← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

هَذَا الْقَوْلِ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَخْتَلِفَ مُدَّعِي الْوَقْفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا قَالَ حَبَسْت هَذِهِ الدَّارَ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا فُلَانٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ، وَالثَّانِي يَصِيرُ إلَى الْمَسَاكِينِ. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ إنْ كَانَ عَلَى مَوْصُوفِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيَفْتَقِرُ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِرَدِّهِ فَافْتَقَرَ إلَى قَبُولِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُعَيَّنُ رَجَعَ إلَى مَالِكِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَصُرِفَ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضٍ إنْ كَانَ عَلَى مَوْصُوفِينَ، وَكَذَا إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ افْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ: مَنْ وَقَفَ أَرْضًا، أَوْ دَارًا، أَوْ حَيَوَانًا لَزِمَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْقَوْلِ لَا يُعْتَبَرُ فِي لُزُومِهِ الْقَبُولُ، وَلَا الْقَبْضُ، وَجَزَمَ الْفُورَانِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ بِاشْتِرَاطِ الْقَبُولِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ إنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ عَلَيْهِ إنَّهُ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالْوَقْفِ عَلَى حَسْبِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَبُولٍ يَتَعَلَّقُ بِإِيجَابٍ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمُعَيَّنِ، وَفِي الْوَسِيطِ. وَفِي الْوَجِيزِ حَكَى وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْحِيحٍ مَعَ أَنَّ رَأْيَهُ فِي الْمُعَيَّنِ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فَيَسْهُلُ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ مَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَآخَرُونَ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ دُخُولُ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَعَلَى هَذَا، فَلْيَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ فِيمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ الْكِتَابِ يَعْنِي الْغَزَالِيَّ فَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ فَصَحِيحٌ جَزَمَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْعِلَّةُ الَّتِي اسْتَنَدُوا إلَيْهَا مِنْ اسْتِبْعَادِ مِلْكِ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ مَوْجُودٌ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي وَالتَّبَعِيَّةُ لَا تُزِيلُ هَذَا الِاسْتِبْعَادَ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْخِلَافَ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي عَنْ الْمُتَوَلِّي وَاسْتَحْسَنَهُ وَيَجِبُ فِي رَدِّ الْجَزْمِ بِعَدَمِهِ كَمَا ظَنَّهُ أَنَّهُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ قَطَعَا بِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ الرَّافِعِيُّ، وَمَا نَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلَيْهِمَا مِنْ الْقَطْعِ هَذَا حُكْمُ الْقَبُولِ، وَقَدْ تَتَبَّعْت كُتُبًا أُخْرَى كَثِيرَةً لَمْ أَرَ فِيهَا تَعَرُّضًا لِذَلِكَ لَكِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ شُرُوطَ الْوَقْفِ، وَمَا بِهِ يَتِمُّ وَلَا يَذْكُرُونَ قَبُولًا، فَلَوْ كَانَ الْقَبُولُ شَرْطًا لَذَكَرُوهُ. فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي الْفَتْوَى بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ

стр. 597

بِهِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ أَيَّ وَقْتَ شَاءَ كَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَلَمْ أَرَهُ إلَّا لِلْإِمَامِ وَالرَّافِعِيُّ تَبِعَهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَكِنَّ الشَّيْخَ نَجْمَ الدِّينِ بْنَ الرِّفْعَةِ ذَكَرَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَطْلَبِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي وَقْتِ حُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ دُخُولِ الْوَقْفِ فِي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَكَذَا الرَّدُّ، فَلْيُطْلَبْ مِنْهُ، وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْغَلَّةَ لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِالْقَبُولِ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَا يَبْطُلُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ حُصُولُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ الْمَطْلَبِ، وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُعَيَّنِ أَمَّا الْجِهَةُ الْعَامَّةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا. ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْحَاكِمَ نَائِبًا فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ صَارَ إلَيْهِ صَائِرٌ لَكَانَ قَرِيبًا، وَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِهِ أَيْضًا فِي الْوَصِيَّةِ وَهِيَ أَوْلَى بِالْقَوْلِ بِهِ فِيهَا، وَإِذَا كَانُوا قَالُوا بِهِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَكَانَ عَدَمُ قَوْلِهِمْ بِهِ فِي الْوَقْفِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ. [فَرْعٌ الْوَقْفُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ] (فَرْعٌ) جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي نَفْسِ الْقَبُولِ أَمَّا الرَّدُّ فَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقَبُولَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَصَاحِبِ الْكَافِي خِلَافُهُ وَأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَهَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ سَوَاءٌ أَشَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا لَوْ رَدَّ بَطَلَ حَقُّهُ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ وَكَمَا أَنَّ الْوَكَالَةَ تُرَدُّ بِالرَّدِّ، هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْبَطْنُ الثَّانِي إذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي حَقِّهِمْ فَهَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لَمْ يُصَحِّحُوا مِنْهُمَا شَيْئًا وَتَحْقِيقُهُ يَلْتَفِتُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْوَقْفِ، أَوْ مُبْطِلٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْغَلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَلَمَّا شَبَّهَ الْإِمَامُ هَذَا الرَّدَّ بِهِ وَالْوَكَالَةَ قَالَ: وَتَصْوِيرُ الرَّدِّ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْغَرَضِ الَّذِي يُرِيدُهُ عُسْرٌ مَعَ أَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَ قَبُولِهِ الْوَكَالَةَ لَوْ رَدَّ الْوَكَالَةَ لَكَانَ رَدُّهُ لَهَا نَسْخًا وَالْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فُرِضَتْ. قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهَا لَا يَكُونُ الرَّدُّ مُبْطِلًا لَهَا مِنْ أَصْلِهَا، بَلْ نَاسِخًا لَهَا مِنْ حِينِهِ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ رَدُّ الْوَقْفِ لِذَلِكَ إذَا قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ؛ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ غَلَّةٌ قَبْلَ الرَّدِّ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي رَدَّ كَمَا قَالُوا فِي الْوَصِيَّةِ إذَا قُلْنَا: لَا تُفْتَقَرُ إلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ فَحَصَلَ مِنْهَا فَوَائِدُ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ رُدَّتْ أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْأَصَحِّ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَهَذَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، بَلْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّ مِنْ

стр. 598

شَرْطِ الْوَقْفِ عَدَمَ الرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ، فَإِذَا رَدَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا وَقْفَ فَهَذَانِ احْتِمَالَانِ فِي أَنَّ الرَّدَّ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ؛ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لَهُ فِي حَقِّ الرَّادِّ خَاصَّةً، أَوْ مُطْلَقًا، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ خَلَا الْبَغَوِيَّ وَالْخُوَارِزْمِيّ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لَهُ فِي حَقِّ الرَّادِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَرَدَّدُ هَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِأَصْلِ الْوَقْفِ، أَوْ لَا. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ بَطَلَ حَقُّهُ عِبَارَةٌ مُجَوَّزَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِنَّهُ الْمُحَقِّقُ. وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ وَالْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَظَاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا رَدَّ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَرَدَّ الرَّجُلُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ، وَفِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ قَوْلَانِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَيُبْعِدُهُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَأَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ، وَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ أَنْوَاعَ الِانْقِطَاعِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ ذَكَرُوهَا مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ ﵁ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَيَكُونُ مَصْرِفُهُ الْآنَ مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ ﵀ لَمَّا ذَكَرَ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَالْخِلَافَ فِيهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ إذَا وَقَفَ عَلَى وَارِثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ رَتَّبُوهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِي الظَّاهِرِ وُجِدَ مُسْتَعْقَبًا وَاسْتَضْعَفَ هُوَ هَذَا التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْمَوْتِ الِانْقِطَاعُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى صَغِيرٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُعَيَّنُ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى أَنَّ قَبُولَهُ شَرْطٌ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ رَتَّبُوهَا عَلَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ وَزَعَمُوا أَنَّهُ عَلَّقَ الْوَقْفَ بِحَاضِرٍ ثُمَّ كَانَ الِانْقِطَاعُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَهَذَا نَقْلٌ مِنْ الْإِمَامِ عَنْ الْأَصْحَابِ لَكِنَّهُ هُوَ اسْتَضْعَفَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَوْ قُلْنَا: الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَوْ رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ فَيَنْقَدِحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَرْتِيبٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ مُتَّصِلًا مُسْتَعْقَبًا بِثُبُوتِ تَصَرُّفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَتِّبَ هَذَا عَلَى مَا لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لِلْوَقْفِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا قَالَ: وَمِمَّا يَجْرِي فِي هَذَا الْمَوْقُوفِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ أَوْ رَدَّ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَيُتَّجَهُ هَاهُنَا الصَّرْفُ إلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَصْرِفَ صَائِرًا إلَيْهِمْ إذَا انْقَطَعَ اسْتِحْقَاقُ الْمُسَمَّى أَوَّلًا، فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِ فَيُتَّجَهُ تَنْزِيلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ انْقَرَضَ الْمُعَيَّنُ بَعْدَ ثُبُوتِ

стр. 599

الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ. فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَخِيرًا أَنَّهُ يُتَّجَهُ فَبَعِيدٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسَاكِينَ بَعْدَهُ لَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ فَتَقْدِيرُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ إذَا صَحَّحْنَاهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى مَنْ ذَكَرَهُ أَخِيرًا، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ انْقِدَاحِ التَّرْتِيبِ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فَصَحِيحٌ، وَهُوَ مُخَالِفُ إطْلَاقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ إلَّا مَا قِيلَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ حَقٌّ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ وَالْمُنْقَطِعَ الْوَسَطَ كِلَاهُمَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ إذَا كَانَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، أَوْ وَسَطًا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ الْبُطْلَانِ فِيهِ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ الَّتِي هِيَ أَوْقَافُ الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ مَصْرِفًا، أَوْ ذَكَرَ مَصْرِفًا لَا يَجُوزُ كَانَ فِي مَعْنَى مَنْ سَيَّبَ السَّائِبَةَ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ الِانْتِفَاعُ بِهَا أَمَّا إذَا ذَكَرَ مَصْرِفًا صَحِيحًا، فَيُعْذَرُ لِعَدَمِ قَبُولِهِ، أَوْ لِرَدِّهِ فَلَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ فِي مَعْنَى الْمُسَبَّبِ، بَلْ قَصَدَ صَدَقَةً صَحِيحَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ عَنْهَا لِجِهَةٍ صَحِيحَةٍ لَا عَطَّلَ مَنَافِعَهَا، وَلَا اسْتَثْنَى فِيهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَصَحَّ الْوَقْفُ، فَإِنْ قَبِلَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرُدَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا أَصْلًا وَاشْتَرَطْنَا قَبُولَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَى مَصْرِفٍ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَمَّا صِحَّتُهُ فَلِصِحَّةِ إيجَابِ الْوَقْفِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا صَرْفُهُ مَصَارِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْأَوَّلِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ وَقُلْنَا: الرَّدُّ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ الْوَقْفِ فِي حَقِّهِ فَكَذَلِكَ، وَاَلَّذِي بَطَلَ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا مُطْلَقًا، وَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قُلْنَا: الرَّدُّ يَقْطَعُ الْوَقْفَ بِالْفَسْخِ فَكَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ إنْ قُلْنَا: الْغَلَّةُ لَيْسَتْ لَهُ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ وَمِثْلُهُ قَدْ قُبِلَ بِهِ بِالْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ اتَّجَهَ صَرْفُهُ فِي مَصَارِفِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ تَصَرُّفٌ. وَعَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا يَصِحُّ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْغَلَّةُ لَهُ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْوَصِيَّةِ فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، وَالْمَصْرِفُ لَا يَخْتَلِفُ فَقَدْ صَحَّ كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَفِي التَّصْحِيحِ مِنْ جِهَةِ الْبَحْثِ، وَاعْتُضِدَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ بِمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 600

وَظَهَرَ أَنَّهُ يُتَّجَهُ سَوَاءٌ اشْتَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا، وَلَا يُنَافِي تَصْحِيحُهُ فِي الْمِنْهَاجِ اشْتِرَاطَ الْقَبُولِ عَلَى أَنَّا نَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْقَبُولَ لَا يُشْتَرَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَجَ لَنَا مِنْ هَذَا صُوَرٌ يَتَضَمَّنُهَا انْقِطَاعُ الْمَصْرِفِ الْأَوَّلِ: (إحْدَاهَا) أَنْ لَا يَذْكُرَ لَهُ الْآنَ مَصْرِفًا كَقَوْلِهِ: عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي. وَعِلَّةُ الْبُطْلَانِ فِيهِ كَوْنُهُ وَقَفَهُ الْآنَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْآنَ سَبِيلًا، وَهُوَ أَشَدُّ فَسَادًا مِمَّا إذَا سَكَتَ عَنْ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ لَا يُنَافِي الْمَصْرِفَ إلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ، وَهُنَا مُقْتَضَى شَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَّا لِمَنْ سَيُولَدُ، فَهُوَ الْآنَ مُعَطَّلٌ يُشَبَّهُ بِالسَّائِبَةِ. (الثَّانِيَةُ) أَنْ يَذْكُرَ مَصْرُوفًا مَجْهُولًا، أَوْ مُعَيَّنًا لَا نَفْسَ الْمِلْكِ، وَعِلَّةُ الْبُطْلَانِ أَنَّ الْمَصْرِفَ الْمَذْكُورَ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَمُقْتَضَى شَرْطِهِ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَّا إلَيْهِ فَقَدْ تَعَطَّلَ الْمَصْرِفُ الصَّحِيحُ فِيهِ بِشَرْطِهِ فَأَشْبَهَ السَّائِبَةَ، وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ طَرِيقَانِ إحْدَاهُمَا الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ وَالثَّانِيَةُ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ. (الثَّالِثَةُ) أَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدَيْهِ فِي زَمَنِ مَوْتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ، فَهِيَ كَالصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: صَحِيحَةٌ وَرَدَتْ، وَقُلْنَا: الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءً عَطِيَّةٌ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَنْفِيذٌ فَقِيلَ كَالصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَقِيلَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فَيَجِيءُ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ وَالْأَصَحُّ مِنْهَا أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ. (الرَّابِعَةُ) أَنْ يَقِفَ عَلَى مَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيَشْتَرِطَ الْقَبُولَ فَلَا يَقْبَلُ، أَوْ يَرُدَّ فَقَوْلَانِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ فِيمَنْ بَعْدَهُ وِفَاقًا لِمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَخِلَافًا لِمَا ارْتَضَاهُ هُوَ. (الْخَامِسَةُ) كَذَلِكَ، وَلَا يَشْتَرِطُ الْقَبُولَ وَقُلْنَا: الرَّدُّ يُبْطِلُهَا مِنْ أَصْلِهَا فَكَذَلِكَ. (السَّادِسَةُ) الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَقُلْنَا: الرَّدُّ فَسْخٌ، وَقُلْنَا: بِالصِّحَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ الْبُوَيْطِيُّ فِي بَابِ الْأَحْبَاسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِذَا قَالَ: دَارِي حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ مَرْجِعُهَا إلَيَّ إذَا انْقَرَضُوا فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ، وَقِيلَ: الْحَبْسُ جَائِزٌ، وَيَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ لِلْمُحْبِسِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ الْعُمْرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَهَا لِمَنْ أَعْمَرَهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَزَالَ مِلْكُ الْمُعَمِّرِ وَأَبْطَلَ شَرْطَهُ فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ شَرْطُهُ فِي الْحَبْسِ وَيَجْعَلُهَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ حَبْسًا كَمَا جَعَلَ أَصْلَهَا كَمَا كَانَتْ الْعُمْرَى عَلَى مَا جُعِلَ عَلَيْهِ أَصْلُهَا. فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُمْرَى لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ الْحَبْسُ لِوَرَثَةِ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى مِلْكُ أَصْلِهَا فَوَرَثَتُهَا وَرَثَتُهُ، وَهَذَا إنَّمَا مَلَكَ سَكَنَهَا، وَلَمْ يَمْلِكْ أَصْلَهَا انْتَهَى. وَهَذَا إذَا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ كَذَلِكَ

стр. 601

وَقَالُوا فِيهِ: إنَّ الْمَذْهَبَ الْبُطْلَانُ. أَمَّا ذِكْرُهُ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلِمَ لَا يَكُونُ كَمُنْقَطِعِ الْأَخِيرِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مُنْقَطِعَ الْأَخِيرِ هُوَ الَّذِي يَسْكُتُ عَنْ مَصْرِفِهِ الْأَخِيرِ، فَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِهَاءِ الْوَقْفِ بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمَوْقُوفِ وَهَذَا مِثْلُهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَالْمُرَادُ رُجُوعُهَا إلَيْهِ غَيْرَ وَقْفٍ، أَمَّا إذَا قَالَ يَرْجِعُ إلَيَّ وَقْفًا عَلَيَّ، وَقُلْنَا: وَقْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً فَهَلْ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ﵀. [فَرْعٌ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ] (فَرْعٌ) الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ صَحِيحٌ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لِلشَّرْعِ فِيهِمْ عُرْفًا، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ فِرْقَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمْ الصِّفَةُ،، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى قَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ كَبَنِي تَمِيمٍ هَلْ يَجُوزُ؟ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ، وَلَا عُرْفَ لِلشَّرْعِ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَقْصِدُ فِيهِمْ صِفَةً، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيُصْرَفُ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَبِيلَةٌ مَخْصُوصَةٌ،، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَالْمَنْقُولُ فِي الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ، وَلِعَدَمِ عُرْفِ الشَّارِعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ عِلَّةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَكِنْ دَلَّ عَلَيْهَا تَصْوِيرُهُ بِكُلٍّ، وَهِيَ قَصْدُ الِاسْتِيعَابِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَمَّا لَوْ قَالَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقَصْدِهِ وَصْفُ الِاتِّصَافِ بِالْإِسْلَامِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي التَّعْلِيلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا قَالَ كُلُّ الْفُقَرَاءِ: إنَّهُ يَبْطُلُ، وَلَا عُرْفَ لِلشَّرْعِ حِينَئِذٍ وَهَذَا أَوْلَى حَيْثُ ظَهَرَ قَصْدُ الِاسْتِيعَابِ بَطَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ أَمْكَنَ صَحَّ كَالْأَوْلَادِ سَوَاءٌ قَصَدَ الْوَقْفَ أَمْ لَا وَحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الِاسْتِيعَابِ، فَإِنْ ثَبَتَ لِلشَّرْعِ فِيهِ عُرْفٌ صَحَّ جَزْمًا وَإِلَّا فَقَوْلَانِ مُطْلَقًا كَثُرَ الْعُمُومُ، أَوْ قَلَّ وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ الصِّحَّةَ ذَكَرَهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَصَحَّ مَا عَيَّنَاهُ أَنَّ الْمُفْسِدَ إنَّمَا هُوَ لَفْظَةُ كُلِّ. [فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ] (فَرْعٌ) إذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ صُرِفَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَقْرَبِ الْأَقَارِبِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْجَمَاعَةَ هُنَا كَالْجَمَاعَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَكْفِيَ اثْنَانِ. [فَرْعٌ مَنْ قَالَ وَقَفْت دَارِي هَذِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي] (فَرْعٌ) عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي النِّهَايَةِ وَالْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ: وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فِي الْفَتَاوَى فِي زَمَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَالَ: وَقَفْت دَارِي هَذِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي فَأَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَنَّ الْوَقْفَ يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ وُقُوعَ الْعِتْقِ فِي الْمُدَبَّرِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَسَاعَدَهُ أَئِمَّةُ الزَّمَانِ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَلَى التَّحْقِيقِ، بَلْ هُوَ زَائِدٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إيقَاعُ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي حِكَايَتِهِ فَأَفْتَى الْأُسْتَاذُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا كَأَنَّهُ

стр. 602

وَصِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الدَّارَ عَلَى الْبَيْعِ صَارَ رَاجِعًا فِيهِ انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: أَفْتَى بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْمَوْتِ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ: وُقُوعَ الْعِتْقِ فِي الْمُدَبَّرِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَتْ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ فَلَا يُتَوَهَّمُ صِحَّةُ الْوَقْفِ الْآنَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَوْلُهُ كَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ فِقْهٌ صَحِيحٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ وَأَتَى الرَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي لَا قَطْعَ فِيهَا بِشَيْءٍ أَظُنُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَعْلِيقُ الْوَصْفِ بِصِفَةٍ وَهِيَ الْمَوْتُ لَا وَصِيَّةَ كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي التَّدْبِيرِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَافَاةٌ لِحِكَايَةِ الْإِمَامِ، وَلَا لِحِكَايَةِ الرَّافِعِيِّ بَلْ كِلَا الْحِكَايَتَيْنِ مُحْتَمَلٌ لَهُ إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْعِتْقِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ هَلْ هُوَ وَصِيَّةٌ، أَوْ تَعْلِيقٌ يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَعْلِيقِهِ فَكَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ الرَّافِعِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأُسْتَاذُ يَقُولُ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ كَالْعِتْقِ وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ تَعْلِيقَهُ بِالْمَوْتِ تَعْلِيقٌ لَا وَصِيَّةٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ، بَلْ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي التَّدْبِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْأُسْتَاذُ يَقُولُ بِذَلِكَ فَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يُخَالِفُونَهُ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْوَقْفَ لَا يُعَلَّقُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّهُ وَصِيَّةٌ فَلَا يَظْهَرُ لِمُخَالَفَتِهِ وَجْهٌ وَظَنِّي أَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ الْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَمِنْ صُوَرِهِ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إنَّهُمْ لِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي الْحَيَاةِ وَلُزُومِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ تَبَرُّعٌ فَيَصِحُّ مُضَافًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابَ يَقُولُونَ: الْوَقْفُ لَا يُعَلَّقُ يَعْنِي بِهِ التَّعْلِيقَ بِشَرْطِ الْحَيَاةِ كَمَا إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَهُوَ وَقْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، هَكَذَا يَقْتَضِيهِ تَمْثِيلُهُمْ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِتَقْيِيدِهِ بِهِ وَقَالَ: إنَّ تَعْلِيقَ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ وَبِشَرْطٍ يُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ جَائِزٌ وَصِيَّةً، وَاَلَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ الْوَقْفُ لَا يُعَلَّقُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا الْهِبَةُ لَا تُعَلَّقُ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا لَوْ قَالَ لَهُ وَهَبْت لَهُ ثَوْبِي كَانَ وَصِيَّةً. كَذَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَالرَّافِعِيُّ، وَهُوَ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ جَمِيعَ التَّبَرُّعَاتِ مِمَّا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ شَرْطٌ فِي الْحَيَاةِ وَمِمَّا لَا يَقْبَلُهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ إخْرَاجِ الْمُدَبَّرِ مِنْ التَّدْبِيرِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ التَّدْبِيرِ، يَعْنِي إذَا قُلْنَا: بِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ فَتَصْرِيحُ الشَّافِعِيِّ بِوَقْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْأُسْتَاذُ وَنَصُّ

стр. 603

الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُدَبِّرُهُ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا لَوْ قَالَا: أَنْتَ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ مِنَّا حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَوْصَى لِصَاحِبِهِ نِصْفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ هُوَ، فَيَكُونُ وَصِيَّةً فِي الثُّلُثِ جَائِزَةٌ وَيُعْتَقُ بِمَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ فِيهِ أَنَّهُ كَمَا إذَا قَالَا إذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْمَنْفَعَةَ بَيْنَ الْمَوْتَيْنِ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ وَهَا هُنَا هِيَ لِلْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الْكَسْبُ وَكَانَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا انْتَهَى، وَقَدْ ذَكَرَ فِيمَا إذَا قَالَ: إذَا مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَمَاتَا مُرَتَّبًا أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ فِيمَا يُزِيلُ الْمِلْكَ انْتَهَى. وَهَاهُنَا هَلْ نَقُولُ: إنَّهُ بَيْنَ الْمَوْتَيْنِ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْحَيِّ، أَوْ مِلْكٌ لَهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ كَالْوَرَثَةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ؟ الْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ النَّصِّ الَّذِي حَكَيْنَاهُ الثَّانِي، وَلَفْظَةُ " حَبْسٌ " أَقْرَبُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْوَقْفِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِيرُ كَمَا لَوْ وَقَفَ بِالْمَوْتِ يَنْتَهِي بِمَوْتِهِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ بِشَرْطِ أَنَّهُ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ وَقْفًا، وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَعْنَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْعَتِيقَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَمَنْفَعَتَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا فِي جَوَازِ الْوَطْءِ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ وَقْفًا لَمْ يَجُزْ الْوَطْءُ. وَإِنْ جَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ وَلَوْ احْتَمَلَ الْمَنْعَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فَيَحْصُلُ الِاسْتِيلَادُ فَيَنْقَطِعُ وَلَاءُ التَّدْبِيرِ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ مِلْكًا، أَوْ وَقْفًا يَحْصُلُ الِاسْتِشْهَادُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ حَبْسًا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَنَحْنُ كَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِشْهَادِ إنَّهُ يَصِحُّ وَصِيَّةً لَكِنْ لَيْسَ لِلْمَسَاكِينِ، وَلَا لِلنَّاظِرِ فِي أَمْرِهِمْ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَصَّى لَهُمْ بِهَا عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ يَنْتَفِعُونَ بِمَنْفَعَتِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: هِيَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي عَلَى زَيْدٍ مُرَادُهُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّدْبِيرِ إلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَوْقِيتَ، بَلْ هُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ يَكُونُ بَعْدَهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لَا يَدْخُلُ الْوَارِثُ فِيهَا، وَفِي مَسْأَلَةِ التَّدْبِيرِ لَمَّا نَصَّ عَلَى الْعِتْقِ كَانَ كَقَوْلِهِ بَعْدَ زَيْدٍ لَا يَكُونُ وَقْفًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ تَقْرِيرُ مَسْأَلَةِ الْأُسْتَاذِ وَتَصْحِيحُهَا وَإِيرَادُ إذَا قَالَ: هَذَا وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ إلَى أَنْ مَاتَ وَخَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَصَايَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ، وَفِي عَدَمِ صَرْفِهِ لِلْوَارِثِ، وَحُكْمِ الْأَوْقَافِ فِي تَأْبِيدِهِ وَعَدَمِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ، وَلَيْسَ خَارِجًا فِي هَذَا أَيْضًا عَنْ حُكْمِ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَصَّى كَذَلِكَ فَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَصَّى بِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَصَّيْت بِأَنْ يَسْلُكَ بِهِ مَسْلَكَ الْأَوْقَافِ مِنْ صَرْفِ الرِّيعِ لِتِلْكَ السَّبِيلِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا وَحَبْسَ الْعَيْنَ لِأَجَلِهَا وَأَنْ يَجْرِيَ

стр. 604

عَلَيْهَا حُكْمُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مِنْ انْتِقَالِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَوْلٍ وَإِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَا تَنْتَقِلُ عَلَى قَوْلٍ إنْ كَانَ يَجْرِي بَعْدَ وَفَاةِ الْوَاقِفِ، وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ، وَلَا مَا بَحَثْنَاهُ عَلَيْهِ إلَّا كَلِمَاتٍ سَأَذْكُرُهَا لَك: مِنْهَا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ ﵀ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ الْأَثَرَةِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّسْوِيَةِ. قَالَ: قَالُوا: كَيْفَ أَجَزْتُمْ هَذَا بِالصِّفَاتِ وَتَعْلِيقُ الْوَقْفِ بِالصِّفَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ وَقَفْت دَارِي هَذِهِ عَلَيْك، وَإِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت وَنَحْوُ هَذَا كَانَ الْوَقْفُ بَاطِلًا؟ قُلْنَا: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقُ أَصْلِ الْوَقْفِ بِالصِّفَةِ فَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ وَقَعَ مُطْلَقًا وَلَكِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِهِ بِالصِّفَةِ وَهَذَا جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَبِعْ كَانَ الْإِذْنُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ صَحَّ وَالتَّصَرُّفَ بِالصِّفَةِ كَذَلِكَ هُنَا إذَا عَلَّقَ الْوَقْفَ بِالصِّفَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِذَا صَحَّ وَعَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالصِّفَةِ صَحَّ انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ قَوْلَهُ: إذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت، وَنِعْمَ مَا صَنَعَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَازَعَ فِيهِ. وَلَعَلَّ عُذْرَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ بِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِ، بَلْ وَقَعَتْ فِي سُؤَالِ السَّائِلِ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِجَوَابِهَا لِاشْتِغَالِهِ بِالْجَوَابِ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ التَّعْلِيقُ دُونَ ذَلِكَ الْمِثَالِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، عَلَى أَنِّي أَقُولُ إذَا قَالَ: إذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت لَا يَصِحُّ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الْمُعَلِّقُ إنْشَاءَ الْوَقْفِ وَالْإِنْشَاءُ لَا يُعَلَّقُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ طَلَّقْتُك فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ مُنْشِئُ الطَّلَاقِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ وَالْخَبَرُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ. وَهَذَا فِي إذَا دَخَلْت طَلَّقْتُك، وَفِي إذَا مِتُّ وَقَفْت ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ إذَا دَخَلْت فَقَدْ طَلَّقْتُك، وَإِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت فَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْجَزَاءَ مَحْذُوفٌ؛ وَقَوْلُهُ فَقَدْ طَلَّقْتُك، أَوْ فَقَدْ وَقَفْت جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِالطَّلَاقِ، وَالْوَقْفِ لَا مُنْشَأَ لَهُمَا، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْت وَوَقَفْت حِينَئِذٍ فَيَعُودُ إلَى مَعْنًى، فَهُوَ وَقْفٌ، أَوْ فَهِيَ طَالِقٌ. وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا فِي الْعُرْفِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت طَلَّقْت، وَصِفَةُ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ الصَّحِيحَةِ بِلَا شَكٍّ أَنْ يَقُولَ: إذَا مِتُّ فَهَذَا وَقْفٌ كَمَا أَنَّهُ يَقُولُ: إذَا دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهُوَ مُنْشِئٌ الْآنَ لِلْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ وَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، فَهُوَ الْآنَ وَاقِفٌ بِشَرْطٍ، وَمُطْلَقٌ بِشَرْطٍ، وَالْوُقُوعُ عِنْدَ الصِّفَةِ لَا الْإِيقَاعِ، وَمِنْهَا أَنَّ الرَّازِيَّ، وَهُوَ تِلْمِيذُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْمَقْصُودِ فِي تَعْلِيقِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَ: لَوْ قَالَ: وَقَفْت دَارِي عَلَى فُلَانٍ بَعْدَ حَيَاةِ عِيسَى

стр. 605

لَا يَصِحُّ لِمِثْلِ ذَلِكَ يَعْنِي التَّعْلِيقَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سُلَيْمٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ لَا يَصِحُّ وَقْفًا وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَقُولُ بِصِحَّتِهِ وَصِيَّةً وَحِينَئِذٍ لَا يُنَافِي مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَمِنْهَا أَنَّ نَصْرًا الْمَقْدِسِيَّ، وَهُوَ تِلْمِيذُ سُلَيْمٍ قَالَ فِي الْكَافِي، وَإِنْ قَالَ: وَقَفْت هَذِهِ الدَّارَ بَعْدَ حَيَاةِ عَيْنِي، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَسْكُنَهَا، أَوْ انْتَفَعَ بِهَا مَا عِشْت، وَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ وَقَفْتهَا لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ، وَتَأْوِيلُ هَذَا كَتَأْوِيلِ كَلَامِ سُلَيْمٍ وَهُمْ لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقْفٌ، وَلَا يَنْظُرُونَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَلِذَلِكَ يَقَعُ مِنْهُمْ هَذَا الْإِطْلَاقُ وَمِنْهَا أَنَّ الْفَقِيهَ إسْمَاعِيلَ الْحَضْرَمِيَّ شَرَحَ الْمُهَذَّبِ وَذَكَرَ مَا قُلْنَاهُ عَنْ التَّتِمَّةِ مِنْ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ خِلَافُ مَا قَالَ فَيَفْسُدُ، فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَحَكَى مَسْأَلَةَ الْأُسْتَاذِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ؛ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَمَا قَالَهُ إسْمَاعِيلُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ مَعَ إطْبَاقِ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ الْمُضَافِ وَصِيَّةً، وَلَمْ يُرِدْ الْغَزَالِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي: مَسْأَلَةَ الْأُسْتَاذِ إبْطَالَهَا وَإِلْحَاقَهَا بِالتَّعْلِيقِ بِالْحَيَاةِ، بَلْ عَكْسَهُ، وَهُوَ إلْحَاقُ التَّعْلِيقِ فِي الْحَيَاةِ بِهَا وَإِسْمَاعِيلُ مَسْبُوقٌ بِهَذَا التَّوَهُّمِ فَقَدْ سَبَقَهُ شَيْخُ الْعَلَّامَةِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ فِي الْغَايَةِ اخْتِصَارِ النِّهَايَةِ فَحَكَى مَسْأَلَةَ الْأُسْتَاذِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ الْإِمَامُ: هَذَا تَعْلِيقٌ وَأَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبْطَالِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ الْمَوْتِ وَالْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبْطَالِ وَقَدْ حَكَيْنَا لَفْظَهُ بِرُمَّتِهِ، وَلَمْ يُرِدْ إبْطَالَ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ إذَا قُلْنَا: بِصِحَّتِهِ وَصَرَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ إلَى الْوَاقِفِ كَانَ مُعَلَّقًا، وَيَكُونُ الْوَاقِفُ يَأْخُذُ عَلَيْهِ مِلْكًا لَا وَقْفًا. وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لَا تَصْحِيحَ فِيهِمَا، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَقْفًا فَمُرَادُ الْإِمَامِ اعْتِضَادُ الْأَوَّلِ بِهِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ مَسْأَلَةُ الْأُسْتَاذِ تَقْرِيرًا جَيِّدًا، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْ الْأُسْتَاذِ، بَلْ ذَكَرَهَا جَازِمًا بِهَا، وَفِي كَلَامِهِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَهُوَ جَوَازُ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً فَلَا فَرْقَ، نَعَمْ إذَا جَوَّزْنَا تَعْلِيقَهُ فِي الْحَيَاةِ مُعَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ تَخْرِيجَ وَجْهٍ بِامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِيهِ بِالْقَوْلِ، فَلَوْ أَضَافَ إلَى الْمَوْتِ شَرْطًا آخَرَ بَعْدَهُ فَفِي نَظِيرِهِ مِنْ التَّدْبِيرِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَدْبِيرٌ، فَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ عَلَى وَجْهٍ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ بِالْمَوْتِ مَعَ شَرْطٍ آخَرَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَأْتِي فِيهِ وَجْهٌ بِمَنْعِ الرُّجُوعِ.

стр. 606

فَائِدَةٌ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَتَى إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَشَرْطُ الْقَوْلِ بِذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَظْمُهَا هَكَذَا مِنْ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِ الْجَزَاءِ، فَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ كَانَ مَعْنَاهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالدُّخُولِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: طَلَّقْت إنْ لَمْ تَسْأَلِي ... : أَيُّ فَارِسٍ حَلِيلُك وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عُرْفًا وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قُدِّمَ الشَّرْطُ عُلِمَ أَنَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مُسْتَقْبَلٌ، فَإِذَا جَاءَ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَإِذَا قُدِّمَ الْفِعْلُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِنْشَاءِ حُمِلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى الشَّرْطُ بَعْدَهُ جَعَلْنَاهُ شَرْطًا فِي تَمَامِهِ وَوُقُوعِ أَثَرِهِ لَا فِي أَصْلِهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ الْمُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ؛ لِأَنَّ طَلَّقْت صَارَ لَهُ جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَهُوَ إنْشَاؤُهُ لِلطَّلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَالْجِهَةُ الْأُولَى لَا تَعْلِيقَ فِيهَا، وَالثَّانِيَةُ هِيَ مَحَلُّ التَّعْلِيقِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ الشَّرْطُ وَتَأَخَّرَ بِجِهَتِهِ جَمِيعًا صُورَةً وَحُكْمًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ تَابِعَةٌ لِلْجِهَةِ الْأُولَى، وَالْجِهَةَ الْأُولَى تَابِعَةٌ لِلشَّرْطِ فَلَا يَصِحُّ، وَإِذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ كَانَ مُقَيَّدًا لِمَا أَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ هِيَ الثَّانِيَةُ فَيَخْتَصُّ بِهَا وَتَكُونُ هِيَ وَحْدَهَا دَلِيلَ الْجَزَاءِ، وَتَبْقَى الْأُولَى عَلَى إطْلَاقِهَا؛ وَاللَّفْظُ إذَا كَانَ لَهُ جِهَتَانِ فِي قُوَّةِ لَفْظَيْنِ فَيُعَامَلُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ. وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ بَحْثٌ آخَرُ فِي قَوْلِهِ " إنْ شِئْت بِعْتُك " وَأَنَّهُ بَاطِلٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ " بِعْتُك إنْ شِئْت "؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الصِّحَّةِ فِيهِ أَنَّ الْمُعَلَّقَ تَمَامُ الْبَيْعِ لَا أَصْلُهُ فَاَلَّذِي مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، وَهُوَ إنْشَاءُ الْبَيْعِ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، وَتَمَامُهُ، وَهُوَ الْقَبُولُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ تَكْمُلُ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ، وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَالَ: " إنْ شِئْت وَقَفْت هَذَا عَلَيْك " لَا يَصِحُّ. وَإِنْ قَالَ: " وَقَفْتُهُ عَلَيْك إنْ شِئْت "، فَإِنْ قُلْنَا: قَبُولُ الْوَقْفِ فِي الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِشَرْطٍ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ حِينَئِذٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ غَيْرُ الْإِنْشَاءِ، وَهُوَ لَا يُعَلَّقُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقُولُ أَبَحْت لَك هَذَا إنْ شِئْت وَالْمَعْنَى إنْ شِئْت فَخُذْهُ،، وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَنَحْوِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ، أَوْ يَتَأَخَّرَ الْكُلُّ مُعَلَّقٌ تَعْلِيقًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ الطَّلَاقُ لَا التَّطَلُّقُ، وَكَذَلِكَ إنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ فَهَذَا وَقْفٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْمَسْأَلَةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ الْأُسْتَاذِ لَفْظُهَا " وَقَفْت عَلَى

стр. 607

الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي " وَالظَّرْفُ كَالشَّرْطِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَامِ الْوَقْفِ، وَهُوَ صِحَّتُهُ فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْشَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ حَاصِلٌ الْآنَ كَمَا أَنَّ إنْشَاءَ الْعِتْقِ فِي التَّدْبِيرِ حَاصِلٌ الْآنَ، وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَنَّ إيقَاعَ مَصْرِفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِبَحْثٍ. وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت هَلْ هُوَ بِالتَّعْلِيقِ السَّابِقِ وَالشَّرْطُ الدُّخُولُ، أَوْ بِالدُّخُولِ، وَيَكُونُ بِالتَّعْلِيقِ بِصِيغَتِهِ سَبَبًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالثَّانِي مَنْقُولٌ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُجْعَلُ عِنْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا حُكْمًا وَتَقْدِيرًا كَأَنَّهُ أَنْشَأَ التَّطْلِيقَ ذَلِكَ الْوَقْتَ؛ وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ هُوَ الْمُوجِبُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ عِنْدَ الدُّخُولِ لَا بِهِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ هُنَا نَازِعٌ إلَى كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ، فَهُوَ فِي التَّدْبِيرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْعِتْقِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَحِينَئِذٍ يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ الْحَيِّ. فَلَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ التَّعَالِيقِ لَمَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ حَصَلْت فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَإِذَا جَعَلْنَاهُ وَاقِعًا بِالتَّعْلِيقِ السَّابِقِ كَانَ أَوْلَى خُرُوجًا عَنْ الْقَاعِدَةِ وَتَعْلِيقُ الْوَقْفِ بِالْمَوْتِ كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ اخْتَصَّ بِاسْمٍ خَاصٍّ، وَهُوَ التَّدْبِيرُ، وَمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الْأُسْتَاذِ هُوَ أَحَدُ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ. (أَحَدُهَا) هَذَا. (وَالثَّانِي) أَنْ يُرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَفْتهَا، وَهُوَ بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ إنْ مِتُّ وَقَفْت. (وَالثَّالِثُ) أَنْ يُرَادَ جَعَلْته مَوْقُوفًا الْآنَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي، وَهُوَ بَاطِلٌ إمَّا لِلتَّنَاقُضِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَلَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةَ وَكَانَ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ يَقْتَضِيَانِ الْبُطْلَانَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِاقْتِضَائِهِ الصِّحَّةَ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ مَعَ كَوْنِ الْكَلَامِ مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ، وَإِذَا قَالَ: إذَا مِتُّ فَهَذَا وَقْفٌ، أَوْ إذَا انْقَضَى شَهْرٌ بَعْدَ مَوْتِي فَهَذَا وَقْفٌ فَلَا إشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ، وَإِذَا قَالَ: إنْ مِتُّ وَقَفْت فَلَا إشْكَالَ فِي الْبُطْلَانِ إلَّا إذَا نَوَى أَنَّهُ وَقْفٌ فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ كِتَابَةً. [فَرْعٌ التَّرْتِيبُ فِي الْمَصَارِفِ لَا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ] (فَرْعٌ) إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو فَالتَّرْتِيبُ فِي الْمَصَارِفِ لَا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ إنْشَاءَهُ الْوَقْفَ الْآنَ عَلَى الْبُطُونِ كُلِّهَا مَرْتَبَةً فَالتَّرْتِيبُ فِيهَا فِي الْإِنْشَاءِ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَتَأَخَّرُ مَدْلُولُهُ عَنْ زَمَانِ النُّطْقِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت ثُمَّ وَقَفْت كَانَا إنْشَاءَيْنِ لَا إنْشَاءً؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَتَأَخَّرُ مَدْلُولُهُ عَنْ زَمَانِ النُّطْقِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت ثُمَّ وَقَفْت كَانَا إنْشَاءَيْنِ لَا إنْشَاءً وَاحِدًا وَدَخَلَتْ " ثُمَّ " بَيَّنَ هَذَيْنِ الْإِنْشَاءَيْنِ كَمَا تَدْخُلُ فِي تَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ حَيْثُ يُرَادُ مَعْنَى أُخْبِرُك

стр. 608

بِكَذَا ثُمَّ أُخْبِرُك بِكَذَا؟ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مَوْقُوفَةٍ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: وَقَفْت هَذِهِ عَلَى الْفُقَهَاءِ ثُمَّ وَقَفْتهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يُصَادِفْ الْوَقْفُ الثَّانِي مَحَلًّا بَعْدَ نَفَاذِ الْأَوَّلِ؛ أَمَّا إذَا قَالَ: وَقَفْتهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ ثُمَّ وَقَفْتهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مُتَرَتِّبَتَيْنِ فِي الْمَصْرِفِ، وَيُوَضِّحُ لَك هَذَا أَنْ وَقَفْتهَا فِي مَعْنَى حَبَسْتهَا وَحَبَسْتهَا لَهُ مُطَاوِعٌ، وَهُوَ الِانْحِبَاسُ وَكَأَنَّهُ قَالَ جَعَلْتهَا مُنْحَبِسَةً عَلَى الْفُقَهَاءِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْحِبَاسِ الَّذِي ذَكَرَ عَلَيْهِ الْحَبْسَ لَا بِنَفْسِ الْحَبْسِ، أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَامِ مَعْنَى الْحَبْسِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الشَّرْطِ فِيمَا سَبَقَ، أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كَائِنَةٌ عَلَى الْفُقَهَاءِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ تَقَادِيرَ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقَادِيرِ الْحَبْسُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْفَاعِلِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ الْبُطُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَلَا مُعَلَّقًا عَلَيْهَا، وَأَمَّا الِانْحِبَاسُ فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَجَعْلُهُ مَوْقُوفًا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَأَنَّ الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الِانْحِبَاسُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ عَقِبَ الْحَبْسِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءُ الْوَقْفِ عَلَى نَعْتِ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْبَيْعِ عَقِبَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَمَا بَعْدَهُ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ حَاصِلٌ الْآنَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْحَبْسِ، وَأَثَرُ الشَّيْءِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرَ ظُهُورُ أَثَرِهِ فَلَا يَكُونُ الْحَبْسُ، وَالِانْحِبَاسُ مُعَلَّقَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُتَجَدِّدُ صِفَةُ الْبَطْنِ الثَّانِي وَكَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يُوصَفُ الْعَبْدُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ، بَلْ الِانْحِبَاسُ الْبَطْنُ الثَّانِي، وَمَا بَعْدَهُ مُعَلَّقٌ، وَيَكْفِي فِي تَنْجِيزِ الْوَقْفِ حُصُولُ أَثَرٍ لَهُ فِي الْحَالِ وَبَقِيَّةُ الْآثَارِ تُوجَدُ عَلَى تَرْتِيبِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَلِهَذَا يَقُولُ: الْوَرَّاقُونَ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْبَطْنُ كَانَ ذَلِكَ حَبْسًا، أَوْ وَقْفًا عَلَى كَذَا، وَقَدْ رَأَيْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِعَيْنِهَا فِي كِتَابِ وَقْفِ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَلَدِهِ أَبِي الْحَسَنِ وَهُوَ مَسْطُورٌ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هُنَا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ الْحَبْسُ وَهُوَ الْوَقْفُ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ الْإِيقَافُ عَلَى لُغَةٍ رَدِيئَةٍ، وَتَمَامُهُ بِوُجُودِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهَا، وَالِانْحِبَاسُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ تِلْكَ الصِّحَّةِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوَقْفِ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْوَرَّاقِينَ صَارَ ذَلِكَ وَقْفًا؛ وَاسْتِحْقَاقُ الصَّرْفِ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي حَاصِلَانِ حِينَ نَطَقَ الْوَاقِفُ بِالْوَقْفِ وَيَتْلُوهُمَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيَتْلُوهُ الرَّابِعُ، وَلَا إشْكَالَ فِي قَبُولِهِ التَّعْلِيقَ، وَمِمَّا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْمَصَارِفِ لَا غَيْرُ قَوْلُ

стр. 609

كَثِيرٍ مِنْ الْوَرَّاقِينَ وَقَفَ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ يَصْرِفُ مِنْ رِيعِهَا لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي كَذَا فَيُجْمِلُ الْوَقْفَ أَوَّلًا ثُمَّ يُفَصِّلُهُ وَيَعْطِفُ بَعْضَ الْفُصُولِ عَلَى بَعْضٍ وَيُبَيِّنُ لَك هَذَا أَنَّ التَّوْقِيتَ وَالتَّعْلِيقَ مُمْتَنِعَانِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصَّحِيحِ وَجَائِزَانِ فِي الْمَصَارِفِ فَتَقُولُ: وَقَفْت هَذَا عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو، بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّوْقِيتُ وَاجِبًا كَقَوْلِك: وَقَفْتُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ سَنَةً ثُمَّ عَلَى وَلَدِي فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا انْقِطَاعَ لَهُمْ. [فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ] (فَرْعٌ) إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ بَاطِلٌ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمْ إنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ فَيَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ وَاعْلَمْ أَنَّ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ مَرَاتِبُ: (إحْدَاهَا) الَّذِي يَجْرِي فِي الصِّحَّةِ، وَيَكُونُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ غَيْرَ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ وَقَفْت عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ، أَوْ وَقَفْت عَلَى فُلَانٍ الْحَرْبِيِّ ثُمَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ، وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ وَالثَّانِي الصِّحَّةُ؛ وَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ كَالْمَجْهُولِ صُرِفَ لِمَنْ بَعْدُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ فَفِي مَصْرِفِهِ الْآنَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ، وَالثَّانِي لِمَنْ بَعْدُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ كَالْمَجْهُولِ، وَالثَّالِثُ لِلْمَسَاكِينِ، وَالرَّابِعُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ وَقْفٌ مُنْجَزٌ الْآنَ مَحْسُوبٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِجَرَيَانِهِ فِي الصِّحَّةِ، وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ يَصْرِفَهُ الْوَاقِفُ وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَقْفًا وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَكُونُ الْوَقْفُ نَاجِزًا الْآنَ، وَصَرْفُهُ إلَى نَفْسِهِ كَالصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ، وَالثَّانِي مِلْكًا فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْوَقْفُ نَاجِزًا الْآنَ، بَلْ مُعَلَّقًا بِانْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى مَنْ بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الْقَائِلُ يَلْتَزِمُ جَوَازَ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ احْتَمَلَهُ هُنَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا، وَلَا يَحْتَمِلُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ مُسْتَقِلًّا، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَقْوَالٌ مُخَرَّجَةٌ، وَجَوَازُ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ اسْتِقْلَالًا وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَكْثَرُ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَيَظْهَرُ مِنْ تَفْرِيعِ جَعْلِ الْوَقْفِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُعَلَّقًا لَا مُنَجَّزًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ كُنْت لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ مَنْقُولًا. (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا وَقَفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى وَارِثِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَقَدْ نَصَّ فِي حَرْمَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَبْطُلُ وَالثَّانِي يَكُونُ لِوَارِثِهِ، فَإِذَا انْقَرَضَ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمَا الْقَوْلَانِ

стр. 610

فِي مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ فِعْلِ الْإِمَامِ عَنْ الْأَصْحَابِ تَرْتِيبُهَا عَلَيْهِ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّا إنْ لَمْ نُصَحِّحْ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ، أَوْ صَحَّحْنَاهَا وَرَدَّ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ الْأَصَحُّ يُبْطِلُ، وَعَلَى الثَّانِي، وَهُوَ صِحَّةُ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ يُصْرَفُ لِلْوَرَثَةِ مُدَّةَ حَيَاةِ الْوَارِثِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَرَضَ نُقِلَ إلَى الْمَسَاكِينِ سَوَاءٌ أَبَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَحَدٌ غَيْرُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ وَخَرَجَ بَعْضُهُ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ بِيعَ فِيهِ وَبَطَلَ الْوَقْفُ وَالصَّرْفُ إلَى الْوَرَثَةِ هُنَا حَيْثُ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ عَلَى الصَّحِيحِ وَعَلَى الثَّانِي لِلْمَسَاكِينِ وَعَلَى الثَّالِثِ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَلَا يَجِيءُ هُنَا غَيْرُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْرِيعِهِ قَدْ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. (الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَبْطَلْنَا الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ، وَجَعَلْنَا مَصْرِفَهُ الْآنَ أَقْرَبَ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ الْمَسَاكِينِ، أَوْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، أَوْ الْوَاقِفِ عَلَى سَبِيلِ الْوَقْفِ كَغَيْرِهِ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ، أَوْ الْبَطْنِ الْمَذْكُورِ وَبَعْدِهِ فَكَذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُنَجَّزٌ، وَإِنْ جَعَلْنَا مَصْرِفَهُ لِلْوَاقِفِ مِلْكًا وَأَنَّهُ مُعَلَّقٌ فَيَحْتَمِلُ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ لَا تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ فَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ ذَاكَ إذَا عَلَّقَ قَصَدَ حَيْثُ يَصِحُّ التَّعْلِيقُ الْمُسْتَقْبَلُ أَمَّا هَذَا التَّعْلِيقُ الَّذِي جَاءَ عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ فَلَا، هَذَا إذَا صَحَّحْنَا الْمُنْقَطِعَ الْأَوَّلَ أَمَّا إذَا قُلْنَا: بَاطِلٌ فَقَدْ سَكَتَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ فِي الْبُطْلَانِ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفًا مُنَجَّزًا الْآنَ، وَلَا مُعَلَّقًا لَازِمًا وَلَنَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ تَعْلِيقًا غَيْرَ لَازِمٍ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِالْمَوْتِ فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ وَهَلْ نَقُولُ: بِأَنَّ كَلَامَهُ مُتَضَمِّنٌ لَهَا فَتَصِحُّ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ التَّعْلِيقُ، أَوْ نَقُولُ ذَاكَ إذَا قَصَدَ مَا إذَا كَانَ تَبَعًا لِوَقْفٍ فَلَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا لَكِنْ نَقَلَ الْجُورِيُّ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا الْبُطْلَانُ وَعَلَّلَهُ بِعِلَةٍ قَاصِرَةٍ عَلَى مَنْعِ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ يَكُونُ مُرَادُهُ أَصْلَ الْوَقْفِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْوَارِثِ فِي الْمَرَضِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَرْجِعُ إلَى مَا حَكَيْنَاهُ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ يُصْرَفُ الْآنَ لِلْوَاقِفِ مِلْكًا، وَيَكُونُ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ وَيَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ التَّعْلِيقِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَلَامُ ابْنِ شُرَيْحٍ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ الْمُنْقَطِعِ، فَيَكُونُ هَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ بِعَيْنِهِ

стр. 611

وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا يَرُومُهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْبُطْلَانِ وَيَحْتَمِلُ كَلَامًا مِنْ رَأْسٍ فَيُعْتَضَدُ بِهِ لِذَلِكَ، الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَالرَّابِعُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ لِلْوَاقِفِ وَهَذَانِ هُمَا اللَّذَانِ حَكَيْنَاهُمَا تَفْرِيعًا عَلَى الصِّحَّةِ. وَالْخَامِسُ أَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ وَالْمَنْفَعَةُ مِلْكٌ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ وَلِوَرَثَةِ وَرَثَتِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ لِلْمَسَاكِينِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ لَهُ فِيمَا لَوْ وَقَفَ وَسَكَتَ عَنْ السَّبِيلِ، وَفِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا تُعْتَبَرُ الْمَنَافِعُ مِنْ الثُّلُثِ فَحَصَلَ مَعَنَا فِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَجْهٌ مُحَقَّقٌ أَنَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَنَّهُ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ مُفَرَّعًا عَلَى صِحَّةِ الْمُنْقَطِعِ خَاصَّةً، أَوْ عَلَى صِحَّتِهِ وَبُطْلَانِهِ وَقْفًا لِيَكُونَ وَصِيَّةً وَالْمَصْلَحَةُ الْفَتْوَى بِهَذَا لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِصِحَّتِهِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَحَدُ وُجُوهٍ خَرَّجَهَا ابْنُ شُرَيْحٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابُ الْوُجُوهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَنَصَرَهُ بِأَدِلَّةٍ، وَلَيْسَ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، ثُمَّ الْوَقْفُ الْمُنْقَطِعُ الْأَوَّلُ تَرَدَّدَ الْقَوْلُ فِيهِ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي حَرْمَلَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ نَصِّهِ، وَأَمَّا أَنَا فَاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مُحَقَّقًا مِنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ يُحْتَمَلُ لِأَنَّ صِيغَتَهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ: إذَا وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْوَقْفُ بَاطِلٌ كَالْبَحِيرَةِ. (وَالثَّانِي) : يَصِحُّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ نِصْفُهُ وَيَبْطُلُ نِصْفُهُ عَلَى وَلَدِهِ، وَيَكُونُ لِوَارِثِهِ، فَإِذَا انْقَرَضَ كَانَ لِوَلَدِ وَلَدِهِ انْتَهَى. فَفَهِمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ هَذَا أَنَّهُمَا قَوْلَانِ فِي مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَجَعَلَ قَوْلَهُ: أَحَدُهُمَا الْوَقْفُ بَاطِلٌ يَعْنِي فِي الْجَمِيعِ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَلِمَنْ بَعْدَهُ وَالثَّانِي صِحَّتُهُ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَدُهُ، أَوْ وَلَدُ وَلَدِهِ يَقْتَضِي أَنَّ لِوَلَدِهِ فِي الْحَالِ النِّصْفَ وَلِوَلَدِ وَلَدِهِ النِّصْفَ، فَإِذَا انْقَرَضَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْجَمِيعُ لِلثَّانِي كَمَا إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ صُرِفَتْ الْغَلَّةُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَالنِّصْفُ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ الْآنَ لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ حَكَمْنَا نَحْنُ بِهِ لِاقْتِضَاءِ التَّوْزِيعِ إيَّاهُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِ نَصِيبِ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ بِوَارِثٍ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِ الصَّفْقَةِ وَأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ مَا يَجُوزُ، وَمَا لَا يَجُوزُ فَيَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ. وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ مُسْتَنِدُهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَلَا انْقِطَاعَ فِي نَصِيبِ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا الِانْقِطَاعُ فِي نَصِيبِ الْوَلَدِ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ

стр. 612

عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَيَكُونُ لِوَلَدِهِ، فَإِذَا انْقَرَضَ كَانَ لِوَلَدِ وَلَدِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَصِيبَ الْوَلَدِ خَاصَّةً، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ تَخْصِيصًا لِلتَّفْرِيعِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كُلُّ مَا أَبْطَلْنَاهُ، وَهُوَ الْجَمِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَوْ النِّصْفُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَيَكُونُ الْمُنْقَطِعُ الْأَوَّلُ صَحِيحًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَكَانَ الصَّارِفُ عَنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَأْخَذَ بُطْلَانِ الْجَمِيعِ امْتَنَعَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ مَأْخَذَ أَيْضًا لِبُطْلَانِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ بَنَاهُ عَلَيْهِ لَكِنَّا نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ الْبِنَاءَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَزِمَ تَصْحِيحُ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ وَبِالْجُمْلَةِ لَنَا نَصٌّ فِي حَرْمَلَةَ عَلَى صِحَّةِ الْمُنْقَطِعِ وَنَصٌّ فِي الْأُمِّ عَلَى بُطْلَانِهِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْبُطْلَانِ وَالرُّويَانِيُّ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ إنَّهُ يَصِحُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ هَكَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عَشَرَ فِي بَابِ الْخِلَافِ فِي الصَّدَقَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَفِي صِحَّةِ الْمُنْقَطِعِ الْآخَرِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ فِيهِمَا. إذَا عَرَفْت هَذَا فَعَلَى تَصْحِيحِ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا وَقْفٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ خَارِجٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَعَلَى تَصْحِيحِ الْمُنْقَطِعِ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ وَعَلَى إبْطَالِ الْمُنْقَطِعِ اعْتِبَارُهُ مِنْ الثُّلُثِ لَهُ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ تَضَمُّنِ قَوْلِ الْوَاقِفِ يَعْنِي: الْوَصِيَّةَ، وَإِبْطَالُهُ بِالْكُلِّيَّةِ لَا مُسْتَنِدَ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَإِبْقَاءُ الْحَالِ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ الْوَقْفِ فَيَسْتَمِرُّ الْوَقْفُ، وَلَا يَبْطُلُ تَمَسُّكًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَطَرْحًا لِلْمُحْتَمَلِ، الثَّانِي أَنَّ كَلَامَهُ تَضَمَّنَ وَصِيَّةً مُحَقَّقَةً فَيَحْكُمُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْوَقْفِ صَحِيحَةً وَوَقَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ مُتَضَمِّنٌ بِهَا وَدَالٌّ عَلَيْهَا، فَإِذَا بَطَلَ خُصُوصُ الْوَقْفِ لَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ لَا يَبْطُلُ الْعُمُومُ. انْتَهَتْ الْفُرُوعُ وَالْفَوَائِدُ نُقِلَتْ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (مَسْأَلَةٌ) مَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي رَجُلٍ وَقَفَ دَارًا، أَوْ عَقَارًا عَلَى نَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَتْ الدَّارُ مَدْرَسَةً لِلشَّافِعِيَّةِ كَثَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَعَادَ الْعَقَارُ عَلَى مَصَالِحِهَا وَمُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ وَإِمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَحَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَفَّذَهُ شَافِعِيٌّ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ وَقْفَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ ثُمَّ إنَّ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ بَعْضُهَا سَقْفٌ وَبَعْضُهَا أَقْبَاءٌ خَرِبَتْ سَقْفُهَا وَتَشَعَّبَتْ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمُنَفِّذِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ وَإِعَادَتُهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ إلَّا بِإِجَارَتِهَا مُدَّةً سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ

стр. 613

فَأَجَّرَهَا الْوَاقِفُ الْمَذْكُورُ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ النَّظَرَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا انْقَرَضَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَصَارَتْ مَدْرَسَةً كَانَ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ قَبِيلَتِهِ سَنَةً وَقَبَضَ بَعْضَ الْأُجُورِ لِنَفْسِهِ وَصَرَفَ الْبَاقِيَ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي الْعِمَارَةِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ الْمَذْكُورُ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِمُخَالَفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ ثُمَّ إنَّ الْوَاقِفَ مَاتَ وَانْقَرَضَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَعَادَتْ الدَّارُ مَدْرَسَةً يُذْكَرُ فِيهَا الْعِلْمُ وَتُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَهَلْ الْإِجَارَةُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْوَاقِفِ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْتُمْ لَا تَنْفَسِخُ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ ذُرِّيَّتِهِ وَانْقِرَاضِهِمْ بِحُكْمِ صَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً أَمْ تَسْتَمِرُّ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ سَكَنًا، فَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ الِاسْتِمْرَارِ فَهَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ مُدَّةِ صَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً أَمْ لَا. وَإِنْ قُلْتُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ فَمَاذَا يُفْعَلُ فِي رِيعِ الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَدْرَسَةِ وَالْإِمَامِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَالْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ الشَّافِعِيُّ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا حَكَمَ بِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ انْقِرَاضِ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ وَصَيْرُورَةِ الدَّارِ الَّتِي صَارَتْ مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا وَأَذِنَ لِمَنْ وَلِيَ تَدْرِيسَ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَنْ يَذْكُرَ الدَّرْسَ فِي مَسْجِدٍ قَرِيبٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي صَارَتْ مَدْرَسَةً، وَإِذَا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى مَنْ سَكَنَ الدَّارَ وَعَطَّلَهَا عَمَّا صَارَتْ لَهُ فَهَلْ يَعُودُ بِهَا الْمُدَرِّسُ الَّذِي ذَكَرَ الدَّرْسَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُجَاوِرِ لِلْمَدْرَسَةِ وَالْفُقَهَاءِ أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِصَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً وَإِخْرَاجِ مَنْ اتَّخَذَهَا سَكَنًا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مَسْجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ اسْمُهُ وَعَطَّلَهَا عَمَّا بُنِيَتْ لَهُ وَجُعِلَتْ يَوْمَئِذٍ وَاَلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ، بَلْ لَهُ مُبَاشِرَاتٌ مُكْسِيَةٌ. وَالْمَسْئُولُ مِنْ إحْسَانِكُمْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ أَنْ تُبَيِّنُوا لَنَا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ بَيَانًا شَافِيًا وَاضِحًا وَابْسُطُوا لَنَا الْعِبَارَةَ وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ بَيَانُ حُكْمِ هَذِهِ الدَّارِ الْمَدْرَسَةِ هَلْ تَسْتَمِرُّ سَكَنًا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا. (أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ دَيِّنًا عَالِمًا وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ لَمَّا رَآهُ دَلِيلًا عِنْدَهُ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ وَاَلَّذِي صُرِفَ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي الْعِمَارَةِ صَرْفٌ صَحِيحٌ وَاَلَّذِي قَبَضَهُ الْوَاقِفُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ مَا يُقَابِلُ مُدَّتَهُ مِمَّا عَسَاهُ يَفْضُلُ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعِمَارَةِ وَيَرْجِعُ فِي تَرِكَتِهِ بِالْبَاقِي لِجِهَةِ الْوَقْفِ إنْ وُجِدَ لَهُ تَرِكَةٌ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ، وَلَا بِمَوْتِ ذُرِّيَّتِهِ وَانْقِرَاضِهِمْ، بَلْ تَسْتَمِرُّ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ صَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً سَكَنًا لِلْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ تَخَلَّصَتْ مَدْرَسَةً

стр. 614

لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فِيهَا. وَفِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْتَأْجِرُ إنْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ بِدُخُولِ الْمُدَرِّسِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ لِوَظَائِفِهِمْ فَبِهَا أَقَامُوهَا وَإِلَّا فَهُمْ مَعْذُورُونَ وَيُقِيمُونَهَا فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهَا مَا عَسَاهُ يَحْصُلُ مِنْ رِيعِ الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا مِمَّا يَفْضُلُ لَهُمْ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ الْمُنَفِّذُ بِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ وَصَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا وَالْإِذْنُ لِمَنْ وَلِيَ تَدْرِيسَهَا أَنْ يَذْكُرَ الدَّرْسَ فِي مَسْجِدٍ قَرِيبٍ مِنْهَا هُوَ كَمَا قُلْنَا: وَلَا تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَدَّلَ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ وَالْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ لِتَكْرِيرِ السُّؤَالِ، وَلَا نَقُولُ بِإِخْرَاجِ مَنْ اتَّخَذَهَا سَكَنًا، بَلْ نَقُولُ بِصَيْرُورَتِهَا مَدْرَسَةً مَعَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إخْرَاجُهُ، بَلْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُهُ، وَهُوَ لَمْ يَمْنَعْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَلَا سَعَى فِي خَرَابِهَا، وَإِنَّمَا سَعَى فِي عِمَارَتِهَا وَعِمَارَتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي صَدَرَ صَحِيحًا، وَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْحَاكِمِ وَالشُّهُودِ وَقَدْ تَقَلَّدُوهُ إنْ كَانَ خَيْرًا فَلَهُمْ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَنَا أَنَّهُ شَرٌّ،، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فِي يَدِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمُبَاشِرَاتُ الْمَكْسِيَّةُ عَلَيْهِ إثْمُهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِنَا مِنْهَا شَيْءٌ. هَذَا جَوَابُنَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ،، وَإِنْ كَانَ حَاكِمُ الْآنِ يَظْهَرُ لَهُ بِالْكَشْفِ وَالْفَحْصِ مِنْ صُورَةِ الْحَالِ خِلَافُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْحَقِّ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا قُلْنَاهُ وَيَجِبُ الدَّوَرَانُ مَعَ ظُهُورِ الْحَقِّ وُجُودًا وَعَدَمًا انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلِ مِنْ الْأَوْقَافِ هَذَا الزَّمَانِ] (مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَأْيِهِ فِي الْأَكْلِ مِنْ الْأَوْقَافِ هَذَا الزَّمَانِ. (أَجَابَ) الْأَوْقَافُ مِنْهَا مَا يَقِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمِنْهَا مَا يُقِرُّ بِأَنَّ وَاقِفًا وَقَفَهُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مُرَادُهُ نَفْسَهُ، وَالْوَقْفُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بَاطِلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهَا مَا يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ وَيُسَلِّمُهُ إيَّاهُ ثُمَّ يَقِفُهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْأَوْقَافِ قَدْ يَكُونُ مَصِيرُهَا إلَى الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَكْلُ مِنْهَا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الشُّبُهَاتِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ، فَلَيْسَتْ مِنْ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ، وَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِهَا وَبِصِحَّتِهَا، وَهُوَ يَرَى صِحَّتَهَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، أَوْ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْإِقْرَارِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي وَصَدَّقَهُ وَيَرَى صِحَّةَ الْمُقِرِّ بِهِ فَالْحُكْمُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا، وَفِي نُفُوذِهِ بَاطِنًا اخْتِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ الشُّبُهَاتِ الَّتِي مَنْ اتَّقَاهَا اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ الْإِقْرَارِ، فَهُوَ حَرَامٌ بَيِّنٌ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ كَانَ فِي مَحَلِّ الشُّبْهَةِ فَالتَّوَقُّفُ

стр. 615

عَنْ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَافِ الثَّلَاثَةِ وَرَعٌ، أَوْ مُحَرَّمٌ التَّحْرِيمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَالْوَرَعُ فِيمَا سِوَاهُ، وَالْأَكْلُ مِنْ وَقْفِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ وَكَثِيرٌ مِنْ مَدَارِسِ الشَّامِ كَذَلِكَ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَقِفُهُ عَلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ يَكُونُ وَاقِفُهُ قَدْ اكْتَسَبَهُ بِطَرِيقٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَالْأَكْلُ مِنْهُ فِيهِ شُبْهَةٌ أَيْضًا، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَوْقَافِ الَّتِي يَقِفُهَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي لَمْ يَتَوَرَّعُوا فِيهَا. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَقِفُهُ الْمُلُوكُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْوَقْفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَالتَّوَقُّفُ عَنْهُ وَرَعٌ وَالْأَكْلُ مِنْهُ شُبْهَةٌ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَقِفُهُ الشَّخْصُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ شَرْطًا يُفْسِدُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَيَكُونُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَيْضًا شُبْهَةً وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ تَوَرُّعًا. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ وَيَشْتَرِطُ الْوَاقِفُ فِيهِ شُرُوطًا، فَإِنْ تَدَاوَلَهَا مَنْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ ظَاهِرَةٌ كَانَ حَلَالًا، وَإِنْ تَنَاوَلَهَا مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ تَنَاوَلَهَا مَنْ هُوَ عَلَى نَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، أَوْ مَذْهَبٍ دُونَ مَذْهَبٍ، أَوْ احْتِمَالٍ دُونَ احْتِمَالٍ يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْوَاقِفِ، فَهُوَ شُبْهَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِمَقْصُودِ الْوَاقِفِ عَلَى الْكَمَالِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَافِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَيْهِمْ يُدْخِلُونَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ يَغِيبُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ الِاشْتِغَالِ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَيَعْرِضُ لَهُ احْتِيَاجٌ إلَى عِمَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كَلَفِ الْوَقْفِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى الصَّرْفِ إلَى الْمُسْتَحَقِّينَ وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى حَرَامٍ وَشُبْهَةٍ بِاعْتِبَارِ قُوَّةِ الِاحْتِيَاجِ وَضَعْفِهِ وَتَعَيُّنِ وَقْتِ ذَلِكَ وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَكُونُ تَحْصِيلُ الْمَالِ بِشُبْهَةٍ كَالْمُزَارَعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْأَكْلُ مِنْهُ شُبْهَةٌ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَكُونُ السَّاكِنُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ أُجْرَتُهُ مَالَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ فَأَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ كَذَلِكَ فَالْأَكْلُ مِنْهُ شُبْهَةٌ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ النَّاظِرِ، أَوْ نَائِبِهِ إيجَارٌ صَحِيحٌ، بَلْ يُسْلِمُهُ لِمَنْ يَسْكُنُهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ لِيَقْبَلَ مَا عَسَاهُ يَتَوَقَّعُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى السَّاكِنِ حِينَئِذٍ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنَّ الَّذِي يَدْفَعُهُ زَائِدٌ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَالزَّائِدُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فَتَنَاوُلُ الْمُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ الْوَقْفِ إمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا شُبْهَةٌ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ وَجَهْلِهِ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ نَاظِرُهُ، أَوْ الْمُتَكَلِّمُ فِيهِ لَيْسَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ، أَوْ أَخَذَهُ بِطَرِيقِ التَّغَلُّبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ قَبْضُهُ صَحِيحًا فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ تَنَاوُلُهُ مِنْهُ فَأَكْلُهُ لِذَلِكَ إمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا شُبْهَةٌ. وَمِنْ الْأَوْقَافِ مَا

стр. 616

يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَكُونُ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ كَالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ الَّذِي مَعْلُومِي عَلَى الْحُكْمِ مِنْهُ، فَالْأَكْلُ مِنْهُ شُبْهَةٌ وَلَيْتَنِي إذْ أَكَلْت مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ اقْتَصَرْت عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَكَانَ فِيهِ مَعْذِرَةٌ لِقِيَامِ الْبِنْيَةِ لَكِنِّي أَتَوَسَّعُ وَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بَعِيدٌ مِنْ الْوَرَعِ وَالْكَلَامِ فِيهِ فَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ فِي الْإِخْلَاصِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى دَرَجَةٍ؟ ، اللَّهُمَّ غَفْرًا وَلَكِنِّي أَقُولُ الْكَلَامَ تَارَةً بِلِسَانِ الْحَالِ، وَلَيْسَ لِي فِيهِ مَجَالٌ وَتَارَةً بِلِسَانِ الْعِلْمِ فَرُبَّمَا لِي فِيهِ بَعْضُ قِسْمٍ، وَأَيْضًا قَدْ يَحْصُلُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَرِعٍ إخْلَاصٌ فِي عَمَلٍ فَيَسْتَعِينُ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الْإِخْلَاصِ، وَيَكُونُ مِنْ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَوَدِدْت لَوْ حَصَلَ لِي ذَلِكَ الْمَقَامُ وَأَنَا الْيَوْمَ فِي إحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً مَا أَثِقُ بِأَنِّي حَصَلَ لِي ذَلِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْبِ اللَّهِ وَاَللَّهِ أَوَدُّ الْآنَ لَوْ كَانَ عُمْرِي الَّذِي مَضَى كُلُّهُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي، وَأَنْ يَحْصُلَ لِي الْآنَ عَمَلٌ وَاحِدٌ يَرْضَاهُ اللَّهُ، وَلَسْت رَاضِيًا عَنْ نَفْسِي، وَلَا عَنْ كَلَامِي هَذَا، وَلَا عَنْ هَذَا الْكَلَامِ أَيْضًا، وَلَا بِاطِّلَاعِ أَحَدٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُهُ كَعَادَتِي بِالْكِتَابَةِ وَعَسَى أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لِي بِهِ ضَرَرٌ، وَاَلَّذِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ فَلَعَلَّكَ لَا تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك؛ لِأَنَّ لَهَا دَسَائِسَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَغَيْرُك بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا يَعْلَمُ، وَلَا يُصَدِّقُك عَمَّا تُخْبِرُ بِهِ، بَلْ يُكَذِّبُك أَوْ لَا يُصْغِي إلَيْك فَأَنْتَ اجْتَهَدَ فِي إخْلَاصِ مَا فِي قَلْبِك إنْ كَانَ خَيْرًا فَلَكَ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَعَلَيْك، وَلَا يَنْفَعُك غَيْرُ اللَّهِ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ غَيْرَك عَلِمَ بِذَلِكَ وَصَدَّقَك عَلَيْهِ فَغَيْرُك إمَّا يُحِبُّ وَإِمَّا يَبْغُضُ وَإِمَّا بَيْنَ ذَلِكَ فَالْمُحِبُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْفَعَك بِذَرِّهِ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْك ضُرَّهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الْمُحِبِّ فَكَيْفَ الْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ فَقَدِّرْ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ عَدَمًا وَتَحَقَّقْ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِمْ، أَوْ رُؤْيَتَهُمْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا، وَإِذَا تَحَقَّقْت ذَلِكَ انْتَفَعْت وَانْدَفَعَ عَنْك الرِّيَاءُ وَيْحَك تُرَائِي مَنْ لَا شَيْءَ؟ فَانْفَرِدْ مَعَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ وَتَقَرَّبْ إلَى الرَّبِّ الصَّمَدِ، وَلَا يَقَعْ فِي نَفْسِك أَنَّ فِي الْوُجُودِ غَيْرَهُ أَحَدًا، وَلَا أُرِيدُ بِذَلِكَ مَقَالَةَ أَهْلِ الْإِلْحَادِ هَيْهَاتَ أُولَئِكَ نَظَرُوا إلَى الْأَغْيَارِ وَأَنَا أَجْعَلُهَا عَدَمًا فَلَسْت أَرَى فِي كُلِّ وَجْهٍ قَصَدْتُهُ سِوَى خَالِقِي اللَّهِ الرَّقِيبِ الْمُهَيْمِنِ إلَّا أَنْ تَقْصِدَ أَمْرًا دِينِيًّا كَالتَّعْلِيمِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَقَاصِدِ الدِّينِيَّةِ أَنْ يَرَى شَيْخَهُ لِيَعْرِفَهُ حَالَ عَمَلِهِ وَلِيُسِرَّهُ بِهِ فَذَلِكَ قَصْدٌ صَالِحٌ. وَاَلَّذِي ذَكَرْته فِي الْأَوْقَافِ تَنْبِيهٌ لِي وَلِكَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِي. وَكَذَلِكَ فِي الْأَكْلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْفُقَهَاءِ وَالْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ بَيْتَ الْمَالِ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ حَرَامٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ، وَقِسْمٌ هُوَ الْحَلَالُ وَهُوَ

стр. 617

نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا الْأَرَاضِي الْوَاصِلَةُ إلَيْنَا مِنْ فُتُوحِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالْكَلَامُ فِي كَوْنِهَا، أَوْ بَعْضِهَا وَقْفًا، أَوْ غَيْرَ وَقْفٍ مَعْلُومٌ فَمَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا، وَهُوَ بِصِفَةِ اسْتِحْقَاقِهَا الْمَعْلُومِ فِي الشَّرْعِ قَدْرَ مَا يُبِيحُهُ لَهُ الشَّرْعُ جَيِّدٌ وَمَنْ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا شُبْهَةٌ وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ وَكُلُّ أَحَدٍ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ مَنْفَعَةِ الْإِسْلَامِ وَاتِّصَافٍ بِمَا قَصَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَمَنْ بَعْدِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ إلَّا إقَامَةُ دِينِ النَّبِيِّ ﷺ فَالْفُقَهَاءُ وَالْأَجْنَادُ هُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاحْتِرَازُ فِي مَطْعَمِهِمْ مِنْهَا وَأَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ يَدْخُلُ لَهُمْ مِنْهَا حَلَالًا مَحْضًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَذَلِكَ عَزِيزٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يَجِدْ عَنْهُ مَنْدُوحَةً يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ، وَغَيْرُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ إمَّا أَنْ تَدْخُلَ إلَى الشَّخْصِ بِلَا عِوَضٍ كَصَدَقَةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَيُحْتَرَزُ فِي مَالِ ذَلِكَ الْمُتَصَدِّقِ وَالْوَاهِبِ وَالْمُوصِي وَهَلْ فِيهِ شُبْهَةٌ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ حَلَالًا بَيِّنًا وَقَدْ حَصَلَ لَك مِنْهُ بِطَرِيقٍ حَلَالٍ بَيِّنٍ فَاشْكُرْ رَبَّكَ وَإِلَّا، فَهُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِنَابِ إمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا شُبْهَةٌ، وَإِنْ دَخَلَ لَك بِعِوَضٍ وَجَبَ عَلَيْك النَّظَرُ فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا مَالُ مَنْ دَخَلَ إلَيْك مِنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالثَّانِي الْعِوَضُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلَيْهِ هَلْ هُوَ سَالِمٌ عَنْ الشُّبْهَةِ، أَوْ لَا وَالطَّرِيقُ الَّذِي عَاوَضْتَهُ بِهَا هَلْ هِيَ سَالِمَةٌ عَنْ الشُّبْهَةِ، أَوْ لَا، وَهَذِهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ إذَا فَتَّشَ عَنْهَا لَمْ يَكَدْ يُوجَدُ عَلَى بُسُطِ الْأَرْضِ دِرْهَمٌ حَلَالٌ بَيِّنٌ فَإِنَّ أَرْبَابَ الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَاتِ وَالزِّرَاعَاتِ مَكَاسِبُهُمْ وَأَعْوَاضُهُمْ تَنْتَهِي إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. وَأَكْلُ الْحَلَالِ هُوَ سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ وَخِلَافُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَمُبْعَدٌ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَمِنْ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ. اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك أَنْ تَتَوَلَّى أُمُورَنَا بِيَدِك، وَلَا تَكِلَنَا إلَى أَنْفُسِنَا، وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِك، وَلَا إلَى أَعْمَالِنَا، فَلَيْسَ لَنَا أَعْمَالٌ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَأَدْوَمَهَا يَا كَرِيمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ﴿مَسْأَلَةٌ﴾ فِي رَجُلٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ وَلَهُ ابْنُ ابْنِ ابْنِ بِنْتٍ وَابْنُ ابْنِ ابْنِ بِنْتٍ أُخْرَى، وَهُوَ ابْنُ ابْنِ ابْنِ أَخٍ فَمَنْ هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ مِنْهُمَا وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْوَقْفَ مِنْهُمَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. ﴿أَجَابَ بِمَا صُورَتُهُ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ، الثَّانِي أَقْرَبُ وَيَسْتَحِقُّ الْوَقْفَ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِقَرَابَتَيْنِ وَمَنْ يُدْلِي بِقَرَابَتَيْنِ أَقْرَبُ مِمَّنْ يُدْلِي بِقَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّ أَقْرَبَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ وَتَارَةً تَكُونُ بِقُرْبِ الدَّرَجَةِ وَتَارَةً بِزِيَادَةِ الْقَرَابَةِ مَعَ اتِّحَادِ الدَّرَجَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا اتِّفَاقُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَخِ الشَّقِيقِ عَلَى الْأَخِ

стр. 618

لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَمَّا كَانَ الشَّقِيقُ يُدْلِي بِقَرَابَةِ أَبٍ وَأُمٍّ وَالْأَخُ لِلْأَبِ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ فَقَطْ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَصِيَّةِ أَيُّهُمْ جَمَعَ قَرَابَةَ أَبٍ وَأُمٍّ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّنْ انْفَرَدَ بِأَبٍ، أَوْ أُمٍّ. وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ تَشْمَلُ الْإِخْوَةَ وَالْأَعْمَامَ وَبَنِيهِمْ وَيُقَاسُ عَلَيْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِلْأَقْرَبِ وَلَهُ جَدَّتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْأُخْرَى مِنْ جِهَتَيْنِ هَلْ تُقَدَّمُ الَّتِي مِنْ جِهَتَيْنِ، أَوْ يَسْتَوِيَانِ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ جَرَيَانَ الْوَجْهَيْنِ وَلَكِنْ نَقُولُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا تَقْدِيمُ ذَاتِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنَّهُ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْإِرْثِ وَالْمَذْهَبُ فِي الْإِرْثِ اسْتِوَاؤُهُمَا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْإِرْثِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ، أَوْ نَقْصِدُ ذَاتَ الْجِهَتَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَرَيَانِ ذَاتِ الْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْإِرْثِ وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْإِرْثِ اسْمُ الْجَدَّةِ وَالْجُدُودَةُ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ قَدْ يَكْثُرُ وَقَدْ يَقِلُّ كَمَا أَنَّ الْأُخُوَّةَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَدْ تَكُونُ بِأَبٍ، أَوْ بِأُمٍّ، أَوْ بِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ دَخَلَ الْجَمِيعُ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَقْرَبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا ذُو الْجِهَتَيْنِ إذَا وُجِدَ فَكَذَلِكَ كَانَ الْمَذْهَبُ فِي الْمِيرَاثِ اسْتِوَاؤُهُمَا. وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ إذَا اُعْتُبِرَ الْأَقْرَبُ فَالْمَأْخَذُ مَعْنَى الْقَرَابَةِ فَمَنْ يُرَجَّحْ فِيهِ قُدِّمَ فَلَا جَرَمَ قُلْنَا: يَجِبُ تَقْدِيمُ ذِي الْقَرَابَتَيْنِ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْوَجْهَانِ فِي الْإِرْثِ صَحِيحَانِ وَالْوَجْهَانِ فِي الْوَصِيَّةِ صَحِيحَانِ وَالصَّحِيحُ مُخْتَلَفٌ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا غَيْرُ مَقْبُولٍ، بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ وَتَأْوِيلُهُ وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ مَعْنَى الْقَرَابَةِ وَاسْمُهَا مُعْتَبَرًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُقْتَضَى سُقُوطِ أَحَدِهِمَا وَجَبَ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ مِنْهُمَا وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي سُقُوطَ أَحَدِهِمَا عَنْ ابْنٍ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ فِي الْإِرْثِ لَا نَظِيرَ إلَى بُنُوَّةِ الْعَمِّ فَقَطْعًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْفٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ. اخْتِيَارِي الْآنَ مِنْهُمَا التَّقْدِيمُ فَيُقَدَّمُ الِابْنُ الَّذِي هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ عَلَى الِابْنِ الَّذِي لَا يُدْلِي إلَّا بِالْبُنُوَّةِ إذَا كَانَا فِي وَقْفٍ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ وَجَدْت فِي السُّنَّةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَاهِدًا لَهُ، وَهُوَ حَدِيثُ صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ وَأَعْطَى مِنْهَا حَسَّانَ وَأُبَيًّا، وَلَمْ يُعْطِ أَنَسًا مِنْهَا شَيْئًا وَثَلَاثَتُهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ وَحَسَّانُ أَلْصَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَهُ مِنْهُ بُنُوَّةُ عَمٍّ بَعِيدَةٍ وَلَكِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِهِ أُخْتِ وَالِدِهِ كَذَلِكَ وَاعْتَبَرَ هَذِهِ الْقَرَابَةَ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ

стр. 619

وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ بِمَجْمُوعِهِمَا وَعَادَلَ بَيْنَ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ بِتِلْكَ وَأَنَسٌ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ حَرَمَهُ. هَذَا فِيمَا نَظُنُّهُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَنَسًا لِبُعْدِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ مِنْ قَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ، وَإِنْ جَمَعَتْهُمَا قَبِيلَةُ الْخَزْرَجِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ تَعْمِيمُ الْأَقْرَبِينَ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْأَقْرَبِينَ، بَلْ عَمَّمَ جَمِيعَ الْقَرَائِبِ جَوَازًا لَا وُجُوبًا وَلِذَلِكَ أَعْطَى حَسَّانَ وَأُبَيًّا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا حَقِيقَةً فَلِذَلِكَ لَمْ نَجْعَلْهُ دَلِيلًا جَازِمًا بَلْ قُلْنَا: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَاهِدًا. وَمَا قَدَّمْنَا كَافٍ فِي الْفَتْوَى بِمَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. ﴿فُتْيَا مِنْ حَمَاةَ﴾ فِي وَقْفٍ وَقَفَهُ وَاقِفُهُ عَلَى الْأَسْرَى وَوَقَفَ آخَرُ وَقْفَهُ عَلَى الْأَسْرَى فَاحْتَاجَ أَحَدُ الْوَقْفَيْنِ إلَى الْعِمَارَةِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ فِي عِمَارَتِهِ مِنْ الْوَقْفِ الْآخَرِ. ﴿الْجَوَابُ﴾ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَكِنْ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ نَاظِرًا وَظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْ أَحَدِ الْوَقْفَيْنِ لِلْآخَرِ، وَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى اسْتِفْكَاكِ أَسْرَى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْهُ مَا يَعْمُرُ بِهِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا كَمُلَتْ الْعِمَارَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. ﴿مَسْأَلَةٌ﴾ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا فَقِيهَانِ وَهِيَ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَمَنْ يُهَيِّئُ الْقَنَادِيلَ لِلِاسْتِصْبَاحِ وَيَكْنُسُ الْمَسْجِدَ مِنْ الْغُبَارِ وَلِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ عَلَى الْمَسْجِدِ جُعْلٌ فَعَجَزَ رِيعُ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتٍ مَا عَنْ أَنْ يُوفِيَ بِجُعْلِهِمَا فَمَنْ يُقَدَّمُ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِصَرْفِ جُعْلِهِ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمْ يُقَدَّمُ الْقَيِّمُ بِالْقَنَادِيلِ وَعَلَّلَ قَوْلَهُ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمَسْجِدِ إذْ هُوَ أَشْبَهُ مِنْ الْمُؤَذِّنِ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِبَقَائِهِ وَتَرْكِ انْدِرَاسِهِ. وَغَيْرُ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِانْقِطَاعِهِ وَخَرَابِهِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ الَّذِي يُؤَذِّنُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَوْلَى بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ مِمَّنْ يَقُومُ بِالْقَنَادِيلِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ الشَّرْعِ اقْتِضَاءُ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ، وَيَكْفِي فِيهِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَمَا تَقَرَّرَ فِي أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ فِي اسْتِصْبَاحِ الْمَسَاجِدِ وَكَنْسِهَا إذْ الِاتِّفَاقُ لَهُ، بَلْ وَرُبَّمَا عُدَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ. وَحَاصِلُ مَا لَدَيْكَ أَنْ تَقُولَ: إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعَارِضُ قَوْلُك مَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي أَصْلِ الدِّينِ مُتَحَقِّقًا بِقَوْلِ أَهْلِ الْيَقِينِ إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْته مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ تَشْرُفُ بِمُتَعَلِّقِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الدِّينِ أَشْرَفُ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْوَقُودِ وَالْكَنْسِ إذْ هُوَ دَالٌّ عَلَى كِبْرِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ

стр. 620

أَمَّا كِبْرِيَاؤُهُ فَلِمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَتَأْكِيدُهُ بِالتَّكْبِيرِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا رَحْمَتُهُ فَلِمَا يُدْرِكُهُ الْفَطِنُ اللَّوْذَعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ مُخْرِجًا لَنَا عَنْ رِبْقَةِ الْكُفْرِ وَجَهَالَتِهِ مُدْخِلًا لَنَا فِي حَوْزَةِ الشَّرْعِ وَحِمَايَتِهِ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ كَيْفَ بَسَطَ لَك مَوَائِدَ كَرَمِهِ فِي دُعَائِك إلَى خِدْمَتِهِ الَّتِي تَشْرُفُ بِهَا النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ وَتُنَوَّرُ بِهَا الْقُلُوبُ الْقُدْسِيَّةُ وَمِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ يُفْهِمُهُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمُتَعَلِّقُ هَذَا يَرْجِعُ فَهْمُهُ إلَى سَبَبِ إبْدَاعِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا أَبْدَعَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُهْجَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي صَلَاتِهِمْ مَنْ يُؤْذِيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ بِالْقَتْلِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ تَبَايُنِ هَذَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يَنْشُلُهُ مِنْ حَضِيضِ طَبْعِهِ وَعُتُوِّهِ وَيُوصِلُهُ إلَى أَوَجِّ شَرْعِهِ وَسُمُوِّهِ؛ وَيَرْجِعُ هَذَا إلَى حِفْظِ بَقَاءِ أَجْسَادِهِمْ أَنْ يُصِيبَهَا مَا يَخْشَوْنَ فَمَاذَا يَكُونُ مِنْ قَضِيَّةِ هَذَيْنِ الْقَائِلَيْنِ وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالنُّصْرَةِ وَالِاتِّبَاعِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ﴿أَجَابَ﴾ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَتَى كَانَ فِي الْأَوْقَافِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي الْعِمَارَةُ مُقَدَّمَةٌ فِيهَا فَلَا يُصْرَفُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمَصْرُوفُ لَا تَدْعُو الْعِمَارَةُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عِمَارَةً إنْ كَانَ لِلْوَاقِفِ شَرْطٌ مَعْلُومٌ فِي تَقْدِيمٍ، أَوْ غَيْرِهِ اتَّبَعَ، وَإِنْ جُهِلَ الْحَالُ اتَّبَعْتَ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ فِي التَّقْدِيمِ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالٍ مُرْصَدٍ لِلْمَصَالِحِ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْأَوْلَى، أَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: إنَّ النَّاظِرَ يَصْرِفُهُ لِلْأَوْلَى، وَتَعَارَضَ الْمَذْكُورَانِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَرَصَدَ ذَلِكَ، أَوْ وَقَفَهُ قَالَ: إنَّهُ لِلْأَوْلَى مُطْلَقًا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَالْمُؤَذِّنُ أَوْلَى، أَمَّا كَوْنُ الْقَيِّمِ أَوْلَى فِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّهُ أَخَصُّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَالْمُؤَذِّنُ مِنْ بَابِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ؛ وَلِأَنَّهُ يُهَيِّئُ الْمَسْجِدَ لِجَمِيعِ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ وَمَنْفَعَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَافِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَبِفَقْدِهِ رُبَّمَا يَتَعَطَّلُ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرُهُ وَيُهْجَرُ الْمَسْجِدُ، وَالْأَذَانُ، وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ وَأَعْلَى، فَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمَسْجِدِ، بَلْ هُوَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَالْبَلَدِ وَإِعْلَامُهُمْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ يُؤَدِّي الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ بِإِقَامَتِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَطْ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَمْسَةِ وَبِعَدَمِهِ لَا تَتَعَطَّلُ عِبَادَاتُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا الْمَفْرُوضَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ

стр. 621

النَّاسِ الْمُجَاوِرِينَ لِلْمَسْجِدِ الْعَالِمِينَ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَيِّمَ بِدْعَةٌ بَاطِلٌ أَمَّا الْكَنْسُ فَمَعْهُودٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَاتَ فَدُفِنَ لَيْلًا الْحَدِيثُ وَيُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ الْعَادَةُ أَنَّهُ لَوْلَا الْكَنْسُ لَحَصَلَ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَالْقُمَامَاتِ وَالْغُبَارِ مَا يُهْجَرُ الْمَسْجِدُ وَيُفْضِي بِهِ إلَى تَعْطِيلِهِ مِمَّنْ يَأْوِي فِيهِ وَتَعَطُّلِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي بُنِيَ لَهَا هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ. «وَقَدْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ حَتَّى الْقَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» فَلَا شَكَّ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ كَنْسَ الْمَسْجِدِ مِنْ الْقُرَبِ الْمَطْلُوبَةِ لِلشَّرْعِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا تَهْيِئَةُ الْقَنَادِيلِ لِلِاسْتِصْبَاحِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَرْوَحَ الْقَائِلَ إلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ نَوَّرَ الْمَسَاجِدَ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَشَكَرَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى ذَلِكَ وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ سُنَّةٌ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْبِدْعَةِ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . اقْتَضَى هَذَا أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ وَعُمَرُ ﵁ ثَانِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَطْلَقَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِدْعَةً مُطْلَقًا وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى التَّرَاوِيحِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفَاضِلِ الْكَبِيرِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ الْمَالِكِيِّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ وَغَيْرِهِ عَدَا التَّرَاوِيحَ فِيهَا، وَاغْتَرَّ بِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَهَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ ﵃ لَمْ يُطْلِقُوا لَفْظَ الْبِدْعَةِ إطْلَاقًا. وَإِنَّمَا قَيَّدُوهُ بِالْمُسْتَحَبَّةِ وَأَدْرَجُوهُ فِي جُمْلَةِ الْجَوَابِ وَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا مُبَيِّنًا مَا قَصَدُوهُ مِنْ كَوْنِهَا حَادِثَةً بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ، وَمَا أَحْسَنَ وَأَصْوَبَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ ﵁ حَيْثُ قَالَ: الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا، أَوْ سُنَّةً، أَوْ أَثَرًا، أَوْ إجْمَاعًا فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ ضَلَالَةٌ. وَالثَّانِي: مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا، وَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، تَعَيَّنَ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى. هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ وَتَأَوَّلْ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ -

стр. 622

عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ وَهُوَ إمَامُ الْعُلَمَاءِ سَيِّدُ مَنْ بَعْدَهُ فَالْبِدْعَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا قُيِّدَتْ الْبِدْعَةُ بِالْمُسْتَحَبَّةِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ، وَيَكُونُ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً. فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ كَنْسَ الْمَسْجِدِ وَتَنْوِيرَهُ بِالْقَنَادِيلِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَالتَّنْوِيرُ أَيْضًا خَاصٌّ بِالْمَسْجِدِ فِيهِ تَهَيُّؤُهُ لَيْلًا لِلْعِبَادَاتِ، فَهُوَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَذَانِ بِذَلِكَ؛ وَبِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي مُدَّةِ اللَّيْلِ وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ أَوْقَاتِ الْأَذَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ مَنْفَعَةِ الْكَنْسِ فَإِنَّهَا لَيْلًا وَنَهَارًا. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مِنْ مَالٍ خَاصٍّ بِالْمَسْجِدِ وَهِيَ الْحَالَةُ الْأُولَى، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ أَوْلَى فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ فَلِعَظَمِ مَوْقِعِهِ فِي الدِّينِ وَتَنْوِيرِهِ لِقُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ، وَالْأَذَانُ مَطْلُوبٌ لِلشَّرْعِ طَلَبًا مُؤَكَّدًا إمَّا وُجُوبًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَعَلَامَةُ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَجْمَعْ ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ مَا جَمَعَهُ وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُ أَهْلِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ وَكَنْسُ الْمَسْجِدِ مِنْ أَدْنَاهَا لِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ «حَتَّى الْقَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» فَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَدْنَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَكَيْفَ نُسَاوِي بَيْنَ أَعْلَى الْأَعْمَالِ مِنْ أَدْنَاهَا فَضْلًا مِنْ أَنَّ تَقَدُّمَ أَدْنَاهَا عَلَى أَعْلَاهَا وَالنَّظَرُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ إذَا تَعَارَضَتْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَنَصْبُ الْمُؤَذِّنِ فِي الْبَلَدِ فَالْمَحَلَّةِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَكَنْسُ مَسْجِدٍ خَاصٍّ وَتَنْوِيرُهُ لَيْسَ مُهِمًّا فِي الدِّينِ فَلَا عَلَيْنَا إذَا عَلَّقَ لِيَحْصُلَ مَا هُوَ أَهَمُّ فِي الدِّينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. ﴿مَسْأَلَةٌ﴾ فِي نَاظِرِ مَدْرَسَةٍ عَمِلَ فِيهَا نَقِيبًا بِمَعْلُومٍ، وَمَاتَ فَوَلِيَ النَّظَرَ آخَرُ هَلْ لَهُ تَغْيِيرُهُ؟ . ﴿الْجَوَابُ﴾ فِعْلُ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْلُومِ إنْ عَارَضَ شَرْطَ الْوَاقِفِ بِغَيْرِ النَّقِيبِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَيَجُوزُ، وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَإِنْ خَالَفَ الْأَوَّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَفَ دَارًا لِحَدِيثِ الْأَشْرَفِيِّةِ مُخْتَصَرًا: هَذَا مَا وَقَفَهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ أَبُو الْفُتُوحِ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي جَمِيعُ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فَمِنْهُ الدَّارُ وَمِنْهُ جَمِيعُ الْحَانُوتَيْنِ مِنْ شَرْقِ بَابِهَا وَجَمِيعِ الْحَانُوتِ مِنْ غَرْبِ الشِّبَّاكِ وَجَمِيعِ الْحُجْرَةِ يَصْعَدُ إلَيْهَا مِنْ بَابٍ مُلْصَقٍ بِالْحَانُوتِ وَجَمِيعُ الْحُجْرَةِ مِنْ غَرْبِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ وَمِنْهُ جَمِيعُ الْقَيْسَارِيَّةِ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ وَجَمِيعُ السَّابَاطِ قُبَالَتُهَا وَدَارٌ، وَمِنْهُ ثُلُثُ حَزْرِ مَا وَقْفًا مُؤَبَّدًا فَالدَّارُ دَارُ حَدِيثٍ. وَأَمَّا سَائِرُ الْعَقَارِ فَمَوْقُوفٌ عَلَى مَصَالِحِ هَذِهِ الدَّارِ وَعَلَى أَهْلِهَا، يَبْدَأُ النَّاظِرُ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ بِعِمَارَةِ الدَّارِ وَعِمَارَةِ مَا هُوَ

стр. 623

مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا قَدْرَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِنْ زَيْتٍ وَشَمْعٍ وَقَنَادِيلَ وَمَصَابِيحَ وَتَعَالِيقَ وَحُصُرٍ وَبُسُطٍ بِرَسْمِ الْمَسْجِدِ وَسَائِرِ مَا لَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ بِسُكْنَاهُ مِنْ سُفْلِ الدَّارِ، وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ آلَةِ تَنْظِيفٍ وَكَنْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا لَعَلَّهُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ تَقْوِيَةِ فَلَّاحٍ وَإِقْرَاضِهِ وَشِرَاءِ دَوَابَّ وَآلَاتٍ، وَيَتَعَاهَدُ كُتُبَ الْوَقْفِ وَحُجَجَهُ بِالْإِثْبَاتِ وَيَصْرِفُ فِي ذَلِكَ مِنْ مُغَلِّ الْوَقْفِ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ مُغَلِّ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ الْمَوْقُوفَةِ فِي عِمَارَةِ مَكَان آخَرَ مِنْهَا مِمَّا وُقِفَ الْآنَ وَمِمَّا سَيُوقَفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا فَضُلَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَصْرُوفًا إلَى أَهْلِ الدَّارِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْمُشْتَغِلِينَ بِعِلْمِهِ وَالسَّامِعِينَ لَهُ وَالْقُرَّاءِ لِلسَّبْعِ وَالشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ وَالْإِمَامِ وَسَائِرِ الْمُرَتَّبِينَ بِالْمَكَانِ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْهُ مَا هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى الْإِمَامِ سِتُّونَ دِرْهَمًا عَنْ كُلِّ شَهْرٍ فِي السَّنَةِ سَبْعُمِائَةِ وَعِشْرُونَ وَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِوَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ فِي الْخَمْسِ، وَفِي التَّرَاوِيحِ وَعَلَيْهِ عَقْدُ حَلْقَةِ الْأَقْرَاءِ وَالتَّلْقِينِ، وَشَرْطُهُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ عَارِفًا بِهَا؟ وَلِلشَّيْخِ النَّاظِرِ أَنْ يَجْعَلَ حَلْقَةَ الْأَقْرَاءِ إلَى شَخْصٍ غَيْرِ الْإِمَامِ وَيُوَزِّعَ الْمِقْدَارَ الْمَذْكُورَ عَلَيْهِمَا عَلَى حَسْبِ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ. وَيُصْرَفُ إلَى الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ فِي كُلِّ شَهْرٍ تِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَهُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَلِنَسْلِهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا كُلَّ شَهْرٍ إلَى أَنْ يَنْقَرِضَ آخِرُهُمْ وَيُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ الشَّيْخِ أَبِي مُوسَى وَنَسْلِهِ كُلَّ شَهْرٍ سِتُّونَ دِرْهَمًا وَلَهُمْ، أَوْ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ سُكْنَى الْحُجْرَةِ الَّتِي مِنْ شِمَالِي الدَّارِ؛ وَيُصْرَفُ إلَى خَادِمِ الْأَثَرِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ، وَهُوَ الْحَاجُّ رَيْطَارٌ وَاسْمُهُ غُلَامُ اللَّهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَيَجْرِي بَعْدَهُ عَلَى نَسْلِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَ ذَلِكَ إلَى مَصَارِفِ الْوَقْفِ وَجِهَاتِهِ، وَيَجْعَلُ شَيْخُ الْمَكَانِ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ خِدْمَةَ الْأَثَرِ إلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَجْعَلُ لَهُ مَا يَرَاهُ وَالْمَصْرُوفُ إلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ أَبِي مُوسَى وَعُقْبَةَ وَعَقِبُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَعَقِبُ رَيْطَارٍ مِنْ مُغَلِّ مَا سِوَى الثُّلُثِ الْمُعَيَّنِ مِنْ حَزْرَمٍ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا حَالَةَ إنْشَاءٍ، وَيَصْرِفُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ أَنْفُسٍ مِنْ قُرَّاءِ السَّبْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِلْمٌ وَيُصْرَفُ إلَى قَارِئٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا كُلَّ شَهْرٍ وَيَصْرِفُ إلَى خَازِنِ الْكُتُبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَعَلَيْهِ الِاهْتِمَامُ بِتَرْمِيمِ الْكُتُبِ وَإِعْلَامُ النَّاظِرِ وَنَائِبِهِ لِيَصْرِفَ فِيهِ مِنْ مُغَلِّ الْوَقْفِ مَا يَفِي بِذَلِكَ. وَكَذَا إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى تَصْحِيحِ كِتَابٍ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَصْرِفُ إلَى شَخْصٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا وَنَقِيبًا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَلِلشَّيْخِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ شَخْصًا مِنْ الْجَمَاعَةِ

стр. 624

وَيَزِيدَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا عَلَى مَا يَرَاهُ، وَلِلْمُؤَذِّنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا وَلِلْبَوَّابِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَيَصْرِفُ إلَى قَيِّمِينَ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَلِلشَّيْخِ النَّاظِرِ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِمَا، وَإِنْ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِوَاحِدٍ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَصَرَفَ إلَيْهِ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَقْتَضِيه حَالُهُ، وَيَصْرِفُ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَمِنْ مُغَلِّ ثُلُثِ حَزْرِ مَا فِي مَصَالِحِ النُّورِيَّةِ وَالْقَائِمِينَ بِمَصَالِحِهَا وَالْمُشْتَغِلِينَ بِالْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيه رَأْيُ الْوَاقِفِ، أَوْ مَنْ يُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَيْهِ وَيَصْرِفُ فِي شِرَاءِ وَرَقٍ وَآلَاتِ النَّسْخِ مِنْ مَرْكَبٍ وَأَقْلَامٍ وَدُوِيٍّ وَكَرَاسِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ يَنْسَخُ فِي الْإِيوَانِ الْكَبِيرِ، أَوْ قُبَالَتِهِ الْحَدِيثِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ عُلُومِهِ، أَوْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَوْ تَفْسِيرِهِ وَيَصْرِفُ إلَى مَنْ يَكْتُبُ فِي مَجَالِسِ الْإِمْلَاءِ وَإِلَى مَنْ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ كُتُبًا، أَوْ اسْتِجَازَةً. وَلَا يُعْطِي مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ يَنْسَخُ لِنَفْسِهِ لِغَرَضِ الِاسْتِفَادَةِ وَالتَّحْصِيلِ دُونَ التَّكَسُّبِ وَالِانْتِفَاعِ بِثَمَنِهِ، وَمَا فَضُلَ عَنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ وَالْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ إلَى تَمَامِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ يُصْرَفُ إلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْحَدِيثِ وَالْمُشْتَغِلِينَ لَهُ. قَالَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ إلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْحَدِيثِ وَالسَّامِعِينَ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَقَوْلُهُ تَمَامٌ مَقْصُودُهُ بِهِ إدْخَالُ الْمَعْنَى فِي الْغَايَةِ وَكَأَنَّهُ قَالَ مَا فَضَلَ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى تَمَامِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى تَرْجِيحِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَلَمْ نَجْعَلْ الْمَعْنَى أَنَّ مَا فَضُلَ بَعْدَ تَكْمِلَةِ الْمَصَارِفِ إلَى أَنْ يَتَكَمَّلَ بِهَا أَلْفٌ وَمِائَتَانِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا لَكِنَّا عَدَلْنَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَصَارِفِ الْمَذْكُورَةِ أَلْفَيْنِ لِلنُّورِيَّةِ، وَمِنْ الْمَصَارِفِ الْمَذْكُورَةِ أُمُورٌ مَجْهُولَةٌ كَقَرْضِ الْفَلَّاحِينَ وَتَقْوِيَتِهِمْ وَالْمُرَتَّبِ وَنَحْوِهِ وَأُمُورٍ كَثِيرَةٍ تَقَدَّمَتْ وَهِيَ مُحْتَمَلَةٌ؛ لَأَنْ يَزِيدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ ذَلِكَ مَعَ الْمَصْرُوفِ إلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْحَدِيثِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَصَارِفُ الَّتِي عَيَّنَهَا فِي الدَّارِ وَجُمْلَتُهَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَكُونُ لِلْمُشْتَغِلِينَ وَالسَّامِعِينَ سَبْعُمِائَةِ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ، وَفِي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ، وَلَا دَلِيلَ يُرْشِدُ إلَى غَيْرِ التَّخْصِيصِ. وَالثَّانِي أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُمْ كُلَّ مَا يَفْضُلُ مَا لَمْ يَزِدْ عَنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَيْسَ مَجَازًا حَتَّى يَتَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالتَّخْصِيصُ فَكَانَ أَوْلَى فَلِذَلِكَ رَجَّحْنَاهُ عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ. وَمَا فَضُلَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَصْرُوفًا إلَى أَهْلِ الدَّارِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْمُشْتَغِلِينَ بِعِلْمِهِ وَالسَّامِعِينَ لَهُ وَالْقُرَّاءِ لِلسَّبْعِ وَالشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ وَالْإِمَامِ وَسَائِرِ الْمُرَتَّبِينَ بِالْمَكَانِ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ النُّورِيَّةَ هَاهُنَا، وَلَا أَوْلَادَ الْحَافِظِ

стр. 625

فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْمَحْسُوبُونَ مِنْ الْأَلْفِ وَالْمِائَتَيْنِ، وَيَكُونُ لِلْمُشْتَغِلِينَ وَالسَّامِعِينَ بَقِيَّتُهَا. وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّخْصِيصِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَقْفَ إنْ وَفَّى بِذَلِكَ فَلِصَرْفِهَا مُخَلِّصٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ: وَإِذَا رَأَى قَصْرَ الْفَاضِلِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ أَصْلَحَ كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الْوَقْفُ فَالنَّقْصُ دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ " إلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَجْعَلُ بِهِ الِابْتِدَاءَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا مِنْ الْفَاضِلِ وَإِمَّا مِنْ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ كَامِلَةٍ لَا مَحْذُورَ فِيهِ زَادَ الْوَقْفُ، أَوْ نَقَصَ وَالْحَمْلُ عَلَى التَّتِمَّةِ فِيهِ مَحْذُورٌ بِتَقْدِيرِ زِيَادَةِ الْوَقْفِ، وَأَنْ لَا يَرَى النَّاظِرُ النَّقْصَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونَ الْوَاقِفُ أَرَادَ خِلَافَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. عُدْنَا إلَى لَفْظِ كِتَابِ الْوَقْفِ قَالَ: فَيَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَمَنْ زَادَ اشْتِغَالُهُ زَادَهُ وَمَنْ نَقَصَ نَقَصَهُ وَيَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنْ السَّامِعِينَ أَرْبَعَةً، أَوْ ثَلَاثَةً وَمَنْ تَرَجَّحَ مِنْهُمْ زَادَهُ وَمَنْ كَانَ فِيهِ نَبَاهَةٌ جَازَ إلْحَاقُهُ بِالثَّمَانِيَةِ وَمَنْ حَفِظَ مِنْهُمْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ فَلِلشَّيْخِ أَنْ يَخُصَّهُ بِجَائِزَةٍ وَمَنْ انْقَطَعَ مِنْهُمْ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْحَدِيثِ وَكَانَ ذَا أَهْلِيَّةٍ يُرْجَى مَعَهَا أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَلِلشَّيْخِ أَنْ يُوَظِّفَ لَهُ تَمَامَ كِفَايَةِ أَمْثَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا وَرَدَ شَيْخٌ لَهُ عُلُوُّ سَمَاعٍ يَرْحَلُ إلَى مِثْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِدَارِ الْحَدِيثِ وَيُعْطَى كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، فَإِذَا فَرَغَ أُعْطِيَ ثَلَاثِينَ دِينَارًا كُلُّ دِينَارٍ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ، هَذَا إذَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ الشَّامِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ مُقِيمٌ بِالشَّامِ كَانَ لَهُ دُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّيْخُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنْ الْمُسْتَوْطِنِينَ بِدِمَشْقَ وَاقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ اسْتِحْضَارَهُ فِي الدَّارِ لِاسْتِمَاعٍ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَالِي فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ مِنْ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَمَا دُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ أَمْرًا دِينِيًّا يُنَاسِبُ مَقَاصِدَ دَارِ الْحَدِيثِ زَائِدًا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَلِلشَّيْخِ النَّاظِرِ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ مِنْ مُغَلِّ الْوَقْفِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالَةِ، وَمَنْ قَامَ بِشَرْطِ جِهَتَيْنِ إتْيَانِهِ بِهِمَا فَلِلنَّاظِرِ ذَلِكَ. وَلِلشَّيْخِ النَّاظِرِ أَنْ يَسْتَنْسِخَ لِلْوَقْفِ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ وَالْأَجْزَاءِ ثُمَّ يَقِفَ ذَلِكَ أُسْوَةً مَا فِي الدَّارِ مِنْ كُتُبِهَا، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي خَمْسِ لَيَالٍ وَلَهُمْ أَنْ يَبْتَدِئُوا بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلِلنَّاظِرِ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَدَلَ الطَّعَامِ كُلَّ لَيْلَةٍ مَا يَتِمُّ وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يَلِيقُ مِنْ شَمْعٍ وَعُودٍ يُبَخَّرُ بِهِ وَكِيزَانٍ وَثَلْجٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ طَعَامًا، أَوْ يُفَرِّقَ عِوَضًا عَنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُرَتَّبِينَ وَالسَّاكِنِينَ وَذَلِكَ إذَا رَأَى فِي مُغَلِّ الْوَقْفِ اتِّسَاعًا وَمَهْمَا كَانَ فِي مُغَلِّ الْوَقْفِ نَقْصٌ

стр. 626

بِحَيْثُ لَا يَفِي بِجَمِيعِ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيَجْعَلْ النَّقْصَ فِي الْأُمُورِ الزَّائِدَةِ دُونَ الْأَصْلِيَّةِ الْمُهِمَّةِ وَلْيُكْمِلْ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ وَالْخَازِنِ وَالْبَوَّابِ وَالْقَارِئِ وَالشَّيْخِ وَقُرَّاءِ السَّبْعِ وَطَبَقَةِ الْمُشْتَغِلِينَ وَيُخَصُّ بِالنَّقْصِ وَالْحِرْمَانِ السَّامِعُونَ. قَالَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ ذَكَرَ أَنَّهُ يُكَمِّلُ لِهَؤُلَاءِ فَأَشْعَرَ أَنَّهُ لَا يُكَمِّلُ لِغَيْرِهِمْ وَذَكَرَ أَنَّهُ يُخَصُّ بِالنَّقْصِ السَّامِعُونَ فَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا يُنْقَصُ غَيْرُهُمْ فَتَعَارَضَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ فِي الْخَادِمِ لِلْأَثَرِ وَعَقَّبَ أَبِي مُوسَى وَالنُّورِيَّةُ هَلْ يُنْقِصُهُمْ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ الثَّانِي؟ لَا يَكَادُ يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لَكِنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَى أَنَّ النُّورِيَّةَ لَا يُنْقَصُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ عَلَى أَدْنَى أَنَّ سَبَبَ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ لَهَا شَيْئًا بِعِوَضِهَا عِنْدَ هَذَيْنِ الْأَلْفَيْنِ وَأَيْضًا، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَصَارِفِ الدَّارِ الْأَشْرَفِيِّةِ وَخَادِمُ الْأَشْرَفِيِّةِ مُخْلِصٌ فَإِنَّهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ نَسْلِ رَيْطَارٍ حَصَلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى رَأْي النَّاظِرِ. فَقَدْ سَهَّلَ وَأَوْلَادُ ابْنِ مُوسَى أَمْرُهُمْ مُشْكِلٌ وَيَسْهُلُ عَدَمُ التَّكَمُّلِ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي لَهُمْ صِلَةٌ لَيْسَ عَنْ وَظِيفَةٍ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ وَيُخَصُّ بِالنَّقْصِ وَالْحِرْمَانِ السَّامِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَظِيفَةُ الْمُشْتَغِلِينَ كَأَنَّهُ قَالَ: طَبَقَةُ الْمُشْتَغِلِينَ لَا طَبَقَةَ السَّامِعِينَ لَمْ يُرِدْ بِالنَّقْصِ وَالْحِرْمَانِ إلَّا هَذَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى رَبِّ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ: وَلْيُكْمِلْ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَصْنَافِ الَّتِي قَالَ: إنَّهُ يُكْمِلُ لَهَا هِيَ الْأُمُورُ الْمُهِمَّةُ. وَلَا شَكَّ أَنَّهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قِوَامُ دَارِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ رَيْطَارٍ وَذُرِّيَّةُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَذُرِّيَّةُ أَبِي مُوسَى فَالْمَصْرُوفُ إلَيْهِمْ صِلَةٌ، فَلَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُمْ فِيمَنْ يُكْمِلُ لَهُمْ فَالْأَمْرُ فِيهِمْ إلَى خِيرَةِ النَّاظِرِ بَعْدَ التَّكْمِيلِ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُكْمِلُ لَهُ " وَمِمَّا يَجِبُ النَّظَرُ فِيهِ أَنَّ الْمُشْتَغِلِينَ وَإِنْ بَقِيَ ذُكِرَ أَنَّ لَهُمْ مِمَّا فَضُلَ وَقَدْ لَا يَفْضُلُ لَهُمْ شَيْءٌ، وَلَا يَفْضُلُ عَنْهُمْ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمُشْتَغِلِينَ لِكَوْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ أَدَّى إلَى مُحَاصَصَةِ غَيْرِهِمْ، لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ، أَمَّا الصَّرْفُ إلَيْهِمْ فَلِمَا قُلْنَاهُ. وَلَا يُعَارِضُهُ كَوْنُهُ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ مِنْ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ قَالَ: إنْ فَضُلَ فَلَهُمْ اقْتَضَى حِرْمَانَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْفَضْلِ لَكِنَّهُ قَالَ: فَمَا فَضُلَ فَفِي رَهْنِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَفْضُلَ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَاعْتِبَارُهُ نَصَّهُ عَلَى التَّكْمِيلِ لَهُمْ عِنْدَ الضِّيقِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَسْتَوْعِبُوا عِنْدَ الضِّيقِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ فَلِأَنَّا حَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ فَلَمْ يَجْعَلْ الَّذِي لَهُمْ مُقَدَّرًا بِقَدْرٍ لَا يَزِيدُ، وَلَا يَنْقُصُ، بَلْ مَعْنَاهُ مَنْعُ زِيَادَتِهِمْ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَيْضًا

стр. 627

مَنَعَ نُقْصَانَهُمْ مِنْهَا عِنْدَ السَّعَةِ، فَلَوْ فَضُلَ بَعْضُهَا مُعَطَّلًا زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ عَدَدٌ يَقُومُ بِهِمْ شِعَارُ الدَّارِ وَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ الْمَقَادِيرُ الَّتِي قَالَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. عُدْنَا إلَى لَفْظِ كِتَابِ الْوَقْفِ قَالَ، وَإِنْ زَادَ النَّقْصُ وَتَنَاهَى إلَى الْأَهْلِيَّةِ وَالْقَائِمِينَ بِهَا وَزَّعَ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ، وَإِذَا فَضُلَ مِنْ مُغَلِّ الْوَقْفِ فَاضِلٌ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مِلْكًا يَقِفُهُ عَلَى الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْضِلَ شَيْئًا مِنْ الْمُغَلِّ لِذَلِكَ، وَإِذَا رَأَى فَضَّ الْفَاضِلِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ أَصْلَحَ كَانَ لَهُ. وَلِلنَّاظِرِ شِرَاءُ حُصُرٍ لِلْبُيُوتِ الْمَسْكُونَةِ فِي عُلُوِّ الدَّارِ وَسُفْلِهَا، وَقَبِلَهُ مِنْهُ قَابِلٌ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ ٢٩ رَمَضَانَ سَنَة ١٣٢ هـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَقَلْته فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَجَبِ الْفَرْدِ سَنَةَ ٧٤٥ هـ. قَالَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ قَدْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ وَبَقِيَ مِمَّا لَمْ يَقَعْ الْكَلَامُ أَنَّ الْوَقْفَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَصْنَافِ وَالْجِهَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهِ صِنْفٌ يَسْتَحِقُّ مِنْ حِرْزٍ مَا فَقَطْ، وَهُوَ دَارُ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةُ وَقِسْمٌ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَيْرِهَا فَقَطْ، وَهُوَ ذُرِّيَّةُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَذُرِّيَّةُ أَبِي مُوسَى وَذُرِّيَّةُ الْحَاجِّ رَيْطَارٍ خَادِمِ الْأَثَرِ فَأَمَّا ذُرِّيَّةُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَذُرِّيَّةُ الْحَاجِّ رَيْطَارٍ فَقَدْ انْقَرَضُوا وَذُرِّيَّةُ أَبِي مُوسَى بَاقُونَ وَخَادِمُ الْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ ذُرِّيَّةِ رَيْطَارٍ إلَى رَأْيِ النَّاظِرِ فَلَا يَخْتَصُّ فَلَمْ يَبْقَ الْآنَ مُخْتَصٌّ إلَّا ذُرِّيَّةُ أَبِي مُوسَى لَهُمْ مِمَّا سِوَى حَزْرَمٍ سِتُّونَ دِرْهَمًا فِي الشَّهْرِ. فَأَنَا أَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنِّي لَا أَقْطَعُهَا عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يَتَعَطَّلَ مَا سِوَى حَزْرَمٍ كُلِّهِ، أَوْ يُتَّفَقَ أَنْ يُعْمَرَ بِهِ كُلِّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا دَعَتْ حَاجَةُ الدَّارِ، أَوْ وَقْفِهَا إلَى عِمَارَةٍ وَوَجَدْنَا مَا سِوَى حَزْرَمٍ رِيعًا فَلَنَا أَنْ نَصْرِفَهُ كُلَّهُ فِي الْعَمَارَةِ، وَإِذَا لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ مِنْهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ أَبِي مُوسَى شَيْئًا وَالنُّورِيَّةُ مِنْ حَزْرَمٍ كَذَلِكَ إذَا اتَّفَقَ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَنْ تَمَحَّلَ، أَوْ أَنْ تَعَمَّرَ بِهَا كُلِّهَا حَالَ الِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ فَلَا تَسْتَحِقُّ النُّورِيَّةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ شَيْئًا. وَمَا سِوَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُقْطَعُ لَهَا شَيْءٌ، وَالنِّصْفُ الثَّالِثُ بَقِيَّةُ الْجِهَاتِ وَهِيَ مِنْ الْأَوْقَافِ كُلِّهَا وَقَدْ رَأَيْت تَرْتِيبَ النَّفَقَةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْمُغَلَّ الْمَنْسُوبَ إلَى السَّنَةِ الْخَارِجَةِ وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا وَسَطَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْهِلَالِيِّ فَيَقْسِمُونَهُ وَقَالَ الْمُبَاشِرُونَ إنَّهُمْ وَجَدُوا الْعَادَةَ، وَفِي ذِهْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَصْرِفُونَ عَنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ فَفَكَّرْتُ فَظَهَرَ أَنَّ إضَافَةَ رِيعِ الْأَشْهُرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إلَى مُتَحَصِّلِ مُغَلِّ السَّنَةِ الْخَارِجَةِ صَوَابٌ، وَلَيْسَ هُوَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، بَلْ عَنْ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي أَوَّلُهَا جُمَادَى مَثَلًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت

стр. 628

الْوَقْفَ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ إلَى أَوَاخِرِ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَنْقُصُ مِنْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ وَنِصْفَ نَقْصِ الْهِلَالِيَّةِ عَنْ الشَّمْسِيَّةِ تَقْرِيبًا وَآخِرُ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الشِّتَاءِ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي الصَّيْفِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ تَقْرِيبًا فَمِنْهُ إلَى مِثْلِهِ مِنْ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ وَتُقْسَمُ هِلَالِيَّةٌ وَخَرَاجِيَّةٌ وَنَحْوُ السَّنَةِ وَقَعَ الْقَسْمُ وَآخِرُ السَّنَةِ الْخَرَاجِيَّةِ فِي قَرِيبِ نِصْفِ الْهِلَالِيَّةِ فَالْوَاجِبُ قِسْمَةُ الْهِلَالِيِّ وَالْخَرَاجِيِّ الْمُتَحَصِّلِ فِي السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ كُلِّهَا وَكَانَ يَنْبَغِي حِفْظُ نِصْفِ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ الْخَارِجَةِ حَتَّى تُقْسَمَ مَعَ هَذِهِ لِيَكْتَمِلَ مَالُ السَّنَةِ هِلَالِيَّةٌ وَخَرَاجِيَّةٌ لَكِنْ الْمُبَاشِرُونَ لَمْ يَفْهَمُوا ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ تَمَحَّلُوا صَرْفَهُ، وَلَا يَضُرُّ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْبَيْدَرِ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْخَرَاجِيَّةِ. وَهُوَ آخِرُ الصَّيْفِ بِحَسَبِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمُغَلِّ مِنْ حَزْرَمٍ وَنَضِيفُ إلَيْهِ الْهِلَالِيَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْخَرَاجِيَّةِ كُلِّهَا عَنْ اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا شَمْسِيَّةً وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَرُبْعُ يَوْمٍ فَنُفَرِّقُهُ، وَلَا يَزَالُ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: مُتَحَصِّلُ السَّنَةِ الْخَرَاجِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ هِلَالِيَّةٍ مِنْهَا وَمُتَحَصِّلُ الْهِلَالِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهِيَ سَنَةٌ هِلَالِيَّةٌ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَسْرٌ فَذَلِكَ انْصَرَفَ مِنْهُ وَمِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ وَذَلِكَ فِي الْعِمَارَةِ فَالْحَاصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلْإِمَامِ وَالْمُقْرِئِ فِي السَّنَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ وَلِلشَّيْخِ أَلْفٌ وَثَمَانُونَ وَلِقُرَّاءِ السَّبْعِ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ وَلِلْقَارِئِ مِائَتَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ وَلِلْخَازِنِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَلِلْقَيِّمِينَ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ وَلِلْبَوَّابِ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ وَلِلنُّورِيَّةِ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَلِنَسْلِ أَبِي مُوسَى سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ وَلِلنَّقِيبِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ خَمْسَةُ آلَافٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسَبْعُونَ وَأَيْضًا لِإِحْيَاءِ اللَّيَالِيِ الْخَمْسِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَتَحَرَّرَتْ الْجُمْلَةُ سِتَّةُ آلَافٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَأَيْضًا لِلنَّاظِرِ وَلِلْعَامِلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ذَلِكَ سَبْعَةَ آلَافٍ وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا وَالْفَاضِلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَفِي بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِلْمُشْتَغِلِينَ وَالسَّامِعِينَ، وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ فَنَفُضُّ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَدْرَ الْفَاضِلَ، وَهُوَ وَلَا أَرَى فِي هَذَا الْوَقْفِ أَنْ أَقْطَعَ مُسْتَحِقًّا، وَلَا أَنْ أَنْقُصَ اسْمَ أَحَدٍ فِي طَبَقَتِهِ، بَلْ أَفُضُّ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا أَرَاهُ بِاعْتِبَارِهِ السَّنَةَ بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَنْ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ حَذَرًا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى عِشْرِينَ فِي الشَّهْرِ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ لِئَلَّا يَنْقُصَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فِي الشَّهْرِ إلَّا أَنْ

стр. 629

يَكُونَ بِسَبَبِ غَيْبَةٍ مِمَّنْ يُوجَدُ مِنْهُ غَيْبَةٌ، فَإِنَّ عِنْدِي أَيْضًا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُسَامِحَهُ بِالْغِيبَةِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِأَنَّ غَيْبَتَهُ لِعُذْرٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَالْمَصْرُوفُ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا هِلَالِيَّةً وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَآخِرُ الْمُدَّةِ حِينَ الْقَسْمِ أَعْنِي وَقْتَ اسْتِحْقَاقِ قَسْمِ الْمُغَلِّ وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْعَامِ الْمَاضِي وَضَبْطُ هَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْغَيْبَةِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَسْمُ مِنْ عَهْدِ الْوَاقِفِ إلَى الْيَوْمِ مِائَةٌ وَعَشْرَةٌ وَالسُّنُونَ الْهِلَالِيَّةُ مِائَةٌ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَدَخَلَتْ السُّنُونَ الثَّلَاثُ الْهِلَالِيَّةُ، وَمَا لَهَا فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، وَلَا ظُلْمٍ وَيَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ تَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ، وَإِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَصْرِفُ بَقِيَّةَ الْمَصَارِفِ كَطَعَامِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا مَا تَحَرَّرَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ الْآنَ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذنِي. انْتَهَى نَقْلًا مَنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀. ﴿مَسْأَلَةٌ﴾ عُرْعُورٌ وَقَفَ مِنْهَا سُلَيْمَانُ الضَّامِنُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا وَرُبْعًا عَلَى أَوْلَادِهِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ وَعَلَى مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ ثُمَّ عَلَى جِهَاتٍ مُتَّصِلَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى نَائِبِ الْحَنْبَلِيِّ فِي سَنَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَفَّذَهُ مُسْتَنِيبُهُ ابْنُ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَاضِي الْقُضَاةِ الدِّينِ بْنُ صَصْرَى ثُمَّ حَكَاهُ بَعْدَهُ إلَى الْيَوْمِ فَحَضَرَ وَلَدٌ لِسُلَيْمَانَ الضَّامِنِ يُسَمَّى خَضِرٌ. حَدَثَ بَعْدَ الْوَقْفِ وَقَدْ مَاتَ الْأَرْبَعَةُ الْمُعَيَّنُونَ وَادَّعَى بِالْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الْجَبْغَا الْعَادِلِي وَأَظْهَرُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ كِتَابًا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ عَلَى نَائِبِ الْحَنْبَلِيِّ زَيْنِ الدِّينِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَقْفُ الْجَبْغَا لِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا مِنْ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ ثُمَّ قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ، وَهُوَ عَلَى خُبْزٍ يُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَيَالِيَ الْجُمَعِ بِتُرْبَتِهِ فَمَنْ يَقْدَمُ مِنْهَا وَقَدْ نَفَّذَهُ حُكَّامٌ أَيْضًا وَلَمْ يَحْضُرْ كِتَابُ مُشْتَرِي وَقِيلَ إنَّ سُلَيْمَانَ بَاعَ الْمَكَانَ فِي مُصَادَرَةٍ عَلَيْهِ وَوَصَلَ إلَى الْجَبْغَا فَوَقَفَهُ. ﴿الْجَوَابُ﴾ أَمَّا أَنْ نَعْلَمَ تَرَتُّبَ يَدَ الْجَبْغَا عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ، أَوْ يَدَ مَنْ تَرَتَّبَ عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ أَوَّلًا فَهَذَانِ قِسْمَانِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَعْلَمَ تَرَتُّبَ يَدَ الْجَبْغَا عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ، أَوْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ فَالْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِلْجَبْغَا لَا تُسْمَعُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا لِعَدَمِ بَيَانِ السَّبَبِ وَالِانْتِقَالِ مِمَّنْ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ سُلَيْمَانُ، وَالثَّانِي الْوَقْفُ الثَّابِتُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَيُعْتَرَضُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ يُقَالَ بِأَنَّ تَبْيِينَ الِانْتِقَالِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ اشْتِرَاطِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَالْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِالْمِلْكِ لَا لِجَبْغَا قَدْ يَكُونُ

стр. 630

يَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فَيُحْمَلُ حُكْمُهُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَالْوَقْفِ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ قَدْ عَرَفَ مِلْكَ سُلَيْمَانَ وَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِكَوْنِهِ فِي يَدِ الْجَبْغَا، أَوْ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالْمُلْكِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ وَالْوَاقِعَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الثَّانِي بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ الْمَذْكُورُ بَيْعًا لِخَرَابٍ، أَوْ مُنَاقَلَةٍ كَمَا تَعْلَمُهُ الْحَنَابِلَةُ، أَوْ اسْتِبْدَالٌ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَصَارَ مِلْكًا فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ وَتُحْمَلُ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِطْلَاقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا يَنْدَفِعُ بِقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِمَعْرِفَةِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ وَاسْتِمْرَارِهِ بِصِفَتِهِ مِنْ حِينِ وَقْفِ سُلَيْمَانُ لَهُ، أَوْ بَيِّنَةٍ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى وَقْفِيَّتِهِ إلَى الْآنَ، فَإِنْ انْدَفَعَتْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتُ جَازَ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ الْآنَ وَالْحُكْمُ بِهِ لِابْنِ سُلَيْمَانَ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ لَا يَعْلَمَ تَرَتُّبَ يَدِ الْجَبْغَا عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ، وَلَا عَلَى يَدِ وَاحِدٍ بَعْدَهُ فَهُنَا بَيِّنَتَانِ إحْدَاهُمَا الَّتِي شَهِدَتْ لِسُلَيْمَانَ بِالْمِلْكِ وَحَكَمَ بِهَا فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَالثَّانِيَةُ الَّتِي شَهِدَتْ لَا لِجَبْغَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَهَلْ هُمَا مُتَعَارِضَتَانِ، أَوْ لَا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ تَعَارُضٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ وَمِنْ الْمُقَرَّرِ فِي الْمَعْقُولِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّنَاقُضِ اتِّحَادَ الْوَقْتِ. وَالْفُقَهَاءُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ فَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِيهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي يُقَالُ: وَإِنَّمَا تَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ إذَا تَقَابَلَتَا حِينَ التَّنَازُعِ، فَلَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِأَنْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ عَبْدًا فِي يَدِ خَالِدٍ وَأَقَامَ زَيْدٌ الْبَيِّنَةَ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ وَسُلِّمَ إلَيْهِ ثُمَّ حَضَرَ عَمْرٌو وَادَّعَاهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَهَلْ تُعَارِضُ بَيِّنَةُ زَيْدٍ بَيِّنَةَ عَمْرٍو مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَيِّدَ بَيِّنَةَ زَيْدٍ؟ الشَّهَادَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ وَحَدِيثِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْمِلْكِ أَوْلَى فَقَدْ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ قَائِمَةٌ حِينَ التَّنَازُعِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا سَوَاءٌ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا بِلَا إعَادَةٍ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ قَائِمَةٌ بِحَالِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ لِيَبْحَثَ، فَإِذَا بَحَثَ لَمْ يُعِدْ الشَّهَادَةَ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَالثَّانِي لَا يَقَعُ التَّعَارُضُ إلَّا بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى لَمْ تَقَعْ الْمُقَابَلَةُ حِينَ التَّنَازُعِ وَهَذَا الْفَرْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ وَالْأَصْحَابُ بَعْدَهُ، وَيَظْهَرُ مِنْ الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الصَّحِيحَ التَّعَارُضُ وَمُسْتَنَدُهُ اعْتِمَادُ الِاسْتِصْحَابِ وَأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي يُسْتَصْحَبُ حُكْمُهُ، وَلَا يُغَيَّرُ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى التَّغْيِيرِ فَالْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ

стр. 631

الْمُتَقَدِّمِ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهَا فَحُكْمُهَا مُسْتَصْحَبٌ، وَالْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَرْفَعْهُ، فَلَيْسَتْ دَلِيلًا خَاصًّا عَلَى تَغْيِيرِهِ وَقَدْ لَا تَكُونُ عِلَّتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ أَمْرًا يُعَارِضُهُ فَالْمُحَقَّقُ مِنْهُمَا الْمُعَارَضَةُ فَلَا نَقُولُ: زَائِدًا عَلَيْهَا عَمَلًا بِالْمُحَقَّقِ وَطَرْحًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَارَضَانِ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَصْحَابُ تَفْرِيعَهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّا إذَا قُلْنَا: يَتَعَارَضَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ تُعْرَفْ يَدٌ الْجَبْغَا فَتَبْقَ يَدُهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَارَضَانِ فَيُعْمَلُ بِالثَّانِيَةِ فَتَبْقَى يَدُهُ أَيْضًا وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ مَسْلَكَيْنِ مُطْلَقَيْنِ شَهِدَتْ بِهِمَا بَيِّنَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالثَّانِيَةِ إذَا لَمْ يَقُلْ بِالتَّعَارُضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ عَلَى هَذَا النَّعْتِ فَيُعْمَلُ بِالْأُولَى إذَا لَمْ يَثْبُتْ انْحِلَالُ ذَلِكَ الْوَقْفِ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى فِيمَا إذَا ادَّعَى الْخَارِجُ وَقْفِيَّتَهَا وَذُو الْيَدِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا يُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ تَارِيخًا، وَإِنَّ الْوَقْفَ لَمَّا ثَبَتَ بِتَارِيخٍ سَابِقٍ لَا حُكْمَ لِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وَتَبْدِيلُهُ وَنَقْلُهُ، وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْوَقْفِ أَقْدَمَ تَارِيخًا وَبَيِّنَةُ الْمِلْكِ مُتَأَخِّرَةً لَكِنَّهَا فِي يَدِ مُدَّعِي الْمِلْكِ حَكَمَ بِهَا لِمُدَّعِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ سَبْقِ التَّارِيخِ عَلَى الصَّحِيحِ هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَحْكُمْ وَكَلَامُهُ عَلَى طُولِهِ وَمُعْتَقَدِهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَا الْيَدِ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ مِلْكُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْبَيِّنَةُ الَّذِي بَعْدَ الْوَقْفِ تُضِيفُ الْمِلْكَ إلَى مَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرَتُّبُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الَبَعْدِيَّةُ، بَلْ هُمَا مُتَعَارِضَانِ فَمُقْتَضَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالْوَقْفِ يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْوَقْفِ مِنْ حِينِ تَارِيخِ الْوَقْفِ إلَى الْآنَ. وَمَنْ شَهِدَ بِالْمِلْكِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ تَارِيخَ ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ تَقْتَضِي شَهَادَتُهُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ حِينَ شَهَادَتِهِ وَقَبْلَهُ إلَى زَمَنِ الْوَقْفِ وَتَعَارَضَا فَإِنَّا نَسْتَصْحِبُ الْمَاضِيَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمُسْتَقْبَلَ إلَى الْمَاضِي وَلَوْ تَنَزَّلْنَا عَنْ ذَلِكَ لَقُلْنَا: إنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالَتْ هِيَ مِلْكُهُ الْآنَ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْنَا الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ مُخْتَلِفَةِ الصِّيغَةِ تَارَةً تَقُولُ الْبَيِّنَةُ هِيَ مِلْكُهُ حِينَ الْوَقْفِ وَتَارَةً تَقُولُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ إلَى حِينِ الْوَقْفِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ إذَا تَحَقَّقَتْ تَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ لِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ الْمُمْكِنَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا زَمَانُ الْوَقْفِ فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ إنْ اقْتَضَى الْحُكْمَ لِسُلَيْمَانَ فَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَقْتَضِي الْحُكْمَ لِذِي الْيَدِ بِالْمِلْكِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوَقْفِ فَيَقْتَضِي الْحُكْمَ لَا لِجَبْغَا فَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَتَعَارَضَانِ إنْ لَمْ نُرَتِّبْ يَدَ الْجَبْغَا عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ تَعَيَّنَ الْحُكْمَ بِوَقْفِ سُلَيْمَانَ عَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ وَالنَّوَوِيِّ جَمِيعًا، وَحَيْثُ أَشْكَلَ الْحَالُ عَلَيْنَا

стр. 632

وَسُلَيْمَانُ ضَامِنٌ مَكَّاسٌ. وَالْأَمْوَالُ الَّتِي فِي أَيْدِي الْمَكَّاسِينَ لَا يَخْفَى حَالُ مِلْكِهِمْ لَهَا وَوَقَفَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَهَذَا الْآنَ مِنْ جِهَةِ الْجَبْغَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهُوَ فِي يَدِهِمْ فَرَأْيِي أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى التَّصَدُّقِ بِهِ، فَلَوْ أَخَذَ بَعْضَ أَمْوَالِ الْمَكَّاسِينَ الْمُشْتَبِهَةِ وَجُعِلَتْ صَدَقَةً كَانَ لَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَسَاغٌ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ أُخِذَ بِمُسْتَنِدٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ حَضَرَ كِتَابُ مُشْتَرِي سُلَيْمَانَ فَوَجَدْته قَدْ اشْتَرَى هُوَ وَجَمَاعَةٌ نَصَارَى حِينَ كَانَ نَصْرَانِيًّا عِدَّتُهُمْ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ نَفَرًا الصَّفْقَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الدِّينِ بْنِ الْمَقْدِسِيِّ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ سَنَةَ ثَمَانِ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَلَهُ مِنْهَا بِذَلِكَ حِصَّةٌ يَسِيرَةٌ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رُفْقَتِهِ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ الْبَقِيَّةَ. فَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لَا يَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَمْوَالِ الضَّمَانِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبَيْعُ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ فِيهِ مَا فِيهِ وَأَيْضًا الْبَائِعُ نَاصِرُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ الْوَكِيلُ وَكَانَ مِسْكِينَ الْحَالِ عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ، وَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشِّرَاءَ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ لَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَمْوَالِ الضَّمَانِ، وَيَتَلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَهُ الْجَبْغَا، أَوْ لِمَنْ بَاعَ لَهُ وَوَقْفَ الْجَبْغَا الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ لَا تَطِيبُ نَفْسِي بِالْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ أَصْلًا بِالْجُمْلَةِ الْكَافِيَةِ. وَالْحُكْمُ بِوَقْفِ سُلَيْمَانَ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ وَخَيْرٌ مِنْهُمَا أَنْ لَا يُحْكَمَ بِصِحَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ صَعْبٌ فِي الْعَادَةِ، فَإِنْ جُعِلَ ذَلِكَ مُخَلِّصًا لِلْحَاكِمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِحُجَّةِ وَقْفِ الْجَبْغَا فِي الظَّاهِرِ احْتَمَلَ وَعَضَّدَهُ يَدُ الْجَبْغَا الْمَوْجُودَةُ وَأَنَّنَا لَمْ نُقْدِمْ عَلَى أَمْرٍ، بَلْ سَكَتْنَا، وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. هَذَا إنْ حَصَلَ الْوُقُوفُ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ بِصَرْفِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِهِ لِسُلَيْمَانَ، فَهُوَ إخْرَاجٌ لَهُ عَنْ حُكْمِ أَمْلَاكِ بَيْتِ الْمَالِ وَتَخْصِيصٌ لِأَوْلَادِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ وَلَهُ مُسْتَنَدٌ، وَهُوَ كِتَابُهُمْ. وَفِيهِ شُبْهَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كِتَابَهُمْ إنَّمَا اتَّصَلَ بِالْخَطِّ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ فِي الثُّبُوتِ بِالْخَطِّ بِرَفْعِ الْيَدِ أَوَّلًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِالْخَطِّ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي أَفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ أَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا تُرْفَعُ الْيَدُ بِهِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى حَيْثُ لَا يَقْوَى لَا تُرْفَعُ الْيَدُ فِيهِ وَهُمْ مَعَاذِيرُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ بِمَا مَارَسْنَاهُ مِنْ الْوَقَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. ﴿فَصْلٌ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخْتَصِرُ كِتَابِ الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ: هَذَا مَا وَقَفَهُ

стр. 633

فَخْرُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فَمِنْ ذَلِكَ جَمِيعُ الدَّارِ بِدِمَشْقَ وَمِنْهُ ظَاهِرُ دِمَشْقَ ضَيْعَةٌ تُعْرَفُ بِبِرْصَة وَحِصَّةٌ مَبْلَغُهَا أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَنِصْفُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ مَزْرَعَةٍ تُعْرَفُ بِجَرْمَانَا مِنْ بَيْتِ لَهْيَا وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَسُبْعُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ضَيْعَةٍ تُعْرَفُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ حَبَّةِ عِصَالٍ وَمِنْهُ جَمِيعُ الضَّيْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمُجَيْدَلِ الْقَرْيَةِ وَمِنْهُ نِصْفُ ضَيْعَةٍ تُعْرَفُ بِمُجَيْدَلِ السُّوَيْدَاءِ وَقْفًا عَلَى الْخَاتُونِ سِتِّ الشَّامِ بِنْتِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي ثُمَّ عَلَى بِنْتِ ابْنِهَا زُمُرَّدَ خَاتُونَ بِنْتِ حُسَامِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لَاجِينٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهَا الذَّكَرُ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهَا ثُمَّ أَنْسَالِهِمْ كَذَلِكَ، فَإِذَا انْقَرَضُوا، وَلَمْ يُوجَدُوا عَادَ عَلَى الْجِهَاتِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا. فَالدَّارُ مَدْرَسَةٌ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الشَّفْعَوِيَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا وَعَلَى الْمُدَرِّسِ بِهَا الشَّافِعِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ زَكِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيِّ إنْ كَانَ حَيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا فَعَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ فَعَلَى الْمُدَرِّسِ الشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَمِنْ شَرْطِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْعَفَافِ وَالسُّنَّةِ غَيْرِ مُنْتَسِبِينَ إلَى شَرٍّ وَبِدْعَةٍ، وَالْبَاقِي مِنْ الْأَمْلَاكِ عَلَى مَصَالِحِ الْمَدْرَسَةِ وَعَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا وَعَلَى الْمُدَرِّسِ قَاضِي الْقُضَاةِ زَكِيِّ الدِّينِ، أَوْ مَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِهِ وَمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ وَعَلَى الْإِمَامِ الْمُصَلِّي بِالْمِحْرَابِ بِهَا وَالْمُؤَذِّنِ بِهَا وَالْقَيِّمِ الْمُعِدِّ لِكَنْسِهَا وَرَشِّهَا وَفَرْشِهَا وَتَنْظِيفِهَا وَإِيقَادِ مَصَابِيحِهَا يَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ وَثَمَنِ زَيْتٍ وَمَصَابِيحَ وَحُصُرٍ وَبُسُطٍ وَقَنَادِيلَ وَشَمْعٍ، وَمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَمَا فَضُلَ كَانَ مَعْرُوفًا إلَى الْمُدَرَّسِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَإِلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ فَاَلَّذِي هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمُدَرِّسِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الْحِنْطَةِ غِرَارَةً وَمِنْ الشَّعِيرِ غِرَارَةً وَمِنْ الْفِضَّةِ فِضَّةً نَاصِرِيَّةً وَالْبَاقِي مَصْرُوفٌ إلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ فِي أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَعَطَاءٍ وَحِرْمَانٍ وَذَلِكَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْعُشْرِ وَصَرْفِهِ إلَى النَّاظِرِ عَنْ تَعَبِهِ وَخِدْمَتِهِ وَمُشَارَفَتِهِ لِلْأَمْلَاكِ الْمَوْقُوفَةِ وَتَرَدُّدِهِ إلَيْهَا وَبَعْدَ إخْرَاجِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِضَّةً نَاصِرِيَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ تُصْرَفُ فِي ثَمَنِ مِشْمِشٍ وَبِطِّيخٍ وَحَلْوَى فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ وَمِنْ شَرْطِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُدَرِّسِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ وَحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وَسَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الْفُقَهَاءِ

стр. 634

وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ عَنْ عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُعِيدُ بِهَا وَالْإِمَامُ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ الْمُدَرِّسِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ وَزِيَادَةٌ وَسَعَةٌ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُقَيِّمَ بِقَدْرِ مَا زَادَ وَنَمَا، هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ السَّعَةِ بِقَدْرِهَا وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ مَا عَلِمْنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ الْوَقْفِ حَالَ الْوَقْفِ، وَلَمْ نَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا الزِّيَادَةَ دُونَ قَدْرِهَا أَمَّا تَحَقُّقُ أَصْلِ الزِّيَادَةِ فَلِأَنَّا رَأَيْنَا الْعَوَائِدَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ ابْتِدَاؤُهَا بِزِيَادَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ فِيهَا عَنْ عِشْرِينَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحَقَّقَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَصْلَ الزِّيَادَةِ. وَأَمَّا الْجَهْلُ بِقَدْرِهَا فَلِمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّا نَعْرِفُ أَنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ لِلْمُدَرِّسِ غِرَارَةَ قَمْحٍ وَغِرَارَةَ شَعِيرٍ يُسَاوَيَانِ فِي السِّعْرِ، أَوْ نَحْوِهَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ مِائَتَيْنِ، أَوْ نَحْوِهَا. وَهُوَ فِي السَّنَةِ نَحْوَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَ الْمُدَرِّسِ إلَّا الْفُقَهَاءَ وَالْمُتَفَقِّهَةَ وَالْمُؤَذِّنَ وَالْقَيِّمَ وَالْعِمَارَةَ وَالْعُشْرَ الَّذِي لِلنَّاظِرِ، وَنَحْنُ نَجِدُ الْوَقْفَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى مَا أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ يُبَاشِرُ الْمَدْرَسَةَ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ عَنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ عَنْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بَعْدَ إخْرَاجِ الْعُشْرِ مِنْ الْمُغَلِّ لِلنَّاظِرِ وَالصَّرْفِ مِنْهُ عَلَى الْعِمَارَةِ وَالرُّتَبِ. وَمَا أَشْبَهَهُمَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَالزَّيْتُ وَالنَّظَرُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْخَاصُّ لِلْمُدَرِّسِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ أَلْفَانِ تَقْرِيبًا مِنْهُ لِلْمُدَرِّسِ نَحْوُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ يَبْقَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا وَكُسُورٍ، فَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا لِعِشْرِينَ فَقِيهًا وَمُؤَذِّنًا وَقَيِّمًا لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَرِيبُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وَقَدْ رَأَيْنَاهَا تَثْبُتُ لِلْمُدَرِّسِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَنْ أَلْفَيْنِ قَلِيلًا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ الْفَقِيهُ، أَوْ الْمُتَفَقِّهُ قَدْرَ الْمُدَرِّسِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بَلْ الْعَادَةُ فِي حَالِ الْمَدَارِسِ أَنْ يَكُونَ الْفَقِيهُ مُنْحَطًّا عَنْ الْمُدَرِّسِ بِكَثِيرٍ وَرَأَيْنَا غَالِبَ الْمَدَارِسِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ لَا يَزِيدُ الْفَقِيهُ عَنْ عُشْرِ الْمُدَرِّسِ إلَّا فِي قَلِيلٍ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ لِلْعِشْرِينِ فَقِيهًا مِقْدَارُ خَمْسَةِ آلَافٍ فِي السَّنَةِ، فَيَكُونُ الْأَرْبَعُونَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا تَكْفِي مِائَةً وَسِتِّينَ فَقِيهًا وَهَذَا أَمْرٌ تَقْرِيبِيٌّ يَظْهَرُ بِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِينَ فَقِيهًا الَّتِي قِيلَ: إنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا. وَمُلَخَّصُ مَا أَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُقَهَاءَ وَمُتَفَقِّهَةٍ وَمُدَرِّسٍ وَمُؤَذِّنٍ وَقَيِّمٍ، وَشَرْطُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى الْعِشْرِينَ رَجُلًا إلَّا إنْ زَادَ الْوَقْفُ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ الْوَقْفَ زَادَ وَأَخْبَرَنِي نَاظِرُهَا بِجُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الزِّيَادَاتِ وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ النُّظَّارَ الْمُتَقَدِّمِينَ زَادُوا فِي الْفُقَهَاءِ إلَى فَوْقِ الْمِائَتَيْنِ وَأَنَّ مُعَدَّلَ الْوَقْفِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْكُلَفِ وَالْعِمَارَةِ وَالرُّتَبِ وَعُشْرِ النَّاظِرِ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ كُلَّ شَهْرٍ قَرِيبَ ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ

стр. 635

مِنْهَا لِلْمُدَرِّسِ: تَقْدِيرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ تَقْدِيرُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلِلْعِشْرِينِ فَقِيهًا الَّذِينَ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ تَقْدِيرُ أَرْبَعِمِائَةٍ، أَوْ خَمْسِمِائَةٍ، أَوْ سِتِّمِائَةٍ تَبْقَى الزِّيَادَةُ نَحْوُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ كُلَّ شَهْرٍ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَيُنَاسِبُ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً، وَيَكُونُ مُعَدَّلُهُمْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَأَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ لِبَعْضِهِمْ وَيُرَتِّبَ الطَّبَقَاتِ عَلَى مَا يَشَاءُ مَا دَامَ الْمُعَدَّلُ عِشْرِينَ هَذَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَيُمَيِّزَ الْفُقَهَاءَ وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ السَّنَةَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وَإِنْ أَرَادَ تَنْقِيصَ الْمُعَدَّلِ عَنْ عِشْرِينَ وَعَشَرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ فِي الْغَالِبِ وَالصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ تُذْهِبُ بَهْجَةَ الْمَدْرَسَةِ. وَأَمَّا الْجَوَازُ فَلَا شَكَّ فِيهِ، بَلْ قَدْ بُحِثَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَمَا إذَا رَأَيْنَا فَقِيهًا فَاضِلًا لَا يَجِدُ قُوتًا وَأَمْكَنَ تَنْزِيلُهُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ تَسُدُّ خَلَّتَهُ، أَوْ بَعْضَ خَلَّتِهِ وَالْمَنَاظِرُ الْجُزْئِيَّةُ وَالْمَصَالِحُ الْكُلِّيَّةُ لَا يَخْفَى عَنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْذُونٌ عَلَى تَعَاضُدِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجِبُ التَّقْيِيدُ فِي الطَّبَقَاتِ بِسَنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَعِشْرِينَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهَا بِمَا شَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَتِّبَهَا كَذَلِكَ وَنَقَصَ الْمُغَلُّ لَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَامِلًا، بَلْ يُنْقِصُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ الَّذِي لَهُمْ سَوَاءٌ أَحَسَبُوهُ عَلَى تِلْكَ الطَّبَقَاتِ وَجَعَلُوهُ عَلَى بَعْضِ أَشْهُرِ السَّنَةِ أَمْ حَسَبُوهُ عَلَى كُلِّ السَّنَةِ وَقَدَّرُوا نُقْصَانَ كُلِّ وَاحِدٍ عَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ طَبَقَتِهِ كِلَا الطَّرِيقَيْنِ سَائِغٌ، وَالثَّانِي أَحْسَنُ، وَمَنْ حَاوَلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ لَهُ تِلْكَ الطَّبَقَةُ وَيَأْخُذَهَا سَنَةً كَامِلَةً فَقَدْ حَاوَلَ مُحَالًا وَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ عِدَّةِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ لَهُ ذَلِكَ دَائِمًا لَمْ يُسَاعِدْهُ الشَّرْعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا الْمَصْلَحَةُ، بَلْ هُوَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ وَمَنْ طَلَبَ التَّوَسُّطَ حَتَّى يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنَّ النَّاظِرَ هُوَ يَحْسِبُ مُعَدَّلَ الْوَقْفِ فِي الْغَالِبِ وَيُرَتِّبُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ ذَلِكَ لِفَقِيهٍ خَمْسَةً وَلِفَقِيهٍ خَمْسِينَ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِي عَدِّهِ هَذَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: الْوَاقِفُ قَدْ شَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى عِشْرِينَ. قُلْت: قَدْ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إلَّا إنْ نَمَا الْوَقْفُ وَزَادَ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فَتَحَقَّقْنَا أَنَّ الِانْحِصَارَ فِي عِشْرِينَ غَيْرُ وَاجِبٍ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ يَسْتَثْنِ مُطْلَقًا بَلْ قَالَ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِهَا قُلْت قَدْ جَعَلْنَا الزِّيَادَةَ بِقَدْرِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ وَلَنَا فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا هَذَا، وَالثَّانِي أَنْ نَقُولَ يَزِيدُ بِقَدْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ مَا شَاءَ وَلَوْ لِكُلِّ فَقِيهٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَجِدُ بِهَا رِفْقًا وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُبْقِيَ الْعِشْرِينَ الْأُصُولَ بِمَعَالِمِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ وَيَخُصَّ الزَّائِدِينَ بِالْمَعْلُومِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَلَهُ أَنْ يُعَمِّمَ النَّقْصَ فِي
следующие страницы →