Полный текст (1 159 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى فَقَدْ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ قَائِمَةٌ حِينَ التَّنَازُعِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا بِلَا إعَادَةٍ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ قَائِمَةٌ بِحَالِهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ لِلْبَحْثِ، فَإِذَا بَحَثَ لَمْ تُجَدَّدْ الشَّهَادَةُ كَذَلِكَ هَهُنَا.
وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ التَّعَارُضُ إلَّا بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى لَمْ تَقَعْ الْمُقَابَلَةُ حِينَ التَّنَازُعِ وَالْجُرْجَانِيُّ ﵀ مُصَرِّحٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الدَّاخِلَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْخَارِجِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ فَيُرَدُّ إلَيْهِ جَازِمًا بِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَتِنَا الْمَذْكُورَةِ الَّتِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِيهَا مِنْ ثَالِثٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ إذَا قُلْنَا: بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ أَوْلَى لَعَلَّهُ اخْتِيَارُهُ، فَإِنَّ لِلْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ أَسْبَقَ تَارِيخًا بِلَا يَدٍ، وَلِلْآخِرِ بَيِّنَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ، وَيَدٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تَقْدِيمُ الْيَدِ.
وَالثَّانِي السَّبْقُ، وَالثَّالِثُ يَتَعَارَضَانِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ إذَا قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِمَا، أَوْ لَا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا إذَا أَقَامَ الدَّاخِلُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ لِلْخَارِجِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّعَارُضُ إلَّا بِالْإِعَادَةِ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْإِعَادَةُ هَلْ نَقُولُ إنَّهَا تُنْزَعُ بِمُقْتَضَى الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ هَذَا خُصُومَةً جَدِيدَةً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَالِاسْتِدْرَاكِ لِمَا فَاتَهُ.
فَإِنْ صَحَّ هَذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّا إذَا قَضَيْنَا لِشَخْصٍ بِبَيِّنَةٍ، وَانْتَزَعْنَا الْعَيْنَ مِنْ الَّتِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ جَاءَ أَجْنَبِيٌّ يَدَّعِيهَا عَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً لَا تَكُونُ مُعَارِضَةً لِلْأُولَى بِمُجَرَّدِهَا بَلْ إنْ شَهِدَتْ بِهَذَا الْمُدَّعَى بِالْمِلْكِ الْآنَ، وَلَمْ تُعَارَضْ قَضَى لَهُ، وَإِنْ عُورِضَتْ فَكَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، فَإِنْ أَسْنَدَتْ الْمِلْكَ إلَى مَا قَبْلَ الْحُكْمِ لَهُ فَهُوَ مَحَلُّ كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ ﵀ فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَنَّ الْمِلْكَ الْمُدَّعَى مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْحُكْمِ إنْ كَانَتْ لِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ يُقْضَى بِهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيِّ فَفِي الْقَضَاءِ بِهَا، وَجْهَانِ.
وَهَلْ الْأَصَحُّ مِنْهُمَا الْقَضَاءُ، أَوْ لَا إنْ أَخَذْنَا بِإِطْلَاقِ التَّرْجِيحِ بِالْيَدِ فَلَا يُقْضَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَحْكُومَ لَهُ الْآنَ صَاحِبُ يَدٍ، وَإِنْ خَصَّصْنَا تَكُونُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ أَسْنَدَتْ الْمِلْكَ إلَى مَا قَبْلَ هَذِهِ فَتَصِيرُ كَاَلَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ فَيُقْضَى لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنَّ الْمَأْخَذَ هُنَا بِبَيِّنَةٍ بِالْيَدِ السَّابِقَةِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا نَعَمْ هُنَا تَرْجِيحٌ آخَرُ، وَهُوَ سَبْقُ التَّارِيخِ لَكِنَّ هَذَا السَّبَقَ يُعَارَضُ فِيهِ بِبَيِّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا، وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ بِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ
стр. 317
لَا نَقْضِي لِهَذَا الْمُدَّعِي الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ يَدٌ، وَإِنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا كَانَ لِذِي الْيَدِ لِأَجْلِ تَرْجِيحِ بَيِّنَتِهِ بِيَدِهِ.
وَمِنْ هُنَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِهِ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ خَالٍ عَنْ التَّرْجِيحِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّا لَوْ عَلِمْنَا بِذَلِكَ لَكَانَ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَرْجِيحًا لَهَا، وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ، وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْأَبِ، أَوْ الْجَدِّ صُدِّقَا بِيَمِينِهِمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْوَصِيِّ صُدِّقَ الصَّبِيُّ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ بَيِّنَةٌ.
وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهِ، وَصَغَى أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إلَى هَذَا، وَأَمِينُ الْحَاكِمِ كَالْوَصِيِّ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَالْحَاكِمُ نَفْسُهُ يَقْبَلُ قَوْلَهُ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ: إنَّ قَوْلَ الْحَاكِمِ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ نَائِبُ الشَّرْعِ، أَمَّا نَائِبُهُ فَقِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْصُوبُ مُطْلَقًا.
وَهُوَ الْمُسَمَّى بِأَمِينِ الْحَاكِمِ، وَنَاظِرِ الْأَيْتَامِ فَهَذَا مَنْصُوبٌ لِمَصْلَحَةِ الْأَيْتَامِ فَعَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعٍ مُعَيَّنٍ كَمَسْأَلَتِنَا فَهَذَا كَالْوَكِيلِ عَنْ الْحَاكِمِ، وَقَوْلُهُ كَفِعْلِ الْحَاكِمِ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ﵀: إنَّ الْحُكْمَ فِيمَا إذَا رَفَعَ بَيْعُهُمْ الْعَقَارَ إلَى الْحَاكِمِ كَذَلِكَ فَلَا يُمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ غَيْرَ الْأَبِ، وَالْجَدِّ مِنْ غَيْر أَنْ يَسْأَلَ، وَأَرَادَ بِغَيْرِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ الْوَصِيَّ، وَأَمِينَ الْحَاكِمِ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُمْضِي بَيْعَهُمَا إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْغِبْطَةِ، أَوْ الضَّرُورَةِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ فَمَمْنُوعٌ بَلْ يَطْلُبُ الْبَيِّنَةَ، وَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ مُرَاجَعَتُهُ فِيهِ، وَلَمْ يُرَاجَعْ، وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِبَارَةَ الْأَصْحَابِ فِي الْعَقَارِ الْغِبْطَةُ، أَوْ الضَّرُورَةُ، وَعِبَارَةَ الرَّافِعِيِّ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْعَقَارِ، وَغَيْرِهِ
لِلْمَصْلَحَةِ
، وَهِيَ فِي الْعَقَارِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَمَّا فِي غَيْرِ الْعَقَارِ فَلَا يَشْتَرِكَانِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ الْمَصْلَحَةُ فَقَدْ تَكُونُ بَعْضُ الْأَعْيَانِ بَقَاؤُهَا أَصْلُحُ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَالرَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْبَيْعِ فِي الْكُلِّ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ فِي الْعَقَارِ، وَفِيهِ عُسْرٌ، وَنَشَأَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ هَذَا إنْ رَأَيْت فِي بَيْعِهِ مَصْلَحَةً فَلَهُ بَيْعُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَى رَأْيِهِ، وَلَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ إنْ كَانَ بَيْعُهُ مَصْلَحَةً فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ يُعَذَّرُ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ
стр. 318
إذَا جَهِلَهَا، وَلَكِنَّ جَهْلَهُ لَا يَقْتَضِي تَصْحِيحَ التَّصَرُّفِ، أَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ كَالْمَصْلَحَةِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: بِعْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِمَا تَرَاهُ ثَمَنَ الْمِثْلِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْفَرْقُ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ مُسَوِّغٍ لِلْبَيْعِ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ فَالِاخْتِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوَّلًا يُشْبِهُ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بَلْ هُنَا أَوْلَى حَتَّى لَا يَجِيءَ اخْتِلَافٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمِينٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ بَاعَ جَارِيَةً لِرَجُلٍ، وَرَهَنَهَا عَلَى الثَّمَنِ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، وَالرَّهْنَ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عِتْقَ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ قَبْلَ الْمُقَايَلَةِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَزَوَّجَهَا لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الْوَلَاءِ، وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ.
(الْجَوَابُ) إنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، وَالْجَارِيَةُ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ، وَالْعِتْقُ، وَالتَّزْوِيجُ صَحِيحَانِ، وَالْإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، أَوْ حَالًّا، وَلَكِنْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ نَافِذٍ لِاعْتِبَارِهِ، وَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ، وَالْمُقَايَلَةُ صَحِيحَةٌ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ رَهَنَ عَيْنًا عَلَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، وَغَابَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَأَحْضَرَ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ، وَهُوَ دَرَاهِمُ إلَى الْحَاكِمِ، وَطَلَبَ مِنْهُ قَبْضَهَا لِيَفُكَّ الرَّهْنَ هَلْ لِلْحَاكِمِ ذَلِكَ، أَوْ لَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا؟
(الْجَوَابُ) لَهُ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ أُخْبِرْنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى نُجُومٍ إلَى أَجَلٍ فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ تَعْجِيلَهَا لِيُعْتَقَ فَامْتَنَعَ أَنَسٌ مِنْ قَبُولِهَا، وَقَالَ: لَا آخُذُهَا إلَّا عِنْدَ مَحِلِّهَا فَأَتَى الْمُكَاتَبُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ أَنَسًا يُرِيدُ الْمِيرَاثَ، وَكَانَ فِي الْحَدِيثِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِأَخْذِهَا مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ.
[فَصْلٌ مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ]
(فَصْلٌ) مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀ فِي دَيْنِ الْوَارِثِ مُصَنَّفٌ سَمَّاهُ مُنَبِّهُ الْبَاحِثِ كَبِيرٌ اخْتَصَرَهُ فَقَالَ: وَمِنْ خَطِّهِ نَقْلٌ يُسْقِطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ لِأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ يُشْبِهُ أَزْيَدَ مِنْ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يَزِدْ الدَّيْنُ عَلَى التَّرِكَةِ، وَمِمَّا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ مِنْهُ إنْ زَادَ، وَيَنْتَقِلُ لَهُ نَظِيرُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَيُقَدِّرُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ ثُمَّ أُعِيدَ إلَيْهِ عَنْ الدَّيْنِ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِبَقِيَّةِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ
стр. 319
حِصَصِهِمْ، وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إلَى التَّقَاصِّ إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الْوَارِثُ حَائِزًا، أَوْ لَا دَيْنَ لِغَيْرِهِ، وَدَيْنُهُ مُسَاوٍ لِلتَّرِكَةِ، أَوْ أَقَلُّ سَقَطَ، وَإِنْ زَادَ سَقَطَ مِقْدَارُهَا، وَبَقِيَ الزَّائِدُ، وَمَأْخَذُ التَّرِكَةِ فِي الْأَحْوَالِ إرْثًا، وَيُقَدِّرُ أَنَّهُ أَخَذَهَا دَيْنًا؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ، وَجِهَةُ الدَّيْنِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إقْبَاضٍ، أَوْ تَعَوُّضٍ، وَهُمَا مُتَعَذِّرَانِ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكُهُ لَكِنَّا نُقَدِّرُ أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا لَمَا بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ تَقْدِيرًا مَحْضًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ دَيْنِ الْحَائِزِ دَيْنُ أَجْنَبِيٍّ قَدَّرْنَا الدَّيْنَيْنِ لِأَجْنَبِيَّيْنِ فَمَا خَصَّ دَيْنَ الْوَارِثِ سَقَطَ، وَاسْتَقَرَّ نَظِيرُهُ كَدِينَارَيْنِ لَهُ، وَدِينَارٍ لِأَجْنَبِيٍّ، وَالتَّرِكَةُ دِينَارَانِ فَلَهُ دِينَارٌ، وَثُلُثٌ إرْثًا، وَسَقَطَ نَظِيرُهُ، وَبَقِيَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ثُلُثَا دِينَارٍ، وَيَأْخُذُ الْأَجْنَبِيُّ ثُلُثَيْ دِينَارٍ، وَيَبْقَى لَهُ ثُلُثٌ.
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ اثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا دِينَارَانِ، وَلِلْآخَرِ دِينَارٌ فَلِصَاحِبِ الدِّينَارَيْنِ مِنْ دِينَارِهِ الْمَوْرُوثِ ثُلُثَاهُ، وَمِنْ دِينَارِ أَخِيهِ ثُلُثُهُ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي مِنْ دِينَارِهِ يُقَاصِصُ بِهِ أَخَاهُ فَيَجْتَمِعُ لَهُ دِينَارٌ، وَثُلُثٌ، وَلِأَخِيهِ ثُلُثَانِ، وَمَجْمُوعُهُمَا دِينَارَانِ، وَهُوَ اللَّازِمُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَدَاؤُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَمِقْدَارِ التَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجٌ، وَأَخٌ، وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّدَاقُ عَشَرَةٌ فَلَهَا عَشَرَةٌ إرْثًا، وَسَبْعَةٌ، وَنِصْفٌ مِنْ نَصِيبِ الْأَخِ دِينَارٍ، وَسَقَطَ لَهَا دِينَارَانِ، وَنِصْفٌ نَظِيرَ رُبْعِ إرْثِهَا ازْدَحَمَ عَلَيْهِ جِهَتَا الْإِرْثِ، وَالدَّيْنِ، وَلَوْ قُلْنَا: السَّبْعَةُ وَالنِّصْفُ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ يَسْقُطُ رُبْعُهَا الْمُخْتَصُّ بِهَا، وَهَلُمَّ جَرَّا إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَادَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الِاثْنَيْنِ، وَنِصْفٌ لَكَانَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَلَزَادَ إرْثُهُ، وَنَقَصَ إرْثُهَا عَمَّا هُوَ لَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَأْخُوذُ، وَسَوَاءٌ أَعُطِيَتْ الدَّيْنَ أَمْ لَا، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالْحَاصِلُ لَهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَنِصْفٌ، وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَهُوَ أَوْضَحُ، وَأَسْهَلُ، وَيَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّرِكَةَ لَا تَنْتَقِلُ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَدَقُّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِلُ قَبْلَ، وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ، وَلَا تَحْلِفَ إلَّا عَلَى النِّصْفِ، وَالرُّبْعِ، وَكَذَا لَا تَتَعَرَّضُ، وَلَا تَقْبِضُ، وَلَا تُبْرِئ إلَّا مِنْ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالِانْتِقَالِ حَجَرُوا عَلَى الْوَارِثِ فِيهَا كَالرَّهْنِ، وَقِيلَ كَأَرْشٍ، وَقِيلَ كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ التَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَزْيَدَ فَهَلْ نَقُولُ: التَّرِكَةُ مَرْهُونَةٌ بِجَمِيعِهِ، أَوْ بِقَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَارِثَ أَدَاؤُهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَلَا تَخْفَى فَائِدَةُ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْوَارِثِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ التَّرِكَةِ، وَمَنْ تَخَيَّلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالِطٌ، وَهَذَا الرَّهْنُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَارِثِ
стр. 320
فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْغَرِيمُ فِي الْأَصَحِّ.
[بَيْع التَّرِكَة قَبْل وفاء الدِّين]
وَفِي بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ، وَإِذَا بِيعَتْ، وَقُسِّمَتْ أَثْمَانُهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُقَارِنًا تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ، وَإِنْ حَدَثَ رَدٌّ بِعَيْبٍ، أَوْ تَرَدٍّ فِي بِئْرٍ، وَنَحْوِهِ فَلَا بَلْ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ الْوَارِثُ بِقَضَائِهِ، وَإِذَا أَبْطَلْنَاهُ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِهِ بِشِبْهِ الْإِرْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي حِصَّتِهِ نِسْبَةُ إرْثِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ فَقِيَاسُهُ سُقُوطُ الْجَمِيعِ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ اللُّزُومِ مَحَلُّهُ إذَا وَضَعَ الْوَارِثُ يَدَهُ عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت: مَا ادَّعَيْته مِنْ السُّقُوطِ، وَبَيَّنَ مَعْنَاهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِسْنَادِ إلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِلَّا فَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ بِالسُّقُوطِ يَتَفَاوَتُ الْمَأْخُوذُ، وَظَنَّ آخَرُونَ أَنْ لَا سُقُوطَ أَصْلًا. قُلْت: أَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنْ لَا سُقُوطَ فَكَلَامُهُ مُتَّجَهٌ إذَا قُلْنَا: التَّرِكَةُ لَا تَنْتَقِلُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ فَلَا، وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ التَّفَاوُتَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، أَمَّا كَلَامُ الْأَصْحَابِ الدَّالُّ عَلَى مَا قُلْنَا فَفِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْخَرَاجِ إذَا خَلَفَ زَوْجَةً حَامِلًا، وَأَخًا لِأَبٍ، وَعَبْدًا فَجَنَى عَلَيْهَا فَأَجْهَضَتْ قَالُوا يَسْقُطُ مِنْ حَقِّ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَّةِ مَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى مِلْكِهِ حَقٌّ، وَذَكَرُوا طَرِيقَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ السُّقُوطِ إحْدَاهُمَا طَرِيقَةُ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ نَصِيبُ الْأَخِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مِلْكِهِ، وَمِنْ نَصِيبِ الْأُمِّ مَا يُقَابِلُ مِلْكَهَا، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَيَبْقَى لَهَا سُدُسُ الْغُرَّةِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى قِيَاسِ الْفِدَا، وَأَصَحُّهُمَا طَرِيقَةُ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ حَقِّهَا مِنْ الْغُرَّةِ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِمِلْكِهَا، وَمِنْ حَقِّهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ يَبْقَى لَهَا سُدُسُ الْغُرَّةِ، وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ سُدُسِهَا، وَالْوَاجِبُ فِي الْفِدَاءِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، وَرُبَّمَا لَا تَفِي حِصَّتُهَا بِأَرْشِهَا، وَتَفِي حِصَّتُهُ بِأَرْشِهِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ تَعَطَّلَ عَلَيْهِ مَا زَادَ، وَلَمْ يَتَعَطَّلْ عَلَيْهَا مِثَالُهُ الْغُرَّةُ سِتُّونَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الْعِشْرُونَ، وَسَلَّمَا ضَاعَ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ، وَصَارَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ صِحَّةُ طَرِيقِ الْغَزَالِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ أَجَّرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ بِأُجْرَةٍ قَبَضَهَا، وَاسْتَنْفَقَهَا، وَمَاتَ عَقِيبَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنْ ابْنٍ آخَرَ، وَقُلْنَا: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي نَصِيبِ الْمُسْتَأْجِرِ فَمُقْتَضَى الِانْفِسَاخِ فِيهِ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ سَقَطَ مِنْهَا نِسْبَةُ إرْثِهِ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَيَرْجِعُ عَلَى أَخِيهِ بِالرُّبْعِ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى السُّقُوطِ فَمِنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ يُؤْخَذُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّقُوطِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلِيلِهِ، وَقَدْ كَمُلَ غَرَضُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبَقِيَتْ فَائِدَةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ بِالرُّجُوعِ فِي مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، وَوِرَاثَةِ الْمُسْتَأْجِرِ اعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا تَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ قَطْعًا، وَمِنْ
стр. 321
الْمُسْتَأْجِرِ لَا تَقْتَضِيه عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ تَنْفَسِخُ، وَإِذَا قُلْنَا بِالِانْفِسَاخِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ لَا يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ وَقَاسَهُ عَلَى الْمَهْرِ إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الرُّجُوعُ، وَأَجَابَ عَنْ الْمَهْرِ بِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ نَحْوُهُ.
، وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ عَنْ أَبِيهِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ حَائِزٌ، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْفِسَاخِ، وَالرُّجُوعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرَقٌ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ يَرْجِعُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الشِّرَاءِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّفَ لَهُ فَرْقَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الِانْفِسَاخَ فِي الشِّرَاءِ بِاخْتِيَارِهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَانِعَ فِي الشِّرَاءِ فِي يَدِهِ، وَهُنَا يَخْرُجُ إذَا بِيعَتْ الدَّارُ فِي الدُّيُونِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُمَا ضَعِيفَانِ عِنْدَ الْمُعْتَبِرِينَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الِانْفِسَاخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِهِ، أَوْ لَا كَانْهِدَامِ الدَّارِ.
أَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ بَقَاءَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ جِهَةِ الْإِجَارَةِ لَا يَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ عِوَضِ الْإِجَارَةِ كَمَا لَوْ تَقَايَلَا ثُمَّ وَهَبَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ الْفَسْخَ الْمَذْكُورَ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ، وَالْإِرْثِ لَيْسَ هُوَ الْفَسْخَ الْمَذْكُورَ فِي انْهِدَامِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِانْهِدَامِ الدَّارِ سَبَبُهُ خَلَلٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ خَلَلُ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَحُكْمُهُ ارْتِفَاعُ أَثَرِهِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ، وَتَرْجِعُ الْمَنَافِعُ فِيهِ إلَى الْمُؤَجِّرِ، وَالْإِجَارَةُ إلَى الْمُسْتَأْجَرِ، وَيَصِيرُ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَهَكَذَا فَسْخُ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ، وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْفَسْخُ الْحَقِيقِيُّ، وَكَذَلِكَ فَسْخُ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ، وَثَمَّ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْفَسْخِ ذَكَرُوهُ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُهُ بِالْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالرَّضَاعِ، وَشِرَاءِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ هَذَا لَا يَعُودُ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ قَطْعًا، وَلَا يَقْتَضِي تَرَادَّ الْعِوَضَيْنِ بَلْ إنْ كَانَ مِنْهَا سَقَطَ الْمَهْرُ، وَإِلَّا فَلَا جُرْمَ إذَا اشْتَرَتْ زَوْجَهَا سَقَطَ فِي الْأَصَحِّ.
وَإِذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَشْطُرُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا وَرِثَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ الْكُلُّ عِنْدَ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وُجُوبُ الشَّطْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ هَذَا النَّوْعَ فِي الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَنَحْوِهِمَا فَكَانَ ابْنُ الْحَدَّادِ أَلْحَقَ انْفِسَاخَ الْإِجَارَةِ الْمِلْكَ، وَالْإِجَارَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنًى حَادِثٍ لَا يَعُودُ إلَى خَلَلٍ فِي أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَهُوَ إلْحَاقٌ صَحِيحٌ فَلَا جُرْمَ قَالَ بِالرُّجُوعِ فِي الْإِرْثِ دُونَ الشِّرَاءِ، وَحَسُنَ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَهْرِ.
وَجَوَابُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْمَهْرَ قَدْ يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ لَمْ يَرْتَفِعْ النِّكَاحُ، وَإِنَّمَا انْتَهَى نِهَايَتَهُ، وَبِهَذَا بَانَ أَنَّ احْتِجَاجَ الرَّافِعِيِّ بِانْهِدَامِ الدَّارِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ فَإِنَّهَا رَفْعٌ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ قَطْعٌ لَا رَفْعٌ، وَإِطْلَاقُ الْفَسْخِ عَلَيْهِ تَوَسُّعٌ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ عَدَمُ الرُّجُوعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ ثُمَّ أَوْرَدَ الرَّافِعِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَدَّادِ فِي قَوْلِهِ بِالرُّجُوعِ عَلَى الْأَخِ بِرَفْعِ الْأُجْرَةِ بِأَنَّ الِابْنَ الْمُسْتَأْجِرَ، وَرِثَ
стр. 322
نَصِيبَهُ بِمَنَافِعِهِ، وَأَخُوهُ، وَرِثَ نَصِيبَهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ قَدْ تَكُونُ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّارِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مِثْلَ ثَمَنِهَا، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الْأَخِ بِرُبْعِ الْأُجْرَةِ، وَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِ جَمِيعِ نَصِيبِهِ فَيَكُونُ فَازَ بِجَمِيعِ نَصِيبِهِ، وَبَيْعُ نَصِيبِ الْأُجْرَةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَقَالَ: إنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَدَّادِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ كَذَلِكَ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِثْ نَصِيبَهُ بِمَنْفَعَةٍ بَلْ وِرْثُهُ مَسْلُوبٌ كَأَخِيهِ لَكِنَّ الْمَنَافِعَ حَدَثَتْ عِنْدَهُ عَلَى مِلْكِهِ تَقْدِيرَ الِانْفِسَاخِ، فَإِنَّ هَذَا الِانْفِسَاخَ لَا يُوجِبُ عَوْدَهَا إلَى الْمَيِّتِ، وَإِلَّا لَوَرِثَاهَا جَمِيعًا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِلْزَامِ مُجَرَّدُ اسْتِبْعَادٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَابُ الْحَجْرِ]
(بَابُ الْحَجْرِ) (مَسْأَلَةٌ) يَتِيمٌ تَحْتَ حَجْرِ الشَّرْعِ لَهُ مَالٌ يُعَامِلُ فِيهِ نَاظِرُ الْأَيْتَامِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ثُمَّ إنَّ الْيَتِيمَ لَهُ قَرْيَةٌ مِنْ بَلَدِ الْقُدْسِ إلَى الْغَرْبِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ تَحَقَّقَ فِيهَا بُلُوغُ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ بَلَغَ رَشِيدًا أَمْ لَا فَهَلْ يَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ فِي مَالِهِ بَعْدَ مُدَّةِ الْبُلُوغِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ بَلَغَ فِيهَا رَشِيدًا أَمْ سَفِيهًا اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الْحَجْرِ أَمْ لَا يَتَصَرَّفُ، وَيَتْرُكُ إلَى أَنْ تَأْكُلَهُ الزَّكَاةُ، وَمَعْرِفَةُ حَالِهِ مُتَعَذِّرَةٌ، أَوْ مُتَعَسِّرَةٌ.
أَجَابَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ بِمَا نَصُّهُ: لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَلَا إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمُسْتَنَدِي فِي مَنْعِ الْمُعَامَلَةِ يُعْتَضَدُ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ إنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ مُدَّةً يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ لَمْ تَصِحَّ فِيمَا زَادَ عَلَى الْبُلُوغِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْحَابَ لَا يَكْتَفُونَ بِالْعُقُودِ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا لِلْقُضَاةِ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَهِيَ أَنْ يَمُوتَ اثْنَانِ، وَلِأَحَدِهِمَا دَيْنٌ عَلَى الْآخَرِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَيْتَامٌ فَيَدَّعِي وَلِيُّ الصَّبِيِّ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ هَلْ يُوقَفُ الْحُكْمُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ أَمْ لَا؟
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ التَّحْلِيفِ فَيَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ فَيَقْضِي بِهَا انْتَهَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ التَّحْلِيفِ فَمَنْ يُطَالِعُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَيُؤَخِّرُ الْحُكْمَ، وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ضَيَاعُ الْحَقِّ فَإِنَّ تَرِكَةَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ تَضِيعُ، أَوْ يَأْكُلُهَا، وَرَثَتُهُ فَتَعْرِيضُهَا لِذَلِكَ، وَتَأْخِيرُ الْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ مُشْكِلٌ، وَلَا سِيَّمَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إنَّمَا هِيَ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ حَاصِلٌ فَكَيْف يُؤَخَّرُ الْحَقُّ لِمِثْلِ ذَلِكَ.، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ تَخْرِيجًا مِنْهُ، وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهَا فَالْوَجْهُ عِنْدِي خِلَافُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ يَحْكُمُ الْآنَ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَيُؤْخَذُ الدَّيْنُ لِلصَّبِيِّ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَاضِي أَخْذَ
стр. 323
كَفِيلٍ بِهِ حَتَّى إذَا بَلَغَ يَحْلِفُ فَهُوَ احْتِيَاطٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَلَا يُكَلَّفُ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ نَظَرًا خَاصًّا، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْبَرَاءَةِ وَقَفَ، وَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهَا اعْتَمَدَ الْحُجَّةَ الظَّاهِرَةَ، وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ اعْتَمَدَ الْحُجَّةَ بَعْدَ قُوَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْوَارِثَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فَكَيْف يَحْسُنُ قِيَاسٌ عَلَى هَذَا الْغَرِيمِ الْغَائِبِ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا حَكَمَ لَا يُهْمِلُ أَنْ يَكْتُبَ مَكْتُوبًا بِيَدِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنَّ تَحْلِيفَ الْمَحْكُومِ لَهُ إذَا بَلَغَ. هَذَا قَوْلِي فِي الدَّعْوَى لِصَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ، وَهَكَذَا أَقُولُ لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لِصَبِيٍّ عَلَى بَالِغٍ حَاضِرٍ، أَوْ غَائِبٍ أَنَّهُ لَا تَحْلِيفَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْآنَ، وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَقُّ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ.
أَمَّا تَحْلِيفُ صَاحِبِ الْحَقِّ الْبَالِغِ لِأَجْلِ الْغَائِبِ فَلِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَلِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فَقَامَ الْقَاضِي مَقَامَ الْغَائِبِ احْتِيَاطًا لَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فِيمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَبِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ الْمُدَّعِيَ إذَا عُرِضَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ قَدْ يُقِرُّ بِالْبَرَاءَةِ، وَهُنَا فِي الصَّبِيَّيْنِ لَيْسَ الِاحْتِيَاطُ لِأَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَفِي الصَّبِيِّ، وَالْغَائِبِ كَذَلِكَ، وَلَا فَائِدَةَ أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ، وَلَا يُتَوَقَّعُ خِلَافُهُ. فَهَذَا مَا عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ احْتِمَالٍ فِيهَا لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ التَّحْلِيفَ لِأَجْلِ الْغَائِبِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّ صَبِيًّا، أَوْ بَالِغًا لَكِنَّ الْفِقْهَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي إطْلَاقِهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُسَاعَدَتُهُ كَقَوْلِهِمْ إذَا ادَّعَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ دَيْنًا، وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ، أَوْ غَائِبٌ أَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَهُ، وَحَفِظَهُ فَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَشْهَدُ لِمَا قُلْنَاهُ.
وَأَمَّا ثَلَاثُ مَسَائِلَ أُخْرَى فَلَا دَلِيلَ فِيهَا لَنَا، وَلَا عَلَيْنَا، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي دَعْوَى قَيِّمِ الطِّفْلِ دَيْنًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّهُ أَتْلَفَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ مَا أَسْقَطَهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا أَثْبَتَهُ الْقَيِّمُ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَّفَهُ، وَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِبْرَاءَ، أَوْ الْقَضَاءَ، وَلَمَّا يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ قَرِيبَةٍ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ، وَمَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْوَكِيلِ: إنَّ مُوَكِّلَك قَبَضَ، أَوْ أَبْرَأَ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ وَرَّطَ نَفْسَهُ بِإِقْرَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ فَلَيْسَتْ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْغَائِبِ، وَلَا الصَّبِيِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَوْ أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي حَكَمْنَا لَهُ، وَأَلْزَمْنَاهُ الْيَمِينَ بَعْدَ بُلُوغِهِ نَكَلَ عَنْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ يَحْلِفُ الدَّافِعُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْبَرَاءَةِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الصَّبِيِّ بِمَا قَبَضَ، وَلَكِنَّ هَذَا يُشْبِهُ افْتِتَاحُ حُكُومَةٍ أُخْرَى سَوَاءً قُلْنَا: الْيَمِينُ وَاجِبَةٌ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ حَقِيقَتُهَا أَنَّ الدَّافِعَ يَدَّعِي أَنَّ الْقَابِضَ قَبَضَ مَا لَا يَسْتَحِقُّ بِحُكْمِ أَنَّ مُوَرِّثَهُ أَبْرَأَهُ، أَوْ قَبَضَ مِنْهُ، وَيَطْلُبُ يَمِينَ الْوَارِثِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ
стр. 324
وَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْوُجُوبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَاكِمِ أَمَّا الْخَصْمُ إذَا طَلَبَهُ فَيَجِبُ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي أَلْفَاظِ الْيَمِينِ الَّتِي يَحْلِفُهَا غَرِيمُ الْغَائِبِ، وَأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ الْآنَ، وَتَكْلِيفُ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ ذَلِكَ صَعْبٌ، وَهُوَ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ غَالِبًا فَالْوَجْهُ الِاقْتِصَارُ فِي حَقِّهِ عَلَى نَفْيِ الْمُسْقِطِ كَمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ لَهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ كُلِّ وَارِثٍ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا حَالَةَ الْمُحَاكَمَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[التِّجَارَة بِمَالِ الْيَتِيم]
(مَسْأَلَةٌ) اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي التِّجَارَةِ بِمَالِ الْيَتِيمِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا، وَاجِبَةٌ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الزَّائِدَ لَا يَجِبُ، وَيَقْتَصِرُ الْوُجُوبُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ، وَالتَّيْسِيرِ، وَالسُّهُولَةِ، أَمَّا إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّا نَرَى التُّجَّارَ الْحَاذِقِينَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ يَكُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ لِمَصَالِحِهِمْ، وَلَا يَقْدِرُونَ فِي الْغَالِبِ عَلَى كَسْبِهِمْ مِنْ الْفَائِدَةِ بِقَدْرِ كُلْفَتِهِمْ، وَأَيْنَ ذَاكَ، وَلَعَلَّ هَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ حِينَ كَانَ الْكَسْبُ مُتَيَسِّرًا، وَلَا مَكْسَ، وَلَا ظُلْمَ، وَلَا خَوْفَ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَهَذَا أَعَزُّ شَيْءٍ يَكُونُ، وَكَثِيرٌ مِنْ التُّجَّارِ يَخْسَرُونَ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ مَعَهُ مَالٌ يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَنْمِيَهُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ كَانُوا هُمْ سُعَدَاءَ، وَنَحْنُ نَرَى أَكْثَرَهُمْ مُعْسِرِينَ، وَالْإِنْسَانُ يُشْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَفَعَلُوهُ فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِهِ، وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عِنْدَ السُّهُولَةِ، وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عِنْدَ السُّهُولَةِ، وَلَا عِنْدَ غَيْرِهَا، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ مَا رَوَى «اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ، أَوْ النَّفَقَةُ» ، أَوْ كَمَا قَالَ، وَقَدْ شَرَطَ الْأَصْحَابُ فِي جَوَازِ التِّجَارَةِ لِلْيَتِيمِ شُرُوطًا، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ خَطِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَسْعَارَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا، وَقَدْ يَشْتَرِي سِلْعَةً فَتَكْسَدُ، وَيَحْتَاجُ الْيَتِيمُ إلَى نَفَقَةٍ فَيَضْطَرُّ إلَى بَيْعِهَا بِخُسْرَانٍ، أَوْ يَتَرَشَّدُ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّ شِرَاءَهَا كَانَ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ بِتَسَلُّطِ الظَّلَمَةِ عَلَى الْوَلِيِّ فِيمَا يَطْرَحُونَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالشِّرَاءِ، وَيُلْزِمُونَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلْيَتِيمِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِمْ فَيَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَحَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غَلَبَةُ قُوَّةِ مَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ الَّتِي أَشَارَ الشَّارِعُ إلَيْهَا يَفْعَلُهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ تَحْتَ هَذَا الْخَطَرِ الدُّنْيَوِيِّ، وَبِحَسَبِ قَصْدِهِ يُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَيِّدٌ، وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مُسْتَنَدُهُ ظَاهِرُ الْأَمْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمَا قُلْنَاهُ، وَالْأَمْرُ فِيهِ خَطَرٌ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ، وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشَاقِّ الَّتِي فِي تَوَلِّي مَالِ الْيَتِيمِ الَّتِي أَشَارَ الشَّارِعُ إلَيْهَا فِي
стр. 325
قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ «إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ» ، وَأَنَا أُحِبُّ التِّجَارَةَ لِلْيَتِيمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا حَلَالٌ قَطْعًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا الْمُعَامَلَةُ الَّتِي يَعْتَمِدُونَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَأْتِيَ شَخْصٌ إلَى دِيوَانِ الْأَيْتَامِ فَيَطْلُبُ مِنْهُمْ مَثَلًا أَلْفًا، وَيَتَّفِقُ مَعَهُمْ عَلَى فَائِدَتِهَا مِائَتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ فَيَأْتِي بِسِلْعَةٍ تُسَاوِي أَلْفًا يَبِيعُهَا مِنْهُمْ عَلَى يَتِيمٍ بِأَلْفٍ، وَيَقْبِضُهَا مِنْ مَالِهِ، وَيُقْبِضُهُمْ تِلْكَ السِّلْعَةَ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُمْ بِأَلْفٍ، وَمِائَتَيْنِ إلَى أَجَلٍ، وَيَرْهَنُ عِنْدَهُمْ رَهْنًا عَلَيْهَا فَيَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ أَخْذُ الْأَلْفِ بِأَلْفٍ، وَمِائَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَجَلٍ، وَيَجْعَلُونَ تَوَسُّطَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ حَذَرًا مِنْ الرِّبَا، أَوْ يَشْتَرُوا سِلْعَةً مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِأَلْفٍ، وَيُقْبِضُوهُ الْأَلْفَ، وَيَقْبِضُوا السِّلْعَةَ ثُمَّ يَبِيعُوهَا مِنْ الطَّالِبِ بِأَلْفٍ، وَمِائَتَيْنِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبِيعُهَا هُوَ مِنْ صَاحِبِهَا بِتِلْكَ الْأَلْفِ الَّتِي أَخَذَهَا فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا، صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهِيَ عِنْدَنَا مَعَ صِحَّتِهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
وَالْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِهَا مِنْ أَصْحَابِنَا طَائِفَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْعَيِّنَةِ، وَالثَّانِيَةُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ لَا يُبَاعُ بِالنَّسِيئَةِ إلَّا إذَا تَعَجَّلَ قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ، إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ لَمْ يَنُصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَإِنَّمَا دِيوَانُ الْأَيْتَامِ سَلَكُوهَا لِكَوْنِ الرِّبْحِ فِيهَا مَعْلُومًا لَكِنْ فِيهَا خَطَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَأْخُذُ لَا يُوَفِّي حِينَ الْحُلُولِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُمَاطِلُونَ، وَيُسَوِّفُونَ، وَيَنْكَسِرُ عَلَيْهِمْ، وَبَعْضُهُمْ يُخْرِجُ رَهْنَهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَفِيهَا خَطَرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَحْكُمُ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ، أَوْ حَنْبَلِيٌّ بِبُطْلَانِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَتَضِيعُ الْفَائِدَةُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ عَلَى خَطَرٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا دَفَعَ الضَّامِنُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لِيَحْلِفَ مَعَهُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْفَعُهُ إلَى حَنَفِيِّ، وَطَرِيقُ الْوَلِيِّ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ لِيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ حَتَّى يَأْمَنَ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا فَلَا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ ثُمَّ نَظَرْت إذَا سَلِمْت عَنْ هَذَا كُلِّهِ، وَجَدْت فِيهَا أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْكَرَاهَةُ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا، وَالثَّانِيَةُ الشُّبْهَةُ لِقَوْلِ
стр. 326
إمَامَيْنِ كَبِيرَيْنِ، وَأَتْبَاعِهِمَا بِتَحْرِيمِهَا، وَبُطْلَانِهَا.
وَمِنْ مَصَالِحِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُونُهُ عَنْ أَكْلِ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَعَنْ أَنْ يَخْلِطَ مَالَهُ بِهِ، وَيَحْرِصَ عَلَى إطْعَامِهِ الْحَلَالَ الْمَحْضَ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ مَالُهُ كُلُّهُ مِنْهُ، وَهِيَ مَصْلَحَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَدُنْيَوِيَّةٌ؛ أَمَّا أُخْرَوِيَّةٌ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنَّ الْجَسَدَ النَّابِتَ مِنْ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ، وَأَعْلَى دَرَجَةً فِي الْآخِرَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا دُنْيَوِيَّةٌ فَإِنَّ الْجَسَدَ النَّاشِئَ عَلَى الْحَلَالِ يَنْشَأُ عَلَى خَيْرٍ فَيَحْصُلُ لَهُ مَصَالِحُ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِهِ اجْتِنَابَ الشُّبُهَاتِ يُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِي الْقَلِيلِ الْحَلَالِ فَيَكْفِيه، وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ مُحَقَّقَةٌ، وَالْفَائِدَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا بِالْمُعَامَلَةِ دُنْيَوِيَّةٌ مَحْضَةٌ فَتَعَارَضَتْ مَصْلَحَتَانِ أُخْرَوِيَّةٌ، وَدُنْيَوِيَّةٌ، وَرِعَايَةُ الْآخِرَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الدُّنْيَا فَكَانَ الْأَحْوَطُ، وَالْأَصْلَحُ لِلْيَتِيمِ تَرْكَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَقَدْ يُقَالُ بِكَوْنِ الْمُسْتَحَبِّ تَرْكَهَا، وَقَدْ يُزَادُ فَيُقَالُ: يَجِبُ تَرْكُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَالْأَحْسَنُ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ حَلَالٌ قَطْعًا، وَغَيْرُ الْأَحْسَنِ فِيهِمَا يُمْنَعُ قَطْعًا، وَالْأَحْسَنُ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا إذَا رَاعَيْنَا مَصْلَحَةَ الْآخِرَةِ، وَقَدَّمْنَاهَا عَلَى الدُّنْيَا صَارَ أَحْسَنَ مِنْ الْآخِرَةِ فَهُوَ أَحْسَنُ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَيَسَّرَ مُتَّجَرٌ ابْتَغَى فِعْلَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَيَأْكُلُ مَالَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَهُ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَسَبْعِمِائَةٍ فَأَوْرَدَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى قَوْلِي بِالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا حِيلَةُ حَدِيثِ خَيْبَرَ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» فَقُلْت: هَذَا الَّذِي فِي الْحَدِيثِ حِيلَةٌ فِي الْخَلَاصِ مِنْ الرِّبَا فَلَا يُحَرَّمُ، وَلَا يُكْرَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْحِيَلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَدِيثِ التَّوَصُّلُ إلَى شِرَاءِ الْجَنِيبِ الطَّيِّبِ بِعَيْنِهِ بِالْجَمْعِ، وَهُوَ رَدِيءٌ لِعَيْنِهِ، وَلَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ بِالْمُسَاوَاةِ لِعَدَمِ رِضَا صَاحِبِ الْجَنِيبِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ، وَلَا بِالتَّفَاضُلِ لِأَجْلِ الرِّبَا فَأَرْشَدَهُمْ الشَّارِعُ إلَى طَرِيقٍ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَهِيَ تَحْصِيلُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ مَقْصُودَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَاشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا، وَلَمْ يَقُلْ: بِعْ النَّاقِصَ، وَاشْتَرِ الزَّائِدَ فَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لَهُمَا، وَهِيَ الْمَحْظُورَةُ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنْ قَصَدَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ إنَّمَا هُوَ الزِّيَادَةُ فَهَهُنَا التَّوَصُّلُ إلَى مَا قَصَدَ الشَّارِعُ عَدَمَهُ، وَحَرَّمَهُ، وَهُنَاكَ التَّوَصُّلُ إلَى مَا لَمْ يَقْصِدْ الشَّارِعُ عَدَمَهُ فَإِنَّ بَيْعَ الْجَمْعِ بِالْجَنِيبِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا لَا يَحْرُمُ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّهُ نَفِيسٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَاعِدَةً
وَهِيَ
стр. 327
إنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قُصِدَ فِيهِ التَّوَصُّلُ إلَى أَصْلِيٍّ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حَرَامًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ خَلَاصٌ عَنْ الْحَرَامِ لَا حَرَامٌ فَزِيَادَةُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي الرِّبَا حَرَامٌ فَقَصْدُهَا بِالطَّرِيقِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَبِالطَّرِيقِ الْحَلَالِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ مُرَاغَمَةَ الشَّارِعِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّعَدِّي فِي السَّبْتِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ مَنْعُهُمْ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَمَا فَعَلُوهُ طَرِيقٌ إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ، وَالتَّوَصُّلُ إلَى اسْتِبَاحَةِ بُضْعِ الْمَرْأَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ لَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ الزِّنَا
وَأَمَّا الْوَطْءُ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ حَلَالٌ فَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ صَحِيحًا مِنْ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ حِيلَةٌ إلَى مُحَرَّمٍ فَقَدْ خَفِيَ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ أَعَمَّ، وَتَحْتَهُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَصُورَةٌ خَاصَّةٌ مُبَاحَةٌ فَلَا يُوصَفُ الْأَعَمُّ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا الْمُتَوَصِّلُ إلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ مُتَحَيِّلًا عَلَى الْحَرَامِ، وَالزِّيَادَةُ فِي عُقُودِ الرِّبَا مُحَرَّمَةٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ زِيَادَةٌ فَمَتَى قَصَدَهَا بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ فَقَدْ تَحَيَّلَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا بِالطَّرِيقِ الْمُحَرَّمَةِ كَانَ حَرَامًا بِلَا إشْكَالٍ، وَإِنْ فَعَلَهَا بِغَيْرِهِ كُرِهَ لِقَصْدِهِ، وَلَمْ يُحَرَّمْ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمُحَرَّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ فِي الْمُعَامَلَةِ أَنَّا لَمْ نَرَ أَحَدًا يَحْرِصُ عَلَى دَفْعِ مَالِ الْيَتِيمِ بِذَلِكَ إلَّا قَلِيلًا بَلْ الْغَالِبُ أَنَّ الْغَرَضَ يَكُونُ لِلطَّالِبِ، وَيَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ، وَيَأْتِي بِالشَّفَاعَاتِ، وَبِالْجَاهِ لِيَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْأَيْتَامِ، وَيَقْتَرِنُ بِهِ أَيْضًا غَرَضٌ لِدِيوَانِ الْأَيْتَامِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ رُبْعَ الْفَائِدَةِ فَلِلدِّيوَانِ، وَالطَّالِبِ غَنْمٌ بِلَا غُرْمٍ، وَلِلْيَتِيمِ الْمِسْكِينِ الْآنَ غُرْمٌ مُحَقَّقٌ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَدْرِي هَلْ يَرْجِعُ رَأْسُ مَالِهِ، وَفَائِدَتُهُ فَيَغْنَمُ، أَوْ يَذْهَبُ بَعْضُهُ، أَوْ كُلُّهُ فَيَغْرَمُ. هَذَا حَقِيقَةُ الْحَالِ فَلَا يُغَالِطُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَعْلَمُ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَعْلَمُهُ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ فَالْمُحْتَرِزُ فِي دِينِهِ يُرَاجِعُ قَلْبَهُ، فَإِنْ انْشَرَحَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْيَتِيمِ، وَهُوَ أَحْسَنُ، وَخَلُصَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَعَلَهُ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَ فِي تَارِيخِهِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَرْبَعِينَ، وَسَبْعِمِائَةٍ: وَمِنْ أَغْرَبِ الْوَقَائِعِ الَّتِي، وَقَعَتْ أَنَّ كَبِيرًا طَلَبَ فِي مِصْرَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَأُعْطِيَهُ، وَرَدَّهُ عَنْ قُرْبٍ، وَصَارَ يُثْنِي عَلَى الدَّافِعِ الَّذِي هُوَ نَاظِرُ الْأَيْتَامِ، وَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ حُظْوَةٌ ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْكَبِيرَ فِي الشَّامِ طَلَبَ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَدُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جُرِّبَتْ مُعَامَلَتُهُ، وَحُمِدَتْ فَمَاطَلَ بِهِ مُدَّةً، وَحَصَلَ التَّعَبُ مَعَهُ فَقُلْت فِي نَفْسِي: كَانَ الدَّفْعُ الْأَوَّلُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ، وَتَبَيَّنَ بِآخِرِهِ
стр. 328
أَنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي الْمَفْسَدَةِ فَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ مَفْسَدَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّى مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَنَعَنِي مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَيْضًا نَافِعٌ لِي مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى مُطْلَقًا بَلْ أَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْوَلِيِّ، وَدِينِهِ، وَعِلْمِهِ، وَيَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بِحَسَبِ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَنْضَبِطُ فَعَلَيْهِ التَّحَرِّي، فَإِذَا كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ مَالًا كَثِيرًا، وَلَا يُؤَدِّي تَرْكُ الْمُعَامَلَةِ إلَى إجْحَافٍ بِهِ فَهَهُنَا يُسْتَحَبُّ، أَوْ يَجِبُ تَرْكُ الْمُعَامَلَةِ، وَإِذَا كَانَ مَالُهُ قَلِيلًا، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَامِلْ لَهُ فِيهِ لَنَفِدَ، وَضَاعَ الْيَتِيمُ، وَوَجَدْنَا مُعَامَلَةً مَأْمُونَةً سَرِيعَةً فَهَهُنَا تُسْتَحَبُّ الْمُعَامَلَةُ، أَوْ تَجِبُ، وَيُحْتَمَلُ انْسِيَابُ الشُّبْهَةِ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ، وَأَنَا أَضْرِبُ لَك فِي ذَلِكَ مَثَلًا: أَكْلُ الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ وَاجِبٌ فَسَاغَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَيْتَةِ الْمَقْطُوعِ بِتَحْرِيمِهَا فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ حِفْظًا لِلْمَنِيَّةِ، فَإِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ دُونَ الضَّرُورَةِ إلَى تَنَاوُلِ الشُّبْهَةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُسْتَحَبَّ التَّنَاوُلُ، وَيَحْصُلَ دَفْعُ تِلْكَ الْحَاجَةِ بِنُمُوٍّ عَلَى مَصْلَحَةِ دَفْعِ الشُّبْهَةِ، مِثَالُهُ: إذَا كَانَ عِنْدَ الشَّخْصِ عِيَالٌ، وَعَلِمَ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ لَهُمْ مَالًا مِنْ شُبْهَةٍ لَضَاعُوا، وَمُؤْنَةُ الْعِيَالِ وَاجِبَةٌ فَهَهُنَا يَظْهَرُ أَنْ نَقُولَ بِتَرَجُّحِ حِفْظِهِ مَصْلَحَةَ الْعِيَالِ، وَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ عَلَى التَّنَزُّهِ عَنْ الشُّبُهَاتِ كَذَلِكَ الْيَتِيمُ كَالْعِيَالِ، وَيُحْتَمَلُ لِأَجْلِ ضَرُورَتِهِ، أَوْ حَاجَتِهِ ارْتِكَابُ الشُّبْهَةِ، وَيُعْذَرُ فِيهَا شَرْعًا، وَيَنْهَضُ إلَى أَنْ يَصِيرَ ارْتِكَابُهَا أَوْلَى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ اجْتِنَابِهَا، وَهَذِهِ أُمُورٌ لَا يُدْرِكُهَا إلَّا مَنْ يَنْظُرُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَسَلِمَ مِنْ الْغَرَضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَ فِي لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ: وَقَدْ نَشَأَ مِنْ هَذَا أَنِّي لَا أَمْنَعُ مِنْ الْمُعَامَلَةِ، وَلَا آمُرُ بِهَا غَيْرِي، أَمَّا أَنَا إذَا طُلِبَتْ مِنِّي فَأَرْجُو أَنْ أَجْتَهِدَ رَأْيِي فِيهَا، وَأَفْعَلَ مَا يُوَفِّقُنِي اللَّهُ تَعَالَى لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَتَبَ فِي تَارِيخِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : كَتَبَ إلَيَّ ابْنِي بَارَكَ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ قَالَ: وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فِي امْرَأَةٍ سَفِيهَةٍ تَحْتَ الْحَجْرِ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهَا ثُمَّ حَضَرَ وَصِيُّهَا فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِسَفَهِهَا فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ السَّفَهِ؟ وَكَتَبَ جَمَاعَةٌ عَلَيْهَا بِأَنْ نُقَدِّمَ بَيِّنَةَ السَّفَهِ، وَيُعَادَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا، وَخَالَفَهُمْ الْمَمْلُوكُ فِي ذَلِكَ، وَقُلْت لَهُمْ: إنَّ بَيِّنَةَ السَّفَهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرَةً؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ جَرْحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّصَرُّفَاتِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ نُبَيِّنَ السَّفَهَ، فَإِنْ كَانَ سَبَبًا سَابِقًا عَلَى وَقْتِ شَهَادَةِ الرُّشْدِ فَلَا تَعَارُضَ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الرُّشْدِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَاحِقًا بَعْدَ الرُّشْدِ فَلَا يَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي، وَيُعَادُ الْحَجْرُ مِنْ الْآنَ، وَأَنْ يَثْبُتَ سَبَبًا مُقَارِنًا، أَوْ قَبِلْنَاهَا مُطْلَقَةً، وَشَهِدَتْ أَنَّهَا سَفِيهَةٌ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِالرُّشْدِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الرُّشْدِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ.
وَبَيِّنَةُ السَّفَهِ قَدْ تَكُونُ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلَ كَمَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ زَيْدًا النَّصْرَانِيَّ مَاتَ مُسْلِمًا
стр. 329
وَأُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيَّةِ جَرْحٌ، وَبَيِّنَةُ الْجَرْحِ إنَّمَا تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ حَيْثُ اسْتَوَيَا أَمَّا لَوْ ثَبَتَ الْجَرْحُ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَإِنَّ بَيِّنَةَ التَّعْدِيلِ تُقَدَّمُ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
(الْجَوَابُ) أَمَّا كَوْنُ بَيِّنَةِ السَّفَهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرَةً فَيَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ السَّفَهِ، وَالرُّشْدِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى صَرْفَ الْمَالِ إلَى الْأَطْعِمَةِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ سَفَهًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَهٍ، وَلَكِنَّ صَرْفَهَا فِي الْحَرَامِ سَفَهٌ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ، وَهُوَ يُفَرِّطُ فِي إنْفَاقِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَنَحْوِهَا يَكُونُ سَفِيهًا بِذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ سَفِيهًا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ الرُّشْدَ هُوَ الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ فَقَطْ، وَعِنْدَنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الصَّلَاحِ فِي الدِّينِ، وَالْمَالِ، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَمِنْ السَّفَهِ مَا يَكُونُ طَارِئًا، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مُسْتَدَامًا، وَالشَّاهِدُ قَدْ يَكُونُ عَامِّيًّا، وَقَدْ يَكُونُ فَقِيهًا، وَيَرَى سَفَهًا مَا لَيْسَ بِسَفَهٍ عِنْدَ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ الرُّشْدُ فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مُطْلَقَةً فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالسَّفَهِ حَتَّى يَبِينَ سَبَبُهُ، وَلَا بِالرُّشْدِ حَتَّى يَبِينَ أَنَّهُ مُصْلِحٌ لِدِينِهِ، وَمَالِهِ كَمَا عَادَةُ الْمَحَاضِرِ الَّتِي تُكْتَبُ بِالرُّشْدِ، وَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَا مَا سَمِعَاهُ مَشْرُوحًا فَلَوْ أَرَادَا أَنْ لَا يَشْرَحَا بَلْ شَهِدَا أَنَّهُ رَهْنٌ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ نَاقِلٌ، وَالِاجْتِهَادَ إلَى الْحَاكِمِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: الَّذِي تَلَقَّيْته مِنْ كَلَامِ الْمَرَاوِزَةِ، وَفَهِمْته مِنْ مَدَارِجِ مُبَاحَثَاتِهِمْ الْمَذْهَبِيَّةِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أَسْبَابِهَا بَلْ وَظِيفَتُهُ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ، أَوْ شَاهَدَهُ فَهُوَ سَفِيرٌ إلَى الْحَاكِمِ فِيمَا يَنْقُلُهُ مِنْ قَوْلٍ سَمِعَهُ، أَوْ فِعْلٍ رَآهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الشَّهَادَةِ بِالرِّدَّةِ هَلْ تُقْبَلُ مُطْلَقَةً، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ، وَلِجَهْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ رَجَّحَ قَبُولَهَا مُطْلَقَةً لِظُهُورِ أَسْبَابِ الْكُفْرِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَا يَأْتِي مِثْلُهَا فِي السَّفَهِ، وَالرُّشْدِ فَيَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ كَالْجَرْحِ، وَلَيْسَ الرُّشْدُ كَالتَّعْدِيلِ حَتَّى يُقْبَلَ مُطْلَقًا نَعَمْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي الْإِطْلَاقِ فِي صَلَاحِ الدَّيْنِ، وَالْإِطْلَاقِ فِي صَلَاحِ الْمَالِ لِعُسْرِ التَّفْصِيلِ فِيهِ؛ أَمَّا إطْلَاقُ الرُّشْدِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الدَّيْنِ، وَالْمَالِ فَلَا يَكْفِي، أَمَّا قَوْلُك: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ، فَإِنْ كَانَ سَبَبًا سَابِقًا عَلَى وَقْتِ شَهَادَةِ الرُّشْدِ فَلَا تَعَارُضَ، وَتَقَدُّمُ بَيِّنَةِ الرُّشْدِ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ
стр. 330
كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا مِلْكُ زَيْدٍ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مِلْكُ عَمْرٍو هَلْ تَتَعَارَضَانِ؟ ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّا إنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ فَيَتَعَارَضَانِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَمَأْخَذُهُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ يَسْتَصْحِبُ حُكْمَهُ إلَى الْآنَ مَا لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ فَالسَّبَبُ الَّذِي ثَبَتَ بَيِّنَةَ السَّفَهِ حُصُولُهُ فِي وَقْتٍ مُتَقَدِّمٍ يَسْتَصْحِبُ حُكْمَهُ مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةُ الرُّشْدِ بِزَوَالِهِ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ، وَيَثْبُتُ الرُّشْدُ.
وَالْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ السَّفَهِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَقَوْلُك: وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَاحِقًا بَعْدَ الرُّشْدِ فَلَا يَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي، وَيُعَادُ الْحَجْرُ مِنْ الْآنِ صَحِيحٌ، وَلَا يَجِيءُ هُنَا اسْتِصْحَابُ الرُّشْدِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الطَّارِئَ يَرْفَعُهُ فَالشَّاهِدُ يَرْفَعُهُ مَعَ زِيَادَةِ عِلْمٍ، وَقَوْلُك: وَإِنْ ثَبَتَ سَبَبًا مُقَارِنًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثَبَاتَ السَّبَبِ الْمُقَارِنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَحْسُوسًا مُقَارِنًا لِزَمَانِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالرُّشْدِ، وَالْمَحْسُوسُ لَا يَكُونُ مُسْتَنَدُهُ الِاسْتِصْحَابَ فَلَا وَجْهَ حِينَئِذٍ إلَّا تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ السَّفَهِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ عَلَى بَيِّنَةِ الرُّشْدِ، وَلَكِنَّ صُورَتَهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ الرُّشْدِ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ فَتَشْهَدُ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ يَصْرِفُ الْمَالَ فِي الْحَرَامِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ السَّفَهَ، وَأَمَّا إذَا قَبِلْنَاهَا مُطْلَقَةً فَاَلَّذِي بَحَثَهُ الْوَلَدُ صَحِيحٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ فِي فَتَاوِيه فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ مُتَجَاوِرَةٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْلِيسِ إحْدَاهَا فِيمَنْ عَلِمَ يَسَارَ شَخْصٍ فِي زَمَانٍ مُتَقَادِمٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْآنَ بِيَسَارِهِ، وَهَلْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ عَنْ كَوْنِهِ مُوسِرًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَعَلَيْهِ الشَّهَادَةُ كَذَلِكَ.
أَجَابَ ﵁: إنَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْآنَ بِيَسَارِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ طَرَأَ مَا أَوْجَبَ اعْتِقَادَهُ بِزَوَالِهِ، أَوْ جَعَلَهُ فِي صُورَةِ التَّشْكِيكِ فِي بَقَائِهِ، وَزَوَالِهِ. وَالِاعْتِمَادُ فِي هَذَا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ السَّالِمِ عَنْ طَارِئٍ فَحَدَثُهُ كَالِاعْتِمَادِ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْمِلْكِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ كَمَا هُنَالِكَ، وَمَا عُلِّلَ بِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا الِاسْتِصْحَابُ فِي الْبَاطِنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الِاسْتِصْحَابِ مَوْجُودٌ هُنَا. قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى جَرَيَانِهِ فِي نَظَائِرِهِ قَوْلُهُمْ فِي الْبَيِّنَةِ النَّاقِلَةِ فِي الدَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الِابْنَيْنِ الْمُسْلِمِ، وَالنَّصْرَانِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا: إنَّهَا تُرَجَّحُ عَلَى الْمَنْفِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا اعْتَمَدَتْ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ، وَالْأُخْرَى رُبَّمَا اعْتَمَدَتْ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ، وَهَذَا تَجْوِيزٌ مِنْهُمْ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِيهَا لَا مِنْ قَبِيلِ التَّرْجِيحِ بَلْ يَكْتَفِي الْحَاكِمُ بِالشَّهَادَةِ أَنَّهُ مُوسِرٌ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الْحَالُ، فَإِنْ أَحْوَجَهُ إلَى ذِكْرِ الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ فَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ لِذَلِكَ مُعْتَمِدًا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الْمَذْكُورِ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْصِحَ بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الدَّيْنِ بِمَا شَمِلَ الْحَالَ الْحَاضِرَةَ. كَذَا رَأَيْته فِي الْفَتَاوَى، وَفِيهِ خَلَلٌ يَسِيرٌ
стр. 331
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا الْوَلَدُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَنْ شَهِدَ بِالرُّشْدِ مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بَاطِنًا، أَوْ ظَاهِرًا، وَيَكْتَفِي بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهَلْ يَكْتَفِي فِي اخْتِيَارِهِ، وَالشُّهْرَةِ؟ أَجَابَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَمِنْ شُرُوطِهَا: أَنْ لَا يَكُونَ غَرِيبًا عِنْدَ الشَّاهِدِ بَلْ يَكُونُ مُتَقَدِّمَ الْمَعْرِفَةِ، وَيَكْتَفِي فِي اخْتِيَارِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَالشُّهْرَةِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي بَيِّنَتَيْ إعْسَارٍ، وَمَلَاءَةٍ تَكَرَّرَتَا كُلَّمَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا جَاءَتْ الْأُخْرَى فَشَهِدَتْ أَنَّهُ فِي الْحَالِ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ هَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ أَبَدًا، أَوْ يُعْمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ. أَجَابَ ﵁ يُعْمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ إذَا لَمْ يَنْشَأْ مِنْ تَكْرَارِهَا رِيبَةٌ، وَلَا تَكَادُ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ تَخْلُو عَنْ الرِّيبَةِ إذَا تَكَرَّرَتْ؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا مُنْحَصِرُ الْجِهَةِ فِي تَقْدِيرِ إثْبَاتِهَا طَرَيَانَ الْإِعْسَارِ بَعْدَ الْمَلَاءَةِ لَا عَلَى تَقْدِيرِ مُعَارَضَتِهَا بَيِّنَةَ الْمَلَاءَةِ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا تُقْبَلُ لِتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْمَلَاءَةِ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ هَكَذَا بَيِّنَةُ الْمَلَاءَةِ فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَمَعْمُولٌ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَا يُشْهَدُ بِهِ مَلَاءَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدٍ، وَعِنْدَ هَذَا، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ فَقَدْ أَثْبَتَ فَعَادَتْ مَلَاءَةُ الْإِعْسَارَاتِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْ الرِّيبَةِ. هَذَا كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ
كُتِبَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي اشْتِمَالِ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادَةِ تَارِيخٍ: إنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ تَرْجِيحُ أَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَقَامَتْ بَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَا التَّارِيخِ، وَجَعَلْنَا سَبْقَ التَّارِيخِ مُرَجِّحًا فَثَلَاثَةُ، أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تَرْجِيحُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَتَسَاوَيَانِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَتَتَسَاقَطَانِ فِيهِ، وَتَبْقَى مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الْيَدُ، وَمِنْ الْآخَرِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ السَّابِقِ، وَالْيَدُ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُزَالُ بِهَا
وَالثَّانِي تَرْجِيحُ السَّبْقِ؛ لِأَنَّ مَعَ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحًا مِنْ وَجْهِ الْبَيِّنَةِ، وَمَعَ الْآخَرِ تَرْجِيحًا مِنْ جِهَةِ الْيَدِ، وَالْبَيِّنَةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ فَكَذَلِكَ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهِ الْبَيِّنَةِ يَتَرَجَّحُ عَلَى التَّرْجِيحِ مِنْ جِهَةِ الْيَدِ، وَالثَّالِثُ تَتَسَاوَيَانِ لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا ادَّعَى دَارًا، أَوْ عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ بِالْأَمْسِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيعُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ السَّابِقِ لَا تُسْمَعُ فَكَذَا الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَعُوقُ الْمِلْكَ سَابِقًا إنْ اقْتَضَى بَقَاؤُهُ فَيَدُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُهُ يَدُلُّ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ ظَنُّ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْيَدَ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْسِ، وَالْمَقُولَيْنِ تَعَلَّقَا بِالْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا أُرِّخَتْ الْبَيِّنَتَانِ
стр. 332
بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ هَلْ تُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا أَمْ تَتَسَاوَيَانِ، وَقَرَّبَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا، أَوْ كَانَتْ الدَّارُ لِفُلَانٍ هَلْ يَكُونُ إقْرَارًا، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ عَلَى الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، أَوْ يَقُولَ: كَانَ مِلْكًا لَهُ، وَلَمْ يَزَلْ، أَوْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمٍ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ كَشِرَاءِ وَارِثٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ زَوَالُهُ
وَلَوْ صَرَّحَ فِي شَهَادَتِهِ أَنَّ مُعْتَمَدَهُ الِاسْتِصْحَابُ فَوَجْهَانِ فِي الْوَسَطِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي أَزَالَ مِلْكُهُ أَمْ لَا لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا صِيغَةُ الْمُرْتَابِينَ، وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَمْسِ قُبِلَتْ، وَاسْتُدِيمَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: كَانَ مِلْكًا بِالْأَمْسِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ، وَلَوْ أُسْنِدَتْ الشَّهَادَةُ إلَى التَّحْقِيقِ بِأَنْ قَالَ هُوَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ فَقُبِلَتْ.
وَلَمْ يُثْبِتْ ابْنُ الصَّبَّاغِ الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مِلْكُك أَمْسِ، وَحَكَى الْقَطْعَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَرَدَّ الْوَجْهَيْنِ إلَى فِي يَدِك الْأَمْسِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْيَدَ قَدْ لَا تَكُونُ مُسْتَحِقَّةً، فَإِذَا كَانَتْ قَائِمَةً أَخَذْنَا بِالظَّاهِرِ فِيهَا، فَإِذَا زَالَ ضَعُفَتْ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: ذَكَرْنَا أَنَّ الشُّهُودَ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ لَوْ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ زَوَالَ مِلْكِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ ثُمَّ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ غَاصِبٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْيَمِينِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ: هَذَا غَرِيبٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِسْقَاطِ مَا مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الظَّاهِرِ فَأُضِيفَ إلَيْهَا الْيَمِينُ.
قَالَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ: فَإِنْ ذَكَرُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ غَاصِبٌ يَقْتَضِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْ يُنْزَعَ مِنْ يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ أَمْسِ إذَا قَالُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ أَمْسِ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ الْآنَ إلَّا عَلَى الثُّبُوتِ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ مَعَهَا اُنْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ، وَالْبَيِّنَةُ تَعْتَمِدُ الظَّاهِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) دَارٌ فِي يَدِ إنْسَانٍ وَحَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِمِلْكِهَا فَادَّعَى خَارِجٌ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْهُ إلَيْهِ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ بِانْتِقَالِهِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ. أَفْتَى فُقَهَاءُ هَمَذَانَ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِسَمَاعِهَا، وَالْحُكْمُ بِهَا لِلْخَارِجِ وَالْقَفَّالُ بِأَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، وَمَالَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الِانْتِقَالِ تَخْتَلِفُ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ فُلَانًا وَارِثٌ لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يَثْبُتْ، وَالْآنَ فِيهِ مُعَارَضَةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا الِانْتِقَالَ، وَلَكِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى سَبَبِهِ
стр. 333
فَجَازَ أَنْ يَعْتَقِدُوا مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَنْ يَكُونُوا اعْتَمَدُوا ظَاهِرًا مُتَقَدِّمًا، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَكَمَ حَيْثُ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ مُطْلَقَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا الْيَمِينُ كَمَا نُقِلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ التَّحْلِيفَ إنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا شَهِدْت بِالْمِلْكِ أَمْسِ، وَقَالَتْ: لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا، وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ شَهَادَتِهَا بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ يُحَلَّفُ فَتَنْفَعُ بَيِّنَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَعَمْ إذَا لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ لَكِنْ شَهِدُوا فِي كِتَابٍ بِتَقْدِيمِ التَّارِيخِ فِيهِ ثُبُوتٌ بِالْبَيِّنَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا نَزْعَ أَصْلًا بِهَذَا الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَرْعِ مَعَ الْيَمِينِ حُجَّةً حَاضِرَةً الْآنَ أَمَّا الْكِتَابُ الْمُتَقَدِّمُ فَالْحُكْمُ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قَائِمَةٍ الْآنَ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَالنَّاسُ لَا يَزَالُونَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَا أَنَا أَكْشِفُ لَعَلِّي أَجِدُ مُسْتَنَدًا لَهُ، أَوْ بِخِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إذَا سَمِعْنَاهَا إنَّمَا نَسْمَعُهَا إذَا كَانَ مَعَهَا يَدٌ، وَلَا تُنْزَعُ بِهَا الْيَدُ إلَّا إنْ شَهِدَتْ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَصَبَهَا مِنْ الْمُدَّعِي، أَوْ تُضَمُّ إلَى شَهَادَتِهَا بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي يَدًا مُتَقَدِّمَةً لَكِنْ هَذَا يُخَالِفُ إطْلَاقَهُمْ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الْمُرَجِّحَاتِ الْيَدُ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَوْ انْفَرَدَتْ عَنْ الْمُعَارَضَةِ مَعَ الْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمِلَ بِهَا، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّ دَلَالَتَهَا أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ أُمُورًا كَثِيرَةً مَعَهَا قَرَائِنُ اقْتَضَتْ لَهَا الْجَزْمَ بِالْمِلْكِ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إلَّا ظُهُورًا يَسِيرًا فَأَضْعَفُ الْحُجَجِ الْيَدُ، وَفَوْقَهَا الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُقْتَرِنِ مَعَهُ قَوْلُهُمْ لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا الْمَضْمُومُ إلَى الْيَمِينِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ
وَتُسَاوِيهِ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ جَازِمًا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَتُسَاوِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى حَاكِمٍ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ الْمِلْكُ فِي زَمَنٍ مُتَقَدِّمٍ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَمْسِ لِانْضِمَامِ إثْبَاتِ الْحَاكِمِ فَكَانَ أَقْوَى فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى يَمِينٍ، وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى قِسْمَتُهُ، وَالْقِسْمَةُ تَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَتَضَمَّنَتْ إقْرَارَ مَكَانِ شَخْصٍ فَوُجِدَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَفِي انْتِزَاعِهِ نَظَرٌ، وَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ إثْبَاتُ حَاكِمٍ الْمِلْكَ لَكِنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْحَاكِمُ الْمِلْكُ لِلشُّرَكَاءِ، وَهَذَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَإِقْرَارُهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ بِالْقِسْمَةِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ الْآنَ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِتَسَلُّمِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْ انْتِزَاعِهِ مِنْ ذِي الْيَدِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ نَظَرٌ لِعَدَمِ قِيَامِ حُجَّةٍ فِيهِ بِخُصُوصِهِ تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْيَدِ، وَقَدْ جَزَمُوا بِمَا إذَا ادَّعَاهَا اثْنَانِ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَحَدُهُمَا أَقَامَ بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي إقَامَتَهَا عَلَى الْمِلْكِ
стр. 334
الْمُطْلَقِ لَكِنَّ هِيَ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ حَالَ التَّنَازُعِ يَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي حِينَئِذٍ مُسْتَنِدًا إلَى تِلْكَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ حَاضِرٍ بِخِلَافِ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ حَالُهُ الْآنَ هَلْ تَغَيَّرَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا فَفِيهِ هَذَا النَّظَرُ فَإِنَّ شُهُودَ الْمَكْتُوبِ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْيَدِ: مَا شَهِدْنَا عَلَيْك بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا شَهِدْنَا فِي كِتَابٍ عَلَى قَاضٍ لَا نَعْرِفُ مِنْ أَمْرِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ الْقَاضِي أَيْضًا لَمْ يَقْضِ عَلَى هَذَا بِشَيْءٍ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ سَيِّدُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ خَطِيبُ الْخُطَبَاءِ تَاجُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ سَأَلَ وَالِدِي عَنْ أَيْتَامٍ لَهُمْ حُجَجٌ تَرَشَّدَ أَحَدُهُمْ فَأَعْطَاهُ الْحَاكِمُ بَعْضَ الْحُجَجِ، وَتَرَكَ بَعْضَهَا لِبَقِيَّةِ الْأَيْتَامِ، ثُمَّ تَحَاكَمَ الرَّشِيدُ الْمَذْكُورُ مَعَ غَرِيمٍ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لِلْأَيْتَامِ فِي مُعَامَلَةٍ بَيْنَهُمَا، وَاصْطَلَحَا، وَكَتَبَ بَيْنَهُمَا مُبَارَأَةً أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ دَعْوَى، وَلَا حَقًّا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ ثُمَّ إنَّ الْغَرِيمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْأَيْتَامِ إلَّا قَدْرَ نَصِيبِهِمْ، وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِنْ نَصِيبِ الرَّشِيدِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَى الرَّشِيدِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْحُجَّةِ، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ صِحَّةَ قَسْمِ الْحُجَجِ عُذْرًا فِي قَبُولِ دَعْوَاهُ، وَتَصْدِيقِهِ بِيَمِينِهِ، أَوْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ الْخَصْمِ فَقَطْ.
(أَجَابَ) تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ، وَيَعْتَقِدُ صِحَّةَ قَسْمِهِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي سَمَاعِ دَعْوَاهُ، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ لِاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعُذْرُ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي عُمُومُ اللَّفْظِ فِي الْإِبْرَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي الْمُدَّعَى بِهِ بِخِلَافِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نَقُولُ تُسْمَعُ الدَّعْوَى لِلتَّحْلِيفِ فِيهَا فَقَطْ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا إلَّا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) مَالُ أَيْتَامٍ تَحْتَ نَظَرِ حَاكِمٍ عَجَّلَ الْحَاكِمُ زَكَاتَهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا مِمَّا كَانَ تَحْتَ يَدِ أَمِينِ الْحَاكِمِ بِإِذْنِهِ بِأَوْرَاقِهِ ثُمَّ انْصَرَفَ الْحَاكِمُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ حَاكِمٌ ثَانٍ صَرَفَ مِنْ الْمَالِ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَطَلَبَ أَمِينَ الْحَاكِمِ بِمَا صَرَفَهُ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ فَهَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْأَوَّلَ، أَوْ أَمِينَ الْحُكْمِ، أَوْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ أَمْ يَعْتَدُّ بِمَا صَرَفَهُ الْأَوَّلُ. (أَجَابَ) ﵁: لَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَإِذَا عَجَّلَ ضَمِنَ، وَاَلَّذِي فَعَلَهُ الْحَاكِمُ الثَّانِي صَوَابٌ فَإِنَّ الصَّرْفَ الْأَوَّلَ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ، وَيَبْقَى دَيْنًا عَلَى قَابِضِهِ يُضَمُّ إلَى بَقِيَّةِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى زَكَاةِ الدَّيْنِ، وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ اسْتِرْجَاعُهُ إمَّا مِنْ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا مِنْ أَمِينِ الْحُكْمِ إنْ عَلِمَ صُورَةَ الْحَالِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الصَّرْفَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بِالْحَاكِمِ، وَالْقَابِضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 335
مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ، وَجَهَّزَهَا، وَهِيَ تَحْتَ حَجْرِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ ذَلِكَ الْقُمَاشَ بِحُكْمِ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهَا لِتَتَجَمَّلَ بِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ فَقَالَتْ هِيَ إنَّهُ لِأُمِّي فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهَا، أَوْ قَوْلُهُ؟ . (أَجَابَ) أَمَّا قَوْلُهَا، وَهِيَ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا: إنَّهُ لِأُمِّي فَلَا يُسْمَعُ، أَمَّا قَوْلُ الْأَبِ إنَّهُ دَفَعَهُ لَهَا لِتَتَجَمَّلَ بِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ، فَإِنْ كَانَ ثَبَتَ أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهَا، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ قَوْلٌ أَنَّهُ جِهَازُهَا، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهَا، وَلَا بَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَهَا، أَوْ بِمَالِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ
وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يُسْمَعْ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهَا بَلْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهَا، وَالْيَدُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَلَا يُسْمَعُ مَا يُخَالِفُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَابُ التَّفْلِيسِ]
(بَابُ التَّفْلِيسِ) (مَسْأَلَةٌ) وَصِيٌّ تَحْتَ يَدِهِ لِيَتِيمٍ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ تَسَلَّمَهَا مِنْ دِيوَانِ الْأَيْتَامِ فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ إلَّا دَرَاهِمُ يَسِيرَةٌ، وَفِرَاءٌ، وَدَارٌ مَجْمُوعُ ذَلِكَ أَحْرَزَ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ لِلْيَتِيمِ التِّسْعَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَلِجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ نَحْوُ سِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
(الْجَوَابُ) يُقَدَّمُ الْيَتِيمُ بِمَا وَجَدَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَبِمَا يَثْبُتُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بَعْدَ تَسَلُّمِ دَرَاهِمِهِ مِمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ لَهُ، وَيَشْتَرِكُ هُوَ، وَبَقِيَّةُ الْمُدَايِنِينَ فِي بَقِيَّةِ الْمَوْجُودِ، وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَ تَسَلُّمِهِ دَرَاهِمَ الْيَتِيمِ إنْ كَانَ لِلْيَتِيمِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْيَتِيمِ فَقَدْ فَسَقَ فَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ فَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَالثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْيَتِيمِ فَيَأْخُذُهُ، وَلِيُّ الْيَتِيمِ بِطَرِيقِ الظَّفَرِ، فَإِنْ حَلَّفَ تِلْكَ الْبَائِعُ، وَهِيَ الْأَعْيَانُ الْمَذْكُورَةُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ، وَجَدْت الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَيَكُونُ الْوَاضِحُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ فَسَقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَكُونُ الْأَعْيَانُ لِلْمَيِّتِ، وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ، وَهُوَ لِلْيَتِيمِ عَلَيْهِ فَهُوَ غَرِيمُ الْغَرِيمِ فَيَقُومُ الْيَتِيمُ مَقَامَهُ فِي الرُّجُوعِ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَبْضِ حَقِّهِ مِنْهُ فَيَثْبُتُ تَقَدُّمُ الْيَتِيمِ بِذَلِكَ عَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمَيِّتُ يَصْرِفُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَاشْتِرَاءُ الْأَعْيَانِ لِنَفْسِهِ، وَوَزْنُ ثَمَنِهَا مِنْ مَالِهِ فَتَسَاوَى هُوَ، وَبَقِيَّةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ، وَحَمْلُ الْوَصِيِّ عَلَى الْأَمَانَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْخِيَانَةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ لِأَنِّي إنَّمَا تَكَلَّمْت تَفْرِيعًا عَلَى مَا قَرَّرْته
стр. 336
مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُودِعَ إذَا مَاتَ، وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ فِي تَرِكَتِهِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الدُّيُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَسَبْعِمِائَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) غَائِبٌ فِي بَلَدٍ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِجَمَاعَةٍ أَرْسَلَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضَهَا فَهَلْ لِمَنْ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِ مُحَاصَصَتُهُ؟
(الْجَوَابُ) إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَأَوْصَلَ الرَّسُولُ مَا أَمَرَ بِهِ لِبَعْضِهِمْ، وَكَانَ قَدْرَ حَقِّهِ، أَوْ أَقَلَّ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مُحَاصَصَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَصِّلْهُ بَعْدُ فَلِغَيْرِهِ الدَّعْوَى، وَإِثْبَاتُ حَقِّهِ، وَالْأَخْذُ مِمَّا بِيَدِ الرَّسُولِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّخْصِيصُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ مِنْ إسْكَنْدَرِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَثَلَاثِينَ) فِي رَجُلٍ وُلِّيَ النَّظَرَ عَلَى أَخِيهِ مَحْجُورِ الْحُكْمِ الْعَزِيزِ بِتَوْلِيَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ الْعَزِيزِ فَسَلَّمَ مَالَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَحِسِّيِّ أَثَاثٍ ثُمَّ قَرَّرَ الْحَاكِمُ لِلْمَحْجُورِ، وَلِأَوْلَادِهِ، وَلِزَوْجَتِهِ فَرْضًا فِي مَالِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ نَفَقَةً، وَكِسْوَةً ثُمَّ رَأَى النَّاظِرُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَنْ تُشْتَرَى جَارِيَةٌ مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ لِخِدْمَتِهِمْ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ الْمُقَرَّرِ، وَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ، وَالْأَعْيَادِ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ الْمُقَرَّرِ، وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَحْجُورِ الْفَرْضَ، وَتَسَلَّمَ لَهُ مَبْلَغًا مِنْ مَالِهِ الَّذِي قَبَضَهُ لَهُ لِيَتَّجِرَ فِيهِ اسْتِخْبَارًا لِحَالِهِ، وَسَفَرِهِ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ، وَهُوَ مِنْ الْكَارِمِ مِمَّنْ عَادَتُهُ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ فَاسْتَأْسَرَتْهُ الْفِرِنْجُ، وَأُصِيبَ مَالُهُ، وَخُلِّصَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَالٍ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاظِرُ مُنْفِقًا عَلَى الْمَحْجُورِ بِقَدْرِ الْفَرْضِ الْمُقَرَّرِ، وَالتَّوَسُّعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَفَقَةِ الْجَارِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ذَلِكَ احْتَاجُوا إلَيْهَا ضَرُورَةً عَلَى مَا ذَكَرَ النَّاظِرُ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ زَكَاةَ مَالِهِ كُلَّ حَوْلٍ إلَى وَفَاةِ الْمَحْجُورِ، وَالنَّاظِرِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْمَحْجُورِ، وَعَلَى زَوْجَتِهِ كَافِلَةِ أَوْلَادِهِ بِاتِّصَالِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِرُ إلَيْهِمْ إلَى وَفَاةِ الْمَحْجُورِ فَعَمِلَ النَّاظِرُ أَوْرَاقَ الْمُحَاسَبَةِ، وَقَالَ لِلشُّهُودِ: هَذِهِ مُحَاسَبَةُ أَخِي بِاَلَّذِي لَهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ فَوُجِدَ فِي الْمُحَاسَبَةِ زِيَادَةٌ عَلَى مَالِ الْمَحْجُورِ الَّذِي قَبَضَهُ أَنْفَقَهَا النَّاظِرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوحَةِ ثُمَّ مَاتَ فَتَنَازَعَ وَرَثَةُ النَّاظِرِ، وَوَرَثَةُ الْمَحْجُورِ فِي الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ فِعْلُ النَّاظِرِ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ جَائِزٌ أَمْ لَا، وَهَلْ لِوَرَثَةِ النَّاظِرِ الرُّجُوعُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَحْجُورِ
стр. 337
بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ زِيَادَةً عَلَى مَالِ الْمَحْجُورِ الَّذِي قَبَضَهُ لَهُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ أَمْ لَا، وَمَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؟ . (أَجَابَ) أَمَّا شِرَاءُ الْجَارِيَةِ لِلْخِدْمَةِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ جَازَ، وَلَا ضَمَانَ بِسَبَبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاجَةِ لَمْ يَجُزْ، وَيَضْمَنُ، وَلَا تَكْفِي الْمَصْلَحَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ
أَمَّا التَّوْسِعَةُ فِي الْمَوَاسِمِ، وَالْأَعْيَادِ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ إنْ أَنْفَقَ، فَإِنْ كَانَ لِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ حِينَئِذٍ، وَحَالِ فَرْضِ الْقَاضِي، وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحَالُ لَمْ يَجُزْ لِتُنْفَى بِهِ مُخَالَفَةُ اجْتِهَادِ الْقَاضِي، أَمَّا الْإِنْفَاقُ عَلَى الْمَحْجُورِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ بَالِغٌ مُسْتَطِيعُ الْحَجِّ فِي حَجِّهِ الْفَرْضَ فَجَائِزٌ إذَا كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ أَزَادَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ الْوَلَاءُ الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ، وَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ سَوَاءً زَادَتْ نَفَقَتُهُ فِي الْحَضَرِ أَمْ لَا، أَمَّا تَسْلِيمُهُ الْمَبْلَغَ إلَيْهِ لِاخْتِبَارِهِ، وَتَسْفِيرِهِ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ فَلَا يَجُوزُ، وَيَضْمَنُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ حَاكِمًا، أَوْ بِأَمْرِ حَاكِمٍ فَيَجُوزُ، وَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ نُفِّذَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، أَمَّا إنْفَاقُهُ بِقَدْرِ الْفَرْضِ الْمُقَرَّرِ، وَالتَّوْسِعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْجَارِيَةِ فَجَائِزٌ إنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ اسْتِغْنَاؤُهُمْ عَنْ بَعْضِهَا
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ، أَوْ الْيَسِيرَةُ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ الْحَاجَةِ فَجَائِزٌ، وَأَمَّا إخْرَاجُ زَكَاتِهِ كُلَّ حَوْلٍ فَوَاجِبٌ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلْبَالِغِ، وَعَلَى كَافِلَةِ أَوْلَادِهِ بِالْوُصُولِ إلَيْهِمْ فَمَقْبُولَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بَرَاءَةُ النَّاظِرِ مِمَّا جَازَ لَهُ إيصَالُهُ إلَيْهِمْ، وَالْمُحَاسَبَةُ عَلَى قَبْضِ ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ مَعْمُولٌ عَلَيْهَا، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ أَوْرَاقُ الْمُحَاسَبَةِ بِمَالِهِ، وَمَا عَلَيْهِ خَبَرُ عَدْلٍ مَقْبُولٌ، وَالْحُكْمُ بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطِهِ، وَمَا وُجِدَ فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ صَرْفٍ عَلَى مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنْفَقَهَا النَّاظِرُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى عَائِلَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ، وَإِلَّا وَمُنَازَعَةُ وَرَثَةِ النَّاظِرِ، وَوَرَثَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالٍ زِيَادَةً عَلَى مَالِ الْمَحْجُورِ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يَفْعَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ رَجَعُوا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
(بَابُ الْحَوَالَةِ) (مَسْأَلَةٌ) جُنْدِيٌّ آجَرَ إقْطَاعَهُ، وَأَحَالَ بِبَعْضِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ مَاتَ. (أَجَابَ) يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ فِيمَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ الْمُدَّةِ، وَبُطْلَانُ الْحَوَالَةِ فِيمَا تُقَابِلُهُ، وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحْتَالِ بِمَا قَبَضَهُ مِمَّا يُقَابِلُ ذَلِكَ، وَلَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ مِنْهُ.
وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِقَدْرِهَا، وَلَا يَرْجِعُ
стр. 338
الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِمَا قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَبْرَأُ الْمُحِيلُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
[بَابُ الصُّلْحِ]
(بَابُ الصُّلْحِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ " مَسْأَلَةُ ضَعْ، وَتَعَجَّلْ "، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَيَقُولُ الْمَدْيُونُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ: ضَعْ بَعْضَ دَيْنِك، وَتَعَجَّلْ الْبَاقِيَ، أَوْ يَقُولُ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ: عَجِّلْ لِي بَعْضَهُ، وَأَضَعُ عَنْك بَاقِيَهُ، وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَإِمَّا فِي مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَدْيُونِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا سِوَى دَيْنِ الْكِتَابَةِ مِنْ الدُّيُونِ قَالَ مَالِكٌ ﵀: هُوَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا سَوَاءً جَرَى بِشَرْطٍ أَمْ بِغَيْرِ شَرْطٍ لِلتُّهْمَةِ، وَذَلِكَ قَاعِدَةُ مَذْهَبِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ جَرَى شَرْطٌ بَطَلَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ بَلْ عَجَّلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَأَبْرَأَ الْآخَرَ، وَطَابَتْ بِذَلِكَ نَفْسُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا، وَالشَّرْطُ الْمُبْطِلُ هُوَ الْمُقَارَنُ فَلَوْ تَقَدَّمَ لَمْ يَبْطُلْ صَرَّحَ بِهِ الْجُورِيُّ هُنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصْرِيحِ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَقَدْ رُوِيت آثَارٌ فِي الْإِبَاحَةِ، وَالتَّحْرِيمِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ، فَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَرُوِيَ عَنْ «الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ أَسْلَفْت رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعْثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا، وَأَحُطُّ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَقَالَ: نَعَمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَكَلْت رِبَا مِقْدَادٍ، وَأَطْعَمْته» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَيُعَجِّلُ الْآخَرُ فَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَنَهَى عَنْهُ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قُلْت لِرَجُلٍ عَلَى دَيْنٍ فَقَالَ لِي عَجِّلْ، وَأَضَعُ عَنْك فَنَهَانِي عَنْهُ، وَقَالَ: نَهَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُمَرَ أَنْ نَبِيعَ الْعَيْنَ بِالدَّيْنِ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ، وَاسْمُهُ عُبَيْدٌ قَالَ: بِعْت بُرًّا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ، وَيَنْقُدُونِي فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَ هَذَا، وَلَا تُوَكِّلْهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ.
، أَمَّا الْإِبَاحَةُ فَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تَقُولَ: أُعَجِّلُ لَك، وَتَضَعُ عَنِّي، وَعَنْهُ قَالَ: لَمَّا «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْمَدِينَةِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك أَمَرْت بِإِخْرَاجِهِمْ، وَلَهُمْ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ فَقَالَ النَّبِيُّ: ضَعُوا، أَوْ تَعَجَّلُوا» ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَأَصْحَابُنَا يَحْمِلُونَ اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى
стр. 339
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيُّ: بَابُ مَنْ عَجَّلَ لَهُ أَدْنَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَوَضَعَ عَنْهُ طَيِّبَةً بِهِ أَنْفُسُهُمَا.
وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ لِلْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ إذَا جَرَى بِالشَّرْطِ بِأَنَّهُ يُضَارِعُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ. رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ كَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ قَالَ لَهُ غَرِيمُهُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ أَخَذَهُ، وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ، وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ، وَهَذَا الرِّبَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبُطْلَانِهِ حَتَّى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ الَّذِي خَالَفَ فِي رِبَا الْفَضْلِ يُحَرِّمُ هَذَا، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فَقَاسَ الْأَصْحَابُ النَّقْصَ عَلَى الزِّيَادَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ الَّذِي دَعَانَا إلَى الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَ بِالشَّرْطِ، وَلَا أَنْفِي الْخِلَافَ فَإِنِّي كَلَّمْت الْحَنَفِيَّةَ فَرَأَيْتهمْ مُضْطَرِبِينَ فِي تَحْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ، وَضَبْطِ مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ مِمَّا لَا يَمْتَنِعُ، وَلَمْ أَرَ تَحْرِيرَ ذَلِكَ ضَرُورِيًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا دَيْنُ الْكِتَابَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بِجِوَازِ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَعِنْدَنَا هُوَ كَغَيْرِهِ إنْ جَرَى ذَلِكَ فِيهِ بِالشُّرُوطِ فَسَدَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا فَسَدَ لَمْ يَصِحَّ التَّعْجِيلُ، وَلَا الْإِبْرَاءُ، وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ، فَإِنْ قُلْت: لَنَا خِلَافٌ فِي الْقَدِيمِ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ هُنَا فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَغَيْرِهِ. قُلْت يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى تَعْلِيقٍ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَنَجْزِمُ بِالْبُطْلَانِ فِيمَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مَعْنَى الرِّبَا الْجَاهِلِيِّ، فَإِنْ قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنْ فَسَدَ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ إبْرَاءَ الْمُكَاتَبِ عِتْقٌ. قُلْت: إنَّمَا يَكُونُ الْإِبْرَاءُ عِتْقًا إذَا أُبْرِئَ مَجَّانًا، وَهُنَا أُبْرِئَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضِ التَّعْجِيلِ.
فَإِنْ قُلْت: وَلَوْ جَعَلَ بَدَلَ الْإِبْرَاءِ الْعِتْقَ. قُلْت: تَفْسُدُ الْمُعَاوَضَةُ، وَيُعْتَقُ بِالتَّعْجِيلِ الْفَاسِدِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُ قِيمَتِهِ؛ أَمَّا فَسَادُ الْمُعَاوَضَةِ فَلِأَنَّهُ أَنْشَأَ عَقْدَ عَتَاقَةٍ بِمَالٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَعِتْقُهُ بِالتَّعْجِيلِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ مَجَّانًا، وَهَذَا مَنْقُولٌ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ عَلَى عِوَضٍ غَيْرِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ وُقُوعَ الْعِتْقِ، وَقَالَ: إنَّ مَا لَا يَصِحُّ تَنْجِيزُهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَجَوَابُهُ إنَّ الَّذِي لَا يَصِحُّ تَنْجِيزُهُ، وَهُوَ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَالٍ آخَرَ أَمَّا مُطْلَقُ عِتْقِهِ فَيَصِحُّ، وَهُوَ الْمُعَلَّقُ، وَالْمَالُ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا التَّعْلِيقِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى تَعْجِيلِهِ فَهَلْ يَكُونُ كَتَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ فَيَبْطُلُ، أَوْ كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ سَنَحْكِي مِنْ كَلَامِ الْجَوْزِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَكُونُ عِوَضًا فَاسِدًا، وَاَلَّذِي دَعَانَا إلَى الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
стр. 340
النَّظَرُ فِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ فَلْنَذْكُرْ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ، وَلَكِنَّ غَيْرَهُ ذَكَرَهَا أَبْسَطَ مِنْهُ قَالَ الْجَوْزِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَيُعَجِّلَ لَهُ الْعِتْقَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ حَالَّةٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَهَا حَالًّا عَلَى أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى حُرٍّ، فَإِنْ فَعَلَ هَذَا عَلَى أَنْ يُحْدِثَ لِلْمُكَاتَبِ عِتْقًا فَأَحْدَثَهُ عَتَقَ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصِحَّ هَذَا لَهُمَا فَلْيَرْضَ الْمُكَاتَبُ بِالْعَجْزِ، وَيَرْضَى السَّيِّدُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ فَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ، وَيُنَفَّذُ الْعِتْقُ، وَالْعِوَضُ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ عَنْ الشَّافِعِيِّ بَعْضَ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَفْظُهُمْ الَّذِي نَقَلُوهُ: لَوْ عَجَّلَ لَهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ، وَلَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ أُبْرِئ مِمَّا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِحَّ هَذَا فَلْيَرْضَ الْمُكَاتَبُ بِالْعَجْزِ، وَيَرْضَى السَّيِّدُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ فَيَجُوزُ، وَعَلَّلَ الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبُطْلَانِهِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزِيدُونَ فِي الْحَقِّ لِيَزِيدَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي الْأَجَلِ، وَهَذَا يُنْقِصُ عَنْ الْحَقِّ لِيُنْقِصَ مِنْ الْأَجَلِ فَهُوَ يُشْبِهُهُ فِي مَعْنَاهُ.
وَتَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ السَّلَمِ فِيمَا إذَا عَجَّلَ بَعْضَ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِيُبَرِّئَهُ عَنْ الْبَاقِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَغَيْرُهُمَا هُنَاكَ، وَفِي الْكِتَابَةِ كَمَا ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَفِي الْبَابَيْنِ عَلَّلُوا بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِلْمَسْأَلَةِ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّعْجِيلُ مَشْرُوطًا بِالْإِبْرَاءِ، وَالثَّانِي أَنْ يَقَعَ الْإِبْرَاءُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى وَجْهِ الْقَبُولِ لِمَا شَرَطَهُ الدَّافِعُ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ فَيَكُونُ هَذَا عَقْدًا فَاسِدًا لِشَبَهِهِ بِرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي النُّكَتِ الْمَسْأَلَةَ بِتَرْجَمَةٍ تُنْبِئُ عَنْ هَذَا الْغَرَضِ فَقَالَ: إذَا صَالَحَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ لَنَا أَنَّهُ إبْرَاءٌ مِنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ فَلَمْ يَجُزْ كَالثَّمَنِ، وَالْأُجْرَةِ، وَالصَّدَاقِ، وَلِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ تَأْجِيلُ الدَّيْنِ بِالزِّيَادَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إذَا قَالَ: عَجِّلْ لِي حَتَّى أُبْرِئَك، أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَالْإِبْرَاءُ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ بَقِيَّةِ الْأَصْحَابِ يُرْشِدُ إلَى تَصْوِيرِهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيَنْقُلُونَ الْخِلَافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَأَنَّهُمَا قَالَا بِالْجَوَازِ؛ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الدُّيُونِ يَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ عَلَى الْمَنْعِ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ فِيهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ الْآثَارِ.
وَقَدْ دَلَّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ
стр. 341
الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَلَى امْتِنَاعِهَا فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ بِالشَّرْطِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: قَدْ قَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا وَضَعَ وَتَعَجَّلَ لَا يَجُوزُ، وَأَجَازَهُ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَضَعَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَتَعَجَّلَ انْتَهَى. وَاسْتَشْكَلَ الْأَصْحَابُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الْمُزَنِيِّ.
وَقَالَ الْجَوْزِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ بِشَرْطٍ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ يَجُوزُ أَرَادَ إذَا عَجَّلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَيْ، وَتَفَضَّلَ السَّيِّدُ بِالْإِبْرَاءِ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ بَلْ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْ الْمُزَنِيِّ قَالُوا: لَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمَا أَجَازَهُ فِي الدَّيْنِ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا أَدَّى مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، أَوْ سَأَلَ السَّيِّدُ أَنْ يُبْرِئَهُ، وَأَبْرَأَهُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ كَلَامَ الْمُزَنِيِّ، وَقَالَ: هَذَا يُوهِمُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ: نَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي هَذَا تَرْدِيدَ نَصٍّ، وَجَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْإِبْرَاءَ هَلْ يَصِحُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَغَلَّطَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى حَمْلِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَّلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَأَبْرَأهُ السَّيِّدُ تَفَضُّلًا، أَمَّا إذَا جَرَى الشَّرْطُ فَلَيْسَ إلَّا الْفَسَادَ، فَإِنْ عَلَّقَ الْإِبْرَاءَ فَسَدَ، وَإِنْ عَجَّلَ، وَشَرَطَ الْإِبْرَاءَ فَسَدَ الْأَدَاءُ، وَلَسْت أَسْتَحْسِنُ أَنْ أَنْقُلَ جُمْلَةَ مَا اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنِّي لَسْت أَرَى فِيهِ مَزِيدَ فِقْهٍ. قُلْت: وَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْأَكْثَرِينَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ إثْبَاتَ خِلَافٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ غَلَّطُوهُ فِي النَّقْلِ، وَالْأَكْثَرِينَ سَلَّمُوا النَّقْلَ لَهُ، وَقَالُوا: مَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهَؤُلَاءِ مُغَلَّطُونَ أَيْضًا فِي التَّحْرِيمِ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَوْرَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا إنَّمَا هِيَ فِي الشَّرْطِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَكَيْف يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهَؤُلَاءِ أَوْلَى بِأَنْ يُسَمُّوا مُحَقِّقِينَ فَإِنَّهُمْ عَرَفُوا مَحَلَّ النَّقْلِ، وَحَقَّقُوهُ، وَغَلَّطُوا التَّرْجِيحَ مِنْهُ.
أَمَّا تَغْلِيطُ الْمُزَنِيِّ بِغَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ فِيمَا يَنْقُلُ، وَكَيْف مَا قُدِّرَ فَالْفَرِيقَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى التَّغْلِيطِ، وَعَدَمِ إثْبَاتِ قَوْلَيْنِ لَا فِي حَالَةِ الِاشْتِرَاطِ، وَلَا فِي عَدَمِ حَالَةِ الِاشْتِرَاطِ بَلْ جَازِمُونَ بِالْحُكْمَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ، وَمُرَادُ الْإِمَامِ بِحَمْلِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ بِالْجَوَازِ لَا الْكَلَامَ الَّذِي اعْتَرَضَهُ عَلَيْهِ الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الشَّرْطِ، وَالْقَوْلُ مَعَهُ بِالْجَوَازِ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُزَنِيَّ إنَّمَا نَقَلَ مِنْ دَيْنِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ، وَمَقْصُودُهُ قِيَاسُ دَيْنِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْهُ دَيْنُ الْمُكَاتَبِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قُلْنَاهُ فَلْيَتَأَوَّلْ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ
стр. 342
حَمْلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْقُولِ الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَّلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِمَّنْ حَكَيْنَا حِكَايَةُ طَرِيقَيْنِ، وَلَا قَوْلَيْنِ، وَلَا وَجْهَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ صُورَتَيْ الْمُكَاتَبِ، وَلَا غَيْرِ الْمُكَاتَبِ بَلْ إنْ جَرَى الشَّرْطُ فَسَدَ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَيَصِحُّ فِيهِمَا، وَالطَّرِيقَانِ الْمَحْكِيَّانِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ إنَّمَا هُمَا فِي كَيْفِيَّةِ الْبَحْثِ مَعَ الْمُزَنِيِّ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ نَقْلُ الْمُزَنِيّ تَرَدُّدٌ، أَوْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَغْلِيطِهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا عَلَّقَ الْإِبْرَاءَ عَلَى الْأَدَاءِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَالْعَبْدُ إنْ قَدَّمَ الْأَدَاءَ، وَشَرَطَ الْإِبْرَاءَ بِالْأَدَاءِ بَاطِلٌ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ مَوْضِعَ التَّرَدُّدِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَبْدُ بِشَرْطِ الْإِبْرَاءِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ بَاطِلٌ فِي الْحَالِ لَكِنْ لَوْ أَبْرَأَ السَّيِّدُ فَيَرْضَى الْعَبْدُ بِدَوَامِ يَدِ السَّيِّدِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، وَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ رِضًا آخَرَ أَمْ يُقَالُ كَانَ بِرِضًا يَقْتَضِيه عِنْدَ الْإِبْرَاءِ، وَالْآنَ قَدْ تَحَقَّقَ الرِّضَا، قَالَ: وَلَعَلَّ الصَّحِيحَ أَنَّ دَوَامَ الْقَبْضِ كَابْتِدَائِهِ، وَأَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ الرِّضَا كَافٍ عِنْدَ الْإِبْرَاءِ. قُلْت: وَتَنْزِيلُ الْغَزَالِيِّ مَنْقُولَ الْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا خُرُوجٌ عَنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي دَلَّ كَلَامُ الْأَصْحَابِ عَلَيْهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عَجَّلَ بِشَرْطِ الْإِبْرَاءِ فَجَرَى إبْرَاءٌ صَحِيحٌ، وَالْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ هَلْ يَنْقَلِبُ ذَلِكَ الْأَدَاءُ صَحِيحًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِفَسَادِهِ مِنْ غَيْرِ رِضًا جَدِيدٍ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ رِضًا جَدِيدٍ فَيَصِيرُ بِهِ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ كَابْتِدَائِهِ، وَجَرَى عَلَى هَذَا التَّنْزِيلُ فِي الْوَسِيطِ، وَالْوَجِيزِ، وَهُوَ شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ تَفَقُّهًا لَا نَقْلًا، وَتَنْزِيلُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ بَعِيدٌ لِمَا بَيَّنَّا ذِكْرَهُ، أَمَّا الْفِقْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَازِعَ فِي ذَلِكَ إذَا جَرَى إبْرَاءٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لَهُ فَيُقَالُ: إنْ جَرَى الْإِبْرَاءُ كَمَا صَوَّرْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، وَإِنْ تَأَخَّرَ، وَجَرَى إبْرَاءٌ مُبْتَدَأٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ اعْتَقَدَ السَّيِّدُ فَسَادَ الشَّرْطِ فَهُوَ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَإِنْ ظَنَّ صِحَّتَهُ، وَأَتَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ وَفَاءٌ بِالشَّرْطِ فَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ رَهَنَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ صَحِيحٌ إمَّا قَطْعًا، أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ فَيَأْتِي مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّهُ إنْ رَضِيَ رِضَاءً جَدِيدًا كَفَتْ الِاسْتِدَامَةُ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ رِضًا فَهَلْ نَكْتَفِي بِالرِّضَا السَّابِقِ، أَوْ لَا؟ احْتِمَالَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ الِاكْتِفَاءُ، وَيَنْزِلُ مَنْقُولُ الْمُزَنِيِّ عَلَيْهِ، وَيَنْزِلُ النَّصُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّ النَّصَّ، وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ يَنْبُو عَنْ هَذَا التَّنْزِيلِ.
فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْغَزَالِيَّ أَيْضًا لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ بَلْ اقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ إبْرَاءٌ صَحِيحٌ أَمَّا كَوْنُهُ الْوَاقِعَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ، أَوْ مُبْتَدَأٍ فَلَمْ يُثْبِتْهُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ
стр. 343
هُنَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجِزْ إبْرَاءً لَا يَكْفِي اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِفَسَادِ الْقَبْضِ، وَالشَّافِعِيُّ وَالرَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ: إنَّهُ إذَا أَنْشَأَ رِضًا جَدِيدًا فَقَبَضَهُ عَمَّا عَلَيْهِ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِلْمُشْتَرِي فِي أَنْ يَقْبِضَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ جِهَةِ الشِّرَاءِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ فِي قَبْضِهِ عَنْ الرَّهْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُكْمِ صَحِيحٌ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الشِّرَاءِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي الشِّرَاءِ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْحَاوِي، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّتِمَّةِ.
وَلْنَرْجِعْ إلَى غَرَضِنَا قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ عَجَّلَ قَبْلَ الْمَحَلِّ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ عَنْ الْبَاقِي فَأَخَذَهُ، وَأَبْرَأَهُ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، وَلَا الْإِبْرَاءُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: أَبْرَأْتُك عَنْ كَذَا بِشَرْطِ أَنْ تُعَجِّلَ الْبَاقِيَ، أَوْ إذَا عَجَّلْت كَذَا فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الْبَاقِي فَعَجَّلَ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، وَلَا الْإِبْرَاءُ أَيْضًا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّا لَمْ يَحْصُلْ الْعِتْقُ، وَعَلَى السَّيِّدِ رَدُّ الْمَأْخُوذِ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَأَشَارَ الْمُزَنِيّ إلَى تَرَدُّدِ قَوْلٍ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ اخْتِلَافَ الْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَحَمَلُوا التَّجْوِيزَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَجُزْ شَرْطٌ، وَابْتَدَأَ بِهِ، وَرَدَّ صَاحِبُ الْكِتَابِ تَرَدُّدَ الْقَوْلِ إلَى أَنَّهُ إذَا عَجَّلَ بِشَرْطِ الْإِبْرَاءِ فِي السَّيِّدِ هَلْ يَنْقَلِبُ الْقَبْضُ صَحِيحًا انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ ﵀ إشْكَالٌ إلَّا إطْلَاقُهُ الْإِبْرَاءَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ الْإِبْرَاءَ صَدَرَ جَوَابًا فَإِنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ أَوْهَمَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ التَّعْجِيلِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْإِبْرَاءُ، أَوْ وَقَعَ مُسْتَقِلًّا لَا يَصِحُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَافَقَ الرَّافِعِيَّ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ، وَمَنْقُولَ الْمُزَنِيِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَجَّلَ لِيُبْرِئَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا إذَا عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ بِالتَّعْجِيلِ، أَوْ شَرَطَهُ فِيهَا.
وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْحَابَ جَمَعُوا بَيْنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا وَاحِدٌ، فَإِذَا نُقِلَ النَّصُّ، وَالْمَنْقُولُ فِي وَاحِدٍ فَلْيَثْبُتْ حُكْمُهُمَا فِي الْأُخْرَى فَهَذَا تَصَرُّفٌ، وَالْمَنْقُولُ الصَّحِيحُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهِيَ الَّتِي قَدَّمَهَا فِي كَلَامِهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بَعْدَ الْمُزَنِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ، وَلَا قَوْلَيْنِ، وَلَا وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّهُمْ جَازِمُونَ بِأَنَّهُ مَعَ الشَّرْطِ يَبْطُلُ جَزْمًا، وَفِي ذَلِكَ اتِّفَاقٌ عَلَى رَدِّ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ فِي الصُّورَةِ إذَا أَخَذَ عَلَى ظَاهِرِهِ، إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَلَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ خِلَافٍ أَيْضًا فِي الْإِبْرَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَقَدْ يُغْتَرُّ بِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ " هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ " بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ مُرَادُهُ بِالْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَالَفَ الْمُزَنِيّ فِيهِ تَخْرِيجًا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَخْرِيجًا مَرْدُودًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَلِّمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ
стр. 344
وَيَقُولُ: الْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الثَّانِي مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ صِحَّةِ الْقَبْضِ عِنْدَ الْإِبْرَاءِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةَ الصَّحِيحَةَ لِمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْبَغَوِيِّ حَيْثُ لَمْ يَحْكِ كَلَامَ الْمُزَنِيِّ، وَاسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا الصُّدَاعِ، فَإِنْ قُلْت: قَالَ الْبَغَوِيّ، وَغَيْرُهُ فِيمَا إذَا قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَك، أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي لَا يَصِحُّ أَمَّا الْبَيْعُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِبُطْلَانِ الْأَوَّلِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بِبَيْعِهِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قُلْتُمُوهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَ إبْرَاءً مُسْتَقِلًّا ظَانًّا صِحَّةَ الشَّرْطِ يَصِحُّ.
قُلْت: الْمُخْتَارُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الصِّحَّةُ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ، وَشَيْخُهُ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَلَيْسَ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ عَلَى مَا إذَا بَاعَ مُجِيبًا لَا مُسْتَقِلًّا كَمَا صَوَّرْنَاهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَيُرْشِدُ إلَى هَذَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ «نَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا وَرَدَ الْعَقْدَانِ فِي صُورَةِ عَقْدٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا وَرَدَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَلَا لَكِنْ سَأُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ فِي كَلَامِهِ مَا يَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ فِيهَا، وَالْأَصْحَابُ مُفَسِّرِينَ لِلْحَدِيثِ بِتَفْسِيرَيْنِ، هَذَا أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك دَارِي هَذِهِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ إذَا وَجَبَتْ لَك دَارِي، وَجَبَ لِي عَبْدُك فَهَذَا بَيْعٌ بَاطِلٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، هَذِهِ عِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ حُكْمًا، وَتَصْوِيرًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّصْوِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُكَاتَبِ. وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ التَّفْسِيرُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي، أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَلْفَ، وَرَفَقَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ ثَمَنًا، فَإِذَا بَطَلَ الشَّرْطُ بَطَلَ، أَمَّا الْبَيْعُ الثَّانِي إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِبُطْلَانِ الْأَوَّلِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بِبَيْعِهِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ. هَذِهِ عِبَارَتُهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَالْإِمَامُ قَالَ فِي بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَوْلُهُ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ قَالَ الْإِمَامُ يَعْنِي الْبَيْعَ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْبَيْعُ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّرَائِطِ الْفَاسِدَةِ، أَمَّا الْبَيْعُ الثَّانِي إنْ اتَّفَقَ جَرَيَانُهُ خَلِيًّا عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ صَحِيحٌ، فَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْنِي الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَقْدَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا صَوَّرْنَاهُ، وَبِذَلِكَ يُسَمَّى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
أَمَّا إذَا وَجَدْنَا الْبَيْعَ الثَّانِيَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُسَمَّى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَيَكُونُ فَسَادُ الْأَوَّلِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَا بِدُخُولِهِ تَحْتَ مَوْرِدِ النَّصِّ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي الْمُنْقَطِعُ عَنْ الْأَوَّلِ مَعَ الْأَوَّلِ دَاخِلَيْنِ تَحْتَ مَوْرِدِ النَّصِّ لَفَسَدَ الثَّانِي، وَلَوْ عَلِمْنَا فَسَادَ الْأَوَّلِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ نَعَمْ إذَا أَتَى بِهِ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ، وَاحِدٍ فَسَدَا جَمِيعًا سَوَاءً عَلِمَا فَسَادَ الْأَوَّلِ، أَوْ جَهِلَا فَافْهَمْ
стр. 345
هَذَا فَإِنَّهُ كَلَامٌ نَفِيسٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَلَامِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَبَيْنَ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَبِذَلِكَ تَفْهَمُ مَحَلَّ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ، وَكَلَامِ الْإِمَامِ.
وَبِهِ يَتَبَيَّنُ لَك إشْكَالُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ فَإِنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ الْبَيْعَانِ عَلَى صُورَةِ بَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَا قَطْعًا عَلِمَا، أَوْ جَهِلَا، وَهُوَ قَدْ قَطَعَ بِالصِّحَّةِ إذَا عَلِمَا فَسَادَ الْأَوَّلِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ إذَا صَدَرَ مُبْتَدَأً، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَصَحُّ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ: إنْ اتَّفَقَ جَرَيَانُهُ خَلِيًّا عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ صَحِيحٌ مَجِيدٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا صَدَرَ مُسْتَقِلًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ كَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ وَلِهَذَا أَعَادَ الْإِمَامُ الْمَسْأَلَةَ فِي الرَّهْنِ، وَحَكَمَ بِالصِّحَّةِ فِيهَا تَبَعًا لِشَيْخِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ صُدُورَ الْبَيْعِ الثَّانِي عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ الْإِمَامُ، وَهُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ بَلْ أَفَادَ الْإِمَامُ مَسْأَلَةً أُخْرَى لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِمْ نَعَمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ رَهْنًا، وَكَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا، وَأَتَى بِالرَّهْنِ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ الْوَفَاءِ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ كَمَنْ أَدَّى إلَى إنْسَانٍ أَلْفًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْأَدَاءُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَالْمُؤَدِّي مُسْتَرِدٌّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْحَقُّ مَعَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ، وَكَيْف يَصِحُّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَمِيعُ الْعُقُودِ، وَالتَّصَرُّفَاتِ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَى مَدْلُولِهَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِظَنِّ الْعَاقِدِ، وَإِذَا كُنَّا نُصَحِّحُ بَيْعَ مَالٍ نَظُنُّهُ لِغَيْرِهِ فَتَبَيَّنَ لِنَفْسِهِ مَعَ ظَنِّ الْفَسَادِ فَلَأَنْ نُصَحِّحَ هَذَا مَعَ اعْتِقَادِ الصِّحَّةِ أَوْلَى.
وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ ظَنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَنْ أَدَّى إلَى شَخْصٍ دَرَاهِمَ يَظُنُّ أَنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ خِلَافَهُ يَسْتَرِدُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّفْعِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَنْ دَيْنٍ، وَهُنَا لَفْظَةُ الْمِلْكِ، وَلَوْ أَعْتَقَ ظَانًّا وُجُوبَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ، وَنَحْوِهَا، أَوْ طَلَّقَ ظَانًّا وُجُوبَهُ عَنْ أَمْرٍ لِسَبَبِ إيلَاءٍ، وَنَحْوِهِ، أَوْ وَهَبَ ظَانًّا وُجُوبَهَا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يُقَالَ: لَا تَصِحُّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، وَالتَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ إذَا قَالَ: اشْتَرُوا بِثُلُثِي عَبْدًا، وَاعْتِقُوهُ، فَامْتَثَلَ الْوَارِثُ ثُمَّ بَانَ دَيْنًا، فَإِنْ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ دَفَعَ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ، وَيَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ.
فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ صَحَّحَ عَبْدُ الْغَفَّارِ الْقَزْوِينِيُّ فِي حَاوِيهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالْكِتَابَةِ. قُلْت: لَمَّا رَأَى الرَّافِعِيُّ نَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَغَيْرِهِ فِي الْبَيْعِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَفِي الْكِتَابَةِ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْإِبْرَاءِ أَنَّ الْمَذْهَبَ بُطْلَانُهُ، وَلَمْ يُحَقِّقْ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي الرَّهْنِ أَطْلَقَ، وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ
стр. 346
تَصْحِيحٍ سَحَبَ عَلَيْهَا حُكْمَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَمْ يَرَ أَنَّ قَوْلَ الرَّافِعِيِّ فِي الْبَيْعِ الْقِيَاسُ الصِّحَّةُ، وَلَعَلَّ بِهَا قَطَعَ الْإِمَامُ، وَشَيْخُهُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ فَهَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِعَبْدِ الْغَفَّار، وَهُوَ حُسْنُ تَصَرُّفٍ مِنْهُ فِيمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، وَلَوْ نَظَرَ فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ، وَمَا يَقْتَضِيه الْفِقْهُ، وَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ، وَاطَّلَعَ عَلَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَعَرَفَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكِتَابِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ بِغَيْرِ الْبَغَوِيِّ الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهُ فِي التَّتِمَّةِ كَذَلِكَ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ عِنْدَ تَفْسِيرِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمَا مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَهُمَا مُوَافِقَانِ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ شَيْخِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي الرَّهْنِ، وَالْقَاضِي قَدْ بَيَّنَ مَأْخَذَهُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ مَا قَالَهُ الثَّلَاثَةُ، وَحَاوَلَ شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ إثْبَاتَ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ فِي الْقَدِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ، وَحَقِيقَتُهُ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُعَارَضَةِ، وَالصُّلْحِ، وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَوْ قَالَهُ فِي بَعْضِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ لِيُعَجِّلَ الْبَاقِيَ، أَوْ عَجَّلَ بَعْضَهُ لِيُقِيلَهُ فِي الْبَاقِي فَهِيَ فَاسِدَةٌ.
وَهَذَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا صَوَّرْنَاهُ فِي الْمُكَاتَبِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إذَا صَدَرَتْ الْإِقَالَةُ، وَالتَّعْجِيلُ عَلَى نَعْتِ عُقُودِ الْمُعَارَضَةِ فَلَوْ تَأَخَّرَتْ الْإِقَالَةُ، وَابْتَدَأَ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ عَمَلِهِ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، أَوْ لَا، وَأَنَّهُ إنْ عَلِمَ صِحَّتَهُ، وَإِلَّا فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ عَلَى قِيَاسِ مَا قُلْنَاهُ فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[بَابُ الضَّمَانِ]
(بَابُ الضَّمَانِ) (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِشَخْصٍ، وَكَتَبَ الشُّهُودُ فِي الْمَسْطُورِ، وَحَضَرَ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَضَمِنَا فِي ذِمَّتِهِمَا مَا فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْ الضَّامِنَيْنِ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، أَوْ لَا يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَّا بِالنِّصْفِ؟
(الْجَوَابُ) يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَثِيقَةٌ كَالرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَكَذَلِكَ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ كَالْبَيْعِ، وَنَحْوِهِ حَيْثُ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْصِيفِ لِعَدَمِ إمْكَانِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُشْتَرِيًا لِلْجَمِيعِ، أَوْ بَائِعًا لِلْجَمِيعِ وَلِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِمَا لَفْظٌ عَامٌّ فَيَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ فَيَكُونَا ضَامِنَيْنِ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ حَقِيقَتَهُ نِسْبَةُ ضَمَانِ ذَلِكَ إلَيْهِمَا نَسَبْته لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَدْ نَقَلَ الْمُتَوَلِّي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ فَقَالَ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مَعْلُومٌ، وَحَضَرَ رَجُلَانِ، وَقَالَا: ضَمِنَّا مَالَك عَلَى فُلَانٍ هَلْ يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنِصْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَا: اشْتَرَيْنَا
стр. 347
عَبْدَك بِأَلْفٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِالْجَمِيعِ كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ فَقَالَا: رَهَنَّا الْعَبْدَ بِالْأَلْفِ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ فَيَكُونُ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا رَهْنًا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ، وَيُخَالِفُ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمِلْكِ فَبِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمِلْكِ يَجِبُ الثَّمَنُ، وَهُنَا مَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ ضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ صَحَّ، وَطُولِبَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ انْتَهَى.
وَادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا النِّصْفُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَأَنَا، وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقِسْطِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقِيقَةَ ضَمَانٍ، وَقَدْ صَنَّفْت فِي ذَلِكَ تَصْنِيفًا.
(مَسْأَلَةٌ) عَلَيْهِ أَلْفٌ أَصَالَةً، وَأَلْفٌ كَفَالَةً كِلَاهُمَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَأَدَّى أَلْفًا، وَمَاتَ فَقَالَ الْقَابِضُ: قَبَضْتهَا عَنْ الْكَفَالَةِ، وَقَالَ وَارِثُ الدَّافِعِ: بَلْ هِيَ الْأَصَالَةُ فَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ حَيًّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَحَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَا يُقَسِّطُ فِي الْأَصَحِّ بَلْ يَصْرِفُهُ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَبَعْدَ مَوْتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ مَالِيٌّ فَيُوَرَّثُ، وَلَيْسَ كَتَعْيِينِ الطَّلَاقِ فِي إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ أَنْكَرَ أَنَّهُ ضَمِنَ زَيْدًا فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ مِنْ ضَمَانِهِ بِإِذْنِهِ وَحُكِمَ بِهَا ثُمَّ عَادَ الْمُنْكِرُ يَطْلُبُ الْغُرْمَ مِنْ الْمَضْمُونِ بِحُكْمِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ مِنْ ضَمَانِهِ بِإِذْنِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا بِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ. (أَجَابَ) إنْ كَانَ مُقِيمًا إلَى الْآنَ عَلَى أَنَّهُ مَا كَفَلَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِتَكْذِيبِهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ لَمْ يَصْدُر مِنْهُ إلَّا مَا تَقَدَّمَ عَلَى قِيَامِ الْبَيِّنَةِ مِنْ إنْكَارِهِ الْكَفَالَةَ فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ طُولَ الْمُدَّةِ، وَاحْتِمَالَ النِّسْيَانِ عُذْرٌ لَهُ فَقِيَامُ الْبَيِّنَةِ يَدْفَعُ حُكْمَ إنْكَارِهِ الْعُذْرَ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الرَّافِعِيّ فِيمَا إذَا قَالَ: اشْتَرَيْته بِمِائَةٍ ثُمَّ قَالَ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، وَبَيَّنَ لَفْظُهُ وَجْهًا مُحْتَمَلًا، وَإِنْ كُنَّا لَمْ نُوَافِقْهُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إثْبَاتٌ، وَهَذَا نَفْيٌ، وَالْعُذْرُ فِي النَّفْيِ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ أَظْهَرُ، وَقِيَامُ الْبَيِّنَةِ هُنَا كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ هُنَاكَ، وَأَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَالْتِزَامُ الرَّافِعِيُّ هُنَا قَبُولَ قَوْلِهِ، وَرُجُوعَهُ أَوْلَى لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ فِي الضَّمَانِ قَالَ قَبْلَ آخِرِ بَابِ الضَّمَانِ بِوَرَقَتَيْنِ فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ، وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَمِنَ عَنْ الْآخَرِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةَ وَاحِدٍ قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ: يَرْجِعُ، وَتَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُقَامُ عِنْدَ إنْكَارِهِ، وَالْإِنْكَارُ تَكْذِيبٌ، وَجَوَابُ الْأَصْحَابِ، وَتَصْحِيحُ الْمَسْعُودِيِّ وَالْإِمَامِ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَقَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَبْطَلَتْ حُكْمَ إنْكَارِهِ فَرَأَيْنَا مَا قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ هُنَا أَوْلَى لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ نَرَ مَا قَالَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْإِمَامُ، وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) فِي رَجُلٍ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ بِمَسْطُورٍ، وَفِي الْمَسْطُورِ بَعْدَ إقْرَارِ الْمَدْيُونِ
стр. 348
مَا صَوَّرْته، وَحَضَرَ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَضَمِنَا فِي ذِمَّتِهِمَا مَا فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ الْمَذْكُورِ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ غَابَ الْأَصِيلُ، وَأَحَدُ الضَّامِنَيْنِ فَطَالَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الضَّامِنَ الْآخَرَ بِجُمْلَةِ الْمَبْلَغِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَخَمْسُمِائَةٍ فَأَعْطَاهَا لَهُ ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ قَالَ شَخْصٌ لِلدَّافِعِ: إنَّك مَا يَلْزَمُك إلَّا نِصْفُ الْمَبْلَغِ فَتَرَافَعَ هُوَ، وَالْقَابِضُ إلَى نَائِبِ حُكْمٍ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا النِّصْفُ، وَأَلْزَمَ الْقَابِضَ بِإِعَادَةِ النِّصْفِ إلَى الدَّافِعِ فَأَعَادَهُ بِأَمْرِهِ فَهَلْ هَذَا الْحُكْمُ صَوَابٌ، أَوْ لَا، وَهَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الضَّامِنِ الدَّافِعِ جُمْلَةُ الدَّيْنِ، أَوْ نِصْفُهُ، وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مُبَيَّنًا بِنَقْلِهِ، وَدَلِيلِهِ؟
(الْجَوَابُ) لَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ بِصَوَابٍ بَلْ هُوَ خَطَأٌ، وَالدَّفْعُ الَّذِي دَفَعَهُ الضَّامِنُ صَحِيحٌ، وَاَلَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَبِدَفْعِهِ حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ، وَالضَّامِنِ الْآخَرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْقَاضِي إعَادَةُ مَا اسْتَعَادَهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَصِيلَ، وَلَا الضَّامِنَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُمَا بَرِئَتْ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ وَإِعَادَتُهُ بِهَذَا الْحُكْمِ خَطَأٌ لَا يُعِيدُ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَلَا مُطَالَبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الضَّامِنِ الْآخَرِ أَصْلًا، وَلَا عَلَى الْأَصِيلِ إلَّا لِلضَّامِنِ الدَّافِعِ إنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّازِمَ لِكُلٍّ مِنْ الضَّامِنَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ جَمِيعُ الدَّيْنِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَسْطُورَةٌ فِي كِتَابِ التَّتِمَّةِ لِأَبِي سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي ﵀ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ قَالَ: الْخَامِسَةُ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ دَيْنٌ مَعْلُومٌ فَحَضَرَ رَجُلَانِ، وَقَالَا ضَمِنَّا مَالَك عَنْ فُلَانٍ هَلْ يُطَالَبُ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ أَمْ لَا فِيهِ، وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُطَالَبُ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: اشْتَرَيْنَا عَبْدَك بِأَلْفٍ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْأَلْفِ، وَالثَّانِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ فَقَالَا: رَهَنَّا الْعَبْدَ بِالْأَلْفِ الَّذِي كَانَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَيَكُونُ نَصِيبُ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهْنًا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ، وَيُخَالِفُ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمِلْكِ فَبِقَدْرِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمِلْكِ يَجِبُ الثَّمَنُ، أَمَّا هَهُنَا فَمَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلِهَذَا لَوْ ضَمِنَ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ صَحَّ، وَطُولِبَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ.
انْتَهَتْ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَوَلِّي ﵀، وَهِيَ نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْطُورِ أَنْ يَقُولَا: ضَمِنَّا، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِنَقْلِ وَجْهَيْنِ فِيهَا، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْهَا لُزُومُ كُلِّ الدَّيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَالَ: ضَمِنْت مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْجَمِيعِ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الصَّادِرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمِنْت
стр. 349
نِصْفَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُعَبِّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَاهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لَهَا فَالرِّوَايَةُ بِمَعْنَى شَرْطِهَا الْمُطَابَقَةُ فِي الْجَلِيِّ، وَالْخَفَاءِ، أَمَّا الشَّهَادَةُ فَلَا يَجُوزُ، وَيُحْتَاطُ فِيهَا أَكْثَرَ مَا يُحْتَاطُ فِي الرِّوَايَةِ.
وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ، وَضَبْطُهُمْ يَمْنَعَانِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَا قُلْنَا عَنْ الْمُتَوَلِّي. فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ فِيمَا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا، وَالصُّورَةُ كَهَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا إلَّا النِّصْفَ، وَسَاعَدُوا الْقَاضِيَ الْمَذْكُورَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَصَوَّبُوهُ، وَهُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا، وَلَهُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا مَعْصُومًا مِنْ الْخَطَأِ، وَالزَّلَلِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمُسَامَحَةَ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَبْذُلَ الْجَهْدَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ لِيَصِلَ إلَيْهِ، وَتُصَانَ أَحْكَامُ اللَّهِ عَنْ التَّغْيِيرِ، وَتَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، فَإِنْ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِذَلِكَ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَإِلَّا فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ عَمَّا عَسَاهُ يَكُونُ مِنَّا مِنْ التَّقْصِيرِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَخْرَجُوا مِنْ كِتَابِ الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ نَقْلًا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْته، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ ضَمِنُوا أَلْفًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لِجَمِيعِهَا.
قُلْت: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْف يَكُونُ مَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى فَتْوَى، وَكَلَامٍ فِي عِلْمٍ يَتَمَسَّكُ فِي مُعَارَضَةِ مَا قُلْته فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَنَحْنُ فِي وَادٍ، وَهُوَ فِي وَادٍ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَانَ لَنَا عَمَّا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ جَوَابَانِ آخَرَانِ سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْكَلَامِ. وَصَاحِبُ الْبَحْرِ غَيْرُ مُنْفَرِدٍ فِي ذَلِكَ بَلْ تَقَدَّمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا رَهَنَ دَارًا بِأَلْفٍ، وَأَقْبَضَهُمَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهْنًا بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ اسْتِدْلَالًا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ كَالضَّمَانِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ ضَمِنَا أَلْفًا عَنْ كُلٍّ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكُونُ الْأَلْفُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الضَّامِنَيْنِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَيْنِ كَالْعَاقِدَيْنِ فَلِذَلِكَ يُبَعَّضُ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ إذَا كَانَ فِي عَقْدَيْنِ كَانَ مُتَبَعِّضًا كَالضَّامِنَيْنِ، وَأَمَّا الْعَقْدُ الْوَاحِدُ فَهُوَ كَالضَّامِنِ الْوَاحِدِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ لَعَلَّهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّقْلِ عَنْ الْمَذْهَبِ فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْحُكْمِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَجَابَ الْأَصْحَابُ، ثُمَّ بَعْدَ وَرَقَةٍ تَكَلَّمَ فِيمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَرَهَنَهُمَا، وَالطَّرِيقَةُ الْخِلَافُ فِي انْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ، أَوْ ضَمَانٌ إنْ قُلْنَا: عَارِيَّةٌ لَمْ يَنْفَكَّ، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانٌ انْفَكَّ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَتَخَرَّجُ
стр. 350
عَلَى ذَلِكَ بَلْ عَلَى قَوْلِ الضَّمَانِ بِجَعْلِهِ ضَامِنًا لِكُلِّ الدَّيْنِ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، فَإِنْ يُحِيلَ ضَمَانَهُ لِبَعْضِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ إذَا قَالَا: أَعَرْنَاك الْعَبْدَ لِتَرْهَنَهُ بِدَيْنِك، وَهُوَ كَذَا فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ قَالَا لِمَنْ لَهُ الدَّيْنُ: ضَمِنَّا لَك دَيْنَك عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَسْأَلَةُ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهَذِهِ الْحَالَةِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ هُنَا مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فِي جَوَابِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُ، وَتَعْبِيرُهُ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: " ضَمِنَّا لَك دَيْنَك عَلَى فُلَانٍ " عِبَارَةٌ رَدِيئَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْأَلْفِ، وَهُوَ حَالٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَتُسْمَحُ فِي الْعِبَارَةِ. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَنَا نَقْلٌ فِي مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ إلَّا مِنْ الْمَاوَرْدِيِّ فِي جَوَابِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ، وَمِنْ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ، وَأَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ أَخَذَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَثِيرُ النَّقْلِ عَنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَسْأَلَتِنَا، وَعِبَارَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ لَا يَتَمَسَّكُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفْنَاهُ بِخِلَافِهَا، فَإِنْ قُلْت: بَيِّنْ لِي وَجْهَ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ مَسْأَلَةِ الْبَحْرِ غَيْرَ مَسْأَلَتِنَا. قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُسْتَمَدُّ مِنْ قَاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وَقَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وَمَآخِذَ فِقْهِيَّةٍ مَا لَمْ يُحِطْ الطَّالِبُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ لَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَمَتَى أَحَاطَ بِهَا حَقَّقَهَا، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ لَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَّا (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) فِي ضَمِنَّا هَلْ مَدْلُولُهُ الْمَجْمُوعُ، أَوْ كُلُّ فَرْدٍ، وَالْمَالُ الْمَضْمُونُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي مَجْمُوعَهُ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْهُ، وَقَبْلَ هَذَا نَقُولُ قَوْلَنَا لَقِيَ الزَّيْدَان الْعُمَرَيْنِ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّ أَحَدَ الزَّيْدَيْنِ لَقِيَ أَحَدَ الْعُمَرَيْنِ، وَالْآخَرُ لَقِيَ الْآخَرَ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَقِيَ كُلًّا مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، وَظَاهِرُهُ مَهْمَا كَانَ الْفِعْلُ صَالِحًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِخِلَافِ قَوْلِك: أَكَلَ الزَّيْدَان الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ إرَادَةُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَكَلَ رَغِيفًا، وَإِنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَيْنَاهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالظُّهُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ، وَنَحْوُهُ فَإِنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ مُخَاطَبٌ بِقَتْلِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى لَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَأَرَادَ الِاكْتِفَاءَ بِذَلِكَ لِيَنْحَصِرَ الْوُجُوبُ فِي الْبَاقِينَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ لَا مِنْ خَارِجٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ بَرِحُوا يَسْتَدِلُّونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَيَأْخُذُونَهَا مِنْهَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إنْ دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا إحْدَى الدَّارَيْنِ، وَالْأُخْرَى الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ، وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَدْخُلَ كُلُّ، وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدَّارَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ فَنَقُولُ هَذِهِ الصِّيغَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِدُخُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا
стр. 351
كُلًّا مِنْ الدَّارَيْنِ، أَوْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ دُخُولِ، وَاحِدَةٍ لِوَاحِدَةٍ، وَأُخْرَى لِأُخْرَى، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَجَبَ أَنْ يُطَلِّقَ كُلًّا مِنْهُمَا إذَا حَصَلَ الْمُسَمَّى بِأَيٍّ كَانَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا لَوْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْت عَيْنًا فَأَنْتِ طَالِقٌ إنَّهَا تَطْلُقُ بِأَيٍّ عَيْنٍ رَأَتْهَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالْعَامِّ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَحَاضَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ قُوبِلَ الْجَمْعُ بِالْجَمْعِ طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا، وَلَمْ تَشَأْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَهَلْ طَلَاقُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَتَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمَشِيئَتِهَا طَلَاقُ نَفْسِهَا دُونَ ضَرَّتِهَا؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي الْأَوَّلَ.
وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ الثَّانِيَ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِقَتْلِ رَجُلَيْنِ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَالْآخَرَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ.
فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَنَا " لَقِيَ الزَّيْدَان الْعُمَرَيْنِ " لَا تُصَدَّقُ حَقِيقَتُهُ حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الزَّيْدَيْنِ لَقِيَ كُلًّا مِنْ الْعُمَرَيْنِ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَحْصُلُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، وَالضَّمَانُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ يَصِحُّ بِوَارِدِ عَدَدٍ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى مَضْمُونٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قَالَ: ضَمِنَ الزَّيْدَان الْعُمَرَيْنِ فَحَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ كُلًّا مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ إذَا قَالَا: ضَمِنَّا الْأَلْفَيْنِ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ كُلًّا مِنْ الْأَلْفَيْنِ.
هَذَا وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ يُمْكِنُ دَعْوَاهُ، وَيُودِي بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الضَّمَائِرَ عَامَّةٌ، وَالْعَامُّ مَدْلُولُهُ كُلُّ فَرْدٍ، وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعَطْفِ، وَلَوْ قُلْت: قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ؛ كَانَ حُكْمًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَكَذَلِكَ قَامَ الزَّيْدَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنَازَعَ فِيهِ فَإِنَّ الْمُثَنَّى اسْمٌ وُضِعَ لِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فَلَيْسَ مَدْلُولُهُ كُلَّ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ حُكْمٌ عَلَى مَجْمُوعِ الرَّجُلَيْنِ، وَلَكِنْ فِي الْإِثْبَاتِ يَلْزَمُ مِنْ الْمَجْمُوعِ كُلَّ فَرْدٍ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي النَّفْيِ: مَا قَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ، أَوْ مَا قَامَ الزَّيْدَانِ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ قَامَ أَحَدُهُمَا هَذَا مَا لَا رِيبَةَ فِيهِ، وَالضَّمَائِرُ بِحَسَبِ مَا يُرَادُ بِهَا، فَإِذَا عَادَتْ عَلَى عَامٍّ كَانَتْ عَامَّةً، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا النِّزَاعُ لَا يَضُرُّنَا فَإِنَّا نُقَرِّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ سَوَاءً أَكَانَ الضَّمِيرُ فِي " ضَمِنَّا " مُرَادًا بِهِ الْمَجْمُوعُ أَمْ كُلُّ فَرْدٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا تَحْرِيرُ هَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ لَهُ ثَمَرَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ الْبَحْرِ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ مَا، وَنَحْوَهَا مِنْ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ
стр. 352
مَدْلُولُهُ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٌ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَلَا نُطَوِّلُ بِهِ فَضَمَانُ مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ مَعْنَاهُ ضَمَانُ كُلِّ جُزْءٍ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ الْأَلْفُ، وَنَحْوُهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ مَدْلُولُهَا الْمَجْمُوعُ فَلَيْسَتْ الْأَلْفُ مَوْضُوعَةً لِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلَا دَالَّةً بِالْمُطَابَقَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضًا مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) ، وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَنَّ الضَّامِنَ، وَالْمَضْمُونَ قَدْ يَتَّحِدَانِ، وَقَدْ يَتَعَدَّدَانِ، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الضَّامِنُ وَحْدَهُ، أَوْ الْمَضْمُونُ، وَحْدَهُ، وَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِ الْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ غَرَضَنَا إنَّمَا هُوَ إذَا تَعَدَّدَ، فَإِذَا ضَمِنَ الزَّيْدَان مَالًا، وَالْمَالُ ذُو أَجْزَاءٍ، وَجُزَيْئَاتٍ فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي مَجْمُوعَ أَجْزَائِهِ كَالْأَلْفِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقْتَضِي عُمُومَ جُزْئِيَّاتٍ كَضَمَانِ مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ، فَإِذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَهُوَ أَلْفٌ مَثَلًا فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظَةِ " مَا " الَّتِي هِيَ مُبْهَمَةٌ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ بِوَصْفِ كَوْنِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى خَاصٌّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِالسَّوِيَّةِ لَا تَرْجِيحَ لِدَلَالَتِهِ فِي أَحَدِ الْأَجْزَاءِ عَلَى الْآخَرِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّتِك مِنْ الْأَلْفِ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: الضَّمِيرُ فِي ضَمِنَّا مُرَادٌ بِهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمَا، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ، وَكَانَتْ لَازِمَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِلَا إشْكَالٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمُعَيَّنٌ أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا ضَمِنَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْأَلْفِ نِصْفُهَا، وَرُبْعُهَا، وَثُمُنُهَا إلَى أَدْنَى جُزْءٍ، وَأَكْثَرِهِ لَازِمٌ لِمَجْمُوعِهِمَا لَزِمَ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ فَإِمَّا أَنْ لَا يُطَالَبَ بِشَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى يَكُونَا مُجْتَمِعَيْنِ فَيُطَالَبَانِ جَمِيعًا، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُطَالَبَ بِالنِّصْفِ، أَوْ بِمَا تَحْتَهُ، أَوْ فَوْقَهُ مِنْ الْأَجْزَاءِ فَيَقُولُ: إذَا غَرِمَ ذَلِكَ الْجُزْءَ بَقِيَ الْبَاقِي مَضْمُونًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِجَمِيعِ الْأَلْفِ كَمَا ادَّعَيْنَاهُ، وَقَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا وَجْهَ لَهُ، وَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الْأَلْفِ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ التَّتِمَّةِ نَقْلَهُ فِيهَا.
وَإِذَا وَصَلْت أَيُّهَا النَّاظِرُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ مَعَ فَهْمٍ، وَإِنْصَافٍ جَزَمْت بِمَا قُلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَأَمُّلِ الْمَآخِذِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى أَنَّهُ سَوَاءٌ ثَبَتَ دَلَالَةُ الضَّمِيرِ فِي ضَمِنَّا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، أَوْ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَمَقْصُودُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَاصِلٌ، وَأَمَّا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا الْأَلْفَ فَهَاهُنَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَدْلُولِ ضَمِنَّا، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِمَجْمُوعِهِمَا، وَلِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمَا
стр. 353
فَإِنْ كَانَ الْمَجْمُوعُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْدٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ضَمَانِ مَجْمُوعِهِمَا لِمَجْمُوعِ الْأَلْفِ ضَمَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهَا فَيَسْقُطُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مَأْخَذُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهُ كُلَّ فَرْدٍ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَحَقُّ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ مَحَلَّ الْخِلَافِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا، وَلَعَلَّهُ، وَجَدَهُ عَنْ قَائِلِهِ فَنَقَلَهُ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ تَبِعَ فِيهِ الْبَنْدَنِيجِيَّ وَالْمَاوَرْدِيَّ، أَوْ لَعَلَّهُ تَفَقَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْخِلَافِ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَدْ أَتْقَنَ الْمَسْأَلَةَ، وَنَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَيْنِ، وَصَحَّ فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الرُّويَانِيُّ ﵀ فُرُوعًا عَنْهُ، وَعَنْ أَبِيهِ، وَجَدِّهِ مِنْ تَفَقُّهِهِمْ لَا نَقْلَ فِيهَا، وَهَذَا وَجَدَهُ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهَا.
وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامُ التَّتِمَّةِ صَدْرُهُ فِيمَا إذَا قَالَا: ضَمِنَّا مَالَك مِنْ الدَّيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَتُنَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الرُّويَانِيُّ، وَالْوَجْهُ فِيهَا لُزُومُ كُلِّ الدَّيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى مَا فِي التَّتِمَّةِ، وَإِمَّا قَطْعًا لِمَا سَبَقَ، وَلِمَا ذَكَرَهُ لَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ نَقْلًا لِغَيْرِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ لَا مِنْ الْبَحْرِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَآخِرُ كَلَامِ التَّتِمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا مَا فُرِضَ فِي الْأَلْفِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَرَّرَ أَوَّلَ كَلَامِهِ، وَآخِرَهُ فَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْأَلْفِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ فِي الضَّمَانِ الَّذِي فِي لَفْظَةِ إمَّا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَايَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي لَفْظَةِ " مَا " فَفِي لَفْظَةِ " الْأَلْفِ " أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَلْفِ خَاصَّةً، وَأَنَّ صَاحِبَ التَّتِمَّةِ عَبَّرَ عَنْهَا فِي صَدْرِ كَلَامِهِ بِلَفْظَةِ " مَا "، وَاعْتَقَدَ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهَا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ الْقَطْعُ فِيهَا بِلُزُومِ الْجَمِيعِ، وَأَيْنَ مَنْ يُحَرِّرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، أَوْ يَفْهَمُهَا، فَإِنْ قُلْت: الْعَوَامُّ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعَوَامّ فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ فِيهِمْ؛ وَلِهَذَا إذَا جَاءَ الضَّمَانُ إلَى الشُّهُودِ مَعَ الْمُقِرِّ بِالْأَلْفِ تَارَةً يَقُولُونَ: ضَمِنَّا مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: ضَمِنَّا الْأَلْفَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ، وَيَكْتُبُ الشُّهُودُ الْحَالَتَيْنِ أَنَّهُمْ ضَمِنُوا مَا فِي ذِمَّتِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّ نُلْزِمَ الْعَامِّيَّ بِمَا يَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِهِ. قُلْت: هَذَا السُّؤَالُ مَنْشَؤُهُ إمَّا جَهْلٌ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَإِمَّا جَهْلٌ بِالْفِقْهِ، وَتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ لَهُ مَدْلُولٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنْقَلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ، وَيَصِيرَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عُدُولًا عَنْ الْمَدْلُولِ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولُهُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي نَحْنُ
стр. 354
فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ غَيْرَ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي بَعْضِهَا، وَلَيْسَ بَحْثُنَا فِي ذَلِكَ، أَمَّا فَهْمُ الْعَامِّيِّ مِنْ اللَّفْظِ شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَوَاهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ مِنْ الْحَالِفِ بِالْحَرَامِ أَيْشُ يُفْهَمُ مِنْهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفَهْمِهِ عَلَى نِيَّتِهِ، أَوْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فَهْمُ الْعَوَامّ حُجَّةً لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَوْقَافِ، وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَنُجْرِي الْأَمْرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا لُغَةً، وَشَرْعًا سَوَاءٌ أَعَلِمْنَا أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ ذَلِكَ أَمْ جَهِلَهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ الْتَزَمَ حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ تَفَاصِيلَهُ حِينَ النُّطْقِ بِهِ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ لَمَّا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ بِحُكْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، وَكُلُّ مَنْ يَسْتَفْتِينَا فَإِنَّمَا نُفْتِيه عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَاطَهَا بِتَصَرُّفَاتٍ تَصْدُرُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ، وَاكْتَفَى فِي الْأَقْوَالِ بِصُدُورِهَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ اللِّسَانِ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا فَهْمَ الْمُتَكَلِّمِ لَمْ يَصِحَّ غَالِبُ مَا يَصْدُرُ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْعُقُودِ، وَغَيْرِهَا لِاشْتِمَالِ أَلْفَاظِهِمْ عَلَى مَدْلُولَاتٍ يَخْفَى عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْضُهَا فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ، وَكَأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِقَوْلِهِ: فَهْمُ الْعَوَامّ، وَإِنَّمَا هُوَ يَخْفَى عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَخَفَاؤُهُ عَنْهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَجْعَلُ الْخِلَافَ فِي لَفْظَةِ الْأَلْفِ مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ إنَّ الصَّحِيحَ لُزُومُ الْجَمِيعِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي لَفْظَةِ الْأَلْفِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ أَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّ الرُّويَانِيَّ جَزَمَ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ يُعْلَمُ مِنْ التَّتِمَّةِ نَقْلٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّ الْبَحْثَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ضَمِنَّا بِمَجْمُوعِهِمَا، وَالْأَلْفُ مَجْمُوعٌ، وَمُقَابَلَةُ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَإِذَا احْتَمَلَ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْمُحَقَّقِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِقْرَارِ: إنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ. قُلْت: أَمَّا النَّقْلُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنَدَ فِيهِ إلَى نَقْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ، وَقَدْ فَرَضَهَا فِي الْأَلْفِ، وَجَزَمَ بِالْجَمِيعِ فِيهَا، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ الضَّمَانِ فِي لَفْظَةِ " مَا " فَنَحْنُ نَقِيسُ عَلَيْهَا الضَّمَانَ بِلَفْظَةِ " الْأَلْفِ "؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ ذَلِكَ اقْتَضَاهُ لَا رِيبَةَ فِيهِ، وَجَزَمَ الرُّويَانِيُّ قَدْ قُلْنَا: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يَكُونَ تَبِعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيَّ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَهُ جَوَابَ اسْتِدْلَالٍ يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، وَمُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خِلَافٍ أَصْلًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ إنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ عَلَيْهَا، أَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّا نَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّ
стр. 355
مُقَابَلَةَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ لَا يَتَعَرَّضُ إلَى الْأَفْرَادِ لَفْظًا، وَلَكِنَّا نَأْخُذُهَا مِنْ خَارِجٍ مِنْ الْمَآخِذِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا
وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّهُ إذَا احْتَمَلَ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْمُحَقَّقِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَارِ غَفْلَةٌ فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بَلْ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ، وَالْعُقُودُ لَا تُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ كَالْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تُبْنَى عَلَى حَقَائِقِهَا، وَمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِ لُغَةً، وَشَرْعًا، وَهَذَا اللَّفْظُ، وَمُقَابَلَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ مُحْتَمِلٌ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ يَقْتَضِي الشَّرْعُ ذَلِكَ، وَأَيْنَ مَآخِذُ الْفِقْهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْت: الضَّمَانُ وَثِيقَةٌ كَالرَّهْنِ فَالضَّامِنَانِ لِدَيْنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيطٍ كَالْعَبْدَيْنِ الْمَرْهُونَيْنِ بِدَيْنِ وَاحِدٍ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ جَمِيعِ الدَّيْنِ، فَإِنْ قُلْت: الْعَيْنَانِ الْمَرْهُونَتَانِ إذَا كَانَتَا لِوَاحِدٍ فَهُوَ رَهْنٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتْ نَظِيرَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ هُنَا مُتَعَدِّدٌ، وَإِنْ كَانَتَا لِاثْنَيْنِ فَهُمَا رَهْنَانِ يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ فَلَا يَصِحُّ مَا قُلْتُمُوهُ.
قُلْت: يَصِحُّ مَا قُلْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَتَا لِاثْنَيْنِ، وَقَدْ رَهْنَاهَا عِنْدَ شَخْصٍ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى غَيْرِهِمَا كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي الْعَبْدِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ النِّصْفَيْنِ مَرْهُونٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّ الرَّهْنَ مُتَعَدِّدٌ، وَقَاعِدَةُ الرَّهْنِ: أَنَّهُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الرَّاهِنِ كَمَا تَتَعَدَّدُ صَفْقَةُ الْبَيْعِ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ فَلَا يَتَوَقَّفُ فَكُّ أَحَدِهِمَا عَلَى فَكِّ الْآخَرِ. قُلْت: إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا رُهِنَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا فَتَعَدُّدُ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ مَعَ تَعَدُّدِهِمَا، وَهَاهُنَا تَجِبُ الْبَيِّنَةُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا رَهَنَا عَيْنًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي حُكْمِ رَهْنَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ رَهْنًا وَاحِدًا حَتَّى أَجَازَهُ، وَإِنْ مَنَعَ رَهْنَ الْمُشَاعِ، وَقَالَ: لَا يَنْفَكُّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَنْفَكَّ الْآخَرُ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا رَهْنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا رَهَنَا جَمِيعًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَقَدْ رَهَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ الرَّهْنِ، وَهُمَا قَدْ جَعَلَاهُ رَهْنًا وَاحِدًا، وَإِنْ حَكَمْنَا نَحْنُ بِتَعَدُّدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ الْجَمِيعِ.
وَرَهْنُ الشَّخْصِ نَصِيبَهُ بِدَيْنِهِ، وَدَيْنِ غَيْرِهِ جَائِزٌ، وَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: السِّرُّ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَعَدَّدَا، وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمَا، وَحُكْمُ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الرَّهْنِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي عَيْنٍ، وَظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَرْهَنُ عَلَى دَيْنِ نَفْسِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الرَّهْنَ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ صَرَّحَ بِمُقْتَضَاهُ فَلَمَّا أَطْلَقَا، وَقَرِينَةُ الْحَالِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنَّمَا يَرْهَنُ عَلَى دَيْنِ نَفْسِهِ، وَكَانَ فِي الْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ الْحَالِ، وَجَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ فَأَحَبَّ، وَتَرَكَ كُلَّ رَهْنٍ عَلَى دَيْنِ صَاحِبِهِ فَقَطْ فَلَا جَرَمَ يَنْفَكُّ بِأَدَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى
следующие страницы →