← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

كُلًّا مِنْ الدَّارَيْنِ، أَوْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ دُخُولِ، وَاحِدَةٍ لِوَاحِدَةٍ، وَأُخْرَى لِأُخْرَى، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَجَبَ أَنْ يُطَلِّقَ كُلًّا مِنْهُمَا إذَا حَصَلَ الْمُسَمَّى بِأَيٍّ كَانَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا لَوْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْت عَيْنًا فَأَنْتِ طَالِقٌ إنَّهَا تَطْلُقُ بِأَيٍّ عَيْنٍ رَأَتْهَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالْعَامِّ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَحَاضَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ قُوبِلَ الْجَمْعُ بِالْجَمْعِ طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا، وَلَمْ تَشَأْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَهَلْ طَلَاقُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَتَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمَشِيئَتِهَا طَلَاقُ نَفْسِهَا دُونَ ضَرَّتِهَا؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي الْأَوَّلَ. وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ الثَّانِيَ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِقَتْلِ رَجُلَيْنِ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَالْآخَرَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَنَا " لَقِيَ الزَّيْدَان الْعُمَرَيْنِ " لَا تُصَدَّقُ حَقِيقَتُهُ حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الزَّيْدَيْنِ لَقِيَ كُلًّا مِنْ الْعُمَرَيْنِ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَحْصُلُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، وَالضَّمَانُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ يَصِحُّ بِوَارِدِ عَدَدٍ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى مَضْمُونٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قَالَ: ضَمِنَ الزَّيْدَان الْعُمَرَيْنِ فَحَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ كُلًّا مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ إذَا قَالَا: ضَمِنَّا الْأَلْفَيْنِ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ كُلًّا مِنْ الْأَلْفَيْنِ. هَذَا وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ يُمْكِنُ دَعْوَاهُ، وَيُودِي بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الضَّمَائِرَ عَامَّةٌ، وَالْعَامُّ مَدْلُولُهُ كُلُّ فَرْدٍ، وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعَطْفِ، وَلَوْ قُلْت: قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ؛ كَانَ حُكْمًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَكَذَلِكَ قَامَ الزَّيْدَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنَازَعَ فِيهِ فَإِنَّ الْمُثَنَّى اسْمٌ وُضِعَ لِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فَلَيْسَ مَدْلُولُهُ كُلَّ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ حُكْمٌ عَلَى مَجْمُوعِ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ فِي الْإِثْبَاتِ يَلْزَمُ مِنْ الْمَجْمُوعِ كُلَّ فَرْدٍ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي النَّفْيِ: مَا قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ، أَوْ مَا قَامَ الزَّيْدَانِ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ قَامَ أَحَدُهُمَا هَذَا مَا لَا رِيبَةَ فِيهِ، وَالضَّمَائِرُ بِحَسَبِ مَا يُرَادُ بِهَا، فَإِذَا عَادَتْ عَلَى عَامٍّ كَانَتْ عَامَّةً، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا النِّزَاعُ لَا يَضُرُّنَا فَإِنَّا نُقَرِّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ سَوَاءً أَكَانَ الضَّمِيرُ فِي " ضَمِنَّا " مُرَادًا بِهِ الْمَجْمُوعُ أَمْ كُلُّ فَرْدٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا تَحْرِيرُ هَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ لَهُ ثَمَرَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ الْبَحْرِ. (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ مَا، وَنَحْوَهَا مِنْ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ

стр. 352

مَدْلُولُهُ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٌ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَلَا نُطَوِّلُ بِهِ فَضَمَانُ مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ مَعْنَاهُ ضَمَانُ كُلِّ جُزْءٍ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ الْأَلْفُ، وَنَحْوُهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ مَدْلُولُهَا الْمَجْمُوعُ فَلَيْسَتْ الْأَلْفُ مَوْضُوعَةً لِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلَا دَالَّةً بِالْمُطَابَقَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضًا مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) ، وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَنَّ الضَّامِنَ، وَالْمَضْمُونَ قَدْ يَتَّحِدَانِ، وَقَدْ يَتَعَدَّدَانِ، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الضَّامِنُ وَحْدَهُ، أَوْ الْمَضْمُونُ، وَحْدَهُ، وَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِ الْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ غَرَضَنَا إنَّمَا هُوَ إذَا تَعَدَّدَ، فَإِذَا ضَمِنَ الزَّيْدَان مَالًا، وَالْمَالُ ذُو أَجْزَاءٍ، وَجُزَيْئَاتٍ فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي مَجْمُوعَ أَجْزَائِهِ كَالْأَلْفِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي عُمُومَ جُزْئِيَّاتٍ كَضَمَانِ مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ، فَإِذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَهُوَ أَلْفٌ مَثَلًا فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظَةِ " مَا " الَّتِي هِيَ مُبْهَمَةٌ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ بِوَصْفِ كَوْنِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى خَاصٌّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِالسَّوِيَّةِ لَا تَرْجِيحَ لِدَلَالَتِهِ فِي أَحَدِ الْأَجْزَاءِ عَلَى الْآخَرِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّتِك مِنْ الْأَلْفِ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: الضَّمِيرُ فِي ضَمِنَّا مُرَادٌ بِهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمَا، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ، وَكَانَتْ لَازِمَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِلَا إشْكَالٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمُعَيَّنٌ أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا ضَمِنَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ نِصْفُهَا، وَرُبْعُهَا، وَثُمُنُهَا إلَى أَدْنَى جُزْءٍ، وَأَكْثَرِهِ لَازِمٌ لِمَجْمُوعِهِمَا لَزِمَ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ فَإِمَّا أَنْ لَا يُطَالَبَ بِشَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى يَكُونَا مُجْتَمِعَيْنِ فَيُطَالَبَانِ جَمِيعًا، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُطَالَبَ بِالنِّصْفِ، أَوْ بِمَا تَحْتَهُ، أَوْ فَوْقَهُ مِنْ الْأَجْزَاءِ فَيَقُولُ: إذَا غَرِمَ ذَلِكَ الْجُزْءَ بَقِيَ الْبَاقِي مَضْمُونًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِجَمِيعِ الْأَلْفِ كَمَا ادَّعَيْنَاهُ، وَقَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا وَجْهَ لَهُ، وَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الْأَلْفِ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ التَّتِمَّةِ نَقْلَهُ فِيهَا. وَإِذَا وَصَلْت أَيُّهَا النَّاظِرُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ مَعَ فَهْمٍ، وَإِنْصَافٍ جَزَمْت بِمَا قُلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَأَمُّلِ الْمَآخِذِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى أَنَّهُ سَوَاءٌ ثَبَتَ دَلَالَةُ الضَّمِيرِ فِي ضَمِنَّا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، أَوْ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَمَقْصُودُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَاصِلٌ، وَأَمَّا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا الْأَلْفَ فَهَاهُنَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَدْلُولِ ضَمِنَّا، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِمَجْمُوعِهِمَا، وَلِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمَا

стр. 353

فَإِنْ كَانَ الْمَجْمُوعُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْدٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ضَمَانِ مَجْمُوعِهِمَا لِمَجْمُوعِ الْأَلْفِ ضَمَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهَا فَيَسْقُطُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَأْخَذُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهُ كُلَّ فَرْدٍ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَحَقُّ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ مَحَلَّ الْخِلَافِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا، وَلَعَلَّهُ، وَجَدَهُ عَنْ قَائِلِهِ فَنَقَلَهُ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ تَبِعَ فِيهِ الْبَنْدَنِيجِيَّ وَالْمَاوَرْدِيَّ، أَوْ لَعَلَّهُ تَفَقَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْخِلَافِ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَدْ أَتْقَنَ الْمَسْأَلَةَ، وَنَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَيْنِ، وَصَحَّ فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الرُّويَانِيُّ ﵀ فُرُوعًا عَنْهُ، وَعَنْ أَبِيهِ، وَجَدِّهِ مِنْ تَفَقُّهِهِمْ لَا نَقْلَ فِيهَا، وَهَذَا وَجَدَهُ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهَا. وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامُ التَّتِمَّةِ صَدْرُهُ فِيمَا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَالَك مِنْ الدَّيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَتُنَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الرُّويَانِيُّ، وَالْوَجْهُ فِيهَا لُزُومُ كُلِّ الدَّيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى مَا فِي التَّتِمَّةِ، وَإِمَّا قَطْعًا لِمَا سَبَقَ، وَلِمَا ذَكَرَهُ لَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ نَقْلًا لِغَيْرِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ لَا مِنْ الْبَحْرِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَآخِرُ كَلَامِ التَّتِمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا مَا فُرِضَ فِي الْأَلْفِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَرَّرَ أَوَّلَ كَلَامِهِ، وَآخِرَهُ فَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْأَلْفِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ فِي الضَّمَانِ الَّذِي فِي لَفْظَةِ إمَّا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَايَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي لَفْظَةِ " مَا " فَفِي لَفْظَةِ " الْأَلْفِ " أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَلْفِ خَاصَّةً، وَأَنَّ صَاحِبَ التَّتِمَّةِ عَبَّرَ عَنْهَا فِي صَدْرِ كَلَامِهِ بِلَفْظَةِ " مَا "، وَاعْتَقَدَ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهَا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ الْقَطْعُ فِيهَا بِلُزُومِ الْجَمِيعِ، وَأَيْنَ مَنْ يُحَرِّرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، أَوْ يَفْهَمُهَا، فَإِنْ قُلْت: الْعَوَامُّ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعَوَامّ فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ فِيهِمْ؛ وَلِهَذَا إذَا جَاءَ الضَّمَانُ إلَى الشُّهُودِ مَعَ الْمُقِرِّ بِالْأَلْفِ تَارَةً يَقُولُونَ: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: ضَمِنَّا الْأَلْفَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ، وَيَكْتُبُ الشُّهُودُ الْحَالَتَيْنِ أَنَّهُمْ ضَمِنُوا مَا فِي ذِمَّتِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّ نُلْزِمَ الْعَامِّيَّ بِمَا يَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِهِ. قُلْت: هَذَا السُّؤَالُ مَنْشَؤُهُ إمَّا جَهْلٌ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَإِمَّا جَهْلٌ بِالْفِقْهِ، وَتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ لَهُ مَدْلُولٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنْقَلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ، وَيَصِيرَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عُدُولًا عَنْ الْمَدْلُولِ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولُهُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي نَحْنُ

стр. 354

فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ غَيْرَ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي بَعْضِهَا، وَلَيْسَ بَحْثُنَا فِي ذَلِكَ، أَمَّا فَهْمُ الْعَامِّيِّ مِنْ اللَّفْظِ شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَوَاهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ مِنْ الْحَالِفِ بِالْحَرَامِ أَيْشُ يُفْهَمُ مِنْهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفَهْمِهِ عَلَى نِيَّتِهِ، أَوْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فَهْمُ الْعَوَامّ حُجَّةً لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَوْقَافِ، وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَنُجْرِي الْأَمْرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا لُغَةً، وَشَرْعًا سَوَاءٌ أَعَلِمْنَا أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ ذَلِكَ أَمْ جَهِلَهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ الْتَزَمَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ تَفَاصِيلَهُ حِينَ النُّطْقِ بِهِ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ لَمَّا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ بِحُكْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، وَكُلُّ مَنْ يَسْتَفْتِينَا فَإِنَّمَا نُفْتِيه عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَاطَهَا بِتَصَرُّفَاتٍ تَصْدُرُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ، وَاكْتَفَى فِي الْأَقْوَالِ بِصُدُورِهَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ اللِّسَانِ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا فَهْمَ الْمُتَكَلِّمِ لَمْ يَصِحَّ غَالِبُ مَا يَصْدُرُ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْعُقُودِ، وَغَيْرِهَا لِاشْتِمَالِ أَلْفَاظِهِمْ عَلَى مَدْلُولَاتٍ يَخْفَى عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْضُهَا فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ، وَكَأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِقَوْلِهِ: فَهْمُ الْعَوَامّ، وَإِنَّمَا هُوَ يَخْفَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَخَفَاؤُهُ عَنْهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَجْعَلُ الْخِلَافَ فِي لَفْظَةِ الْأَلْفِ مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ إنَّ الصَّحِيحَ لُزُومُ الْجَمِيعِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي لَفْظَةِ الْأَلْفِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ أَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّ الرُّويَانِيَّ جَزَمَ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ يُعْلَمُ مِنْ التَّتِمَّةِ نَقْلٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّ الْبَحْثَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ضَمِنَّا بِمَجْمُوعِهِمَا، وَالْأَلْفُ مَجْمُوعٌ، وَمُقَابَلَةُ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَإِذَا احْتَمَلَ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْمُحَقَّقِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِقْرَارِ: إنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ. قُلْت: أَمَّا النَّقْلُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنَدَ فِيهِ إلَى نَقْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ، وَقَدْ فَرَضَهَا فِي الْأَلْفِ، وَجَزَمَ بِالْجَمِيعِ فِيهَا، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ الضَّمَانِ فِي لَفْظَةِ " مَا " فَنَحْنُ نَقِيسُ عَلَيْهَا الضَّمَانَ بِلَفْظَةِ " الْأَلْفِ "؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ ذَلِكَ اقْتَضَاهُ لَا رِيبَةَ فِيهِ، وَجَزَمَ الرُّويَانِيُّ قَدْ قُلْنَا: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يَكُونَ تَبِعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيَّ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَهُ جَوَابَ اسْتِدْلَالٍ يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، وَمُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خِلَافٍ أَصْلًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ إنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ عَلَيْهَا، أَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّا نَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّ

стр. 355

مُقَابَلَةَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ لَا يَتَعَرَّضُ إلَى الْأَفْرَادِ لَفْظًا، وَلَكِنَّا نَأْخُذُهَا مِنْ خَارِجٍ مِنْ الْمَآخِذِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّهُ إذَا احْتَمَلَ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْمُحَقَّقِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَارِ غَفْلَةٌ فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بَلْ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ، وَالْعُقُودُ لَا تُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ كَالْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تُبْنَى عَلَى حَقَائِقِهَا، وَمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِ لُغَةً، وَشَرْعًا، وَهَذَا اللَّفْظُ، وَمُقَابَلَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ مُحْتَمِلٌ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ يَقْتَضِي الشَّرْعُ ذَلِكَ، وَأَيْنَ مَآخِذُ الْفِقْهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْت: الضَّمَانُ وَثِيقَةٌ كَالرَّهْنِ فَالضَّامِنَانِ لِدَيْنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيطٍ كَالْعَبْدَيْنِ الْمَرْهُونَيْنِ بِدَيْنِ وَاحِدٍ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ، فَإِنْ قُلْت: الْعَيْنَانِ الْمَرْهُونَتَانِ إذَا كَانَتَا لِوَاحِدٍ فَهُوَ رَهْنٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتْ نَظِيرَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ هُنَا مُتَعَدِّدٌ، وَإِنْ كَانَتَا لِاثْنَيْنِ فَهُمَا رَهْنَانِ يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ فَلَا يَصِحُّ مَا قُلْتُمُوهُ. قُلْت: يَصِحُّ مَا قُلْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَتَا لِاثْنَيْنِ، وَقَدْ رَهْنَاهَا عِنْدَ شَخْصٍ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى غَيْرِهِمَا كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي الْعَبْدِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ النِّصْفَيْنِ مَرْهُونٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّ الرَّهْنَ مُتَعَدِّدٌ، وَقَاعِدَةُ الرَّهْنِ: أَنَّهُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الرَّاهِنِ كَمَا تَتَعَدَّدُ صَفْقَةُ الْبَيْعِ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ فَلَا يَتَوَقَّفُ فَكُّ أَحَدِهِمَا عَلَى فَكِّ الْآخَرِ. قُلْت: إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا رُهِنَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا فَتَعَدُّدُ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ مَعَ تَعَدُّدِهِمَا، وَهَاهُنَا تَجِبُ الْبَيِّنَةُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا رَهَنَا عَيْنًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي حُكْمِ رَهْنَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ رَهْنًا وَاحِدًا حَتَّى أَجَازَهُ، وَإِنْ مَنَعَ رَهْنَ الْمُشَاعِ، وَقَالَ: لَا يَنْفَكُّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَنْفَكَّ الْآخَرُ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا رَهْنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا رَهَنَا جَمِيعًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَقَدْ رَهَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ الرَّهْنِ، وَهُمَا قَدْ جَعَلَاهُ رَهْنًا وَاحِدًا، وَإِنْ حَكَمْنَا نَحْنُ بِتَعَدُّدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ الْجَمِيعِ. وَرَهْنُ الشَّخْصِ نَصِيبَهُ بِدَيْنِهِ، وَدَيْنِ غَيْرِهِ جَائِزٌ، وَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: السِّرُّ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَعَدَّدَا، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمَا، وَحُكْمُ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي عَيْنٍ، وَظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَرْهَنُ عَلَى دَيْنِ نَفْسِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الرَّهْنَ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ صَرَّحَ بِمُقْتَضَاهُ فَلَمَّا أَطْلَقَا، وَقَرِينَةُ الْحَالِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنَّمَا يَرْهَنُ عَلَى دَيْنِ نَفْسِهِ، وَكَانَ فِي الْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ الْحَالِ، وَجَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ فَأَحَبَّ، وَتَرَكَ كُلَّ رَهْنٍ عَلَى دَيْنِ صَاحِبِهِ فَقَطْ فَلَا جَرَمَ يَنْفَكُّ بِأَدَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى

стр. 356

الْآخَرِ، وَأَمَّا إذَا رَهَنَا عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِمَا فَمَا ثَمَّ إلَّا التَّعَدُّدُ فَقَطْ، وَنَحْنُ لَا يَضُرُّنَا أَنْ نَقُولَ: هُمَا رَهْنَانِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَهَنَ نِصْفَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، وَضْعُ الرَّهْنِ، وَالتَّعَدُّدُ لَا يُنَافِيه، وَالتَّقْسِيطُ لَا مُوجِبَ لَهُ، وَقَدْ يَضْمَنُ الْفَقِيهُ بِهَذَا الْفَنِّ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَنَقُولُ: إنَّمَا يَتَعَدَّدُ إذَا تَعَدَّدَ، وَالدَّيْنُ لَهُمَا أَمَّا هُنَا فَالدَّيْنُ، وَاحِدٌ لِغَيْرِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهُمَا قَدْ جَعَلَا مَالَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ رَهْنًا عَلَيْهِ، وَوَضَعَ الشَّرْعُ أَنَّ الرَّهْنَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ مَرْهُونٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ. فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ وَاحِدٌ. قُلْت: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَةِ؛ وَلِهَذَا إذَا بَاعَ اثْنَانِ عَبْدَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَعْلَمْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَالَهُ تَرَدَّدْنَا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ الْبُطْلَانُ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِنِصْفِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ بَطَلَ قَطْعًا. فَإِنْ قُلْت: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمَا إذَا بَاعَا لَمْ يَبِعْ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَّا مَا يَمْلِكُهُ، وَإِذَا رَهَنَا لَمْ يَرْهَنْ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَّا مَا يَمْلِكُهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَا: رَهَنَّا، وَبِعْنَا، أَوْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: رَهَنْت نَصِيبِي، وَبِعْت نَصِيبِي، وَجَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَيَحْتَجُّ بِالْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ. قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى بَيْعٍ، أَوْ رَهْنٍ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ جَعَلَا أَنْفُسَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ الْوَاحِدِ، وَقَابَلَاهُ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، وَوَضْعُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّقْسِيطَ فَمِنْ قَائِلٍ يَصِحُّ لِذَلِكَ، وَمِنْ قَائِلٍ يَبْطُلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي الرَّهْنِ لَا غَرَرَ، وَلَا جَهَالَةَ، وَقَدْ نَزَّلَا أَنْفُسَهُمَا مَنْزِلَةَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَرَهَنَا مَالَهُمَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرَّهْنِ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَالضَّمَانُ مِثْلُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَيْنِ بِقَوْلِهِمَا: ضَمِنَّا جَعَلَا ذِمَّتَيْهِمَا وَثِيقَةً بِذَلِكَ الدَّيْنِ كَالضَّامِنِ الْوَاحِدِ فَلَا يَبْرَأُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ نَقِيسَ الضَّمَانَ عَلَى الرَّهْنِ بَلْ الْمَسْأَلَةُ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ رَهْنَ الرَّجُلَيْنِ مَالَهُمَا عَلَى دَيْنٍ غَيْرِهِمَا ضَمَانٌ مِنْهُمَا لِذَلِكَ الدَّيْنِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَالِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَجْرِي فِيهِمَا قَوْلُ الْعَارِيَّةِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الضَّمَانِ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِهَا، وَقَاسَ عَلَيْهَا. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ مَالِكُ الرَّهْنِ فِي صُورَةِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالرَّهْنُ وَاحِدٌ، وَقَصَدَ فَكَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ فَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمَا الِانْفِكَاكُ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ. قُلْت: لَا مُخَالَفَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ التَّتِمَّةِ إذَا رَهَنَا بِأَنْفُسِهِمَا بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إذَا اسْتَعَارَ مِنْهُمَا فَرَهَنَ. عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ نَقَلَ أَنَّ عِبَارَةَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ عَلَى عَدَمِ الِانْفِكَاكِ، وَقَدْ رَأَيْت أَنَّ هَذَا النَّصَّ فِي الْأُمِّ فِي الرَّهْنِ الصَّغِيرِ فِي رَهْنِ الْمُشَاعِ، وَلَفْظُهُ: وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنْ يَرْهَنَ الْعَبْدَ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، وَهُوَ كُلُّهُ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ

стр. 357

دُونَ بَعْضٍ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الرَّاهِنَ إنْ فَكَّ نَفْسَهُ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكٌ، وَيُجْبَرُ عَلَى فَكِّ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فِي الْعَبْدِ إنْ شَاءَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ فِيهِ، وَإِنْ فَكَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكٌ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى حَقِّهِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ الْبَاقِي. انْتَهَى. وَلَهُ فِيهِ نَصٌّ آخَرُ أَيْضًا لَفْظُهُ: وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدًا فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِخَمْسِينَ فَقَالَ: هَذِهِ فِكَاكُ حَقِّ فُلَانٍ مِنْ الْعَبْدِ، وَحَقُّ فُلَانٍ مَرْهُونٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُفَكُّ إلَّا مَعًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِتِسْعِينَ فَقَالَ: فُكَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ، وَاتْرُكْ الْعُشْرَ مَرْهُونًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ مَفْكُوكًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَاحِدٌ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ فَلَا يُفَكُّ إلَّا مَعًا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ جَازَ أَنْ يُفَكَّ أَحَدُهُمَا دُونَ نِصْفِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، وَمِنْ آخَرَ عَبْدًا فَرَهَنَهُمَا جَازَ أَنْ يُفَكَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَالرَّجُلَانِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُمَا فِي وَاحِدٍ مُتَّحِدًا، وَأَحْكَامُهُمَا فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ حُكْمُ مَالِكِي الْعَبْدَيْنِ الْمُفْتَرَقَيْنِ. انْتَهَى. وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَرَوَى الْمَحَامِلِيُّ، وَغَيْرُهُ قَوْلًا ثَالِثًا: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لِمَالِكَيْنِ فَلِلرَّاهِنِ فَكُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءِ نِصْفِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا قَالَ الْإِمَامُ، وَلَا نَعْرِفُ لِهَذَا وَجْهًا. هَذَا مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمَالِكَيْنِ لَمَّا أَذِنَ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْهَنُهُ مَعَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَوَّلًا، فَإِنْ عَلِمَ، وَأَذِنَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، أَوْ عَلِمَ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ إلَّا فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ، وَعَيَّنَ الْمَبْلَغَ الَّذِي يَرْهَنُ بِهِ فَرَهَنَهُ مَعَ غَيْرِهِ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَلَا فَائِدَةَ فِي أَدَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لِأَجْلِ الْفَكِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ غَيْرِهِ بِالرَّهْنِ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَهَاهُنَا يَحْسُنُ إجْرَاءُ الْخِلَافِ، وَيُتَّجَهُ أَنَّ الصَّحِيحَ الِانْفِكَاكُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَمِمَّا يُرْشِدُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدًا فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِمِائَةٍ ثُمَّ قَضَى خَمْسِينَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُخْرِجُ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ فَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ. وَالثَّانِي: يُخْرِجُ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَّا فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ بِخَمْسِينَ فَلَا يَصِيرُ رَهْنًا بِأَكْثَرَ مِنْهُ. هَذَا كَلَامُ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا قُلْنَاهُ فَحَصَلَتْ الصُّوَرُ ثَلَاثًا: (إحْدَاهَا) : إذَا قَالَ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ نَصِيبِي مَعَ النَّصِيبِ الْآخَرِ بِمِائَةٍ فَرَهَنَهُمَا بِهَا فَيَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ النَّصُّ الْأَوَّلُ الَّذِي نَقَلْنَاهُ مِنْ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ

стр. 358

بِأَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ رَهْنًا بِمِائَةٍ، وَحُكْمُ الرَّهْنِ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مَرْهُونٌ بِكُلِّ جُزْءٍ فَلَزِمَ رِضَاهُ بِأَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مَرْهُونًا بِمِائَةٍ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ نَاظِرٌ إلَى تَعَدُّدِ الْمَالِ فَقَطْ. (الثَّانِيَةُ) : إذَا قَالَ: أَذِنَتْ لَك أَنْ تَرْهَنَ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ فَيَصِحُّ، وَلَا يَنْفَكُّ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ قَطْعًا إلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى تَعَدُّدِ الْمَالِ فَيَجْرِي فِيهِ وَجْهٌ. (الثَّالِثَةُ) : إذَا قَالَ: أَذِنْت لَك أَنْ تَرْهَنَ النَّصِيبَ الَّذِي لِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ بِخَمْسِينَ فَرَهَنَ جَمِيعَهُ بِمِائَةٍ، فَهَذِهِ الصَّحِيحُ فِيهَا أَنَّهُ يَنْفَكُّ بِأَدَاءِ خَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ضَعِيفٌ، وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ، وَعِنْدِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا فِي نَصِيبِ الْمُعَيِّنِ، وَتَصْحِيحُ الِانْفِكَاكِ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ، وَأَمَّا نَصِيبُ الْآخَرِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ هُوَ الرَّاهِنُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفَكَّ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَكَأَنَّهُ رَهَنَ نَصِيبَهُ عَلَى جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَرَهَنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ عَلَى نِصْفِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَوْلَيْنِ فِي الِانْفِكَاكِ إذَا كَانَ النِّصْفَانِ لِمُعِيرَيْنِ غَيْرَ الرَّاهِنِ، لَكِنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَرُدُّهُ النَّصُّ الْأَوَّلُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ النِّصْفَيْنِ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ، وَالرَّاهِنُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ، وَقَدْ تَأَمَّلْته بَعْدَ ذَلِكَ، الْقَوْلُ الثَّانِي فِي النَّصِّ الْأَوَّلِ مَأْخَذُهُ تَعَدُّدُ الْمَالِكِ فَقَطْ، وَهُوَ هُنَا يَجْرِي بِلَا شَكٍّ، وَإِنَّمَا قُلْته تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي نَصِيبِ الْمُعِيرِ يَنْفَكُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي فَرَضْنَاهَا فِي إذْنِهِ فِي نِصْفِهِ بِخَمْسِينَ فَرَهْنُ الْجَمِيعِ بِمِائَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُصَحَّحِينَ لِلِانْفِكَاكِ عَلَيْهَا. وَالصُّورَةُ الْأُولَى يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَلَيْهَا، وَالنَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ، وَنَقَلْنَاهُ عَنْ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ الْأَوَّلِ يُشِيرُ إلَى فَرْضِهَا فِي ذَلِكَ أَلَا تَرَاهُ قَالَ: أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنْ يَرْهَنَ الْعَبْدَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَنْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ، وَمَسْأَلَةُ الْعَبْدَيْنِ إذَا اسْتَعَارَهُمَا مِنْ مَالِكِهِمَا إنْ اسْتَعَارَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَيُتَّجَهُ الِانْفِكَاكُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَاسَ عَلَيْهِ فِي تَعْلِيلِ الْقَوْلِ الثَّانِي فِيمَا حَكَيْنَاهُ مِنْ النَّصِّ، وَلَعَلَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ قَالَا لَهُ: أَعَرْنَاكَهُمَا لِتَرْهَنَهُمَا بِدَيْنِك يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ الْمَنْقُولُ عَنْ عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالْحَاوِي فِي ذَلِكَ فَلَا عَلَيْنَا فِي مُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ وَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ حَيْثُ اقْتَضَى نَصُّهُ الْأَوَّلُ تَرْجِيحَ عَدَمِ الِانْفِكَاكِ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَالْعَبْدَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِثْلُهُ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ ذَكَرَ الطَّرِيقَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ، وَقَالَ: إنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِمَا إذَا قَالَا: أَعَرْنَاك، وَأَنَّهُ إنْ خُصَّتْ بِهَذِهِ الْحَالَةِ اتَّجَهَ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ، أَوْ ضَمَانٌ، وَكَانَ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا الِانْفِكَاكَ؛ لِأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ ضَمَانٌ، وَتَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِهَذِهِ

стр. 359

الْحَالَةِ لَيْسَ يُبْعِدُهُ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مِنْ تَرْجِيحِ الِانْفِكَاكِ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ ظَنُّهُ مَا أَسْلَفَهُ فِي مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ، وَكُلُّ هَذَا إنَّمَا أَوْجَبَهُ لَهُ عَدَمُ وُقُوفِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّتِمَّةِ فَهِيَ تُبْطِلُ هَذَا كُلَّهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَاعِدَةٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ إلَى الْآنَ لَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ التَّتِمَّةِ، وَلَا رَأَيْت مَا يُخَالِفُهَا بَلْ تَوَهُّمَاتٌ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ، فَإِنْ قُلْت: إذْنُهُ فِي رَهْنِ الْعَبْدِ مَحْمُولٌ عَلَى إذْنِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي نَصِيبِهِ غَيْرُ لَاغٍ. قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذْنُهُ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مَحْمُولٌ عَلَى رَهْنِهِ وَحْدَهُ، وَإِذْنُهُ فِي رَهْنِ جَمِيعِهِ مَعْنَاهُ الْإِذْنُ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مَعَ الْبَاقِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْأَوَّلِ الْإِذْنُ فِي الثَّانِي لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا. فَإِنْ قُلْت: فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَقْطَعُوا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ كَمَا أَوْمَأْتُمْ إلَيْهِ مِنْ الْقَطْعِ بِمُطَالَبَةِ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ بِالْجَمِيعِ، وَحَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ لَزِمَ فَسَادُ مَا أَوْمَأْتُمْ إلَيْهِ مِنْ الْقَطْعِ فِي مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مَسْأَلَةَ الْأَصْحَابِ الَّتِي صَحَّحُوا فِيهَا الِانْفِكَاكَ لَزِمَ فَسَادُ الْقَوْلِ الَّذِي حَاوَلْتُمُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ كُلُّ ضَامِنٍ إلَّا بِقِسْطِهِ. قُلْت: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَازِمًا لَنَا، وَلَا وَارِدًا عَلَيْنَا بِالْجُمْلَةِ أَمَّا نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مِنْهُمَا مَأْخَذُهُ أَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْحُكْمِ أَمَّا تَعَدُّدُهَا فَنَظَرًا إلَى الْمَالِكَيْنِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْعَاقِدُ كَمَا يَقُولُ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، أَمَّا اخْتِلَافُ حُكْمِهِمَا فَلِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِ الْغَيْرِ يُخَالِفُ حُكْمَ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِ نَفْسِهِ فَالْتَحَقَ بِمَا لَوْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا فَلَا يَتَوَقَّفُ انْفِكَاكُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافُ حُكْمٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا تَعَدُّدٌ مَحْضٌ. فَإِنْ قُلْت: لَعَلَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ الْعَارِيَّةِ، وَالثَّانِي مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ الضَّمَانِ فَيَكُونُ عَلَى عَكْسِ مَا أَرَدْتُمْ، وَأَقْوَى فِي الرَّدِّ عَلَيْكُمْ. قُلْت: يَمْنَعُ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَقَلَهَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ أَوْلَى، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى مَأْخَذٍ سَلَكْنَاهُ، وَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَلْيَكُنْ دَأْبُك يَا أَخِي أَنَّك إذَا رَأَيْت مَسْأَلَةً فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَفَهِمْت مَأْخَذَهَا لَا تَجْزِمْ بِهَا حَتَّى تُحِيطَ عِلْمًا بِنَظَائِرِهَا، وَمَا يُشَابِهُهَا، أَوْ يَشْتَرِكُ مَعَهَا فِي شَيْءٍ مَا، وَكَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَلْ يَتَّفِقُ، أَوْ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْكُلُّ فِي مَأْخَذٍ فَاسْلُكْهُ ثُمَّ اعْرِضْهُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ شَهِدْت بِصِحَّتِهِ فَذَلِكَ هُوَ الْغَايَةُ، وَحِينَئِذٍ اعْتَمِدْ تِلْكَ الْمَسَائِلَ، وَالْمَآخِذَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ، وَكَرِّرْ النَّظَرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك الْحَقُّ، وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْخَلَلُ هَلْ مِنْ بَعْضِ الْمَسَائِلِ، أَوْ مِنْ الْمَأْخَذِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا دُرٌّ مِنْ الْكَلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ الْفَقِيهُ لِأَمْثَالِهِ فِي نَظَرِهِ فِي الْفِقْهِ. وَأَمَّا كَوْنُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْحَابِ الَّتِي صَحَّحُوا فِيهَا الِانْفِكَاكَ

стр. 360

فَلَا مَطْمَعَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْإِلْبَاسُ مِنْ خَلْطِ صُوَرِ الْمَسَائِلِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَعِنْدَ تَمْيِيزِهَا، وَتَفْصِيلِ صُوَرِهَا، وَتَحْرِيرِهَا يَظْهَرُ تَقْرِيرُهَا، وَهَذَا الْكَلَامُ أَعْلَى، وَأَسْمَى مِنْ أَنْ نَقُولَهُ لِغَالِبِ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ الْمُشَمِّرِينَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ فِي الِاشْتِغَالِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْطِي الْعِلْمَ حَقَّهُ مِنْ الْكَلَامِ، وَلَعَلَّ حُرًّا يَنْدُرُ وُجُودُهُ يَقَعُ مِنْهُ بِمَوْقِعٍ فَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَنَبَّهُ بِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ مِنْ فَتْحِ مُرْبِحِ الْعُلُومِ، وَاسْتِدْرَارِ إنْتَاجِ الْفُهُومِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ نَرَاهُ يَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ، وَإِنْ اتَّسَمَ بِسَمْتِهِ، وَتَحَلَّى ظَاهِرُهُ بِصِفَتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصَالَ لَيْلَى ... وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ ، فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ: إذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَأَنَا، وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ كُلٌّ مِنَّا عَلَى الْكَمَالِ، أَوْ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ كُلٌّ مِنَّا بِالْحِصَّةِ لَزِمَهُ مَا يَخُصُّهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ، وَهُمْ ضَامِنُونَ لَزِمَهُ الْجَمِيعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ الْقِسْطُ. فَقَوْلُ الْأَصْحَابِ هُنَا إذَا قَالَ: أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ لَزِمَهُ بِحِصَّتِهِ خَاصَّةً يَقْتَضِي أَنَّهُمَا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَالَك عَلَى فُلَانٍ لَا يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا إلَّا النِّصْفُ. قُلْت: هَذَا مِنْ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ، وَالتَّمَسُّكُ مِنْ الْعُلُومِ بِظَوَاهِرِهَا يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْتِمَاسُ إتْلَافٍ بِعِوَضٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: اعْتِقْ عَبْدَك عَلَى كَذَا، وَرَدُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ حَيْثُ قَالَ: يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَقِيقَتُهُ حَقِيقَةَ الضَّمَانِ فَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ حُكْمِهِ لِمَا هُوَ ضَمَانٌ حَقِيقَةً. فَإِنْ قُلْت: هَبْ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَمَانٍ لَكِنَّهُ الْتِزَامٌ، وَالِالْتِزَامُ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا، وَإِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا قَدَّمْته أَنْتَ فِي اللِّقَاءِ، وَالرُّؤْيَةِ، وَنَحْوِهِمَا بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَنَحْوِهِ، وَالْمَتَاعُ الَّذِي يُرِيدُ إلْقَاءَهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ اسْمُ الْمَتَاعِ صِدْقَ الْعَامِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا قَرَّرْته أَنْتَ فِي لَفْظَةِ " مَا " فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَا: الْتَزَمْنَا، أَوْ ضَمِنَّا مَالَك، أَوْ مَتَاعَك الَّذِي فِي السَّفِينَةِ، أَوْ أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ لَهُ، وَحَيْثُ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِسْطُ يَلْزَمُك أَنْ تَقُولَ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَإِلَّا فَبَيِّنْ لِي فَرْقًا مَعْنَوِيًّا بَيْنَ الِالْتِزَامَيْنِ، وَدَعْ افْتِرَاقَهُمَا فِي حَقِيقَةِ الضَّمَانِ الْمُسْتَدْعِي ضَمَّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِبَحْثِنَا هُنَا. قُلْت: لَا شَكَّ أَنَّ الِالْتِزَامَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ حَاصِلٌ فِي ضَمَانِ السَّفِينَةِ، وَضَمَانِ دَيْنِ الْغَيْرِ، وَالْتِزَامِ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَعِوَضِ الْقَرْضِ، وَسَائِرِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مُعَاوَضَةٌ

стр. 361

مَحْضَةٌ كَالْبَيْعِ، وَالسَّلَمِ، وَالْإِجَارَةِ، وَغَيْرِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِوَضَ يَتَقَسَّطُ إذَا تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُسْلِمُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ، وَنَحْوُهُ. وَلَيْسَ التَّقْسِيطُ رَاجِعًا إلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ فَقَطْ بَلْ بِقَرِينَةِ الْعِوَضِ فَإِنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ فَيَسْقُطُ بِحَسَبِهِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لَزِمَهُ بِقَدْرِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مُعَاوَضَةً غَيْرَ مَحْضَةٍ كَالْجَعَالَةِ، وَالْخُلْعِ، وَنَحْوِهِمَا يَلْحَقُ بِالْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ، وَيَحْصُلُ لَهُ مَا يُبْذَلُ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَإِنَّ الْعَمَلَ الْحَاصِلَ لَهُ فِي رَدِّ عَبْدِهِ بِالْجَعَالَةِ مِثْلُ الْعَمَلِ الْحَاصِلِ لَهُ بِالْإِجَارَةِ، وَالْبُضْعُ الْحَاصِلُ لِلْمُخْتَلِعَةِ نَفْسِهَا كَالْعِوَضِ الْحَاصِلِ لَهَا بِالشِّرَاءِ، وَنَحْوِهَا فَلِذَلِكَ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّهُ إذَا خَالَعَ نِسْوَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ فَسَدَ فِي الْأَصَحِّ، وَيُحَبُّ لِكُلِّ، وَاحِدَةٍ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى مُهُورِ أَمْثَالِهِنَّ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى، وَلَوْ قَالَتَا: طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا، وَقَعَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَا: رُدَّ عَبْدَيْنَا بِكَذَا فَرَدَّ أَحَدَهُمَا، وَالْوَاجِبُ عَلَى الَّذِي طَلَّقَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَبِلَ حِصَّتَهَا مِنْ الْمُسَمَّى إذَا وُزِّعَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهِمَا، وَقِيلَ: نِصْفُ الْمُسَمَّى تَوْزِيعًا عَلَى الرُّءُوسِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَاجِبِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا طَلَّقَهُمَا جَمِيعًا، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ نَوْعٌ يُسَمَّى فِدَاءً كَخُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ يَفْتَدِي بِهِ الْمَرْأَةَ وَشِرَاءُ مَنْ أَقَرَّ بِجُزْئِيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا جَارٍ عَلَى حُكْمِ الْمُعَاوَضَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْعَيْنِ، وَبِالدَّيْنِ، فَإِذَا اُفْتُدِيَ اثْنَانِ بِعَبْدِ لَهُمَا حُرٍّ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَيَسْتَرِقُّهُ، أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا صَحَّ، وَمَلَكَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا الْعَبْدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ الْبُضْعِ فَهِيَ مُقَابَلَةٌ صَحِيحَةٌ، وَتَقْسِيطٌ صَحِيحٌ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وَإِذَا اُفْتُدِيَا بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِمَا كَانَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ، وَهَكَذَا فِدَاءُ الْأَسَارَى مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَضَمَانُ السَّفِينَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ يُشْبِهُهُ مِنْ وَجْهٍ بِاخْتِلَاعِ الْأَجْنَبِيِّ، وَمِنْ وَجْهٍ بِافْتِدَاءِ الْأَسِيرِ، وَمِنْ وَجْهٍ بِافْتِدَاءِ مَنْ يُعْلَمُ حُرْمَتُهُ، وَاَلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ يَجْهَلُ، وَإِنَّمَا غَايَرْنَا بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ عَلَى بُضْعِ زَوْجَتِهِ ثَابِتٌ، وَالْمُخْتَلِعُ يَنْبَغِي إزَالَتُهُ إزَالَةً صَحِيحَةً فَهِيَ مُعَاوَضَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، وَفِيهَا إزَالَةُ مِلْكٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَانِبِ الزَّوْجِ بِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ، وَجَانِبِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَالِ الْمُبَدَّلِ. وَافْتِدَاءُ الْأَسِيرِ مِنْ الْكَافِرِ لَيْسَ فِيهِ إزَالَةُ مِلْكٍ أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا يَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْفَادِي فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا بَذَلَهُ مِنْ الْفِدَاءِ، وَالْكَافِرُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا يُعْطِيه لَهُ لِلضَّرُورَةِ لِافْتِدَاءِ الْمُسْلِمِ، وَافْتِدَاءِ الْحُرِّ مِمَّنْ يَسْتَرِقُّهُ فَظَاهِرُ الْأَمْرِ كَالْخُلْعِ، وَفِي الْبَاطِنِ كَالْأَسِيرِ إنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَهُوَ

стр. 362

مِثْلُهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَإِنْ جَهِلَ كَانَ مَعْذُورًا فِي الظَّاهِرِ لَا إثْمَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى مَا يَعْلَمُهُ، وَضَمَانُ السَّفِينَةِ إذَا أَشْرَفَتْ عَلَى الْغَرَقِ، وَلَا يُنْقِذُهُمْ إلَّا إلْقَاءُ الْمَتَاعِ يَجِبُ إلْقَاؤُهُ، وَلَكِنْ بِعِوَضٍ إذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ تَعُودُ إلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الْمُلْقَى لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ حَتَّى لَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ عَلَى السَّاحِلِ، وَظَفِرْنَا بِهِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَيَسْتَرِدُّ الضَّامِنُ الْمَبْذُولَ. وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُمْسِكَ مَا أَخَذَهُ، وَيَرُدُّ بَدَلَهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِي الْعَيْنِ الْمُقْتَرَضَةِ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً هَلْ لِلْمُقْتَرِضِ إمْسَاكُهَا، وَرَدُّ بَدَلِهَا إذَا عُرِّفَتْ، فَالْمَتَاعُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ بِالْإِلْقَاءِ لَا خُرُوجِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَالْمَالُ الْمَبْذُولُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْيَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبْذَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ عَيْنٌ، أَوْ دَيْنٌ فَهُوَ يُشْبِهُ الْخُلْعَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إزَالَةَ يَدٍ مُحِقَّةٍ، وَيُفَارِقُهُ فِي بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ كَمَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ. وَفِي وُجُوبِ الْإِلْقَاءِ فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا إزَالَةُ الشِّقَاقِ فَقَطْ دُونَ إبَانَةِ الْمَرْأَةِ، وَيُشْبِهُ مِمَّا أَخَذَهُ بِالْعَيْنِ الْمُقْتَرَضَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَجْرِيَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، أَوْ بِالتَّصَرُّفِ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبْذُولُ عَيْنًا ظَاهِرًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ دَيْنًا فَقَدْ يُسْتَبْعَدُ، وَلَا اسْتِبْعَادَ فِيهِ أَيْضًا فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَأَتْبَاعُهُ: إنَّهُ لَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك أَلْفًا، وَقَبِلَ، وَتَفَرَّقَا ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا جَازَ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَإِنْ طَالَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعِيدَ لَفْظَ الْقَرْضِ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ إيرَادِ الْقَرْضِ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ. فَقَدْ يَكُونُ مَا تَضَمَّنَهُ الضَّامِنُ لِلْمُلْقَى فِي ذِمَّتِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا فَقَدْ يَكُونُ الْمَتَاعُ لِلْمُلْقِي، وَهُوَ الْمُشَبَّهُ لِلْعَيْنِ الْمُقْتَرَضَةِ، وَيُجْعَلُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ أَوْلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِذَا أَخَذَ بَدَلَهُ مِنْ الضَّامِنِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَدَلِهِ، وَلِذَلِكَ يَسْتَرِدُّهُ إذَا قُلْنَا: يَسْتَرِدُّ الْعَيْنَ الْمُقْتَرَضَةَ فَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي وَقْتِ مِلْكِهِ كَذَلِكَ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ بَانَ وَاتَّضَحَ أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ أَعْنِي: ضَمَانَ السَّفِينَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْخُلْعِ، وَالْجَعَالَةِ، وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَيَقْتَضِي التَّقْسِيطَ فَلَا جُرْمَ قَالُوا: إذَا قَالَ: " أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ " حُمِلَ عَلَى التَّقْسِيطِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا تَقْسِيطُهُ، وَأَمَّا الضَّمَانُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ فَلَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ، وَلَا مُعَاوَضَةٌ، وَلَا افْتِدَاءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ فَلَا يُوجِبُ التَّقْسِيطَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ. فَلَا جُرْمَ قُلْنَا: يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا الْجَمِيعُ، فَإِنْ قُلْت: لَوْ صَحَّ مَا قُلْته فِي ضَمَانِ السَّفِينَةِ لَكَانَ إذَا صَرَّحَ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَلَى الْكَمَالِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ اثْنَانِ عَيْنًا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ ثَمَنِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَفْسُدَ الضَّمَانُ، أَوْ يَصِحَّ، وَيَفْسُدَ الشَّرْطُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِسْطُ، وَقَدْ قَالَ: يَلْزَمُهُ الْكُلُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَفَارَقَ

стр. 363

مَسْأَلَةَ الْعُقُودِ. قُلْت: هَذَا وَقْتُ التَّثَبُّتِ فِي النَّقْلِ. هُنَا مَسْأَلَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) إذَا قَالَ رَجُلَانِ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْنَا ضَمَانُهُ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَنْقُلُوهَا، وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَلْزَمَ كُلًّا مِنْهُمَا إلَّا الْقِسْطُ، وَأَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَالُ الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ بِخِلَافِ الضَّمَانِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ قَابِلٌ لِهَذَا، وَلِهَذَا. (الثَّانِيَةُ) : وَهِيَ الَّتِي نَقَلْتُمُوهَا إذَا قَالَ: أَنَا، وَهُمْ ضَامِنُونَ كُلٌّ مِنَّا عَلَى الْكَمَالِ، فَهُنَا يَلْزَمُهُ كَمَالُ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ: فَإِنَّ انْفِرَادَهُ بِالضَّمَانِ صَحِيحٌ، وَقَدْ صَدَرَ مِنْهُ، وَضَمَانُهُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ هُمْ ضَامِنُونَ إمَّا لِلْجَمِيعِ، أَوْ لِلْحِصَّةِ إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ ضَمَانٍ سَبَقَ مِنْهُ، وَاعْتَرَفُوا بِهِ تَوَجَّهْت الطُّلْبَةُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا شَرَطُوا الْكَمَالَ صَحَّ. قُلْت: الَّذِي أَقُولُهُ، وَلَا أَتَرَدَّدُ فِيهِ، وَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى بَعْضِهِ أَنَّهُمَا إذَا قَالَا: أَلْقِ، وَعَلَيْنَا ضَمَانُهُ، وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ اسْتِقْلَالًا، وَالنِّصْفُ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ صَاحِبِهِ إذَا صَحَّحْنَا ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ، وَمِثْلُهُ فِي الثَّمَنِ إذَا شَرَطَ لُزُومَهُ لَهُمَا يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ اسْتِقْلَالًا، وَنِصْفُهُ ضَمَانًا، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَلْقِ مَتَاعَك، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، وَقَالَهُ آخَرُ عَلَى الْفَوْرِ قَبْلَ الْإِلْقَاءِ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُلْقِي جَوَابَهُمَا كَانَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ قَصَدَ جَوَابَ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الثَّانِيَ، وَإِنْ قَصَدَ جَوَابَ الثَّانِي لَزِمَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْأَوَّلُ، وَيَأْتِي فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ أَيْضًا. هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ أَنْتَ جَازِمٌ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ مُجَوِّزُهُ أَعْنِي مَسْأَلَةَ إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَالَك مِنْ الدَّيْنِ عَلَى فُلَانٍ. قُلْت: أُجَوِّزُهُ عَلَى ضَعْفٍ لَمَّا تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ هَذَا. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَالَا: رَهَنَّا عَبْدَنَا بِالدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ أَلْفٌ، أَوْ تَقْطَعُ بِهِ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ؟ قُلْت: بَلْ أَقْطَعُ بِهِ كَمَا قَطَعَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الضَّمَانِ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّ الرَّهْنَ مَوْضُوعُهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ذَلِكَ فَعِنْدَ إطْلَاقِهِمَا يَنْزِلُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّهُمَا جَعَلَا لَهُ حُكْمَ الرَّهْنِ الْوَاحِدِ لِاتِّحَادِ الْعَيْنِ، وَفِي الضَّمَانِ الذِّمَّةُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ فَنَظَرْنَا إلَى تَعَدُّدِ الضَّامِنِ، فَإِنْ قُلْت: لَوْ قَالَ: وَضَمِنَّا الْمَبْلَغَ الْمَذْكُورَ هَلْ يَكُونُ كَضَمَانِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هُنَا لِلْعَهْدِ لَا لِلْعُمُومِ، وَالْمَعْهُودُ عَدَدٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمَانٌ لِلْجَمِيعِ. فَإِنْ قُلْت إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِالتَّقْسِيطِ تَعَذَّرَ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي إنَّمَا يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، أَوْ النَّصَّ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ. قُلْت: الْحَاكِمُ إمَّا أَنْ

стр. 364

يَكُونَ مُجْتَهِدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، وَحَكَمَ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا إذَا خَالَفَ، وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ رَابِعًا، وَهُوَ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَجَوَّزْنَا قَضَاءَهُ، وَحَكَمَ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ حَكَمَ بِمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ عِلْمًا فَهَذَا قَضَاؤُهُ بَاطِلٌ مَنْقُوضٌ سَوَاءً صَادَفَ الْحَقَّ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «قَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ» فَكُلُّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى حُكْمٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَنْ إمَامِهِ يَعْلَمُهُ قَبْلَ قَضَائِهِ بَلْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ بِمَا سَبَقَ فِي، وَهْمِهِ، وَخَطَرَ بِبَالِهِ فَقَضَاؤُهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَذْهَبُ إمَامِهِ مَجْزُومًا بِهِ، وَمُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَادِفْ مُحِلًّا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُقَلِّدِ، وَالْمُجْتَهِدِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَنَدَ إلَى وَجْهٍ، أَوْ قَوْلٍ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَعْنِي الَّذِي صَحَّحَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. وَاشْتَهَرَ الْأَخْذُ بِهِ فِي مَذْهَبِهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْمَذْهَبِ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ جَازَ، وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَكَانَ حُكْمُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِهِ لَهُ حُكْمًا بِمَا لَا يَعْلَمُ فَيَدْخُلُ النَّارَ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْوَجْهِ تَقْلِيدًا لِصَاحِبِهِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ. فَإِنْ كَانَ لِاعْتِقَادِهِ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ إمَّا مِنْ دَلِيلٍ بِحَسْبِ حَالِهِ، أَوْ أَمْرٍ دِينِيٍّ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ فَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِصِحَّتِهِ لِاعْتِقَادِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِبُطْلَانِهِ لِمُدْرَكَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ لَا يُقَلَّدُ قَائِلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِكَوْنِ قَائِلِهِ يَرَى أَنَّهُ مَذْهَبُ إمَامِهِ، فَإِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ خِلَافَهُ كَانَ قَوْلُهُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ إنَّمَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِإِمَامٍ إلَّا لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِمَذْهَبِ عَالِمٍ آخَرَ، فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ غُرْمُ الْمَالِ الَّذِي اسْتَعَادَهُ مِنْ الْقَابِضِ؟ قُلْت: حَيْثُ نَقَضْنَا حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ يَعْنِي أَنَّهُ يُطَالِبُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ مَنْ أَخَذَهُ أَلْزَمَهُ بِرَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا أَلْزَمَهُ بِرَدِّ بَدَلِهِ، فَإِنْ أُعْسِرَ الْمَحْكُومُ، أَوْ غَابَ طُولِبَ الْقَاضِي لِيُغَرَّمَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ خَالِصِ مَالِهِ فِي قَوْلٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ يُرْجَعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ إذَا أَيْسَرَ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَتَوَقَّفَ مُطَالَبَةُ الْقَاضِي عَلَى غَيْبَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ، وَلَا عَلَى إعْسَارِهِ بَلْ يَتَخَيَّرُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي مُطَالَبَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ثُمَّ الْقَاضِي إذَا غَرِمَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ كَتَبْتهَا فِي رَابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.

стр. 365

[بَابُ الشَّرِكَةِ] (مَسْأَلَةٌ) شَرِيكَانِ بَيْنَهُمَا سَوَاقٍ تُزْرَعُ صَيْفِيًّا وَشَتْوِيًّا وَبِهَا إنْشَاءَاتٌ أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ مَالِهِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ السَّوَاقِي وَصَرَفَ الشَّرِيكُ الْمَأْذُونُ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ شَرِيكُهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، ثُمَّ إنَّ الشَّرِيكَ الْآذِنَ وَضَعَ يَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى السَّوَاقِي وَأَخَذَ مَا بِهَا مِنْ الْمُتَحَصِّلِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَأَخَذَ مَا بِهَا مِنْ الْأَبْقَارِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ فَتَلِفَ بَعْضُ الْبَقَرِ وَبَارَتْ الْأَرْضُ وَفَسَدَ مَا بِهَا مِنْ الزِّرَاعَةِ وَالْإِنْشَاءَاتِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟ (أَجَابَ) يَلْزَمُهُ ضَمَانُ حِصَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي التَّالِفِ بِبَدَلِهِ، وَالنَّاقِصِ بِأَرْشِهِ وَفِي الْبَائِرِ وَالْمُسْتَعْمَلِ بِأُجْرَتِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا حِصَّتُهُ مِمَّا صَرَفَهُ الْمَأْذُونُ بِإِذْنِهِ مِنْ ثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [بَابُ الْوَكَالَةِ] (مَسْأَلَةٌ مِنْ دِمْيَاطَ فِي صَفَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) رَجُلٌ وَكَّلَ وَكِيلًا أَنْ يَقْبِضَ لَهُ مَبْلَغَ جَرِيدِهِ، وَأَنْ يُعْطِيَ مِنْ جُمْلَتِهَا ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِشَخْصٍ يُسَمَّى غَازِي قِرَاضًا، ثُمَّ مَاتَ الْوَكِيلُ بَعْدَ قَبْضِ مَبْلَغِ الْجَرِيدَةِ فَاعْتَرَفَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَانِيَةَ لِلْمَذْكُورِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ سِوَى خَمْسَةِ آلَافٍ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُوَكِّلِ بِبَقِيَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَعْطَاهَا وَأَشْهَدَ وَتَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ. (أَجَابَ) الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا أَعْطَى، وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ إشْهَادٍ لَمْ يَثْبُتْ سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْإِشْهَادُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا كَمَا هُمَا وَجْهَانِ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُودِعَ صَحَّحَ الْبَغَوِيِّ الْوُجُوبَ وَالْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ. أَمَّا طَلَبُ الْمُوَكِّلِ أَخْذَهَا مِنْ التَّرِكَةِ فَشَرْطُهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ سَبَبًا مُضَمِّنًا مِثْلُ كَوْنِهِ كَانَ يَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا، أَوْ مَرِضَ وَهِيَ عِنْدَهُ وَلَمْ يُوصِ بِهَا، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ الْوَكِيلُ عَنْ حُكْمِ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ وَتُوَفَّى مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِمَّا أَنْ تُوجَدَ الثَّلَاثَةُ الْآلَافُ، أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا فِي تَرِكَتِهِ مَفْرُوزًا غَيْرَ مُخْتَلِطٍ بِغَيْرِهِ وَيَحْلِفُ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ مَالُهُ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِيمَا سِوَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَمِينٌ، وَقَدْ تَكُونُ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

стр. 366

[كِتَابُ الْإِقْرَارِ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ أَقَرَّ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِدَيْنٍ وَمَاتَ، وَالْوَارِثُ الْمَذْكُورُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَادَّعَى الْمُوصَى لَهُ بِالدَّيْنِ فَطَلَبَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ يَمِينَهُ، وَهُوَ بَالِغٌ أَعْنِي الْمُقَرُّ لَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ، وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ مِنْ غَيْرِ يَمِينِهِ، وَإِذَا نَكَلَ هَلْ يَكُونُ الْمَبْلَغُ لَهُ؟ (أَجَابَ) يَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ يَمِينٌ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ وَقَفَ الْحُكْمُ إلَى أَنْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ فَإِذَا انْفَكَّ حَلَفَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ وَبَرِئَ مُوَرِّثُهُمْ وَاقْتَسَمُوا الْمَوْقُوفَ لِدَيْنِهِ مِيرَاثَهُمْ، وَالْمُقَرُّ لَهُ الْوَارِثُ وَلَا يَحْلِفُونَ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ وَإِقْرَارُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ لَا يُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: امْرَأَةٌ أَقَرَّتْ أَنَّهَا وَقَفَتْ دَارًا - ذَكَرَتْ أَنَّهَا بِيَدِهَا وَمِلْكِهَا وَتَصَرُّفِهَا - عَلَى وَلَدِهَا ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَإِنْ سَفَلُوا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا ثُمَّ لِوَلَدِهَا الْمَذْكُورِ وَأَشْهَدَ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُكْمِ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَبِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَبِالْحُكْمِ بِهِ وَبَعْدَهُ شَافِعِيٌّ آخَرُ، وَثَبَتَ أَنَّ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ إنْشَاءُ الْمُقِرَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ تَزَلْ فِي يَدِهَا إلَى حِينِ وَفَاتِهَا مِنْ حِينِ أَنْشَأَتْهَا فَأَرَادَ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ إبْطَالَ هَذَا الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى شَرْطِهَا النَّظَرَ لِنَفْسِهَا وَاسْتِمْرَارِ يَدِهَا عَلَيْهَا، وَبِمُقْتَضَى كَوْنِ الْحَاكِمِ بِصِحَّتِهِ، وَإِنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجِبِ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ. وَأَفْتَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِذَلِكَ تَعَلُّقًا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ صَحَّ، وَوَرَدَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَأَلْزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجِبِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمِ وَتَصْوِيبِ الرَّافِعِيِّ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ هُنَا زِيَادَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الْحُكْمُ بِهِ يَمْنَعُ مِنْ النَّقْضِ تَعَلُّقًا بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَأَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْوَقْفِ وَوَافَقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ هَذَا الْقَوْلَ أَيْضًا وَقَارَبَهُ. وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا، وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ لَفْظِ الْحَاكِمِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ الْحُكْمِ بِهِ لَيْسَ عَائِدًا عَلَى الْوَقْفِ وَلَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أَظْهَرُهَا الْإِقْرَارُ، وَثَانِيهَا مُوجَبُ الْإِقْرَارِ. وَثَالِثُهَا الثُّبُوتُ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: بِثُبُوتِ ذَلِكَ لِلْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ عِنْدَهُ لَا الْمُوجَبُ وَلَا الْوَقْفُ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ لِلْإِقْرَارِ فَالضَّمِيرُ فِي الْحُكْمِ بِهِ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ

стр. 367

بِأَمْرَيْنِ الْإِقْرَارِ وَمُوجَبِهِ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَأْكِيدًا وَيَكُونُ الْمَحْكُومُ بِهِ الْمُوجَبَ فَقَطْ، وَعَلَى الثَّالِثِ يَكُونُ الْمَحْكُومُ بِهِ مُوجَبَ الْإِقْرَارِ، وَثُبُوتُ الْإِقْرَارِ، وَنِسْبَةُ الْحُكْمِ إلَى الثُّبُوتِ لَا تُسْتَبْعَدُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْهَاءَ الْحَالِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ نَقْلٌ لِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا الْمَسَافَةُ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ، أَوْ حَكَمَ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ. وَالثَّانِي أَظْهَرُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَأَخَذْنَا مِنْ كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّ لَفْظَةَ الْحَاكِمِ قَدْ لَا يُرَادُ بِهَا الْإِلْزَامُ بِالْمُدَّعَى بِهِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَثْبِيتِ الدَّعْوَى، وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَكْثَرِينَ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ كِتَابَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ عَلَى الثَّانِي فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِحَّةُ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ حُكْمٌ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ بِلَا إشْكَالٍ، وَعَلَى أَظْهَرِ الِاحْتِمَالَاتِ حُكْمٌ مَعَ ذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ أَيْضًا؛ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَمْ يُحْكَمْ إلَّا بِالْمُوجَبِ، وَعَلَى الثَّالِثِ حُكِمَ بِالْمُوجَبِ وَثُبُوتِ الْإِقْرَارِ. . (الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي حُكْمِ ذَلِكَ وَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ، أَوْ لَا وَهَلْ هُوَ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ، أَوْ لَا؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ لَا يُنْقَضُ إلَّا إذَا خَالَفَ النَّصَّ، أَوْ الْإِجْمَاعَ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا شَيْءٌ مِنْهَا. فَإِنْ قُلْت مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ لَا يُنْقَضُ قُلْت: نَقَلَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ وَقَالُوا: إنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ خَالَفَهُ عُمَرُ ﵁ فِيهَا وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ وَحَكَمَ عُمَرُ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ بِالْمُشَارَكَةِ، وَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذَا عَلَى مَا قَضَيْنَا وَقَضَى فِي الْحَدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا اجْتِهَادٌ، وَالثَّانِي بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ، وَفِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فَإِنَّهُ إذَا نُقِضَ هَذَا الْحُكْمُ يُنْقَضُ ذَلِكَ النَّقْضُ وَهَلُمَّ جَرَّا. أَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ حَكَمَ فِي ابْنَيْ عَمٍّ؛ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ بِأَنَّ الْمَالَ لِلْأَخِ وَأَنَّهُمْ ارْتَفَعُوا إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَنَقَضَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ شُرَيْحًا هَمَّ بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَحْكُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥]- الْآيَةَ، أَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ أَنَّهُ يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ فَلَا اعْتِدَادَ بِهِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَالْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ حَتَّى

стр. 368

حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا إذَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ كَانَا لَمْ يُفْتِيَا بِذَلِكَ فَنَقَضَ مَالِكٌ الْحُكْمَ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْحُكْمَ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَبِالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْعَبِيدِ. وَالْمَقْصُودُ اتِّفَاقُ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مَتَى لَمْ يُخَالِفْ مَقْطُوعًا لَا يُنْقَضُ، وَالْحُكْمُ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمَالِكِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ إذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ، وَالشَّافِعِيُّ هُنَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ. قُلْت: كُلُّ شَيْءٍ حَكَمَ فِيهَا حُكْمًا صَحِيحًا لَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ فِيهِ، أَمَّا حَصْرُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَلَا، وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ امْتِنَاعِ النَّقْضِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ ثُمَّ إنَّا نَقُولُ: الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي ثُبُوتَ ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَاسْتِجْمَاعَ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا وَلِذَلِكَ يَحْتَرِزُ الْقُضَاةُ مِنْهَا، أَمَّا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَلَيْهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ وَإِقْرَارُهُ كَانَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ تَسْتَدْعِي الصِّحَّةَ فِي حَقِّهِ إذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَمَا أَخَذْنَا بِهِ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَكُونُ بِالْمُطَابَقَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِلْزَامِ، فَالصَّادِرُ هُنَا مِنْ الْحَاكِمِ بِالْمُطَابَقَةِ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ وَبِالِاسْتِلْزَامِ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ، فَإِذَا حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ فَالصَّادِرُ مِنْهُ بِالْمُطَابَقَةِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ وَبِالتَّضَمُّنِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَبِالِاسْتِلْزَامِ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَهُوَ فِي الثَّانِي، وَالثَّالِثِ رَافِعٌ لِلْحُكْمَيْنِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ مِنْ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَوَارِدَانِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الثَّانِي بِالْمُطَابَقَةِ غَيْرَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ بِالْمُطَابَقَةِ وَامْتِنَاعُ النَّقْضِ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ لَمْ يَفْصِلُوا فِيهِ بَيْنَ الْمُطَابَقَةِ وَالِاسْتِلْزَامِ بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ قَدْ يَكُونُ بِالْمُطَابَقَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِلْزَامِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَوْ جَادَلَ مُجَادِلٌ فِي الِاسْتِلْزَامِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُجَادَلَةُ فِي التَّضْمِينِ. وَالتَّضْمِينُ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي يُنَاقِضُ الْمُطَابِقِيَّ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حُكْمٌ فِي الْمَلْزُومِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ بِالْمُطَابَقَةِ، وَالثَّانِي حُكْمُهُ بِالتَّضَمُّنِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ فَكَانَ كَمَنْ حَكَمَ بِقَتْلِ امْرَأَةٍ بِالرِّدَّةِ فَحَكَمَ الثَّانِي بِامْتِنَاعِ قَتْلِ جَمِيعِ النِّسَاءِ إلَّا فِي تِلْكَ الْمَرْأَةِ مِنْهُنَّ، وَلَا نَشُكُّ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ حُكْمُ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ وَقَعَ صَحِيحًا. وَمِمَّنْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ قَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِلْزَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ

стр. 369

مِنْ أَصْحَابِنَا لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ بَيْعَ الْحَاكِمِ مَالَ الْمُفْلِسِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِأَنَّهُ حُكْمٌ لَهُ بِالْمِلْكِ. وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: حُكْمُ الْحَاكِمِ قَدْ يَكُونُ الِالْتِزَامُ لِحُكْمِهِ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ بِإِبْطَالِ الْعِتْقِ بِالِالْتِزَامِ وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ كَبَيْعِ الْحَاكِمِ الْعَبْدَ الْمَذْكُورَ بِخِلَافِ تَزْوِيجِهِ بِيَتِيمَةٍ تَحْتَ حَجْرِهِ، أَوْ بَيْعِهِ مَالَهَا، فَالْفِعْلُ قَدْ يُعَرَّى عَنْ الْحُكْمِ، وَقَدْ يَسْتَلْزِمُهُ انْتَهَى. وَلَا شَكَّ فِي اسْتِلْزَامِ الْحُكْمِ الْحُكْمَ؛ وَأَمَّا اسْتِلْزَامُ الْفِعْلِ الْحُكْمَ فَفِيهِ نَظَرٌ سَنَتَعَرَّضُ لَهُ فِي آخِرِ هَذَا التَّصْنِيفِ وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا هُنَا إلَى إتْيَانِهِ، أَوْ نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا فِي اسْتِلْزَامِ الْحُكْمِ الْحُكْمَ لَا فِي اسْتِلْزَامِ الْفِعْلِ الْحُكْمَ. هَذَا قَوْلُنَا فِي الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، أَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْنِي الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ إلَّا الْحُكْمَ بِمُوجَبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ بَيْعٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا إذَا قَالَ: حَكَمْت بِهِمَا مَعْنَاهُ حَكَمْت بِمُوجَبِهِمَا: فَإِنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ حُكْمُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، وَالتَّصَرُّفُ فِعْلٌ وَاقِعٌ مِنْ الشَّخْصِ، وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ سَبَبًا بِحُكْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ الْحُكْمِ فَالثَّابِتُ التَّصَرُّفُ، وَالْمَحْكُومُ بِهِ نَتِيجَتُهُ، وَهُمَا غَيْرَانِ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْحَاكِمُ الْعِبَارَةَ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى النَّائِبِ، أَوْ كَنَّاهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ بِأَمْرِهِ وَمُقْتَضَاهُ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ فَإِذَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ كَانَ أَصَحَّ وَأَبْيَنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِ الثُّبُوتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ السَّمَاعِ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ لَفْظَتَيْ الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ: أَمَّا هُنَا فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَلَمْ يُنَازِعْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَالْحُكْمَ بِمُوجَبِهِ مُتَقَارِبَانِ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُوجَبُهُ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمُوجَبِ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَمَّا الْإِقْرَارُ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرِّ وَالْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ كَذَلِكَ فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِهِ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالْحُكْمِ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَلَيْسَ لَك أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيْعِ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ فَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوجَبِ وَلَكِنْ حَيْثُ تَثْبُتُ الصِّحَّةُ يَثْبُتُ الْمُوجَبُ وَلَا يَنْعَكِسُ فَقَدَّرْنَا الْمُوجَبَ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ وَلَمْ نُقَدِّرْ الصِّحَّةَ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. فَإِنْ قُلْت: فَمَا جَوَابُكُمْ عَنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ؟ قُلْت مِنْ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ الرَّافِعِيَّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 370

وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ أَبِي سَعِيدٍ بِمَضْمُونِهِ لَا بِمُوجَبِهِ. (الثَّانِي) : وَهُوَ الْعُمْدَةُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: بِمُوجَبِهِ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ، أَوْ بِمَضْمُونِهِ عَلَى عِبَارَةِ الْأَصْلِ تَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَمَضْمُونُ الْكِتَابِ وَمُوجَبُهُ صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْ تَصَرُّفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَبُولُهُ، وَإِلْزَامُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ، وَإِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى مُحْتَمَلَةٌ، وَهُوَ تَثْبِيتُ الْحُجَّةِ وَإِلْزَامُهَا قَبُولَهَا وَعَدَمُ رَدِّهَا ثُمَّ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ مِنْهَا عَدَمُ مُعَارَضَةِ بَيِّنَةٍ أُخْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ، فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الرَّافِعِيُّ، وَلَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِيهِ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمَحِلِّ فَزَالَ التَّعَلُّقُ بِكَلَامِهِمَا. (الثَّالِثُ) : أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ لَا فِي عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ، وَلَا الْهَرَوِيِّ لَفْظَةُ الْحُكْمِ بَلْ الْإِلْزَامُ، وَالْإِلْزَامُ وَإِنْ عَدَّهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ لَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْإِلْزَامِ بِالْمُدَّعَى بِهِ، أَمَّا إلْزَامُ الْعَمَلِ بِالْمُوجَبِ فَلَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا هُنَا، وَكَلَامُنَا فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَالْمُرَادِفُ لَهُ الْإِلْزَامُ بِالْمُوجَبِ، وَالْوَاقِعُ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ إلْزَامُ الْعَمَلِ بِالْمُوجَبِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي مُرَادَفَتِهِ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ، وَيَقُولُ: إنَّهُ مَا حَكَمَ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ كَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْحُكْمِ فِيهِ غَيْرَ جَائِزٍ فَاسْتِعْمَالُهُ حِينَئِذٍ إمَّا تَلْبِيسٌ وَإِمَّا جَهْلٌ، وَكِلَاهُمَا قَادِحٌ فِي الْحَاكِمِ. (الرَّابِعُ) : أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْهَرَوِيِّ، وَلَا الرَّافِعِيِّ لَفْظَةُ الثُّبُوتِ فَلِذَلِكَ احْتَمَلَ إلْزَامَ الْعَمَلِ عَلَيْهَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا جَمَعَ بَيْنَ لَفْظَتَيْ الثُّبُوتِ، وَالْحُكْمِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْحُكْمِ عَلَى الثُّبُوتِ حَذَرًا مِنْ التَّأْكِيدِ، وَقَوْلُهُ: قَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الثُّبُوتِ. (الْخَامِسُ) : أَنَّ أَبَا سَعْدٍ الْهَرَوِيَّ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ: إنَّمَا رَجَعْتُ عَنْ الْقَوْلِ لِأَنِّي رَأَيْت الْحُكَّامَ مُقَلِّدِينَ يَثْبُتُونَ عَلَى عَادَةِ الْقُضَاةِ السَّابِقَةِ مِنْ غَيْرِ أَرْكَانٍ تُبَصِّرُ الْحَقَائِقَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِي قَاضٍ لَهُ تَبَصُّرٌ بِالْحَقَائِقِ عَالِمٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ فِي بِلَادِنَا بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَعْنِي الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ، وَيَرَوْنَهَا حُكْمًا وَيَكْتَفُونَ بِهَا، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَفْهُومِ مِنْهَا، وَشُيُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ أَرَادَ بِهَا الْحُكْمَ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا فِي الْعُرْفِ. (السَّادِسُ) : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي عَرَفْتهَا حَكَمَ فِيهَا حَاكِمٌ جَيِّدٌ، وَنَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ جَيِّدٌ فِي سُنَّتِهِ، وَكَانَا هُمَا وَشُهُودَ الْأَصْلِ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا تُفِيدُ شَيْئًا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِيهِمَا، وَإِنْ حُمِلَتْ

стр. 371

عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَلَوْ لَمْ يَرَ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ لَازِمٌ لَمَا سَمِعَ الْبَيِّنَةَ فَسَمَاعُهُ الْبَيِّنَةَ وَحُكْمُهُ بِهَا تَصْحِيحٌ لِلْحُكْمِ، وَقَطْعٌ لِلنِّزَاعِ فِيهِ. (السَّابِعُ) لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ، وَصِحَّةِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ فِي الْبَلَدِ فَتَنْفِيذُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ. (الثَّامِنُ) أَنَّ لَنَا وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ، أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَأَبُو عَلِيٍّ وَالْإِمَامُ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ وَالرَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَبَنَوْا عَلَيْهِمَا رُجُوعَ الْحَاكِمِ، وَتَغْرِيمَ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ، فَإِذَا حُمِلَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ عَلَى الثُّبُوتِ كَانَ فِي كَوْنِهِ حُكْمًا هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَكَيْفَ يُصَوِّبُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَالتَّصْوِيبُ يُشْعِرُ بِالْقَطْعِ، وَفِي أَوَّلِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُشْعِرُ بِقُرْبِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ بِحُكْمٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ فَمَعْنَاهُ حُكْمٌ بِمَا ثَبَتَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الثَّابِتَ لَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِمُقْتَضَاهُ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، أَوْ قَالَ ثَبَتَ، وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ يَجْرِي فِيهِ خِلَافٌ ثُمَّ إذَا تَبَيَّنَ لَنَا، وَقُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ ثُبُوتٌ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ حُكْمٌ أَمْ لَا، فَإِذَا نَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ كَانَ تَنْفِيذُهُ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، وَيَصِيرُ تَنْفِيذُهُ الثَّانِيَ لَازِمًا، هَذَا عِنْدَنَا، فَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَالثُّبُوتُ حُكْمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَقَالَ: إنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ قَوْلٌ شَاذٌّ بَلْ مُجَرَّدُ التَّقْرِيرِ إذَا رُفِعَتْ قِصَّةٌ إلَى حَاكِمٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ سَكَتَ عَنْهَا حُكْمٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاشْتُهِرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْحَاكِمُ الثَّانِي إذَا قَالَ: إنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا صَدَرَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَأَلْزَمَ مُقْتَضَاهُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِلُزُومِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَهُوَ حُكْمٌ لَا يَتَّجِهُ فِيهِ الْخِلَافُ. (التَّاسِعُ) أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي كِتَابَةِ السِّجِلِّ: وَيَكْتُبُ فِي الْمَحْضَرِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارٍ وَشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَيُثْبِتُ عَدَالَتَهُمَا، أَوْ بِيَمِينِهِ بَعْدَ النُّكُولِ، وَأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِسُؤَالِ الْمَحْكُومِ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: ثَبَتَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ. هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ بِمَا فِي الْكِتَابِ حُكْمٌ صَحِيحٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ أَصْرَحُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ، وَإِنَّمَا زَادَ فِي لَفْظِهِ الثُّبُوتَ فَخِلَافُ مَسْأَلَةِ أَبِي سَعْدٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الثُّبُوتُ، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ كَانَ حُكْمًا صَحِيحًا، وَإِلَّا تَنَاقَضَ الْكَلَامُ.

стр. 372

فَإِنْ قُلْت: قَالَ أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ: إنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَا يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ يُنَافِي مَا قَدَّمْت مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَصِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ. قُلْت: إنَّمَا قَيَّدْت بِقَوْلِي فِي حَقِّ الْمُقِرِّ احْتِرَازًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَبِي سَعْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَيَتَضَمَّنُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْحَقَّ تَارَةً يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ، وَتَارَةً يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَتَارَةً بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَا يُصَحِّحُ وَصْفَ الْحَقِّ بِالثُّبُوتِ إذَا أُقِرَّ بِهِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّ الثَّابِتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ بَلْ الْإِقْرَارُ وَمَا أَوْجَبَهُ، نَعَمْ لَا نُطْلِقُ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ ثَابِتٌ، وَهُوَ كَوْنُهَا لِزَيْدٍ لَمْ تَثْبُتْ حَتَّى تَمْتَنِعَ مُنَازَعَةُ غَيْرِهِ لَهُ فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْهَرَوِيِّ وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ لَمْ يَمْتَنِعْ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِثُبُوتِهِ إذَا ثَبَتَ الْإِقْرَارُ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ صَحَّ الْحُكْمُ بِهِ وَبِصِحَّتِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ إذَا حَكَمَ بِالْإِقْرَارِ وَبِصِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الصِّحَّةَ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا حَتَّى يَتَعَدَّى حُكْمُهَا إلَى الْغَيْرِ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِهَا فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ هَكَذَا أَلَا تَرَى لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ حَكَمْنَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى الْمُوجَبِ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الصِّحَّةِ؟ . قُلْت: أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُوجَبَ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ، وَالصِّحَّةُ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَثَرُ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالْأَوَّلُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالثَّانِي شَرْعِيٌّ، وَقِيلَ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، أَوْ التَّحْرِيمُ، أَوْ الْإِبَاحَةُ، أَوْ الصِّحَّةُ، أَوْ الْفَسَادُ عَلَى مَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ السَّبَبِيَّةُ، وَالشَّرْطِيَّةُ، وَالْمَانِعِيَّةُ وَلَا يَحْكُمُ بِكَرَاهَةٍ، وَلَا نَدْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِيهَا مُبَاشَرَةً، وَلَا اسْتِلْزَامًا بِخِلَافِ تِلْكَ الْأُمُورِ. (فَإِنْ قُلْت بَيِّنِ الْحُكْمَ بَيْنَ مُوجَبِ الْإِقْرَارِ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ مَا بَحَثْنَا، أَوْ الْحُكْمُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي) . قُلْت: مُوجَبُ الْإِقْرَارِ ثُبُوتُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَلُزُومُهُ لَهُ ذَلِكَ مَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ، وَصِحَّةُ الْإِقْرَارِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مِمَّنْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَلَا يُكَذِّبَهُ حِسٌّ، وَلَا عَقْلٌ، وَلَا شَرْعٌ، وَأَنْ تَكُونَ صِيغَةً صَحِيحَةً، وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ يَسْتَدْعِي حُصُولَ ذَلِكَ، فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ بِأَنْ عَلِمَ الْقَاضِي حُصُولَ هَذِهِ الشُّرُوطِ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ أَعْنِي صِحَّةَ الْإِقْرَارِ

стр. 373

عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ. وَإِذَا كَذَّبَهُ الشَّرْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَطَعْنَا بِمِلْكِهِ لَهُ فَلَا نَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بَلْ بِفَسَادِهِ، وَإِنْ لَمْ نَقْطَعْ إلَّا بِظَاهِرِ الشَّرْعِ فَلَا أَثَرَ لِلْإِقْرَارِ الْآنَ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَثَرُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا صَارَ فِي يَدِهِ كَمَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى يَدِهِ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ السَّابِقِ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَصِحَّةُ الْحُكْمِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى دَعْوَى، وَسُؤَالٍ، فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ بِشُرُوطِهِ صَحَّ الْحُكْمُ أَيْضًا، وَإِنْ عَلِمَ الْقَاضِي كَذِبَ الْإِقْرَارِ بِحِسٍّ، أَوْ عَقْلٍ، أَوْ شَرْعٍ قَطْعِيٍّ، أَوْ أُكْرِهَ الْمُقِرُّ، أَوْ كَوْنُهُ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بَلْ بِفَسَادِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ بِتَصَرُّفٍ يَعْتَقِدُ الْحَاكِمُ فَسَادَهُ كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلَانَهُ، أَوْ يَقُولُ دَارِي الَّتِي فِي مِلْكِي لِزَيْدٍ فَيَفْسُدُ فِي الْأَوَّلِ لِفَسَادِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَفِي الثَّانِي لِفَسَادِ الصِّيغَةِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ، وَإِمْكَانِ الْمُقَرِّ بِهِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْكَلَامِ فِي التَّنَحْنُحِ فِي الصَّلَاةِ: لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِ إنْسَانٍ مُطْلَقًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحْمَلُ إقْرَارُهُمْ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ احْتَمَلَ عَوَارِضَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ انْتَهَى. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ الِاخْتِيَارِ، وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَلْ يَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ خِلَافُهُ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِحَجْرٍ طَارِئٍ أَمَّا لَوْ عَلِمَهُ مَحْجُورًا بِصِبًا، أَوْ غَيْرِهِ، وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَلَا بِمُوجَبِهِ حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ. وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ظَاهِرُ اعْتِمَادِهِ عَلَى الْأَصْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَارِضٌ، أَمَّا إذَا وُجِدَ مُعَارِضٌ حَصَلَ بِسَبَبِهِ شَكٌّ، وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصُرَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ دُونَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَبَيَّنَ عِنْدَهُ حَالُهَا، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَقْتَضِي إلَّا أَنَّهُ سَبَبُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عَلَى شَرْطٍ، أَوْ انْتِفَاءِ مَانِعٍ فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ حُكْمٌ بِسَبَبِيَّةِ الْمُؤَاخَذَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ أَعْمَلْنَا السَّبَبَ وَأَثْبَتْنَا الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ اعْتِمَادًا عَلَى الْأَصْلِ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، وَبِصِحَّتِهِ مُتَلَازِمَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَخَصُّ، وَتَوَقَّفَ الْحُكَّامُ فِي الصِّحَّةِ حَيْثُ يُجِيبُونَ إلَى الْمُوجَبِ إنْ قُلْنَا بِتَلَازُمِهِمَا فِي الْإِقْرَارِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بَيْنَهُمَا عُمُومٌ، وَخُصُوصٌ فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ شُرُوطَ الْإِقْرَارِ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَهَا الْحَاكِمُ ثَلَاثَةٌ صِحَّةُ الصِّيغَةِ، وَإِمْكَانُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَرُشْدُ الْمُقِرِّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَانِعٌ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْيَدُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا يُحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ إلَّا عِنْدَ التَّرَدُّدِ، وَفِي الْغَالِبِ

стр. 374

يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِعِلْمِ الْحَاكِمِ بِظَاهِرِ الْحَالِ. فَإِنْ قُلْت: بَيِّنْ لِي أَيْضًا الْفَرْقَ بَيْنَ مُوجَبِ الْإِنْشَاءِ، وَصِحَّةِ الْإِنْشَاءِ، وَسَبَبَ تَوَقُّفِ الْحَاكِمِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ قُلْت: مُوجَبُ الْإِنْشَاءِ أَثَرُهُ جَعْلُ الشَّارِعِ ذَلِكَ الْإِنْشَاءَ سَبَبًا فِي حُصُولِهِ، وَصِحَّتُهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلِلصِّحَّةِ شُرُوطٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُتَصَرِّفِ، وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ، وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ، وَلَا بِمُوجَبِهِ، وَإِذَا تَرَدَّدَ فِيهَا فَمَا كَانَ رَاجِعًا إلَى الصِّيغَةِ أَوْ إلَى حَالِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَخْفَى حُكْمُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ، وَمَا كَانَ حَالَ الْمُتَصَرَّفِ فِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الْعَدَمِيَّةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُهُ. وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْإِقْرَارِ، إذَا عَرَفْت ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ وَلَا عَدَمُهُ، وَثَبَتَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ لَمْ يُمْكِنْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنَّ التَّصَرُّفَ صَالِحٌ وَسَبَبٌ لِتَرَتُّبِ أَصْلِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَمْلُوكِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى، وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُوجَبِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ لِحُكْمِهِ فَوَائِدُ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ سَبَبٌ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِشَرْطِهِ حَتَّى إذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي إفَادَتِهِ الْمِلْكَ كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ مَثَلًا فَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ. (الثَّانِيَةُ) : مُؤَاخَذَةُ الْوَاقِفِ بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَيْعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ. (الثَّالِثَةُ) : مُؤَاخَذَةُ كُلِّ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ إذَا أَقَرَّ لِلْوَاقِفِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ كَمَا يُؤَاخَذُ الْوَاقِفُ. (الرَّابِعَةُ) : مُؤَاخَذَةُ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِاعْتِرَافِهِمْ لِلْوَاقِفِ كَمَا قُلْنَاهُ لِغَيْرِهِمْ. (الْخَامِسَةُ) : صَرْفُ الرُّبْعِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِ ذِي الْيَدِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ وَقْفُ الْوَاقِفِ لِمَا فِي يَدِهِ وَاعْتِرَافُ ذِي الْيَدِ لَهُ كَافٍ فِيهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِقْرَارِ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فِي الْحَقِيقَةِ حُكْمٌ بِالسَّبَبِيَّةِ، وَثُبُوتُ أَثَرِهَا فِي حَقِّ مَنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ كَالْوَاقِفِ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ بِلَا شَرْطٍ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فَإِنَّ حُكْمَ الْبَيِّنَةِ لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَحُكْمَ الْإِقْرَارِ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمِلْكُ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لَازِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَانَ لَازِمًا لِذِي الْيَدِ وَمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ. وَلَا نَقُولُ: إنَّ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ بَلْ الْحُكْمُ مُنْجَرٌّ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ يُثْبِتُ الْمِلْكَ عَلَيْهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْحُكْمُ بِالشَّرْطِ، وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَثَرِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ فَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مَعْنَاهُ

стр. 375

الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْأَثَرِ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ وَالْبَيِّنَةُ مَوْجُودَيْنِ أَمْ يَتَجَدَّدَانِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي حَقِّهِمْ لَا مُطْلَقًا، وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِالْمُؤَثِّرِ بِهِ التَّامَّةِ مُطْلَقًا، وَيَلْزَمُ مِنْهَا ثُبُوتُ الْآخَرِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، ثُمَّ الْقِسْمَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِدَافِعٍ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ مَعَ إبْقَاءِ كُلِّ ذِي حُجَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ عَلَى حُجَّتِهِ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْجَزْمَ بِالْحُكْمِ فَقَدْ بَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ مُوجَبِ الْإِنْشَاءِ، وَصِحَّةِ الْإِنْشَاءِ، وَمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَالسَّبَبِ الدَّاعِي لِلْقُضَاةِ، وَالْإِجَابَةِ إلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي وَقْتٍ، وَإِلَى التَّوَقُّفِ فِي وَقْتٍ مَعَ الْإِجَابَةِ إلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَمَعَانِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْت: مَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، وَلِمَ لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ؟ قُلْت لَوْ قُلْنَا بِذَلِكَ لَأَدَّى إلَى أَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ مِلْكٌ فَوَقَفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا، أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ وَقْفًا مُتَّصِلًا بِشُرُوطِهِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ صَرْفِهِ وَأَرَادَ بَيْعَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُ إنْ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّ الْمُقِرَّ، وَالْمُتَصَرِّفَ يُؤَاخَذُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكَهُ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ مِلْكَهُ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْهُ بِالْوَقْفِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا، وَلَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ فِي بَيْعِهَا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا فَإِقْرَارُهُ عَلَى بَيْعِهَا إقْرَارُهُ عَلَى خَطَأٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَمُنْكَرٍ قَطْعًا فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إزَالَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ» ، وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ كَذَلِكَ فَتَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلِمَ قُلْت: إنَّهُ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ كَوْنِهِ سَبَبًا حَتَّى يَرْتَفِعَ؟ . قُلْت: لِأَنَّنَا نَنْقُلُ الْكَلَامَ إلَى الْمُخْتَلَفِ، وَنَفْرِضُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ مَثَلًا، وَأَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ، وَطَلَبَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقَالَ الْوَاقِفُ: أَنَا لَا أُسَلِّمُ لَا أَرَى صِحَّةَ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ فَصْلُ الْقَضِيَّةِ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِ، وَيَحْكُمُ عَلَى الْوَاقِفِ بِصِحَّةِ السَّبَبِيَّةِ، وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ، وَلَوْلَا حُكْمُهُ بِصِحَّةِ السَّبَبِيَّةِ لَمَا أَمْكَنَهُ الْحُكْمُ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَلَدَامَ النِّزَاعُ، وَإِصْرَارُ الْوَاقِفِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ الْحَاكِمُ خَطَأَهُ. فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَحْكُمُ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَلِمَ قُلْت: إنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ. قُلْت: لِأَنَّهُمْ تَلَقَّوْا الْمِلْكَ عَنْهُ، وَيَعْتَرِفُونَ بِالْمِلْكِ وَالْبَدْأَةِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ اعْتِرَافُهُمْ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ وَإِقْرَارِهِ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْهُ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَلَا

стр. 376

مِيرَاثَ فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ لَهُمْ. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُلْزِمَ الْقَاضِي الْمَيِّتَ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ فِي حَيَاتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ عَلَى الْوَرَثَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةٌ لِهَذَا الْخِلَافِ، أَمَّا وُجُوبُ إخْرَاجِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] يَشْمَلُ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَالدَّيْنَ الثَّابِتَ بِالْإِقْرَارِ، وَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدًا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَذَلِكَ فِي إقْرَارٍ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِحُكْمٍ وَلَا ثُبُوتٍ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ الْإِقْرَارُ فِي حَيَاتِهِ، وَحَكَمَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ فَلَا يَشْمَلُهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّا مَا أَلْزَمْنَاهُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ بَلْ بِحُكْمِنَا السَّابِقِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى هَذَا فَإِنَّا نَقْطَعُ بِوُجُوبِ إخْرَاجِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ فَأَقَرَّ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ دَعْوَى عَلَى الْوَارِثِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مَحَلُّ الْوَجْهَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ جِهَةِ لَفْظِ الْمُوجَبِ، فَإِنْ قُلْت: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَصِحُّ لِإِبْهَامِهِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْهَرَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ مِنْ تَعْيِينِ مَا يَحْكُمُ بِهِ، وَمَنْ يَحْكُمُ لَهُ. وَقَالَا مَعَ ذَلِكَ إنَّهُ قَدْ يُبْتَلَى بِظَالِمٍ لَا بُدَّ مِنْ مُلَايَنَتِهِ فَيَكْتُبُ فِيمَا إذَا قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ دَاخِلٌ، وَخَارِجٌ مَثَلًا حَكَمْت فِيمَا هُوَ قَضِيَّةُ الشَّرْعِ فِي مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ فُلَانٍ الدَّاخِلِ وَفُلَانٍ الْخَارِجِ، وَقَرَرْت الْمَحْكُومَ بِهِ فِي يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ وَسَلَّطَتْهُ، وَمَكَّنْته مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَيُخَيَّلُ إلَى الدَّاخِلِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَحْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْت: الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْهَرَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِيهَا إبْهَامٌ كَمَا قَالَا وَرَخَّصَ لِلْقَاضِي فِعْلَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُوجَبُ لَا إبْهَامَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَمَدْلُولَهُ وَمُوجَبَهُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَبَيْنَهَا تَفَاوُتٌ فَالْمَدْلُولُ مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ، وَالْمُقْتَضَى، وَالْمُوجَبُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ، مِثَالُهُ: الْبَيْعُ مَدْلُولُ نَقْلِ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ، وَمُقْتَضَاهُ ذَلِكَ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحِلِّ الِانْتِفَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي اقْتَضَاهَا الْبَيْعُ، وَالْمُوجَبُ كَالْمُقْتَضَى مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ مَدْلُولُهُ إنْشَاءُ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجِبُهُ صَيْرُورَةُ ذَلِكَ وَقْفًا وَاسْتِحْقَاقُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَنَافِعَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الزَّوْجِ: أَنْتِ طَالِقٌ مَدْلُولُهُ إيقَاعُ الْفُرْقَةِ وَمُقْتَضَاهُ وَمُوجَبُهُ وُقُوعُهَا وَحُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ الْمَدْلُولُ، وَالْمُوجَبُ قَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ الشَّرْعِ: مِثَالُهُ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَمَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ نَقْلُ هَذَا الْمِلْكِ وَمُوجَبُهُ

стр. 377

وَمُقْتَضَاهُ انْتِقَالُهُ وَثُبُوتُ أَحْكَامِهِ لَكِنَّ الشَّارِعَ أَبْطَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فَلَا مُوجَبَ لَهُ شَرْعًا، وَالْقَاضِي إذَا حَكَمَ فَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ: حَكَمْت بِالْمُوجَبِ عَلِمْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي الْمُوجَبَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي هُوَ نَتِيجَةُ التَّصَرُّفِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ قُلْت: الْمُوجَبُ الشَّرْعِيُّ أَعَمُّ مِنْ الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ. قُلْت قَدْ رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَقُولُ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنْ كَانَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ يَرَى الصِّحَّةَ يَكُونُ حُكْمًا بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ مُوجَبَ اللَّفْظِ الْفَاسِدِ وَلَا الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ تَرَتُّبُ الْأَثَرِ وَالْفَسَادُ عَدَمُهُ فَالْفَاسِدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ لَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، وَمُوجَبُ الْعَقْدِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ شَرْعًا، أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ بِهِ يَرَى الصِّحَّةَ فَهُوَ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَلَا فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا لَمْ يَرَ بِالصِّحَّةِ كَيْفَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجَبِ فَإِنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْفَسَادَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ شَكَّ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «قَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ» . فَإِذَا كَانَ هَذَا الَّذِي قَضَى بِالْحَقِّ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَكَيْفَ بِمَنْ قَضَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ لَا يَدْرِي مَا هُوَ. وَالْآخَرُ: أَنَّ ذَلِكَ تَلْبِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَخِدَاعٌ فِي الدِّينِ، وَالْحُكْمُ لَا يَكُونُ إلَّا مُثْبِتًا فَحَمْلُ الْمُوجَبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ يَقْتَضِي إسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْحَاكِمِ وَنِسْبَتَهُ إلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ حَاكِمًا. فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُوجَبَ غَيْرُ الْفَسَادِ وَهُوَ غَيْرُ الصِّحَّةِ لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مُسَمَّى الْمُوجَبِ أَعَمُّ مِنْ الْمُوجَبِ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْدِ الْخَاصِّ الْمَحْكُومِ فِيهِ فَإِنَّ مَعْنَى الْمُوجَبِ مَا يُوجِبُ اللَّفْظَ، وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي مَهْمَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ فَقَدْ حَكَمْت بِهِ فَلَا يُتَخَيَّلُ صِحَّةُ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّا إنْ أَخَذْنَا اللَّفْظَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُسَمَّى كَانَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ وَلَزِمَ الْإِبْهَامُ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُوجَبِ الْخَاصِّ كَانَ مَجَازًا، أَوْ مُحْتَاجًا إلَى الْقَرِينَةِ، وَهَذَا فِي الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّا لَا نَقْطَعُ بِأَنَّ لَهُ مُوجَبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ لَا مُوجَبَ لَهُ وَيَجِبُ اعْتِقَادُ فَسَادِ الْحُكْمِ بِهِ إذْ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَا مُوجِبَ مُحَالٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فِيهِ الْإِشْكَالُ الْمُتَقَدِّمُ. فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ إمَّا فَاسِدٌ لِعَدَمِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَإِمَّا فَاسِدٌ لِإِبْهَامِهِ. قُلْت: أَمَّا اعْتِقَادُ فَسَادِ الْحُكْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ فَصَحِيحٌ وَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا جَمِيعًا كَذَلِكَ وَكُلُّ مُخَالِفٍ يَعْتَقِدُ فَسَادَ حُكْمِ مُخَالِفِهِ وَلَكِنَّهُ لَا يُنْقَضُ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِفَسَادِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ الْإِبْهَامِ مُنْدَفِعٌ فَإِنَّ مَدْلُولَ الْمُوجَبِ مَعْلُومٌ وَبِإِضَافَتِهِ إلَى ذَلِكَ

стр. 378

الْعَقْدِ الْخَاصِّ تَعَيَّنَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ يَرَى الصِّحَّةَ وَشَمَلَ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى مُوجَبًا لَهُ لِعُمُومِهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَيَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ سَوَاءً اسْتَحْضَرَ الْحَاكِمُ أَفْرَادَهُ، أَوْ لَا؟ قُلْت هَذَا مِنْ الْإِبْهَامِ الْقَادِحِ، وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِكُلِّ مَا يُوجِبُهُ هَذَا اللَّفْظُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ، وَالشَّرْطُ عِلْمُ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ ذَلِكَ الْوَقْتَ جُزْئِيَّاتِهَا، أَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ قَالَ: مَهْمَا كَانَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فَقَدْ حَكَمْت بِهِ فَنَقُولُ: إنْ قَالَ ذَلِكَ مَعَ الْجَهْلِ بِمُقْتَضَاهُ فَسَدَ الْجَهْلُ، وَإِنْ قَالَ مَعَ الْعِلْمِ فَلَا نُسَلِّمُ بِالْفَسَادِ بَلْ هُوَ حُكْمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَيَتَرَتَّبُ الْأَثَرُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ شُرَيْحُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَحْمَدَ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ رَوْضَةُ الْحُكَّامِ فِي بَابِ الْقَاضِي إذَا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي فَقَالَ الْقَاضِي: أَلْزَمْتُك مُوجَبَ إقْرَارِك فَقَدْ قِيلَ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَصَحَّ وُجُوبُهُ لِلْإِقْرَارِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِلْزَامِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ فَائِدَةٌ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِي صِحَّتِهِ، فَإِذَا أَلْزَمَهُ بِهِ كَانَ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ بِلَحْنٍ أَوْ إرْوَاءٍ لَمْ يُسْمَعْ بَعْدَ الْإِلْزَامِ الْغَائِبُ وَلَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ لَوْ أَقَامَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا مَعْنَى لِلْإِلْزَامِ سُمِعَتْ، وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْإِلْزَامِ فَلَوْ أُلْزِمَ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُقِرِّ كَانَ كَالْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. قُلْت: هَذَا النَّقْلُ لَنَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْقَائِلُ الثَّانِي وَبَيَّنَ الْفَائِدَةَ فِيهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَّا بِعَيْنِهِ، وَالْقَائِلُ الْأَوَّلُ لَمْ يُصَرِّحْ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ لَا تَخَالُفَ فِيهِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَرَ كَلَامَهُ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ تَنْفِيذٌ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْإِلْزَامِ بِالْحَقِّ الثَّابِتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَدَّدَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا إنْشَاءٌ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحَالُ عَمَّا كَانَ قَبْلَهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَالْقَائِلُ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْظُرْ إلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قَالَ مَا قَالَ، وَالْقَائِلُ الثَّانِي نَظَرَ إلَيْهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ خِلَافًا، وَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الرُّويَانِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَيِّنَتُهُ لَك بَلْ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَهُ تَأْثِيرٌ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُحْتَمَلٌ. وَقَوْلُ الرُّويَانِيِّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِ الْقَائِلِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا مَعْنَى لِلْإِلْزَامِ سُمِعَتْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلْزَامًا لِلْقَائِلِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا فَلَمْ يَتَحَرَّرْ لَنَا الْجَزْمُ عَنْ قَائِلٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا بِالصِّحَّةِ وَيَتَحَرَّرُ عَنْ قَائِلٍ أَنَّهُ حُكْمٌ بِهَا، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ بِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا بِالصِّحَّةِ فَغَايَتُهُ ثُبُوتُ خِلَافٍ، وَالصَّوَابُ مَعَ الثَّانِي. فَإِنْ قُلْت قَدْ صَنَّفَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَعْيَانُهُمْ تَصْنِيفًا فِي أَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَمْنَعُ النَّقْضَ. قُلْت: قَدْ تَأَمَّلْته فَلَمْ أَجِدْ دَافِعًا فِيهِ لِمَا قُلْته فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَوْجُهٍ: مِنْهَا أَنَّ الْحَاكِمَ بِالْمُوجَبِ لَمْ يَحْكُمْ فِي الْعَقَارِ بِشَيْءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ

стр. 379

قَالَ: وَاَلَّذِي جَرَى أَكْثَرُهُمْ بِهِ الْآنَ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ إقْرَارَ الْوَاقِفِ بِذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ فَإِقْرَارُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّ الَّذِي يَرَى إبْطَالَهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى غَيْرُ مَسْأَلَتِنَا، وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ حَاكِمٌ حَكَمَ وَلَكِنَّ الْمُقِرَّ بِالْوَقْفِ أَقَرَّ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ عَنْ كُتُبِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذِبًا لَا بَأْسَ بِهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: إذَا خَافَ الْوَاقِفُ أَنْ يُبْطِلَ الْقَاضِي وَقْفَهُ كَتَبَ فِي صَكِّ الْوَقْفِ: أَنَّهُ قَضَى بِهِ قَاضٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ التَّصَرُّفَ وَقَعَ صَحِيحًا، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ رُبَّمَا يُبْطِلُهُ فَالْوَاقِفُ تَحَرَّزَ مِنْ الْإِبْطَالِ بِالْكِتَابَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ. قُلْت: وَنَحْنُ لَا نَعْتَقِدُ جَوَازَ هَذَا فَإِنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ، وَإِذَا وَقَعَ وَعَلِمَ بِهِ فَلَا يَمْنَعُ النَّقْضَ كَمَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ بِهِ فَإِنَّا نُؤَاخِذُهُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الْمُؤَاخَذَةَ حَتَّى يَعْلَمَ بُطْلَانَ إقْرَارِهِ، وَقَدْ كَانَتْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُوَرِّقِينَ فِي الزَّمَانِ الْمُتَوَسِّطِ يَكْتُبُونَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْوَقْفِ الْإِقْرَارَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ وَرَأَيْت ذَلِكَ فِي كَتْبِ الشُّرُوطِ، وَفِي اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً فَيُحْمَلُ كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ عَلَى مَا إذَا عَلِمْنَا كَذِبَ الْإِقْرَارِ، وَنَحْنُ نُوَافِقُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ. وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَذَلِكَ يَكْفِينَا فِي أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمُوجَبِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقِرِّ خَاصَّةً وَأَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ يُلْقَى عَنْهُ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْمَلُ اعْتِقَادُ الْمُوَرِّثِ لَوْ كَانَ الِانْتِقَالُ عَنْهُ بِأَمْرٍ اخْتِيَارِيٍّ. قُلْت: وَالْإِقْرَارُ اخْتِيَارِيٌّ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: الْقَضَاءُ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ قَضَاءٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمُقْتَضَى عَلَيْهِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ خِلَافٌ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَجُوزَ نَقْضُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ نَقْصًا لِلْحُكْمِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُجَوِّزَهُ فَيَرْتَفِعَ الْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ شَرَطَ الْحُكْمَ الَّذِي لَا يُنْقَضُ أَنْ يَقْصِدَ بِقَضَائِهِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فَلَوْ قَضَى بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ يَقْصِدُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ: الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْفُذُ، وَالْفَتْوَى عِنْدَهُمْ عَلَى عَدَمِ النَّفَاذِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ إذَا قَضَى بِهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ مَسْأَلَتَنَا فِيمَنْ حَكَمَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقَضَاءُ عَامَّةً كَنَفَقَةِ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي حَالِ حُضُورِهِ أَمَّا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا

стр. 380

فِي حَالِ حُضُورِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَلَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ فِي الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْإِلْزَامِيَّ عَلَى الْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ. وَالْجَوَابُ بِالنِّزَاعِ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ كَالْقَضَاءِ عَلَى الْمُحَكَّمِينَ وَفِي حُكْمِ الْمُحَكَّمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ خِلَافُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَالْجَوَابُ بِالنِّزَاعِ فِي أَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ ثُمَّ فِي هَذَا إلْحَاقُ الْقَضَاءِ بِالْمُوجَبِ بِهِ وَكِلَا الْمَقَامَيْنِ مَمْنُوعٌ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنَّهُ إذَا ارْتَضَعَ كَبِيرٌ مِنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَ بِهَا فَفَرَّقَ حَاكِمٌ بَيْنهمَا لِرَأْيِهِ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَحْرُمُ كَغَيْرِهِ إنْ تَزَوَّجَهَا مِنْهُ. قُلْت: قَدْ يُقَالُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ يَنْقُضُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِهِ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا ضَعِيفٌ، وَالْمَالِكِيَّةُ يَنْقُضُونَ كُلَّ مَا خَالَفَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ مِنْهُمْ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ غَيْرَهُمْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَلِهَذَا أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ عَائِشَةَ ذَلِكَ وَقُلْنَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ رُخْصَةً فِي رَضَاعِ سَالِمٍ وَحْدَهُ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّفَرُّقَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَالْفَسْخُ كَالْعَقْدِ لَيْسَ بِحُكْمٍ؟ قُلْت قَدْ حَكَمَ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ بِنَقْضِ قَضَاءَ الْقَاضِي بِهِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا ضَعِيفٌ، وَالْمَالِكِيَّةُ قَسَمُوا أَفْعَالَ الْحَاكِمِ إلَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ كَمَا فِي بَيْعِهِ الْعَبْدَ الَّذِي أَعْتَقَهُ الْمَدْيُونُ وَإِلَى مَا لَا يَسْتَلْزِمُهُ كَتَزْوِيجِهِ يَتِيمَةً تَحْتَ حَجْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ يَحْتَاجُ إلَى الْحَاكِمِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَيَكُونُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ يَكُونُ فِعْلُ الْحَاكِمِ فِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ، وَمَا لَا فَلَا، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْرِيقُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ السَّدِيدُ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ قُلْت: قَوْلُ الْحَاكِمِ فِي إسْجَالِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ هَلْ لَكُمْ تَعَلُّقٌ بِهِ حَتَّى يُقَالَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ ثَبَتَ عِنْدَهُ الْمِلْكُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. قُلْت: أَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بِذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ وَأَلَّا يَكُونَ حُكْمُهُ بَاطِلًا وَيَكُونَ قَدْحًا فِيهِ، أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ وَلَا نَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْحُكْمِ مُطْلَقًا بَلْ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ عِنْدَهُ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الشَّرَائِطَ الْمُعْتَبَرَة فِي هَذَا الْحُكْم؛ وَلِذَلِكَ نَرَى الْوَاقِع مِنْ الْحُكَّامِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ. نَعَمْ لَوْ قَالَ: حَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشَّرَائِطِ

стр. 381

الْمُعْتَبَرَةِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تَرَدُّدَ فِيهَا، وَلَا رِيبَةَ نَعَمْ تَرَدَّدَ الْأَصْحَابُ فِي شَاةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ حَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَ حُكْمِهِ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَقَالَ: أَقْيَسُهُمَا لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى فَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَحَلِّ الِاحْتِمَالِ فَكَيْفَ فِي مَحَلٍّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت: فَمَنْعُكُمْ مِنْ النَّقْضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي طَوَّلْتُمْ بِالْبَحْثِ فِيهَا هَلْ هُوَ مِنْ مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ حَتَّى إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِالنَّقْضِ فِيهَا يَنْفُذُ وَلَا يُنْقَضُ، أَوْ لَا؟ قُلْت: لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ مَعْلُومٌ، وَهَذِهِ الشُّبَهُ ضَعِيفَةٌ لَا تَقْدَحُ، فَالْحَاكِمُ الَّذِي يُقْدِمُ عَلَى نَقْضِ ذَلِكَ إنْ أَقْدَمَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَطَعْنَا بِخَطَئِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ قَطْعًا فَيُنْقَضُ، وَإِنْ قَدَّمَ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ لَمْ يَسْتَفْرِغْ فِيهِ وُسْعَهُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى ذَلِكَ كَانَ الْإِثْمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فَالْحَاكِمُ بِسَائِرِ الْمَدَارِكِ الضَّعِيفَةِ. فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمَسْئُولُ أَنْ يَجْعَلَ عِلْمَنَا وَعَمَلَنَا خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَصَلَّى اللَّهُ لِكَمَالِ إجْلَالِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ نَسِيمٍ وَنَفَسٍ وَلَحْظَةٍ دَائِمًا أَبَدًا مَا بَقِيَ مُلْكُك يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ، وَالْمُرْسَلِينَ وَمَلَائِكَتِك أَجْمَعِينَ وَعَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ انْتَهَى. نُقِلَ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ أَقَرَّ بِأَنَّ عِنْدِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ وَدِيعَةً أَتَّجِرُ لَهُ فِيهَا وَبَعْدَ شَهْرٍ مِنْ إقْرَارِهِ تُوُفِّيَ فَجْأَةً وَوُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ ذَهَبٌ وَقُمَاشٌ وَلَمْ تُوجَدْ دَرَاهِمُ هَلْ يَجِبُ وَفَاؤُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، أَوْ لَا؟ (الْجَوَابُ) إذَا وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اُشْتُرِيَ بِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُوَفَّى مِنْ تَرِكَتِهِ مِقْدَارُ رَأْسِ الْمَالِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنَّهُ إبْضَاعٌ وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ: إنَّهُ وَدِيعَةٌ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا مَضْمُونَةٌ جَمْعًا بَيْنَ أَوَّلِ كَلَامِهِ وَآخِرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَا لَا يُصَيِّرُهَا مَضْمُونَةً ثُمَّ أَقَرَّ بِمَا يُصَيِّرُهَا مَضْمُونَةً أَخَذْنَا بِالثَّانِي كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ وَلَيْسَ هَذَا كَتَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ بَلْ هَذَا عَكْسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ أَقَرَّ بِوَلَاءٍ ثُمَّ ظَهَرَ مَكْتُوبٌ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَخٍ]

стр. 382

(أَجَابَ) نُجَوِّزُ أَمْرَ الْإِقْرَارَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْبَيِّنَاتِ، فَإِنْ ثَبَتَا وَكَانَ الْمُقِرُّ حَائِزًا لِمِيرَاثِ أَبِيهِ فَيُوَرَّثُ الْأَخُ وَيُحْجَبُ بِهِ ابْنُ مَوْلَى الْأَبِ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَلَاءِ صَحِيحٌ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ كَمَا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى أَبِيهِ بِالْوَلَاءِ فَقَالَ: هُوَ مُعْتَقُ فُلَانٍ ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ مُسْتَغْرِقًا كَمَا فِي النَّسَبِ وَهَذِهِ هِيَ مِثْلُ الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا، وَرَأَيْت أَنَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَيْضًا مَسْأَلَةَ إذَا قَالَ: فُلَانٌ عَصَبَتِي وَوَارِثِي إذَا مِتُّ مِنْ غَيْرِ عَقِبٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ إنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ فَلَا فَائِدَةَ فِي إقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ فَلَا أَيْضًا مَا لَمْ يُفَسِّرْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ عَصَبَتِي أَنَّهُ أَخُوهُ وَرُبَّمَا يُرِيدُ أَنَّهُ عَمُّهُ، أَوْ ابْنُ عَمِّهِ ثُمَّ بَعْدَ التَّفْسِيرِ يَنْظُرُ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ هُوَ أَخِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَمِيعَ وَارِثِ أَبِيهِ. فَإِنْ كَانَ عَمًّا فَيَكُونُ هُوَ جَمِيعَ وَارِثِ جَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَمِيعَ وَارِثِ عَمِّهِ لِيَصِحَّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ عَلَى طَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ، ثُمَّ الْمِيرَاثُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَفِيهَا أَيْضًا مَسْأَلَةٌ: امْرَأَةٌ قَالَتْ: فُلَانٌ ابْنُ عَمِّي، وَهُوَ وَلِيِّي فِي النِّكَاحِ وَوَارِثِي إذَا مِتُّ فَزَوَّجَهَا ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَتْ، فَجَاءَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ مِيرَاثَهَا. قَالَ الشَّيْخُ ﵀: لَا يَكُونُ لَهُ مِيرَاثُهَا وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّهَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ أَلْحَقَتْ نَسَبًا بِجَدِّهَا، وَهِيَ لَيْسَتْ بِوَارِثَةٍ جَمِيعَ مَالِ الْجَدِّ فَلَمْ يَصِحَّ التَّزْوِيجُ وَلَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَارِثَةً لِجَمِيعِ مَالِ أَبِيهَا. وَفِيهَا أَيْضًا مَسْأَلَةٌ: إذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِأَنِّي ابْنُ مُعْتَقِ فُلَانٍ وَكَانَ الْمُقِرُّ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَيُعْرَفُ لَهُ أُمٌّ حُرَّةُ الْأَصْلِ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْإِقْرَارِ وَلَا يُسْمَعُ فِيمَا لَوْ كَانَ بَعُدَ مِنْ النَّسَبِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ فُلَانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ هَكَذَا هَذَا. وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أُمٌّ حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يُعْرَفُ، فَإِنْ هَاهُنَا أَقَرَّ بِأَنَّ وَلَائِي لِفُلَانٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَعْتَقَنِي فُلَانٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ كَمَا أَنَّ مَجْهُولَ النَّسَبِ إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ لِغَيْرِهِ ثَبَتَ كَذَا هَذَا إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِوَلَاءٍ عَلَى الْأَبِ، وَقَالَ: إنَّ أَبَانَا كَانَ مُعْتَقَ فُلَانٍ، فَإِنَّ هَاهُنَا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَعُرِفَتْ لَهُ أُمٌّ حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَإِنَّ هَاهُنَا إقْرَارَ أَحَدِ الِابْنَيْنِ لَا يُثْبِتُ الْوَلَاءَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ وَلَاءٌ عَلَى أَبِيهِمَا ثُمَّ يَكُونَ لِهَذَا الرَّجُلِ وَلَاءٌ عَلَى أَحَدِ الِاثْنَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَعًا؛ كَمَا إنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ كَذَا هَذَا أَيْضًا لَا يَتَبَعَّضُ. انْتَهَى مَا أَرَدْت نَقْلَهُ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَلَاءِ صَحِيحٌ بِشُرُوطِهِ كَالْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَتْ الْمَالِكِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ يُوَرَّثُ بِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ بِالْآخِرَةِ أَيْضًا صَحِيحٌ بِشَرْطِ

стр. 383

كَوْنِ الْمُقِرِّ حَائِزًا لِمِيرَاثِ مَنْ أُلْحِقَ النَّسَبُ بِهِ مِنْ أَبٍ، أَوْ جَدٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا وَبِبَقِيَّةِ شُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْأَخِ بِشُرُوطِهِ صَحِيحٌ أَيْضًا لَا يُنَافِي بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ وَالْإِقْرَارِ بِالْوَلَاءِ الْمَذْكُورَيْنِ إذَا ثَبَتَا، وَالتَّوْرِيثُ بِالنَّسَبِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى التَّوْرِيثِ بِالْوَلَاءِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا يُوَرَّثُ الْأَخُ وَيُحْجَبُ بِهِ ابْنُ الْمَوْلَى. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ وَاسْتِلْحَاقَهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَفِي بَابِ اللَّقِيطِ وَفِي بَابِ دَعْوَةِ النَّسَبِ وَإِلْحَاقِ الْقَائِفِ وَفِي بَابِ دَعْوَى الْأَعَاجِمِ وَيُسَمُّونَ الْحَمْلَا وَالْحَمِيلَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْأَعَاجِمُ يُطْلِقُهُمْ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ أَوْ أَعْجَمِيَّ الدَّارِ سَوَاءً أَكَانَ فَارِسِيًّا أَوْ رُومِيًّا أَمْ تُرْكِيًّا وَالْإِقْرَارُ الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ عَلَى الْمُخْبِرِ وَالْوَلَاءُ حَقٌّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ النِّعْمَةِ، وَالنَّسَبُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الْمِيرَاثِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ إلَّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْحَاقِ فَيَثْبُتُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّخْصِ بَلْ لَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هُوَ لَك يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ» ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ بِلَا إشْكَالٍ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَا حَمِيلَيْنِ أَمْ لَا، خِلَافًا لِمَالِكٍ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ تَوْرِيثِ الْحَمْلَا لَكِنْ لَا بُدَّ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ كَوْنِ الْمُقِرِّ حَائِزًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ. وَالشَّرْعُ مُتَشَوِّفٌ إلَى إثْبَاتِ الْأَنْسَابِ وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعَاوُنِ وَالتَّعَارُفِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ عِمَارَةُ الدُّنْيَا وَعِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، وَفِي الشَّامِلِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الْوَلَاءَ أَقْوَى مِنْ النَّسَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ بِالنَّسَبِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ، وَإِذَا عُرِفَ فَلَا يُكَلَّفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِإِثْبَاتِ نَسَبٍ وَلَا وَلَاءَ بِالْبَيِّنَةِ بَلْ يَكْفِي ثُبُوتُ الْإِقْرَارَيْنِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا ثُبُوتُ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ جَمِيعًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مُقْتَضَاهُمَا فِيمَا لَا تَعَارُضَ فِيهِ، أَمَّا مَا يَتَعَارَضَانِ فِيهِ فَهُوَ الْمِيرَاثُ فَيُعْمَلُ بِأَسْبَقِهِمَا وَلَا يَكُونُ كَإِقْرَارَيْنِ عَلَيْهِ وَلَا بِأَخٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ بِالْأَخِ لَمْ يَكُنْ فِي الظَّاهِرِ عَلَيْهِ وَلَاءٌ فَلَا وَجْهَ لَهُ وَإِقْرَارُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ وَلَاءٌ كَغَيْرِهِ وَإِقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوَلَاءِ الَّذِي هُوَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُعَارِضُ الْأَوَّلَ مُبْطِلٌ لَهُ فَلَا يَنْجَعُ كَعَكْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ لَمْ يُقْبَلْ وَأَمَّا أَنَّهُمَا يَتَدَافَعَانِ يَتَضَمَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا دَفْعَ الْآخَرِ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّدَافُعَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، وَهُنَا أَحَدُهُمَا رَاجِحٌ بِالسَّبْقِ، وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْهُ عِنْدَ إقْرَارِهِ، وَهَذَا عِنْدَ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِي يَجِبُ الِاحْتِرَازُ فِيهِ الْفَحْصُ عَنْ الْمَكْتُوبِ الْأَوَّلِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْأَوَّلِ بِالْوَلَاءِ فَنَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ كَشْفًا شَافِيًا بِحَيْثُ تَنْتَفِي الرِّيبَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 384

مَسْأَلَةٌ) امْرَأَةٌ أَقَرَّتْ أَنَّهَا وَقَفَتْ كَذَا عَلَى ابْنَتِهَا ثُمَّ عَلَى عَقِبِهَا فَإِذَا انْقَرَضُوا فَلِلْحَرَمِ، يَكُونُ حَبْسُهَا عَلَى عَقِبِهَا وَعَصَبَتِهَا إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْقَبُولُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا. (الْجَوَابُ) الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِنْشَاءِ، وَهَذَا إقْرَارٌ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَمَهْمَا أَمْكَنَ الْقَبُولُ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ قَطْعًا ثَبَتَ الْقَبُولُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ وَحُكْمُ الْقَاضِي بِالْإِقْرَارِ حُكْمُهُ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَالتَّنَاقُضُ بَيْنَ كَلَامَيْهَا إنْ تَكَلَّمَتْ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ تَكَلَّمَتْ بِالثَّانِي لَمْ يُقْبَلْ الثَّانِي وَصُرِفَ إلَى الْحَرَمِ مَعَ الْعَصَبَاتِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الْعَقِبِ، وَإِنْ قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ الْعَادَةُ وَأَشْهَدَتْ عَلَيْهَا بِمَضْمُونِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا وَصُرِفَ إلَى الْعَقِبِ وَالْعَصَبَةِ وَبَعْدَهُمْ إلَى الْحَرَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْغَصْبِ] (كِتَابُ الْغَصْبِ) (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقَاضِي ﵁: سَأَلَنِي عِيسَى الزَّنْكَلُونِيُّ عَنْ أَرْضٍ تُؤَجَّرُ وَقْتَ الزِّرَاعَةِ بِعِشْرِينَ الْفَدَّانُ، وَإِذَا أُوجِرَتْ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى الْمُغَلِّ أُوجِرَتْ بِأَرْبَعِينَ فَغَصَبَهَا غَاصِبٌ وَزَرَعَهَا وَلَمْ يُطَالِبْهُ صَاحِبُهَا إلَى أَوَانِ الْمُغَلِّ، وَالْوَاقِعُ فِي الْأَرَاضِي أَنَّ الزَّرْعَ يُبْطِلُ مَنْفَعَتَهَا فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ كُلِّ مُدَّةٍ وَنَحْوِهَا. وَأُجْرَةُ الْمُغَلِّ إنَّمَا تَكُونُ حَالَّةً فَهَلْ يَضْمَنُ الْعِشْرِينَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَقْتَ زَرْعِهِ حَالَّةً، أَوْ كَيْفَ الْحُكْمُ؟ أَجَبْت: هُنَا ضَمَانَانِ: أَحَدُهُمَا ضَمَانُ جِنَايَةٍ بِإِبْطَالِهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِزَرْعِهِ يَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ حَالًّا وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ أَطَالَبَهُ صَاحِبُهَا أَمْ لَا سَوَاءٌ أَلْزَمَهُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ أَمْ لَا، وَالْغَرَضُ أَنَّ قَلْعَ الزَّرْعِ لَا يُفِيدُ فِي عَوْدِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ. وَالضَّمَانُ الثَّانِي ضَمَانُ أُجْرَةِ بَقَاءِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ إمَّا لِاسْتِمْرَارِ زَرْعِهِ فِيهَا وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَأَيُّ وَقْتٍ حَضَرَ الْمَالِكُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي فَاتَتْ بِجِنَايَتِهِ وَقْتَ تَفْوِيتِهَا وَضَمَانِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَتْ فِي يَدِهِ وَيُرْجَعُ فِي تَقْوِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى أَرْبَابِ الْخِبْرَة، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ عَنْ الْأُجْرَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي جَرَتْ بِالْعَادَةِ بِإِيجَارِهِ بِهَا إلَى أَوَانِ الْمُغَلِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [رَجُلٌ هَدَمَ جِدَارَ مَسْجِدٍ غَيْرِ مُسْتَحِقِّ الْهَدْمِ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ هَدَمَ جِدَارَ مَسْجِدٍ غَيْرِ مُسْتَحِقِّ الْهَدْمِ. (أَجَابَ) تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ ضَمَانُ الْأَرْشِ كَمَا قِيلَ فِي الْجِدَارِ الْمَمْلُوكِ، وَالْمَوْقُوفِ وَقْفًا غَيْرَ تَحْرِيرٍ؛ لِأَنَّهُمَا مَالَانِ، وَالْمَسْجِدُ لَيْسَ بِمَالٍ بَلْ هُوَ كَالْحُرِّ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ أُجْرَتُهُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ حَتَّى تُسْتَوْفَى مَنْفَعَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

стр. 385

[كِتَابُ الْقِرَاضِ] ِ) (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قِرَاضٌ شَرْعِيٌّ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَسَافَرَ ثُمَّ حَضَرَ مِنْ السَّفَرِ وَتَسَحَّبَ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنْ السَّفَرِ وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ أَحْمَالٍ وَظَهَرَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَأَصْحَابُ الدُّيُونِ عَلَى الْحَمَّالِ فَهَلْ يُحَاصِصُهُمْ صَاحِبُ الْقِرَاضِ أَمْ لَا؟ (أَجَابَ) ﵁ نَعَمْ يُحَاصِصُهُمْ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إذَا مَاتَ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ فِي تَرِكَتِهِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الدُّيُونِ يُضَارِبُ بِهَا صَاحِبُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَيَعْنِي جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ، وَدَلِيلُ هَؤُلَاءِ أَنَّ التَّمْكِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَاحْتِمَالُ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مُنْتَفٍ بِالْأَصْلِ وَبِمَوْتِهِ وَفَقْدِهَا لَمْ يُوجَدْ التَّمْكِينُ فَيَضْمَنُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إنْ وُجِدَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا أَخَذَ حَمْلًا عَلَى أَنَّهَا هُوَ وَإِلَّا فَلَا؛ اسْتِصْحَابًا لِلْأَمَانَةِ مَا أَمْكَنَ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَاخْتَارَهُ الْجَوْزِيُّ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مُوَافَقَتُهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ جَارِيَةٌ، أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصِ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ غَيْرَ فَجْأَةٍ، وَحُكْمُ مَالِ الْقِرَاضِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَوْزِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ التَّرِكَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً لِلنَّصِّ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى بِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي فِي التَّرِكَةِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ فَيُؤْخَذُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَالَهَا أَبُو إِسْحَاقَ وَمَسَاقُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي إِسْحَاقَ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ عَلَى النَّصِّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الدَّيْنِ هَذَا فِي الْمَوْتِ كُلِّهِ، أَمَّا الْغَيْبَةُ، فَإِنْ سَافَرَ حَيْثُ رَدَّ يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرْنَاهُ بِهِ مِنْ الرَّدِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءً أَكَانَ سَفَرُهُ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ فِيهِ خَطَرٌ أَوْ لَا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقِرَاضِ، الْوَدِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي السَّفَرِ كَمَا قَالَهُ الْمُسْتَفْتِي فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ أَنْ يُسَافِرَ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخُصَّ بِهِ بَلَدًا جَازَ أَنْ يُسَافِرَ إلَى الْبُلْدَانِ الْمَأْمُونَةِ الْمَسَالِكِ، وَالْأَمْصَارِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنْ يُسَافِرُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَمَتَاجِرِهِمْ إلَيْهَا وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا وَفِي الْبُعْدِ إلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ، فَإِنْ أَبْعَدَ إلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ ضَمِنَ الْمَالَ. انْتَهَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ وَلَا شَكَّ فِيمَا قَالَهُ

стр. 386

وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالتَّسَحُّبُ الَّذِي صَدَرَ مِنْ هَذَا الْعَالِمِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مَا أَطْلَقَهُ لَهُ الْمَالِكُ مِنْ الْإِذْنِ فِي السَّفَرِ فَهَذَا غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَهُوَ سَبَبٌ لِضَمَانِ مَالِ الْقِرَاضِ بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ السَّفَرِ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ بِالتَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ تَجْهِيلَ الْأَمَانَةِ، وَتَجْهِيلُ الْأَمَانَةِ سَبَبٌ فِي الضَّمَانِ كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّهُ لَوْ حَفَرَ فِي بَيْتِهِ وَدَفَنَ الْوَدِيعَةَ فِي مَكَان لَا يَعْلَمُ بِهِ غَيْرُهُ وَسَافَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فَيَضِيعُ التَّسَحُّبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ فَلَا طَرِيقَ إلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يُقَالُ: إنَّ سَبَبَ تَضْمِينِهِ بِتَرْكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْأَصْحَابَ عَلَّلُوا بِتَوَقُّعِ الْمَوْتِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَوْتِ فَصَارَ احْتِمَالُ الْمَوْتِ فِيهِ قَرِيبًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّسَحُّبَ الْمَذْكُورَ مُضَمَّنٌ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ بَلْ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُفَرِّطًا بِهِ، بَقِيَ عَلَيْنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّضْمِينَ شَرْطُهُ وُجُودُ الْمَالِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَالُ تَلِفَ قَبْلَ تَسَحُّبِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا يَكُونُ التَّسَحُّبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُضَمَّنًا. وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا بَلْ حَكَمَ بِالضَّمَانِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَرْجِعُ الْغَائِبُ وَيَدَّعِي التَّلَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ. قُلْت: إذَا رَجَعَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى التَّلَفَ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِالتَّسَحُّبِ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِضَمَانِهِ يَصِيرُ غَاصِبًا، وَقَبُولُ قَوْلِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ أَمَانَتِهِ. هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَلَا يُقَالُ: إنَّ شَرْطَ تَضْمِينِهِ يُحَقِّقُ وُجُودَ الْمَالِ عِنْدَ التَّسَحُّبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْمَالِ، وَالتَّسَحُّبُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ، وَقَدْ حَكَمَ بِتَضْمِينِهِ ظَاهِرًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ عَزَلَ الْوَكِيلَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ تَصَرَّفَ قَبْلَ الْعَزْلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ قَطْعًا عَلَى أَصَحِّ الطُّرُقِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الْحُكْمِ الْآنَ وَإِبْقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ كَمَا أَنَّهُ يُوفِي دَيْنَ الْغَائِبِ لِمَنْ يَثْبُتُ لَهُ، وَقَدْ يَجِيءُ الْغَائِبُ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ أَبْرَأَهُ أَوْ أَقْبَضَهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْحُكْمِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَإِبْقَاءِ كُلِّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّالِثَ الَّذِي صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَتِنَا بَلْ يُقْطَعُ فِيهَا بِالضَّمَانِ، فَعَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ يَتَقَدَّمُ مَالِكُ الْقِرَاضِ عَلَى الْمُدَايِنِينَ مِنْ الْجِمَالِ بِقَدْرِ الَّذِي لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْمُدَايِنِينَ وَعَلَى النَّصِّ يَتَحَاصَصُ الْجَمِيعُ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُدَايِنُونَ فِي الْجِمَالِ كُلِّهَا، وَكُنْت أَمِيلُ إلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْأَمَانَةِ لَكِنْ ظَهَرَ لِي الْآنَ أَنَّ فِي تَمْشِيَتِهِ فِي الْقِرَاضِ إشْكَالًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ

стр. 387

يَكُونُ حَصَلَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ فَلَا نَعْلَمُ مِقْدَارَ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَالِكُ مِنْ الْجِمَالِ فَاتِّبَاعُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ سَالِمٌ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ وَمُتَعَضِّدٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ نَفَاذُ ذَلِكَ الْمَالِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ إلَى الْجِمَالِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ يَكُونُ الْجِمَالُ مِلْكًا لِلْعَامِلِ مِنْ قَبْلِ الْقِرَاضِ أَوْ بَعْدَهُ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ فَالْأَقْرَبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِتَفْرِيطٍ فَيَضْمَنُهُ الْعَامِلُ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا نَقُولُهُ أَيْضًا: إنَّ الْمَالِكَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ فَسْخِ الْقِرَاضِ، فَإِذَا فَسَخَ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَامِلِ بِرَدِّ الْمَالِ، وَهُوَ غَائِبٌ كَالْمَبِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْغَيْبَةَ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَحَلُّهَا أَلْحَقُوهَا فِي بَابِ كَفَالَةِ الْبَدَنِ بِالْمَوْتِ فَكَذَلِكَ هُنَا. [كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ] [بَابُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ] الطَّرِيقَةُ النَّافِعَةُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ اتَّسَعَ الْكَلَامُ وَطَالَ فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى مَا بِهَا مِنْ شَجَرٍ وَزَرْعٍ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمَالَ خَاطِرِي إلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَرَدَ فِي مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ وَأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ فِي الْمُزَارَعَةِ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ الْعَامِلِ، وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُزَارَعَةُ، وَالْمُخَابَرَةُ تَابِعَتَيْنِ لِلْمُسَاقَاةِ أَمْ لَا. وَرَأَيْت أَنْ أَجْمَعَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ وَفِي إجَارَةِ الْأَرْضِ، فَإِذَا جَمَعْت مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ، وَالْعُلَمَاءِ بَعْدَهُمْ انْشَرَحَ لِمَا هُوَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَسَمَّيْتهَا (الطَّرِيقَةُ النَّافِعَةُ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ) وَاَللَّهُ يَنْفَعُ بِهَا، وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أُفْرِدَ أَحَادِيثَ كُلِّ كِتَابٍ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ يَتَبَيَّنُ بِهَا الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَأَبْدَأُ بِالْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بِأَسَانِيدَ مِنْهَا طَرِيقَةُ ابْنِ الزُّبَيْدِيِّ ﵀، وَهِيَ أَعْلَى قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَك بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الزَّبِيدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ الصُّوفِيُّ الْهَرَوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَمَوِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ قَالَ: أَنَا إمَامُ الصِّنَاعَةِ، وَالْمُقَدَّمُ

стр. 388

فِيهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَحْنَفِ بْنِ بَرْدَزِيَّةَ الْجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبُخَارِيُّ ﵁ قَالَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَحِينَ كَتَبْتُ إلَى هُنَا تَنَاوَلْت الْمُجَلَّدَةَ الْأُولَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِأَكْتُب مِنْهَا فَفَتَحْتهَا فَأَوَّلُ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْهَا " بَابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ " فَعَجِبْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ وَاسْتَبْشَرْتُ بِالتَّوْفِيقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ: وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنِ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْت أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْبَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الثَّوْرُ بِالثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَ الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ثنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرٍ فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقَ شَعِيرٍ فَقَسَمَ عُمَرُ ﵁ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ، وَالْأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ» . (بَابُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ» . (بَابٌ) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ «قَالَ عُمَرُ وَقُلْت لِطَاوُسٍ لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا» . [بَابُ الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ] (بَابُ الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 389

- ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» . [بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الشَّرَائِطِ فِي الْمُزَارَعَةِ] (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الشَّرَائِطِ فِي الْمُزَارَعَةِ) حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى سَمِعَ حَنْظَلَةَ الدَّرَقِيَّ عَنْ رَافِعٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ الْقِطْعَةُ لَك فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهْ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهْ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ » . هَذَا لَا تَعَلُّقَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ يَكُونُ لِتَعَيُّنِ قِطْعَةٍ لِهَذَا وَقِطْعَةٍ لِهَذَا، وَمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ. [بَابُ إذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ] قَالَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ إذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ) ذَكَرَ فِيهِ «حَدِيثَ الْغَارِّ، وَفِيهِ أَنِّي اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا بِفَرَقِ أُرْزٍ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْت عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْت مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا وَبَعْدَهُ» . [بَابُ إذَا قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ أُقِرُّك مَا أَقَرَّك اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا] (بَابُ إذَا قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: أُقِرُّك مَا أَقَرَّك اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ثنا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى ثنا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ التَّمْرِ، وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إلَى تَيْمَاءَ وَأَرْيِحَاءَ» . هَذَا حُجَّةٌ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: إنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ مَا كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُوَاسِي بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ، وَالثَّمَرِ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ سَمِعْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ «قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا قُلْت: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ قُلْت: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبْعِ وَعَلَى الْأَوْسُقِ مِنْ التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا وَازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ امْسِكُوهَا قَالَ رَافِعٌ: قُلْت سَمْعًا وَطَاعَةً» . هَذَا نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنْ الْإِيجَارِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمًا بَاقِيًا، أَوْ تَنْزِيهًا، أَوْ مَنْسُوخًا وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ الْمُزَارَعَةِ وَلَا مِنْ الْمُخَابَرَةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ

стр. 390

جَابِرٍ قَالَ: «كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ، وَالنِّصْفِ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» هَذَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَافِعٍ فِي حَصْرِ الْأَمْرِ فِي ثَلَاثَةٍ، وَمَنْعِ الْإِجَارَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعُ الْمُزَارَعَةِ وَلَا الْمُخَابَرَةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ثنا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» ، هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ جَابِرٍ وَلِرِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَانِعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ سَاكِتٌ عَنْ الْمُزَارَعَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ ذَكَرْته لِطَاوُسٍ فَقَالَ: يَزْرَعُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ «إنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا» هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى رَافِعٍ فَذَهَبْت مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَدْ عَلِمْت أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّبْنِ» حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ. مَعْذُورٌ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ فَالْوَرَعُ اجْتِنَابُ ذَلِكَ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكِرَاءِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمُزَارَعَةِ وَلَا لِلْمُخَابَرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَنَا الْحَافِظُ ابْنُ خَلِيلٍ فِي مُعْجَمِهِ أَنَا أَبُو نَصْرٍ شُعَيْبُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ الْأَصْلُ الْأَصْبَهَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِأَصْبَهَانَ قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكُمْ السَّيِّدُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ طَبَاطَبَا وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الْجُوزَجَانِيَّةُ قِرَاءَةً عَلَيْهِمَا، وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبْدَةَ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ ثنا أَبُو سُلَيْمٍ الْكَشِّيُّ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ الشُّعَيْبِيُّ ثنا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» . [بَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] قَالَ الْبُخَارِيُّ:
следующие страницы →