← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

إيمَانَ أَبِي بَكْرٍ ﵁. وَإِنْ كَانَ اللَّعْنُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا لَكِنَّ الْقَتْلَ أَعَمُّ مِنْ الْقِصَاصِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَنْهَضُ فِي الْحُجَّةِ كَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ فِيهِ، وَانْضَمَّ إلَى احْتِجَاجِي بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ مَجْمُوعُ الصُّورَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ هَذَا الرَّافِضِيِّ مِنْ إظْهَارِهِ ذَلِكَ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَمُجَاهَرَتِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ كَانَ حَيًّا لَآذَاهُ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِهَا وَغَمَصِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ فِي غَايَةِ الْبَشَاعَةِ وَقَدْ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ حُكْمٌ لَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَحْكَامٌ بِقَدْرِ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ الْفُجُورِ فَلَا نَقُولُ: إنَّ الْأَحْكَامَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّورَةِ الْحَادِثَةِ فَإِذَا حَدَثَتْ صُورَةٌ عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيهَا فَقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ لَهُ حُكْمًا وَمَجْمُوعُ هَذِهِ الصُّورَةِ يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَهَذَا مَا انْشَرَحَ صَدْرِي لَهُ بِقَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ. وَأَمَّا السَّبُّ وَحْدَهُ فَفِيهِ مَا قَدَّمْته وَمَا سَأَذْكُرُهُ وَإِيذَاءُ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرٌ عَظِيمٌ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي ضَابِطٌ فِيهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ فِعْلَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ قَالَ ﷺ «إنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» . وَأَيْضًا فَلَوْ سَبَّ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْرَابِ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ لِأَمْرٍ خَاصٍّ دُنْيَوِيٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ يَبْعُدُ دُخُولُهُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَبَّ لِأَيِّ صَحَابِيٍّ كَانَ آذَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابِيِّ يُوجِبُ الْقَتْلَ إلَّا مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ إطْلَاقِ الْكُفْرِ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالْقَتْلِ، وَمِمَّا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْقَتْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَإِلَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ غَلِطُوا عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ قَوْلِهِ: شَتْمُ عُثْمَانَ زَنْدَقَةٌ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ كُفْرَ الشَّاتِمِ بِشَتْمِهِ لِعُثْمَانَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: زَنْدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَهُ وَلَمْ يُبْطِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَقَدْ طَعَنَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ

стр. 1087

يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَيَخْلُو بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَيَسْتَشِيرُهُ فِيمَنْ يَكُونُ خَلِيفَةً حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى عُثْمَانَ فَحِينَئِذٍ تَابَعَهُ. فَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَنْ شَتَمَ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ شَتْمٌ لِعُثْمَانَ وَبَاطِنُهُ تَخْطِئَةٌ لِجَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتَخْطِئَتُهُمْ جَمِيعِهِمْ كُفْرٌ فَيَكُونُ زَنْدَقَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ شَتْمَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كُفْرٌ، هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحْمَدَ أَصْلًا وَلَا نَقْلًا، وَأَيْضًا نَقُولُ: إنَّ أَحْمَدَ بِهَذَا يُقْدِمُ عَلَى قَتْلِ سَابِّ عُثْمَانَ فَاَلَّذِي خَرَجَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ رِوَايَةً فِي سَابِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ أَنَّ الضَّابِطَ أَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَمَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ كَمِسْطَحٍ وَحَمْنَةَ. [فَصْلٌ سَبُّ النَّبِيِّ] أَمَّا سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] بَلْ لَوْ لَمْ تَسْتَهْزِئُوا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِيمَنْ حَفِظَ شَطْرَ بَيْتٍ مِمَّا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ كُفْرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَكِتَابَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَرْكِهِ مَتَى وُجِدَ دُونَ مَحْوِهِ. (فَصْلٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِمَنْ سُبَّ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ . (فَصْلٌ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ كَمَا قَرَأْته عَلَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّنْهَاجِيِّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْكَرَمِ بْنِ الْبِنَاءِ أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الْكَرُوخِيُّ أَنَا أَبُو عَامِرٍ مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْغُورَجِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْيَوِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ قَالَ: بَابٌ فِيمَنْ يَسُبُّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ : حَدَّثَنَا

стр. 1088

مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَا أَبُو دَاوُد أَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْت ذَكْوَانَ أَنَا صَالِحٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِالْإِسْنَادِ إلَى التِّرْمِذِيِّ أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَبِهِ إلَى التِّرْمِذِيِّ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثنا عُبَيْدَةُ بْنُ أَبِي رَائِطَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قُلْت: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ بْنُ أَبِي رَائِطَةَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَرُوَاةُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَيَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ " أَصْحَابِي " الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ. وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ تَأْوِيلٍ بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ وَلِيَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ غَيْرَ الْأَصْحَابِ الْمُوصَى بِهِمْ كِبَارَ الْأَصْحَابِ وَإِنْ شَمِلَ اسْمُ الصُّحْبَةِ لِلْجَمِيعِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي» يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَاسْمُ الصُّحْبَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَسْلِيمًا وَكِبَارُهُمْ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ فَأَمْرُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ، وَسَمِعْت شَيْخَنَا الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ عَطَاءٍ يَذْكُرُ فِي مَجْلِسِهِ فِي الْوَعْظِ تَأْوِيلًا آخَرَ يَقُولُ: إنَّ

стр. 1089

النَّبِيَّ ﷺ لَهُ تَجَلِّيَاتٌ يُرَى فِيهَا مِنْ بَعْدِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ ﷺ فِي تِلْكَ التَّجَلِّيَاتِ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُ فِي حَقِّ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ صُوفِيَّةٌ وَهُوَ كَانَ مُتَكَلِّمَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّاذِلِيَّةِ فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَهُ فَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَيَدْخُلُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي حُكْمِهِمْ فَإِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِهِمْ لِأَجْلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ وَاسْتِغْرَاقِ الْعُمُومِ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْبَحْثِ سَبُّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ سَبَّ الْجَمِيعِ لَا شَكَّ أَنَّهُ كُفْرٌ وَهَكَذَا إذَا سَبَّ وَاحِدًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَيْثُ هُوَ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ فَفِيهِ تَعَرُّضٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ السَّابِّ. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّحَاوِيَّ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ فَإِنَّ بُغْضَ الصَّحَابَةِ بِجُمْلَتِهِمْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كُفْرٌ، وَأَمَّا إذَا سَبَّ صَحَابِيًّا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا بَلْ لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ مَثَلًا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَنَحْنُ نَتَحَقَّقُ فَضِيلَتَهُ كَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَسُبُّونَ الشَّيْخَيْنِ وَإِنَّهُمَا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَإِنَّهُمَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ رَوَيْنَا فِي كِتَابِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ إلَيْهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ» فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كُفْرِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ وَجْهَيْنِ وَوَجْهُ التَّرَدُّدِ مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّ سَبَّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ قَدْ يَكُونُ لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ، وَقَدْ يُبْغِضُ الشَّخْصُ الشَّخْصَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَكْفِيرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ أَبْغَضَ وَاحِدًا مِنْهُمَا لِأَجْلِ صُحْبَتِهِ فَهُوَ كُفْرٌ بَلْ مَنْ دُونَهُمَا فِي الصُّحْبَةِ إذَا أَبْغَضَهُ لِصُحْبَتِهِ كَانَ كَافِرًا قَطْعًا. بَقِيَ لَنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بُغْضُ الرَّافِضِيِّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَيْسَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ مُشَارَكَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَإِلَّا كَانَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ

стр. 1090

الرَّفْضِ وَتَقْدِيمِهِ عَلِيًّا وَاعْتِقَادِهِ بِجَهْلِهِ أَنَّهُمَا ظَلَمَاهُ وَهُمَا مُبَرَّآنِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ يَعْتَقِدُ بِجَهْلِهِ أَنْ يَنْتَصِرَ لِعَلِيٍّ ﵁ لِقَرَابَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَمْ يَقْتَضِ كُلَّ فَرْدٍ وَالْمَعْنَى الْمُعَلَّلُ بِهِ لَمْ يَقْتَضِ كُلَّ فَرْدٍ. فَهَذَا وَجْهُ التَّرَدُّدِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى «مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا فَاجْلِدُوهُ» إنْ صَحَّ فَهُوَ نَصٌّ فِي الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَلْدُ لَا شَكَّ فِيهِ كَبِيرًا كَانَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ أَوْ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ سَبُّهُ لِعَيْنِهِ وَأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ لَا يَعُودُ عَلَى الدِّينِ بِنَقْصٍ، وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ فَإِنَّهُ يُبْغِضُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ بِجَهْلِهِ وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ عَنْ اعْتِقَادِهِ ظُلْمَهُمَا لِعَلِيٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا عَلِيٌّ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَاعْتِقَادُ الرَّافِضِيِّ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَى الدِّينِ بِنَقْصٍ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ هُمَا أَصْلٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا مَأْخَذُ التَّكْفِيرِ بِبُغْضِ الرَّافِضَةِ لَهُمَا وَسَبِّهِمْ لَهُمَا وَقَدْ رَأَيْت فِي الْفَتَاوَى الْبَدِيعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ قَسَّمَ الرَّافِضَةَ إلَى كُفَّارٍ وَغَيْرِهِمْ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ طَوَائِفِهِمْ وَفِيمَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يُكَفَّرُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْكَارُ الْإِمَامَةِ دُونَ السَّبِّ. وَرَأَيْت فِي الْمُحِيطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الرَّافِضَةِ ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَتِهِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى: وَالرَّافِضِيُّ الْغَالِي الَّذِي يُنْكِرُ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ يَعْنِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ. وَفِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ ﵀ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ صَاحِبِ هَوًى وَبِدْعَةٍ وَلَا تَجُوزُ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُهُ إنْ كَانَ هَوًى يُكَفَّرُ بِهِ لَا تَجُوزُ وَإِلَّا تَجُوزُ وَتُكْرَهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ لِابْنِ بَلَدْجِيٍّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: وَسَبُّ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُغْضُهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنْ يُضَلَّلُ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُكَفِّرْ شَاتِمَهُ حَتَّى لَمْ يَقْتُلْهُ. وَقَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْخِيَارِيُّ فِي عُمَرَ ﵁: مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ يَغْصِبُ الْحَقَّ أَهْلَهُ وَيَسْتَوْلِي عَلَى مَا كَانَ غَيْرُهُ أَحَقَّ بِهِ ظُلْمًا مِنْهُ وَعُتُوًّا وَيُزَوِّجُ ابْنَتَهُ قَهْرًا أَبَى أَوْ شَاءَ فَقَدْ أَصَرَّ بِالْقَتْلِ إذْ لَا دَاءَ أَعْظَمُ مِنْ الْعِنَادِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْبَدِيعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُبْتَدِعٌ، وَالصَّحِيحُ

стр. 1091

أَنَّهُ كَافِرٌ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ: وَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا فُسِّقَ، وَأَمَّا مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ الْحُسَيْنَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُكَفَّرُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى إمَامَتِهِمْ. وَالثَّانِي: يُفَسَّقُ وَلَا يُكَفَّرُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَا يُقْطَعُ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ وَهَلْ يُقْطَعُ بِدُخُولِهِمْ النَّارَ؟ وَجْهَانِ قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ فِي الْمُحَارَبِ، وَفَسَادُ الْمُحَارَبِ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ فِي أُمُورِ الدِّينِ مِنْ سُبُلِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَفَسَادُ أَهْلِ الْبِدَعِ مُعْظَمُهُ عَلَى الدِّينِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا بِمَا يُلْقُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدَاوَةِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَشْعَرِيِّ فِي التَّكْفِيرِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ قَالَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِ الْبَارِئِ تَعَالَى، قَالَ: وَسَمَتْهُ الرَّافِضَةُ بِالشِّرْكِ وَإِطْلَاقِهِ اللَّعْنَةَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يَقُولُ بِالتَّكْفِيرِ، وَقَدْ يُجِيبُ الْآخَرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الْكُفْرِ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ دُونَ إشْرَاكٍ. وَقَوْلُهُ فِي الْخَوَارِجِ: اُقْتُلُوهُمْ عَادَ يَقْتَضِي الْكُفْرَ، وَالْآخَرُ يَقُولُ: إنَّهُ حَدٌّ لَا كُفْرٌ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَغْيِهِمْ عَلَيْهِمْ وَذِكْرٌ عَامٌّ وَسَبَبُهُ الْقَتْلُ وَحُكْمُهُ لَا لِلْمَقْتُولِ قَالَ جَهْمٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ: الْكُفْرُ بِاَللَّهِ الْجَهْلُ بِهِ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ: كُلُّ مُتَأَوِّلٍ كَانَ تَأْوِيلُهُ تَشْبِيهًا لِلَّهِ بِخَلْقِهِ وَتَجْوِيرًا لَهُ فِي فِعْلِهِ وَتَكْذِيبًا بِخَبَرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا قَدِيمًا لَا يُقَالُ لَهُ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ إنْ كَانَ مِمَّا عَرَفَ الْأَصْلَ وَبَنَى عَلَيْهِ وَكَانَ فِيمَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَهُوَ فَاسِقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَصْلَ فَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ كَافِرٍ، وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوْ خَطَّأَ حَدِيثًا مُجْمَعًا عَلَى نَقْلِهِ مَقْطُوعًا بِهِ مُجْمَعًا عَلَى ظَاهِرِهِ كَتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ قَائِلٍ

стр. 1092

قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ وَتَكْفِيرِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ كَقَوْلِ الْكَامِلِيَّةِ مِنْ الرَّافِضَةِ بِتَكْفِيرِ جَمْعِ الْأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُمْ أَبْطَلُوا الشَّرِيعَةَ بِانْقِطَاعِ نَقْلِهَا، وَإِلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَشَارَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يُقْتَلُ مَنْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ مَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى إنْكَارِ قَاعِدَةٍ مِنْ الدِّينِ كَإِنْكَارِ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ مُؤْتَةَ أَوْ وُجُودِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَتْلِ عُثْمَانَ وَخِلَافَةِ عَلِيٍّ مِمَّا عُلِمَ بِالنَّقْلِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ فِي إنْكَارِهِ جَحْدُ شَرِيعَتِهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَكْفِيرِهِ بِجَحْدِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُبَاهَتَةِ كَإِنْكَارِ هِشَامٍ وَعَبَّادٍ وَقْعَةَ الْجَمَلِ وَمُحَارَبَةَ عَلِيٍّ مَنْ خَالَفَهُ فَإِنَّ ضَعْفَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تُهْمَةِ النَّاقِلِينَ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعَ فَتَكْفِيرُهُ لِسَرَيَانِهِ إلَى إبْطَالِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الْكُفْرُ بِاَللَّهِ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَلَا يُكَفَّرُ بِقَوْلٍ وَلَا رَأْيٍ إلَّا إذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ وَيَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ فَيُكَفَّرُ لَيْسَ لِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ لَكِنْ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ الْكُفْرِ فَالْكُفْرُ بِاَللَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ مِمَّا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَالْمَشْيِ إلَى الْكَنَائِسِ بِالزُّنَّارِ مَعَ أَهْلِهَا أَوْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَوْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ، وَمَنْ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ أَوْ الرِّسَالَةَ أَوْ النُّبُوَّةَ أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقَهُ أَوْ رَبَّهُ فَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِهِ وَإِذَا تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ عَظِيمِ النَّكَالِ وَلَا يُرِقُّهُ عَنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ لِيَكُونَ زَجْرًا لِمِثْلِهِ، وَالسَّكْرَانُ كَالصَّاحِي وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ فَمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ فِي غَمْرَتِهِ وَذَهَابِ تَمَيُّزِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا نَظَرَ فِيهِ وَمَا فَعَلَهُ فِي حَالِ مَيْزِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَقْلُهُ وَسَقَطَ تَكْلِيفُهُ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ حَتَّى يَنْكَفَّ عَنْهُ كَمَا تُؤَدَّبُ الْبَهِيمَةُ عَلَى سُوءِ الْخُلُقِ حَتَّى تُرَاضَّ. عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِيُعَظِّمَ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَلَّمَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ إلَّا فِيمَا يَتَّصِلُ بِطَاعَتِهِ وَيَقُولُ: جُزِيت خَيْرًا، وَقَلَّمَا يَقُولُ: جَزَاك اللَّهُ إعْظَامًا لِاسْمِ اللَّهِ أَنْ يُمْتَهَنَ فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ يَعِيبُ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ كَثْرَةَ خَوْضِهِمْ فِيهِ تَعَالَى وَفِي صِفَاتِهِ إجْلَالًا لِاسْمِهِ تَعَالَى وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ يَتَمَنْدَلُونَ بِاَللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ. وَيُنَزَّلُ الْكَلَامُ فِي هَذَا

стр. 1093

الْبَابِ تَنْزِيلَهُ فِي بَابِ سِبَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي مَا جُعِلَ سَبًّا هُنَاكَ فَهُوَ سَبٌّ هُنَا أَيْضًا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي سَبِّ الصَّحَابَةِ: قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الِاجْتِهَادُ وَالْأَدَبُ الْمُوجِعُ. قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ وَإِنْ سَبَّ أَصْحَابَهُ أُدِّبَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: مَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ أَوْ كُفْرٍ قُتِلَ وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا. قُلْت: قَوْلُهُ: وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَهُ أُدِّبَ قَدْ بَيَّنَّا ثُبُوتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ خَاصًّا بِهِ. وَقَوْلُهُ فِي الْقَتْلِ إذَا نَسَبَهُمْ إلَى ضَلَالٍ وَكُفْرٍ حَسَنٌ أَنَا أُوَافِقُهُ عَلَيْهِ إذَا نَسَبَهُمْ إلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِالْجَنَّةِ وَإِنْ نَسَبَهُمْ إلَى الظُّلْمِ دُونَ الْكُفْرِ كَمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَهَذَا مَحَلُّ التَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِالْكُفْرِ إذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ جِهَةِ نُصْرَتِهِمْ الدِّينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا زَعْمُ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ لَا تَنْقِيصَ فِيهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّوَافِضَ يُنْكِرُونَ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ وَيَفْتَرُونَ عَلَى مَنْ عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ بَرَاءَتَهُمْ مِمَّا افْتَرَوْا عَلَيْهِمْ بِهِ وَلَكِنَّ السِّرَّ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ تَضَمُّنُهُ لِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالرَّوَافِضُ هُنَا لَا يَقُولُونَ وَلَا هُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هُمْ: هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَنَحْنُ نُكَذِّبُهُمْ فِي ذَلِكَ وَنَعْلَمُ مُبَاهَتَتَهُمْ وَلَكِنَّ التَّكْفِيرَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَمْ نَتَحَقَّقْ إلَى الْآنَ مِنْ مَالِكٍ مَا يَقْتَضِي قَتْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ غَلَا مِنْ الشِّيعَةِ إلَى بُغْضِ عُثْمَانَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا وَمَنْ زَادَ إلَى بُغْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ أَشَدُّ وَيُكَرَّرُ ضَرْبُهُ، وَيُطَالُ سَجْنُهُ حَتَّى يَمُوتَ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ إلَّا فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ سَحْنُونٌ مَنْ كَذَّبَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيًّا أَوْ عُثْمَانَ أَوْ غَيْرَهُمَا يُوجَعُ ضَرْبًا. وَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَنْ قَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى

стр. 1094

ضَلَالٍ وَكُفْرٍ قُتِلَ، وَمَنْ شَتَمَ غَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمِثْلِ هَذَا نُكِّلَ النَّكَالَ الشَّدِيدَ. قُلْت: قَتْلُ مَنْ كَفَّرَ الْأَرْبَعَةَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ إلَّا الْغُلَاةَ مِنْ الرَّوَافِضِ فَلَوْ كَفَّرَ الثَّلَاثَةَ وَلَمْ يُكَفِّرْ عَلِيًّا لَمْ يُصَرِّحْ سَحْنُونٌ فِيهِ بِكَلَامٍ، فَكَلَامُ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمُ أَصْرَحُ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵁ مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ: أَمَّا الْقَتْلُ فَأَجْبُنُ عَنْهُ وَلَكِنْ أَضْرِبُهُ ضَرْبًا نَكَالًا. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْحَنْبَلِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي سَبِّ الصَّحَابَةِ إنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ كُفِّرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا فُسِّقَ وَلَمْ يُكَفَّرْ، قَالَ: وَقَدْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ بِقَتْلِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ وَكُفْرِ الرَّافِضَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ وَسُئِلَ عَنْ مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: كَافِرٌ، قِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ: لَا. وَمِمَّنْ كَفَّرَ الرَّافِضَةَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ هَانِئٍ وَقَالَا: لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ: لَيْسَ لِلرَّافِضِيِّ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إلَّا لِمُسْلِمٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: شَتْمُ عُثْمَانَ زَنْدَقَةٌ وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَنَّهُمْ فُسَّاقٌ وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَى مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى الصَّحَابِيُّ. (فَصْلٌ) أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ ﵀ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ سَمَاعًا قَالَ: أَخْبَرَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَدَّادُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ثنا أَبُو عَبْدَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ ح قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يُمْنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» وَبِالْإِسْنَادِ إلَى أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ الْحَسَنُ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ حَدَّثَهُمَا

стр. 1095

قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ : قَالَ: «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي.» وَبِهِ إلَى أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ثنا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵄ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيك؟ فَقَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمُحَارَبَةِ» هَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ وِلَايَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَكَذَا عُمَرُ وَكَذَا عُثْمَانُ وَكَذَا عَلِيٌّ وَسَائِرُ الْعَشَرَةِ فَمَنْ آذَى وَاحِدًا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمُحَارَبَةِ، فَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحَارَبِ لَمْ يَبْعُدْ وَلَا يَلْزَمُ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِيمَنْ تَحَقَّقَتْ وِلَايَتُهُ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ وَيَدْخُلُ الْمُؤْذِي لِهَؤُلَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]- الْآيَةَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ فِي الْآيَةِ مَعْهُودُونَ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارَبِينَ الَّذِينَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ حَتَّى اُسْتُحِقَّ بِهِ مُحَارَبَةُ اللَّهِ وَمُبَارَزَتُهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَرْبِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَطَعَ لِسَانَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إذْ شَتَمَ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: دَعُونِي أَقْطَعْ لِسَانَهُ حَتَّى لَا يُشْتَمُ بَعْدُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ قَالَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ ابْنُ زَانِيَةٍ وَأُمُّهُ مُسْلِمَةٌ حُدَّ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ حَدَّيْنِ حَدًّا لَهُ وَحَدًّا لِأُمِّهِ وَلَا أَجْعَلُهُ كَقَاذِفِ الْجَمَاعَةِ فِي كَلِمَةِ الْفَصْلِ هَذَا عَلَى غَيْرِهِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاجْلِدُوهُ» وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ أَحَدِهِمْ وَهِيَ كَافِرَةٌ حُدَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبٌّ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ مَنْ وُلِدَ مِنْ وَلَدِ هَذَا الصَّحَابِيِّ حَيًّا قَامَ بِمَا يَجِبُ لَهُ وَإِلَّا فَمَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ قَبُولُ قِيَامِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَحُقُوقِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ لِحُرْمَةِ هَؤُلَاءِ نَبِيَّهُمْ

стр. 1096

- ﷺ وَلَوْ سَمِعَهُ الْإِمَامُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ كَانَ وَلِيَّ الْقِيَامِ بِهِ. وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْتَلُ. وَالْآخَرُ: كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ يُجْلَدُ حَدَّ الْمُفْتَرِي. قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ. وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ سَبَّ آلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَيُشَهَّرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ . وَأَفْتَى أَبُو مُطَرِّفٍ فِيمَنْ أَنْكَرَ تَحْلِيفَ امْرَأَةٍ بِاللَّيْلِ وَقَالَ: لَوْ كَانَتْ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ مَا حَلَفَتْ إلَّا بِالنَّهَارِ بِالْأَدَبِ الشَّدِيدِ لِذِكْرِ هَذَا لِابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي مِثْلِ هَذَا. وَقَالَ ابْنُ عِمْرَانَ فِيمَنْ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَهُ إنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَيْرَ هَذَا فَيُضْرَبُ ضَرْبًا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الْمَوْتِ وَذَكَرُوهَا رِوَايَةً قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلْبُونٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إجَازَةً. أَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ حَيْوَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ كُنْت يَوْمًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ، وَحَكَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَتَيْت أَبَا بَكْرٍ وَقَدْ أَغْلَظَ لِرَجُلٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقُلْت: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: اجْلِسْ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا أَكْفَرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ بُطْلَانِ الْإِسْلَامِ إذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَوْجُهٌ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ وَهَذَا يُكَفَّرُ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى بَاءَ

стр. 1097

بِهَا أَيْ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَكَذَا حَارَ عَلَيْهِ أَيْ رَجَعَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ فَبَاءَ وَحَارَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) رَجَعَتْ إلَيْهِ نَقِيصَتُهُ لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَتُهُ كَبِيرَةٌ. (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا الْوَجْهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفَّرُونَ كَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ يَئُولُ إلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ كَمَا قَالُوا: يُرِيدُ الْكُفْرَ وَيُخَافُ عَلَى الْمُكْثِرِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ عَاقِبَةُ شُؤْمِهَا الْمَصِيرَ إلَى الْكُفْرِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ «فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا» . (وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) مَعْنَاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ فَلَيْسَ الرَّاجِعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ بَلْ التَّكْفِيرَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسَهُ إمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت: كَوْنُ الْخَوَارِجِ لَا يُكَفَّرُونَ لَسْت مُوَافِقًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَحَّ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ: مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَهُمْ الْخَوَارِجُ، وَهُمْ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَإِنْ ادَّعَى الْإِسْلَامَ وَلَا يُتْرَكُ مَا عِنْدَنَا إلَى اعْتِقَادِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ هَذَا نَصٌّ فِي الْقَتْلِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ سَبِّ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَجِئْ قَطُّ مَا يَقْتَضِي قَتْلَ قَائِلِهِ وَلَا كُفْرَهُ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى «مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا فَاجْلِدُوهُ» إنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ وَاجِبَهُ التَّعْزِيرُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي كُفْرًا وَلَا قَتْلًا. وَحَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ قَالَ: كُنْت عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَقُلْت: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 1098

تَأْذَنُ لِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَيْظَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إلَيَّ فَقَالَ: مَا الَّذِي قُلْت آنِفًا؟ قُلْت: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ قَالَ: أَكُنْت فَاعِلًا لَوْ أَمَرْتُك؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إغْضَابَ النَّبِيِّ ﷺ يُوجِبُ الْقَتْلَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ أَذَاهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَذَاهُ مَقْصُودًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْأَذَى خَفِيفًا أَمْ غَيْرَ خَفِيفٍ فَلَا شَيْءَ مِنْ قَصْدِ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ مُحْتَمَلٌ بَلْ كُلُّهُ كُفْرٌ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ «مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي» فَابْتَدَرَ لَهُ خَالِدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ كُفْرٌ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ» إنْ ثَبَتَ فَهُوَ عُمْدَةٌ فِي أَنَّ قَتْلَهُ حَدٌّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا نَعْلَمُهُ إلَّا بِإِسْنَادٍ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ وَجَعْلُ مَنَاطِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَلَا اسْتِتَابَةٍ، وَإِنْ تَابَ حَدًّا هَذَا إنَّمَا صَحَّ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ وَذَلِكَ الْوَقْتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِحَّ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وَالْأَخْذِ بِعُمُومِهِ صَعْبٌ. وَثَمَّ مَسَائِلُ وَأَلْفَاظٌ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا سَبٌّ وَقَدْ تَوَسَّعَتْ الْمَالِكِيَّةُ فِيهَا وَأَوْجَبُوا الْقَتْلَ بِهَا وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهَا التَّوْبَةَ وَنَحْنُ لَا نَشْتَهِي أَنْ نَخُوضَ فِي الْكَلَامِ فِيهَا فَإِنَّ الْجَانِبَيْنِ خَطَرَانِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: سُؤَالٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَلَا فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ يَتَفَاوَتُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُشْبِهُهُ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّ اللَّعْنَ قَطْعُ الرَّحْمَةِ وَالْمَوْتُ قَطْعُ التَّصَرُّفِ وَقِيلَ: لَعْنَتُهُ تَقْتَضِي قَصْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَطْعَ مَنَافِعِهِ الْأُخْرَوِيَّةِ عَنْهُ، وَقِيلَ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ، وَاقْتَضَى كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ اللَّعْنَةَ تَعْرِيضٌ بِالدُّعَاءِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِي سَاعَةِ إجَابَةٍ إلَى الْعَبْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ. وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أُلَخِّصَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَقُولَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَجُلٍ لَعَنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ قَالَ: إنَّهُ

стр. 1099

مُسْتَحِلٌّ لِذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ كَذَبَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْعِهِ مِيرَاثَ فَاطِمَةَ ﵂ فَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَتُبْ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ فَحَكَمَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَقُلُوبُ الْخَلَائِقِ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى قَتْلِهِ فَادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَالْجَوَابُ كَذَبَ مَنْ قَالَ: إنَّ قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بَلْ قَتْلُهُ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ كَافِرٌ لِأُمُورٍ: (أَحَدُهَا) قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ رَمَى رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» وَنَحْنُ نَتَحَقَّقُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَيَرْجِعُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ مَا قَالَهُ بِمُقْتَضَى نَصِّ الْحَدِيثِ فَيُحْكَمُ بِكُفْرِهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَمْ يَعْتَقِدْ الْكُفْرَ بِقَتْلِهِ كَمَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ أَوْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ فِي الْقَاذُورَاتِ بِالْكُفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ بِقَلْبِهِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لِهَذَا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَعْلَامَ الْأُمَّةِ فَهَذَا نَصُّ مَالِكٍ يُوَافِقُ اسْتِنْبَاطِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَكْفِيرَ هَذَا الْقَائِلِ، وَلَا يَضُرُّنَا كَوْنُ هَذَا خَبَرَ وَاحِدٍ لِأَنَّا نَعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْحُكْمِ بِالتَّكْفِيرِ وَإِنَّمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْكُفْرِ نَفْسِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى جَحْدِ أَمْرٍ قَطْعِيٍّ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ عَدَمُ تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ قُلْت: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْمَنْقُولِ مِنْ عَدَمِ التَّكْفِيرِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ سَبَبٌ مُكَفِّرٌ كَمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا مُجَرَّدُ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ وَنَحْوِهِ أَمَّا مَعَ التَّكْفِيرِ لِمَنْ تَحَقَّقَ إيمَانُهُ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَمِنْهُمْ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الْمُكَفِّرِينَ كَيْفَ لَا نُكَفِّرُ الشِّيعَةَ وَالْخَوَارِجَ مِنْ تَكْفِيرِهِمْ أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ وَتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَطْعِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ. وَأَجَابَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ الْكُفْرُ يَعْلَمُ بِتَزْكِيَةِ مَنْ كَفَّرَهُ قَطْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى مَمَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَهَذَا الْجَوَابُ يَمْنَعُ مَا قُلْتُمْ. قُلْت: هَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا نُظِرَ فِيهِ إلَى أَنَّ الْمُكَفِّرَ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا قُلْنَاهُ

стр. 1100

مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَاطِنِهِ تَكْذِيبٌ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْكُفْرِ عَلَى السَّاجِدِ لِلصَّنَمِ وَالْمُلْقِي لِلْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَاطِنِهِ تَكْذِيبٌ. فَإِنْ قُلْت: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ: إنَّهُ كَافِرٌ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ. قُلْت: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ مَقْطُوعًا بِإِيمَانِهِ كَالْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ فَنَعَمْ، وَكَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الشَّهَادَةُ لَهُمْ وَكَذَا كُلُّ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إلَّا صَاحِبَ الْحِمْلِ الْأَحْمَرِ وَكَذَا أَهْلُ بَدْرٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ مَقْطُوعًا بِإِيمَانِهِ بَلْ هُوَ مِنْ عَرَضِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا نَقُولُ فِيهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ إيمَانُهُ ثَابِتًا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ الْبَاطِنِ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَلَكِنْ مِمَّا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافَتِهِ وَإِمَامَتِهِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَبَعْدِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ فَهَذَا عِنْدِي أَيْضًا مُلْتَحِقٌ بِمَنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ فَيُكَفَّرُ مَنْ كَفَّرَهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّا نُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُ مَنْ نَحْنُ نَقْطَعُ بِإِيمَانِهِ إمَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا طَرِيقٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا مِنْ الْفُقَهَاءِ. قُلْت: الشَّرِيعَةُ كَالْبَحْرِ كُلُّ وَقْتٍ يُعْطِي جَوَاهِرَ، وَإِذَا صَحَّ دَلِيلٌ لَمْ يَضُرَّهُ خَفَاؤُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مُدَّةً طَوِيلَةً، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ﵀ مَا يَشْهَدُ لَهُ. فَإِنْ قُلْت: الْكُفْرُ هُوَ جَحْدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَهَذَا رَجُلٌ مُوَحِّدٌ مُؤْمِنٌ بِالرَّسُولِ ﷺ وَآلِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ صَحَابَتِهِ فَكَيْفَ يُكَفَّرُ؟ قُلْت: التَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ سَبَبُهُ جَحْدُ الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ الْوَحْدَانِيَّةِ أَوْ الرِّسَالَةِ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَحْدًا وَهَذَا مِنْهُ فَهَذَا دَلِيلٌ لَمْ يَرِدْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ مِنْهُ لِسَلَامَتِهِ عَنْ اعْتِرَاضٍ صَحِيحٍ قَادِحٍ فِيهِ، وَيَنْضَافُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ» رَوَيْنَاهُ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَمُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ بِظَاهِرِهِ بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

стр. 1101

عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْتِزَامُهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ إذَا لَمْ يَتْرُكْ الرِّبَا وَلَا أَقَرَّ بِهِ كُفِّرَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَلِيٌّ فَإِيذَاؤُهُ مُبَارَزَةٌ بِمُحَارَبَةِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ مُؤْمِنٌ وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كِفَايَةٌ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. (الدَّلِيلُ الثَّانِي) اسْتِحْلَالُهُ لِذَلِكَ بِمُقْتَضَى اعْتِرَافِهِ وَمَنْ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَعْنَتَهُ الصِّدِّيقَ وَسَبَّهُ مُحَرَّمٌ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَاللَّعْنُ أَشَدُّ السَّبِّ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ» فَسَبُّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِسْقٌ. فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا يَكُونُ اسْتِحْلَالُ الْحَرَامِ كُفْرًا إذَا كَانَ تَحْرِيمُهُ مَعْلُومًا بِالدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. قُلْت: وَتَحْرِيمُ سَبِّ الصِّدِّيقِ ﵁ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَلَى حُسْنِ إسْلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ الدَّالَّةِ عَلَى إيمَانِهِ وَأَنَّهُ دَامَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ الرَّافِضِيُّ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَتَحْرِيمُ لَعْنِهِ وَسَبِّهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكُونُ مُسْتَحِلُّهُ كَافِرًا، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنْ يُكَفَّرَ مُسْتَحِلُّ مَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ فَأَخَذَهُ أَنَّهُ إنَّمَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ بِالضَّرُورَةِ وَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ حَاصِلًا عِنْدَ الْجَاحِدِ فَجَحْدُهُ تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ فَلِذَلِكَ كُفِّرَ الْجَاحِدُ وَالرَّافِضِيُّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالتَّحْرِيمِ جَاهِلًا عِنْدَهُ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَكْذِيبُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُفْصَلُ مِنْ هَذَا إلَّا بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ تَوَاتُرَ ذَلِكَ عِنْدَ عُمُومِ الْخَلْقِ يَكْفِي فَلَا يُعْذَرُ الرَّافِضِيُّ بِالشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي غَطَّتْ عَلَى قَلْبِهِ حَتَّى لَمْ يَعْلَمْ، وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَجَدَلٍ وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ يَمِيلُ إلَى بُطْلَانِ هَذَا الْعُذْرِ. (الدَّلِيلُ الثَّالِثُ) أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ الْإِجْمَاعِيَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ مِنْ هَذَا الرَّافِضِيِّ وَمُجَاهَرَتَهُ وَلَعْنَهُ وَاسْتِحْلَالَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَإِصْرَارَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِينَ أَقَامُوا الدِّينَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا عُلِمَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَاقِبِ وَالْمَآثِرِ كَالطَّعْنِ فِي الدِّينِ، وَالطَّعْنُ فِي الدِّينِ كُفْرٌ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ ظَهَرَتْ لَنَا فِي قَتْلِهِ. (الْأَمْرُ الرَّابِعُ) النُّقُولُ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَافِرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ -

стр. 1102

وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِهِمْ فِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالْبَدِيعِيَّةِ وَفِي الْأَصْلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ إمَامِهِمْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالرَّوَافِضِ لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ وَالْكُوفَةُ مَنْبَعُ الرَّفْضِ وَالرَّوَافِضُ طَوَائِفُ مِنْهُمْ مَنْ يَجِبُ تَكْفِيرُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجِبُ تَكْفِيرُهُ فَإِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِتَكْفِيرِ مَنْ يُنْكِرُ إمَامَةَ الصِّدِّيقِ ﵁ فَتَكْفِيرُ لَاعِنِهِ أَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسْتَنِدَ مُنْكِرَ إمَامَةِ الصِّدِّيقِ مُخَالَفَتُهُ لِلْإِجْمَاعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَاحِدَ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَافِرٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَإِمَامَةُ الصِّدِّيقِ ﵁ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ بَايَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ تَأَخُّرُ بَيْعَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ الَّذِينَ تَأَخَّرَتْ بَيْعَتُهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ وَلِهَذَا كَانُوا يَأْخُذُونَ عَطَاءَهُ وَيَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ فَالْبَيْعَةُ شَيْءٌ وَالْإِجْمَاعُ شَيْءٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْآخَرُ وَلَا مِنْ عَدَمِ أَحَدِهِمَا عَدَمُ الْآخَرِ. فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُغْلَطُ فِيهِ، وَهَذَا قَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ جَاحِدَ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ إنَّمَا يُكَفَّرُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَأَمَّا الْمُجْمَعُ الَّذِي لَيْسَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهِ مِثْلُ كَوْنِ بِنْتِ الِابْنِ لَهَا السُّدُسُ مَعَ الْبِنْتِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَلَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ وَبَيْعَةَ الصَّحَابَةِ لَهُ ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ الْمُنْتَهِي إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ فَصَارَتْ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الرَّوَافِضِ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ ﵁ وَلَا فِي أَيَّامِ عُمَرَ وَلَا أَيَّامِ عُثْمَانَ وَإِنَّمَا حَدَثُوا بَعْدُ وَحَدَثَتْ مَقَالَتُهُمْ بَعْدَ حُدُوثِهِمْ. (الشَّيْءُ الثَّانِي) أَنَّ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ ﵁ وَإِنْ عُلِمَتْ بِالضَّرُورَةِ فَالْخِلَافَةُ مِنْ الْوَقَائِعِ الْحَادِثَةِ وَلَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَاَلَّذِي يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدِّينِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ جَحَدَهُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ وَهَذَا مَحَلٌّ يَجِبُ التَّمَهُّلُ فِيهِ وَالنَّظَرُ يَعُمُّ وُجُوبَ جَمِيعِ الطَّاعَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهُمْ فِي كُفْرِ سَابِّ الشَّيْخَيْنِ وَجْهَيْنِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ جَزَمَ فِي

стр. 1103

كِتَابِ الشَّهَادَاتِ بِفِسْقِ سَابِّ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ وَحَكَوْهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِعَدَمِ الْكُفْرِ. قُلْت: لَا وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الشَّهَادَاتِ فِي السَّبِّ الْمُجَرَّدِ دُونَ التَّكْفِيرِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْفِسْقِ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بِالْفِسْقِ بَيْنَ سَابِّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَأَعْلَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَالْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي الِافْتِدَاءِ فِي سَابِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ سَابِّ الْحُسَيْنِ وَهِيَ مَحَلُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكُفْرِ أَوْ الْفِسْقِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبُّ مُطْلَقِ الصَّحَابِيِّ مُوجِبًا لِلْفِسْقِ وَسَبُّ هَذَا الصَّحَابِيِّ مُخْتَلِفًا فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْفِسْقِ أَوْ الْكُفْرِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ تَكْفِيرُ أَبِي بَكْرٍ وَنُظِرَ أَنَّهُ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا أَصْحَابُنَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَلَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهِيَ مَسْأَلَتُنَا وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْكُفْرِ قَطْعًا عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَالْمَالِكِيَّةُ قَدْ حَكَيْنَا كَلَامَ مَالِكٍ ﵁، وَالْحَنَابِلَةُ فَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁ فَقَدْ طَعَنَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَلَقَدْ صَدَقَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا جَعَلَ الْخِلَافَةَ شُورَى فِي السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ وَهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسْقَطَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ حُقُوقَهُمْ وَبَقِيَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيُبَايِعَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ إمَّا عُثْمَانُ وَإِمَّا عَلِيًّا، وَنَصَبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَرْهَا لِنَفْسِهِ وَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لَا يَنَامُ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَسْتَشِيرُهُمْ فِيمَنْ يَتَقَدَّمُ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ وَيَجْتَمِعُ بِهِمْ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى رِجَالًا وَنِسَاءً وَيَأْخُذُ مَا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ اجْتَمَعَتْ آرَاؤُهُمْ كُلِّهِمْ عَلَى عُثْمَانَ ﵃ فَبَايَعَهُ وَكَانَتْ بَيْعَةُ عُثْمَانَ عَنْ إجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ طَعَنَ فِيهَا فَقَدْ طَعَنَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: شَتْمُ عُثْمَانَ زَنْدَقَةٌ. وَقَدْ تَأَمَّلْت هَذَا الْكَلَامَ فَوَجَدْته مِثْلَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ هِيَ إخْفَاءُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ مَا لَيْسَ كُفْرًا وَالطَّعْنُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كُفْرٌ وَشَتْمُ عُثْمَانَ وَحْدَهُ

стр. 1104

بِظَاهِرِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ. فَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِكَلَامِ أَحْمَدَ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلًا لَهُ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ كُفْرٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَخْرِيجٍ صَحِيحٍ وَلَا فَهْمٍ لِكَلَامٍ آخَرَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ فِي سَبِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَجْبُنُ عَنْ قَتْلِهِ وَلَكِنْ يُنَكَّلُ نَكَالًا شَدِيدًا، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَعُثْمَانَ أَوْلَى، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي عَنْهُ فِي عُثْمَانَ لَا تُعَارِضُ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَلِذَلِكَ قَالَ: زَنْدَقَةٌ وَمَا قَالَ: كُفْرٌ، وَاَلَّذِي يُخَرِّجُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ أَنْ يَتَأَنَّى فِي فَهْمِ كَلَامِهِمْ وَكَأَنِّي بِك تَقُولُ: أَصْحَابُ أَحْمَدَ أَخْبَرُ بِمُرَادِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَهَّمَ عِلْمَهُ مَنْ يَشَاءُ وَقَدْ يُؤْتَى قَصِيرُ الْعِلْمِ فَهْمًا فِي مَسْأَلَةٍ لَا يُعْطَاهُ كَثِيرُ الْعِلْمِ فَاَللَّهُ يَقْسِمُ فَضْلَهُ فِي عِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ. فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ سَبَّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كُفْرٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِهِ الْجَلْدَ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ خِلَافَ ذَلِكَ إلَّا مَا قَدَّمْته فِي الْخَوَارِجِ فَتَخَرَّجَ عَنْهُ أَنَّهُ كُفْرٌ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ عَلَى حَالَيْنِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى السَّبِّ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ لَمْ يُكَفَّرْ وَإِنْ كَفَّرَ كُفِّرَ. فَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ قَدْ زَادَ إلَى التَّكْفِيرِ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ وَجْهَيْ الشَّافِعِيَّةِ وَزِنْدِيقٌ عِنْدَ أَحْمَدَ بِتَعَرُّضِهِ إلَى عُثْمَانَ الْمُتَضَمَّنِ لِتَخْطِئَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَكُفْرُهُ هَذَا رِدَّةٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَذَا اُسْتُتِيبَ فَلَمْ يَتُبْ فَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَوْ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ السَّابَّ لَا يُكَفَّرُ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِنْهُ أَنَّهُ يَطْرُدُهُ فِيمَنْ يُكَفِّرُ أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا إنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الْفِسْقِ فِي مُجَرَّدِ السَّبِّ دُونَ التَّكْفِيرِ وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ إنَّمَا جَبُنَ عَنْ قَتْلِ مَنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ إلَّا السَّبُّ. وَاَلَّذِي صَدَرَ مِنْ هَذَا الْمَلْعُونِ أَعْظَمُ مِنْ السَّبِّ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَنْقُولِ قَوْلُ الطَّحَاوِيَّ فِي عَقِيدَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ " وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ " وَهَذَا الْمَنْقُولُ مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَجْمُوعِ الصَّحَابَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا أَبْغَضَهُ لَا لِأَمْرٍ خَاصٍّ بِهِ بَلْ لِمُجَرَّدِ صُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْغِضُهُ لِصُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَبُغْضُ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا أَبْغَضَ صَحَابِيًّا لَا لِأَمْرٍ مِنْ

стр. 1105

الْأُمُورِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كُفْرٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَأَمَّا إذَا أَبْغَضَهُ لِشَحْنَاءَ بَيْنَهُمَا دُنْيَوِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَظْهَرُ تَكْفِيرُهُ. وَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَمَنْ أَشْبَهَهُ بُغْضُهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ الصُّحْبَةِ لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ عَلِيًّا وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَغَيْرَهُمَا وَلَكِنَّهُ بِهَوَى أَنْفُسِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ بِجَهْلِهِمْ ظُلْمَهُمْ لِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى السَّبِّ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَلَا جَحْدٍ لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يُكَفَّرُونَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَ كُفْرُهُ لِلطَّعْنِ فِي الدِّينِ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] دَلِيلٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنُ لَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يَتُبْ. (الْأَمْرُ الْخَامِسُ) الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي قَتْلِ هَذَا الرَّافِضِيِّ أَنَّ هَذَا الْمُقَامَ الَّذِي قَامَ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَإِيذَاؤُهُ ﷺ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ آذَاهُ «مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَنَا أَكْفِيكَهُ فَبَعَثَهُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ قَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا رَجُلٌ مَعْرُوفٌ؛ فَأَعْطَاهُ الْخَلِيفَةُ أَلْفَ دِينَارٍ. لَكِنَّ الْأَذَى عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فَاعِلُهُ قَاصِدًا لِأَذَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الْقَتْلَ وَهَذَا كَأَذَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ. وَالْآخَرُ: أَنْ لَا يَكُونَ فَاعِلُهُ قَاصِدًا لِأَذَى النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ كَلَامِ مُسَطَّحٍ وَحَمْنَةَ فِي الْإِفْكِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي قَتْلًا، وَكَلَامُ هَذَا الرَّافِضِيِّ لَعَنَهُ اللَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِانْتِصَارِهِ بِزَعْمِهِ لِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ فِي الْمَقَامِ الَّذِي قَامَ بِهِ فُحْشٌ وَهَضْمٌ لِمَنْصِبِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أَقَامَ بِهِمْ الدِّينَ ﵃. وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْأَذَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي نَاسٍ صَالِحِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ الْأَذَى كُفْرًا وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَفِعْلُهَا مُؤْذٍ

стр. 1106

وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ فَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَذَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ وَبِهِ يَقِفُ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْلَمَ. وَأَمَّا الْوَقِيعَةُ فِي عَائِشَةَ ﵂ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَمُوجِبَةٌ لِلْقَتْلِ لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْهَدُ بِبَرَاءَتِهَا فَتَكْذِيبُهُ كُفْرٌ وَالْوَقِيعَةُ فِيهَا تَكْذِيبٌ لَهُ. (وَالثَّانِي) أَنَّهَا فِرَاشُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْوَقِيعَةُ فِيهَا تَنْقِيصٌ لَهُ وَتَنْقِيصُهُ كُفْرٌ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْمَأْخَذَيْنِ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ ﷺ إنْ عَلَّلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يُقْتَلْ مَنْ وَقَعَ فِي غَيْرِ عَائِشَةَ ﵂، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالثَّانِي قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِرَاشُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْ النَّبِيُّ ﷺ قَذَفَةَ عَائِشَةَ لِأَنَّ قَذْفَهُمْ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ ثَبَتَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ فَلَمْ يَنْعَطِفْ حُكْمُهُ عَلَى مَا قَبْلَهَا. (الْأَمْرُ السَّادِسُ) وَرَدَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ آذَاهُمْ آذَانِي» فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ الصُّحْبَةُ فَصَحِيحُ حُكْمِهِ ثَابِتٌ مَعْمُولٌ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهَذَا هُوَ مِنْ حَيْثُ هُمْ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِمْ لِصُحْبَتِهِمْ لِهَذَا النَّبِيِّ الْعَظِيمِ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَشْمَلُ الصِّدِّيقَ وَغَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَهُمْ دَرَجَاتٌ وَيَتَفَاوَتُ حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ وَالْجَرِيمَةُ تَزِيدُ بِزِيَادَةِ مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ فَلَا يُقْتَصَرُ فِي سَبِّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَقَدْرِ أَدْنَى الصَّحَابَةِ وَإِنْ كَانَ لَا أَدْنَى فِيهِمْ، بَلْ مَعْنَاهُ أَقْرَبُ إلَيْنَا وَكَانَ وَاجِبُهُ الْجَلْدَ فَكَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ مَرَاتِبُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ تَزِيدُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى رُتْبَةِ الصِّدِّيقِ فَكَمْ يَكُونُ وَاجِبُهَا وَكَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ لِمُجَرَّدِ حَقِّ الصُّحْبَةِ وَهُوَ الْوَاجِبُ فَإِذَا انْضَافَ إلَى الصُّحْبَةِ غَيْرُهُ مِمَّا يَقْتَضِي الِاحْتِرَامَ لِنُصْرَةِ الدِّينِ وَحِمَايَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَا حَصَلَ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْفُتُوحِ وَخِلَافَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَقْتَضِي مَزِيدَ حَقٍّ لِأَجْلِهِ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ بِالِاجْتِرَاءِ عَلَيْهِ فَيَزْدَادُ الْوَاجِبُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَجَدُّدِ حُكْمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ أَحْكَامًا وَأَنَاطَهَا بِأَسْبَابٍ فَنَحْنُ نَتْبَعُ تِلْكَ الْأَسْبَابَ

стр. 1107

وَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ مِنْهَا حُكْمُهُ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ حَقُّ السَّبْقِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْقِيَامِ فِي اللَّهِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِنْفَاقِ وَالنُّصْرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ خَصْلَةٍ جَمِيلَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خِلَافَتِهِ إيَّاهُ وَمَا حَصَلَ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْخَيْرِ يَزْدَادُ حَقُّهُ وَحُرْمَتُهُ وَاسْتِحْقَاقُ كُلِّ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهِ زِيَادَةَ النَّكَالِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَتِهِ مِنْ الدِّينِ بِهَذَا الْمَحَلِّ أَنْ يَكُونَ سَابُّهُ طَاعِنًا فِي الدِّينِ فَيَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَلَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ بِسَبَبِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ ذَلِكَ دِيَةُ كُلِّ نَبِيٍّ. وَيُقَالُ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ إنِّي قَتَلْت بِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا وَلَأَقْتُلَنَّ بِالْحُسَيْنِ ابْنِ ابْنَتِك سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا» فَإِذَا قَتَلْنَا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ عِشْرِينَ نَفْسًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا، وَلَا تَعْتَقِدُ بِجَهْلِك أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَهْلٌ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْعَرَبِ الْجُهَّالِ وَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ بِالشَّرِيفِ جَمَاعَةً وَذَلِكَ خَطَأٌ حَيْثُ كَانَ أَخْذًا بِغَيْرِ جُرْمٍ إلَّا الْجُرْمَ الْأَوَّلَ وَهَذَا إنَّمَا يَأْخُذُهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ يُقْتَلُ بِذَنْبِهِ وَلَكِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى الِاجْتِرَاءُ الْعَظِيمُ الْأَوَّلُ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَهَكَذَا الصِّدِّيقُ ﵁ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى حُرْمَتَهُ وَحَقَّهُ بِاجْتِرَاءِ كَثِيرٍ مِنْ الرَّوَافِضِ لَعَنَهُمْ اللَّهُ الَّذِينَ خَسِرُوا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَكَانَتْ تَشْتَالُ أُنُوفُهُمْ لَوْ صُفِحَ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ التَّعْزِيرَ بِالْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فَلَا يُوجَدُ فِي قَتْلِهِ سَبَبٌ أَعْظَمُ مِنْ التَّجَرِّي لِهَذَا الْمَقَامِ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ -. (الْأَمْرُ السَّابِعُ) أَنَّ لَعْنَةَ الصِّدِّيقِ وَإِضْرَابَهُ مَعْصِيَةٌ قَطْعًا تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنْهَا قَطْعًا فَيُطْلَبُ مِنْ اللَّاعِنِ التَّوْبَةُ وَيُعَاقَبُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهَا وَإِنْ انْتَهَى إلَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَا يُؤَدِّي عَنْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا مَأْخَذُ الشَّافِعِيِّ فِي قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لِأَمْرٍ لَا يُؤَدِّيهِ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَإِذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُجَوِّزًا لِلْقَتْلِ فَالِامْتِنَاعُ مِنْ هَذِهِ التَّوْبَةِ الْمَعْلُومُ وُجُودُهَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ كَالصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَتَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ. فَهَذَا مَا أَرَدْنَا كِتَابَتَهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا زِيَادَةً فِي تَقْرِيرِ الْمَقْصُودِ وَالْعُمْدَةُ

стр. 1108

عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى. [الدَّلَالَةُ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ] (هَذِهِ أَسْئِلَةٌ مِنْ طَرَابُلُس الشَّامِ) وَرَدَتْ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀ وَهُوَ بِالْقَاهِرَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ (الدَّلَالَةُ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ) (السُّؤَالُ الْأَوَّلُ) فِيمَنْ ذَهَبَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ إلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِكَوْنِ نَبِيِّنَا ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَافَّةً وَأَنَّ رِسَالَتَهُ شَامِلَةٌ لِلثَّقَلَيْنِ. وَهُوَ سُؤَالٌ مَبْسُوطٌ قَالَ ﵀: أَرَى أَنْ أَذْكُرَ السُّؤَالَ كُلَّهُ مُسْتَوْفًى لَكِنْ أُقَطِّعُهُ فَأَذْكُرُ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهُ وَجَوَابَهَا لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ اسْتِيعَابُ كَلَامِ السَّائِلِ وَجَوَابِهِ. فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: كَوْنُهُ ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَافَّةً وَأَنَّ رِسَالَتَهُ شَامِلَةٌ لِلثَّقَلَيْنِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. وَكَوْنُ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَوْنُهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا سَيَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ السَّائِلِ لَهُ. وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ تَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ طَلَبِ السَّائِلِ الدَّلِيلَ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ فَصَحِيحٌ بِمَعْنَى تَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِالْأَخْبَارِ عَنْهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ بَعْدَ الْإِحَاطَةِ بِهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِيمَانِ اعْتِقَادُ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إلَّا بِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ سَبَبِهِ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ لَوْ أَقَامَ دَهْرَهُ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ وَلَا عَرَفَ شَيْئًا مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مُؤْمِنًا وَلَيْسَ بِعَاصٍ بِتَأْخِيرِ تَعَلُّمِهِ لِذَلِكَ أَوْ تَرْكِهِ إذَا قَامَ غَيْرُهُ بِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ كُلَّهَا وَجَمِيعَ مَا وَرَدَ فِيهَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ إجْمَالًا وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَمِنْهُ مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَهُوَ مَا لَا يَصِيرُ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا إلَّا بِهِ وَمَا يَعُمُّ وُجُوبُهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ مَنْ عَلِمَ بِدَلِيلِهِ وَهَذَا مِنْهُ، وَسَتَأْتِي زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ. قَالَ السَّائِلُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ أَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَاتٌ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى دُخُولِ الْجِنِّ فِي ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ لَفْظِهَا فَلَا يُخْرَجُ عَنْهُ إلَّا

стр. 1109

بِدَلِيلٍ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ خَارِجُونَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي وَالنَّذِيرُ هُوَ الْمُخْبِرُ بِمَا يَقْتَضِي الْخَوْفَ وَإِخْبَارُهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ اللَّهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ رَسُولًا إلَيْهِمْ عَنْهُ، وَكَوْنُ الضَّمِيرِ فِي (لِيَكُونَ) لِلْفُرْقَانِ بَعِيدٌ بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِعَبْدِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَقْرَبُ وَالضَّمِيرُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ الْأَقْرَبِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ وَصْفَهُ بِالنَّذِيرِ حَقِيقَةٌ وَوَصْفُ الْفُرْقَانِ بِهِ مَجَازٌ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وَالْمُنْذِرُونَ هُمْ الْمُخَوِّفُونَ مِمَّا يَلْحَقُ بِمُخَالَفَتِهِ لَوْمٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ لِمَا كَانَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَتَى بِهِ لَازِمًا لَهُمْ وَلَا خَوَّفُوا بِهِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِيهَا ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] فَأَمْرُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِإِجَابَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ دَاعٍ لَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى بَعْثِهِ إلَيْهِمْ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]- الْآيَةَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْتِيبَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ شَرْطٌ فِيهَا وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا تَعَلَّقَ حُكْمُ رِسَالَتِهِ بِهِمْ وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣٢]- الْآيَةَ فَعَدَمُ إعْجَازِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ وَكَوْنُهُمْ فِي ضَلَالٍ مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ إجَابَتِهِ وَذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى بَعْثَتِهِ إلَيْهِمْ. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] فَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَامِلٌ لَهُمْ وَارِدٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَأَيُّ مَعْنًى لِلرِّسَالَةِ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مُخَاطَبَتُهُمْ فِي بَقِيَّةِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ السُّورَةُ. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجِنِّ ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢] فَإِنَّ قُوَّةَ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ انْقَادُوا لَهُ وَآمَنُوا بَعْدَ شِرْكِهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهِ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي خَاطَبُوا بِهَا قَوْمَهُمْ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِيهَا ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] وَكَذَا قَوْلُهُمْ ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] إلَى آخَرِ الْآيَاتِ. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنْذِرٌ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ جِنِّيًّا كَانَ

стр. 1110

أَوْ إنْسِيًّا، وَهِيَ فِي الدَّلَالَةِ كَآيَةِ الْفُرْقَانِ أَوْ أَصْرَحُ فَإِنَّ احْتِمَالَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْفُرْقَانِ غَيْرُ وَارِدٍ هُنَا، فَهَذِهِ مَوَاضِعُ فِي الْفُرْقَانِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً قَوِيَّةً أَقْوَاهَا آيَةُ الْأَنْعَامِ هَذِهِ وَتَلِيهَا آيَةُ الْفُرْقَانِ وَتَلِيهَا آيَاتُ الْأَحْقَافِ وَتَلِيهَا آيَاتُ الرَّحْمَنِ وَخِطَابُهَا فِي عِدَّةِ الْآيَاتِ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وَتَلِيهَا سُورَةُ الْجِنِّ فَقَدْ جَاءَ تَرْتِيبُهَا فِي الدَّلَالَةِ وَالْقُوَّةِ كَتَرْتِيبِهَا فِي الْمُصْحَفِ. وَفِي الْقُرْآنِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّ دَلَالَةَ الْإِطْلَاقِ اعْتَمَدَهَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي مَبَاحِثَ، وَهُوَ اعْتِمَادٌ جَيِّدٌ وَهُوَ هُنَا أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْذَارِ، الْمُطْلَقِ إذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِقَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الْمَأْمُورِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ فِي أَيِّ فَرْدٍ شَاءَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَفِي كُلِّهَا وَهُوَ ﷺ كَامِلُ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ وَالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَتْرُكُهُ فِي شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ وَلَا فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمَانِ وَلَا فِي مَكَان مِنْ الْأَمْكِنَةِ، وَهَكَذَا كَانَتْ حَالَتُهُ ﷺ وَيُعْلَمُ أَيْضًا مِنْ الشَّرِيعَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] مُطْلَقَ الْإِنْذَارِ حَتَّى يُكْتَفَى بِإِنْذَارٍ وَاحِدٍ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بَلْ أَرَادَ التَّشْمِيرَ وَالِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْقَرَائِنُ تُفِيدُ الْأَمْرَ بِالْإِنْذَارِ لِكُلِّ مَنْ يُفِيدُ فِيهِ الْإِنْذَارُ، وَالْجِنُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ سُفَهَاءُ وَقَاسِطُونَ وَهُمْ مُكَلَّفُونَ فَإِذَا أُنْذِرُوا رَجَعُوا عَنْ ضَلَالِهِمْ فَلَا يَتْرُكُ النَّبِيُّ ﷺ دُعَاءَهُمْ. وَالْآيَةُ بِالْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ مُفِيدَةٌ لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ فَتَثْبُتُ الْبَعْثَةُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وَمِنْهَا كُلُّ آيَةٍ فِيهَا لَفْظُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَفْظُ الْكَافِرِينَ مِمَّا فِيهِ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ صِفَتَانِ لِمَحْذُوفٍ وَالْمَوْصُوفُ الْمَحْذُوفُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ بَلْ الْمُكَلَّفِينَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا إنْسًا أَوْ جِنًّا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا أَمْكَنَ الِاسْتِدْلَال بِمَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى مِنْ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَالْجِنُّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لَيْسُوا مُفْلِحِينَ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ فِي حَقِّهِمْ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] وَكَقَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وَمِنْ الْجِنِّ

стр. 1111

كَذَلِكَ. وَلَوْ تَتَبَّعْنَا الْآيَاتِ الَّتِي مِنْ هَذَا الْجِنْسِ جَاءَتْ كَثِيرَةً فَنَكْتَفِي بِالْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ عَاضِدَةً لَهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِتَكْثِيرِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ وَالْآيَتَيْنِ قَدْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ فَإِذَا كَثُرَتْ قَدْ تَتَرَقَّى إلَى حَدٍّ يَقْطَعُ بِإِرَادَةِ ظَاهِرِهَا وَبَقِيَ الِاحْتِمَالُ وَالتَّأْوِيلُ عَنْهَا. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْبُخَارِيِّ. وَجَاءَنِي سُؤَالٌ مِنْ جِهَةِ هَذَا السَّائِلِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهِ نِسْبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ إلَى الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَمَحِلُّ الِاسْتِدْلَالِ قَوْلُهُ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَحَمْلُهُ عَلَى الْإِنْسِ خَاصَّةً تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يَجُوزُ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [الفرقان: ١] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ النَّاسُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي فَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا وَأُرْسِلْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً» . قُلْنَا: لَوْ كَانَ هَذَا حَدِيثًا وَاحِدًا كُنَّا نَقُولُ: لَعَلَّ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ الرُّوَاةِ وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا حَدِيثَانِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ سِتُّ خِصَالٍ، وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَفِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُمَا فِي وَقْتَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي عِدَّةِ الْخِصَالِ وَفِي سُنَنِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَيَجِبُ إثْبَاتُهَا زِيَادَةً عَلَى عَدَدِ الْخِصَالِ وَفِي سُنَنِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَيَجِبُ إثْبَاتُهَا زِيَادَةً عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إلَى حَمْلِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَا الْمَخْرَجِ، وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ، وَخَرَّجَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبَيْ الصَّحِيحَيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْآخَرَ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي الْعُمْدَةِ وَفِي لَفْظِهِ إلَى النَّاسِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْإِمَامَانِ. وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الْبُخَارِيِّ خَاصَّةً دُونَ

стр. 1112

مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» وَعَبْدُ الْغَنِيِّ كَانَ حَافِظًا يَذْكُرُ الْمُتُونَ مِنْ حِفْظِهِ فَوَقَعَ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُنْتَقَدُ عَلَيْهِ وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ بِأَكْثَرِ أَلْفَاظِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ أَشْهُرُ فَجَرَتْ عَلَى لِسَانِ عَبْدِ الْغَنِيِّ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ تَحْرِيرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُصَنَّفٌ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ حَاصِلٌ بِغَيْرِهَا. فَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ وَاسْتَدْلَلْنَا بِهِ أَصْرَحُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى شُمُولِ الرِّسَالَةِ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَرَوَى وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أُرْسِلْت إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَإِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ فِي خَصَائِصِهِ ﷺ وَفِيهِ بَعْضُ طُولٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْرَحُ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِي الصِّحَّةِ مِثْلَهُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْغَرِيبِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ " أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ " فَقِيلَ: الْعَجَمُ وَالْعَرَبُ، وَقِيلَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ فَعَلَى هَذَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عِكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ قَالُوا: مَا ذَاكَ إلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِجَبَلٍ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عِكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَرَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ

стр. 1113

مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] » . زَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ ثُمَّ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ عِنْدِ قَوْلِهِ: انْطَلَقَ، وَلَيْسَتْ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَا إنْكَارَ قِرَاءَتِهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ أَوْ رُؤْيَتِهِ لَهُمْ مُطْلَقًا بَلْ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ الَّتِي حَكَاهَا فِي آخِرِ كَلَامِهِ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَعَارَضَهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وَيُقَدَّمُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْيٌ وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ لَا سِيَّمَا وَقِصَّةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذْ ذَاكَ طِفْلًا أَوْ لَمْ يُولَدْ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ إنَّمَا يَرْوِيهَا عَنْ غَيْرِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيهَا مُبَاشَرَةً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ مُعَارِضٍ لِكَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنْ يَكُونَا مَرَّتَيْنِ. إحْدَاهُمَا الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَفِي سُورَةِ الْجِنِّ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ قَصَدَهُمْ وَلَا شَعَرَ بِهِمْ وَلَا رَآهُمْ وَلَا قَرَأَ عَلَيْهِمْ قَصْدًا بَلْ سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ وَآمَنُوا بِهِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ. وَثُبُوتُهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ قَطْعِيٌّ. وَأَهْلُ السِّيَرِ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ «لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الطَّائِفِ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَذَلِكَ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْبَعْثَةِ فَأَقَامَ بِالطَّائِفِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ فَلَمَّا نَزَلَ نَخْلَةً قَامَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَصُرِفَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ وَهُوَ يَقْرَأُ» فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَلَعَلَّ اسْتِمَاعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ لَا غَرَضَ فِيهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَهُوَ اسْتِمَاعُهُمْ لِقِرَاءَتِهِ وَإِيمَانُهُمْ بِهِ. وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ رُجُوعُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ وَقَوْلُهُمْ لَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي تَعَلُّقِ الشَّرِيعَةِ بِهِمْ فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَلُّقُ السَّائِلِ بِهِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ سَنُجِيبُ عَنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ إلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكَفَى لِإِسْمَاعِهِمْ الْقُرْآنَ كَافٍ فِي وُصُولِ الشَّرِيعَةِ إلَيْهِمْ، وَقَدْ قَامَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى عُمُومِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاصِدٌ التَّبْلِيغَ لِكُلِّ

стр. 1114

مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَمُجَرَّدُ وُصُولِ ذَلِكَ الْبَلَاغِ إلَيْهِ كَانَ شَعَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَمْ لَمْ يَشْعُرْ وَقَدْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ فَعُلِمَ حُصُولُ الْبَلَاغِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ: لَوْ كَانَ رَسُولًا إلَيْهِمْ لَقَصَدَ إبْلَاغَهُمْ. فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ الْبَلَاغَ قَدْ حَصَلَ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَهُوَ كَافٍ كَمَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ مِنْ الْإِنْسِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ دَاوُد عَنْ عَامِرٍ قَالَ: «سَأَلْت عَلْقَمَةَ هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ بِالْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا: اُسْتُطِيرَ أَوْ اُغْتِيلَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إذَا هُوَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَلَبْنَاك فَفَقَدْنَاك فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَكَانَ مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَدِدْت أَنَّى كُنْت مَعَهُ ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ وَدَّ لَوْ كَانَ مَعَهُ عِنْدَ ذَهَابِهِ إلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُطْلَقًا تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ دَاعِيَهُمْ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ إلَيْهِمْ قَاصِدًا وَاجْتَمَعَ بِهِمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى بِلَا شَكٍّ غَيْرُ الْوَاقِعَةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَيْلَةُ الْجِنِّ مَا فِي إدَاوَتِك قَالَ نَبِيذٌ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» . وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ وَبَيَّنُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ

стр. 1115

أَنَّهُ أَذِنَتْهُ» يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِهِمْ شَجَرَةٌ، وَهَذَا كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْقِصَّةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُخْرِجْ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ إلَّا هَذِهِ الْقِطْعَةَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَأَنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْت اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَةٍ إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا» . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَحْدَهُ لَا يَدُلُّ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ لِلِاتِّعَاظِ بِهِ وَسُؤَالُهُ لَهُمْ الزَّادَ، وَجَوَابُهُمْ قَدْ بَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُمْ بِالْأَصْلِ أَوْ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى أَوْ لَا يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ الْفَرْعِ الْخَاصِّ فَدَعَا لَهُمْ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّادُ لَهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعَلُّقُ حُكْمٍ لَهُمْ لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَكْفِي فِي تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِمْ فَيَحْتَمِلُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِطْلَاقُ الزَّادِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ لَا يَدُلُّ بِمُفْرَدِهِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ بَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَحَصَلَتْ الدَّلَالَةُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ أَوْ قُرِئَتْ عِنْدَهُ فَقَالَ: مَا لِي أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا مِنْكُمْ؛ قَالُوا: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] إلَّا قَالَتْ الْجِنُّ: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ رَبِّنَا نُكَذِّبُ» . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ الْجِنِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ أَوْ غَيْرِهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ وَالصَّحَابَةُ لَا يَرَوْنَهُمْ فَإِنَّ فِي اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِطَابَ لَهُمْ وَلِلْإِنْسِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُبَلِّغٌ لَهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ مَعْنَى الرِّسَالَةِ، وَقَوْلُ الْفَرَّاءِ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ إنَّ قَوْلَهُ (تُكَذِّبَانِ) مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ بِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ بَعِيدٌ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّهُ خِطَابٌ لِلثَّقَلَيْنِ. فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْأَدِلَّةِ لِذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ تَتَبَّعْت رُبَّمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ الْأَدِلَّةِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَشَرِيعَتَهُ آخِرُ الشَّرَائِعِ وَنَاسِخَةٌ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ قَبْلَهَا

стр. 1116

وَلَا شَرِيعَةَ بَاقِيَةً الْآنَ غَيْرَ شَرِيعَتِهِ وَلِذَلِكَ إذَا نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ إنَّمَا يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْجِنُّ مُكَلَّفِينَ بِهَا لَكَانُوا إمَّا مُكَلَّفِينَ بِشَرِيعَةٍ غَيْرِهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ أَصْلًا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ طَافِحٌ بِتَكْلِيفِهِمْ. قَالَ تَعَالَى ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَدُخُولُهُمْ النَّارَ دَلِيلُ تَكْلِيفِهِمْ، وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَإِنَّ تَكْلِيفَهُمْ مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ بِالضَّرُورَةِ وَتَكْلِيفُهُمْ بِغَيْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ يَسْتَلْزِمُ بَقَاءَ شَرِيعَةٍ مَعَهَا فَثَبَتَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَالْإِنْسِ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِ رِسَالَتِهِ ﷺ بِالْإِنْسِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً» وَاحْتِمَالُ غَيْرِ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ. أَقُولُ: دَعْوَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ ظَاهِرَةٌ فِي اخْتِصَاصِ رِسَالَتِهِ إلَى الْإِنْسِ مَمْنُوعَةٌ، وَعَجَبٌ مِنْ السَّائِلِ الْفَاضِلِ دَعْوَاهُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى مَذْهَبِ الدَّقَّاقِ الْقَائِلِ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ، وَالنَّاسُ مِنْ قَبِيلِ اللَّقَبِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَرْجَمَةَ فِي الْأُصُولِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ لَا تَخْتَصُّ بِاللَّقَبِ بَلْ الْأَعْلَامُ كُلُّهَا وَأَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ كُلُّهَا كَذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ صِفَةً، وَالنَّاسُ اسْمُ جِنْسٍ غَيْرُ صِفَةٍ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] لَيْسَ فِيهِ أَصْلًا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ رَسُولًا إلَى غَيْرِهِمْ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الدَّقَّاقِ بَلْ أَقُولُ: عَلَى مَذْهَبِ الدَّقَّاقِ لَا يَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّقَّاقَ إنَّمَا يَقُولُ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ غَرَضٌ آخَرُ سِوَاهُ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ الِاسْمِ بِالذِّكْرِ وَحَيْثُ ظَهَرَ غَرَضٌ لَا يُقَالُ بِالْمَفْهُومِ بَلْ يُحْمَلُ التَّخْصِيصُ عَلَى ذَلِكَ الْغَرَضِ، وَالْغَرَضُ فِي الْآيَةِ التَّعْمِيمُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِ الرِّسَالَةِ بِبَعْضِهِمْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الرِّسَالَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ لَا عَلَى مَذْهَبِ الدَّقَّاقِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاسَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ تَغْلِبُ رُؤْيَتُهُمْ وَالْخِطَابُ مَعَهُمْ وَمُجَادَلَتُهُمْ. فَمَقْصُودُ الْآيَةِ خِطَابُ النَّاسِ وَالتَّعْمِيمُ فِيهِمْ لَا النَّفْيُ عَنْ

стр. 1117

غَيْرِهِمْ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُنَا: اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى الْمَعْدُومِ وَالْمُمْكِنِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِنَا: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، التَّعْمِيمُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَةِ لَا قَصْرَ الْحُكْمِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] كَذَلِكَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ " كَافَّةً " عَلَى قَوْلِهِ " لِلنَّاسِ " فَإِنَّ ذَلِكَ أَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ حَصْرَ الرِّسَالَةِ فِي النَّاسِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَى أَحَدٍ إلَّا لِلنَّاسِ. هَذَا لَمْ تَنْطِقْ بِهِ الْآيَةُ وَلَا أَفْهَمَتْهُ بَلْ أَشَارَتْ إلَى خِلَافِهِ بِتَقْدِيمِ " كَافَّةً " وَبِالْعُدُولِ فِي " النَّاسِ " عَنْ " إلَى " إلَى اللَّامِ فَصَارَ مَقْصُودُ الْآيَةِ إثْبَاتَ عُمُومِ الرِّسَالَةِ وَنَفْيَ خُصُوصِهَا فَإِنَّ الرِّسَالَةَ أَنْوَاعٌ مِنْهَا خَاصٌّ وَمِنْهَا عَامٌّ فَصَارَ التَّقْدِيرُ: وَمَا أَرْسَلْنَاك مِنْ الرِّسَالَاتِ إلَّا رِسَالَةً عَامَّةً كَافَّةً لِجَمِيعِ النَّاسِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ لَا تَعَرُّضَ فِيهَا لِلْجِنِّ أَلْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً. وَالْكَلَامُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ حَرْفًا بِحَرْفٍ. وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّ احْتِمَالَ غَيْرِ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ غَيْرُ الْعُدُولِ عَنْ الظَّاهِرِ. هَذَا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا: إنَّ النَّاسَ لَا يَشْمَلُ الْجِنَّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ اسْمَ النَّاسِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَنَا لَا لِلسَّائِلِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ صَحَّ فِيهِ لَفْظَةُ الْخَلْقِ مَوْضِعَ النَّاسِ وَهِيَ أَعَمُّ وَأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَخْرَجُهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَحَدُهُمَا خَاصٌّ وَالْأُخَرُ عَامٌّ وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ إذَا كَانَا اثْنَيْنِ لَا يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بَلْ يُقْضَى بِالْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَيَكُونُ الْآخَرُ ذَكَرَ بَعْضَ أَفْرَادِ الْعُمُومِ وَذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُورِ فِي الْأُصُولِ الَّذِي لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الشُّذُوذُ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِنَّ وَلَا تَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. أَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَاهُ وَمُسْلِمٌ رَوَاهُ صَدْرَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عَقِيبِهِ قِصَّةَ الْجِنِّ وَاسْتِمَاعَهُمْ الْقُرْآنَ فَأَشْعَرَ بِمُرَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّفْيَ الْمُرَادَ بِهِ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ فَاقْتِطَاعُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَرِوَايَتُهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى تُوهِمَ انْتِفَاءَ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 1118

لِلْجِنِّ مُطْلَقًا وَقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَرُبَّمَا يُوهِمُ بَعْضُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِمْ أَصْلًا وَقَدْ ثَبَتَ اجْتِمَاعُهُ بِهِمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَثَبَتَ بُلُوغُ الْقُرْآنِ لَهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُوَافِقِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ. فَأَجَابَنِي السَّائِلُ مِنْ أَيْنَ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَقِصَّةُ الْجِنِّ أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُحَدِّثُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِخْبَارِ إلَّا رَوَاهَا وَلَا مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إلَّا ذَكَرَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا كَانَتْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَا لَا أَشُكُّ فِي أَنَّهَا كَانَتْ مَرَّتَيْنِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا أَشُكُّ فِي أَنَّهَا هَلْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مَرَّتَيْنِ خَاصَّةً. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ ادَّعَى الرِّسَالَةَ إلَيْهِمْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَوَجَبَ الْإِيمَانُ. أَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ «بُعِثْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» وَالْعَامُّ حُجَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ الثُّبُوتِ أَنْ يَكُونَ بِالصَّرِيحِ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِالْعُمُومِ، وَهُوَ حَاصِلٌ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا هُوَ صَرِيحٌ مِنْ طَرِيقِ وَثِيمَةَ بْنِ مُوسَى وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ثُبُوتَهُ وَذَكَرْنَا قَوْلَهُ " الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْعُمْدَةُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ. أَقُولُ: كُلُّ خَيْرٍ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ﷺ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَاصًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِدًا عَلَى لِسَانِهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ السَّائِلُ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ بِإِحْدَى هَذِهِ الطُّرُقِ فَنَقُولُ: هُوَ حَاصِلٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْآيَاتِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالْحَدِيثِ الْعَامِّ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَتِهِ نَصًّا صَرِيحًا عَلَى عَدَمِ دَعْوَاهُ الرِّسَالَةَ إلَيْهِمْ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا صَرِيحًا وَيَثْبُتُ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِحَدِيثٍ عَامٍّ أَوْ بِاسْتِنْبَاطٍ مِنْ قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ جِهَتِهِ ﷺ . (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ أَمْ يَكْفِي الْإِيمَانُ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ لَا التَّفْصِيلِيُّ. أَقُولُ: قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ، وَنَقُولُ هُنَا: إنَّ النَّاسَ عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهُمْ

стр. 1119

عَامِّيٌّ لَمْ تَخْطُرْ بِبَالِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ وَمَا اعْتَقَدَ فِيهَا شَيْئًا لِجَهْلِهِ فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِذَلِكَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُطْلِقَ بِشَهَادَتِهِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يُخَصِّصَهَا فَمَتَى خَصَّصَهَا فَقَالَ: إلَى الْإِنْسِ خَاصَّةً فَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ عَامِّيُّ اعْتَقَدَ فِيهَا خِلَافَ الْحَقِّ لِشُبْهَةٍ أَوْ تَقْلِيدِ جَاهِلٍ. فَهَذَا: اعْتِقَادُهُ هَذَا خَطَأٌ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّزُوعُ عَنْهُ وَأَنْ يَسْأَلَ أَوْ يَبْحَثَ لِيَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ، وَهَذَا بِإِصْرَارِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ وَالْخَطَأِ عَاصٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُصُولِ الدَّيْنِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِالْخَطَأِ فِيهِ، وَالْفَقِيهُ إذَا اعْتَقَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافَ الْحَقِّ لِشُبْهَةٍ أَوْ تَقْلِيدٍ لِجَاهِلٍ عَاصٍ أَيْضًا كَالْعَامِّيِّ بَلْ هُوَ عَامِّيٌّ فِيهَا، وَمَحِلُّ الْحُكْمِ فِيهَا بِالْعِصْيَانِ فَقَطْ، وَصِحَّةُ الْإِيمَانِ إذَا أَطْلَقَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ خَصَّصَا وَقَالَا: إلَى الْإِنْسِ فَقَطْ، فَأَخْشَى عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي بَيَّنَهُ الشَّارِعُ بِالشَّهَادَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا الْمُقَيَّدَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ مِنْ عَامِّيٍّ أَوْ فَقِيهٍ لَا عَنْ دَلِيلٍ بَلْ تَقْلِيدٍ مَحْضٍ فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِعَاصٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ الْيَقِينِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا هِيَ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّخْصِ عِلْمٌ بِأَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّقْلِيدِ فِيهَا كَفَاهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ عَلَى جِهَةِ التَّقْلِيدِ جَازِمًا أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ فَإِنَّ التَّقْلِيدَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لَا لِمُوجَبٍ وَبَيْنَ قَبُولِ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ سَوَاءً أَكَانَ مَعَ الْجَزْمِ بِهِ أَمْ لَا. فَهَذَا الثَّانِي كَافٍ هُنَا وَلَا يَكْفِي فِيمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَالْأَوَّلُ يَكْفِي لِأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَغْلَطُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي فَتْوَى. وَقُلْت: إنَّ النَّاسَ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ: عُلْيَا وَهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ التَّفْصِيلِيِّ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الِاسْتِدْلَالِ الْإِجْمَالِيِّ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ إيمَانِهِمْ. وَوُسْطَى وَهُمْ أَهْلُ الْعَقِيدَةِ الْمُصَمِّمُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ بِكُفْرِهِمْ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ، وَدُنْيَا وَهُمْ الْمُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ تَصْمِيمٍ وَلَمْ يَقُلْ بِصِحَّةِ إيمَانِهِمْ إلَّا شُذُوذٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ عَالِمًا وَقَدْ وَصَلَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ وَلَهُ تَمَكُّنٌ مِنْ النَّظَرِ فِيهَا فَهَذَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعِلْمُ بِهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهِ قَطْعًا لِعِلْمِهِ

стр. 1120

بِأَدِلَّتِهَا وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ فِيهِ قَطْعًا، وَأَمَّا الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ يُكْتَفَى بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْعَالِمِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ فِي حَقِّ الْعَالِمِ، وَفَرْضُ ذَلِكَ عُسْرٌ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ مَتَى أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَوَجْهِ دَلَالَتِهَا حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ وَلَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْعِلْمِ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَعَمْ لَوْ كَانَ الشَّخْصُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى النَّظَرِ وَتَمَكُّنٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالنَّظَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَعْصِي بِذَلِكَ وَيَكْفِيهِ التَّقْلِيدُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقَلِّدْ وَلَكِنْ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَعْتَقِدْ فِيهَا شَيْئًا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إدْرَاكِ ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْثُومٍ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَقَدَ غَيْرَ الْحَقِّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لِتَقْصِيرِهِ، وَالْإِقْدَامُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ بِخِلَافِ التَّوَقُّفِ فِيمَا لَا يَجِبُ كَمَا أَتَى فِي الْفُرُوعِ. نَقُولُ: مَنْ أَقْدَمَ عَلَى فِعْلٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحُكْمِهِ يَكُونُ مَأْثُومًا وَمَنْ تَوَقَّفَ عَنْهُ لَا يَكُونُ مَأْثُومًا. (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: وَهَلْ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]- الْآيَةَ وَبِسُورَةِ الْجِنِّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ - تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١٠٧ - ١] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . قَالَ: وَالْجِنُّ يُسَمَّوْنَ نَاسًا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» وَأَنَّهُ أَتَاهُ دَاعِي الْجِنِّ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ كَمَا تَحَدَّى الْإِنْسَ بِهِ وَأَنَّهُ أَحَلَّ لَهُمْ كُلَّ طَعَامٍ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحَرَّمَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ مِنْ أَجْلِهِمْ وَإِنَّ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا إلَّا مِنْ الْإِنْسِ. فَإِذَا ثَبَتَ إرْسَالُ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَلِكَ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ كَمَا خَفِيَتْ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ عَلَى آحَادِ الصَّحَابَةِ هَلْ يَنْتَهِضُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ. أَقُولُ: أَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْجِنِّ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] فَاسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ سُورَةُ الْجِنِّ، وَأَمَّا

стр. 1121

الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَمُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ أَعَمُّ مِنْ الرِّسَالَةِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: هَلْ نَالَك مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] مِنْ أَصَحِّ مَا يَكُونُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وَأَنَّ الْجِنَّ يُسَمَّوْنَ نَاسًا وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ لَكِنَّ تَسْمِيَةَ الْجِنِّ نَاسًا مُخْتَلِفٌ فِيهِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِقَاقِ النَّاسِ هَلْ هُوَ مِنْ النَّوَسِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ أَوْ مِنْ الْإِينَاسِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ أَوْ مِنْ الْإِنْسِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَحْشَةِ وَمَنْ يَقُولُ بِتَسْمِيَتِهِمْ نَاسًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَالْأَغْلَبُ خِلَافُهُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَغْلَبِ أَوْجَبُ وَالْجَوْهَرِيُّ ذَكَرَ بَابَ أَنِسَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ذَلِكَ وَذَكَرَ بَابَ نَوَسَ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَبِإِدْخَالِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّوَسِ وَقَالَ فِي بَابِ أَنِسَ إنَّ الْأُنَاسَ لُغَةٌ فِي النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِنْ النُّحَاةِ يَقُولُونَ إنَّ النَّاسَ أَصْلُهُ الْأُنَاسُ وَأَنَّهُ مِمَّا حُذِفَتْ فِيهِ الْهَمْزَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِي فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ أَنَّ النَّاسَ لَفْظٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَةِ وَهُوَ فِي التَّقْدِيرِ لَفْظَانِ أَحَدُهُمَا أُنَاسٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَنِسَ إمَّا بِمَعْنَى أَبْصَرَ وَإِمَّا ضِدُّ أَوْحَشَ وَعَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ لِأَنَّا لَا نُبْصِرُهُمْ وَلَا نَأْنَسُ بِهِمْ وَالثَّانِي مَأْخُوذٌ مِنْ نَوَسَ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ وَعَلَى هَذَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَلَكِنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَهُ فِي الْإِنْسِ أَغْلَبُ فَهُمَا لَفْظَانِ مُشْتَقَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنْهُمَا وَلَمَّا حَصَلَ الْحَذْفُ وَفِي أَحَدِ الْمُشْتَقَّيْنِ وَالْقَلْبُ فِي الْآخَرِ صَارَا عَلَى صُورَةِ لَفْظٍ وَاحِدٍ إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] وَشَبَهُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْإِنْسِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِنِّ أَلْبَتَّةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ النَّوَسِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ قَلِيلًا فَدُخُولُ الْجِنِّ فِي الْآيَةِ إمَّا مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا قَلِيلٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا بَانَ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ادَّعَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ دُخُولَ الْجِنِّ فِي لَفْظِ النَّاسِ قَوْله تَعَالَى ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] وَتُجْعَلُ

стр. 1122

مِنْ " بَيَانًا لِلنَّاسِ وَالْمُوَسْوِسِ فِي صُدُورِهِمْ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّهَا بَيَانٌ لِلْخَنَّاسِ. وَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» صَحِيحٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ أَتَاهُ دَاعِي الْجِنِّ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمَوْعِظَةَ وَلَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ قَرُبَ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ إنْ أَرَادَ بِإِجَابَتِهِمْ فِي الزَّادِ وَالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ فَصَحِيحٌ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ تَوَقُّفٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ فِي دَعْوَى مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا أَسْتَحْضِرُهَا، وَلَوْ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ إلَيْهِمْ. وَقَدْ فَكَّرْت فِي حَدِيثِ «أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا وَكَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ وَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ لِيَسْرِقَ مِنْهَا، وَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَدْفَعَنَّكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ» ، وَلَمْ يَتَّفِقْ رَفْعُهُ حَتَّى نَعْلَمَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بِإِمْسَاكِهِ وَرَفْعِهِ إلَيْهِ وَمُجَرَّدِ إمْسَاكِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ عَنْ السَّرِقَةِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ وَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ أَمْ لَا كَمَا يُدْفَعُ الصَّبِيُّ وَالْبَهِيمَةُ. فَلِهَذَا لَمْ أَسْتَدِلَّ بِهَا. وَلَوْ اتَّفَقَ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمُهُ عَلَيْهِ لَمْ أَتَوَقَّفْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ. وَلَيْسَ لِقَائِلٍ ذَلِكَ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ لَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ كَحُكْمِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْحَنَفِيِّ وَعَكْسِهِ لِأَنَّ تِلْكَ أُمُورٌ مَظْنُونَةٌ فَالشَّافِعِيُّ يَحْكُمُ عَلَى الْحَنَفِيِّ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ وَإِنْ كَانَ الْحَنَفِيُّ مُكَلَّفًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ. وَأَمَّا هُنَا فَالْأَمْرُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِحُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مَقْطُوعٌ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ فَلَوْ رُفِعَ إلَى نَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْهُ إلَيْهِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ حُكْمُ ذَلِكَ الْفَرْعِ الَّذِي رُفِعَ إلَيْهِ فِي شَرْعِهِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ فِي شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: هَذَا حُكْمُ مَا فَعَلَ فَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ إمَّا

стр. 1123

بِرِسَالَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ إلَيْهِ وَإِمَّا بِمُوَافَقَتِهِ لِشَرْعِ نَبِيِّهِ وَأَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالْحُكْمِ بِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَحْكُمْ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى لِنَسْخِ شَرِيعَتِهِ لِسَائِرِ الشَّرَائِعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُهُ وَأَنَّ حُكْمَهَا لَازِمٌ لَهُمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ كَمَا تَحَدَّى الْإِنْسَ بِهِ قَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ هَذَا الْقَائِلِ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] هَذَا الِاسْتِدْلَال عِنْدِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ تَحَدِّيَ الْإِنْسِ فَقَطْ وَالْمُبَالَغَةَ فِي تَعْجِيزِهِمْ بِعَجْزِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُمْ وَأَقْدَرُ وَأَذْكَى، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَهُمْ كُلَّ طَعَامٍ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ فَإِذَا أَحَلَّ لَهُمْ فَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضَ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ لَكِنَّ الَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الصَّحِيحِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» . وَصِيغَتُهُ " لَكُمْ " لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الْإِحْلَالِ فَقَدْ يَكُونُ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِ بَعْدَ ضِيقِ، الِاسْتِدْلَالِ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ مِنْ أَجْلِهِمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِنَا لَا بِهِمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا إلَّا مِنْ الْإِنْسِ لَا أَرْتَضِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْسُنُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا إلَّا مِنْ الْإِنْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ الْمُفَسَّرِ إنَّ الرُّسُلَ إلَى الْجِنِّ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمَنْ تَبِعَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ إلَّا مِنْ الْإِنْسِ وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَطُولُ وَلَيْسَ هَذَا مَحِلَّهُ. وَلَمْ يَقُلْ الضَّحَّاكُ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي الْمِلَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ خَاصَّةً وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ فَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ عَقِيلُ بْنُ عَطِيَّةَ الْقُضَاعِيُّ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْفَصْلِ وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ

стр. 1124

الْعُلَمَاءُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ كَوْنَهُ ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ، وَرُبَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي صُدُورِ تَوَالِيفِهِمْ. قُلْت: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةَ أَنَّهُ ﷺ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا فِي الشَّامِلِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا دَلِيلُكُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى كَافَّةِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ قُلْنَا: مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّتِهِ وَأَقَرَّ بِوُجُوبِ صِدْقِ لَهْجَتِهِ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضِيَّةِ مُعْجِزَتِهِ فَثَبَتَ مَا تَرُومُهُ مِنْ بَعْثَتِهِ إلَى الْكَافَّةِ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ أَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ وَبَدِيهَةَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ تَعَلَّقَ دَعْوَتَهُ لِمَنْ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ وَلَا يُخَصِّصُهَا بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَهَذَا مِمَّا نُقِلَ تَوَاتُرًا مِنْهُ كَمَا نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَأَبْطَالُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ رَادًّا عَلَى الْعِيسَوِيَّةِ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى نَقْلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ هُنَا. وَقَوْلُ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلِّ فِيمَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا قَدْ حَمَلْنَا كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَحْمَلٍ صَحِيحٍ هُوَ أَنَّهُ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ نَقُولَ: إنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِي لَيْلَةِ الْجِنِّ أَتَرَى يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَسُورَةِ الْجِنِّ مَا فِيهِمَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ خَاصَّةً لَا حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى يُشَبَّهَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي خَفِيَتْ عَنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَرِيحًا بَلْ هُوَ فِي غَيْرِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُطْلَقَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ هَاهُنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَحِلَّهَا وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. وَقَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَنْهَضُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ؟ جَوَابُهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ بَعْضَهُ يَنْهَضُ وَبَعْضَهُ لَا يَنْهَضُ وَقَدْ نَهَضَتْ الْأَدِلَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ (فَصْلٌ) قَالَ السَّائِلُ: فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] يَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَبِتَقْدِيرِ قَوْلِهِ ﷺ فَهُوَ دَالٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَمُطْلَقُ الْإِيمَانِ أَعَمُّ مِنْ الْإِيمَانِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ

стр. 1125

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَعَمِّ ثُبُوتُ الْأَخَصِّ بَلْ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِهِ ﷺ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْنَا بِمُوسَى وَعِيسَى ﵉. أَقُولُ: تَكَلَّمَ السَّائِلُ فِي الضَّمِيرِ فِي ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي قَوْلِهِ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَوْضَحُ، فَإِنْ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الدَّاعِيَ هُوَ الْقُرْآنُ فَيُبْعِدُهُ أُمُورٌ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: أَجِيبُوهُ لِتَقَدُّمِهِ فِي قَوْلِهِمْ ﴿كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠] فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا وَمُضْمَرًا فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْإِجَابَةُ لَقِيلَ: أَجِيبُوهُ وَوَضْعُ الظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى. (الثَّانِي) أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ تَثْبُتْ تَسْمِيَتُهُ دَاعِيًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهُ دَاعِيًا فِي مَوَاضِعَ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] وَلِحَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، وَفِيهِ فَقَالُوا: إنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا، وَفِيهِ قَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ » ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِمْ ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِمَعْنًى آخَرَ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ سُورَةُ الْجِنِّ وَقِيلَ: سُورَةُ الرَّحْمَنِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ إسْنَادَ الدُّعَاءِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَقِيقَةٌ وَإِلَى الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ دَاعِيَ اللَّهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَفَى. ثُمَّ نَقُولُ: الضَّمِيرُ فِي ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] عَائِدٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ وَعَوْدُهُ فِي سُورَةِ الْجِنِّ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِهِ دُونَ غَيْرِهِ، هَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ هُنَا. وَقَوْلُ السَّائِلِ وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ. أَقُولُ: وَكَذَلِكَ لَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فَالْقُرْآنُ
следующие страницы →