌ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَمِهَرَاقٌ أَيْضًا بِالتَّحْرِيكِ، قَالَ: وَهَذَا شَاذٌّ مِثْلُهُ. وَعَلَى اللُّغَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ أَهْرَقَ

стр. 1149

قَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّهُ يُهْرِيقُ وَهُوَ قِيَاسُهُ. وَعَلَى اللُّغَةِ الْخَامِسَةِ وَهِيَ أَهَرَاقَ بِالْهَمْزَةِ وَتَحْرِيكِ الْهَاءِ يَكُونُ الْمُضَارِعُ يُهَرِيق بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ كَمَا كَانَ عَلَى اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الْمَاضِي الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَقَالَ: أُرِيقَ وَهُرِيقَ وَأُهْرِقَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَأُهْرِيقَ بِإِسْكَانِهَا أَيْضًا وَعَلَى اللُّغَةِ الْخَامِسَةِ إذَا ثَبَتَتْ تُقَالُ: أُهْرِيقَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى الْكَلَامِ عَلَى اللُّغَةِ الَّتِي تَقْتَضِيهِ. وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يُرَاقُ وَيُهْرَاقُ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَيُهَرَاقُ بِفَتْحِهَا وَيُهْرَقُ. وَبَقِيَّةُ تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ وَاضِحَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى أُنْسٍ بِالصِّنَاعَةِ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ سَبَبَ السُّؤَالِ عَنْ هَذَا أَنَّ قَارِئًا قَرَأَ فِي السِّيرَةِ: وَكَانُوا يَهْرِيقُونَ الْمَاءَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَرَدَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَيْهِ فَتْحَ الْهَاءِ وَأَنْكَرَهُ، وَهَذَا عَجَبٌ فَإِنَّ فَتْحَ الْهَاءِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُحَدِّثِينَ هَكَذَا يَنْطِقُونَ بِهِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَصِنَاعَةُ النَّحْوِ تَقْتَضِيهِ، وَلَهُ تَخْرِيجَاتٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُضَارِعُ هَرَاقَ وَالْمُبْدَلَةُ هَاؤُهُ مِنْ الْهَمْزَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُضَارِعُ أَرَاقَ وَأَصْلُ الْمُضَارِعِ مِنْهُ يَأْرِيقُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُضَارِعٌ فَإِنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ قَالَ: إنَّ الْهَاءَ أُبْدِلَتْ مِنْ الْهَمْزَةِ فِي أَبَرَّتْ وَأَرِقَتْ وَأَرَدْت وَأَبَرَّتْ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا، وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَلْزَمُ حَذْفُ الْهَاءِ كَمَا تُحْذَفُ الْهَمْزَةُ لِنَصِّ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ مَتَى أُبْدِلَتْ هَاءً لَمْ تُحْذَفْ. وَالتَّخْرِيجُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعُ أَهْرَاقَ الْمَزِيدُ فِيهِ بَعْدَ هَمْزَتِهِ هَاءٌ مَفْتُوحَةٌ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ. وَأَمَّا يُهْرِيقُ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا تَخْرِيجٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ مُضَارِعُ أَهْرَاقَ الَّذِي زِيدَ فِيهِ هَاءٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَهُوَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ نَظِيرُهَا إسْطَاعَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَلَا يَجِيءُ فِي هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي فِي السِّيرَةِ غَيْرُهَا بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِبَاءٍ بَعْدَ الرَّاءِ فَلَا تَأْتِي فِيهِ اللُّغَةُ الْأُخْرَى الَّتِي حَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ وَهِيَ أَهْرَقَ يُهْرِقُ مِثْلُ أَكْرَمَ يُكْرِمُ فَإِنَّ تِلْكَ إنَّمَا تَجِيءُ إذَا كُتِبَتْ بِغَيْرِ يَاءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ لَعِب الشَّافِعِيّ الشِّطْرَنْجَ مَعَ الْحَنَفِيِّ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ إذَا لَعِبَ الشَّافِعِيُّ الشِّطْرَنْجَ مَعَ الْحَنَفِيِّ وَالْحَنَفِيُّ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فَهَلْ نَقُولُ: إنَّ الشَّافِعِيَّ الَّذِي يَعْتَقِدُ حِلَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ

стр. 1150

الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ لَا وَهَلْ هُوَ كَرَجُلَيْنِ تَبَايَعَا وَقْتَ النِّدَاءِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ يُحَرِّمُ الْبَيْعَ وَالْآخَرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ الْبَيْعُ مَعَ غَيْرِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ أَوْ لَا. وَاَلَّذِي أَقُولُهُ فِي مَسْأَلَةِ الشِّطْرَنْجِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَنَفِيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ النِّدَاءِ مُحَرَّمٌ عِنْدَهُمَا وَلِعْبُ الشِّطْرَنْجِ لَيْسَ مُحَرَّمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ عَلَى الْحَنَفِيِّ لَعِبُهُ مَعَ ظَنِّ التَّحْرِيمِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُزْأَيْنِ لَيْسَ بِحَرَامٍ أَمَّا الظَّنُّ فَهُوَ نَتِيجَةُ اجْتِهَادِهِ يُثَابُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَأَمَّا اللَّعِبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. فَإِنْ قُلْت بِظَنِّ الْحَنَفِيِّ صَارَ حَرَامًا عَلَيْهِ. قُلْت: الَّذِي صَارَ حَرَامًا عَلَيْهِ لَعِبُهُ مَعَ ظَنِّهِ لَا لَعِبِهِ مُطْلَقًا فَالْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ وَهِيَ النِّسْبَةُ الْحَاصِلَةُ بَيْنَ اللَّعِبِ الْمَظْنُونِ وَالظَّنِّ وَالشَّافِعِيُّ اللَّاعِبُ لَمْ يُعِنْ عَلَى أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ اللَّعِبُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْحَالِ يَرُدُّ عَلَى الْحَنَفِيِّ فِي ظَنِّهِ وَيَقُولُ لَهُ: لَا تَظُنَّ فَلَمْ يُعِنْ عَلَى مُحَرَّمٍ. وَهَذَا الْبَحْثُ يُشْبِهُ فِي أُصُولِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِمَا لَوْ وَقَعَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ لَزِمَ انْقِلَابُ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَمَا قِيلَ فِي جَوَابِهِ: إنَّهُ لَوْ وَقَعَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مَعَ بَقَاءِ الْعِلْمِ وَهَذَا مُنَاقِضٌ بَلْ مَنْ وَقَعَ خِلَافُهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا فَإِنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ مَعْلُومٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الْأَرْوَاحِ هَلْ تَفْنَى كَمَا تَفْنَى الْأَجْسَامُ] (مَسْأَلَةٌ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْوَاحِ هَلْ تَفْنَى كَمَا تَفْنَى الْأَجْسَامُ أَوْ لَا؟ (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا فِنَاءُ الْأَجْسَامِ فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِهِ ثُمَّ يُعِيدُهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا تَفْنَى بَلْ تَتَفَرَّقُ ثُمَّ يَجْمَعُهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامِ وَأَطْلَقَ الْمُتَكَلِّمُونَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ ثَالِثٍ. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إلَّا عَجَبُ الذَّنَبِ» وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ عَظْمٌ كَالْخَرْدَلَةِ فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ الْعَجُزِ وَهُوَ الْعَسِيبُ مِنْ الدَّوَابِّ مِنْهُ يُرَكَّبُ ابْنُ آدَمَ وَمِنْهُ خُلِقَ. قَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَثْبَتَ قَوْلًا ثَالِثًا، وَرَدَّ الْمُزَنِيّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] . وَتَأَوَّلَ الْمُزَنِيّ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْلَى بِالتُّرَابِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا عَجَبُ الذَّنَبِ أَبْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا تُرَابٍ، وَأَمَّا الْأَرْوَاحُ فَالسُّؤَالُ عَنْهَا

стр. 1151

إمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْحُكَمَاءِ وَإِمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَشَرِّعِينَ. أَمَّا الْحُكَمَاءُ فَلَهُمْ فِيهَا مَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ: أَشْهُرُهَا عِنْدَهُمْ مَذْهَبُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهَا يَجِبُ بَقَاؤُهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ، الثَّانِي مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَنَّهَا يَجِبُ فِنَاؤُهَا، وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَتْ مُفَارِقَتُهَا لِلْبَدَنِ قَبْلَ تَصَوُّرِ الْمَعْقُولَاتِ وَتَجْرِيدِ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكَمَّلَتْ بِمَا حَصَلَ لَهَا مِنْ التَّصَوُّرَاتِ الْكُلِّيَّةِ وَالتَّصْدِيقَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فِي حَالَةِ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ فَإِنَّهَا تَبْقَى وَإِنْ فَارَقَتْ الْبَدَنَ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَذَاهِبُ فَاسِدَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوَاعِدَ فَاسِدَةٍ، وَأَدِلَّتُهُمْ وَمَا يَرُدُّ عَلَيْهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَالْحَقُّ أَنَّ بَقَاءَهَا مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ سَوَاءٌ تَكَمَّلَتْ أَمْ لَمْ تَتَكَمَّلْ وَأَعْنِي بِالْإِمْكَانِ الْإِمْكَانَ الْعَقْلِيَّ. وَأَمَّا الْمُشَرِّعُونَ فَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ كَمَا قُلْنَاهُ وَقَدْ دَلَّتْ الشَّرَائِعُ عَلَى وُقُوعِهِ وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الشَّرَائِعِ خِلَافًا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ قَالَ فِي الْعَالِمِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتُ الْعَقْلِيَّةُ إذَا انْضَمَّتْ إلَى أَقْوَالِ جُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ أَفَادَتْ الْجَزْمَ بِبَقَاءِ النَّفْسِ. فَقَوْلُهُ: جُمْهُورُ الْأَنْبِيَاءِ يُوهِمُ عَدَمَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا الْإِيهَامُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ وَلَا أَظُنُّهُ أَرَادَهُ وَفِي أَوَّلِ كَلَامِهِ أَنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى بَقَائِهَا. فَهَذَا مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَاسْتَقَرَّ الشَّرَائِعُ وَالْكُتُبُ الْمَنْزِلَةُ وَآيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَكَاثِرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا وَيُقْطَعُ بِالْمُرَادِ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ النُّفُوسِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ وَلَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا عَالِمٌ وَلَا عَامِّيُّ بَلْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ وَادَّعَوْا إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِحَيَاةِ جَمِيعِ الْمَوْتَى. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٤]- الْآيَةَ إنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالْآيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْكُفَّارِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْبَعْثِ وَأَنَّ بِالْمَوْتِ يَفْنَى الْإِنْسَانُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ مِنْ إحْسَاسٍ وَنَحْوِهِ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّ حَيَاةَ الْمَوْتَى مُخْتَلِفَةٌ فَحَيَاةُ الشَّهِيدِ أَعْظَمُ وَحَيَاةُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ بِشَهِيدٍ دُونَهُ وَحَيَاةُ الْكَافِرِ لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ دُونَهُ، وَالْكُلُّ مُشْتَرِكُونَ فِي الْحَيَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَبْلَى، وَالْأَرْوَاحُ كُلُّهَا بَاقِيَةٌ. هَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ

стр. 1152

وَلَوْ تَتَبَّعَ الْإِنْسَانُ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﷺ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ لَبَلَغَتْ مَبْلَغًا عَظِيمًا وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي أُمُورٍ أُخْرَى جُزْئِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْهَا رُجُوعُ الرُّوحِ إلَى الْبَدَنِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ فِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو، وَهَذَا التَّضْعِيفُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِنَّ الْمِنْهَالَ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمِنْهَا الْأَرْوَاحُ عِنْدَ أَقْبِيَةِ الْقُبُورِ وَإِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي السَّمَاءِ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ، وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الْأَرْوَاحِ هَلْ هِيَ الْآنَ فِي الْجَنَّةِ كَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ. وَهَذِهِ مَسَائِلُ يَطُولُ النَّظَرُ فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَرْوَاحَ قَوْلُنَا بِبَقَائِهَا هَلْ يَحْصُلُ لَهَا عِنْدَ الْقِيَامَةِ فِنَاءٌ ثُمَّ تُعَادُ لِتُوَفَّى بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أَوْ لَا بَلْ يَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى؟ هَذَا لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا لَا تَفْنَى وَأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَثْنَى كَمَا قِيلَ فِي الْحُورِ الْعِينِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [فَصْلٌ الْقَاضِي إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ هَلْ لِنُوَّابِهِ أَنْ يَعْقِدُوا النِّكَاح] قَالَ ﵀ حَضَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ٧٣٤ بِخَانَقَاهُ سَعِيدَ السُّعَدَاءِ وَبِهَا جَمْعٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ مِنْهُمْ شَيْخُ الشُّيُوخِ عَلَاءُ الدِّينِ الْقُونَوِيُّ وَجَلَالُ الدِّينِ الْخَطِيبُ حِينَ أُتِيَ بِهِ لِيُولَى قَضَاءَ الشَّامِ فَوَقَعَ الْبَحْثُ فِي مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ وَانْجَرَّ الْكَلَامُ إلَى مَسْأَلَةِ إجْمَاعِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، فَنَقَلْت أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا بِخِلَافِ مَا هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَانْجَرَّ الْكَلَامُ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ هَلْ لِنُوَّابِهِ أَنْ يَعْقِدُوا عَقْدَ النِّكَاحِ فِي حَالِ إحْرَامِهِ، وَمَسْأَلَةُ امْتِنَاعِ انْعِقَادِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى إحْرَامِ الْوَلِيِّ، وَكُلٌّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْآمِدِيِّ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَقَلَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَرُبَّمَا

стр. 1153

اخْتَلَفَ نَقْلَاهُمَا عَنْهُمْ أَيْضًا فَنَقَلَ الْآمِدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ جَوَازَ ذَلِكَ وَنَقَلَ الْإِمَامُ مُخَالَفَةَ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَأَمَّا النَّقْلُ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ وَعَنْ نَصِّ مَذْهَبِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَحَدٌ مِنْهُمَا وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَهُ فَيَتَصَدَّقُ سَيِّدُنَا بِالنَّظَرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَكَتَبْت لَهُ الْجَوَابَ فِي يَوْمِهِ: أَمَّا مَسْأَلَةُ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ إجْمَاعًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ: إنَّ مَيْلَ الشَّافِعِيِّ إلَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى حُكْمِ الْخِلَافِ لَا يَرْتَفِعُ وَهَلْ نَقْلٌ صَرِيحٌ. فَهَذَا مَا كَانَ مِنْ ذِهْنِ الْمَمْلُوكِ مُحَرَّرًا وَهُوَ مُسْتَنَدِي فِي أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ لَكَفَى فِي اعْتِمَادِ ذَلِكَ. وَفِي ذِهْنِي غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِتَحْرِيرِهَا مِنْهَا قَوْلُهُ - أَعْنِي الشَّافِعِيَّ - فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ إجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَقُلْت لَهُ أَوْ لِبَعْضِهِمْ رَأَيْت قَوْلَك إجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى إجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُمْ أَتَرَى الِاسْتِدْلَالَ بِالتَّوَهُّمِ عَلَيْهِمْ أَوْلَى بِك أَمْ خَبَرُهُمْ. فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ خَاطَبَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَهُ إجْمَاعٌ قَبْلَهُ فَإِنْ نَصَّ ذَلِكَ فَهُوَ نَصٌّ فِي نَفْيِ اعْتِبَارِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ. وَأَطَالَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا يَعْلَمُ سَيِّدِي لَيْسَتْ نَاصَّةً فِي الْغَالِبِ فِي إفَادَةِ الْمَقْصُودِ، وَالنُّقُولُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْهُ كَافِيَةٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خَيْرَانَ وَالْقَفَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْإِمَامُ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَبُو إِسْحَاقَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ وَرَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ الْمُصَنَّفِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: إنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِنَا وَالْخِلَافِ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَاخْتِلَافُ عِبَارَةِ النَّاقِلِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ تَارَةً فِي

стр. 1154

إمْكَانِهِ وَتَارَةً فِي حُجِّيَّتِهِ وَالْخِلَافُ فِي الْقِسْمَيْنِ وَمَجْمُوعُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: قِيلَ: مُمْتَنِعٌ، وَقِيلَ: جَائِزٌ وَلَيْسَ حُجَّةً هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: حُجَّةٌ هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْد الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعَ قَوْلِهِمْ بِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِنْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ بَحْثًا نَقَلُوهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَنَوَى ثَلَاثَةً ثُمَّ جَامَعَهَا فِي الْعِدَّةِ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ قَالَ: لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَاهَا رَجْعِيَّةً وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ بَعْدَهُ عَلَى خِلَافِهِ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، هَكَذَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ إحْرَامِ الْوَلِيِّ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاكِمًا هَلْ لِنُوَّابِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي حَالِ إحْرَامِ مُسْتَنِيبِهِمْ أَوْ لَا؟ فَعِلْمُ سَيِّدِي مُحِيطٌ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْمُحْرِمِ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا: إنَّهُ مُمْتَنِعٌ بِإِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ عَقْدَ الْوَكِيلِ الْحَلَالِ. وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي نُوَّابِ الْحَاكِمِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّائِبِ عَنْ الْحَاكِمِ وَالْوَكِيلِ لَكِنْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي عَلَى مَا نَقَلَ الشَّاشِيُّ عَنْهُ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْحَاوِي صَرِيحًا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ مُحْرِمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَ وَهَلْ يَجُوزُ لِخُلَفَائِهِ مِنْ الْقُضَاةِ الْمُحِلِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ. فَاسْتَفَدْنَا مِنْ نَقْلِ الْمَاوَرْدِيِّ هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي نُوَّابِ الْإِمَامِ وَإِذَا ثَبَتَ الْخِلَافُ فِي نُوَّابِ الْإِمَامِ فَفِي نُوَّابِ الْقَاضِي أَوْلَى إنْ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِمْ بِالْمَنْعِ. وَكَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ نُوَّابَ الْحَاكِمِ لَا يَعْقِدُونَ فِي حَالِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُزَوِّجَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْحَاكِمَ كَالْإِمَامِ وَإِنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِمَامِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ وَالصَّحِيحُ فِي الْقَاضِي الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْإِمَامِ يُؤَدِّي إلَى امْتِنَاعِ حُكَّامِ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّزْوِيجِ فِي حَالِ إحْرَامِهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَمْتَنِعَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مَنْصُوبِينَ مِنْ قِبَلِهِ وَإِنَّمَا نَصَّبَهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ أَلَا تَرَاهُ لَوْ مَاتَ لَمْ تَنْعَزِلْ الْحُكَّامُ بِمَوْتِهِ. قُلْت: وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْمَحَامِلِيِّ رَدٌّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْإِمَامِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ وَيَعْقِدَ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَوْ الْمَقْطُوعَ بِهِ عِنْدَهُ فِي نُوَّابِ الْحَاكِمِ أَنَّهُمْ لَا يُزَوِّجُونَ فِي حَالِ إحْرَامِ مُسْتَنِيبِهِمْ.

стр. 1155

[مَسْأَلَةٌ نَحْوِيَّةٌ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ أَوْ لَا] (الْجَوَابُ) الْعَشْرُ مِنْ الشَّهْرِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْآخَرُ وَالْأَوَاخِرُ وَالْأَخِيرُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَشْرَ مِنْ الشَّهْرِ فِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ فَعَلَى التَّأْنِيثِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ يُقَالُ: الْأَوَاخِرُ وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي صَنَّفَهَا فِي ذَلِكَ، وَعَلَى التَّذْكِيرِ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ وَالْعَشْرُ الْأَوْسَطُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلْنَتَنَبَّهْ لِحِكْمَةٍ بَدِيعَةٍ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَهِيَ أَنَّ تَأْنِيثَ الْعَشْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَدَدُ اللَّيَالِي وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ الْهَاءُ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا وَغُلِّبَتْ اللَّيَالِي كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ فِي التَّارِيخِ وَلِلْأَيَّامِ وَحْدَهَا إذَا قُلْت: صُمْت عَشْرًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي ذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ الْعَدَدُ مُرَاعًى وَالتَّأْنِيثُ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا تَذْكِيرُهُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اسْمٌ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ الْجَامِعَةِ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ وَإِنْ جَاءَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تِسْعٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَفْظَ الْعَشْرِ نُقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ الْعَدَدِيِّ إلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحِينَئِذٍ لَا يُقَالُ فِي الْعَشْرِ لُغَتَانِ إلَّا بِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ فِي اللُّغَاتِ أَطْلَقَ اللُّغَتَيْنِ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» فَرَاعَى الْمَعْنَى الْعَدَدِيَّ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي اللَّيَالِي لَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَجَاءَ «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ» لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ شَامِلٌ لِلْمُدَّةِ فَلَا نَظَرَ إلَى الْعَدَدِ. فَانْظُرْ مَا أَصَحَّ أَلْفَاظَ النُّبُوَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَأَدَقَّ مَعَانِيَهَا. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا قُلْت: كَتَبْته فِي الْعَشْرِ وَكُنْت إنَّمَا كَتَبْته فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَنْ تَقُولَ: الْأَخِيرَ وَلَا تَقُولَ: الْأَوَاخِرِ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت: الْأَوَاخِرِ كَانَ مَعْدُودًا وَالْمَعْدُودُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِهِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تُرَاعَى الْمُدَّةُ وَيُذْكَرَ اللَّفْظُ فَتَقُولُ: الْأَخِيرِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ الْكِتَابَةَ مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ. وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ فِيهِ مُخَالِفَةٌ لِمَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الْعَشْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَدَدٌ سَوَاءٌ أُخِذَ مِنْ غَيْرِ الشَّهْرِ أَمْ مِنْ الشَّهْرِ عَلَى لُغَةِ التَّأْنِيثِ وَإِرَادَةِ الْعَدَدِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ، فَإِذَا ضُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ

стр. 1156

اجْتَمَعَ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: الْعَشْرُ الْأَوَّلُ وَالْأُوَلُ، وَلَا يُقَالُ: الْأَوَائِلُ وَيُقَالُ: الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ وَالْأَخِيرُ وَلَا يُقَالُ الْآخِرُ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لِمَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا الْعَشْرُ الْأَوْسَطُ إذَا رَغِبَ التَّذْكِيرَ وَالْمُدَّةَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «وَالْعَشْرُ الْوَسَطُ» بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا جَمْعُ وَسَطِيٍّ إذَا رَاعَيْت التَّأْنِيثَ وَالْعَدَدَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ﵀: إنَّ الْوَسَطَ أَقْوَى مِنْ الْأَوْسَطِ. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَوَاخِرِ وَفِي الْوَسَطِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَخِيرَةِ إنَّمَا تَصْدُقُ فِي وَاحِدَةٍ وَحَقِيقَةُ الْوُسْطَى لَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا وَلَكِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْأَخِيرَةَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْآخَرِ تَوَسُّعًا وَكَذَا الْوُسْطَى عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ، وَكَذَا إطْلَاقُ الْأَوَّلِ عَلَى كُلٍّ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إذَا رُوعِيَ التَّذْكِيرُ فَقِيلَ: الْعَشْرُ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَوْسَطُ أَوْ الْأَخِيرَةُ فَلَا مَجَازَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [فَائِدَةٌ فِي الطَّلَاق] (فَائِدَةٌ) تَقَدَّمَ مِنِّي إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا خَبَرِيَّةٌ وَشَرْطُ الْقَوْلِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَظْمُهَا هَكَذَا مِنْ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِ الْجَزَاءِ فَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ كَانَ مَعْنَاهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: طُلِّقْتِ إنْ لَمْ تَسْأَلِي أَيُّ بَعْلٍ حَلِيلُكِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عُرْفًا وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ عُلِمَ أَنَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مُسْتَقْبَلٌ فَإِذَا جَاءَ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ خَبَرٌ إذَا قَدَّمَ الْفِعْلَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِنْشَاءِ حُمِلَ عَلَيْهِ فَإِذَا أُتِيَ الشَّرْطُ بَعْدَهُ جَعَلْنَاهُ شَرْطًا فِي تَمَامِهِ وَوُقُوعِ أَثَرِهِ لَا فِي أَصْلِهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ الْمُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ؛ لِأَنَّ طَلُقَتْ صَارَ لَهُ جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا: مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَهُوَ إنْشَاؤُهُ لِلطَّلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ: مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا. فَالْجِهَةُ الْأُولَى لَا تَعْلِيقَ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ هِيَ مَحَلُّ التَّعْلِيقِ فَإِذَا تَقَدَّمَ الشَّرْطُ تَأَخَّرَ اللَّفْظُ بِجِهَتَيْهِ جَمِيعًا صُورَةً وَحُكْمًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ تَابِعَةٌ لِلْجِهَةِ الْأُولَى وَالْجِهَةَ الْأُولَى تَابِعَةٌ لِلشَّرْطِ فَلَا يَصِحُّ. وَإِذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ كَانَ مُقَيِّدًا لِمَا أَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ وَاَلَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ هِيَ الثَّانِيَةُ يَخْتَصُّ بِهَا وَتَكُونُ هِيَ وَحْدَهَا دَلِيلَ الْجَزَاءِ وَتَبْقَى

стр. 1157

الْأُولَى عَلَى إطْلَاقِهَا، وَاللَّفْظُ إذَا كَانَ لَهُ جِهَتَانِ فِي قُوَّةِ لَفْظَيْنِ فَعَامِلْ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ. وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ بَحْثٌ آخَرُ فِي قَوْلِهِ " إنْ شِئْت بِعْتُك " وَأَنَّهُ بَاطِلٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: بِعْتُك إنْ شِئْت؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الصِّحَّةِ فِيهِ أَنَّ الْمُعَلَّقَ تَمَامُ الْبَيْعِ لَا أَصْلُهُ فَاَلَّذِي مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَهُوَ إنْشَاءُ الْبَيْعِ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَتَمَامُهُ وَهُوَ الْقَبُولُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي وَبِهِ تَكْمُلُ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ. وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ شِئْت وَقَفْت هَذَا عَلَيْك لَا يَصِحُّ، وَإِنْ قَالَ: وَقَفْته عَلَيْك إنْ شِئْت فَإِنْ قُلْنَا: قَبُولُ الْوَقْفِ فِي الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِشَرْطٍ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ حِينَئِذٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ غَيْرَ الْإِنْشَاءِ وَهُوَ لَا يُعَلَّقُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ كَمَا يُقَالُ: أَبَحْت لَك هَذَا إنْ شِئْت وَالْمَعْنَى إنْ شِئْت فَخُذْهُ، وَفِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَنَحْوِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ أَوْ يَتَأَخَّرُ الْكُلُّ مُعَلَّقٌ تَعْلِيقًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ الطَّلَاقُ لَا التَّطْلِيقُ. وَكَذَلِكَ إنْ مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ مِتّ فَهَذَا وَقْفٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْمَنْقُولَةُ عَنْ الْإِسْنَادِ وَلَفْظُهَا وَقَفْت عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتَى وَالظَّرْفُ كَالشَّرْطِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَامِ الْوَقْفِ وَهُوَ صَحْبُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْوَقْفُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْشَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ حَاصِلٌ الْآنَ كَمَا أَنَّ إنْشَاءَ الْعِتْقِ فِي التَّدْبِيرِ حَاصِلٌ الْآنَ وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَنَّ إيقَاعَ مُصْرَفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِبَحْثٍ، وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي قَوْلِهِ إنْ حَصَلَتْ فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت هَلْ هُوَ بِالتَّعْلِيقِ السَّابِقِ وَالشَّرْطُ الدُّخُولُ أَوْ بِالدُّخُولِ وَيَكُونُ بِالتَّعَلُّقِ نَصُّهُ سَبَبًا؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَعَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالثَّانِي مَنْقُولٌ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَجْعَلُ عِنْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا حُكْمًا وَيُقَدِّرُ كَأَنَّهُ أَنْشَأَ التَّطْلِيقَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ عِنْدَ الدُّخُولِ لَا بِهِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ هُنَا نَازِعٌ إلَى كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ فَهُوَ فِي النَّذْرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْعِتْقِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَحِينَئِذٍ يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ الْحَيِّ فَلَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ التَّعَالِيقِ لَمَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ حَصَلَتْ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَإِذَا جَعَلْنَاهُ وَاقِعًا بِالتَّعْلِيقِ

стр. 1158

السَّابِقِ كَانَ أَوْلَى خُرُوجًا عَنْ الْقَاعِدَةِ. وَتَعْلِيقُ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ اُخْتُصَّ بِاسْمٍ خَاصٍّ وَهُوَ التَّدْبِيرُ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ: أَحَدُهَا: هَذَا، وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقْفُهَا وَهُوَ بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ: إنْ مِتّ وَقَفْت. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ جَعَلْته مَوْقُوفًا الْآنَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي، وَهُوَ بَاطِلٌ لِلتَّنَاقُضِ وَأَمَّا؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَلَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ وَكَانَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ يَقْتَضِيَانِ الْبُطْلَانَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِاقْتِضَائِهِ الصِّحَّةَ وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ، مَعَ كَوْنِ الْكَلَامِ مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ، وَإِذَا قَالَ: إذَا مِتّ فَهَذَا وَقْفٌ وَإِذَا انْقَضَى شَهْرٌ بَعْدَ مَوْتِي فَهَذَا وَقْفٌ فَلَا إشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ، وَإِذَا قَالَ: إنْ مِتّ وَقَفْت فَلَا إشْكَالَ فِي الْبُطْلَانِ إلَّا إذَا نَوَى وَقَفَ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ كِنَايَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الِاشْتِغَال بِالْمَنْطِقِ] (مَسْأَلَةٌ) فِي رَجُلٍ أَرَادَ الِاشْتِغَالَ بِالْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَهَلْ يَكُونُ اشْتِغَالُهُ بِالْمَنْطِقِ نَافِعًا لَهُ وَيُثَابُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَهَلْ يَكُونُ الْمُنْكِرُ عَلَيْهِ جَاهِلًا؟ (أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ الْحَمْدُ لِلَّهِ. يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى ذَلِكَ الِاشْتِغَالَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ حَتَّى يَتَرَوَّى مِنْهَا وَيَرْسُخَ فِي ذِهْنِهِ الِاعْتِقَادَاتُ الصَّحِيحَةُ وَتَعْظِيمُ الشَّرِيعَةِ وَعُلَمَائِهَا وَتَنْقِيصُ الْفَلْسَفَةِ وَعُلَمَائِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاعْتِقَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَإِذَا رَسَخَ قَدَمُهُ فِي ذَلِكَ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ صِحَّةَ الذِّهْنِ بِحَيْثُ لَا تَتَرَوَّجُ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ عَلَى الدَّلِيلِ وَوَجَدَ شَيْخًا دَيِّنًا نَاصِحًا حَسَنَ الْعَقِيدَةِ أَوْ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَرْكَنُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْعَقَائِدِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْمَنْطِقِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيُعِينُهُ عَلَى الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْعُلُومِ وَأَنْفَعِهَا فِي كُلِّ بِحَثٍّ وَلَيْسَ فِي الْمَنْطِقِ بِمُجَرَّدِهِ أَصْلًا. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ فَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ الْكُفْرَ وَلَا التَّحْرِيمَ وَلَا التَّحْلِيلَ فَإِنَّهُ عِلْمٌ عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَالْحِسَابِ غَيْرَ أَنَّ الْحِسَابَ لَا يَجُرُّ إلَى فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي فَرِيضَةٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ مَسَّاحَةٍ أَوْ مَالٍ وَلَا يَزْدَرِي صَاحِبُهُ غَيْرَهُ وَلَيْسَ مُقَدِّمَةً لِعِلْمٍ آخَرَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ. وَالْمَنْطِقُ وَإِنْ كَانَ سَالِمًا فِي نَفْسِهِ يَتَعَاظَمُ صَاحِبُهُ وَيَزْدَرِي غَيْرَهُ فِي عَيْنِهِ وَيَبْقَى يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ سُقَاطَةَ نَظَرِ مَنْ

стр. 1159

لَا يُحْسِنُهُ وَيَنْفَتِحُ لَهُ بِهِ النَّظَرُ فِي بَقِيَّةِ عُلُومِ الْحِكْمَةِ مِنْ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْإِلَهِيِّ الَّذِي أَكْثَرُ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ فِيهِ خَطَأٌ مُنَابِذٌ لِلْإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَةِ فَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ تَصُنْهُ سَابِقَةٌ صَحِيحَةٌ خُشِيَ عَلَيْهِ التَّزَنْدُقُ أَوْ التَّغَلْغُلُ بِاعْتِقَادٍ فَلْسَفِيٍّ مِنْ حَيْثُ يَشْعُرُ أَوْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. هَذَا فَصْلُ الْقَوْلِ فِيهِ وَهُوَ كَالسَّيْفِ يَأْخُذُهُ شَخْصٌ يُجَاهِدُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَآخَرُ يَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ انْتَهَى.