← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عَلَى الرُّشْدِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُوجِبُ التَّقْدِيمِ ثَبَتَ الْأَرْشَدُ وَهَذَا لَائِقٌ بِقَوَاعِدِنَا فَإِنَّا نَعْتَمِدُ الْأَلْفَاظَ، وَلَوْ وُجِدَ رَشِيدَانِ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَرْشَدُ فَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَوْ وُجِدَ رَشِيدٌ أَوْ اثْنَانِ أَرْشَدُ وَاسْتَوَيَا فَالظَّاهِرُ بَلْ أَقْطَعُ بِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ وَاللَّفْظُ عَامٌّ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ لِاقْتِضَاءِ الْعُمُومِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَفْضَى الْحَالُ إلَى مُنَازَعَةٍ أَوْ فَسَادٍ بِمُعَارَضَةٍ بِتَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فَالْحَاكِمُ حِينَئِذٍ يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا وَيُعَيَّنُ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ يَحْجُرُ عَلَيْهِمَا فِي الِانْفِرَادِ وَمِنْ الِاخْتِلَافِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ. (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) إنَّ مَنْ اعْتَبَرَ فِي الرُّشْدِ الْمَالَ فَقَطْ لَا يَقْدَحُ عِنْدَهُ الْفِسْقُ فِي اسْمِ الْأَرْشَدِيَّةِ وَمَنْ يَعْتَبِرُ الدِّينَ يَقُولُ إنَّهُ يَقْدَحُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ. (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ) إنَّهُ يُشْتَرَطُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي النَّاظِرِ عَدَمُ مَا يُخِلُّ بِالنَّظَرِ زِيَادَةً عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّاظِرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمَنْصُوبَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ إمَّا بِعِلْمِهِ وَإِمَّا بِالْبَيِّنَةِ وَأَمَّا الْمَنْصُوبُ مِنْ جِهَةِ الْوَقْفِ فَشَرْطُهُ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ مَا شَرَطَهُ وَشَرْطُهُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ هَلْ نَقُولُ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَالْعَدَالَةُ فِي تَصَرُّفِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ؟ لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ كَلَامًا فِي ذَلِكَ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَإِذَا زَالَتْ الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ بِأَنْ عُرِفَ مِنْهُ فِسْقٌ فَعِنْدَ مَنْ لَا يَجْعَلُهُ رَشِيدًا صَارَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَعِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ رَشِيدًا كَالْفِسْقِ الطَّارِئِ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا أَوْ الْمُقَارِنُ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِسْقُ مُخِلًّا بِالنَّظَرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَادِحٌ وَقَوَاعِدُ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُبْعِدُ عِنْدَهُمْ احْتِمَالَهُ. (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ) إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ لِوَاحِدٍ بِالنَّظَرِ مِمَّنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ اتِّصَافُهُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُ الْبَاطِنَةُ صَحَّ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ إلَّا عَدَالَتُهُ الظَّاهِرَةُ فَهَلْ لَهُ الْحُكْمُ لَهُ بِالنَّظَرِ اعْتِمَادًا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا أَيْضًا وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَجَّحَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى أَذْهَانِ النَّاسِ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ الْمُبَالَغَةُ فِي شَرَائِطِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَجَّحَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ الشَّرْطُ وَكَثِيرٌ إذَا بَاعَ الْأَبُ مَالَ وَلَدِهِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْ عَدَالَتِهِ الظَّاهِرَةِ هَلْ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكُمُ وَإِلَّا تَتَوَقَّفُ أَحْوَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْآبَاءِ. (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ) أَنَّ النَّسْلَ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ وَمِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ؛ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ) أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ بَلْ مَنْ اتَّصَفَ بِالشَّرْطِ اسْتَحَقَّ وَإِنَّمَا

стр. 562

قُلْنَا لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنْ مَنْ يَقُولُ بِدُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ يُرَجَّحُ عَنْهُ اجْتِمَاعُ أَوْلَادِ الْبَنِينَ. (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ) أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْأَرْشَدِيَّةِ مِنْ نَسْلِهِ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ النَّسْلُ مَعْلُومِينَ مَحْصُورِينَ حَتَّى يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَرْشَدَ مِنْ بَاقِيهِمْ فَمَتَى لَمْ يَكُونُوا مَعْلُومِينَ وَلَا مَحْصُورِينَ كَيْفَ يُمْكِنُ الشَّاهِدُ الْجَزْمَ بِذَلِكَ. (الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ) مَعَ الْعِلْمِ بِهِمْ هَلْ يُحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِمْ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِمْ وَشَهَادَةِ وُجُوهِهِمْ؟ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الشُّهُودِ مُتَعَلِّقَةً بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِمْ احْتَاجَ إلَى حُضُورِ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ وَإِذَا حَصَلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ حَصَلَ عَلَى غَيْرِهِمْ فَلَا يَتَعَدَّى إلَيْهِمْ. (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُ الْقَاضِي ثَبَتَ أَرْشَدِيَّةُ هَذَا وَحَكَمْت بِهَذَا وَأَذِنْت لَهُ فِي النَّظَرِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَمِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ فِي وَجْهِ الْخَصْمِ وَالْخَصْمُ قَدْ يَكُونُ أَجْنَبِيًّا لِمُطَالَبَتِهِ لَهُ بِأُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْأَرْشَدِيَّةِ وَالنَّظَرُ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْأُجْرَةِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْحُقُوقُ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدَ النَّسْلِ فَيَكُونُ إثْبَاتُ الْأَرْشَدِيَّةِ وَالنَّظَرُ مَقْصُودًا لِتَقْدِيمِهِ عَلَى قَرَابَتِهِ الْمُشَارِكِينَ فِي النَّسْلِ. (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عِشْرَةَ) إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِالْأَرْشَدِيَّةِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ إذَا جَرَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَالْإِثْبَاتِ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِمَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَتَسَاقَطَانِ وَلَا يَحْكُمُ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ فِي نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَثْبَتَتْ فِي وَاحِدٍ وَنَفَتْ فِي الْآخَرِ وَقُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ كُلًّا مِنْهُمَا وَلَمْ يَجْعَلُوا لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَثَرًا فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَثْبُتُ الرُّشْدُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَك أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا وَتَصِيرَ كَمَا لَوْ عُلِمَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الرُّشْدِ لِأَنَّ مَضْمُونَ الشَّهَادَتَيْنِ رُشْدُهُمَا وَالتَّعَارُضُ فِي الشَّهَادَةِ فَتَسَاقَطَا بِهِ وَيَبْقَى أَجَلُ الرُّشْدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ فَإِنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ وَأَرَادَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ مُعَارَضَةَ الْأُولَى فَعَلَى مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّعَارُضُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ قَبْلَهُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا أَثَرَ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَيَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا بِاعْتِبَارِ الْوَقْتَيْنِ فَهَلْ نَقُولُ إنَّهُ يُحْكَمُ بِالثَّانِيَةِ مَعَ إطْلَاقِهِمَا وَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا مُنَافَاةَ أَوْ نَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْرِيحِهَا بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الْأَرْشَدِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَالْحُكْمُ بِهَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) إنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ لِبَعْضِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ حَكَمَ بِإِدْخَالِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي النَّسْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ

стр. 563

لَوْلَا دُخُولُهُمْ لَمَا حَكَمَ لَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَوْلَادِ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِ الْإِنَاثِ فَأَوْرَدَ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ اشْتِرَاطِ النَّظَرِ عَلَى ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ هُوَ النَّظَرُ لَا دُخُولُ هَذَا الشَّخْصِ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّظَرِ لِشَخْصٍ دُخُولُهُ. قُلْنَا اللَّازِمُ دُخُولُهُ أَوْ اعْتِقَادُ دُخُولِهِ وَالْحُكْمُ بِدُخُولِهِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُسْلِمَانِ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُمَا الْمَقْصُودُ وَالثَّالِثُ مَمْنُوعٌ. (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ لَهُ الْحَنَفِيُّ مُرْتَكِبٌ فِسْقًا مُقَارِنًا الْحُكْمَ أَوْ طَارِئًا بَعْدَهُ وَذَلِكَ الْفِسْقُ لَا يَقْدَحُ فِي الْأَرْشَدِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنَّهُ يَقْدَحُ فِي النَّظَرِ فَهَلْ يَقْدَحُ فِي الْحُكْمِ إذَا كَانَ مُقَارِنًا لَهُ وَيَرْفَعُهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِهِ فِي النَّظَرِ. (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا كَانَ الْأَرْشَدُ فَاسِقًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ الْفِسْقُ طَارِئًا فَهَلْ يَنْتَقِلُ النَّظَرُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا الْوَاقِفُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَوَجْهُ هَذَا الْبَحْثِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْغَيْبَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تَنْقُلُ الْوِلَايَةَ إلَى الْأَبْعَدِ بَلْ يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ وَالصَّبِيُّ وَالْفِسْقُ وَالسَّفَهُ وَنَحْوُهَا تُنْقِلُ إلَى الْأَبْعَدِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَالِبَةُ الْأَهْلِيَّةِ دُونَ الْأُولَى، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلنَّظَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرْعِ لَيْسَتْ لِلْفَاسِقِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ حَاصِلَةٌ بِوَصْفِ الْأَرْشَدِيَّةِ فَهَلْ نَقُولُ إنَّ بِحُصُولِ الصِّفَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلْوَاقِفِ هُوَ كَالْأَهْلِ لَكِنْ تَعَدَّتْ مُبَاشَرَتُهُ لِشَرْطِ الشَّرْعِ فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ أَوَّلًا فَيَنْتَقِلُ لِمَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ بَعْدَهُ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَهُ وَغَيْرَ الْحَاكِمِ فِيهِ النَّظَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. (خَاتِمَةٌ) قَدْ عُرِفَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَكْثَرُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَقَدْ شَرَطَ وَاقِفُهُ النَّظَرَ لِأَرْشَدِ النَّسْلِ ثُمَّ لِأَرْشَدِ أَهْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ لِإِمَامِ الْجَامِعِ ثُمَّ الْحَاكِمِ وَشَرَطَ التَّرْتِيبَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَقْفِ بَيْنَ الْبُطُونِ، وَلَمْ أَرَهُ شَرَطَ التَّرْتِيبَ فِيهِمْ فِي النَّظَرِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَعْلَى لَا يَحْجُبُ الْأَسْفَلَ فِي النَّظَرِ بَلْ إذَا كَانَ الْأَسْفَلُ أَرْشَدَ قُدِّمَ عَلَى الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ بِأَرْشَدَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي النَّاظِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَالِي وِلَايَةِ شَرْطِهِ وَيَعْتَمِدُ فِيهَا مَا يَعْتَمِدُهُ أَكْثَرُ الْوُلَاةِ وَلَكِنَّهُ حَسَنُ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُنَمِّي الْوَقْفَ وَيُمَيِّزُهُ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي أَمْرِهِ مِنْ جِهَةِ إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَبَيْنَ ضَعِيفٍ غَيْرِ مُثَمِّرٍ لِلْوَقْفِ

стр. 564

وَأَحْسَنُ دِيَانَةً مِنْهُ وَيَعِزُّ وُجُودُ مَنْ هُوَ جَامِعٌ الْوَصْفَيْنِ الدَّيَّانَةَ وَالنَّظَرَ الْجَيِّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِمَّا نُثْبِتُهُ لَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي مَحَلِّ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَقَصْدِهِ حَتَّى يُجْعَلَ حُكْمُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ مَانِعًا مِنْ الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُهِمٌّ وَتَحْقِيقُهُ صَعْبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ سَيْفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرِكٍ الْخَلِيفَتِيُّ أَمِيرُ الْحَاجِّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَإِنْ سَفَلَ عَلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَوَارِيثِ لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَوْرُوثًا فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَإِنْ سَفَلَ عَنْ وَلَدٍ أَوْ عَنْ نَسْلٍ وَعَقِبٍ وَإِنْ سَفَلَ كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مَصْرُوفًا إلَى أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ وَإِنْ سَفَلَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَإِنْ سَفَلَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ وَإِنْ سَفَلَ كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مَصْرُوفًا إلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْ أَوْلَادِ هَذَا الْوَاقِفِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ وَإِنْ سَفَلَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمِيرَاثِ فَمَاتَتْ جَاهَانِ خَاتُونَ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ابْنِ الْوَاقِفِ وَلَهَا حِصَّةٌ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ وَخَلَّفَتْ بِنْتًا تُسَمَّى طَبْخَاتُونُ لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ غَيْرُهَا وَلِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ ابْنٌ يُسَمَّى فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ (الْجَوَابُ) يَنْتَقِلُ نَصِيبُ جَدَّتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ إنَّهُ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مَصْرُوفًا إلَى أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَالنِّصْفُ لِلْبِنْتِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ مَوْرُوثًا كَانَ لَهَا مِنْهُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِابْنِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّسْلِ، وَقَدْ قَالَ: وَنَسْلِهِ فَيُقَدَّرُ ابْنُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورُ كَأَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتَةِ فَيَأْخُذُ كُلَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْبِنْتِ وَهُوَ الْحَاصِلُ وَيَتَلَقَّاهُ عَنْ الْمَيِّتَةِ كَمَا تَتَلَقَّى أُمُّهُ النِّصْفَ عَنْهَا وَكَأَنَّهُ وَقْفَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ) وَقَفَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لَهُ وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ لِلْأَبِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْ أَوْلَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ كَانَ نَصِيبُ الْأَعْلَى لِأَوْلَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَيَكُونُ لَهُ مَا كَانَ لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ وَلَا إخْوَةٍ وَلَا أَخَوَاتٍ فَنَصِيبُهُ لِبَاقِي أَهْلِ الْوَقْفِ الْأَقْرَبِ إلَى الْمُتَوَفَّى وَكَذَا الشَّرْطُ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَمَنْ يَتْلُوهُمْ مِنْ الْبُطُونِ وَأَمَّا أَوْلَادُ الْبَنَاتِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ

стр. 565

عَلَيْهِ أَوَّلًا بِالتَّعْصِيبِ كَانَ نَصِيبُهُ عَائِدًا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُنْسَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِالتَّعْصِيبِ كَانَ النِّصْفُ مِنْ نَصِيبِهِ عَائِدًا إلَى أَوْلَادِهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ إلَى الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ صَدَقَةِ الْوَقْفِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إلَى الْمُتَوَفَّى؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَلَدٌ وَإِنْ سَفَلَ وَلَيْسَ لَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مُنْتَسِبِينَ بِالتَّعْصِيبِ فَنَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمُنْتَسِبِينَ بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَمَنْ يَتْلُوهُمْ مِنْ سَائِرِ الْبُطُونِ، وَالشَّرْطُ فِي كُلِّ بَطْنٍ يُوجَدُ بِالشَّرْطِ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، فَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَرْبَعَةِ بَنِينَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِنْتَيْنِ هُمَا زَيْنَبُ وَزَاهِدَةُ ثُمَّ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ وَلَدٍ وَنَسْلٍ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَنْ بِنْتٍ تُدْعَى مُؤْنِسَةُ ثُمَّ مَاتَتْ مُؤْنِسَةُ عَنْ ابْنٍ يُدْعَى مُحَمَّدٌ لَا يَنْتَسِبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِتَعْصِيبٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ أُمِّهِ أَمْ يُشَارِكُهُ الْمَوْجُودُونَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لَا أَفْتُونَا. (الْجَوَابُ) فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ يَسْتَحِقُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُؤْنِسَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا نَصِيبَ وَالِدَتِهِ بِكَمَالِهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ فِي أَوْلَادِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ (هُمْ) عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إلَى مُؤْنِسَةَ وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَقَوْلُهُ مِنْهُمْ فَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لِوَلَدِهَا وَأَمَّا تَقْسِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى نَسَبِ التَّعْصِيبِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ تَقْسِيمٌ فِي أَوْلَادِ بَنَاتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُمْ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ وَالْبَطْنُ الْأَوَّلُ يَسْتَحِقُّونَ كُلُّهُمْ وَالثَّانِي كَذَلِكَ ابْنًا كَانَ أَوْ بِنْتًا أَوْ ابْنَ بِنْتٍ أَوْ بِنْتَ ابْنٍ وَالْبَطْنُ الثَّالِثُ يَسْتَحِقُّ ابْنُ ابْنِ الِابْنِ وَبِنْتُ ابْنِ الِابْنِ وَابْنُ ابْنِ الْبِنْتِ، وَلَا تَسْتَحِقُّ بِنْتُ بِنْتِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُ ابْنِ الْبِنْتِ وَلَا ابْنُ بِنْتِ الِابْنِ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَكَأَنَّ الطَّبَقَةَ لَمَّا بَعُدَتْ حُجِبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَحُكْمُ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ وَمَا بَعْدَهَا حُكْمُ الثَّالِثَةِ لِقَوْلِ الْوَاقِفِ وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ ابْنُ ابْنِ بِنْتِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُ ابْنِ بِنْتِ الِابْنِ إلَّا عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا قَوْلُ الْوَاقِفِ بَعْدَ ذَلِكَ وَالشَّرْطُ فِي كُلِّ بَطْنٍ يُوجَدُ كَالشَّرْطِ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ وَلَا يَأْتِي فِيهِ. وَالْحَامِلُ لَنَا عَلَى مَا أَفْتَيْنَا بِهِ قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهُنَّ فَجَعَلَ الْمُتَوَفَّى وَلَدَ الْبِنْتِ ثُمَّ قَسَّمَ وَلَدَهُ إلَى عَاصِبٍ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَوَفَّى مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ. مَا قَالَ مِنْ الْبَنَاتِ، وَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَثْبُتَ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَهْمِهَا

стр. 566

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) فُقَهَاءُ الشَّامِيَّةِ الْجُوَّانِيَّةُ وَقَفَتْ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا وَعَلَى الْمُدَرِّسِ بِهَا فُلَانٍ وَنَسْلِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ أَهْلِيَّةٌ فَعَلَى الْمُدَرِّسِ الشَّافِعِيِّ بِهَا وَالْبَاقِي مِنْ الْأَمْلَاكِ عَلَى مَصَالِحِ الْمَدْرَسَةِ وَعَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْمُشْتَغِلِينَ وَعَلَى الْمُدَرِّسِ فُلَانٍ أَوْ مَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِهِ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ وَعَلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ يَبْدَأُ بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ وَثَمَنِ زَيْتٍ وَمَصَابِيحَ وَحُصْرٍ وَبُسُطٍ وَقَنَادِيلَ وَشَمْعٍ وَمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَمَا فَضَلَ كَانَ مَصْرُوفًا إلَى الْمُدَرِّسِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَإِلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ؛ فَاَلَّذِي هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمُدَرِّسِ فِي كُلِّ شَهْرٍ حِنْطَةٌ غِرَارَةٌ وَشَعِيرٌ غِرَارَةٌ وَفِضَّةٌ مَا حَمَلَهَا نَاصِرِيَّةٌ وَالْبَاقِي مَصْرُوفٌ إلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ، عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ فِي أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَعَطَاءٍ وَحِرْمَانٍ بَعْدَ إخْرَاجِ الْعُشْرِ وَصَرْفِهِ إلَى النَّاظِرِ وَبَعْدَ إخْرَاجِ خَمْسِمِائَةٍ نَاصِرِيَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِمِشْمِشٍ وَبِطِّيخٍ وَحَلْوَى فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَمِنْ شَرْطِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ وَحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وَسَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُعِيدُ بِهَا وَالْإِمَامُ وَذَلِكَ عَنْ الْمُدَرِّسِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ وَزِيَادَةٌ وَسَعَةٌ فَلِلنَّاظِرِ فِي أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ أَنْ يُقِيمَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الشَّفْعَوِيَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِقَدْرِ مَا زَادَ وَنَمَا فِي ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ وَكَذَا إذَا نَقَصَ ارْتِفَاعُ الْوَقْفِ فَلِلنَّاظِرِ فِيهِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ نَفْعٌ لِلطَّلَبَةِ وَيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ بِهَا فَإِنَّ لَهُ الْمَقَامَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَالِاشْتِغَالَ بِهَا. انْتَهَى مَا أَرَدْت نَقْلُهُ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الْمُدَرِّسِ فَإِنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ نَسْلِهِ أَهْلًا فَلَهُ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْأَمَاكِنِ مِنْ الْمَعْلُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعَيَّنُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ نَسْلِهِ فَالْمُدَرِّسُ الَّذِي لَيْسَ مِنْهُمْ لَهُ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَأَمَّا الْأَمَاكِنُ فَلَمْ أَرَ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِهِ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَدْرَسَةِ بَلْ ذَكَرَ الَّذِينَ وَقَفَ الْأَمَاكِنَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِمْ، وَيَقْوَى احْتِمَالُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ سِيَّانًا بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُدَرِّسٍ بِمَعْلُومٍ وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ التَّدْرِيسُ مِنْ نَسْلِ الْمُعَيَّنِ لَا يُصْرَفُ الْمَعْلُومُ لِغَيْرِهِمْ وَتَبْقَى مَدْرَسَةً لِلْفُقَهَاءِ وَمَنْ عَسَاهُ يُدَرِّسُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ بِلَا مَعْلُومٍ أَوْ بِمَعْلُومٍ يُجْعَلُ

стр. 567

لَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَقْفِ، وَأَمَّا الْمُقَدَّرُ الْمُعَيَّنُ مِنْ الْمَعْلُومِ لِهَذَا الْمُدَرِّسِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُصْرَفُ لِغَيْرِهِ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ أَوْ يُرَدُّ إلَى الْفُقَهَاءِ، وَالْأَقْرَبُ نَجْعَلُهُ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ وَأَمَّا رَدُّهُ إلَى الْفُقَهَاءِ فَبَعِيدٌ، وَأَمَّا صَرْفُهُ لِمُدَرِّسٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ نَسْلِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ جَعْلِهَا مَدْرَسَةً وَمِنْ إطْلَاقِ الْمُدَرِّسِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَعْلُومِ الْمَصْرُوفِ لَهُ لَكِنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ؛ وَإِطْلَاقُهُ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَعْلُومَ إنَّمَا هُوَ فِي تَقْسِيمِ مَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا وَهُوَ الْوَقْفُ لِلْأَمَاكِنِ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَالْفُقَهَاءِ فِيمَا بَعْدَهُ تَقْسِيمٌ لِمَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَنَحْنُ فِي الْأَوْقَافِ إنَّمَا نَحْكُمُ بِمَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ فَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِالصَّرْفِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَنَسْلِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِنْ لَفْظِ الْوَاقِفِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَاقِفُ أَنَّ غَيْرَ النَّسْلِ مِنْ الْمُعَيَّنِ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدِ عَدَمِهِ فِي الْمَدْرَسَةِ لَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهَا فَهَذَا مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ، وَطَرِيقُ الْوَرَعِ لِلْمُدَرِّسِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ شَيْئًا وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُدَرِّسَ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَالسَّكَنُ بِهَا وَالْإِقَامَةُ فَإِنَّهُ أَحَدُ مَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ أَمَّا وَقْفُهَا فَلَا وَكَوْنُ هَذَا وَرَعًا لَا شَكَّ فِيهِ وَجَوَازُ أَخْذِهِ لَهُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِتَعَارُضِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْمَقْصُودِ مَعَ سُكُوتِ الْوَاقِفِ وَأَمَّا حُكْمُ الْقَاضِي لَهُ بِهِ فَلَا أَدْرِي لَهُ وَجْهًا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ قَبْلَ نَمَاءِ الْوَقْفِ وَزِيَادَتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ وَالْمُتَفَقِّهَةَ جِهَةٌ وَهُمْ لَا يَنْحَصِرُونَ فَالْوَقْفُ عَلَيْهِمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ وَقَدْ زَادَ فِيهِمْ هُنَا وَصْفُ كَوْنِهِمْ مُشْتَغِلِينَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَهُوَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ أَيْضًا فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ فِيهَا وَصْفٌ عَامٌّ مَا مِنْ فَقِيهٍ أَوْ مُتَفَقَّهٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ إلَيْهَا وَيَشْتَغِلَ بِهَا فَهُوَ حِينَئِذٍ وَقْفٌ عَلَى جِهَةٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ هُنَا سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ فَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمَدْرَسَةِ ثَلَاثَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ صَرَفَ النَّاظِرُ مَعْلُومَ الطَّائِفَتَيْنِ إلَيْهِمْ النِّصْفَ لِهَؤُلَاءِ وَالنِّصْفَ لِهَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ السِّتَّةِ وَلَا أَنْ يَنْقُصَ كُلَّ ثَلَاثَةٍ عَنْ النِّصْفِ وَلَهُ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ الثَّلَاثَةِ فَيَقْسِمَ النِّصْفَ بَيْنِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا يَرَاهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى السِّتَّةِ وَلَا لَهُ أَنْ يَصْرِفَ لِغَيْرِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا. وَإِنْ وُجِدَ بِهَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةٍ صَرَفَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ أَيْضًا كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ إلَّا اثْنَانِ أَوْ وَاحِدٌ صَرَفَ إلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمَدْرَسَةِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةٍ: ثَلَاثَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنْ انْحَصَرُوا وَجَبَ الصَّرْفُ إلَى الْجَمِيعِ مَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى الْعِشْرِينَ أَمَّا وُجُوبُ الصَّرْفِ إلَى الْجَمِيعِ إذَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى الْعِشْرِينَ فَكَأَصْنَافِ

стр. 568

الزَّكَاةِ إذَا انْحَصَرُوا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ؛ وَأَمَّا امْتِنَاعُ الصَّرْفِ الزَّائِدِ عَلَى الْعِشْرِينَ فَلِمَا قَالَهُ الْوَاقِفُ وَهَلْ نَقُولُ إذَا زَادُوا عَلَى الْعِشْرِينَ يَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلزَّائِدِ فَقَطْ أَوْ إلَى الْجَمِيعِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ فِي الْعُرْفِ لَا مِنْ جِهَةٍ وَهَذَا أَضْعَفُ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا فِيهِمْ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا بِهِ وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ الرِّفْقَ بِهِمْ وَقِلَّةَ الشَّغَبِ وَالْغَلَطِ بَيْنَهُمْ لِيُكْثِرَ اشْتِغَالَهُمْ وَفَائِدَتَهُمْ؛ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهَا جَمَاعَةٌ لَا يَنْحَصِرُونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْحَالَّةِ فَالصَّرْفُ إلَى الزَّائِدِ عَلَى الْعِشْرِينَ مُمْتَنِعٌ وَالصَّرْفُ إلَى سِتَّةٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالصَّرْفُ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ السِّتَّةُ إلَى تَمَامِ الْعِشْرِينَ إذَا جَوَّزْنَا الصَّرْفَ إلَى الْعِشْرِينَ فِي الْحَالَّةِ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ النَّاظِرِ كَالصَّرْفِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْفُقَرَاء إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا مِنْ الزَّكَاةِ وَالْأَوْقَافِ وَإِنَّمَا حَمَلَنَا وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِينَ لَا يَنْحَصِرُونَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى الْعِشْرِينَ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا شَرَطَ أَنْ يَكُونُوا عِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ عَلَى عِشْرِينَ وَبَيْنَ قَوْلِنَا وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَشَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى عِشْرِينَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ لَيْسَ بِالْخَفِيِّ؛ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ نَمَاءِ الْوَقْفِ وَزِيَادَتِهِ وَعِنْدِي بَعْضُ تَوَقُّفٍ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ صِنْفَيْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ أَنْ يُصْرَفَ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فَقَدْ يُقَالُ الْفَقِيهُ أَكْثَرُ اسْتِحْقَاقًا مِنْ الْمُتَفَقِّهِ. فَإِذَا اسْتَوَى أَفْرَادُ كُلِّ صِنْفٍ وَسَوَّى بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ أَلْزَمَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَكِنِّي لَمْ آلُو عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّدَقَاتِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَبَقِيَّةِ أَصْنَافِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ حَاجَةً مِنْ الْآخَرِ وَعَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ مُخْتَلِفَةً فَلَا نَجْزِمُ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ أَكْثَرُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمُتَّفِقَةِ فَالْأَوْلَى التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ وَأَنَّ تَفْوِيضَ الصَّرْفِ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْرَادِ لَا فِي الْأَصْنَافِ كَالزَّكَاةِ. وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ إلَى هَذَا الْجِنْسِ مَقْسُومًا نِصْفَيْنِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ أَعْنِي الْفُقَهَاءَ وَالْمُتَفَقِّهَةَ؛ وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا يَجْعَلُ النُّظَّارُ بَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَنْزِلُونَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ النَّوْعَيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا وَعَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ فَتَارَةً يَكُونُونَ كُلُّهُمْ مُتَفَقِّهَةً وَتَارَةً يَكُونُونَ كُلُّهُمْ فُقَهَاءَ وَتَارَةً يَجْتَمِعُونَ مُسْتَوِيَيْنِ وَتَارَةً مُتَفَاوِتَيْنِ وَلَكِنْ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ النَّاظِرَ فِي لَك. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَفْرَادِ وَزِيَادَةُ الِاسْتِحْقَاقِ تَكُونُ إمَّا

стр. 569

لِزِيَادَةِ فِقْهٍ وَإِمَّا لِحَاجَةٍ وَإِمَّا لِعَائِلَةٍ وَإِمَّا لِدِينٍ وَإِمَّا تَقَدُّمِ هِجْرَةٍ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ لَا تُحْصَى وَعَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُرَجِّحَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّرْجِيحَ لَا بِالتَّشَهِّي وَلَا بِالْغَرَضِ بَلْ يَقْصِدُ الْحَقَّ وَمَعْرِفَةَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْجِيحِ وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رَاجَعَ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَفْضَلُ، لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ. يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ فِي مَقَادِيرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الِاسْتِحْقَاقَ وَأَسْبَابَهُ وَمِقْدَارَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ وَيُوَازِنَ بَيْنَهُمْ وَيُرَجِّحَ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ لَا بِمُقْتَضَى الْغَرَضِ وَالْإِجْحَافِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَمَتَى فَعَلَهُ كَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مَالِ الْوَقْفِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاقِفِ وَلَا الشَّرْعِ فَيَضْمَنُهُ وَلِمُسْتَحَقِّهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَتَضْمِينُهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ قَالَ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ رُبَّمَا كَانَ يُقَالُ إنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَخْتَارَ إلَّا مَا هُوَ قَدْرُ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ عَرَفَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِحَسْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ رَاجَعَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَعَمِلَ بِحَسَبِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَقَّفَ حَتَّى يَعْلَمَ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَيَّ اشْتِغَالٍ كَانَ بِالْعِلْمِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيهًا أَوْ مُتَفَقِّهًا فَلَا يُشْتَرَطُ قَدْرٌ فِي الِاشْتِغَالِ وَلَا نَوْعٌ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِهِ وَلَا إقَامَةٌ فِي الْمَدْرَسَةِ بَلْ لَوْ اشْتَغَلَ لَحْظَةً وَاحِدَةً بِهَا وَلَوْ فِي وَقْتِ الدَّرْسِ كَفَى فِي صِدْقِ هَذَا الِاسْمِ، وَلَا يَكْفِي حُضُورُ الدَّرْسِ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقِيهًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَوْقَاتٍ بِحَيْثُ يَصْدُقُ أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِهَا. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْإِقَامَةُ بِهَا وَالسُّكْنَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لَكِنْ لِكُلِّ فَقِيهٍ أَوْ مُتَفَقَّهٍ الْإِقَامَةُ بِهَا وَالسُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لِمَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَلَا مُتَفَقَّهٍ السُّكْنَى بِهَا وَلَا الْإِقَامَةُ لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَهَكَذَا الْمُدَرِّسُ الشَّافِعِيُّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُعَيَّنَ أَمْ نَسْلَهُ أَمْ غَيْرَهُمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ أَهْلِيهِمْ لَهُ الْإِقَامَةُ بِهَا وَالسُّكْنَى وَكَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ وَالْقَيِّمُ غَيْرُ الْفُقَهَاءِ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ وَحِرْمَانُ مَعْمُولٌ بِهِ إذَا كَانَ الْمَذْكُورُونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَحْرِمَ بَعْضَهُمْ وَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا مَحْصُورِينَ حَيْثُ يَحْرِمُ مَنْ زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وُجُوبًا وَمَنْ زَادَ عَلَى السِّتَّةِ جَوَازًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ حَيْثُ لَا يَكُونُونَ مَحْصُورِينَ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) الْمُعِيدُ وَاحِدٌ

стр. 570

مِنْ الْفُقَهَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْوَاقِفُ وَلَيْسَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ رُتْبَةً. وَأَذْكُرُ هُنَا شَيْئًا ذَكَرْته الْآنَ لَمْ أَذْكُرْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الْمُتَفَقِّهَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُبْتَدِئُ فَيَكُونُ قَسِيمَ الْفَقِيهِ وَعَلَيْهِ بَنَيْنَا الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ صِنْفَيْنِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَمَّا تَفَقَّهْنَا مُتْنَا، فَالْفِقْهُ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَمَا مِنْ فَقِيهٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَا قَارَبَهُ إلَّا وَتَعْرِضُ لَهُ مَسَائِلُ يَشِيبُ مِنْهَا وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَفَقَّهُ، فَبِهَذَا الِاصْطِلَاحِ يَكُونُ عَطْفُ الْمُتَفَقِّهِ عَلَى الْفُقَهَاءِ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايَرَةِ فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي اللَّفْظِ وَحِينَئِذٍ يَكْفِي ثَلَاثَةٌ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا سِتَّةً، وَيَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يُفَضِّلَ الْمُعِيدَ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ بِالْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبِكَوْنِهِ يُشْغِلُ الطَّلَبَةَ وَيَنْفَعُهُمْ فَإِنْ فَضَلَ عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ زَادَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ وَإِلَّا فَلَا يَزِيدُهُ إلَّا بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ الْمُعِيدِ أَكْثَرَ اسْتِحْقَاقًا مِنْ الْمُعِيدِ وَجَبَ تَفْضِيلُهُ عَلَى الْمُعِيدِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعِيدِ أَنْ يَأْخُذَ حَيْثُ لَا يَأْخُذُ الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَفَقِّهَةُ إلَّا بِوَصْفٍ يَزِيدُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ النَّاظِرُ قَدْ رَأَى ذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ إمَّا اجْتِهَادًا مِنْهُ وَإِمَّا تَقْلِيدًا لِمَنْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ وَأَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إلَى آخِرِهِ. يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِقَامَةِ كَوْنَهُ مُشْتَغِلًا بِهَا وَقْتَ الدَّرْسِ مَنْزِلًا بِهَا فَيُقْطَعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِعُ، وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِقَامَةِ السُّكْنَى لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَعَلَى هَذَا مَنْ يَشْتَغِلُ بِهَا وَلَيْسَ مُقِيمًا فِيهَا لَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ عَائِدًا إلَى الْمَعْلُومِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي وَقْفِ الْأَمَاكِنِ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ نَفْسِهَا عَلَيْهِمْ وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ مُتَقَارِبَانِ فَلِذَلِكَ لَا أُقْدِمُ عَلَى قَطْعِ أَحَدٍ مِنْ الْمَنْزِلَيْنِ بِهَا لِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَهُوَ قَوِيٌّ وَكَذَلِكَ لَا أُقْدِمُ عَلَى تَنْزِيلِ أَحَدٍ فِيهَا مِمَّنْ كَانَ يُقَدَّمُ لَهُ تَنْزِيلُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَخَرَجَ مِنْهَا وَلَا أُقْدِمُ عَلَى إعَادَتِهِ إلَيْهَا وَلَا إلَى تَنْزِيلِهِ فِيهَا لِأَجْلِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَمَسُّكًا بِالْيَقِينِ وَطَرْحًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا أَوْرَدْته مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي قَوْلُ الْوَاقِفِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ الْمَقَامَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَالِاشْتِغَالَ بِهَا فَغَايَرَ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالِاشْتِغَالِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وُجِدَتْ زِيَادَةٌ أَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُقِيمَ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي النَّاظِرِ مُتَعَدِّيَةٌ فِي الْفُقَهَاءِ لَازِمَةٌ فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. (الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ)

стр. 571

إذَا وُجِدَ فِي ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ وَزِيَادَةٌ وَسَعَةٌ فَإِنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ كَمَا قَالَ الْوَاقِفُ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَلَهُ أَنْ يُبْقِيَ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيَصْرِفَ الزَّائِدَ إلَى مَنْ كَانَ يَصْرِفُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَضْمُومًا إلَى الْأَصْلِ. (الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) إذَا زَادَ فَهَلْ الزَّائِدُونَ كَمَنْ عَيَّنَهُمْ الْوَاقِفُ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلنَّاظِرِ قَطْعُهُمْ أَوْ لَا فَيَجُوزُ وَالْحَقُّ الثَّانِي لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَنْظُرْ إلَى عَدَدٍ وَإِنَّمَا نَظَرَ إلَى الْجِهَةِ وَحَجَرَ عَلَى النَّاظِرِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْعِشْرِينَ عِنْدَ عَدَمِ زِيَادَةِ الْوَقْفِ فَإِذَا زَادَ الْوَقْفُ زَالَ الْحَجْرُ وَزِيَادَتُهُ عَدَدًا يَصْرِفُهُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ إلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الْجِهَةُ الْعَامَّةُ وَالْعَدَدُ غَيْرُ مَنْظُورٍ لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا. (الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ يُقَدِّرُ مَا زَادَ مَعْنَاهُ أَنَّ الزَّائِدَ يَجْعَلُهُ لِلزَّائِدَيْنِ الَّذِينَ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا يَنْحَصِرُونَ فِي عَدَدٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مَا زَادَ قَدْرَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْدَ أَنَّ مَا كَانَ يَحْصُلُ لِلْعِشْرِينِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ مُسْتَمِرًّا لَا يُنْقَصُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ حَتَّى لَا يَضِيقَ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يُقَرِّرَ مَا زَادَ بِالزَّائِدِينَ وَالْأَصْلُ بِالْعِشْرِينَ فَإِنْ سَفِهَ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ مَا يَقْتَضِيهِ بَلْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْجَمِيعَ وَقْفًا وَاحِدًا. مِثَالُهُ كَانَ الْأَصْلُ مِائَةً وَالزَّائِدُ مِائَةً فَلَهُ خَلْطُهَا وَيَصْرِفُ مِائَةً لِلْعِشْرِينَ الْأَصْلِيَّةِ وَمِائَةً لِمَنْ زَادَهُ عِشْرِينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُعَيَّنْ مَعْلُومَ الْفُقَهَاءِ وَلَا ذَكَرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَدْرًا مَعْلُومًا بَلْ جَمِيعُ الْفَاضِلِ لَهُمْ وَلِلْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ وَإِذَا زَادَ جَعَلَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِمْ فَيَجْعَلَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الْعِشْرِينَ وَيَكُونَ بِقَدْرِ الزَّائِدِ مَعَ كَوْنِ الْجَمِيعِ وَقْفًا وَاحِدًا مِنْهُ قَدْرُ الزَّائِدِ لِلزَّائِدَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْأَصْلِ أَمْ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالْبَاقِي لِلْأَصْلِيِّينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إذَا زَادَ بِقَدْرِهِ يَحْصُلُ الْجَمِيعُ لِلْجَمِيعِ وَإِنْ نَقَصَ يُعَالِهِمْ الْأَوَّلِينَ عَمَّا كَانَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ وَالْأَوْلَى الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَصُ مَعْلُومُ عِشْرِينَ عَنْ الَّذِي كَانَ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) أُجْرَةُ النَّاظِرِ وَالْكُلَفُ اللَّاحِقَةُ لِلْوَقْفِ الْأَوَّلِ وَالْقَيِّمِ وَالْمُؤَذِّنِ وَثَمَنُ الْمِشْمِشِ وَالْبِطِّيخِ وَعِمَارَةُ الْمَدْرَسَةِ وَمَصَالِحِهَا وَعِمَارَةُ الْأَمَاكِنِ الْمَوْقُوفَةِ فِي الْأَوَّلِ كُلُّهَا مِنْ الْأَصْلِ يَخْتَصُّ بِهِ نَصِيبُ الْعِشْرِينَ وَاَلَّذِي زَادَ جَمِيعُهُ يَخْتَصُّ بِهِ الزَّائِدُونَ إلَّا إنْ كَانَ وَقْفًا آخَرَ وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ أَوْ كُلَفٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يُصْرَفُ مِنْهُ إلَى الْعِشْرِينَ شَيْءٌ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) الْوَاقِعُ أَنَّ الْوَقْفَ نَمَا وَزَادَ وَاتَّسَعَ فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ قَطْعًا. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْوَقْفِ فِي زَمَنِ الْوَاقِفَةِ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّحْرِيرِ مَأْنُوسٌ مِنْهُ فَهَلْ نَقُولُ إذَا شَكَكْنَا فِي الزَّائِدِ هَلْ

стр. 572

هُوَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ أَوْ زَائِدٌ عَلَيْهَا مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ أَوْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ الزِّيَادَةَ وَشَكَكْنَا فِي الْمَنْعِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا جَازَ التَّنْزِيلُ بِلَا ضَابِطٍ لَهُ إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُ النَّاظِرِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَأَكْثَرَ أَجْرًا لِلْوَاقِفِ فَقَدْ يَأْتِي شَخْصٌ فَقِيهٌ جَيِّدٌ فَقِيرٌ لَا يَجِدُ مَلْجَأً فَيَكُونُ تَنْزِيلُهُ أَكْثَرَ أَجْرًا وَأَوْلَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْزَلِينَ وَإِنْ نَقَصَ مِنْ مَعْلُومِهِمْ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ تَنْزِيلَ مِثْلِ هَذَا لَا يَجُوزُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَقَدْ يَأْتِي شَخْصٌ فِيهِ غِنًى وَلَا فَضِيلَةَ طَائِلَةَ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْعُ الطَّلَبَةِ فَتَنْزِيلُ مِثْلِ هَذَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ فَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَقُولُ إنَّ تَنْزِيلَهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ لَا لَفْظَ مِنْ الْوَقْفِ وَلَا دَلِيلَ مِنْ الشَّرْعِ يَمْنَعُ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ صَرْفُ تِلْكَ الْمَعَالِيمِ إلَى الْأَوَّلِينَ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) تَرْتِيبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلَاثٍ كَمَا هُوَ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَغَيْرِهَا إنْ كَانَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ كَمَا فِي الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ فَهُوَ مُتَّبَعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَصْرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» فَإِذَا كَانَ فَقِيهٌ فِي طَبَقَةِ عِشْرِينَ وَفَقِيهٌ فِي طَبَقَةِ ثَلَاثِينَ وَفَقِيهٌ بَيْنَهُمَا فَوْقَ الْأَوَّلِ وَدُونَ الثَّانِي إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا تَنْزِيلٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَنْزِلَتِهِ فَهُوَ مُخَالِفُ الْحَدِيثِ فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمَا إذْ هِيَ مَنْزِلَتُهُ فَمَنَازِلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَقَلِّ الْأَجْزَاءِ إلَى أَكْثَرِهَا وَعَلَى النَّاظِرِ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) لَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يُعَيَّنَ لِكُلِّ فَقِيهٍ مَعْلُومًا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ الْمُغَلُّ أَقَلَّ مِنْ مَعْلُومِ الْجَمِيعِ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْوَاقِفُ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا فَإِنْ تَرَكَهُ النَّاظِرُ لِذَلِكَ وَنَزَلَ جُمْلَةٌ وَجَاءَ وَقْتُ الْمَغَل وَقَسَمَهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كُلِّ سَنَةٍ فَهَذَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَإِنْ عَيَّنَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَدْرًا عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ جَاءَ الرِّيعُ أَقَلَّ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ وَإِنْ جَاءَ أَكْثَرَ رُدَّ الزَّائِدُ عَلَيْهِمْ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ أَوْ نَزَلَ عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ عَلَى مَا يَرَاهُ. (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) أَخْبَرَنِي النَّاظِرُ أَنَّ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدِّينِ الْقُونَوِيَّ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي أَيَّامِ الْمَرْحُومِ تَنْكُزَ كَانَ رَأْيُ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً وَأَنْ تَكُونَ طَبَقَاتُهُمْ كَطَبَقَاتِ الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ وَهَذَا الَّذِي رَآهُ حَسَنٌ أَوْلَى مِمَّا هِيَ الْآنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَدْرَسَتَيْنِ مَنْسُوبَتَانِ إلَى وَاحِدَةٍ وَالْبَرَّانِيَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَمَّا أُطْلِقَتْ فِي الْجُوَّانِيَّةِ أَرَادَتْ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَتْ طَبَقَاتُهُمْ كَطَبَقَاتِ الْبَرَّانِيَّةِ وَكَانُوا مِائَةً كَانَ الْوَقْفُ يَكْفِيهِمْ فِي غَالِبِ السِّنِينَ فِي السِّعْرِ الْمُعْتَدِلِ وَقَدْ قَدَّمْت أَنَا مَا فِي الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ فَأَنَا أُوَافِقُهُ فِي كَوْنِهِمْ

стр. 573

مِائَةً أَوْ أَكْثَرَ وَلَا أُوَافِقُهُ فِي حَصْرِ الطَّبَقَاتِ فِي ثَلَاثٍ. (الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ) شَاعَ فِي الشَّامِ جَعْلُ شَخْصٍ نَائِبَ الْفُقَهَاءِ وَيَأْخُذُ مَعْلُومَهُ عَنْ النِّيَابَةِ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا إنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ يَأْخُذُونَ مَعْلُومَهُمْ كَامِلًا كَمَا فِي الشَّامِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ وَكِيلٌ وَأُجْرَةُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْوَقْفِ الَّذِي لَا حَقَّ فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ بَعْدَ أَخْذِ مَعْلُومِهِمْ لَا يَجُوزُ وَقَدْ قَدَّرَتْ الْوَاقِفَةُ لِلْفُقَهَاءِ مَعْلُومًا فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الشَّامِيَّةُ الْجُوَّانِيَّةُ فَلَمْ تُقَدِّرْ لِلْفُقَهَاءِ مَعْلُومًا وَالنَّاظِرُ قَدْ عَيَّنَ فَإِنْ جَعَلَ جَامَكِيَّةَ نَائِبِ الْفُقَهَاءِ زِيَادَةً فِي مَعْلُومِ الْفُقَهَاءِ وَرَضُوا هُمْ بِدَفْعِهَا لِنَائِبِهِمْ أُجْرَةً جَازَ وَيُقَدَّرُ كَأَنَّهُمْ قَبَضُوهَا وَدَفَعُوهَا إلَيْهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ فِي حَلِّ تَنَاوُلِ نَائِبِ الْفُقَهَاءِ الْأُجْرَةَ أَحَدُهَا تَقْرِيرُ النَّاظِرِ نَظِيرَهَا لِلْفُقَهَاءِ زِيَادَةً عَلَى الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ لَهُمْ وَالثَّانِي رِضَاهُمْ بِذَلِكَ وَيَدْفَعُهَا إلَى النَّائِبِ وَالثَّالِثُ تَقْرِيرُ قَبْضِهِمْ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ هَلْ يَكْفِي تَقْدِيرُ الْقَبْضِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضٍ حَقِيقِيٍّ حَتَّى يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِمْ ثُمَّ يَصْرِفُونَهُ لَهُمْ، وَبِدُونِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ عَلَى فُقَهَاءَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ وَالْحَصْرُ إنَّمَا جَاءَ عَارِضًا بَعْدَ التَّعْيِينِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْحَاكِمُ يُعَيِّنُهُ نَائِبًا عَنْ الْجِهَةِ كَالْعَامِلِ فِي الزَّكَاةِ وَيَكُونُ النَّاظِرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ فِي الزَّكَاةِ فَيَسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ النَّائِبُ جُزْءًا مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْفُقَهَاءُ وَلَا يَجِبُ وَلَا وُصُولُ ذَلِكَ الْمَالِ إلَيْهِمْ بَلْ يَأْخُذُهُ بِتَقْدِيرِ الْحَاكِمِ كَمَا يَأْخُذُ الْعَامِلُ فِي الزَّكَاةِ نَصِيبَهُ وَيَكُونُ لِلْفُقَهَاءِ الْبَاقِي كَمَا لِبَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ بَاقِي الزَّكَاةِ، وَلَا يَضُرُّ انْحِصَارُهُمْ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ كَمَا إذَا انْحَصَرَ الْفُقَهَاءُ فَإِنَّ الْعَامِلَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، هَذَا نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي تَحْرِيرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُنْدَفِعٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ نَائِبُ الشَّرْعِ وَالزَّكَاةُ مَدْفُوعَةٌ لِلشَّرْعِ لَا لِلْأَصْنَافِ بِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ نَائِبَ الْفُقَهَاءِ مُعِينٌ لِلنَّاظِرِ أَوْ مُخَاصِمٌ لَهُ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ ضَعْفِ النَّاظِرِ أَوْ خَلَلٍ فِيهِ يَقْتَضِي ضَمَّ مُشْرِفٍ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَائِبَ الْفُقَهَاءِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى نَائِبِ الْفُقَهَاءِ وَحَيْثُ يَكُونُ النَّاظِرُ سَالِمًا عَنْ الْقَدْحِ وَالضَّعْفِ وَالْإِبْدَالُ شَيْءٌ آخَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ يَوْمَ الْأَحَدِ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ انْتَهَى. (فَتْوَى مِنْ حَلَبَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) رَجُلٌ وَقَفَ مَدْرَسَةً وَشَرَطَ نَظَرَهَا لِثَلَاثَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ ثُمَّ إلَى بَنِي أَبِيهِمْ ثُمَّ إلَى بَنِي وَالِدِ أَبِيهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ لَا يَخْرُجُ النَّظَرُ عَنْهُمْ مَا دَامَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ وَكَذَلِكَ التَّدْرِيسُ لَا يُعْدَلُ بِهِ إلَى سِوَاهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ

стр. 574

وَالتَّدْرِيسِ فَوَّضَ النَّظَرَ وَالتَّدْرِيسَ إلَيْهِ وَلِكُلِّ مَنْ آلَ إلَيْهِ النَّظَرُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى الْأَرْشَدِ الْأَصْلَحِ مِمَّنْ ذَكَرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِمَنْ يَصْلُحُ مِنْ نَسْلِ زَيْدٍ وَمَتَى عَادَ وَنَشَأْ لَهُمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ وَالتَّدْرِيسِ أُعِيدَ إلَيْهِ؛ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُشَارَكَةُ مَنْ يَئُولُ إلَيْهِ النَّظَرُ وَالتَّدْرِيسُ بَلْ يَنْفَرِدُ بِهِ وَلَا يُعْدَلُ بِهِ إلَى سِوَاهُ وَشَرَطَ أَنَّ الْمُدَرِّسَ هُوَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ النَّاظِرُ فَآلَ النَّظَرُ إلَى شَخْصٍ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ يَصْلُحُونَ لِلْوَظِيفَتَيْنِ فَعَيَّنَ شَخْصًا مِنْهُمْ لِلتَّدْرِيسِ وَاسْتَمَرَّ يُبَاشِرُ النَّظَرَ وَيُفِيدُ التَّدْرِيسَ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّاظِرُ مَعَ وُجُودِ الْمُدَرِّسِ وَالْجَمَاعَةِ الصَّالِحِينَ لِلنَّظَرِ وَالتَّدْرِيسِ فَهَلْ يَنْفَرِدُ الْمُدَرِّسُ بِالنَّظَرِ أَوْ يُشَارِكُهُ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ وَهَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُسْنِدَ النَّظَرَ إلَى غَيْرِ الْمُدَرِّسِ؟ (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْضَرَ كِتَابُ الْوَقْفِ فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَا يُرْشِدُ إلَى الْمُرَادِ وَأَمَّا هَذَا الَّذِي نُقِلَ مِنْهُ وَحْدَهُ فَفِيهِ تَدَافُعٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِفْتَاءِ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى شَرْحِ الْجَمِيعِ. أَمَّا شَرْطُهُ النَّظَرَ لِثَلَاثَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ يَسْتَحِقُّونَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ يَسْتَحِقُّهُ بَنُو أَبِيهِمْ ثُمَّ بَنُو وَالِدِ أَبِيهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي هَاتَيْنِ الطَّبَقَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ الطَّبَقَةِ بَلْ إذَا كَانَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ صَالِحُونَ لِلنَّظَرِ اشْتَرَكُوا فِيهِ هَكَذَا فِي بَنِي الْأَبِ حَتَّى يَنْقَرِضُوا ثُمَّ فِي بَنِي وَلَدِ الْأَبِ وَنَسْلِهِمْ حَتَّى يَنْقَرِضُوا وَيَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّدْرِيسِ هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي الْوَظِيفَتَيْنِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْوِيضٍ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْشَدِ بَلْ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّشِيدُ وَالْأَرْشَدُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ وَالتَّدْرِيسِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ لِلْوَاحِدِ بَيْنَ الْوَظِيفَتَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فَإِنْ " مَنْ " صِيغَةٌ صَالِحَةٌ لِلْوَاحِدِ وَمَا فَوْقَهُ وَقَوْلُهُ فَوَّضَ مَعْنَاهُ جَمَعَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَفْوِيضٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ أَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ وَاحِدٍ يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ عَدَمَ التَّعَدُّدِ، وَأَرَدْت أَنْ أَقُولَ بِهِ وَأَجْعَلَ قَوْلَهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ رَاجِعًا إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَنِي الْأَبِ وَبَنِي وَلَدِ الْأَبِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى مَجْمُوعِ النَّظَرِ وَالتَّدْرِيسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَا يَصْلُحُ لَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: الْأَرْشَدِ إشَارَةً إلَى النَّظَرِ، وَالْأَصْلَحِ إشَارَةً إلَى التَّدْرِيسِ؛ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَرِّسَ هُوَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ النَّاظِرُ، لَكِنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ دَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى اشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي النَّظَرِ وَالتَّدْرِيسِ عِنْدَ الْأَهْلِيَّةِ سَوَاءٌ أَحَصَلَ تَفْوِيضٌ أَمْ لَمْ يَحْصُلْ. فَهَذَا مَوْضِعٌ مِنْ مَحَلِّ التَّدَافُعِ وَحِرْمَانُ بَعْضِهِمْ بِهَذَا الْمَفْهُومِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ لَا أَرَى بِهِ؛ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ " وَلَيْسَ لِأَحَدٍ

стр. 575

مُشَارَكَةُ مَنْ يَئُولُ إلَيْهِ النَّظَرُ وَالتَّدْرِيسُ بَلْ يَنْفَرِدُ بِهِ وَلَا يُعْدَلُ بِهِ إلَى سِوَاهُ " عُمُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ طَبَقَتِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ لَا مِمَّنْ يَصْلُحُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْعُمُومِ يُدَافِعُ الْعُمُومَ الْمُتَقَدِّمَ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بَلْ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ فَلَا يَنْدَفِعُ بِهَذَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ، مَعَ احْتِمَالِ هَذَا الثَّانِي لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِصِفَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ طَبَقَتِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَقَوْلُهُ وَشَرْطُ أَنَّ الْمُدَرِّسَ هُوَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ النَّاظِرُ ظَاهِرٌ انْحِصَارُ الْمُدَرِّسِ فِي الْمُعَيَّنِ فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ، وَاللَّفْظُ الْمُتَقَدِّمُ يَقْتَضِي الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّعْيِينِ لَكِنْ هَذَا الشَّرْطُ يَظْهَرُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ فَيَفْتَقِرُ الْمُدَرِّسُ إلَى تَعْيِينِ النَّاظِرِ وَخُصِّصَ بِهِ ذَلِكَ الْعُمُومُ الْمُتَقَدِّمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّدْرِيسِ وَبِمُقْتَضَى هَذَا أَقُولُ إنَّ النَّاظِرَ الْمَذْكُورَ إذَا مَاتَ مَعَ وُجُودِ الْمُدَرِّسِ لَا يُفْرَدُ الْمُدَرِّسُ بِالنَّظَرِ بَلْ يُشَارِكُهُ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ وَلِذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوا الْمَيِّتَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ هَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُسْنِدَ النَّظَرَ إلَى غَيْرِ الْمُدَرِّسِ فَقَدْ قَالَ الْوَاقِفُ لِكُلِّ مَنْ آلَ النَّظَرُ إلَيْهِ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى الْأَرْشَدِ وَالْأَصْلَحِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَجَعَلْنَا ذَلِكَ إشَارَةً إلَى مَجْمُوعِ التَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْ إشَارَةً إلَى النَّظَرِ وَحْدَهُ وَالْمُدَرِّسِ وَحْدَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَكُلُّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يُسْنِدُ إلَى الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبُ مُسْتَحَقُّونَ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ تَفْوِيضٍ فَأَيْش فَائِدَةُ التَّفْوِيضِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ إلَّا شَيْئًا وَاحِدًا فَالْأَوْلَى مَنْعُ الْإِسْنَادِ إلَى الْمُدَرِّسِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَحُصُولُ النَّظَرِ بِالشَّرْطِ وَالتَّفْوِيضِ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوْلِيَةِ فِي الْحَيَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ أَكْتُبْ ذَلِكَ لِلْمُسْتَفْتِي بَلْ كَتَبْت أَنِّي أَحْتَاجُ إلَى نَظَرِي فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَإِنْ لَمْ أَجِدْ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُدَرِّسَ لَا يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ وَيُشَارِكُهُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُسْنِدَ النَّظَرَ لَا إلَى الْمُدَرِّسِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ فِيهِ تَدَافُعٌ فَقَدْ يَكُونُ بِالْوُقُوفِ عَلَى كِتَابِ الْوَقْفِ يَظْهَرُ مِنْ آخِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى. (فُتْيَا مِنْ صَفَدَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ) وَقَفَ بِلَبَانِ الْجَوِّ كَنْدَار الْأَشْرَفِيُّ الْمَنْصُورِيُّ مَسْجِدًا وَأَوْقَافًا عَلَى مَصَالِحِهِ ثُمَّ يُصْرَفُ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ حَافِظٍ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ أَهْلٍ لِلْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ يَؤُمُّ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَيُقِيمُ الْخُطْبَةَ أَيَّامَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَا مَبْلَغُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سَبْعَةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَاسْتَثْنَى النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَلِوَصِيِّهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أَوْ انْقَطَعَ فَلِلْأَرْشَدِ مِنْ عَقِبِهِ عَقِبًا بَعْدَ عَقِبٍ

стр. 576

تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى فَإِذَا انْقَرَضُوا فَلِنَائِبِ السَّلْطَنَةِ بِصَفَدَ وَقَبِلَهُ مِنْهُ قَابِلٌ جَازَ قَبُولُهُ ثُمَّ بَعْدَ تَمَامِ هَذَا الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ أَشْهَدَ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ فَوَّضَ وَظِيفَتَيْ الْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ لِشِهَابِ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ صَارِمِ الدِّينِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَكَّارِي أَيَّامَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ مِمَّنْ كَانَ أَهْلًا، وَاسْتَنَابَهُ عَنْهُ فِي النَّظَرِ عَنْهُ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَلِجَمِيعِ ذَلِكَ شَهِدَ بِتَارِيخِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الرَّابِعِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَمَاتَ الْفَقِيهُ الْمَذْكُورُ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أَهْلٍ فَبَاشَرَهُمَا ثُمَّ كَبِرَ الصَّغِيرُ وَصَارَ أَهْلًا وَقَصَدَ مُطَالَبَةَ أَخِيهِ بِالتَّشْرِيكِ فَلَمْ يُوَافِقْهُ فَهَلْ لَهُ مَنْعُهُ وَهَلْ لَهُ أَيْضًا اسْتِقْلَالُهُ بِالْوَظِيفَتَيْنِ وَهَلْ لِلصَّغِيرِ مُطَالَبَتُهُ بِالتَّشْرِيكِ؟ (الْجَوَابُ) تَفْوِيضُ الْخَطَابَةِ وَالْإِمَامَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ النَّظَرِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ، وَقَوْلُهُ إلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ، وَقَوْلُهُ اسْتَنَابَهُ فِي النَّظَرِ عَنْهُ فِي الْوَقْفِ لَا يَقْتَضِي الْوَصِيَّةَ بَلْ هِيَ اسْتِنَابَةٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَا تَتَعَدَّى إلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، هَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَلَكِنْ مَا بَقِيت أَكْتُبُ عَلَى الْفَتْوَى لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ أَحَدٌ عَلَى الْخَطِيبِ الْمُسْتَقَرِّ فَيَنْزِعَهَا مِنْهُ وَكَتَبْت أَنَّ الشَّرْطَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي صَارَ أَهْلًا سَوَاءٌ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مُشَارَكَةُ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ فَإِنَّ هَذَا إنْ جُعِلَ شَرْطًا فِي أَهْلِ الْوَقْفِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ فَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا فَيَجُوزُ تَوْلِيَتُهُمَا وَتَوْلِيَةُ أَحَدِهِمَا وَتَوْلِيَةُ آخَرَ غَيْرِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ لِرَجُلٍ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ يُصَلِّي بَعْضَ الشَّهْرِ أَوْ شَهْرًا كَامِلًا وَيُصَلِّي آخَرُ بَعْضَهُ أَوْ شَهْرًا آخَرَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ الصَّرْفُ إنَّمَا هُوَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ عَنْ الْوَظِيفَةِ الَّتِي قَامَ بِهَا فِي شَهْرٍ أَوْ بَعْضِ الشَّهْرِ فَاَلَّذِي هُوَ الْمَصْلَحَةُ وَعَدَمُ قَطْعِ رِزْقِ الْأَوْلَادِ وَهُوَ وَفَاءٌ بِمَا قَصَدَهُ الْوَاقِفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا وَلَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (فَتْوَى فِي مَدْرَسَةِ الْقُدْسِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) الِاسْتِفْتَاءُ الْمَسْنُونُ مِنْ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ إبَانَةُ الْحَقِّ عَمَّا يُذْكَرُ مِنْ شَرْطِ وَاقِفٍ وَقَفَ مَدْرَسَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ وَقَالَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ عَلَى أَنَّ الْمُدَرِّسَ الْمُرَتَّبَ لَهَا يُبَاكِرُ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ لِلْحُضُورِ فِي مَوْضِعِ الدَّرْسِ وَجَمْعِ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَيَبْدَءُوا بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ

стр. 577

هُنَاكَ وَالْجَمَاعَةُ لَهُ ثُمَّ يَشْفَعُ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ لِلْوَاقِفِ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ فِي ذِكْرِ الدَّرْسِ مَذْهَبًا وَخِلَافًا وَأُصُولًا وَمَا شَاءَ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ يَنْهَضُ كُلُّ مُعِيدٍ مَعَ أَصْحَابِهِ الْمُرَتَّبِينَ مَعَهُ فَيُعِيدُ عَلَيْهِمْ مِنْ الدُّرُوسِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ مَذْهَبًا وَالْخِلَافِ إنْ كَانَ خِلَافًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَلَيْهِمْ الْحُضُورُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِإِعَادَةِ الدُّرُوسِ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَذْكُرُ فِيهِ الدُّرُوسَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُدَرِّسِ وَعَلَيْهِ ذِكْرُ الْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ إنْ طُلِبَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَّا فِي أَيَّامِ الْبَطَالَةِ الْمُعْتَادَةِ هَذَا لَفْظُ الْوَاقِفِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُدَرِّسَ أَنْ يَذْكُرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عِدَّةَ دُرُوسٍ مِنْ جَمِيعِ الْعُلُومِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَاقِفُ وَغَيْرِهَا أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إلَّا ذِكْرُ الْمَذْهَبِ فَقَطْ وَذِكْرُ الْخِلَافِ إنْ طُلِبَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ الْخِيَارُ فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ وَهَلْ يَلْزَمُ كُلَّ مُعِيدٍ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَنْ يُعِيدَ دَرْسًا كَامِلًا مِنْ الدُّرُوسِ الَّتِي يُعَيِّنُهَا الْمُدَرِّسُ لَهُ وَتَكُونُ " مِنْ " فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ عَمَلًا بِعُمُومِ مَا فِي قَوْلِهِ مِنْ الدُّرُوسِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِعَادَةِ الدُّرُوسِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَمْ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ دَرْسٍ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُعِيدِ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى إعَادَةِ بَعْضٍ مِنْ دَرْسِ الْفِقْهِ مَثَلًا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. وَيُسْتَحَقُّ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوطُ لَهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْوَاقِفُ ﵀ قَدْ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُشَارِفِ لِلْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ تَفْرِيقُ الْمُشَاهِرَةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُقِيمِينَ بِالْمَكَانِ وَبِحُضُورِ الْمُدَرِّسِ أَوْ نَائِبِهِ فَإِذَا فَرَّقَهَا أَحَدٌ حَطَّ الْمُدَرِّسَ أَوْ نَائِبَهُ بِذَلِكَ وَالْمُعِيدِينَ وَالْأَعْيَانَ بِالْقَدْرِ الْمُنْفَقِ فِيهِمْ وَيُطَالِعُ النَّاظِرَ فِي الْمَكَانِ بِالْحَاصِلِ مِنْ مُسْتَخْرَجِ كُلِّ شَهْرٍ بَعْدَ الْإِنْفَاقِ يَعْمَلُ أَوْرَاقًا يَأْخُذُ عَلَيْهَا خَطَّ الْمُدَرِّسِ أَوْ نَائِبِهِ وَالْأَعْيَانِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُعِيدِينَ. فَهَلْ يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ فِي الْوَقْفِ مَوْقُوفًا عَلَى إذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعِيدِينَ وَأَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ وَمُرَاجَعَتِهِ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ وِلَايَةُ اسْتِرْفَاعِ الْحِسَابَاتِ مِنْ الْمُبَاشِرِينَ فِيمَا دَقَّ وَجَلَّ مِنْ أَمْرِ الْوَقْفِ كَمَا يَرْفَعُ لِلنَّاظِرِ أَمْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سِوَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ عَلَى قَدْرِ الْمُنْفَقِ فِيهِمْ وَعَلَى قَدْرِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْحَاصِلِ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَقَالَ الْوَاقِفُ ﵀ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَيْضًا بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ فِيهِ مِنْ الْمُبَاشِرِينَ مِنْ الْمُشَارِفِ وَالْجَابِي وَالْمِعْمَارِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ رَأَى النَّاظِرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ فِي تَوْفِيرِ مَصْلَحَتِهَا وَزِيَادَةِ رِيعِهَا وَحِفْظِهِ إلَى زِيَادَةٍ مُسْتَحْدَثَةٍ فَعَلَ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُ هَذَا لَفْظُ الْوَاقِفِ ﵀، وَكَانَ فِيهِ قَرْيَتَانِ تُسْتَغَلُّ أَرْضُهُمَا عَلَى الْعَادَةِ فَحَكَرَتْ كُرُومًا بِأَسْمَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةِ نَفَرٍ

стр. 578

وَأَزْيَدَ فَرَأَى النَّاظِرُ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى مُبَاشِرٍ ثَانٍ مَعَ الْمُشَارِفِ لِضَبْطِ وَقْفِهَا وَمُحَاسِبَةِ مَنْ بِهِ وَاسْتِخْرَاجِ رِيعِهِ فَرَتَّبَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ وَجَعَلَ لَهُ دُونَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَنَفَّذَ ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ مِنْ السُّلْطَانِ وَنَائِبِهِ وَحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ. فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ أَمْ لَا وَهَلْ لِلْمُبَاشِرِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ أَمْ لَا؟ يُبَيِّنُ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الْحَقَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُدَرِّسِ ذِكْرُ الدَّرْسِ كُلَّ يَوْمٍ وَأَمَّا الْخِلَافُ فَإِنْ طُلِبَ مِنْهُ تَعَيَّنَ أَيْضًا وَأَمَّا الْأُصُولُ فَلَا يَتَعَيَّنُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ لِذِكْرِ الْوَاقِفِ لَهُ فَيَنْبَغِي ذِكْرُهُ وَلَا يَجِبُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عِلْمًا رَابِعًا أَوْ أَكْثَرَ وَتَعْيِينُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ. وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تُفَوَّضُ إلَى رَأْيِهِ وَالْوَاجِبُ الْمَذْهَبُ فَقَطْ وَالْخِلَافُ مَعَهُ إنْ طُلِبَ وَبِغَيْرِ طَلَبٍ لَا يَجِبُ وَلَا يَلْزَمُهُ ذِكْرُ عِدَّةِ دُرُوسٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُدَرِّسَ الْمُرَتَّبَ لَهَا يُبَاكِرُ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ شَرْطًا عَلَى الْمُدَرِّسِ بَلْ هُوَ بَيَانُ الْوَقْفِ وَأَنَّ الْمَدْرَسَةَ جُعِلَتْ لِذَلِكَ فَأَخْذُ نِصْفِ الدَّرْسِ الَّذِي جَعَلَتْ الْمَدْرَسَةُ لَهُ بِأَنَّ الْمُدَرِّسَ يُبَاكِرُ إلَى الْحُضُورِ فِي مَوْضِعِ الدَّرْسِ وَجَمْعُ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْحُضُورِ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُدَرِّسِ بَلْ الْجَامِعُ لِلْجَمَاعَةِ غَيْرُهُ إمَّا النَّقِيبُ وَإِمَّا هُمْ مِنْ نَفْسِهِمْ فَيَجْتَمِعُونَ لِأَجْلِ الْمُدَرِّسِ وَحُضُورُهُ وَبَاعِثٌ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَرِّسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُضُورِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيَحْتَمِلُ احْتِمَالًا ثَالِثًا أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَوْضِعِ الدَّرْسِ. وَقَوْلُهُ وَيَبْدَءُوا ذَكَرَهُ مَنْصُوبًا بِحَذْفِ النُّونِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَصْدَرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَهُمَا الْحُضُورُ وَالْجَمْعُ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَالْبُدَاءَةُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْجَمَاعَةُ لَهُ مَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَى طَائِلٌ وَلَوْلَا كِتَابَةُ يَبْدَءُوا بِوَاوٍ وَأَلِفٍ كُنْت أَقُولُ إنَّ الْمَعْنَى يَبْدَأُ الْمُدَرِّسُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْجَمَاعَةُ بِهِ وَتَكُونُ الْبَاءُ طَالَتْ فَصَارَتْ لَامَا، وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَشْفَعُ أَيْ الْمُدَرِّسُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى يُبَاكِرُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُدَرِّسُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَلَا يُفَوِّضُ الدُّعَاءَ إلَى غَيْرِهِ كَمَا عَادَةُ أَكْثَرِ الدُّرُوسِ وَإِنْ كَانَ إذَا دَعَا غَيْرُهُ وَأَمَّنَ هُوَ كَانَ دَاعِيًا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى التَّبَادُرِ إلَى الْفَهْمِ مِنْ غَرَضِ الْوَاقِفِ؛ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَشْرَعُ عَطْفٌ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ مَذْهَبًا وَخِلَافًا وَأُصُولًا مَنْصُوبَاتٌ عَلَى التَّمْيِيزِ وَالْمَعْنَى وَقَفَ الْمَدْرَسَةَ لِهَذَا الْقَصْدِ مِنْ مُبَاكَرَةِ الْمُدَرِّسِ إلَى الْحُضُورِ لِيَجْمَعَ الْجَمَاعَةَ عِنْدَهُ وَيَقْرَءُوا جَمِيعُهُمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيَدْعُو الْمُدَرِّسُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الدَّرْسِ الَّذِي

стр. 579

هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْخِلَافُ وَالْأُصُولُ وَمَا شَاءَ الْمُدَرِّسُ. فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الَّذِي وُقِفَتْ لَهُ الْمَدْرَسَةُ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ فَقَدْ حَصَلَتْ الصُّورَةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودُ الْمَدْرَسَةِ كَامِلَةً وَإِذَا فَاتَ شَيْءٌ مِنْهَا فَقَدْ يَكُونُ مُخِلًّا بِالصُّورَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَقَدْ تَحْصُلُ الصُّورَةُ مَعَهُ وَلَكِنْ فِيهَا نَقْصٌ عَنْ صُورَةِ الْكَمَالِ، وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ يُتَلَقَّى مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِتَنْصِيصِ الْوَاقِفِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا وَالْخِلَافُ إنْ طُلِبَ إمَّا بِالضَّرُورَةِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا الْوَاقِفُ وَهِيَ دَرْسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالدُّعَاءُ لِلْعُرْفِ وَلِلْقَصْدِ الصَّحِيحِ مِنْ الْوَاقِفِينَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُعْظَمُ غَرَضِهِمْ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ عَلَى الْمُدَرِّسِ، وَانْتِصَابُ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الدَّرْسُ وَاحِدًا مَوْصُوفًا بِالثَّلَاثَةِ لَيْسَ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ دُرُوسٍ، وَقَوْلُهُ وَمَا شَاءَ مِنْ الْعُلُومِ مَعْطُوفٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَلَوْ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ وَاجِبَةً كَانَ يَجِبُ رَابِعٌ وَيُفَوَّضُ تَعْيِينُهُ إلَى خِيَرَتِهِ لَكِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ بَلْ الْوَاجِبُ بَعْضُهَا وَلَوْ تَعَيَّنَ الْمَذْهَبُ عُرْفًا وَشَرْطًا لَكِنَّا نَقُولُ الْكُلُّ مُفَوَّضٌ إلَى خِيَرَتِهِ عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَعِلْمُهُ قَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى أَعْجَبَنِي عِلْمُ زَيْدٍ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَمَا شِئْت مِنْ الْعُلُومِ قَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ مَا شِئْت مُطْلَقًا لَكِنَّ الْمَذْهَبَ يَتَعَيَّنُ شَرْطًا وَعُرْفًا وَالْبَقِيَّةُ الْمُصَرَّحُ بِأَسْمَائِهَا مَقْصُودَةٌ ظَاهِرًا. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ إنْ طُلِبَ يَعُودُ عَلَى الْخِلَافِ وَلَا يَعُودُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ جَمِيعًا لِأَفْرَادِهِ وَلَوْ عَادَ إلَيْهِمَا كَانَ مُثَنًّى؛ وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ ذِكْرٌ وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَذْهَبِ أَيْضًا مَشْرُوطًا بِالطَّلَبِ لَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخِلَافَ أَقْرَبُ وَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْأَقْرَبِ أَوْلَى وَالثَّانِي إنَّ وَضْعَ الْمَدْرَسَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَذْكُرْ فَاتَتْ صُورَةُ الدَّرْسِ ذِكْرًا وَعُرْفًا، وَمِنْ وَظَائِفِ الْمُدَرِّسِ أَنْ يُرَتِّبَ لِكُلِّ مُعِيدٍ جَمَاعَةً يُعِيدُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَ " مِنْ " فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ مِنْ الدُّرُوسِ لِلتَّبْعِيضِ وَفِي قَوْلِهِ مِنْ الْمَذَاهِبِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِ كَوْنِ الْأُولَى لِلتَّبْعِيضِ وُجُوبُ ذِكْرِ عِدَّةٍ مِنْ الدُّرُوسِ، بَلْ التَّبْعِيضُ مَحْمُولٌ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّبْعِيضِ مِنْ الدُّرُوسِ الَّتِي يَتَّفِقُ ذِكْرُهَا أَوْ مِنْ الدُّرُوسِ الْمَعْلُومَةِ فِي الذِّهْنِ الَّتِي تُذْكَرُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا وَالْمُعِيدُونَ يُعِيدُونَ مَا يُذْكَرُ مِنْهَا، وَكُلُّ مُعِيدٍ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ إمَّا مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِمَّا مِنْ الْخِلَافِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ ذِكْرُ الْجَمِيعِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ هَلْ يَلْزَمُ كُلَّ مُعِيدٍ أَنْ يُعِيدَ

стр. 580

دَرْسًا كَامِلًا إنْ أَرَادَ إذَا ذَكَرَ الْمُدَرِّسُ مَذْهَبًا وَخِلَافًا وَأُصُولًا يَلْزَمُ كُلَّ مُعِيدٍ إعَادَةُ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ لِتَصْرِيحِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُعِيدَ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ فَقَطْ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُعِيدَ الْمَذْهَبِيَّ مَثَلًا إعَادَةُ جَمِيعِ دُرُوسِ الْمُدَرِّسِ الْمَذْهَبِيِّ فَيَعُمُّ وَلَكِنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي ذَلِكَ إذَا أَغْفَلَ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَضْبِطُهُ كُلَّهُ وَيَشُقُّ ذَلِكَ جِدًّا لَا وَهُوَ إنَّمَا يُعِيدُ لِلْفُقَهَاءِ مَا يَحْتَمِلُونَهُ؛ وَقَدْ تَقْصُرُ أَذْهَانُهُمْ عَنْ ذِكْرِ كُلِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُدَرِّسُ مِمَّا فَهِمَهُ الْمُعِيدُ وَقَدْ يَذْكُرُ الْمُدَرِّسُ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْمُعِيدُ فَالْمَقْصُودُ إعَادَةُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِهِ. وَقَوْلُ السَّائِلِ وَتَكُونُ " مِنْ " فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا وَقَوْلُهُ لِإِعَادَةِ الدُّرُوسِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لَا نَتَمَسَّكُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِإِعَادَةِ الدُّرُوسِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إعَادَةُ ذِكْرِ الدُّرُوسِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ تُرْشِدُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَالْقَرِينَةُ مَعْلُومَةٌ مِنْ لَفْظِ الْوَاقِفِ وَمِنْ الْفَرْقِ وَمِنْ الْمَعْنَى، وَقَالَ قَوْلُهُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِصَدَدِهِ بَلْ هُوَ وَظِيفَةٌ فَالْمُدَرِّسُ يُعَلِّمُ الْمُعِيدِينَ وَالْمُعِيدُونَ يُعَلِّمُونَ مَنْ دُونَهُمْ أَيْ الْمُبْتَدِئِينَ وَلَا يُعَلَّمُ كُلُّ وَاحِدِ إلَّا عَلَى قَدْرِ ذِهْنِهِ مَنْ يَتَعَلَّمُ (؟) كُلَّ مَا النَّاسُ يَفْهَمُونَهُ، وَفِي هَذَا الْمَحَلِّ يَسْمَحُ بِبَعْضِ مَا يُعْلَمُ لِاحْتِمَالِ الْإِغْفَالِ وَالنِّسْيَانِ، نَعَمْ الَّذِي هُوَ فِي مَحَلِّ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَلَمْ يَغْفُلْ عَنْهُ وَلَا يَنْسَى لَا يَتَسَامَحُ بِتَرْكِهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ حَالِيَّةٍ تَعْرِضُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُعِيدِ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى إعَادَةِ بَعْضٍ مِنْ دَرْسِ الْفِقْهِ مَثَلًا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ يُمْتَحَنُ بِالضَّابِطِ الَّذِي لَيْسَ مَالِكَهُ فَإِنَّهُ تَارَةً يَبْرَأُ وَتَارَةً لَا يَبْرَأُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ فِي الْمُشَارِفِ: وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ إلَى آخِرِهِ، لَا يَلْزَمُهُ بِهِ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ فِي الْوَقْفِ مَوْقُوفًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ؛ وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ وِلَايَةُ اسْتِرْفَاعِ الْحِسَابِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سِوَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ؛ وَإِذَا رَأَى النَّاظِرُ احْتِيَاجَهَا إلَى مُبَاشِرٍ ثَانٍ مَعَ الْمُشَارِفِ فَرَتَّبَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلِلْمُبَاشِرِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ الَّتِي قُرِّرَتْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (فُتْيَا مِنْ تِيزِينَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ) وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ ذُكُورٍ وَشَرَطَ فِيهِ فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَادَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ أَبَدًا ذُكُورِهِمْ دُونَ إنَاثِهِمْ لَا يُشَارِكُ الْبَطْنُ الثَّانِي الْبَطْنَ الْأَوَّلَ فَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ عَادَ نَصِيبُهُ إلَى إخْوَتِهِ وَأَوْلَادِ إخْوَتِهِ ذُكُورِهِمْ دُونَ إنَاثِهِمْ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا فَإِذَا

стр. 581

مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ذَكَرٍ كَانَ عَائِدًا إلَى بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَخَلَّفَ بِنْتًا وَوَلَدَ بِنْتٍ ذَكَرًا تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهَا الْمَذْكُورِ وَلِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى وَخَلَّفَ أَوْلَادَ أَخِيهِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَلِمَنْ يَكُونُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّ الْوَقْفَ لِلْبِنْتِ وَلِوَلَدِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورِ وَلِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ أَوْلَادٌ هَلْ لَهُمْ نَصِيبٌ مَعَ أُمِّهِمْ فِي حَيَاتِهَا أَمْ لَا؟ (الْجَوَابُ) نَصِيبُ الْمُتَوَفَّى الْمَذْكُورِ بَيْنَ بِنْتِهِ الْمُتَوَفَّاةِ فِي حَيَاتِهِ وَابْنَيْ بِنْتِهِ الْبَاقِيَةِ أَثْلَاثًا بِالسَّوِيَّةِ، وَحَيَاةُ الْأُمِّ لَا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ وَلَدَيْهَا، وَلَا شَيْءَ لَهَا وَلِأَوْلَادِ الْأَخِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (فُتْيَا مِنْ حَلَبَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ) وَقَفَ مَدْرَسَةً وَشَرَطَ النَّظَرَ فِيهَا إلَى يُوسُفَ ثُمَّ إلَى جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ مِنْ قَبِيلَةٍ بِعَيْنِهَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ مَا دَامَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ وَكَذَلِكَ التَّدْرِيسُ لَا يُعْدَلُ بِهِ إلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ فَوَّضْنَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَإِلَى مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَرِّسُ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ مِمَّنْ أَحْكَمَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ بِحَيْثُ صَارَ أَهْلًا لَأَنْ يُعْمَلَ بِفُتْيَاهُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْقَبِيلَةِ أَحَدٌ أَحْكَمَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَلْ يُوَلَّى غَرِيبٌ أَوْ يُخْتَارُ الْأَصْلَحُ مِنْ الْقَبِيلَةِ؟ . (الْجَوَابُ) إنْ أَمْكَنَ اشْتِغَالُ الْفُقَهَاءِ وَحْدَهُمْ بِحَيْثُ تَقُومُ صُورَةُ الْمَدْرَسَةِ بِدُونِ الْمُدَرِّسِ فَلَا يُوَلَّى الْمُدَرِّسُ فِي هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى يَشْتَغِلَ بَعْضُ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ أَوْ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ وَيُحْكِمَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فَيُوَلَّى وَيُصْرَفُ مَعْلُومُ التَّدْرِيسِ فِي مُدَّةِ تَعَطُّلِهِ، إنْ اقْتَضَى شَرْطُ الْوَاقِفِ رَدَّهُ عَلَى الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَظَائِفِ رُدَّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اشْتِغَالُ الْفُقَهَاءِ إلَّا بِالْمُدَرِّسِ وُلِّيَ لَهُمْ مُدَرِّسٌ أَحْكَمَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ يَنْشَأَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَوْ الْقَبِيلَةِ مَنْ هُوَ مُحْكِمٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَيُفَوَّضُ إلَيْهِ وَيَزُولُ ذَلِكَ الْغَرِيبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (فَتْوَى مِنْ سِرْمِينَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ وَكَذَا نَسْلٍ أَوْ عَقِبٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ

стр. 582

مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فَتُوُفِّيَ بَعْضُ الْمُسْتَحَقِّينَ صَغِيرًا وَلَهُ إخْوَةٌ لِأَبِيهِ وَابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ فَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى ابْنِ أَخِيهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ ابْنُ الْأَخِ الْمَذْكُورِ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ شَقِيقِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ أَوْ يَشْتَرِكُ مَعَهُ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وُلِدَ لِأَخِ الشَّقِيقِ الْمَذْكُورِ ابْنٌ هُوَ أَخُو الْمَيِّتِ الثَّانِي وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ هَلْ يَعُودُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ إلَى هَذَا الْمَوْلُودِ أَوْ يَكُونُ تَأَخُّرُ وِلَادَتِهِ مَانِعًا لِاسْتِحْقَاقِهِ. (الْجَوَابُ) الْأَرْجَحُ أَنَّ هَذَا النَّصِيبَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لِمَأْخَذَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوهُ بِالْوَقْفِ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَادِ الَّتِي هُمْ مِنْهَا وَزَاحَمَهُمْ فِيهَا أَخُوهُمْ ثُمَّ ابْنُ أَخِيهِ ثُمَّ زَالَ وَلَمْ يَكُنْ مُزَاحِمٌ آخَرُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ، الْمَأْخَذُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ لِابْنِ أَخِيهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ سَاعَةَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَخُوهُ حَيًّا وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الَّذِي يَفْهَمُهُ النَّاسُ غَالِبًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَحِينَئِذٍ هُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنْ تَرْتِيبِ الْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٍ لِأَحَدِ مُحْتَمَلَيْهَا وَهُوَ تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْوَقْفِ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْئًا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَقْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا فَصَّلَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ الَّذِي كَانَ لَهُ حِينَ كَانَ يَصِيرُ الْآنَ لِوَلَدِهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَنَصِيبُ مَنْ مَاتَ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَيَكُونُ الْآنَ لِابْنِ أَخِيهِ الْأَقْرَبِ وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ يُقَامُ الْحُكْمُ الَّذِي لَوْ سَكَتَ عَنْ تَفْصِيلِهِ لَمْ يَكُنْ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا الَّذِي مَاتَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِ عَمِّهِ الْمُتَوَفَّى وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ الْبَاقِينَ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِمْ مَوْجُودًا فَهَذَانِ مَأْخَذَانِ يَحْتَمِلَانِ لِاسْتِحْقَاقِ مَنْ بَقِيَ هَذَا النَّصِيبَ الْمُتَوَفِّرَ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ الْأَرْجَحُ، وَيَحْتَمِلُ فِي مُقَابِلِهِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَنْقَطِعُ وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ الْآنَ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ ثَلَاثَةُ مَآخِذَ وَلَا يُحْتَمَلُ فِي مُقَابَلَةِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ احْتِمَالًا آخَرَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ابْنُ أَخٍ آخَرَ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ بِأَقْرَبَ وَيَكُونُ الْآنَ أَقْرَبَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ عَلَى الْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَأْخَذِ الْمَذْكُورِ لِأَجْلِ اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ الْمُتَوَفَّى وَتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بِالْأَقْرَبِيَّةِ وَقَدْ قَالَ: الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَالْفَاءُ تَقْتَضِي تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ هُوَ الْأَقْرَبَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ ابْنِ الْأَخِ الْمُتَوَفَّى أَعْنِي إذَا كَانَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ حِينَ مَوْتِهِ لَهُ وَكَذَا ابْنَا أَخٍ أَحَدُهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ بِأَنْ

стр. 583

يَكُونَ ابْنَ شَقِيقِهِ وَالْآخَرُ ابْنَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ فَاسْتِحْقَاقُهُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا، وَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا أَعْرِفُ نَقْلًا فِيهِ وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْمَوْتِ، وَهَذَا أَكَادُ أَقْطَعُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الْمِيرَاثِ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهِ بِحَالِ الْمَوْتِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ بَعْدِ الْمَيِّتِ مَنْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ مَوْتِهِ لَوَرِثَ وَعِنْدِي فِيهِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ أَعْيَانٌ قَدْ اسْتَحَقَّهَا مَنْ كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَمَنَعَ غَيْرَهُ مِنْهَا. وَهَذَا مَنَافِعُ لَهَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ قَدْ يُقَالُ بِأَنَّهُ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَى كُلِّهَا ابْنُ أَخٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا قُلْنَا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَقِلُ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ هَلْ يُصْرَفُ لِمَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ لَا فَشَذَّ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ لَا يُصْرَفُ فَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا الْأُولَى. وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى مَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لِلْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَالْجِهَةُ لَا يُرَاعَى فِيهَا ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ فِي ابْنِ الْأَخِ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ أَقُولُ إنَّ الْمِيرَاثَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا مَا هُوَ جِهَةٌ تُحْصَرُ كَالْفُقَرَاءِ فَلَا نَظَرَ إلَى أَفْرَادِهِمْ وَيُصْرَفُ لِمَنْ تَجَدَّدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْوَقْفِ قَطْعًا وَالْوَقْفُ إنَّمَا جُعِلَ غَالِبًا لِذَلِكَ وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَقُولُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُمَا عِنْدَئِذٍ حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَيْثُ لَا فَقِيرَ فِي الدُّنْيَا بَلْ يُتَوَقَّعُ وُجُودُهُ يَصِحُّ وَيُحْفَظُ حَتَّى يَتَجَدَّدَ. وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مَا هُوَ جِهَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَالْأَوْلَادِ فَقَدْ جَعَلُوهُمْ وَاشْتَرَطُوا وُجُودَهُمْ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمْ إرَادَةُ أَعْيَانِهِمْ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ بِهِ أَوْ عَدَمِهِ تَخْصِيصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ ثُمَّ تَجَدَّدَ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ يَكُنْ نَصَّ عَلَى دُخُولِهِ وَلَا عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُ جِهَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يُرَاعُوا فِيهِ حُكْمَ الْجِهَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَيْضًا سَبِيلُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ دُخُولِهِ حَمْلُ الْوَقْفِ عَلَى الْمَعْهُودِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْعُمُومُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ أَوْ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْوَصْفِ دُونَ الْعَهْدِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجِهَةَ الْمُتَوَقَّعَةَ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا تَجْوِيزُ الْوَقْفِ عَلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى وَنَحْوِهِ فَلَوْ وَقَفَ شَخْصٌ عَلَى أَوْلَادِ أَخِيهِ وَلِأَخِيهِ أَوْلَادٌ دَخَلُوا فَلَوْ تَجَدَّدَ لَهُ ابْنُ أَخٍ أَنْ يَدْخُلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهَذَا مِثْلُهُ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنْ يُجْعَلَ ضَابِطٌ فِي ذَلِكَ كَمَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى تَأْيِيدِ أَصْلِهِ مِمَّا مَنْفَعَتُهُ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَقْصُودِ وَالْوَاقِفِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ

стр. 584

الْأَفْرَادُ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَلَى الْأَوْلَادِ وَإِنْ كَانُوا دُونَ قَرِينَةِ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ ذَلِكَ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ عِنْدَ حَالَةِ الِاسْتِحْقَاقِ إمَّا حَالَةَ الْوَقْفِ وَإِمَّا عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ كَمَوْتِ بَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا يُصْرَفُ لِقَرِينَةٍ اعْتِبَارًا بِالْإِرْثِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا وَقَالَ لَهُ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ يُشْتَرَى بِهِ رِيعٌ أَوْ أَرْضٌ وَتُوقَفُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ وَصَرَّحَ الدَّافِعُ بِمُرَادِهِ قَبْلَ الدَّفْعِ وَذَكَرَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدَقَةً جَارِيَةً فَهَلْ يَخْرُجُ هَذَا الْمَالُ عَنْ مِلْكِ الدَّافِعِ بِنَفْسِ الدَّفْعِ أَمْ لَا وَهَلْ يَنْقَطِعُ بِصَرْفِ الدَّافِعِ بِوَجْهِ نَظَرٍ أَمْ لَا وَإِذَا قَالَ الدَّافِعُ يُصْرَفُ بَعْضُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مُنَجَّزًا هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ يَضْمَنُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ حَتَّى يَتَهَيَّأَ الْمُشْتَرَى عَامًا وَأَكْثَرَ فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَا وَهَلْ يَصِحُّ وَقْفُ ذَلِكَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ وَهَلْ يَصِيرُ الْمُشْتَرَى وَقْفًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إنْفَاقِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَهَلْ يَصِحُّ وَقْفُ ذَلِكَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَا وَإِذَا أَقَامَ الْمَالُ أَحْوَالًا لَمْ يُؤَدِّ لَهُ زَكَاةً ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ فَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ أَمْ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْمَالِ إذَا مَاتَ الدَّافِعُ أَوْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ مَقَالٌ أَمْ لَا وَهَلْ يَحْتَاجُ بَعْدَ الشِّرَاءِ إلَى تَوْكِيلِ هَذَا الدَّافِعِ فِي إنْفَاقِ هَذَا الْمَالِ أَوْ بَعْضِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَمْ لَا وَهَلْ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ شَيْئًا إذَا كَانَ فَقِيرًا أَمْ لَا؟ (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الدَّفْعِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَأَمَّا انْقِطَاعُ تَصَرُّفِ الدَّافِعِ وَنَظَرِهِ عَنْهُ فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ يَشْتَرِي بِهِ وَيُوقَفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ وَإِذَا قَالَ الدَّافِعُ " يُصْرَفُ بَعْضُ ذَلِكَ الْمَالِ مُنَجَّزًا عَلَى الْفُقَرَاءِ " بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ مَا يُوقِفُهُ؛ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِحَيْثُ لَا يُنَاقِضُ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ كَقَوْلِهِ يَشْتَرِي بِبَعْضِهِ وَيَصْرِفُ بَعْضَهُ أَوْ يَقُولُ يَشْتَرِي بِهِ إلَّا كَذَا فَيَصْرِفُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيُتَّبَعُ وَبِدُونِ هَذَا لَا يَجُوزُ وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ حَيْثُ قُلْنَا لَا يَجُوزُ ضَمِنَ سَوَاءٌ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الدَّافِعِ أَمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحَيْثُ قُلْنَا يَجُوزُ لَا يَضْمَنُ إذَا فَعَلَهُ بِالْإِذْنِ، وَتَعْيِينُ الدَّافِعِ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ جُزْءًا مِنْ الْمُشْتَرَى مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ كَتَعْيِينِهِ جُزْءًا مِنْ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا عَلَى وَجْهٍ لَا يُنَافِي كَلَامَهُ الْأَوَّلَ فَيُقْبَلُ أَوْ لَا فَلَا يُقْبَلُ وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ الْكَلَامِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ بِحَيْثُ لَا يُنَاقِضُ وَإِذَا بَقِيَ الْمَالُ بِيَدِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ سِنِينَ حَتَّى يَتَهَيَّأَ مَا يَشْتَرِي بِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَأَمَّا جِهَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الدَّافِعُ غَيَّرَ أَصْلَ كَلَامِهِ

стр. 585

إلَّا أَنَّهُ وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وعبرت طرب (؟) فِيهِ وَجْهُ الْقُرْبَةِ كَأَنْوَاعِ التَّوَكُّلِ بِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا كُلُّ مَا فِيهَا مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَقَارِبُ الْوَاقِفِ كَمَا «قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْرُحَاءَ إنَّهَا صَدَقَةٌ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاك اللَّهُ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَارِبِهِ وَقَضَى لَهُ» . وَأَمَّا جَعْلُهُ وَقْفًا عَلَى جِهَةِ الْأَغْنِيَاءِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَصَدَقَةً لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْعُرْفِ فِي قَوْلِهِ جَعَلْتُ هَذَا صَدَقَةً لَا يَشْمَلُهُ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا صَحَّ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ التَّمْلِيكِ لَا لِظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي نَفْسِهِ قُرْبَةً وَلَا يَصِيرُ الْمُشْتَرَى بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَقْفًا لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ إمَّا مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بِإِذْنِ الدَّافِعِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِمَا حَيْثُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِحُّ وَقْفُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الدَّافِعِ أَوَّلًا مَا يَدْفَعُهُ إذَا أَقَامَ أَحْوَالًا فَقَدْ قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِذَا مَاتَ الدَّافِعُ أَوْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ وَلَا لِلْغُرَمَاءِ مَقَالٌ فِي طَلَبِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَرْفَعُوا الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لِيَطْلُبَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَقْفَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْحَاكِمُ بِطَرِيقِهِ وَسَوَاءٌ الْمَدْفُوعُ وَوَقْفُهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِذْنِ فَإِنْ أَذِنَ الدَّافِعُ فِيهِمَا مَعًا فَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ الشِّرَاءِ إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ فِي الْوَقْفِ وَإِنْ أَذِنَ فِي الشِّرَاءِ فَقَطْ فَيَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ آخَرَ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَيَكُونُ الْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ أَمَانَةً حَتَّى يُطْلَبَ مِنْهُ أَوْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيمَا يَفْعَلُ بِهِ، وَإِذَا وَقَفَ مَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَوْصُوفِينَ بِصِفَةٍ تِلْكَ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهُ بِإِذْنِ النَّاظِرِ، وَالنَّاظِرُ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ الدَّافِعُ عَيَّنَهُ فِي أَصْلِ كَلَامِهِ فَيُشْتَرَطُ حَالَ الْوَقْفِ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَالنَّظَرُ لِلْحَاكِمِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْمُوصِي عَقَارًا وَيُوقِفَهُ عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا تَنْقَطِعُ فَاشْتَرَى الْوَصِيُّ عَقَارًا وَاسْتَغَلَّهُ سِنِينَ وَلَا وَقَفَهُ عَلَى الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ لِوَارِثِ الْمُوصِي الرَّشِيدِ رَفْعُ الْوَصِيِّ إلَى الْحَاكِمِ وَإِلْزَامُهُ بِوَقْفِ الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا وَهَلْ يَسْتَحِقُّ غَلَّةَ الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَيَرْجِعُ

стр. 586

بِهَا عَلَى الْوَصِيِّ أَوْ يَكُونُ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَيَصِيرُ الْكُلُّ وَقْفًا أَمْ لَا؟ (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ وَإِلْزَامُهُ بِوَقْفِ الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ وَيَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ غَلَّةَ الْعَقَارِ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَقْفِ إلَّا مِنْ حِينِ الْوَقْفِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ عَلَى الطُّنُبَا ثُمَّ أَوْلَادِهِ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ وَتَتَارٍ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَنْسَالِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الطُّنُبَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ فَالْأَقْرَبُ وَانْتَهَى الْوَقْفُ إلَى أَحْمَدَ بْنِ تَتَارَ الْمَذْكُورَةِ وَانْفَرَدَ بِهِ فَوُلِدَ لَهُ مُحَمَّدٌ وَاَلَّتِي وَسَفْرَى ثُمَّ وُلِدَ لِمُحَمَّدٍ سُتَيْتَةُ وَعَائِشَةُ وَأَمَةُ الرَّحِيمِ وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ عَنْ بَنَاتِهِ الثَّلَاثِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ عَنْ بِنْتَيْهِ وَبَنَاتِ ابْنِهِ فَهَلْ نَصِيبُهُ لَبِنْتَيْهِ فَقَطْ أَوْ لَهُمَا وَلِبَنَاتِ ابْنِهِ؟ . (أَجَابَ) هُنَا مُقَدِّمَاتٌ إحْدَاهَا هَلْ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاةِ الْأَوْلَادِ وَلَكِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَا يَصِيرُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ آبَائِهِمْ؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِشُمُولِ اللَّفْظِ وَعُمُومِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ فَكَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي الْمَوْجُودِينَ حِينَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِي فَإِذَا دَلَّ يَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا تَخْصِيصُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِأَنْ يَخْرُجَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ الْأَوْلَادِ عَنْ شُمُولِ لَفْظِ الْأَوْلَادِ لَهُ، وَالثَّانِي تَقْيِيدُ الْوَقْفِ بِأَنْ لَا يَصِيرَ وَلَدُ الْوَلَدِ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَلَدِ مُنْدَرِجًا فِي الْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ وَفَاةِ الْوَلَدِ وَهُمَا اعْتِبَارَانِ مُتَغَايِرَانِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَذْهَبَ إلَى هَذَا التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَدْفَعَهُمَا وَيَذْهَبَ إلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاةِ الْأَوْلَادِ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَقْفَ شَامِلٌ لَهُمْ وَمُقْتَضٍ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ وَلَهُ شَرْطٌ إذَا وُجِدَ عَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ انْطَوَتْ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ إحْدَاهَا أَنَّ كُلَّ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلُونَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ وَمُرَادِهِ أَوْ لَا؟ (وَالثَّانِيَةُ) هَلْ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ مَوْقُوفٌ عَلَى انْقِرَاضِ آبَائِهِمْ أَوْ لَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ

стр. 587

فَهَلْ يُقَالُ إنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَوْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ آبَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْهُ الْقَوِيُّ فِيهِ. (الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ) التَّرْتِيبُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ لَفْظَةِ " ثُمَّ " ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُصْرَفَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْقَرِضَ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ؛ وَهُوَ مَوْضُوعُ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى تَأَخُّرَ مُسَمَّى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَنْ مُسَمَّى الْأَوْلَادِ وَمَجْمُوعِهِمْ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَلَيْسَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ فِي لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. (الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ) إنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ بَاقِيهِمْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِينَ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَوْ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ لَا يَتَأَتَّيَانِ فِيمَا إذَا مَاتَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ بَاقِيهِمْ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِينَ وَالْفَرْقُ أَنَّ مُسَمَّى الْوَلَدِ بَاقٍ، وَالْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْجِهَةِ وَالْجِهَةُ صَادِقَةٌ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ فَلِذَلِكَ لَا نَقُولُ بِالِانْقِطَاعِ وَلَا بِالِانْتِقَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَبَلَغَنِي أَنَّ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رِوَايَةً أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَيُحْمَلُ التَّرْتِيبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَهِيَ كَالْوَجْهِ الَّذِي عِنْدَنَا فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ الَّذِي أَوْضَحْنَاهُ نَعَمْ لَوْ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ كَتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ هُنَا قَدْ قَوِيَ جَانِبُ الْأَعْيَانِ وَضَعُفَ جَانِبُ الْجِهَةِ وَلَوْ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثٌ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَهَذَا الْفَصْلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَثَلَاثَةِ أَوْقَافٍ فَهُنَا يَضْعُفُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ وَاحِدٌ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِينَ وَيَقْوَى الْقَوْلُ بِأَنَّ نَصِيبَهُ يُنْقَلُ إلَى الْفُقَرَاءِ. (الْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ) تَرْتِيبُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَوْلَادِ تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَتَرْتِيبُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ تَارَةً يُرَادُ بِهِ تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْعٍ مُتَرَتِّبًا عَلَى أَصْلِهِ، فَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْأَفْرَادُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْجُمْلَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ تَرْتِيبُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مِثَالُهُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْقَرِضَ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ وَمِثَالُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبُ أَصْلِهِ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ وَاسِطَةٌ مِثَالُهُ أَنْ يُرَادَ تَرْتِيبُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنُصُّ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْتَقِلُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ نَصِيبٌ قَدْ اسْتَحَقَّهُ وَمَاتَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهِ فَلَا يَدْخُلُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ

стр. 588

وَإِنْ كَانَ لَوْ قَالَ تَرْتِيبُ كُلِّ فَرْعٍ عَلَى أَصْلِهِ لَدَخَلَ وَإِذَا دَارَ لَفْظٌ حُمِلَ بَيْنَ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهَا فَلِقَائِلٍ أَنْ يُرَجِّحَ هَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثَ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ فَكُلُّ مَا قَرُبَ مِنْهَا أَوْلَى. (الْمُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ) لَفْظُ النَّصِيبِ ظَاهِرٌ فِي الْمُسْتَحَقِّ الْمُتَنَاوَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْوَقْفِ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ الْحَاجِبُ لَتَنَاوَلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعْنِي الْوَلَدَ لَوْ زَالَ الْحَاجِبُ لَاسْتَحَقَّ قِسْطًا فَذَلِكَ نَصِيبٌ إمَّا بِالْقُوَّةِ فَقَطْ وَإِمَّا بِالْفِعْلِ، وَتَنَاوُلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى شَرْطٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا قُلْنَا إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ) قَدْ يَقُولُ وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَقَدْ يَقُولُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَفِي الصِّيغَةِ الْأُولَى الضَّمِيرُ فِي أَوْلَادِهِمْ لِأَوْلَادِ زَيْدٍ وَهَلْ يَنْدَرِجُ أَوْلَادُهُمْ فِي الظَّاهِرِ عَوْدًا عَلَى لَفْظِ الْأَوْلَادِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُرَادِ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ انْدَرَجَ أَوْلَادُهُمْ فِي الضَّمِيرِ وَأَمَّا الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَأْتِي فِيهَا الِاحْتِمَالُ بَلْ تَشْمَلُ جَمِيعَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ سَوَاءٌ أُدْخِلَ آبَاؤُهُمْ فِي الْوَقْفِ أَوْ لَا لِصِدْقِ اسْمِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا بَعْدَ زَوَالِ مَنْ يَحْجُبُهُمْ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ يُقَالُ بِحَجْبِ الْأَعْمَامِ لَهُمْ فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ. (الْمُقَدِّمَةُ الثَّامِنَةُ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ " يَعُودُ عَلَى مَنْ قُلْنَا إنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْوَقْفِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وِفَاقًا وَاحْتِمَالًا فَمَنْ جَزَمْنَا بِدُخُولِهِ هُنَاكَ جَزَمْنَا بِدُخُولِهِ هُنَا وَمَنْ تَرَدَّدْنَا بِدُخُولِهِ هُنَاكَ تَرَدَّدْنَا فِي دُخُولِهِ هُنَا. (الْمُقَدِّمَةُ التَّاسِعَةُ) أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ إلَى آخِرِهِ هُوَ كَالْوَقْفِ الْكَامِلِ يَجِبُ النَّظَرُ فِي صِيَغِهِ وَدَلَالَتِهِ كَمَا سَبَقَ. (الْمُقَدِّمَةُ الْعَاشِرَةُ) أَنَّهُ كُلُّ مَا أَدَّى إلَى قِلَّةِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ كَانَ أَوْلَى مِمَّا أَدَّى إلَى كَثْرَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْعَشْرَ فَنَقُولُ: أَحْمَدُ بْنُ تَتَارَ الْمُتَوَفَّى هُوَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الطُّنُبَا دَاخِلٌ فِي الْوَقْفِ بِلَا إشْكَالٍ يَشْمَلُهُمْ قَوْلُ الْوَاقِفِ: ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ أَيْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَحْمَدْ وَمُحَمَّدِ وَتَتَارَ وَهَاتَانِ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ تَتَارَ وَأَمَّا أَخُوهُمَا أَحْمَدُ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ وَالِدِهِ فَفِي دُخُولِهِ فِي الْوَقْفِ وَشُمُولِ الْوَقْفِ لَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ وَلَمْ نَجِدْ نَقْلًا يَعْتَضِدُ بِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُيُوخُنَا فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَقَدَّمْنَا مَا بَلَغَنَا عَنْ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ وَقَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَنْ لَا يَصْدُقَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَهُنَّ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ ثُمَّ أَنْسَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَنْسَالِ أَوْلَادِ

стр. 589

أَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ وَتَتَارَ؛ لِأَنَّهُنَّ نَسْلُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ تَتَارَ فَهُنَّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِنَّ فِي الْأَنْسَالِ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ انْدَرَجَ أَصْلُهُنَّ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا عَمَّاتُهُنَّ وَالنَّظَرُ فِي أَنَّهُنَّ حَاجِبَاتٌ لَهُنَّ أَوْ لَا وَالْمُحَقَّقُ مِنْ ثُمَّ حَجْبُ أُمِّهِنَّ وَأَمَّا حَجْبُ عَمَّاتِهِنَّ فَمُحْتَمَلٌ. وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ الْحَجْبُ وَعَدَمُ الْحَجْبِ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيُعَضِّدُهُ هُنَا أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَلْفَاظِ فِي قَوْلِهِ مَنْ مَاتَ مِنْهُنَّ وَيَدْخُلُ مِلْكُهُ مِنْ الْحَقِّ التَّقْدِيرِيِّ فِي قَوْلِهِ نَصِيبُهُ فَيَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلَى وَلَدِهِ فَهَذَانِ احْتِمَالَانِ فِي اسْتِحْقَاقِهِمَا وَيُعَضِّدُهُمَا احْتِمَالٌ ثَالِثٌ فِي قَوْلِهِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ عَامًّا فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ بِأَنْ يُقَدِّرَهُ مَوْجُودًا انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِبَنَاتِهِ. وَإِنْ خَصَصْنَاهُ بِالْمَوْجُودِ اقْتَضَى أَنَّهُ بَعْدَهُ يَنْتَقِلُ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَحْمَدَ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ بَنَاتُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ لِلَّتِي وَسَفْرَى أَوْلَادٌ فَيُمْنَعْنَ فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، وَالْخَلَاصُ عَنْ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ بِأَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا لِوَالِدِهِ فَهَذَا احْتِمَالٌ ثَالِثٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فِي نَصِيبِ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدٌ ضَائِعًا (؟) لَا يَكْفِي عَنْهُ قَوْلُهُ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنْ يُرَادَ أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَلِوَلَدِ وَلَدِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُمَا إنْ كَانَا لَهُ وَيُقَدَّرُ انْتِقَالُ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ إلَيْهِ ثُمَّ إلَى وَلَدِهِ الْمَوْجُودِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ فَقَطْ لَا شَكَّ أَنْ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ثُمَّ إلَى وَلَدِهِ وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدُ وَلَدٍ كَذَلِكَ فَقَطْ وَمَنْ مَاتَ وَهُمَا لَهُ فَكَانَ حَقُّ الْكَلَامِ بِأَنْ يُقَدِّرَ لِلنَّقْلِ نَصِيبَهُ إلَى وَلَدِهِ وَإِلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَيَكُونُ لَهُمَا سِرٌّ لَكِنَّهُ حَسَنٌ (؟) مِنْ اشْتِرَاكِ الْوَلَدِ بَيْنَ أَبِيهِ فَأَتَى بِهِمْ وَلَمْ يُخْلِصْ الْكَاتِبُ الْعِبَارَةَ فَتُحْمَلُ لِوَلَدِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَيُرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَيُرَادُ تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ بِهِ يَصِحُّ مَا قُلْنَاهُ فَصَارَ لِاسْتِحْقَاقِهِنَّ وُجُوهٌ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ. وَحَجْبُهُنَّ بِعَمَّاتِهِنَّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ لِوَلَدِهِ وَتَخْصِيصُ قَوْلِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إذَا مَاتَ سَفْرَى وَاَلَّتِي عَنْ وَلَدٍ وَتَخْصِيصُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ إذَا قُلْنَا أَبُوهُنَّ رَجُلٌ (؟) فِي اللَّفْظِ فَقَدْ ضَعُفَ جَانِبُ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ عَلَى حَجْبِ الْعَمَّاتِ لَهُنَّ قَلِيلًا وَبِذَلِكَ تَكَادُ تَسْتَوِي دَلَالَةُ التَّرْتِيبِ وَيَبْقَى التَّرَدُّدُ فِيهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ حَجْبُ كُلِّ فَرْعٍ لِأُصَلِّهِ فَقَطْ أَوْ حَجْبُ الْجُمْلَةِ لِلْجُمْلَةِ وَيَخْرُجُ عَقِبَهَا بَعْضُ الْأَفْرَادِ، وَإِذَا كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ لِسَفَرِي وَقَدْ قُلْنَا إنَّ كَوْنَ وَلَدِ الْوَلَدِ مَوْقُوفًا لَكِنَّهُ عِلَّةٌ فِي حَيَاةِ الْوَلَدِ أَرْجَحُ فَنَقُولُ الِاسْتِحْقَاقُ مُحَقَّقٌ وَالْحَجْبُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَنَتْرُكُ الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَنَعْمَلُ بِالْمُحَقَّقِ فَيُقْضَى لَهُنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ قَبْلَ

стр. 590

الْوَقْفِ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِ لِلشَّكِّ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) لَمَّا تَجَاذَبَتْ عِنْدِي الِاحْتِمَالَاتُ وَلَمْ أَسْتَطِعْ الْجَزْمَ بِالْقَوْلِ بِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ وَإِقَامَتِهِنَّ مَقَامَ آبَائِهِنَّ؛ لِأَنِّي لَمْ أَرَ لِي سَلَفًا تَطَلَّبْتُ أَحْكَامَ الْحُكَّامِ الَّذِينَ سَلَفُوا وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ لَعَلَّ يَكُونُ فِيهَا مُسْتَنَدًا مَا إمَّا لِهَذَا وَإِمَّا لِضِدِّهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ فِي الْأَوْقَافِ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى، وَقَدْ رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ وَمِنْ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَفْتَوْا بِاخْتِصَاصِ الْعَمَّتَيْنِ عَنْ بَنَاتِ أَخِيهِمَا وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ بِالشَّامِ وَاسْتَنْكَرُوا الْفَتْوَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِالشَّامِ أَفْتَوْا بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ لِبَنَاتِ مُحَمَّدٍ وَيَقُمْنَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ وَالِدِهِنَّ لَوْ بَقِيَ حَيًّا لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِنَّ ذَلِكَ كَوْنُ وَالِدِهِنَّ كَانَ مَحْجُوبًا. كَتَبَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَنْبَلِيُّ؛ وَتَحْتَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ عِبَادَةُ وَقَالَ الْآخَرُ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ إلَى بَنَاتِ مُحَمَّدٍ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِنَّ عَدَمُ تَنَاوُلِ أَبِيهِنَّ فَإِنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا بِآبَائِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَلَكِنَّ وُجُودَ أَبِيهِ مَنَعَهُ مِنْ التَّنَاوُلِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى، وَهَذَا الْمَانِعُ لَمْ يُوجَدْ فِي بَنَاتِهِ، وَالْبَطْنُ الثَّانِي إنَّمَا يَتَلَقَّوْنَ عَنْ الْوَقْفِ وَوُجُودُ الْأَعْلَى مَانِعٌ مِنْ تَنَاوُلِ مَنْ دُونَهُ وَلَيْسَ تَنَاوُلُهُ شَرْطًا فِي تَنَاوُلِ مَنْ بَعْدَهُ إذَا قَامَ بِهِ شَرْطُ التَّنَاوُلِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَكَادُ يَقْصِدُ حِرْمَانَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الْأَيْتَامِ وَإِبْقَائِهِنَّ بِوَصْفِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَتَوْفِيرِ الْوَقْفِ كُلِّهِ عَلَى مَنْ هُوَ نَظِيرُهُمْ فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْوَاقِفِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعُقَلَاءِ. كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحَنْبَلِيُّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِنْهُمْ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ إلَى بَنَاتِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ تَخْصِيصَ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَنْسَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ أَكَّدَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ وَيَقُمْنَ بَنَاتُ الْمَذْكُورِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ وَالِدِهِنَّ لَوْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ وَلَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ وَهُوَ وَفَاتُهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ دُونَ غَيْرِهِنَّ وَوُجُودُ الَّتِي وَسَفْرَى لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لِبَنَاتِ مُحَمَّدٍ مِنْ التَّنَاوُلِ لِمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ وَالِدُهُنَّ لَوْ كَانَ حَيًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَجَّا الْحَنْبَلِيُّ. هَذِهِ فَتَاوَى الْحَنَابِلَةِ، وَحَكَمَ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ الزَّرْعِيُّ بِمُقْتَضَاهَا فِي الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَنَفَّذَهُ فِي تَارِيخِهِ مُسْتَنِيبُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءُ الدِّينِ وَنَفَّذَهُ فِي تَارِيخِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ وَنَفَّذَهُ فِي ثَالِثِ رَمَضَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ وَنَفَّذَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ فِي تَارِيخِهِ ثَالِثِ رَمَضَانَ الْمَذْكُورِ ثُمَّ أَذِنَ جَلَالُ الدِّينِ قَاضِي

стр. 591

الْقُضَاةِ فِي تَارِيخِهِ جَلَالُ الدِّينِ نَاظِرِ الْأَيْتَامِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْبَنَاتِ الثَّلَاثِ الْأَخَوَاتِ إلَى أَنْ يَتَعَيَّنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَأَشْهَدَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَاسْتَفْتَى فِي هَذَا الْحُكْمِ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ هَلْ يَسُوغُ لَهُ نَقْضُهُ يَعْنِي حُكْمَ الزَّرْعِيِّ وَتَنْفِيذَهُ فَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ وَمِنْهُمْ مِنْ الْحَنَابِلَةِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ الْخِلَافُ يَرْتَفِعُ. كَتَبَهُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنْبَلِيُّ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَأَكَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ لِبَنَاتِ مُحَمَّدٍ فَدَعْوَى، وَقَوْلُهُ إنَّهُنَّ يَقُمْنَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ وَالِدِهِنَّ أَيْضًا دَعْوَى لَيْسَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ تَصْرِيحٌ بِهَا وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِنَّ كَوْنُ وَالِدِهِنَّ كَانَ مَحْجُوبًا صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ لَا يَمْنَعَ غَيْرُهُ، وَلَا مِنْ كَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ وُجُودُ الْمُقْتَضَى لِلِاسْتِحْقَاقِ فَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْآخَرِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ فَهُوَ أَيْضًا دَعْوَى وَقَوْلُهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِنَّ عَدَمُ تَنَاوُلِ أَبِيهِنَّ جَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ كَانَ مَحْجُوبًا بِأَبِيهِ إلَى آخِرِهِ مُنَازَعٌ فِيهِ فَإِنَّ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ مَنْ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا يُطْلِقُ أَهْلُ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَتَنَاوَلُ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُحْتَمِلًا فَأَخْذُهُ هَذَا مُسْلِمًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا بِرِقٍّ أَوْ كُفْرٍ إلَى آخِرِهِ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَصْوِيرٍ فَإِنَّهُ مَتَى وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَكَانَ وَلَدُهُ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا لَا يَسْتَحِقُّ وَلَدُ الْوَلَدِ شَيْئًا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَفِيهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبَيِّنَ الصُّورَةَ الَّتِي أَرَادَهَا وَحُكْمَهَا نَقْلًا وَدَلِيلًا وَقَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا إلَى آخِرِهِ هَذَا هُوَ عُمْدَةُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْمَعْنَى وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْوَاقِفِ مَقْصُودٌ فِي مُرَاعَاةِ الْقُرْبِ، وَقَوْلُهُ وَالْقُرْبُ مِنْ الْوَاقِفِ ذُهُولٌ عَنْ صُورَةِ الِاسْتِفْتَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا فِي الْوَاقِفِ، وَأَمَّا مَا قَالَ الْآخَرُ فَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ فَتَاوَى الْحَنَابِلَةِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى حُجَّةٍ وَأَمَّا الْفَتَاوَى بِعَدَمِ النَّقْضِ فَكُلُّهَا لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا الْمُسْتَنَدُ إلَّا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنْبَلِيُّ بِقَوْلِهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ نَجِدْهَا مَسْطُورَةً وَإِنَّمَا يُطْلَقُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى مَا فِيهِ خِلَافٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَأَمَّا مَا يَقَعُ لَنَا فَتَتَجَاذَبُ الْآرَاءُ فِيهَا فَلَا يُقَالُ إنَّهَا مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِيهَا فَإِنْ اتَّضَحَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ فِيهَا بِحُكْمٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَنْبَغِي جَوَازُ نَقْضِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ

стр. 592

لَمْ يُنْقَضْ وَهَذَا الْحُكْمُ لَمْ نَجِدْ فِي كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ اسْتَنَدَ إلَيْهِمْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا نَعَمْ عِنْدَنَا دَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كَلَامِنَا؛ يَبْقَى نَظَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْحَنْبَلِيَّ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ وَلَكِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ هَلْ يَكُونُ مُدَافَعَةُ حُكْمِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ مَانِعًا مِنْ نَقْضِهِ أَمْ لَا؟ هَذَا يُحْتَمَلُ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحُكْمِ الْإِسْنَادُ إلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ فَإِنْ وَجَدْنَا إسْجَالَ الْحَاكِمِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُسْتَنَدٍ إلَى سَبَبٍ وَوَجَدْنَا دَلِيلًا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لَنَا نَقْضُهُ بَلْ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ الدَّلِيلِ أَوْ إلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ، وَإِنْ بَيَّنَ الْمُسْتَنَدَ وَرَأَيْنَاهُ غَيْرَ صَالِحٍ وَلَا تَشْهَدُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ بِصِحَّتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْقَضَ وَنَحْكُمَ حُكْمًا مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ أَرَى مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ لَا يُنْقَضَ وَيُنَفَّذَ لِئَلَّا يَجْسُرَ النَّاسُ عَلَى نَقْضِ أَحْكَامِ الْحُكَّامِ وَيُجْعَلُ التَّنْفِيذُ كَأَنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ بِحُكْمٍ مُسْتَنَدٍ إلَى دَلِيلٍ مُوَافِقٍ الْأَوَّلَ وَبَقِيَ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ كَانَ أَوْلَى وَأَجْمَعَ لِلْمَصَالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [فَصْلٌ فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] [فَرَعٌ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ الْقَبُولُ] (فَصْلٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: هَذِهِ فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ: (الْأَوَّلُ) هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ الْقَبُولُ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ: الْحَبْسُ يَتِمُّ بِكَلَامِ الْمُحْبِسِ، وَلَا احْتِيَاجَ فِيهِ إلَى قَبْضٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَصْلُ الْحَبْسِ أَنْ يَقُولَ: دَارِي هَذِهِ حَبْسٌ، أَوْ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا حَتَّى يَصِفَ مِنْ حِلْيَتِهِمَا عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَوِيًّا بِأَعْيَانِهِمْ، أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَبُولَ، وَقَالَ الْإِمَامُ: الْعَطِيَّةُ الَّتِي تَتِمُّ بِكَلَامِ الْمُعْطِي دُونَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُعْطَى مَا كَانَ إذَا خَرَجَ بِهِ الْكَلَامُ مِنْ الْمُعْطَى لَهُ جَائِزًا عَلَى مَا أَعْطَى لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْطِي أَنْ يَمْلِكَ مَا خَرَجَ مِنْهُ، فِيهِ الْكَلَامُ بِوَجْهٍ أَبَدًا، وَهَذِهِ الْعَطِيَّةُ الصَّدَقَاتُ الْمَوْقُوفَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ وَقَوْمٍ مَوْصُوفِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي الْأُمِّ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْعِتْقُ إذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِعِتْقِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ عِتْقُهُ تَمَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَقْبَلَهُ الْمُعْتِقُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتَقِ مِلْكُهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِلْكُ رِقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهِ بَيْعٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا مِيرَاثٌ بِحَالٍ، وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ بَيَّنَ ذَلِكَ: وَلَوْ مَاتَ مَنْ جَعَلْت هَذِهِ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَقَدْ أَغَلَّتْ غَلَّةً أَخَذَ وَارِثُهُ حِصَّتَهُ مِنْ غَلَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ هُوَ مَالِكُهَا كَمَا يَكُونُ لَهُ غَلَّةُ أَرْضٍ لَوْ غَصَبَهَا، أَوْ وَدِيعَةٌ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَتَتِمُّ الصَّدَقَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا مَالِكُهَا

стр. 593

عَلَى قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَصِفَاتِهِمْ، وَيَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا: تَصَدَّقْت بِدَارِي هَذِهِ عَلَى قَوْمٍ، أَوْ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ بِعَيْنِهِ يَوْمَ تَصَدَّقَ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ نَسَبِهِ حَتَّى يَكُونَ أَنَا أُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِهِ لِمَالِكِ مِلْكِهِ مَنْفَعَتُهَا يَوْمَ أَخْرَجَهَا، وَيَكُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، أَوْ يَقُولَ: لَا تُورَثُ، أَوْ يَقُولُ: غَيْرُ مَوْرُوثَةٍ، أَوْ يَقُولَ: صَدَقَتِي مُحَرَّمَةٌ، أَوْ يَقُولَ: صَدَقَةٌ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَا فَقَدْ حُرِّمَتْ الصَّدَقَةُ فَلَا تَعُودُ مِيرَاثًا أَبَدًا انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَبُولِ أَصْلًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَمَّا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُنْقَطَعِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَهَكَذَا الْقَوْلَانِ إذَا وَقَفَ عَلَى مَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَرَدَّ الْوَقْفَ مِثْلُ إنْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِي، فَرَدَّ الْوَلَدُ الْمَوْقُوفَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الْقَبُولَ وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، فَإِذَا لَمْ يَصِرْ وَقْفًا عَلَيْهِ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، أَوْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَعْنِي: بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ إذَا قُلْنَا: لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَانْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالْعِتْقِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ لَافْتَقَرَ إلَى قَبُولِهِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ هَذَا لَفْظُ ابْنِ الصَّبَّاغِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَيْضًا: إذَا رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَوَّلًا الْوَقْفَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّ الْوَقْفَ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ إلَّا أَنَّهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ هُنَا: الْوَقْفُ جَمِيعُهُ بَاطِلٌ، وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ قَوْلَيْنِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: الْوَقْفُ الْعَامُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبُولُ، وَالْوَقْفُ الْخَاصُّ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدٍ، أَوْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبُولُ؟ إنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يُعْتَبَرْ كَالْعِتْقِ، وَالْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ وَإِنْ قُلْنَا: مِلْكُ الْوَاقِفِ لَمْ يُعْتَبَرْ كَمَا لَا يُعْتَبَرْ الْعِلْمُ بِالْمُسْتَحَقِّ وَإِنْ قُلْنَا: مِلْكُ الْمَوْقُوفِ فَوَجْهَانِ، وَيَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ هَلْ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى قَبُولِهِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀: يَتِمُّ الْحَبْسُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ أَمَّا الْقَبُولُ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي لُزُومِ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي تَمْلِيكِ الْغَلَّةِ عِنْدَ حُصُولِهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ. وَالْغَلَّةُ تَمْلِيكٌ مَا فُرُوعِي فِيهِ الْقَبُولُ كَالْوَصَايَا، وَلَيْسَ الْقَبُولُ هُنَا لَفْظًا مُعْتَبَرًا، بَلْ قَبُولَ رِضًا وَاخْتِيَارٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْغَلَّةَ إذَا أُعْطِيهَا، أَوْ يَظْهَرَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَخْذِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَالِاخْتِيَارِ ثُمَّ الْغَلَّةُ هَاهُنَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ سَوَاءٌ قَبْلَ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَصْلَ أَوْ لَا يَمْلِكْهُ بِالِاخْتِيَارِ

стр. 594

الطَّارِئِ فَعُلِمَ حُدُوثُ الْغَلَّةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا يُزَكَّى، وَإِذَا ظَهَرَ الْإِخْبَارُ مِنْهُ لَمْ يُعْتَبَرْ كُلَّ مَرَّةٍ مَا لَمْ يَرُدَّ، فَإِنْ رَدَّ وَلَمْ يَقْبَلْ نُظِرَ فِي شَرْطِ الْوَقْفِ، فَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُدَّ سَهْمُهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ رَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَغْفَلَ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي شَرْطِهِ كَانَ فِيهِ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ حَقُّهُ. وَالثَّانِي عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، ثُمَّ الرَّدُّ إنْ كَانَ خَاصًّا، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الْأَصْلِ إنَّمَا يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ، فَإِذَا جَاءَتْ غَلَّةٌ أُخْرَى عُرِضَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهَا رَجَعَتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ عَادَ بَعْدَ الرَّدِّ فَطَلَبَهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إعْطَائِهَا مَنْ رَجَعَتْ عَلَيْهِ لَمْ تُسْتَرْجَعْ مِنْهُ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ تِلْكَ الْغَلَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ إعْطَائِهَا إيَّاهُ رُدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الرَّدُّ الْعَامُّ، فَهُوَ أَنْ يَرُدَّ أَصْلَ الْوَقْفِ فَلَا يَقْبَلُهُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ رَدِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَوْ عَادَ بَعْدَ الرَّدِّ فَطَلَبَهُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ عَوْدُهُ طَالِبًا لَهُ بَعْدَ حُكْمٍ لَهُ لِغَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ لِغَيْرِهِ رُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْوَقْفِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي لُزُومِ الْهِبَةِ مُعَلِّقًا بِأَنَّ فِي الْهِبَةِ قَبُولًا يَعْنِي فِي لُزُومِهَا عَنْ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ قَبُولٌ يَعْنِي فِي لُزُومِهِ عَنْ الْقَبْضِ وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ: بِأَنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ بِلُزُومِ الْعُقُودِ مِنْ الْقَبْضِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْقَبُولُ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مُعْتَبَرًا فِي لُزُومِ الْوَقْفِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَقْفُ مُعْتَبَرًا فِي لُزُومِهِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: الْوَقْفُ صَحِيحٌ لَازِمٌ، وَلَا يَحْتَاجُ لُزُومُهُ إلَى الْقَبُولِ وَلَكِنْ لَا تُمْلَكُ غَلَّتُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ. وَإِذَا اخْتَارَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ تَمَلُّكَ غَلَّتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ، وَيَكْفِي الْأَخْذُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الرِّضَا وَلَوْ رُدَّ، فَإِنْ ذَكَرَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ إذَا رَدَّ كَيْفَ يَعْمَلُ فِي نَصِيبِهِ يَعْمَلُ فِي غَلَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَ ذَلِكَ رُدَّ إلَى مَا مَعَهُ فِي الْوَقْفِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ يُرَدُّ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلَوْ رَدَّ ثُمَّ رَجَعَ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِرَدِّهِ إلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهِ لِغَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْوَقْفُ جَائِزٌ يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْقَبُولِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبُولُ وَالْقَبْضُ ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ فِي الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ ذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَقِفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَرُدُّ زَيْدٌ ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّيْخُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ فَرَدَّ لَا يَرْتَدُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي خُصُوصًا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَرَقَةٍ: فَلَوْ قَالَ جَعَلْتُهُ لِلْمَسْجِدِ يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْقَيِّمِ وَقَبْضُهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِصَبِيٍّ يُشْتَرَطُ قَبُولُ قَيِّمِهِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ يَلْزَمُ بِلَا قَبُولٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إذَا وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ

стр. 595

يُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ. قَالَ الشَّيْخُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ قَبُولُهُمْ وَيَرْتَدَّ بِرَدِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عِتْقِ الْعَبْدِ وَالْعِتْقُ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْعَبْدِ، وَلَا قَبُولُهُ شَرْطٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي خُصُوصًا عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْوَقْفِ يَئُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنْ يَمْنَعُ اشْتِرَاطَ الْقَبُولِ أَجَابَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّ بِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَأَنْتَ تَرَى الْبَغَوِيَّ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ حَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ احْتِمَالًا. وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدِي وَابْنُ الرِّفْعَةِ مَعَهُ فَرْقُ الدَّلَالَةِ ظَنَّ أَنَّ الْقَائِلَ قَالَ الشَّيْخُ هُوَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَلَعَلَّ الْقَائِلَ قَالَ الشَّيْخُ هُوَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ لَكِنِّي لَمْ أَرَ هَذَا فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَلَا فِي فَتَاوِيهِ، وَهُوَ شَيْخُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ فَلَعَلَّ الْقَائِلَ: قَالَ الشَّيْخُ كَاتِبُ التَّهْذِيبِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْمُصَنِّفُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الْكُتُبِ مِثْلُ ذَلِكَ. مَوْضِعٌ يَقُولُ الْمُصَنِّفُ قُلْت: يَقُولُ الْكَاتِبُ عَنْهُ: قَالَ الشَّيْخُ وَقَالَ مَظْهَرُ الدِّينِ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي، وَهُوَ تِلْمِيذُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ: الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ رِبَاطٍ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا يُرَدُّ. وَقَالَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي: مَنْ وَقَفَ شَيْئًا لَزِمَهُ وَقْفُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَلَا قَبْضٍ، وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ وَقَالَ شَيْخُهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْمَقْصُودِ: وَلَا يَفْتَقِرُ لُزُومُ الْوَقْفِ إلَى الْقَبُولِ، وَلَا إلَى الْقَبْضِ. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي: لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَوْصُوفِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا كَالْعِتْقِ وَالثَّانِي يَفْتَقِرُ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَفْتَقِرُ إلَى كَلَامٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَفْتَقِرُ فَلَمْ يُقْبَلْ بَطَلَ، وَمَا حُكْمُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَى مِلْكِ مَالِكِهِ. وَالثَّانِي يَصِيرُ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت، وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبِيلَ، وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ؟ إنْ كَانَ عَلَى مَوْصُوفِينَ فَلَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ بُنِيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مِلْكِ الْوَقْفِ إنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا كَالْعِتْقِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ افْتَقَرَ كَالْهِبَةِ، وَقَدْ أَغْرَبَ الْجُرْجَانِيُّ فِيمَا حَكَاهُ مِنْ افْتِقَارِ الْوَقْفِ إلَى الْقَبْضِ، وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الْإِغْرَابِ أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَى نَاسٍ مَوْصُوفِينَ فَجَائِزٌ تَامٌّ بِغَيْرِ قَبْضٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى أَعْيَانٍ فَعَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَتِمُّ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ كَالْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وَالْهَدْيِ وَالضَّحَايَا يَصِحُّ بِنَفْسِ الْإِيجَابِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَتِمُّ الْحَبْسُ عَلَى أَعْيَانٍ إلَّا بِقَبْضٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُحَقَّقِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَعَلَى

стр. 596

هَذَا الْقَوْلِ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَخْتَلِفَ مُدَّعِي الْوَقْفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا قَالَ حَبَسْت هَذِهِ الدَّارَ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا فُلَانٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ، وَالثَّانِي يَصِيرُ إلَى الْمَسَاكِينِ. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ إنْ كَانَ عَلَى مَوْصُوفِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيَفْتَقِرُ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِرَدِّهِ فَافْتَقَرَ إلَى قَبُولِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُعَيَّنُ رَجَعَ إلَى مَالِكِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَصُرِفَ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضٍ إنْ كَانَ عَلَى مَوْصُوفِينَ، وَكَذَا إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ افْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ: مَنْ وَقَفَ أَرْضًا، أَوْ دَارًا، أَوْ حَيَوَانًا لَزِمَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْقَوْلِ لَا يُعْتَبَرُ فِي لُزُومِهِ الْقَبُولُ، وَلَا الْقَبْضُ، وَجَزَمَ الْفُورَانِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ بِاشْتِرَاطِ الْقَبُولِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ إنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ عَلَيْهِ إنَّهُ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالْوَقْفِ عَلَى حَسْبِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَبُولٍ يَتَعَلَّقُ بِإِيجَابٍ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمُعَيَّنِ، وَفِي الْوَسِيطِ. وَفِي الْوَجِيزِ حَكَى وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْحِيحٍ مَعَ أَنَّ رَأْيَهُ فِي الْمُعَيَّنِ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَيَسْهُلُ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ مَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَآخَرُونَ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ دُخُولُ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَعَلَى هَذَا، فَلْيَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ فِيمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ الْكِتَابِ يَعْنِي الْغَزَالِيَّ فَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ فَصَحِيحٌ جَزَمَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْعِلَّةُ الَّتِي اسْتَنَدُوا إلَيْهَا مِنْ اسْتِبْعَادِ مِلْكِ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ مَوْجُودٌ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي وَالتَّبَعِيَّةُ لَا تُزِيلُ هَذَا الِاسْتِبْعَادَ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْخِلَافَ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي عَنْ الْمُتَوَلِّي وَاسْتَحْسَنَهُ وَيَجِبُ فِي رَدِّ الْجَزْمِ بِعَدَمِهِ كَمَا ظَنَّهُ أَنَّهُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ قَطَعَا بِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ الرَّافِعِيُّ، وَمَا نَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلَيْهِمَا مِنْ الْقَطْعِ هَذَا حُكْمُ الْقَبُولِ، وَقَدْ تَتَبَّعْت كُتُبًا أُخْرَى كَثِيرَةً لَمْ أَرَ فِيهَا تَعَرُّضًا لِذَلِكَ لَكِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ شُرُوطَ الْوَقْفِ، وَمَا بِهِ يَتِمُّ وَلَا يَذْكُرُونَ قَبُولًا، فَلَوْ كَانَ الْقَبُولُ شَرْطًا لَذَكَرُوهُ. فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي الْفَتْوَى بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ

стр. 597

بِهِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ أَيَّ وَقْتَ شَاءَ كَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَلَمْ أَرَهُ إلَّا لِلْإِمَامِ وَالرَّافِعِيُّ تَبِعَهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَكِنَّ الشَّيْخَ نَجْمَ الدِّينِ بْنَ الرِّفْعَةِ ذَكَرَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَطْلَبِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي وَقْتِ حُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ دُخُولِ الْوَقْفِ فِي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَكَذَا الرَّدُّ، فَلْيُطْلَبْ مِنْهُ، وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْغَلَّةَ لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِالْقَبُولِ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَا يَبْطُلُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ حُصُولُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ الْمَطْلَبِ، وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُعَيَّنِ أَمَّا الْجِهَةُ الْعَامَّةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا. ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْحَاكِمَ نَائِبًا فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ صَارَ إلَيْهِ صَائِرٌ لَكَانَ قَرِيبًا، وَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِهِ أَيْضًا فِي الْوَصِيَّةِ وَهِيَ أَوْلَى بِالْقَوْلِ بِهِ فِيهَا، وَإِذَا كَانُوا قَالُوا بِهِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَكَانَ عَدَمُ قَوْلِهِمْ بِهِ فِي الْوَقْفِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ. [فَرْعٌ الْوَقْفُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ] (فَرْعٌ) جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي نَفْسِ الْقَبُولِ أَمَّا الرَّدُّ فَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقَبُولَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَصَاحِبِ الْكَافِي خِلَافُهُ وَأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَهَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ سَوَاءٌ أَشَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا لَوْ رَدَّ بَطَلَ حَقُّهُ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ وَكَمَا أَنَّ الْوَكَالَةَ تُرَدُّ بِالرَّدِّ، هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْبَطْنُ الثَّانِي إذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي حَقِّهِمْ فَهَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لَمْ يُصَحِّحُوا مِنْهُمَا شَيْئًا وَتَحْقِيقُهُ يَلْتَفِتُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْوَقْفِ، أَوْ مُبْطِلٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْغَلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَلَمَّا شَبَّهَ الْإِمَامُ هَذَا الرَّدَّ بِهِ وَالْوَكَالَةَ قَالَ: وَتَصْوِيرُ الرَّدِّ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْغَرَضِ الَّذِي يُرِيدُهُ عُسْرٌ مَعَ أَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَ قَبُولِهِ الْوَكَالَةَ لَوْ رَدَّ الْوَكَالَةَ لَكَانَ رَدُّهُ لَهَا نَسْخًا وَالْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فُرِضَتْ. قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهَا لَا يَكُونُ الرَّدُّ مُبْطِلًا لَهَا مِنْ أَصْلِهَا، بَلْ نَاسِخًا لَهَا مِنْ حِينِهِ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ رَدُّ الْوَقْفِ لِذَلِكَ إذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ؛ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ غَلَّةٌ قَبْلَ الرَّدِّ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي رَدَّ كَمَا قَالُوا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا قُلْنَا: لَا تُفْتَقَرُ إلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ فَحَصَلَ مِنْهَا فَوَائِدُ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ رُدَّتْ أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْأَصَحِّ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَهَذَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، بَلْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّ مِنْ

стр. 598

شَرْطِ الْوَقْفِ عَدَمَ الرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ، فَإِذَا رَدَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا وَقْفَ فَهَذَانِ احْتِمَالَانِ فِي أَنَّ الرَّدَّ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ؛ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لَهُ فِي حَقِّ الرَّادِّ خَاصَّةً، أَوْ مُطْلَقًا، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ خَلَا الْبَغَوِيَّ وَالْخُوَارِزْمِيّ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لَهُ فِي حَقِّ الرَّادِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَرَدَّدُ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِأَصْلِ الْوَقْفِ، أَوْ لَا. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ بَطَلَ حَقُّهُ عِبَارَةٌ مُجَوَّزَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِنَّهُ الْمُحَقِّقُ. وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ وَالْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَظَاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا رَدَّ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَرَدَّ الرَّجُلُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ، وَفِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ قَوْلَانِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَيُبْعِدُهُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَأَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ، وَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ أَنْوَاعَ الِانْقِطَاعِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ ذَكَرُوهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ ﵁ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَيَكُونُ مَصْرِفُهُ الْآنَ مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ ﵀ لَمَّا ذَكَرَ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَالْخِلَافَ فِيهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ إذَا وَقَفَ عَلَى وَارِثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ رَتَّبُوهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِي الظَّاهِرِ وُجِدَ مُسْتَعْقَبًا وَاسْتَضْعَفَ هُوَ هَذَا التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْمَوْتِ الِانْقِطَاعُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى صَغِيرٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُعَيَّنُ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى أَنَّ قَبُولَهُ شَرْطٌ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ رَتَّبُوهَا عَلَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ وَزَعَمُوا أَنَّهُ عَلَّقَ الْوَقْفَ بِحَاضِرٍ ثُمَّ كَانَ الِانْقِطَاعُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَهَذَا نَقْلٌ مِنْ الْإِمَامِ عَنْ الْأَصْحَابِ لَكِنَّهُ هُوَ اسْتَضْعَفَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَوْ قُلْنَا: الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَوْ رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ فَيَنْقَدِحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَرْتِيبٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ مُتَّصِلًا مُسْتَعْقَبًا بِثُبُوتِ تَصَرُّفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَتِّبَ هَذَا عَلَى مَا لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لِلْوَقْفِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا قَالَ: وَمِمَّا يَجْرِي فِي هَذَا الْمَوْقُوفِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ أَوْ رَدَّ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَيُتَّجَهُ هَاهُنَا الصَّرْفُ إلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَصْرِفَ صَائِرًا إلَيْهِمْ إذَا انْقَطَعَ اسْتِحْقَاقُ الْمُسَمَّى أَوَّلًا، فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِ فَيُتَّجَهُ تَنْزِيلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ انْقَرَضَ الْمُعَيَّنُ بَعْدَ ثُبُوتِ

стр. 599

الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ. فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَخِيرًا أَنَّهُ يُتَّجَهُ فَبَعِيدٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسَاكِينَ بَعْدَهُ لَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ فَتَقْدِيرُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ إذَا صَحَّحْنَاهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى مَنْ ذَكَرَهُ أَخِيرًا، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ انْقِدَاحِ التَّرْتِيبِ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فَصَحِيحٌ، وَهُوَ مُخَالِفُ إطْلَاقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ إلَّا مَا قِيلَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ حَقٌّ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَالْمُنْقَطِعَ الْوَسَطَ كِلَاهُمَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ إذَا كَانَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، أَوْ وَسَطًا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ الْبُطْلَانِ فِيهِ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ الَّتِي هِيَ أَوْقَافُ الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ مَصْرِفًا، أَوْ ذَكَرَ مَصْرِفًا لَا يَجُوزُ كَانَ فِي مَعْنَى مَنْ سَيَّبَ السَّائِبَةَ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ الِانْتِفَاعُ بِهَا أَمَّا إذَا ذَكَرَ مَصْرِفًا صَحِيحًا، فَيُعْذَرُ لِعَدَمِ قَبُولِهِ، أَوْ لِرَدِّهِ فَلَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ فِي مَعْنَى الْمُسَبَّبِ، بَلْ قَصَدَ صَدَقَةً صَحِيحَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ عَنْهَا لِجِهَةٍ صَحِيحَةٍ لَا عَطَّلَ مَنَافِعَهَا، وَلَا اسْتَثْنَى فِيهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَصَحَّ الْوَقْفُ، فَإِنْ قَبِلَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرُدَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا أَصْلًا وَاشْتَرَطْنَا قَبُولَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَى مَصْرِفٍ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَمَّا صِحَّتُهُ فَلِصِحَّةِ إيجَابِ الْوَقْفِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا صَرْفُهُ مَصَارِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْأَوَّلِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ وَقُلْنَا: الرَّدُّ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ الْوَقْفِ فِي حَقِّهِ فَكَذَلِكَ، وَاَلَّذِي بَطَلَ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا مُطْلَقًا، وَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قُلْنَا: الرَّدُّ يَقْطَعُ الْوَقْفَ بِالْفَسْخِ فَكَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ إنْ قُلْنَا: الْغَلَّةُ لَيْسَتْ لَهُ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ وَمِثْلُهُ قَدْ قُبِلَ بِهِ بِالْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ اتَّجَهَ صَرْفُهُ فِي مَصَارِفِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ تَصَرُّفٌ. وَعَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا يَصِحُّ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْغَلَّةُ لَهُ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْوَصِيَّةِ فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، وَالْمَصْرِفُ لَا يَخْتَلِفُ فَقَدْ صَحَّ كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَفِي التَّصْحِيحِ مِنْ جِهَةِ الْبَحْثِ، وَاعْتُضِدَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ بِمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 600

وَظَهَرَ أَنَّهُ يُتَّجَهُ سَوَاءٌ اشْتَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا، وَلَا يُنَافِي تَصْحِيحُهُ فِي الْمِنْهَاجِ اشْتِرَاطَ الْقَبُولِ عَلَى أَنَّا نَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْقَبُولَ لَا يُشْتَرَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَجَ لَنَا مِنْ هَذَا صُوَرٌ يَتَضَمَّنُهَا انْقِطَاعُ الْمَصْرِفِ الْأَوَّلِ: (إحْدَاهَا) أَنْ لَا يَذْكُرَ لَهُ الْآنَ مَصْرِفًا كَقَوْلِهِ: عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي. وَعِلَّةُ الْبُطْلَانِ فِيهِ كَوْنُهُ وَقَفَهُ الْآنَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْآنَ سَبِيلًا، وَهُوَ أَشَدُّ فَسَادًا مِمَّا إذَا سَكَتَ عَنْ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ لَا يُنَافِي الْمَصْرِفَ إلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ، وَهُنَا مُقْتَضَى شَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَّا لِمَنْ سَيُولَدُ، فَهُوَ الْآنَ مُعَطَّلٌ يُشَبَّهُ بِالسَّائِبَةِ. (الثَّانِيَةُ) أَنْ يَذْكُرَ مَصْرُوفًا مَجْهُولًا، أَوْ مُعَيَّنًا لَا نَفْسَ الْمِلْكِ، وَعِلَّةُ الْبُطْلَانِ أَنَّ الْمَصْرِفَ الْمَذْكُورَ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَى شَرْطِهِ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَّا إلَيْهِ فَقَدْ تَعَطَّلَ الْمَصْرِفُ الصَّحِيحُ فِيهِ بِشَرْطِهِ فَأَشْبَهَ السَّائِبَةَ، وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ طَرِيقَانِ إحْدَاهُمَا الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ وَالثَّانِيَةُ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ. (الثَّالِثَةُ) أَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدَيْهِ فِي زَمَنِ مَوْتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ، فَهِيَ كَالصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: صَحِيحَةٌ وَرَدَتْ، وَقُلْنَا: الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءً عَطِيَّةٌ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ فَقِيلَ كَالصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَقِيلَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فَيَجِيءُ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ وَالْأَصَحُّ مِنْهَا أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ. (الرَّابِعَةُ) أَنْ يَقِفَ عَلَى مَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيَشْتَرِطَ الْقَبُولَ فَلَا يَقْبَلُ، أَوْ يَرُدَّ فَقَوْلَانِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ فِيمَنْ بَعْدَهُ وِفَاقًا لِمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَخِلَافًا لِمَا ارْتَضَاهُ هُوَ. (الْخَامِسَةُ) كَذَلِكَ، وَلَا يَشْتَرِطُ الْقَبُولَ وَقُلْنَا: الرَّدُّ يُبْطِلُهَا مِنْ أَصْلِهَا فَكَذَلِكَ. (السَّادِسَةُ) الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَقُلْنَا: الرَّدُّ فَسْخٌ، وَقُلْنَا: بِالصِّحَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ الْبُوَيْطِيُّ فِي بَابِ الْأَحْبَاسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِذَا قَالَ: دَارِي حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ مَرْجِعُهَا إلَيَّ إذَا انْقَرَضُوا فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ، وَقِيلَ: الْحَبْسُ جَائِزٌ، وَيَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ لِلْمُحْبِسِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ الْعُمْرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَهَا لِمَنْ أَعْمَرَهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَزَالَ مِلْكُ الْمُعَمِّرِ وَأَبْطَلَ شَرْطَهُ فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ شَرْطُهُ فِي الْحَبْسِ وَيَجْعَلُهَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ حَبْسًا كَمَا جَعَلَ أَصْلَهَا كَمَا كَانَتْ الْعُمْرَى عَلَى مَا جُعِلَ عَلَيْهِ أَصْلُهَا. فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُمْرَى لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ الْحَبْسُ لِوَرَثَةِ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى مِلْكُ أَصْلِهَا فَوَرَثَتُهَا وَرَثَتُهُ، وَهَذَا إنَّمَا مَلَكَ سَكَنَهَا، وَلَمْ يَمْلِكْ أَصْلَهَا انْتَهَى. وَهَذَا إذَا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ كَذَلِكَ
следующие страницы →