Полный текст (1 159 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الْمُتَقَدِّمِ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهَا فَحُكْمُهَا مُسْتَصْحَبٌ، وَالْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَرْفَعْهُ، فَلَيْسَتْ دَلِيلًا خَاصًّا عَلَى تَغْيِيرِهِ وَقَدْ لَا تَكُونُ عِلَّتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ أَمْرًا يُعَارِضُهُ فَالْمُحَقَّقُ مِنْهُمَا الْمُعَارَضَةُ فَلَا نَقُولُ: زَائِدًا عَلَيْهَا عَمَلًا بِالْمُحَقَّقِ وَطَرْحًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَارَضَانِ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَصْحَابُ تَفْرِيعَهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّا إذَا قُلْنَا: يَتَعَارَضَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ تُعْرَفْ يَدٌ الْجَبْغَا فَتَبْقَ يَدُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَارَضَانِ فَيُعْمَلُ بِالثَّانِيَةِ فَتَبْقَى يَدُهُ أَيْضًا وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ مَسْلَكَيْنِ مُطْلَقَيْنِ شَهِدَتْ بِهِمَا بَيِّنَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالثَّانِيَةِ إذَا لَمْ يَقُلْ بِالتَّعَارُضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ عَلَى هَذَا النَّعْتِ فَيُعْمَلُ بِالْأُولَى إذَا لَمْ يَثْبُتْ انْحِلَالُ ذَلِكَ الْوَقْفِ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى فِيمَا إذَا ادَّعَى الْخَارِجُ وَقْفِيَّتَهَا وَذُو الْيَدِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا يُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ تَارِيخًا، وَإِنَّ الْوَقْفَ لَمَّا ثَبَتَ بِتَارِيخٍ سَابِقٍ لَا حُكْمَ لِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وَتَبْدِيلُهُ وَنَقْلُهُ، وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْوَقْفِ أَقْدَمَ تَارِيخًا وَبَيِّنَةُ الْمِلْكِ مُتَأَخِّرَةً لَكِنَّهَا فِي يَدِ مُدَّعِي الْمِلْكِ حَكَمَ بِهَا لِمُدَّعِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ سَبْقِ التَّارِيخِ عَلَى الصَّحِيحِ هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَحْكُمْ وَكَلَامُهُ عَلَى طُولِهِ وَمُعْتَقَدِهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَا الْيَدِ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ مِلْكُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْبَيِّنَةُ الَّذِي بَعْدَ الْوَقْفِ تُضِيفُ الْمِلْكَ إلَى مَنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرَتُّبُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الَبَعْدِيَّةُ، بَلْ هُمَا مُتَعَارِضَانِ فَمُقْتَضَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالْوَقْفِ يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْوَقْفِ مِنْ حِينِ تَارِيخِ الْوَقْفِ إلَى الْآنَ.
وَمَنْ شَهِدَ بِالْمِلْكِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ تَارِيخَ ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ تَقْتَضِي شَهَادَتُهُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ حِينَ شَهَادَتِهِ وَقَبْلَهُ إلَى زَمَنِ الْوَقْفِ وَتَعَارَضَا فَإِنَّا نَسْتَصْحِبُ الْمَاضِيَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمُسْتَقْبَلَ إلَى الْمَاضِي وَلَوْ تَنَزَّلْنَا عَنْ ذَلِكَ لَقُلْنَا: إنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالَتْ هِيَ مِلْكُهُ الْآنَ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْنَا الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ مُخْتَلِفَةِ الصِّيغَةِ تَارَةً تَقُولُ الْبَيِّنَةُ هِيَ مِلْكُهُ حِينَ الْوَقْفِ وَتَارَةً تَقُولُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ إلَى حِينِ الْوَقْفِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ إذَا تَحَقَّقَتْ تَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ لِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ الْمُمْكِنَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا زَمَانُ الْوَقْفِ فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ إنْ اقْتَضَى الْحُكْمَ لِسُلَيْمَانَ فَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَقْتَضِي الْحُكْمَ لِذِي الْيَدِ بِالْمِلْكِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوَقْفِ فَيَقْتَضِي الْحُكْمَ لَا لِجَبْغَا فَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَتَعَارَضَانِ إنْ لَمْ نُرَتِّبْ يَدَ الْجَبْغَا عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ تَعَيَّنَ الْحُكْمَ بِوَقْفِ سُلَيْمَانَ عَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ وَالنَّوَوِيِّ جَمِيعًا، وَحَيْثُ أَشْكَلَ الْحَالُ عَلَيْنَا
стр. 632
وَسُلَيْمَانُ ضَامِنٌ مَكَّاسٌ.
وَالْأَمْوَالُ الَّتِي فِي أَيْدِي الْمَكَّاسِينَ لَا يَخْفَى حَالُ مِلْكِهِمْ لَهَا وَوَقَفَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَهَذَا الْآنَ مِنْ جِهَةِ الْجَبْغَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهُوَ فِي يَدِهِمْ فَرَأْيِي أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى التَّصَدُّقِ بِهِ، فَلَوْ أَخَذَ بَعْضَ أَمْوَالِ الْمَكَّاسِينَ الْمُشْتَبِهَةِ وَجُعِلَتْ صَدَقَةً كَانَ لَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَسَاغٌ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ أُخِذَ بِمُسْتَنِدٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ حَضَرَ كِتَابُ مُشْتَرِي سُلَيْمَانَ فَوَجَدْته قَدْ اشْتَرَى هُوَ وَجَمَاعَةٌ نَصَارَى حِينَ كَانَ نَصْرَانِيًّا عِدَّتُهُمْ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ نَفَرًا الصَّفْقَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الدِّينِ بْنِ الْمَقْدِسِيِّ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ سَنَةَ ثَمَانِ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَلَهُ مِنْهَا بِذَلِكَ حِصَّةٌ يَسِيرَةٌ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رُفْقَتِهِ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ الْبَقِيَّةَ.
فَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لَا يَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَمْوَالِ الضَّمَانِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبَيْعُ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ فِيهِ مَا فِيهِ وَأَيْضًا الْبَائِعُ نَاصِرُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ الْوَكِيلُ وَكَانَ مِسْكِينَ الْحَالِ عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ، وَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشِّرَاءَ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ لَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَمْوَالِ الضَّمَانِ، وَيَتَلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَهُ الْجَبْغَا، أَوْ لِمَنْ بَاعَ لَهُ وَوَقْفَ الْجَبْغَا الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ لَا تَطِيبُ نَفْسِي بِالْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ أَصْلًا بِالْجُمْلَةِ الْكَافِيَةِ.
وَالْحُكْمُ بِوَقْفِ سُلَيْمَانَ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ وَخَيْرٌ مِنْهُمَا أَنْ لَا يُحْكَمَ بِصِحَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ صَعْبٌ فِي الْعَادَةِ، فَإِنْ جُعِلَ ذَلِكَ مُخَلِّصًا لِلْحَاكِمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِحُجَّةِ وَقْفِ الْجَبْغَا فِي الظَّاهِرِ احْتَمَلَ وَعَضَّدَهُ يَدُ الْجَبْغَا الْمَوْجُودَةُ وَأَنَّنَا لَمْ نُقْدِمْ عَلَى أَمْرٍ، بَلْ سَكَتْنَا، وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ.
هَذَا إنْ حَصَلَ الْوُقُوفُ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ بِصَرْفِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِهِ لِسُلَيْمَانَ، فَهُوَ إخْرَاجٌ لَهُ عَنْ حُكْمِ أَمْلَاكِ بَيْتِ الْمَالِ وَتَخْصِيصٌ لِأَوْلَادِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ وَلَهُ مُسْتَنَدٌ، وَهُوَ كِتَابُهُمْ.
وَفِيهِ شُبْهَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كِتَابَهُمْ إنَّمَا اتَّصَلَ بِالْخَطِّ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ فِي الثُّبُوتِ بِالْخَطِّ بِرَفْعِ الْيَدِ أَوَّلًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِالْخَطِّ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي أَفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ أَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا تُرْفَعُ الْيَدُ بِهِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى حَيْثُ لَا يَقْوَى لَا تُرْفَعُ الْيَدُ فِيهِ وَهُمْ مَعَاذِيرُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ بِمَا مَارَسْنَاهُ مِنْ الْوَقَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
﴿فَصْلٌ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخْتَصِرُ كِتَابِ الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ: هَذَا مَا وَقَفَهُ
стр. 633
فَخْرُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيُّ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فَمِنْ ذَلِكَ جَمِيعُ الدَّارِ بِدِمَشْقَ وَمِنْهُ ظَاهِرُ دِمَشْقَ ضَيْعَةٌ تُعْرَفُ بِبِرْصَة وَحِصَّةٌ مَبْلَغُهَا أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَنِصْفُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ مَزْرَعَةٍ تُعْرَفُ بِجَرْمَانَا مِنْ بَيْتِ لَهْيَا وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَسُبْعُ سَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ضَيْعَةٍ تُعْرَفُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ حَبَّةِ عِصَالٍ وَمِنْهُ جَمِيعُ الضَّيْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمُجَيْدَلِ الْقَرْيَةِ وَمِنْهُ نِصْفُ ضَيْعَةٍ تُعْرَفُ بِمُجَيْدَلِ السُّوَيْدَاءِ وَقْفًا عَلَى الْخَاتُونِ سِتِّ الشَّامِ بِنْتِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي ثُمَّ عَلَى بِنْتِ ابْنِهَا زُمُرَّدَ خَاتُونَ بِنْتِ حُسَامِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لَاجِينٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهَا الذَّكَرُ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهَا ثُمَّ أَنْسَالِهِمْ كَذَلِكَ، فَإِذَا انْقَرَضُوا، وَلَمْ يُوجَدُوا عَادَ عَلَى الْجِهَاتِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا.
فَالدَّارُ مَدْرَسَةٌ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الشَّفْعَوِيَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا وَعَلَى الْمُدَرِّسِ بِهَا الشَّافِعِيِّ قَاضِي الْقُضَاةِ زَكِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيِّ إنْ كَانَ حَيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا فَعَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ فَعَلَى الْمُدَرِّسِ الشَّافِعِيِّ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَمِنْ شَرْطِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْعَفَافِ وَالسُّنَّةِ غَيْرِ مُنْتَسِبِينَ إلَى شَرٍّ وَبِدْعَةٍ، وَالْبَاقِي مِنْ الْأَمْلَاكِ عَلَى مَصَالِحِ الْمَدْرَسَةِ وَعَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَا وَعَلَى الْمُدَرِّسِ قَاضِي الْقُضَاةِ زَكِيِّ الدِّينِ، أَوْ مَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِهِ وَمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّدْرِيسِ وَعَلَى الْإِمَامِ الْمُصَلِّي بِالْمِحْرَابِ بِهَا وَالْمُؤَذِّنِ بِهَا وَالْقَيِّمِ الْمُعِدِّ لِكَنْسِهَا وَرَشِّهَا وَفَرْشِهَا وَتَنْظِيفِهَا وَإِيقَادِ مَصَابِيحِهَا يَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ وَثَمَنِ زَيْتٍ وَمَصَابِيحَ وَحُصُرٍ وَبُسُطٍ وَقَنَادِيلَ وَشَمْعٍ، وَمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَمَا فَضُلَ كَانَ مَعْرُوفًا إلَى الْمُدَرَّسِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَإِلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ فَاَلَّذِي هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمُدَرِّسِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الْحِنْطَةِ غِرَارَةً وَمِنْ الشَّعِيرِ غِرَارَةً وَمِنْ الْفِضَّةِ فِضَّةً نَاصِرِيَّةً وَالْبَاقِي مَصْرُوفٌ إلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ فِي أَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَعَطَاءٍ وَحِرْمَانٍ وَذَلِكَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْعُشْرِ وَصَرْفِهِ إلَى النَّاظِرِ عَنْ تَعَبِهِ وَخِدْمَتِهِ وَمُشَارَفَتِهِ لِلْأَمْلَاكِ الْمَوْقُوفَةِ وَتَرَدُّدِهِ إلَيْهَا وَبَعْدَ إخْرَاجِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِضَّةً نَاصِرِيَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ تُصْرَفُ فِي ثَمَنِ مِشْمِشٍ وَبِطِّيخٍ وَحَلْوَى فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ وَمِنْ شَرْطِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُدَرِّسِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ وَحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وَسَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الْفُقَهَاءِ
стр. 634
وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَذِهِ الْمَدْرَسَةِ عَنْ عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمُعِيدُ بِهَا وَالْإِمَامُ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ الْمُدَرِّسِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي ارْتِفَاعِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ وَزِيَادَةٌ وَسَعَةٌ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُقَيِّمَ بِقَدْرِ مَا زَادَ وَنَمَا، هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ السَّعَةِ بِقَدْرِهَا وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ مَا عَلِمْنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ الْوَقْفِ حَالَ الْوَقْفِ، وَلَمْ نَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا الزِّيَادَةَ دُونَ قَدْرِهَا أَمَّا تَحَقُّقُ أَصْلِ الزِّيَادَةِ فَلِأَنَّا رَأَيْنَا الْعَوَائِدَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ ابْتِدَاؤُهَا بِزِيَادَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ فِيهَا عَنْ عِشْرِينَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحَقَّقَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَصْلَ الزِّيَادَةِ.
وَأَمَّا الْجَهْلُ بِقَدْرِهَا فَلِمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّا نَعْرِفُ أَنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ لِلْمُدَرِّسِ غِرَارَةَ قَمْحٍ وَغِرَارَةَ شَعِيرٍ يُسَاوَيَانِ فِي السِّعْرِ، أَوْ نَحْوِهَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ مِائَتَيْنِ، أَوْ نَحْوِهَا.
وَهُوَ فِي السَّنَةِ نَحْوَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَ الْمُدَرِّسِ إلَّا الْفُقَهَاءَ وَالْمُتَفَقِّهَةَ وَالْمُؤَذِّنَ وَالْقَيِّمَ وَالْعِمَارَةَ وَالْعُشْرَ الَّذِي لِلنَّاظِرِ، وَنَحْنُ نَجِدُ الْوَقْفَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى مَا أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ يُبَاشِرُ الْمَدْرَسَةَ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ عَنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ عَنْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بَعْدَ إخْرَاجِ الْعُشْرِ مِنْ الْمُغَلِّ لِلنَّاظِرِ وَالصَّرْفِ مِنْهُ عَلَى الْعِمَارَةِ وَالرُّتَبِ.
وَمَا أَشْبَهَهُمَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَالزَّيْتُ وَالنَّظَرُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْخَاصُّ لِلْمُدَرِّسِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ أَلْفَانِ تَقْرِيبًا مِنْهُ لِلْمُدَرِّسِ نَحْوُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ يَبْقَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا وَكُسُورٍ، فَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا لِعِشْرِينَ فَقِيهًا وَمُؤَذِّنًا وَقَيِّمًا لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَرِيبُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ رَأَيْنَاهَا تَثْبُتُ لِلْمُدَرِّسِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَنْ أَلْفَيْنِ قَلِيلًا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ الْفَقِيهُ، أَوْ الْمُتَفَقِّهُ قَدْرَ الْمُدَرِّسِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بَلْ الْعَادَةُ فِي حَالِ الْمَدَارِسِ أَنْ يَكُونَ الْفَقِيهُ مُنْحَطًّا عَنْ الْمُدَرِّسِ بِكَثِيرٍ وَرَأَيْنَا غَالِبَ الْمَدَارِسِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ لَا يَزِيدُ الْفَقِيهُ عَنْ عُشْرِ الْمُدَرِّسِ إلَّا فِي قَلِيلٍ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ لِلْعِشْرِينِ فَقِيهًا مِقْدَارُ خَمْسَةِ آلَافٍ فِي السَّنَةِ، فَيَكُونُ الْأَرْبَعُونَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا تَكْفِي مِائَةً وَسِتِّينَ فَقِيهًا وَهَذَا أَمْرٌ تَقْرِيبِيٌّ يَظْهَرُ بِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِينَ فَقِيهًا الَّتِي قِيلَ: إنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَمُلَخَّصُ مَا أَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُقَهَاءَ وَمُتَفَقِّهَةٍ وَمُدَرِّسٍ وَمُؤَذِّنٍ وَقَيِّمٍ، وَشَرْطُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى الْعِشْرِينَ رَجُلًا إلَّا إنْ زَادَ الْوَقْفُ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ الْوَقْفَ زَادَ وَأَخْبَرَنِي نَاظِرُهَا بِجُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الزِّيَادَاتِ وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ النُّظَّارَ الْمُتَقَدِّمِينَ زَادُوا فِي الْفُقَهَاءِ إلَى فَوْقِ الْمِائَتَيْنِ وَأَنَّ مُعَدَّلَ الْوَقْفِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْكُلَفِ وَالْعِمَارَةِ وَالرُّتَبِ وَعُشْرِ النَّاظِرِ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ كُلَّ شَهْرٍ قَرِيبَ ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ
стр. 635
مِنْهَا لِلْمُدَرِّسِ:
تَقْدِيرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ تَقْدِيرُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلِلْعِشْرِينِ فَقِيهًا الَّذِينَ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ تَقْدِيرُ أَرْبَعِمِائَةٍ، أَوْ خَمْسِمِائَةٍ، أَوْ سِتِّمِائَةٍ تَبْقَى الزِّيَادَةُ نَحْوُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ كُلَّ شَهْرٍ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَيُنَاسِبُ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً، وَيَكُونُ مُعَدَّلُهُمْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَأَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ لِبَعْضِهِمْ وَيُرَتِّبَ الطَّبَقَاتِ عَلَى مَا يَشَاءُ مَا دَامَ الْمُعَدَّلُ عِشْرِينَ هَذَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَيُمَيِّزَ الْفُقَهَاءَ وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ السَّنَةَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وَإِنْ أَرَادَ تَنْقِيصَ الْمُعَدَّلِ عَنْ عِشْرِينَ وَعَشَرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ فِي الْغَالِبِ وَالصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ تُذْهِبُ بَهْجَةَ الْمَدْرَسَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَازُ فَلَا شَكَّ فِيهِ، بَلْ قَدْ بُحِثَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَمَا إذَا رَأَيْنَا فَقِيهًا فَاضِلًا لَا يَجِدُ قُوتًا وَأَمْكَنَ تَنْزِيلُهُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ تَسُدُّ خَلَّتَهُ، أَوْ بَعْضَ خَلَّتِهِ وَالْمَنَاظِرُ الْجُزْئِيَّةُ وَالْمَصَالِحُ الْكُلِّيَّةُ لَا يَخْفَى عَنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْذُونٌ عَلَى تَعَاضُدِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجِبُ التَّقْيِيدُ فِي الطَّبَقَاتِ بِسَنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَعِشْرِينَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهَا بِمَا شَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَتِّبَهَا كَذَلِكَ وَنَقَصَ الْمُغَلُّ لَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَامِلًا، بَلْ يُنْقِصُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ الَّذِي لَهُمْ سَوَاءٌ أَحَسَبُوهُ عَلَى تِلْكَ الطَّبَقَاتِ وَجَعَلُوهُ عَلَى بَعْضِ أَشْهُرِ السَّنَةِ أَمْ حَسَبُوهُ عَلَى كُلِّ السَّنَةِ وَقَدَّرُوا نُقْصَانَ كُلِّ وَاحِدٍ عَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ طَبَقَتِهِ كِلَا الطَّرِيقَيْنِ سَائِغٌ، وَالثَّانِي أَحْسَنُ، وَمَنْ حَاوَلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ لَهُ تِلْكَ الطَّبَقَةُ وَيَأْخُذَهَا سَنَةً كَامِلَةً فَقَدْ حَاوَلَ مُحَالًا وَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ عِدَّةِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ لَهُ ذَلِكَ دَائِمًا لَمْ يُسَاعِدْهُ الشَّرْعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا الْمَصْلَحَةُ، بَلْ هُوَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ وَمَنْ طَلَبَ التَّوَسُّطَ حَتَّى يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنَّ النَّاظِرَ هُوَ يَحْسِبُ مُعَدَّلَ الْوَقْفِ فِي الْغَالِبِ وَيُرَتِّبُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ ذَلِكَ لِفَقِيهٍ خَمْسَةً وَلِفَقِيهٍ خَمْسِينَ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِي عَدِّهِ هَذَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ.
فَإِنْ قُلْت: الْوَاقِفُ قَدْ شَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى عِشْرِينَ. قُلْت: قَدْ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إلَّا إنْ نَمَا الْوَقْفُ وَزَادَ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فَتَحَقَّقْنَا أَنَّ الِانْحِصَارَ فِي عِشْرِينَ غَيْرُ وَاجِبٍ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ يَسْتَثْنِ مُطْلَقًا بَلْ قَالَ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِهَا قُلْت قَدْ جَعَلْنَا الزِّيَادَةَ بِقَدْرِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ وَلَنَا فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا هَذَا، وَالثَّانِي أَنْ نَقُولَ يَزِيدُ بِقَدْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ مَا شَاءَ وَلَوْ لِكُلِّ فَقِيهٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَجِدُ بِهَا رِفْقًا وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُبْقِيَ الْعِشْرِينَ الْأُصُولَ بِمَعَالِمِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ وَيَخُصَّ الزَّائِدِينَ بِالْمَعْلُومِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَلَهُ أَنْ يُعَمِّمَ النَّقْصَ فِي
стр. 636
الْجَمِيعِ، وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْوَاقِفَ.
لَمْ يُقَيِّدْ الِاسْتِثْنَاءَ بَلْ أَطْلَقَهُ وَعَلَّلَهُ، وَإِنْ شِئْت قُلْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ لَهُ الزِّيَادَةَ لَا يُشْتَرَطُ الِانْحِصَارُ فِي عِشْرِينَ وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَأَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْت: إذَا احْتَمَلَ الْمُرَادُ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ أَوْ لَا هَلْ تَمْتَنِعُ الزِّيَادَةُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُبِيحُ لَهَا، أَوْ يَجُوزُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَانِعَ لَهَا؟ .
قُلْت: الْأَوْلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْوَاقِفَ فِي الْأَوَّلِ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ ثُمَّ شَرَطَ الْعَدَدَ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَرْفَعُ الشَّرْطَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَإِذَا احْتَمَلَ وَتَعَارَضَ الْمُبِيحُ وَالْمَانِعُ رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ إطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى عِشْرِينَ فَقِيهًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الْعِشْرِينَ الْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الدُّخُولِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِالْعَكْسِ الْأَصْلُ فِي الزَّائِدِ الدُّخُولُ بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الرَّافِعُ لَهُ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْجَوَازُ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ اسْتَقَرَّ الْحَالُ فِي زَمَانِ تنكز بِحُضُورِ الْقُضَاةِ عَلَى سِتِّينَ فَقِيهًا عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ سِتِّينَ وَأَرْبَعِينَ وَعِشْرِينَ.
قُلْت لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ قَالَ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، وَلَا أَنَّ الْعَدَدَ مَحْصُورٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَنَّهُ رَسْمٌ بِهِ، وَلَا أَنْ تَنْكُزَ رَسَمَ، بَلْ قَدْ زَادَ تَنْكُزُ فِي زَمَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى السِّتِّينَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى السِّتِّينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا الْمَصْلَحَةَ حِينَئِذٍ وَالْمَصْلَحَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَلَوْ كَانَ فِعْلُهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةً فِي أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ عَلَى السِّتِّينَ لَكَانَ فِعْلُ مَنْ قَبْلَهُمْ حُجَّةً فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى الْمِائَتَيْنِ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ، بَلْ لَا نَعْرِفُ ابْتِدَاءً ذَلِكَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ فِي الْفِقْهِ أَنَّا نَتَمَسَّكُ بِالْعَادَةِ إذَا لَمْ نَعْرِفْ لَهَا ابْتِدَاءً فَالتَّمَسُّكُ بِذَلِكَ أَوْلَى وَأَيْضًا فَنَحْنُ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِالْكُلِّ وَالزِّيَادَةُ تَسْتَدْعِي جَوَازَهَا وَتَرْكُ الزِّيَادَةِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِمَا فُعِلَ قَبْلَهُ عَلَى الْجَوَازِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجِعَ حِسَّهُ وَيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِالْمَنْعِ.
قُلْت: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ هُمْ مَأْجُورُونَ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَقَصْدِهِمْ الْحَقَّ وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْكَامِلِينَ الْمُبَرَّزِينَ يَجِيئُونَ مِنْ الْفِقْهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ:
(إحْدَاهَا) مَعْرِفَةُ الْفِقْهِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَنْظُرُ فِي أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ وَأَحْكَامِهَا كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُصَنِّفِينَ وَالْمُعَلَّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْأَصْلُ.
(الثَّانِيَةُ) مَرْتَبَةُ الْمُفْتِي وَهِيَ النَّظَرُ فِي صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَتَنْزِيلُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَعْتَبِرَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَأَحْوَالُ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَيَكُونُ جَوَابُهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَذَا بِخِلَافِ الْفَقِيهِ الْمُطْلَقِ الْمُصَنِّفِ الْمُعَلِّمِ لَا يَقُولُ فِي هَذِهِ
стр. 637
الْوَاقِعَةِ، بَلْ فِي الْوَاقِعَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ فَرْقٌ وَلِهَذَا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَعْرِفُونَ أَنْ يُفْتُوا، وَأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْمُفْتِي تَنْزِيلُ الْفِقْهِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْمَوْضِعِ الْجُزْئِيِّ وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَبَصُّرٍ زَائِدٍ عَلَى حِفْظِ الْفِقْهِ وَأَدِلَّتِهِ وَلِهَذَا نَجِدُ فِي فَتَاوَى بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ فِي الْفِقْهِ لَيْسَ لِقُصُورِ ذَلِكَ الْمُفْتِي مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْجَوَابَ الْخَاصَّ فَلَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا وَهَذَا قَدْ يَأْتِي فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَوَجَدْنَاهُ بِالِامْتِحَانِ وَالتَّجْرِبَةِ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ وَالْكَثِيرُ أَنَّهُ مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَلَا نُلْحِقُ تِلْكَ الْفَتْوَى بِالْمَذْهَبِ إلَّا بَعْدَ هَذَا التَّبَصُّرِ.
(الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) مَرْتَبَةُ الْقَاضِي وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ رُتْبَةِ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ فِيمَا يَنْظُرُ فِيهِ الْمُفْتِي مِنْ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ وَزِيَادَةِ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَنَفْيِ مُعَارِضَتِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَتَظْهَرُ لِلْقَاضِي أُمُورٌ لَا تَظْهَرُ لِلْمُفْتِي فَنَظَرُ الْقَاضِي أَوْسَعُ مِنْ نَظَرِ الْمُفْتِي وَنَظَرُ الْمُفْتِي أَوْسَعُ مِنْ نَظَرِ الْفَقِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الْفَقِيهِ أَشْرَفَ وَأَعَمَّ نَفْعًا.
إذَا عَلِمْت هَذَا فَالْفِقْهُ عُمُومٌ شَرِيفٌ نَافِعٌ نَفْعًا كُلِّيًّا، وَهُوَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْفَتْوَى خُصُوصٌ فِيهَا ذَلِكَ وَتَنْزِيلُ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ وَالْحُكْمُ خُصُوصُ الْخُصُوصِ فِيهَا ذَلِكَ وَزِيَادَاتٌ: إحْدَاهَا الْحُجَجُ وَالْأُخْرَى الْإِلْزَامُ وَمِنْ أَيِّ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ كُنْت أَقْصِدُ وَجْهَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَمَنْ خَالَفَك فَانْظُرْ فِي كَلَامِهِ وَتَطْلُبُ لَهُ وَجْهًا، فَإِنْ وَجَدْتَهُ أَصْوَبَ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَاسْتَغْفِرْ لَهُ وَاعْلَمْ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْك إذْ هَدَاك لِمَا لَمْ يَهْدِهِ لَهُ فَاشْكُرْ رَبَّك، وَلَا تَنْقُصْ أَخَاكَ.
وَلَمْ أَقِفْ إلَى الْآنَ عَلَى الْفَتَاوَى الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ طَلَبْتهَا وَأُقَدِّمُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ أَنْ أَقِفَ عَلَيْهَا أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَيْسَ كُلُّهُ فِضَّةً بَلْ أَكْثَرُهُ مُغَلٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَنَّ لِلنَّاظِرِ تَنْصِيصَهُ، بَلْ جَعَلَهُ يُخْرِجُ مِنْهُ لِلْمُدَرِّسِ غِرَارَةَ قَمْحٍ وَغِرَارَةَ شَعِيرٍ وَالْبَاقِي لِلْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ مُغَلٌّ يَمْلِكُونَهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِإِذْنِهِمْ لَفْظًا، أَوْ عُرْفًا، فَالتَّقْدِيرُ فَإِنَّ لِكُلِّ فَقِيهٍ سِتِّينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ، أَوْ عِشْرِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَسْعَارَ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى سِعْرٍ وَاحِدٍ تُفْضِي إلَى أُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَفْضُلُ مِنْ الْوَقْفِ شَيْءٌ وَالْوَاقِفُ قَدْ جَعَلَ جَمِيعَهُ لَهُمْ فَتَأْخِيرُهُ عَنْهُمْ ظُلْمٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَفِ الْوَقْفُ بِتِلْكَ الْمَعَالِمِ لِلسَّنَةِ بِكَمَالِهَا فَطَلَبُهُمْ لَهَا ظُلْمٌ.
وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا أَوْجَبَهُ التَّقْدِيرُ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ كُلَّمَا فَضُلَ مِنْ الْمُغَلِّ عَنْ مَعْلُومِ الْمُدَرِّسِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ فَفِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ عَلَى عِشْرِينَ وَمُؤَذِّنٍ وَقَيِّمٍ وَبَعْدَ الزِّيَادَةِ بِحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْدِيلُ ثَلَاثٍ سِنِينَ آخِرُهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ
стр. 638
وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ يَكُونُ عَلَى مِائَةٍ وَمُؤَذِّنٍ وَقَيِّمٍ وَيُقَسِّمُهُ النَّاظِرُ بَيْنَهُمْ قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا عَلَى مَا يَرَاهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ لَا يَنْقُصُ مَجْمُوعُ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِمْ عَنْ خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي السَّنَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مُعَدَّلُ كُلٍّ مِنْهُمْ عِشْرُونَ فِي الشَّهْرِ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَّا ازْدِرَاءً عَلَى مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ الْحُكْمِ وَحَمْلُ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى أَنَّهُ مَرَدٌّ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَيَقْسِمُ مَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ عَلَى نِسْبَتِهِ، فَإِنْ فَهِمَ أَحَدٌ خِلَافَ ذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ شَرْطِ الْوَاقِفِ.
وَنَحْنُ لَيْسَ لَنَا فِي الْأَوْقَافِ إلَّا سُلُوكُ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ فِي قِسْمَتِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمُمَلَّكِ مَا لَنَا فِيهَا إعْطَاءٌ، وَلَا حِرْمَانٌ، وَلَا تَقْدِيرٌ إلَّا تَنْفِيذُ مَا فَعَلَهُ الْوَاقِفُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْإِعْطَاءُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاقِفُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِإِذْنِهِ وَنَحْنُ قُسَّامٌ كَمَا قَالَ ﷺ «إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَالْمُعْطِي اللَّهُ» .
وَمِنْ تَمَامِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ عِشْرُونَ يُحَافَظُ عَلَى إيصَالِهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ فِي زَمَانِ الْوَاقِفِ أَوَّلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ أَوْلَادَ عَمِّهِمْ وَجَعَلَ الْبَاقِيَ كُلَّهُ لَهُمْ وَلِلْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ ثُمَّ شَرَطَ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا عِشْرِينَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ الْوَقْفُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ فِي الْوَقْفِ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ، وَيَكُونُ الْحَاصِلُ الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُمْ.
وَأَمَّا بَعْدَ زِيَادَةِ الْوَقْفِ فَقَدْ تَحَقَّقْنَا عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْعِشْرِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ بَعْدَ زِيَادَةِ الْوَقْفِ ثُمَّ إنَّهُ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا تَعْلِيلًا، أَوْ بَيَانًا، فَإِنْ كَانَ تَعْلِيلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَّلَ اسْتِثْنَاءَهُ بِذَلِكَ فَمَفْهُومُ هَذِهِ الْعِلَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَزِيدُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الزِّيَادَةِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ إذَا عَلَّلَ الْعَامَّ بِعِلَّةٍ لَا تُوجَدُ إلَّا فِي بَعْضِهِ هَلْ يَخُصُّ بِذَلِكَ، أَوْ لَا الْمُخْتَارُ لَا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا فَالْبَيَانُ إنَّمَا يَكُونُ لِأَمْرٍ مُجْمَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالُ لِمَا يَكُونُ الْحُكْمُ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ الشَّرْطَ بِالزِّيَادَةِ ذَكَرَ أَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا بِالْمَفْهُومِ إنْ سَلَّمَ وَمَنْطُوقُ كَلَامِهِ الَّذِي قَبْلَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ فَلَا يُعَارِضُهُ هَذَا الْمَفْهُومُ؛ وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: فِي الْأَوَّلِ إنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ فَذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمَّا فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ فَلَا، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوْقَافِ إنَّمَا يَعْتَبِرُ الْأَلْفَاظَ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ فِي حَصْرِ الزِّيَادَةِ فِي الْمِقْدَارِ نَظَرًا ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ انْحِصَارَهَا فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِشْرُونَ يُخَصُّونَ بِالْأَصْلِ وَالزَّائِدُونَ بِالزِّيَادَةِ، أَوْ يَشْتَرِكُ الْكُلُّ فِي الْجَمِيعِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الِاشْتِرَاطَ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَبْقَ إلَّا الصَّرْفُ لِلْعُمُومِ فَكُلُّ مَنْ قَرَّرَ سَوَاءٌ، وَيَكُونُ الْحَصْرُ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى لَا يَكْثُرَ
стр. 639
النَّقْصُ فَهَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ وَيَشْتَرِكَ الْأَصْلِيُّونَ.
وَالزِّيَادَةُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ كَمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ وَأَرَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُفْهَمُ فِي الْعُرْفِ فَكَأَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لَهُ عُرْفًا وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالتَّحْرِيرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّقْرِيبِ وَالْإِلْحَاقِ بِأَشْبَاهِهَا مِنْ الْمَدَارِسِ وَأَقْرَبُ شَيْءٍ تَلْحَقُ بِهِ الشَّامِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةِ فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا لِسِتِّ الشَّامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَهَا فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْعُرْفُ وَاحِدٌ وَالشَّامِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ أَكْبَرُ، فَإِذَا جَعَلْت هَذِهِ مِثْلَهَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيْفٌ، وَالْمُسْتَقِرُّ بِالْبَرَّانِيَّةِ لِلْمُبْتَدِئِ وَلِلْمُتَوَسِّطِ اثْنَا عَشَرَ وَلِلْمُنْتَهِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا مَعَ مَا يَتَّبِعُ ذَلِكَ مِنْ خُبْزٍ وَغَيْرِهِ يُقَارِبُهُ فَأَرَى أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الشَّامِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ لِلْمُنْتَهِي ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَلِلْمُتَوَسِّطِ عِشْرُونَ وَلِلْمُبْتَدِئِ عَشَرَةٌ وَأَرَى أَيْضًا أَنْ لَا تَنْحَصِرَ الْحَالُ فِي ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، بَلْ يُفَاوِتُ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ؛ لِأَنَّ دَرَجَاتِ الْمُنْتَهِينَ وَالْمُتَوَسِّطِينَ مُخْتَلِفَةٌ فَتُجْعَلُ طَبَقَةُ الْمُنْتَهِينَ مِنْ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ وَطَبَقَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى عِشْرِينَ وَطَبَقَةُ الْمُبْتَدَئِينَ مِنْ عَشَرَةٍ إلَى خَمْسَةَ عَشْرَةَ.
وَلَا حَرَجَ فِي أَنْ يَنْقُصَ عَنْ الْعَشَرَةِ، أَوْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِينَ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ
الْمَصْلَحَةُ
، أَوْ يُبْقِيَ الطَّبَقَاتِ عَلَى حَالِهَا ثَلَاثَةً وَتَكُونُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنْ سِتِّينَ إلَى أَرْبَعِينَ وَالْوُسْطَى مِنْ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْعِشْرِينَ وَالسُّفْلَى مِنْ الْعِشْرِينَ إلَى خَمْسَةٍ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا قُلْنَاهُ، وَمَا قَرَّرَهُ مِنْ جَعْلِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَتَقَادِيرِهِمْ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ؛ لِأَنَّا لَوْ الْتَزَمْنَا بِهَذِهِ الْمَقَادِيرِ وَفَضُلَ دِرْهَمٌ مَثَلًا، فَإِنْ بَقَّيْنَاهُ حَاصِلًا، وَلَمْ نَصْرِفْهُ لَهُمْ خَالَفْنَا قَوْلَ الْوَاقِفِ إنَّهُ لَهُمْ، وَإِنْ صَرَفْنَاهُ إلَيْهِمْ، أَوْ إلَى بَعْضِهِمْ خَالَفْنَا التَّقْدِيرَ بِسِتِّينَ وَأَرْبَعِينَ وَعِشْرِينَ، وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ حَقٌّ وَتِلْكَ الْمُخَالَفَةُ بَاطِلٌ، وَيُمْكِنُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَيُجْعَلُ فِيهَا سِتُّونَ مِنْ طَبَقَةِ عِشْرِينَ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، وَعِشْرُونَ فِي طَبَقَةِ أَرْبَعِينَ بِثَمَانِمِائَةٍ دِرْهَمٍ، وَثَمَانِيَةٌ فِي طَبَقَةِ سِتِّينَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ دُونَ الثَّلَاثِينَ أَلْفًا بَقِيَ أَنْ يَكُونَ مَا يُقْسَمُ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَمِنْهُمْ الْمُعِيدُ وَالْإِمَامُ غَيْرُ مَحْصُورٍ، بَلْ كُلُّ مَا يَفْضُلُ وَمِنْهُمْ أَيْضًا نَائِبُهُمْ الَّذِي يَرْضَوْنَ بِهِ لَا تُجْعَلُ لَهُ جَامَكِيَّةٌ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ، وَوَظِيفَتُهُ مُحَاقَقَةُ النَّاظِرِ.
فَإِنْ انْفَرَدَ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزِ النَّاظِرِ، أَوْ خِيَانَتِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ النَّاظِرُ الْعُشْرَ وَاسْتَحَقَّ هَذَا أُجْرَةَ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَنْعُ النَّاظِرِ مِنْ الْكَلَامِ اسْتَحَقَّ النَّاظِرُ الْعُشْرَ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا شَيْءٌ إلَّا مِنْ مَالِ الْفُقَهَاءِ إذَا رَضُوا بِهِ، وَلَا يُوَلَّى عَامِلٌ إلَّا إذَا كَانَ النَّاظِرُ يُوَلِّيهِ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَ كُلَّ الْحَاصِلِ لِلْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ فَلَا يُشْرِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
стр. 640
مَسْأَلَةٌ﴾ فِي وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ وَهَذَا صُورَةُ كِتَابِ وَقْفِهَا مِثَالُ صُورَةِ الْعَلَّامَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ تَوْفِيقِي صُورَةُ خَطِّ الْحَاكِمِ ثَبَتَ عِنْدِي مَضْمُونُ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ وَحَكَمْت بِهَا وَكَتَبَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَبَّارِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ أَشْهَدَ عَلَيْهِ مَوْلَانَا الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ أَنَّهُ فَوَّضَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَضِرٍ الْقُرَشِيِّ مَعَ الْأَمْلَاكِ الْمُخْتَصَّةِ بِبَيْتِ الْمَالِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ عَامِرِهَا وَغَامِرِهَا وَمُعَطِّلِهَا وَمُزْرَعِهَا وَمَوَاتِهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَوَلَّاهُ هَذِهِ الْوِلَايَةَ، ثُمَّ إنَّ عِزَّ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ مَوْلَانَا الْمَلِكِ النَّاصِرِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْجَارِيَةِ فِي مِلْكِ بَيْتِ الْمَالِ بِالْقُدْسِ فَمِنْ ذَلِكَ الْأَرْضُ الْمَعْرُوفَةُ بالحسمانية وَمِنْهُ الْأَرْضُ وَالْجِنَانُ الْمَعْرُوفَةُ بِعَيْنِ سُلْوَانَ وَمِنْهُ حَمَّامُ صُهْيُونَ وَحَمَّامُ بَابِ الْأَسْبَاطِ وَفُرْنٌ وَحَاكُورَةٌ وَالضَّيْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِصَيْدِ حَنَّا وَالدَّارُ الَّتِي قِبْلِيَّهَا وَالدَّارُ الْمُجَاوِرَةُ لَهَا وَالطَّاحُونُ الْمُقَابِلَةُ لَهَا وَالْجِنَانُ وَجَمِيعُ الْعُيُونِ وَالْكَنِيسَةُ الصَّغِيرَةُ الْمَعْرُوفَةُ بالبربابكن الَّتِي تَحْتَهَا الْعَيْنُ وَالْحَوَانِيتُ بِالسُّوقِ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ مُبَيَّنٍ مَوْزُونٍ هُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ قَبَضَهُ الْبَائِعُ وَصَرَفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَقَبَضَ مَوْلَانَا الْمَلِكُ النَّاصِرُ الْمَوَاضِعَ الْمَبِيعَةَ فَمَتَى أَدْرَكَ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْمَبِيعِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ دَرَكًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ، وَوَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِمَا فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلَمَّا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فِي مِلْكِ مَوْلَانَا الْمَلِكِ النَّاصِرِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَفَ جَمِيعَ الدَّارِ وَالْكَنِيسَةَ الْمُلَاصِقَةَ لَهَا الْمَعْرُوفَةَ بِصَيْدِ حَنَّا الْمَذْكُورَةَ مَدْرَسَةً عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْفُقَهَاءِ الْمُقِيمِينَ بِهَا وَالْمُنْقَطِعِينَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ عَلَى أَنَّ الْمُدَرِّسَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُبَاكِرُ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ إلَى الْحُضُورِ وَجَمِيعِ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَيَبْدَءُوا بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَشْفَعُونَهُ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ يَشْرَعُ بِالدَّرْسِ مَذْهَبًا وَخِلَافًا، وَأُصُولًا، وَمَا شَاءَ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ يَنْهَضُ كُلُّ مُعِيدٍ مَعَ أَصْحَابِهِ فَيُعِيدُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ مَذْهَبًا وَالْخِلَافِ إنْ كَانَ خِلَافِيًّا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَعَلَيْهِمْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ جَمَاعَةً إلَّا مَنْ أَخَّرَ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَعَلَيْهِمْ مُلَازَمَةُ الْمَدْرَسَةِ وَالْمَبِيتُ بِهَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ مُعْتَادٍ بِإِذْنِ الْمُدَرِّسِ إلَّا مَنْ يَكُونُ مُتَأَهِّلًا فَعَلَيْهِ الْحُضُورُ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَعَلَيْهِمْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِإِعَادَةِ الدُّرُوسِ وَعَلَى الْمُدَرِّسِ تَفَقُّدُ أَحْوَالِ الْفُقَهَاءِ
стр. 641
فَمَنْ رَآهُ مُشْتَغِلًا أَكْرَمَهُ وَشَكَرَهُ وَمَنْ رَآهُ مُقَصِّرًا وَعَظَهُ مِرَارًا، فَإِنْ لَمْ يَنْصَلِحْ أَخْرَجَهُ وَقَطَعَ جَارِيَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَآهُ عَلَى غَيْرِ مَا يَجِبُ يَعِظُهُ وَيَنْهَاهُ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ أَخْرَجَهُ.
وَقَدْ فَوَّضَ مَوْلَانَا الْمَلِكُ النَّاصِرُ التَّدْرِيسَ إلَى الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالْقُدْسِ وَالْعَسْكَرِ الْمَنْصُورِ، وَمَا جَمَعَ إلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ رَافِعِ بْنِ تَمِيمٍ وَجَعَلَ النَّظَرَ فِيهَا، وَفِي أَوْقَافِهَا إلَيْهِ وَجَعَلَ مَا يُصْرَفُ مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ نَظَرِهِ فَلَهُ أَنْ يُدَرِّسَ بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ فَإِلَى مَنْ يُوصِي إلَيْهِ وَيَنُصُّ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ التَّدْرِيسُ لَهُ وَالنَّظَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْآخَرُ لَا يَزَالُ ذَلِكَ كَذَلِكَ كُلَّمَا انْقَضَى مُدَرِّسٌ فَإِنَّ النَّظَرَ وَالتَّدْرِيسَ إلَى مَنْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُوصَى بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَحَدٍ كَانَ تَعْيِينُ الْمُدَرِّسِ إلَى الْحَاكِمِ الْأَصْلِيِّ فِي مَدِينَةِ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، فَإِذَا عَيَّنَ مُدَرِّسًا صَارَ النَّظَرُ إلَى الْمُدَرِّسِ لِلْعَيْنِ لَا يَزَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَبَدًا سَرْمَدًا وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَازِمَ الدَّرْسَ بِنَفْسِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَمُلَازَمَةُ الْمُدَرِّسِ فِي الْمَكَانِ إلَّا لِحَاجَةٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْغَيْبَةِ لَهَا بَعْدَ اسْتِئْذَانِ النَّاظِرِ وَإِذْنِهِ.
وَعَلَيْهِ تَفَقُّدُ حَالِ الْمَدْرَسَةِ فَمَا رَأَى مِنْ نَقْصٍ تَقَدَّمَ بِإِزَالَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ انْتَهَى ذَلِكَ إلَى النَّاظِرِ وَقَدْ رَتَّبَ لَهُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَغِرَارَتَيْنِ قَمْحًا، وَعَدَدُ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، بَلْ مَا وَسِعَهُ الْوَقْفُ مِنْ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَبِذَلِكَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي ثَالِثَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى جَلَالِ الدِّينِ أَبِي عَلِيٍّ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَبَّارِ الْحَاكِمِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ التَّفْوِيضِ وَالْبَيْعِ، وَالْوَقْفِ وَأَلْزَمَ حُكْمَهُ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ إلْزَامُهُ، وَأَنْفَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلْطَانَ بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ نَائِبُ الْحَكَمِ بِدِمَشْقَ فِي ثَانِي رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ شَرَفُ الدِّينِ، وَنَفَّذَهُ زَكِيُّ الدَّيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَاضِي دِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ شَمْسُ الدِّينِ سَالِمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ صَاعِدِ بْنِ الدَّيْلَمِ قَاضِي الْقُدْسِ فِي تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدِ بْنِ السَّلَمِ قَاضِي نَابُلُسَ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ صَفِيُّ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنُ مَكْتُومٍ الْعَسِّيُّ قَاضِي الْقُدْسِ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ عَيَّاشٍ نَائِبِ قَاضِي غَزَّةَ فِي خَامِسِ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَ أَسْجَالُ صَفِّي الدِّينِ أَيْضًا بَدْرَ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ قَاضِي الْقُدْسِ نِيَابَةً عَنْ ابْنِ الصَّائِغِ فِي الثَّالِثَ
стр. 642
عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ؛ وَنَفَّذَ أَسْجَالُ بَدْرِ الدِّينِ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُحْسِنِ بْنِ حَسَنٍ قَاضِي الْقُدْسِ فِي ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَنَفَّذَ أَسْجَالُ بَدْرِ الدِّينِ هَذَا أَيْضًا شَرَفُ الدِّينِ مُنَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ كَامِلِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَابِعَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِمِائَةٍ وَلَكِنَّ الشُّهُودَ إنَّمَا شَهِدُوا عَلَيْهِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ.
وَنَفَّذَ أَسْجَالُ شَرَفُ الدِّينِ مُنَيْفُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ نَائِبُ الْحَكَمِ بِالْقُدْسِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْجَلَالِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ شَمْسُ الدِّينِ سَالِمٌ فِي ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَنَفَّذَهُ عِمَادُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يَحْيَى قَاضِي الْقُدْسِ، وَنَفَّذَ أَسْجَالُ ابْنُ سَالِمٍ أَيْضًا شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ تَمَّامٍ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَنَفَّذَهُ ابْنُ الْمَجْدِ، وَنَفَّذْته أَنَا فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
وَفِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لِمَا كَانَ بِتَارِيخِ تَاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ حَضَرَ بِدِمَشْقَ الْقُضَاةُ الشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ وَبَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْأُسْتَاذِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ التَّفْوِيضِ الَّذِي فَوَّضَهُ إلَيْهِ عَلَاءُ الدِّينِ سُنْقُرٌ الزَّيْنِيُّ الْمُبَلِّغِي ذَلِكَ عَنْ أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ قُطْلُبٍ الزَّيْنِيِّ الْمَحْكِيِّ فِيهِ اتِّصَالُ ذَلِكَ بِالْقَاضِي الدِّينِ بْنِ تَمِيمٍ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْهِ الْوَاقِفُ فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّدْرِيسِ وَأَنَّ شَرْطَ مَنْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ النَّظَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَبَعًا لِتَدْرِيسِ الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَكُونَ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ أَهْلًا لِإِلْقَاءِ الدُّرُوسِ مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَاقِفُ وَحَكَمَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى بَدْرِ الدِّينِ الْمَذْكُورِ بِاسْتِحْقَاقِ النَّظَرِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ وِلَايَةِ التَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ وَحَكَمَ عَلَى بَدْرِ الدِّينِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ لِلنَّظَرِ بِحُكْمِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَالْحَاكِمِ شِهَابُ الدِّينِ ثُمَّ نَفَّذَهُ الْمَالِكِيُّ ثُمَّ نَفَّذَ الْحَنْبَلِيُّ حُكْمَ الْمَالِكِيِّ.
قَالَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ أَمَّا بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ شَدَّادٍ الَّذِي تَلَقَّى عَنْ الْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَهُ وَلَوْ عَزَلَ هُوَ نَفْسَهُ عَنْ الْوَظِيفَتَيْنِ، أَوْ عَنْ النَّظَرِ وَحْدَهُ، أَوْ عَنْ التَّدْرِيسِ وَحْدَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ وَلَوْ خَرَجَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ غَيْرُهُ أَقَامَ الْحَاكِمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ إلَى أَنْ تَرْجِعَ الْأَهْلِيَّةُ إلَيْهِ فَيَعُودُ.
أَمَّا النَّظَرُ فَلِمَا قَرَّرْنَا فِي تَصْنِيفٍ مُفْرَدٍ مِنْ أَنَّ النَّاظِرَ الْمَشْرُوطَ لَهُ النَّظَرُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ وَتُجْعَلُ هَذِهِ الصِّيغَةُ وَهِيَ قَوْلُ الْوَاقِفِ وَقَدْ فَوَّضَ وَكَوْنُهَا فِي صُلْبِ الْوَقْفِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ التَّصْنِيفِ، وَأَمَّا التَّدْرِيسُ فَلِمَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النَّظَرِ وَالثَّانِي كَوْنُ الْوَاقِفِ جُعِلَ لِبَهَاءِ الدِّينِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُدَرِّسَ بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ، وَلَمْ
стр. 643
يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ شَرْطًا مَا دَامَ يُدَرِّسُ بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يُحَصِّلْ التَّدْرِيسَ بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ هَذَا حُكْمُ بَهَاءِ الدِّينِ ﵀.
وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَهُمْ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ وَهُمْ الَّذِينَ ابْتَدَأَ بِهِمْ فَحُكْمُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ حُكْمُهُ وَلَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَنِيبُوا فِي التَّدْرِيسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُدَرِّسُوا بِأَنْفُسِهِمْ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا إلَّا بَهَاءُ الدِّينِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِي خَصَّهُ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يُدَرِّسَ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ إكْرَامًا لَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الْوَاقِفُ بِأَنَّ لِبَهَاءِ الدِّينِ، أَوْ لِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يُوصِيَ، أَوْ يُسْنِدَ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَإِذَا مَاتَ فَإِلَى مَنْ يُوصِي إلَيْهِ وَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ إذَا أَوْصَى وَنَصَّ ثُمَّ مَاتَ كَانَ التَّدْرِيسُ وَالنَّظَرُ لِمَنْ أَوْصَى إلَيْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ بِحُكْمِ شَرْطِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُوصَى بِحُكْمِ إيصَائِهِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبَطْنِ الثَّانِي يَتَلَقَّوْنَ عَنْ الْوَاقِفِ عَلَى الصَّحِيحِ لَا عَنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا فِي أُمُورٍ مِنْهَا إذَا أَوْصَى بَهَاءُ الدِّينِ مَثَلًا، أَوْ غَيْرُهُ فِي حَيَاتِهِ لَا نَحْكُمُ بِأَنَّ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ صَحِيحَةٌ، بَلْ نَنْتَظِرُ، فَإِنْ مَاتَ حَكَمْنَا لِلْمُوصَى إلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَهَاءُ الدِّينِ أَنْ يُفَوِّضَ النَّظَرَ فِي حَيَاتِهِ إلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيلِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْلِيَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَوِّضَ التَّدْرِيسَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنَابَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ وَلَهُ تَرْكُ التَّدْرِيسِ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ.
وَقَدْ قُلْنَا: إذَا تَعَطَّلَ أُقِيمَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَهُوَ نَاظِرٌ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَهُ عَزْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالرُّجُوعُ إلَى التَّدْرِيسِ بِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي يُوَلِّيه لَيْسَ لَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُشْتَرَطِ لِبَهَاءِ الدِّينِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ عَنْ نَظَرِهِ لَا عَنْ تَدْرِيسِهِ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يُدَرِّسَ ذَلِكَ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ تَبَرُّعًا كَمَا كَانَ بَهَاءُ الدِّينِ.
وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الْوَقْفِ، أَمَّا مِنْ الْوَقْفِ فَلَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ لَهُ عَلَى شَيْءٍ.
هَذَا حُكْمُ تَفْوِيضِ بَهَاءِ الدِّينِ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ مَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ أَوْصَى إلَيْهِ فَكَذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَا يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، بَلْ إذَا مَاتَ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُفَوِّضَ التَّدْرِيسَ إلَى غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّدْرِيسَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ
стр. 644
يَسْتَنِيبَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لِذَلِكَ بِخِلَافِ بَهَاءِ الدِّينِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَهُ اسْتِقْلَالًا وَيَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ؟ هَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ أَنْ يُقَالَ بِهِ كَمَا فِي بَهَاءِ الدِّينِ، وَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ الْأَقْوَى أَنْ يَمْتَنِعَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ " وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُدَرِّسَ بِنَفْسِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ " وَهَذَا الشَّرْطُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي التَّدْرِيسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَفِي النَّظَرِ مَعًا، فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِمَا مَعًا فَامْتَنَعَ مِنْ التَّدْرِيسِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ النَّظَرَ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ النَّظَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ التَّدْرِيسَ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ كَلَامِ الْوَاقِفِ تَقْتَضِي جَعْلَ النَّظَرِ مَانِعًا لِلتَّدْرِيسِ فَلَا يَسْتَقِلُّ إلَّا فِي حَقِّ بَهَاءِ الدِّينِ خَاصَّةً لِنَصِّهِ عَلَيْهِ.
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي حَقِّ بَهَاءِ الدِّينِ، وَفِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُوصَى إلَيْهِمْ إذَا فَوَّضُوا التَّدْرِيسَ وَالنَّظَرَ مَعًا لِوَاحِدٍ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَلِذَلِكَ إذَا فَوَّضَ التَّدْرِيسَ إلَى وَاحِدٍ مَنَعَهُ النَّظَرُ لِمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ وَوَرَاءَ هَذَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا إذَا أَوْصَى بِالنَّظَرِ وَحْدَهُ لِوَاحِدٍ، وَالثَّانِيَةُ إذَا أَوْصَى بِالنَّظَرِ لِوَاحِدٍ وَالتَّدْرِيسِ لِآخَرَ وَأَوْصَى بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ.
(أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) ، فَإِذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلتَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ مَعًا كَانَ النَّظَرُ وَالتَّدْرِيسُ لَهُ سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِهِمَا أَمْ بِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِ الْوَاقِفِ " فَإِلَى مَنْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ وَيَنُصُّ عَلَيْهِ " وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ الصَّلَاحِيَّةِ لِلْمَجْمُوعِ وَكَقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ التَّدْرِيسُ لَهُ وَالنَّظَرُ أَمَّا إذَا أَوْصَى لِمَنْ يَصْلُحُ لِلتَّدْرِيسِ فَقَطْ، أَوْ النَّظَرِ فَقَطْ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا لَهُ وَهَلْ يَكُونُ لَهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ لَفْظُ الْوَاقِفِ سَاكِتٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِصِحَّتِهِ لِكَوْنِ الْوَاقِفِ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ لِعَدَمِ اقْتِضَاءِ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا نَحْكُمُ بِالْبُطْلَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَهُ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبُطْلَانُ إلَّا فِيمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِوَصِيَّتِهِ فِي الْمَجْمُوعِ مَدْلُولٌ عَلَى صِحَّتِهَا وَالْعَمَلَ بِوَصِيَّتِهِ فِي أَحَدِهِمَا، وَهُوَ النَّظَرُ لَيْسَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَدَمِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعَمَلِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِوَصِيَّتِهِ فِي التَّدْرِيسِ بِتَتَبُّعِ النَّظَرِ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِيصَاءِ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهِ إذَا أَوْصَى لَهُ فِي شَيْءٍ
стр. 645
لَا يَصِيرُ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ أَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ صَارَ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ فَلِبَهَاءِ الدِّينِ وَلِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يُوصِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ بِلَا إشْكَالٍ.
وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْبَحْثَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ عَائِدٌ إلَى الْمَجْمُوعِ لَا إلَى الْوَاحِدِ وَلَوْلَاهُ لَكَانَ إذَا أَوْصَى لِمَنْ يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لَهُ فِيهِمَا وَحَيْثُ لَا يَصْلُحُ يُقَامُ غَيْرُهُ وَحَيْثُ يَصْلُحُ إمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا دَوَامًا يُبَاشِرُ مَا يَصْلُحُ لَهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لِأَوْلَادِهِ، أَوْ لِزَيْدٍ، وَهُوَ لَا يَصْلُحُ عِنْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ صَلَحَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا كُلُّهُ مَا دَامَ إذَا مَاتَ وَاحِدٌ كَانَ هُنَاكَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَصَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَوْصَى ثُمَّ انْعَزَلَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى إلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوَّلًا؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلَّمَا انْقَضَى مُدَرِّسٌ يَشْمَلُ انْقِضَاؤُهُ بِالْمَوْتِ وَبِالْعَزْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا، فَإِذَا مَاتَ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَزَالُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ بِالتَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ لَهُ وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ حَالَةُ الْمَوْتِ فَهَذِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ الِانْقِضَاءَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهَا إلَى الْمَوْتِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ قَوِيٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ أَرْجَحَ فَلَا يَكُونُ مَرْجُوحًا، وَفِي حَقِّ بِهَاءِ الدِّينِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ انْعِزَالُهُ فَلَا انْقِضَاءَ لَهُ إلَّا بِالْمَوْتِ، أَوْ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ أَقْرَبُ إلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ فِي مُدَّةِ خُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْآنُ فِي هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَإِنَّمَا الْمُنَازَعَةُ فِي كَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ، فَإِذَا لَمْ يُلَازِمْ الدَّرْسَ لَمْ يَسْتَحِقَّ فَهُنَا نَقُولُ: إنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ لَهُ إذَا خَرَجَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ يَبْقَى أَمْرُهُ مُرَاعًى، أَوْ نَقُولُ: إنَّ شَرْطَ النَّظَرِ لَهُ إنَّمَا هُوَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُلَازِمًا لِلدَّرْسِ وَقَدْ فَاتَ فَلَا يَكُونُ نَاظِرًا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُدَرِّسَ النَّاظِرَ الْأَهْلَ لِلْوَظِيفَتَيْنِ غَيْرُ بَهَاءِ الدِّينِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي حَقِّ بَهَاءِ الدِّينِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ إذَا رَجَعَ إلَى التَّدْرِيسِ لَهُ ذَلِكَ وَيَسْتَمِرُّ تَدْرِيسُهُ وَنَظَرُهُ، وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ التَّدْرِيسِ فَإِنَّ الشَّرْطَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لِلنَّظَرِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا يَكُونُ نَاظِرًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنْ جَعَلْنَا نَظَرَهُ بَاقِيًا أَنْ يُوَلِّيَ كَابْنِ شَدَّادٍ، وَإِنْ جَعَلْنَا نَظَرَهُ زَائِلًا وَكَانَ قَدْ أَوْصَى إلَى شَخْصٍ هَلْ يَتَعَيَّنُ كَمَا
стр. 646
فِي حَالَةِ الْمَوْتِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مَسْكُوتٌ عَنْهَا؟ الْأَقْرَبُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ غَيْرِ الْمَوْتِ بِالْمَوْتِ إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ وَالْقِيَاسُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَوْقَافِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ابْنِ شَدَّادٍ وَغَيْرِهِ قَصْدُ الْوَاقِفِ عَيْنَهُ، فَهُوَ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُدَرِّسًا وَهِيَ صِفَةٌ تَقْبَلُ الزَّوَالَ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ التَّدْرِيسِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُوصَى إلَيْهِمْ أَمَّا إذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِ إيصَاءٍ فَقَدْ قَالَ الْوَاقِفُ إنَّ قَاضِيَ الْقُدْسِ الْأَصْلِيِّ يُعَيِّنُ مُدَرِّسًا، فَإِذَا عَيَّنَّ يَصِيرُ مُدَرِّسًا نَاظِرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ إذَا كَانَ صَالِحًا لَهُمَا، فَإِنْ عَيَّنَ مُدَرِّسًا يَصْلُحُ لِلتَّدْرِيسِ دُونَ النَّظَرِ هَلْ يَمْتَنِعُ، أَوْ يَجُوزُ وَيُقَامُ نَاظِرٌ كَمَا يُقَامُ غَيْرُ الَّذِي شَرَطَ لَهُ النَّظَرَ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ وَلِهَذَا مَا ذَكَرَ الْوَاقِفُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَصِيرُ الَّذِي عَيَّنَهُ قَاضِي الْقُدْسِ مَشْرُوطًا لَهُ التَّدْرِيسُ وَالنَّظَرُ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ كَمَا يَتَلَقَّى النَّظَرَ الثَّانِي عَنْ الْوَاقِفِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ، فَإِذَا مَاتَ هَذَا الْمُدَرِّسُ وَقَدْ قَضَى وَأَوْصَى إلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّدْرِيسِ وَالنَّظَرِ اسْتَحَقَّهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ابْنِ شَدَّادٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ، هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنَازِعَ فِيهِ غَيْرِي وَيَسْتَنْكِرَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ مَتْرُوكٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَمُتْ هَذَا الْمُدَرِّسُ وَلَكِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ، أَوْ عَزَلَهُ غَيْرُهُ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ، وَلَكِنْ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ التَّدْرِيسِ يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامُهُ، وَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ النَّظَرِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَخْرُجُ كَانَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ لِيَقُومَ مَقَامَهُ فِي مُدَّةِ امْتِنَاعِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَخْرُجُ فَهَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لِحَاكِمِ الْقُدْسِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ؟ أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ بِالشَّرْطِ الَّذِي يَشْتَرِطُهُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَهُ فِي الْمَوْتِ، وَإِلْحَاقُ هَذِهِ الصُّورَةِ بِهِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ فِي الْأَوْقَافِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الْعَامِّ مِنْ كَوْنِهِ قَاضِي الْقُدْسِ فَنَعَمْ وَيُشَارِكُهُ فِيهِ كُلُّ مَنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ مِنْ الْقَاضِي الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مُتَوَلِّي الشَّامِ وَنَائِبِ الشَّامِ وَالسُّلْطَانِ فَمَنْ سَبَقَتْ تَوْلِيَتُهُ مِنْهُمْ نَفَذَتْ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ بَهَاءَ الدِّينِ بْنَ شَدَّادٍ فَوَّضَ النَّظَرَ وَحْدَهُ إلَى شَخْصٍ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى شَخْصٍ يُسَمَّى بَدْرَ الدِّينِ بْنَ الِاسْتِدَارِ، وَنَازَعَ الشَّيْخُ صَلَاحُ الدِّينِ الْمُدَرِّسَ فِي النَّظَرِ
стр. 647
وَعَقَدَ مَجْلِسَ بِدِمَشْقَ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
وَعِنْدِي أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ بَدْرِ الدِّينِ النَّظَرَ إسْنَادٌ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَأَنَّهُ اقْتَضَى مُلَازَمَةَ التَّدْرِيسِ النَّظَرُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَكِنْ لَوْ اسْتَنَدَ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ لَمْ يَقْتَضِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ كَانَ صَحِيحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاكِمُ الْمَذْكُورُ اسْتَنَدَ إلَى فَتَاوَى جَمَاعَةٍ لَمْ يَقْتَضِ رَأْيِي مُوَافَقَتَهُمْ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ التَّدْرِيسِ وَأَذِنَ فِي أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ فَوَلَّى النَّاظِرُ الْعَامُّ صَحَّتْ التَّوْلِيَةُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ نَظَرٌ فَقَدْ أَذِنَ وَإِلَّا فَقَدْ وَلَّى النَّاظِرُ الْعَامُّ، وَأَيًّا مَا كَانَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِمَجْمُوعٍ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَكَلَّمْت بِذَلِكَ مَعَ مَنْ ذَكَّرَنِي بِأَنَّ عَلَاءَ الدِّينِ الْقُدْسِيَّ كَانَ مُدَرِّسُهَا وَنَاظِرُهَا بِتَعْيِينِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْقُدْسِ حَتَّى عُزِلَ فَذَكَرْت وَقُلْت: مُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ أَنَّهُ الْآنَ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ فَوَقَفْت عَنْ تَوَسُّعِ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ يَجِبُ الْبَحْثُ وَالنَّظَرُ إلَيْهَا، وَلَيْسَ لَنَا غَرَضٌ مَعَ أَحَدٍ، وَنَفْسِي مُنْقَادَةٌ إلَى مَا يَئُولُ الْبَحْثُ الصَّحِيحُ إلَيْهِ وَأَقِفُ عِنْدَهُ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْوَاقِفِ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ اسْتِئْذَانِ النَّاظِرِ وَالثَّانِي إنْهَاءُ ذَلِكَ إلَى النَّاظِرِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُدَرِّسَ عَلَيْهِ نَاظِرٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ النَّاظِرَ الْعَامَّ، وَهُوَ الْقَاضِي حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ لِلْمُدَرِّسِ، وَيُحْتَمَلُ مَعْنًى آخَرَ لَمْ نَفْهَمْهُ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ ظَنَّ الْوَاقِفُ أَنَّ عَلَى الْمُدَرِّسِ نَاظِرًا إمَّا الْوَاقِفُ، أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ فِي عَزْمِهِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ نَاظِرًا فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَلْزَمُ إثْبَاتُ نَاظِرٍ غَيْرِ الْمُدَرِّسِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَالَ، فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ الصَّرِيحُ فِي أَنَّ النَّظَرَ لِلْمُدَرِّسِ بِكَلَامٍ مُلْتَبِسٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَاظِرٍ مُعَيَّنٍ يُزَاحِمُ الْمُدَرِّسَ وَلَوْ تَعَلَّقَ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِفَهْمِ مُرَادِهِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[فَصْلٌ مَنْ فَوَّضَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ إلَيْهِ فِي وَقْفٍ]
﴿فَصْلٌ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ مَنْ فَوَّضَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ إلَيْهِ فِي وَقْفٍ فِيهِ مَسَائِلُ:
(إحْدَاهَا) لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَطًا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ وَلَكِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْوَاقِفُ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ بِأَنْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَكِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لِلْوَاقِفِ فَهَذَا لِلْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَهُ، وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِمَّنْ لَهُ
стр. 648
الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ بِحُكْمِ اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحُكْمِ التَّفْرِيعِ عَلَى أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي وَقْفِهِ فِي حَالِ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَعْزِلَهُ وَهَذَا تَوَسُّطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ شَمِلَهُمَا إطْلَاقُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ.
(الثَّانِيَةُ) إذَا شَرَطَ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ النَّظَرَ لَهُ أَعْنِي: لَلْأَجْنَبِيِّ فَهَلْ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَهُ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ مَا فِي قَبُولِ الْوَكِيلِ، أَوْ فِي قَبُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
قُلْت: إلْحَاقُهُ بِالْوَكِيلِ بَعِيدٌ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِرَاطِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنَّ دُخُولَ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ بَعِيدٌ وَهَذَا مَفْقُودٌ هُنَا، عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَسُلَيْمٌ وَصَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَعَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَعَلَى أَنَّهُ كَالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ رَجَّحَ الِاشْتِرَاطَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْجَوْرِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْإِمَامُ.
(الثَّالِثَةُ) إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ فَهَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ وَلِلْقَاضِي حُسَيْنٍ احْتِمَالٌ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ وَالضِّيَاءُ حُسَيْنٌ فِي لُبَابِ التَّهْذِيبِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَمَا يُشْبِهُهُ بِالْعِتْقِ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ إنَّ نَظَرَهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ يُنَاقِضُ مَا قَالَهُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاوَرْدِيُّ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ، فَهُوَ بَعِيدٌ لَكِنَّهُ يَسْلَمُ بِهِ عَنْ التَّنَاقُضِ.
(الرَّابِعَةُ) إذَا قَبِلَ سَوَاءٌ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ أَمْ لَا، فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى خِلَافٍ فِيهِ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ وَقَالَ: إنَّهُ الظَّاهِرُ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ.
(الْخَامِسَةُ) هَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ قَبِلَ؟ إنْ جَعَلْنَاهُ كَالْوَكِيلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَلَا، وَلَا يَنْفُذُ عَزْلُهُ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْمَوْقُوفُ إلَيْهِ حَقَّهُ بَعْدَ قَبُولِهِ لَا يَسْقُطُ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَيْسَ لِلْوَاقِفِ نَصْبُ
стр. 649
غَيْرِهِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبُولِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَيَكُونُ رَدًّا، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْعَزْلِ امْتِنَاعَهُ مِنْ النَّظَرِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ خَالَفْنَاهُ.
(السَّادِسَةُ) إذَا خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ قَالَ الْأَصْحَابُ يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَنْزِعُهُ لِيُسَلِّمَهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بَعْدَهُ تَنْزِيلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ كَمَا يُمَثِّلُ بِذَلِكَ بِقَوْلٍ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبْعَدِ بِفِسْقِ الْأَقْرَبِ وَأَنَّهُ لَوْ عَادَتْ أَهْلِيَّةُ الْوِلَايَةِ عَادَتْ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ.
قُلْت: أَمَّا عَوْدُ الْوِلَايَةِ إلَيْهِ إذَا عَادَتْ الْأَهْلِيَّةُ فَصَحِيحٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عَزْلُهُ نَفْسَهُ، وَأَمَّا انْتِقَالُ النَّظَرِ لِمَنْ بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فَبَعِيدٌ بَلْ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وِلَايَةِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُقْتَضَى لِوِلَايَةِ النِّكَاحِ الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَبْعَدِ وَلَكِنَّا قَدَّمْنَا الْأَقْرَبَ عَلَيْهِ لَقُرْبِهِ مَا دَامَ مُتَّصِفًا بِالْأَهْلِيَّةِ، فَإِذَا زَالَتْ تَوَلَّاهَا الْأَبْعَدُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لَهَا، وَنَاظِرُ الْوَقْفِ الثَّانِي لَمْ يَجْعَلَ الْوَاقِفُ لَهُ النَّظَرَ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَكَيْفَ يَتَوَلَّاهُ فِي حَيَاتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ نَظَرُ الْأَوَّلِ نَظَرَ الثَّانِي.
(السَّابِعَةُ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ الْخَمْسُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ كُلُّهَا فِيمَا إذَا كَانَ النَّاظِرُ مَذْكُورًا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ بِصِيغَةِ الِاشْتِرَاطِ بِأَنْ يَقُولَ: وَقَفْت عَلَى أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِفُلَانٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ وَقَفْت هَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَجَعَلْت النَّظَرَ فِيهِ لِفُلَانٍ فَلِلرَّافِعِيِّ بَحْثٌ فِي مِثْلِهِ، وَهُوَ إذَا قَالَ: وَقَفْت هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ وَفَوَّضْت تَدْرِيسَهَا إلَى فُلَانٍ قَالَ الْبَغَوِيّ: إنَّهُ لَا يُغَيَّرُ وَتَوَقَّفَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِي مَنْعِ الْغَيْرِ إذَا قَالَ: وَقَفَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُدَرِّسُهَا، وَمَا تُوقَفُ فِيهِ فِي الْمُدَرِّسِ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي النَّاظِرِ، وَيَنْبَغِي فِيهِمَا أَنْ يُقَالَ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ امْتَنَعَ التَّغَيُّرُ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَشْرُوطِ وَإِلَّا فَكَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ إلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَقَفَهَا تَمَّ الْوَقْفُ، وَمَنْ جُمْلَةِ الْقَرَائِنِ مَا يَفْعَلُهُ الشُّرُوطِيُّونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ يَكْتُبُونَهَا وَيَقُولُونَ فِي آخِرِهَا وَجُعِلَ النَّظَرُ لِفُلَانٍ وَيَقْرَأُ الْكِتَابَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِأَنِّي وَقَفْته عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، فَإِنْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي
стр. 650
فِيهِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاشْتِرَاطِ فَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَنْ يَقُولَ: وَشَرْطُ النَّظَرِ لِفُلَانٍ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْأَشْكَالِ.
(الثَّامِنَةُ) هَذَا كُلُّهُ فِي شَرْطِ النَّظَرِ لِمُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ لِمَوْصُوفٍ مِثْلَ قَوْلِهِ لِلْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِي فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْقَبُولَ قَطْعًا، وَيَكُونَ كَوْنُهُ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ الْمُعَيَّنِ وَلَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ فِيمَا إذَا جَعَلَ النَّظَرَ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ، وَفِيهِمْ فَاضِلَانِ فَلَمْ يَقْبَلَا الْوِلَايَةَ اخْتَارَ الْحَاكِمُ غَيْرَهُمَا وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمَوْصُوفِ.
(التَّاسِعَةُ) أَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ مِنْ الْوَاقِفِ هَلْ هُوَ تَوْكِيلٌ، أَوْ كَوَقْفِ جُزْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ، أَوْ شَرْطٌ خَارِجٌ عَنْ النَّوْعَيْنِ؟ أَمَّا كَوْنُهُ تَوْكِيلًا فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَتَمَكَّنَ الْوَاقِفُ مِنْ عَزْلِهِ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا التَّصَرُّفُ خَرَجَ عَنْ الْوَاقِفِ بِالْوَقْفِ فَكَيْفَ يُوَكِّلُ فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ كَشَرْطِ جُزْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ فَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَقْتَضِيهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا جَازَ شَرْطُ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ إذَا مَنَعْنَا وَقْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَقْفِ خَارِجٌ عَنْ النَّوْعَيْنِ مَكَّنَ الشَّارِعُ الْوَاقِفَ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَقَبَتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ فَالرَّقَبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَشْتَرِطُهُ الْوَاقِفُ وَالتَّصَرُّفُ أَيْضًا يَكُونُ عَلَى مَا يَشْتَرِطُهُ الْوَاقِفُ، وَلَيْسَ كَالتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ إلَّا بِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوَلِّي نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ شَرْطٌ يُفِيدُ إذْنًا لَوْلَاهُ لَكَانَ مَمْنُوعًا.
(الْعَاشِرَةُ) إذَا تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ هَذَا الشَّرْطِ، فَلَيْسَ بِعَقْدٍ وَالْعَزْلُ وَالِانْعِزَالُ وَالْفَسْخُ وَالِانْفِسَاخُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ عَزَلَ الْمُودِعُ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: الْوَدِيعَةُ عَقْدٌ ارْتَفَعَتْ، وَإِنْ قُلْنَا: مُجَرَّدُ إذْنٍ فَالْعَزْلُ لَغْوٌ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي تَنَاوُلِ طَعَامِهِ لِلضِّيفَانِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَزَلْت نَفْسِي يَلْغُو قَوْلُهُ.
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) إذَا قُلْنَا: يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَبْطُلَ هَذَا الشَّرْطُ، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْوَقْفِ شَرْطٌ بَاطِلٌ فَهَلْ يَبْطُلُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ وَقْفَ تَحْرِيرٍ كَالْمَسْجِدِ لَمْ يَبْطُلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى مُعَيَّنٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بُطْلَانُ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ
стр. 651
فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
إذَا عَرَفْت هَذَا، فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ شَرْطَ النَّظَرِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ أَدَّى إلَى فَسَادِ الْوَقْفِ عَلَى وَجْهٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الرَّدَّ يَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْطِ الْفَاسِدِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُ، أَوْ الرَّدَّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عَدَمَهُ شَرْطُهُ يُوجِبُ فَسَادَ الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ،، وَأَمَّا الْعَزْلُ وَالِانْعِزَالُ بَعْدَ الْقَبُولِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُخَالِفُ الْفَسْخَ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ وَالْعَزْلَ قَطْعٌ لَهُ كَالطَّلَاقِ؛ لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الطَّلَاقَ تَبْقَى مَعَهُ آثَارُ النِّكَاحِ وَالْعَزْلَ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْآثَارِ فَكَانَ أَشْبَهَ بِالْفَسْخِ، إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَلَوْ قُلْنَا: بِالِانْعِزَالِ لَأَدَّى أَيْضًا إلَى جَرَيَانِ خِلَافٍ فِي فَسَادِ الْوَقْفِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِانْعِزَالِ سَالِمًا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ رَاجِحًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَقْتَضِي رُجْحَانَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ التَّامَّيْنِ الدَّائِمَيْنِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَحِينِ.
﴿مَسْأَلَةٌ﴾ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ عَنْ وَقْفِ الصَّدَقَاتِ فِي أَيْدِي الْمُبَاشِرِينَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَقَدْ رَتَّبَ الْحُكَّامُ عَلَيْهِ فُقَرَاءَ يَتَنَاوَلُونَ مِنْهُ فَبَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ادَّعَى بَعْضُ أُولَئِكَ الْمُرَتَّبِينَ أَنَّهُ ابْنُ أَخِي الْوَاقِفِ وَقَصَدَ أَخْذَ الْوَقْفِ كُلِّهِ وَأَحْضَرَ فَتَاوَى أَنَّ أَقَارِبَ الْوَاقِفِ أَوْلَى بِوَقْفِهِ وَطُولِبَ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ مِنْ الْأَقَارِبِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَصَارَ يَتَعَلَّقُ بِالْفَتَاوَى الَّتِي مَعَهُ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْفِ مَا كَانَ يُصْرَفُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُرَتَّبِينَ، أَوْ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ، أَوْ لَا؟ ﴿الْجَوَابُ﴾ الْوَقْفُ عَلَى أَقْسَامٍ: مِنْهُ مَا يَسْكُتُ الْوَاقِفُ عَنْ سُبُلِهِ،، وَفِي صِحَّتِهِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَا أَخْتَارُهُ إذَا قَالَ لِلَّهِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي الْمُنْقَطِعِ.
وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ يَصْرِفُهُ الْمُتَوَلِّي إلَى مَا يَرَاهُ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ.
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَقْفِ) مَا يَذْكُرُ الْوَاقِفُ سُبُلَهُ وَيَنْقَطِعُ كَالْمُنْقَطِعِ الْآخَرِ وَالْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ، وَفِي حُكْمِهِ الْمُنْقَطِعُ الْأَوَّلُ إذَا صُحِّحَ فِي مُدَّةِ انْقِطَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَفِي الْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ
стр. 652
وَالْآخَرِ الصِّحَّةُ وَحَيْثُ صَحَّ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَصْرِفِهِ: فَقِيلَ: يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَقِيلَ إلَى مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا هَلْ تَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْنَا: تَخْتَصُّ فَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، أَوْ الِاسْتِحْبَابِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لَمْ يُصَحِّحْ الرَّافِعِيُّ مِنْهُمَا شَيْئًا فَحَيْثُ قُلْنَا: فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بِالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ إلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْقِسْمَيْنِ، أَوْ إلَى مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ فِي الْقِسْمَيْنِ فَذَاكَ وَحَيْثُ قُلْنَا: هُمَا لِلْأَقَارِبِ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ فَلَا تَعَلُّقَ بِهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا: بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَمَّا بِأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، أَوْ فُقَرَاءَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُصَحِّحْ مِنْهُمَا شَيْئًا فَلَا دَلِيلَ لَهُ أَعْلَمُهُ إلَّا مَا ذَكَرُوهُ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ بَلْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ صِلَةً، وَإِنَّمَا الصِّلَةُ مَا كَانَ مِنْهُ هُوَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ تَصَدَّقْ بِهَذَا فَأَعْطَى لِأَقَارِبِ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ وَاصِلًا لَهُمْ، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ أَرَادَ إنَّمَا يَدُلُّ لِلِاسْتِحْبَابِ وَلَمَحْت فِي الصَّرْفِ إلَى الْأَقَارِبِ مَعْنًى غَيْرَ الصِّلَةِ؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، وَهُوَ قَدْ أَطْلَقَ صَدَقَتَهُ فَكَيْفَ تَكُونُ صِلَةً مِنْهُ وَالْمَعْنَى الَّذِي لَمَحْته أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهَا لِلَّهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا إمَّا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ الَّذِي الْمَصْرِفُ فِيهِ الْمُنْقَطِعُ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ قَدْ جَعَلَ الصَّدَقَةَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَمِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى صَرْفُهَا إلَى أَقَارِبِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُجَازَاةً لَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مُجَازَاتِهِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يُعَيِّنَ الْوَاقِفُ سُبُلَهُ، وَيَكُونَ فِي أَقَارِبِهِ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَتِهِمْ إمَّا فِي حَالِ الْوَقْفِ وَإِمَّا بَعْدِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَيُوجَدُ فِي أَقَارِبِ الْوَاقِفِ فَقِيرٌ وَغَنِيٌّ فَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الْوَاقِفُ مِنْ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْفَقِيرُ، فَإِنْ كَانَ وَارِثًا لِلْوَاقِفِ، وَالْوَقْفِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ وَصِيَّتِهِ فَفِي جَوَازِ الصَّرْفِ إلَيْهِ مِنْهُ خِلَافٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ جَوَازُ الصَّرْفِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالْوَصِيَّةِ وَلَكِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ سَوَاءٌ،
стр. 653
وَإِنْ كَانَ الْفَقِيرُ الْقَرِيبُ غَيْرَ وَارِثٍ، أَوْ كَانَ وَارِثًا وَلَكِنَّ الْوَقْفَ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي الْمَرَضِ فَلَا يَجِبُ الصَّرْفُ إلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ السُّبُلِ، أَوْ ذَكَرَهَا وَانْقَطَعَتْ، وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي لَمَحْنَاهُ فَإِنَّهُ هُنَا عَيَّنَ الْمَصْرِفَ وَخَصَّصَهُ بِتَصَرُّفِهِ وَقَطَعَ نَظَرَ غَيْرِهِ عَنْهُ وَأَطْلَقَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِغَرِيبٍ، وَلَا قَرِيبِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَالِاسْتِمْرَارُ مَعَ إطْلَاقِهِ، وَيَكُونُ الْقَرِيبُ وَالْغَرِيبُ فِيهِ سَوَاءً وَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ النَّاظِرُ وَيُرَاعَى مَنْ هُوَ أَقْرَبَ إلَى مَقْصُودِ الْوَاقِفِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي لَاحَظَهَا، وَهُوَ الْفَقْرُ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ إلَى الْآنَ لَمْ يُرَتَّبْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَكَانَ الْغَرِيبُ أَشَدَّ فَقْرًا مِنْ الْقَرِيبِ قُدِّمَ، وَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ أَشَدَّ فَقْرًا مِنْ الْغَرِيبِ قُدِّمَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ فَيُخْشَى أَنْ يَدَّعِيَهُ وَيَتَمَلَّكَهُ، وَبِشَرْطِ أَنْ تَحْصُلَ رِعَايَةُ الْعَدَدِ وَالْجَمْعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى لَفْظِ الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ اسْتَوَتْ حَاجَةُ الْقَرِيبِ وَحَاجَةُ الْغَرِيبِ وَأَمْكَنَ الْقِسْمَةُ قَسَمَ بَيْنَهُمَا،، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ الْقَرِيبَ إحْسَانًا إلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ كَمَا أَحْسَنَ بِوَقْفِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْتَوِيَ عَلَيْهِ فَيَتَمَلَّكَهُ، وَهَذَا الشَّرْطُ رَأَيْت مَعْنَاهُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَقْفِ فَقِيرٌ مُرَتَّبٌ قَدْ رَتَّبَهُ بَعْضُ الْحُكَّامِ، أَوْ بَعْضُ النُّظَّارِ فَلَا يُغَيِّرُ لِأَجَلِ قَرِيبٍ، وَلَا غَيْرِهِ مَا دَامَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ. أَمَّا إذَا رَتَّبَهُ حَاكِمٌ فَلِأَنَّ تَرْتِيبَهُ حُكْمٌ.
، وَأَمَّا إذَا رَتَّبَهُ نَاظِرٌ فَلِأَنَّ تَرْتِيبَهُ تَعْيِينٌ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مَا قَدْ يُعْتَقَدُ أَنَّ ظَاهِرَهُ خِلَافُ مَا قُلْنَاهُ فَفِي الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا عِنْدَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْمَسَاكِينِ نُظِرَ إلَى مَالِهِ فَقُسِمَ ثُلُثُهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَاتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَغْنِي بِمِائَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَغْنِي بِخَمْسِينَ أَعْطَى مَنْ غِنَاهُ بِمِائَةٍ وَمَنْ غِنَاهُ خَمْسُونَ سَهْمًا وَاحِدًا، وَلَا ذُو قَرَابَةٍ لِقَرَابَتِهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ ذُو الْقَرَابَةِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا لِقَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَهُ صِلَةٌ وَصَدَقَةٌ وَمَنْ جَمَعَ قَرَابَتَيْنِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ التَّفَرُّدِ بِإِحْدَاهُمَا.
وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ هَذَا مُحْتَمَلٌ؛ لَأَنْ يُرِيدَ بِهِ حَيْثُ يَكُونُ التَّقْدِيمُ بِالْقَرَابَةِ صَدَقَةً وَصِلَةً ذَلِكَ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَرِيبُ هُوَ الْمُتَصَدِّقُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأَمْرِهِ الصِّلَةُ عَلَى الصِّلَةِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ
стр. 654
التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أَوْلَى يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، وَزَادَ فَقَالَ: إنَّهُمْ يُخَصُّونَ بِهِ، وَفِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ زَمَنِينَ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَاحْتَاجَ وَلَدُهُ فَأَرَادُوا الدُّخُولَ فِيهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ ثُمَّ هَلَكَ وَتَرَكَ وَلَدًا فَاحْتَاجَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالُوا نَدْخُلُ مَعَ الْمَسَاكِينِ فِي صَدَقَةِ أَبِينَا فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ هُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ وَلَدُ الْمُتَصَدِّقِ إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ نَجْعَلَ طَرَفًا مِنْهَا لِلْمَسَاكِينِ لِئَلَّا يُدْرَسَ أَصْلُ التَّحْبِيسِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَوْلَى لَيْسَ مُرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ الدُّخُولُ فِي الْوَقْفِ فِي جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ،، وَكَذَلِكَ آخِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ لِلْمَسَاكِينِ لِئَلَّا يُدْرَسَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَخُصَّ بِهِ أَوْلَادَهُ، وَأَمَّا وُجُوبُ الصَّرْفِ مِنْهُ لِأَوْلَادِهِ فَلَمْ يَتَضَمَّنْهُ كَلَامُهُ، وَلَا سُؤَالُ الْأَوْلَادِ أَيْضًا الْمَذْكُورِ فِي نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا.
قَالَ وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ سَمَاعُ بْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ أَوْصَى بِخُمُسِ دَارِهِ فِي ثُلُثِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَخْرَجًا قَالَ يُقْسَمُ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ قِيلَ أَفَيُعْطَى مِنْهَا وَلَدُهُ وَبَعْضُهُمْ مُحْتَاجُونَ قَالَ نُعْطِي الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ.
قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْسِمُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيَكُونُ حَبْسًا عَلَيْهِمْ.
وَفِي النَّوَادِرِ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ فِي وَصِيَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَافْتَقَرَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَطَلَبُوا الدُّخُولَ فِيهَا قَالَ هُمْ أَحَقُّ بِهَا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُجْعَلَ طَرَفٌ مِنْهَا لِلْمَسَاكِينِ لِئَلَّا يُدْرَسَ أَصْلُ الْحَبْسِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا إذَا وَقَفَ فِي صِحَّتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِالصَّرْفِ إلَى وَلَدِ الْوَاقِفِ أَوْلَى ثُمَّ إلَى قَرَابَةِ الْوَاقِفِ ثُمَّ إلَى مَوَالِي الْوَاقِفِ ثُمَّ إلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إلَى أَهْلِ مِصْرِهِ، وَذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقْفِهِ أَنَّهُ يُعْطَى أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ الثَّوَابُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى الْقَرَابَةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ لِامْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ التَّصَدُّقِ عَلَى زَوْجِهَا
стр. 655
«لَك أَجْرَانِ أَجْرُ التَّصَدُّقِ وَأَجْرُ الصِّلَةِ» .
قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت وَقْفَ هِلَالٍ، وَفِيهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ قُلْت لِمَ أَعْطَيْته؟ قَالَ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ، وَفِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت أَرَأَيْت إنْ عَمِدَ الْوَاقِفُ فَأَعْطَى الْغَلَّةَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَلَمْ يُعْطِ الْقَرَابَةَ قَالَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَمَا أَعْطَاهُمْ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَلَيْسَ هُوَ حَقًّا لَهُمْ فِي الْغَلَّاتِ بِرَدِّهِ وَلَكِنَّا نَأْمُرُهُ وَنَسْتَحْسِنُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ أَمَرْتُهُ أَنْ يُعْطِيَهَا فُقَرَاءَ مِنْ قَرَابَتِهِ وَأَسْتَحْسِنُهُ لِذَلِكَ، فَإِنْ أَعْطَاهَا الْمَسَاكِينَ أَجْزَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ أَمَرْته أَنْ يَضَعَهَا فِي قَرَابَتِهِ، فَإِنْ أَعْطَى غَيْرَهُمْ لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَأَجْزَأَهُ.
وَفِي وَقْفِ هِلَالٍ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْجِيرَانُ وَالْمَوَالِي بِمَنْزِلَةِ الْقَرَابَةِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَفِيهِ قَبْلَ هَذَا فِي الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ لِمَ أَعْطَيْته قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْقَرَابَةِ، وَفِيهِ يَبْدَأُ بِوَلَدِ الصُّلْبِ ثُمَّ وَلَدُ الْوَلَدِ، فَإِنْ فَضُلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْوَقْفِ فَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ مَا دَامَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْوَقْفُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَالثَّانِي أَنَّ النَّاظِرَ إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ فَكَأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْوَاقِفِ فِي التَّعْيِينِ وَالْوَاقِفُ لَوْ عَيَّنَ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ عَيَّنَهُ فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ: عَلَى الْفُقَرَاءِ وَيُقَدِّمُ أَقَارِبَ الْوَاقِفِ فَيُوجَدُ فِيهِمْ فُقَرَاءُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُصْرَفُ لِأَحَدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا بَعْدَ كِفَايَةِ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ وَأَنَا أَمِيلُ إلَى هَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ فِي الصَّرْفِ حَيْثُ يَأْخُذُ الْجَمِيعُ وَهَذَا بَعِيدٌ.
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ يَقُولَ: عَلَى الْأَقَارِبِ فَهَاهُنَا يَتَعَيَّنُونَ، وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ.
(الْقِسْمُ الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَقَارِبِ كَزَيْدٍ الْأَجْنَبِيِّ، أَوْ الْعُلَمَاءِ لَيْسُوا بِعُلَمَاءَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا دُخُولَ لَهُمْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَبَرَّ أَقَارِبَ الْوَاقِفِ مِنْهُ مُجَازَاةً لِإِحْسَانِهِ إلَيْهِ وَشُكْرًا لِنِعَمِهِ، مَا لَمْ يَخْشَ مِنْهُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ وَيَصِيرَ بِذَلِكَ مُدَّعِيًا مُشَارَكَتَهُ.
(الْقِسْمُ السَّادِسُ) أَنْ يَكُونَ وَقْفٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ لِلْأَقَارِبِ وَبَعْضُهُ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ يَصِيرَ الْأَقَارِبُ فُقَرَاءَ، أَوْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَالَ الْوَقْفِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَأَفْتَى جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى الْأَقَارِبِ
стр. 656
مِنْ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ وَرَأْيِي أَنَّهُ يَجُوزُ.
(الْقِسْمُ السَّابِعُ) أَنْ يُجْهَلَ الْحَالُ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ غَيْرُ مَا عَادَةُ مُبَاشِرِي الْحُكْمِ بِهِ فَهَاهُنَا لَا يُغَيَّرُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْعَادَةِ، وَلَا نَتَجَاوَزُهَا، بَلْ نَتَّبِعُ تِلْكَ الْعَادَةَ كَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَوْ رَأَيْنَا كِتَابَ وَقْفٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقْفٌ وَسَكَتَ عَنْ السُّبُلِ مَثَلًا وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا نُغَيِّرُهُ إلَّا إذَا اعْتَقَدْنَا بُطْلَانَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمَ حُكْمٍ بِذَلِكَ وَالْيَدُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَيَبْقَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ الْيَدِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لَهُ كِتَابٌ آخَرُ، أَوْ سَبَبٌ آخَرُ فَالْيَدُ دَالَّةٌ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَالْأَسْبَابُ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ، وَأَمَّا الْفَتَاوَى بِكَوْنِ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ أَوْلَى فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي عُرِفَ الْفُقَهَاءِ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا التَّقْدِيمُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُطْلِقَ جَوَابَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَثِيرًا يَحْصُلُ مِثْلُ هَذِهِ الْفَتَاوَى وَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا إلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى نُوَّابِ السَّلْطَنَةِ فَيَكْتُبُونَ عَلَيْهَا بِالصَّرْفِ إلَى الْأَقَارِبِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ ذَلِكَ وَيَتَسَلَّطُ الْمَكْتُوبُ لَهُمْ بِتِلْكَ الْمَرَاسِيمِ وَيَقْطَعُونَ أُولَئِكَ الْمُرَتَّبِينَ وَيَتَقَدَّمُونَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لَهُمْ لَازِمٌ عَلَى غَيْرِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُجَوِّزُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ مِنْ السُّلْطَانِ مَا يَرْسُمُونَ بِذَلِكَ إلَّا حَمْلًا عَلَى الْفَتَاوَى وَاعْتِقَادًا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ وَلَوْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ وَقَدْ لَا يَكُونُ جَائِزًا لَمْ يَكْتُبُوهُ فَإِنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُمْ فِي حِرْمَانِ الْمُسْتَحِقِّ وَاعَطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا أَنْ يَرْسُمُوا بِمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ مَرَاسِيمَهُمْ لَا يُخَالِفُهَا أَحَدٌ.
الْمَعْنَى الثَّانِي الْأَوْلَوِيَّةُ الِاسْتِحْبَابُ وَهَذَا قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي مَحَلِّهِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا وَقَدْ لَا يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فَلِلْمُفْتِي بَعْضُ الْعُذْرِ فِيهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَهُ حَتَّى لَا يَحْمِلَ وُلَاةَ الْأُمُورِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَلَقَدْ رَأَيْت عَلَى بَعْضِ التَّوَاقِيعِ بِخَطِّ بَعْضِ الْمُوَقِّعِينَ يُوَقِّعُ لَهُمْ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُونَ أَوْلَى بِالْمَعْرُوفِ فَلَا أَدْرَى مِمَّا أَتَعَجَّبُ مِنْ جَهْلِهِ بِالْقُرْآنِ أَمْ جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَقْتَدِيَ بِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَيْضًا أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ بِالْإِذْنِ بِالْكِتَابَةِ فِي مَحْضَرٍ فِي ذَلِكَ، أَوْ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْضَرَ إذَا كُتِبَ يَتَسَارَعُ الشُّهُودُ غَيْرُ الْمُحَرَّرِينَ إلَى الْكِتَابَةِ فِيهِ وَيَبْقَى
стр. 657
غَيْرُ ثَابِتٍ، وَهُوَ فِي يَدِ مَنْ لَا اعْتِمَادَ بِهِ يَشْتَكِي بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ حَامِلًا إلَى وُقُوعِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْإِثْبَاتِ مِنْ الْحُكَّامِ، وَقَدْ رَأَيْت بِيَدِ هَذَا الشَّاكِي مَحْضَرًا عَلَيْهِ خَطُّ قَاضٍ بِالْإِذْنِ فِي كِتَابَتِهِ، وَفِيهِ رَسْمُ شَهَادَاتٍ وَطَلَبَ إثْبَاتَهُ وَأَقَامَ سِنِينَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إثْبَاتِهِ أَنَّهُ مِنْ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ ثُمَّ تَسَلَّطَ مَرَّاتٍ بِالْأَيْدِي الْقَوِيَّةِ وَاسْتَوْلَى عَلَى رَقَبَةِ الْوَقْفِ وَتَسَلَّمَهُ بِيَدِهِ وَأَفْسَدَهُ فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ مِنْ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ كَانَ حُكْمُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
فَكَيْفَ، وَلَمْ يَثْبُتْ وَغَيْرُهُ أَحَقُّ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ الْمُرَتَّبُونَ وَغَيْرُ الْمُرَتَّبِينَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ مُحَاكَمَةُ وَقْفِ الْجَبْغَا الْعَادِلِي عَلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ عَلِيٍّ وَخَدِيجَةَ وَتَتَرَ، وَمَا يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَعَلَى زَوْجَاتِهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ يَجْرِي نَصِيبُ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَاتِ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَخَالِيَةً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَمَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْهُنَّ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ سَقَطَ نَصِيبُهَا وَعَادَ عَلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَعَلَى مَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مِنْهُمْ يَكُونُ لِوَلَدِ الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ مَا كَانَ لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا تُوُفِّيَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلَى أَنْ يَنْقَرِضَ ثُمَّ يَجْرِي مَا هُوَ جَارٍ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَوْلَادِهِ الْمَوْجُودِينَ، وَالْحَادِثُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَمَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، أَوْ نَسْلٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ فَأَقْرَبُ الْمَوْجُودِينَ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِ مَنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ ثُمَّ نَسْلِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا وَتَرَكَ وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ اسْتَحَقَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ وَالِدُهُ، وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ وَتَرَكَ أَخًا، أَوْ إخْوَةً وَأَوْلَادَ أَخٍ، أَوْ إخْوَةً قَامَ أَوْلَادُ الْمُتَوَفَّى مَقَامَ أَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا حَتَّى يَصِيرَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَمَاتَتْ تَتَرُ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ وَانْتَقَلَ نَصِيبُهَا إلَى إخْوَتِهَا عَلِيٍّ وَخَدِيجَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلِيٌّ وَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُسْتَفْتِي إلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ حَدَثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ اسْمُهُ خَلِيلٌ ثُمَّ خَلِيلٌ هَذَا تُوُفِّيَ، وَلَا عَقِبَ لَهُ، وَلَا نَسْلَ هَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى أُخْتِهِ خَدِيجَةَ خَاصَّةً، أَوْ إلَيْهَا وَإِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ أَخِيهَا عَلِيٍّ فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا قَوْلَ الْوَاقِفِ
стр. 658
مَنْ تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لِأُخْتِهِ خَدِيجَةَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَرَجَتِهِ غَيْرُهَا، وَلَيْسَ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِ الْوَاقِفِ مَا يُعَارِضُهُ، وَلَا فِي قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدَهُ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ وَتَرَكَ أَخًا، أَوْ إخْوَةً وَأَوْلَادَ أَخٍ، أَوْ إخْوَةً قَامَ أَوْلَادُ الْمُتَوَفَّى مَقَامَ أَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا حَتَّى يَصِيرَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ يُعَارِضُهُ فَإِنَّ عَلِيًّا لَوْ كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِ خَلِيلٍ لَشَارَكَ الْأُخْتَ فِي نَصِيبِهِ فَكَذَلِكَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، لَكِنَّ هَذَا يَدْفَعُهُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ تَرَكَ أَخًا، أَوْ إخْوَةً وَأَوْلَادَ أَخٍ، أَوْ إخْوَةٍ وَالْأَخُ ذَكَرٌ وَالْإِخْوَةُ جَمْعٌ وَأَوْلَادُ الْأَخِ، أَوْ الْإِخْوَةِ جَمْعٌ، وَلَمْ يُوجَدُ فِي مَسْأَلَتِنَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ أُخْتًا وَابْنَ أَخٍ فَلَا يَدْخُلَانِ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ، هَذَا قَدْ قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَصَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى إخْوَتِهِ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْإِنَاثِ الْخُلَّصِ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِنَّ، وَكَذَا الْأُخْتُ الْوَاحِدَةُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إذَا اجْتَمَعُوا وَأَكْثَرُ الْمَذَاهِبِ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَاَلَّذِي قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ مِنْ الذُّكُورَةِ إلَى التَّأْنِيثِ وَمِنْ الْجَمْعِ إلَى الْإِفْرَادِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ فَهَذَا الْوَاقِفُ قَدْ شَرَطَ فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ تَرَكَ أَخًا، أَوْ إخْوَةً وَأَوْلَادَ أَخٍ، أَوْ إخْوَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَيِّتُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْجُمْلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُقْتَضِيَةُ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَتَسْتَحِقُّهُ أُخْتُهُ لِذَلِكَ، وَلَا يُشَارِكُهَا فِيهِ ابْنُ أَخِيهَا فَهَذَا أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ يَدْفَعَانِ مُعَارَضَةَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِتِلْكَ الْجُمْلَةِ.
(الشَّيْءُ الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ فِي جَزَاءِ هَذَا الشَّرْطِ قَامَ أَوْلَادُ الْمُتَوَفَّى مَقَامَ أَبِيهِ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ، وَلَا بِالْجَمْعِ لَوْ لَمْ يُسَلِّمْ لَا يَنْتَظِمُ هَذَا الْجَزَاءُ وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ أَوْلَادُ الْمُتَوَفَّى، وَلَا أَوْلَادَ لِهَذَا الْمُتَوَفَّى. وَكَقَوْلِهِ مَقَامَ أَبِيهِ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: أَبِيهِمْ وَلِعَدَمِ ذِكْرِهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ الْمُتَوَفَّى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقِيَامَ مَقَامَ الْمُتَوَفَّى فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ يُعْرَضُ عَنْهَا لِعَدَمِ انْتِظَامِهَا، أَوْ يُقْتَصَرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأُخْتِ فَنَأْخُذُ بِالْمُحَقَّقِ وَنَتْرُكُ الْمُحْتَمَلَ وَأَيْضًا فَالْأُخْتُ مُسْتَحِقَّةٌ
стр. 659
قَطْعًا لِلنِّصْفِ وَتُشَارِكُ ابْنَ الْأَخِ فِي الِاحْتِمَالِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَالْأَصْلُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ ابْنِ الْأَخِ فَيُصْرَفُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ ثُمَّ لِلْأَقْرَبِ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ يَقُومُ وَلَدُهُ مَقَامَهُ أَرَادَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ مَنْ هُوَ أَنْزَلُ مِنْهُ فَذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ، ثُمَّ إنِّي سَأَلْت عَنْ الزَّوْجَاتِ فَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَتِهِ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ كَانَ عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفِ الثَّلَاثَةِ أَرْبَاعًا ثُمَّ مَاتَتْ تَتَرُ وَخَلَفَتْ أَخَوَيْهَا عَلِيًّا وَخَدِيجَةَ وَالزَّوْجَةَ ثُمَّ مَاتَ عَلِيٌّ وَحَدَثَ خَلِيلٌ وَخَلَّفَ عَلِيٌّ مُحَمَّدًا ابْنَهُ وَالزَّوْجَةُ بَاقِيَةٌ وَمَوْتُ خَلِيلٍ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ.
فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: تِلْكَ الشُّرُوطُ كُلُّهَا فِي أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى الْأَقْرَبِ؛ وَلِأَنَّهَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيهِمْ، وَأَمَّا الِانْتِقَالُ إلَيْهِمْ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ " ثُمَّ " الْمُقْتَضِيَةِ تَأَخُّرَهُمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الزَّوْجَاتِ وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ نَصِيبُ آبَائِهِمْ فَمَا دَامَتْ الزَّوْجَاتُ بَاقِيَاتٍ فَالْحُكْمُ فِيهِنَّ، وَفِي الْأَوْلَادِ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْفُقَرَاءِ كَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ كَالْأَوْلَادِ هُنَا وَالزَّوْجَاتِ، فَلَمَّا مَاتَتْ تَتَرُ وَبِيَدِهَا الرُّبُعُ رَجَعَ نَصِيبُهَا إلَى إخْوَتِهَا وَإِلَى الزَّوْجَةِ فَيَصِيرُ مُثَلَّثًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُرَبَّعًا، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ رَجَعَ نَصِيبُهُ إلَى الزَّوْجَةِ وَخَدِيجَةِ فَيَصِيرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى ابْنِ عَلِيٍّ شَيْءٌ حَتَّى تَنْقَرِضَ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ الْوَقْتِ يَرْجِعُ إلَيْهِ نَصِيبُ أَبِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ هَلْ هُوَ الرُّبُعُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، أَوْ الثُّلُثُ بِاعْتِبَارِ مَا صَارَ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كُتِبَ فِي رَابِعِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
وَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِنْ نَصِيبِ الزَّوْجَةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ عِنْدَ مَوْتِهَا ثُمَّ نَظَرْت فِي الْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ مَوْتِ الزَّوْجَةِ وَالْحَالُ كَمَا هُوَ الْآنَ نَزَّلَ خَدِيجَةَ بِنْتَ الْوَاقِفِ وَابْنَ أَخِيهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ابْنَ الْوَاقِفِ وَبِيَدِ خَدِيجَةَ نِصْفُ الْوَقْفِ فَهَلْ نَقُولُ يَنْتَقِلُ النِّصْفُ الَّذِي لِلزَّوْجَةِ إلَى خَدِيجَةَ
стр. 660
وَمُحَمَّدٍ الْمَذْكُورَيْنِ نِصْفَيْنِ فَتَأْخُذُ خَدِيجَةُ مِنْهُ نِصْفَهُ، وَهُوَ الرُّبُعُ مُضَافًا إلَى النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِهَا وَيَأْخُذُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْهُ النِّصْفَ، وَهُوَ الرُّبُعُ، أَوْ نَقُولُ يُقَدَّرُ كَأَنَّ عَلِيًّا مَوْجُودٌ، فَيَكُونُ جَمِيعُ الْوَقْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَدِيجَةَ، وَهَذَا ابْنُ عَلِيٍّ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَيَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ أَبُوهُ لَوْ كَانَ حَيًّا فَيَصِيرُ الْوَقْفُ كُلُّهُ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَابْنِ أَخِيهَا كَمَا يَكُونُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَأَخِيهَا لَوْ كَانَ حَيًّا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي وَقَطَعْت بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَضَرَ إلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَبْغَا الْمَذْكُورُ وَأُسْتَاذُ دَارِهِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ الْمُكَرِّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَأَخْبَرَانِي أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمَذْكُورَةَ تُوُفِّيَتْ أَمْسِ تَارِيخُهُ وَالْحَالُ عَلَى مَا شُرِحَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، خَدِيجَةُ بَاقِيَةٌ، وَهُوَ بَاقٍ، وَفِي يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَيَسْتَمِرُّ كَذَلِكَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي تَرَجَّحَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ وَلَدُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ: مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَقَالَ: إنَّهُ مُتَّجَهٌ، صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرَفِ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوَصِيِّ لَهُ فَقَالَ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِخْوَةِ الْأَخَوَاتُ، وَاَلَّذِي ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَذَاهِبِ سَاكِتَةٌ عَنْهُ إذَا اجْتَمَعُوا وَذَاكَ كَمَا ذَكَرَ غَرِيبٌ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ مَسْطُورٌ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْإِمَامُ ﵀ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَةِ فُلَانٍ وَكَانُوا ذُكُورًا، وَإِنَاثًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَصِيَّةِ الْإِخْوَةُ دُونَ الْأَخَوَاتِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْجَمِيعُ انْتَهَى كَلَامُ النِّهَايَةِ.
﴿مَسْأَلَةٌ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ قَوْلُ الْوَرَّاقِينَ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَخَلَفَ وَلَدًا اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ بَقِيَ حَيًّا حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَهُ.
عِبَارَةٌ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَكِتَابَتِهِمْ وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مَا كَانَ أَبُوهُ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ
стр. 661
الْوَقْفِ، فَإِذَا تُوُفِّيَ الْجَدُّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَقْفِ وَخَلَفَ وَلَدًا وَوَلَدَ وَلَدٍ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ فَالْوَلَدُ الَّذِي مَاتَ فِي حَيَاتِهِ لَوْ قُدِّرَ الْآنَ مَوْجُودًا يَسْتَحِقُّ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ الْوُصُولَ شَرْطًا، أَوْ بَعْضَ شَرْطٍ وَضَرُورَةُ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ جَعْلُهُ بَعْضَ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ وَصْفًا لِلْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بَعْدُ لَوْ غَايَةٌ.
فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الشَّرْطِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا شَيْئًا ثَانِيًا بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُسْتَحِقًّا وَهَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ فَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْمَصِيرِ إلَيْهِ انْتِهَاءَ الْوَقْفِ إلَى حَالَةٍ لَوْ بَقِيَ حَيًّا فِيهَا لَاسْتَحَقَّ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مَصِيرًا إلَيْهِ، وَهُوَ صِفَةٌ لِلْوَقْفِ وَحَالٌ مِنْ أَحْوَالِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً وَسَبَبًا وَشَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ وَيُجْعَلُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ مَعْلُولًا عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ " يَصِيرُ " فِي ذَلِكَ الظَّاهِرِ أَنَّهَا مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ صَيْرُورَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَافِعِ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ بِاسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ، فَإِذَا فَرَضْنَا وَفَاةَ شَخْصٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ وَالِدُ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ بَاقِيًا لَاسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ وَحَكَمْنَا بِاسْتِحْقَاقِ هَذَا الْوَلَدِ اسْتِحْقَاقَ مَا لَوْ كَانَ وَالِدُهُ حَيًّا الْآنَ لَاسْتَحَقَّهُ كَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ " يَصِيرُ " فِي حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ، لَكِنَّا قَدْ اسْتَعْمَلْنَاهُ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَجَازًا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجَازِ الْمُنْفَرِدِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الثَّانِي وَحْدَهُ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَإِطْرَاحُ الْمَجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ يَلْزَمُ عَدَمُ أَخْذِهِ نَصِيبَ وَالِدِهِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ فَيَتَرَجَّحُ الِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْمَيِّتِ الثَّانِي شَيْئًا إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وَالْمُوجِبُ لِلنَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ ثُمَّ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنَاتِهِ انْتَقَلَ نَصِيبُهَا لِلْبَاقِينَ مِنْ إخْوَتَهَا، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ وَلَهُ وَلَدٌ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى لَوْ كَانَ حَيًّا حَتَّى يَصِيرَ إلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ قَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَهُ فَمَاتَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ وَوَلَدَ وَلَدٍ مَاتَ أَبُوهُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ فَأَخَذَ الْوَلَدَانِ نَصِيبَهُمَا وَهُمَا ابْنٌ
стр. 662
وَبِنْتٌ وَأَخَذَ وَلَدُ الْوَلَدِ النَّصِيبَ الَّذِي لَوْ كَانَ وَالِدُهُ حَيًّا لَأَخَذَهُ، ثُمَّ مَاتَتْ الْبِنْتُ فَهَلْ يَخْتَصُّ أَخُوهَا الْبَاقِي بِنَصِيبِهِمَا، أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ ابْنُ أَخِيهِ؟
تَعَارَضَ اللَّفْظَانِ الْمَذْكُورَانِ وَنَظَرْنَا فِيهِ النَّظَرَ الْمَذْكُورَ وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْإِخْوَةِ وَعَلَى الْبَاقِينَ مِنْهُمْ كَالْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ كَالْعَامِّ فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ عِنْدَنَا اخْتِصَاصُ الْأَخِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُحْتَمِلًا، وَهُوَ مُشَارَكَةُ ابْنُ الْأَخِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي وَقْفِ عَلِيٍّ عِزِّ الدِّينِ ثُمَّ مَاتَتْ خَدِيجَةُ فِي حَيَاةِ أَخِيهَا عِمَادِ الدِّينِ هَلْ يُشَارِكُهُ نَجْمُ الدِّينِ، أَوْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ الْمُرَجَّحَاتِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ " يَسْتَحِقُّ " مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا عُمُومَ لَهُ وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ عَمِلْنَا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ نَصِيبَ وَالِدِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ " قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا " يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا أَصْلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَقَوْلُهُ " اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ " فِعْلٌ مُطْلَقٌ، وَقَوْلُهُ " مَا كَانَ وَالِدُهُ يَسْتَحِقُّهُ " عَامٌّ؛ لِأَنَّ مَا: لِلْعُمُومِ وَهَذَا الْعُمُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ نَصِيبِ وَالِدِهِ، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ النَّصِيبِ وَإِلَى نَصِيبِ مَنْ يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَصِيبِ خَدِيجَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَالنَّصِيبُ الْأَوَّلُ لَوْ بَقِيَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ حَيًّا إلَى وَفَاةِ وَالِدِهِ اسْتَحَقَّهُ قَطْعًا فَلَا جُرْمَ يَسْتَحِقُّهُ وَلَدُ نَجْمِ الدِّينِ، وَالنَّصِيبُ الثَّانِي هُوَ نَصِيبُ خَدِيجَةَ قَدْ لَا يَسْتَحِقُّهُ مُؤَيِّدُ الدِّينِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَتَأَخَّرَ مَوْتُ خَدِيجَةَ عَنْ مَوْتِهِ الْمُقَدَّرِ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَا جُعِلَ لَهُ إلَّا اسْتِحْقَاقُ نَصِيبٍ مَوْصُوفٍ بِاسْتِحْقَاقِ وَالِدِهِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى مَصِيرِ شَيْءٍ إلَيْهِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ الثَّانِي.
وَهَذَا التَّخْصِيصُ صِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ " مَا " عَامَّةً وَيُحْتَمَلُ؛ لَأَنْ يُقَالَ بِخِلَافِهِ فَلْيُتَفَهَّمْ هَذَا الْبَحْثُ، وَمِنْ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِهِ " مَنْ مَاتَتْ مِنْ الْبَنَاتِ كَانَ نَصِيبُهَا لِإِخْوَتِهَا " وَقَوْلِهِ كَانَ نَصِيبُهَا لِإِخْوَتِهَا الْبَاقِينَ فَالْعِبَارَةُ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ بَعْدَهَا وَالْمَيِّتُ قَبْلَهَا مِنْ الْإِخْوَةِ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَبِمَوْتِهِ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ إلَيْهِ مَعَ اتِّصَافِهِ
стр. 663
فِي نَفْسِهِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ فَالْمَانِعُ تَعَذُّرُ مَصِيرِ الْوَقْفِ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ لَا صِفَةٌ فِيهِ، وَلَعَلَّ هَذَا سَبَبُ عِبَارَةِ الْوَرَّاقِينَ.
وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهَا هُمْ الْإِخْوَةُ الْبَاقُونَ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْإِخْوَةِ الْبَاقِينَ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْوَقْفِ وَيَبِينُ لَك الْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّنَاوُلَ فِي أَهْلِ الْوَقْفِ كَمَا وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا عَلَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ فَقَطْعًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَلَا مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْبَقَاءِ لَيْسَتْ فِيهِ وَتَقْدِيرُ وُجُودِهِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ اتِّصَافِهِ بِالْفِعْلِ لَا بِالتَّقْدِيرِ بِالصِّفَةِ الَّتِي لَوْ كَانَ مَوْجُودًا بَعْدَهَا لَاسْتَحَقَّ وَالِاتِّصَافُ هُنَا مُنَاقِضٌ لِلْوَاقِعِ، وَلَمْ يَقُلْ الْوَاقِفُ إنَّ نَصِيبَهَا يَكُونُ لِإِخْوَتِهَا الْبَاقِينَ وَالْمُقَدَّرُ بَقَاؤُهُمْ، وَلَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ، وَمِنْ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتِمَّ التَّرْجِيحُ الْمَذْكُورُ، وَلَا التَّرْجِيحُ الَّذِي قَبْلَهُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا تَعَارَضَ الْأَمْرَانِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ خَرَجْنَا عَنْهُ فِي حَقِّ عِمَادِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَقْطُوعٌ بِهِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ نَجْمِ الدِّينِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَمِنْ الْمَبَاحِثِ فِي هَذَا الْوَقْفِ، وَفِيمَا يُشْبِهُهُ أَنَّ قَوْلَهُ " مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَنَاتِ كَانَ نَصِيبُهَا لِإِخْوَتِهَا الْبَاقِينَ " مَعَ أَنَّهَا حِينَ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ إنْ جَعَلَ لَفْظَ الْأُخُوَّةِ لِلْجِنْسِ يَظْهَرُ اسْتِحْقَاقُهُ وَإِلَّا فَيُشْكِلُ انْفِرَادُهُ بِالْجَمِيعِ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلَوْ قُدِّرَ مَعَهُ أُخْتَانِ صَحَّ لَفْظُ الْجَمْعِ وَكَانَ لَهُ النِّصْفُ فَلْيَنْزِلْ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْجَمِيعِ فَمِنْ أَيْنَ وَاسْتِحْقَاقُ الِابْنِ الْوَاحِدِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ لَيْسَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بَلْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ وَالنَّاسَ يَجْعَلُونَ قَوْلَهُ فِي الْأَوْقَافِ: الْأَوْلَادُ وَالْإِخْوَةُ وَنَحْوَهَا كَالْجِهَةِ الصَّادِقَةِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي انْفِرَادِ الْوَاحِدِ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ الْوَقْفِ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ فَالْقَرِينَةُ تُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا كَانَ أَوْلَادٌ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ أَوْلَادِي وَكَانُوا جَمْعًا فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ فَفِي انْفِرَادِ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ نَظَرٌ
стр. 664
يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَبْقَى فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَعُرْفِ النَّاسِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ تَوْلِيَةُ التَّدْرِيسِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ أَوْ لِلْحَاكِمِ]
﴿الْجَوَابُ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ مَا نَصُّهُ: رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ يُفْتُونَ بِأَنَّهَا لِلْحَاكِمِ وَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَنَحْوِهِ: وَظِيفَةُ الْمُتَوَلِّي الْعِمَارَةُ وَالْإِجَارَةُ وَتَحْصِيلُ الرِّيعِ وَقِسْمَتُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ وَحِفْظُ الْأُصُولِ وَالْغَلَّاتِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ.
فَلَمْ يَذْكُرْ التَّوْلِيَةَ وَالْعَزْلَ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ حَتَّى رَأَيْت بَعْضَهُمْ يُبَالِغُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ: إنَّمَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ مِنْ كَثْرَةِ الْعَامِلِينَ بِخِلَافِهِ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَنَحْوُهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذِكْرِ غَالِبِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَصْرِ لَكَانَ مَحَلُّهُ فِيمَا هُوَ مِنْ الْأَوْقَافِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ، وَهُوَ غَالِبُ الْأَوْقَافِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ لَا تَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ، أَوْ تَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا تَقْتَضِي تَوْلِيَةً، وَلَا عَزْلًا، أَوْ مِمَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ جُعِلَ تَحْتَ قَوْلِهِمْ صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّعْيِينِ، فَإِذَا فَوَّضَ إلَيْهِ الصَّرْفَ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَهُوَ تَوْلِيَةُ الْمُدَرِّسِ الَّذِي أَبْهَمَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِ الْفَقِيرِ الَّذِي أَبْهَمَهُ مَنْ يَقُولُ:
تَصَدَّقْ بِهَذَا عَلَى فَقِيرٍ أَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ بِذَلِكَ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّ فَقِيرٍ اخْتَارَهُ وَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ هَذَا مَعْنَى تَوْلِيَةِ الْمُدَرِّسِ إلَّا تَعْيِينَهُ لِلْمَصْرِفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ لِلْمُدَرِّسِ الَّذِي أَبْهَمَهُ فِي كَلَامِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ وَظِيفَةُ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَدِّقُ بِمَالِهِ وَنَائِبِهِ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ النَّظَرَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ يَسْتَفِيدُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّ مَا كَانَ لِلْوَاقِفِ قَبْلَ وَقْفِهِ مِمَّا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَصْرِفِهِ بِالْوَقْفِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ مَعَ النَّاظِرِ الْخَاصِّ وِلَايَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى وَكِيلِ الْمُتَصَدِّقِ نَعَمْ لِلْحَاكِمِ النَّظَرُ فِي نَصِيبِ الْمُدَرِّسِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ.
وَهُوَ الْعَالِمُ بِمَنْ يَصْلُحُ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ، وَهُوَ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ فَهُمَا
стр. 665
أَمْرَانِ لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ أَحَدُهُمَا لِلْحَاكِمِ، وَهُوَ نَصِيبُ الْمُدَرِّسِينَ وَالْمُفْتِينَ وَالْمُتَصَدَّرِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ، وَلَا لِلْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي تَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لَأَنْ يَكُونَ مُصَرِّفَ هَذَا الْوَقْفِ وَمُحِلَّهُ وَمُتَنَاوِلَهُ، وَهُوَ إلَى الْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ الَّذِي يُنَصِّبُهُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْحَاكِمِ فِيهِ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَا لَا يَكُونُ رُتْبَةً فِي الدِّينِ مِثْلُ تَوْلِيَةِ قَيِّمٍ وَفَرَّاشٍ وَنَحْوِهِ فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لِلْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرَى الْحَاكِمُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْوَاقِفُ، أَوْ النَّاظِرُ وَهَذَا الْمَكَانَ لِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ ظَهَرَ لَهُ فَلَهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ مَعَ مَا ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ مِمَّا يَقْتَضِي مَنْعَهُ لَا أَقُولُ قَادِحًا بَلْ مَصْلَحَةً خَاصَّةً تَظْهَرُ، وَهُوَ الْمُؤْتَمَنُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لَيْسَ بِالتَّشَهِّي، وَلَا بِالْمَيْلِ وَالْهَوَى، بَلْ بِقَصْدِ الْحَقِّ، وَهُوَ مَقَامٌ خَطَرٌ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ إلَّا الْمُوَفَّقُونَ، فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ الْحَاكِمُ مِنْ ذَلِكَ وَعَيَّنَ مَنْ لَهُ النَّظَرُ فِي الْوَقْفِ، أَوْ الْوَاقِفُ وَاحِدًا اتَّبَعَ تَعْيِينَهُ وَجَازَ لِلنَّاظِرِ الصَّرْفُ إلَيْهِ لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَرْتَابُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبُهُ فِي الدِّينِ كَالْمُدَرِّسِ وَنَحْوِهِ فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي رُتْبَةً فِي الْعِلْمِ، أَوْ الدِّينِ لَا يَكُونُ مُفَوَّضًا إلَّا إلَى الْحَاكِمِ، وَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ، وَلَا لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ فِيهِ حَدِيثٌ وَحَيْثُ جَوَّزْنَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ بِلَفْظِ التَّعْيِينِ وَبِلَفْظِ التَّوْلِيَةِ وَيَجُوزُ لِلْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ عَزْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةٍ وَلِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَكِنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَعْزِلَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَإِنَّمَا قُلْت يَجُوزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي إسْكَانِ هَذِهِ الدَّارِ لِفَقِيرِ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا مَنْ شَاءَ مِنْ الْفُقَرَاءِ، وَإِذَا أَسْكَنَهَا فَقِيرًا مُدَّةً لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُسْكِنَ غَيْرَهُ لِمَصْلَحَةٍ وَلِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَلَيْسَ تَعْيِينُهُ لِذَلِكَ تَصْيِيرًا لَهُ كَأَنَّهُ مُرَادٌ لِلْوَاقِفِ حَتَّى يَمْتَنِعَ تَغْيِيرُهُ كَمَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ بَحَثْت مَعَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِمَا مَثَّلْته لَك مِنْ سُكْنَى الدَّارِ؛ لِأَنَّ تَدْرِيسَهُ فِي كُلِّ مُدَّةٍ كَانْتِفَاعِهِ لَمْ يَقْصِرْهُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَالْمَنَافِعُ كَالْأَعْيَانِ فَكَمَا أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي صَدَقَةِ دِرْهَمَيْنِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ دِرْهَمًا
стр. 666
لِشَخْصٍ وَدِرْهَمًا لِآخَرَ كَذَلِكَ الْمَنَافِعُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَهَا لِشَخْصٍ وَبَعْضَهَا لِآخَرَ فَكَذَلِكَ التَّدْرِيسُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا مُدَّةً لِشَخْصٍ وَمُدَّةً لِآخَرَ وَالنَّاظِرُ الْخَاصُّ وَالْوَاقِفُ يَتَصَرَّفَانِ، لِأَنْفُسِهِمَا لِأَنَّ النَّظَرَ بَقِيَّةٌ مِمَّا كَانَ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ تَقْيِيدُ تَصَرُّفِهِمَا بِالْمَصْلَحَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ احْتِرَازًا مِنْ عَزْلِ الْحَاكِمِ نَائِبَهُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَسْتَنِيبَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَصْلَحَةٍ وَغَيْرِ مَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ.
وَلَوْ بَاشَرَ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا بِنَفْسِهِ لَجَازَ فَكَيْفَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ إذَا اسْتَنَابَ أَنْ لَا يَعْزِلَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ هَذَا مَا لَا يَصِيرُ لَكِنَّا نَرَى الْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الْقُلُوبِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ.
فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ النَّاظِرَ الْخَاصَّ إذَا وَلَّى الْمُدَرِّسَ صَحَّ، وَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُوَلِّيهِ إلَّا إنْ ظَهَرَ لَهُ تَعَيَّنَ تَوْلِيَتُهُ وَامْتِنَاعُ النَّاظِرِ الْخَاصِّ مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يَتَعَطَّاهَا الْحَاكِمُ، أَوْ يَجْبُرُ النَّاظِرُ عَلَيْهَا، وَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ مَنْعَ ذَلِكَ الْمُدَرِّسِ مِنْ دُخُولِ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ امْتَنَعَ عَلَى النَّاظِرِ تَوْلِيَتُهُ فَيَجِبُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ وَلَّاهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ جَهِلَ بَعْضُ الْحُكَّامِ فَوَلَّى بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مَعَ وُجُودِ النَّاظِرِ الْخَاصِّ لَمْ يَصِحَّ وَيَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ الْخَاصِّ أَنْ لَا يُوَلِّيَ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ أَهْلِيَّتَهُ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَهْلِيَّتِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يُرَاجِعَ الْحَاكِمَ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا بَنَى مَسْجِدًا وَوَقَفَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَصِّبَ فِيهِ إمَامًا، بَلْ ذَلِكَ وَظِيفَةُ الْحَاكِمِ.
قُلْت: إنْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ سَكَتَ عَنْ شَرْطِ النَّظَرِ، وَقُلْنَا: النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ عَلَى الْإِمَامِ وَقْفًا وَنَظَرَهُ لَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْمَسْجِدُ فَقَطْ بِدُونِ وَقْفٍ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ شَرْطَ النَّظَرِ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ وَقْفَ الْمَسْجِدِ وَقْفُ تَحْرِيرٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ نَظَرُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَلَا يَبْقَى لَهُ عَلَيْهِ نَظَرٌ بِخِلَافِ الْمَدْرَسَةِ فَإِنَّ وَقْفَهَا لَيْسَ وَقْفَ تَحْرِيرٍ وَمِنْ هَذَا نَتَنَبَّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ مَسْجِدًا وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقْفًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ فَشَرْطُ النَّظَرِ فِي الْوَقْفِ صَحِيحٌ، وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَفِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ
стр. 667
الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَرْطُ النَّظَرِ فِيهِ فَقَدْ يَأْتِي فِي شَرْطِهِ فِي غَيْرِهِ إذَا جَمَعَهُمَا بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَسْجِدَ مِثْلُ الْمَدْرَسَةِ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ هَلْ الْمَسْجِدُ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَا مِلْكَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا مِلْكَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، بَلْ هُوَ تَحْرِيرٌ مَحْضٌ كَالْعِتْقِ أَمَّا الْمَدْرَسَةُ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ وَلِلنَّاظِرِ عَلَيْهَا مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا يَقْتَضِيه شَرْطُ الْوَاقِفِ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ مِنْ نَقْلٍ بِأَنَّ الْوَاقِفَ يُوَلِّي مُدَرِّسًا؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ وَقَفَ مَدْرَسَةً عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قَالَ لِعَالَمٍ فَوَّضْت إلَيْك تَدْرِيسَهَا كَانَ لَهُ تَبْدِيلُهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِنَا إلَيْهِ هُنَا.
فَهَذَا نَقْلٌ بِأَنَّهُ يُوَلِّي، وَأَيْضًا قَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابَ الِاسْتِئْجَارَ لِلتَّدْرِيسِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَاقِفِ، أَوْ النَّاظِرِ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَدْرَسَةٍ مُدَرِّسًا هَذَا لَا يَكُونُ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ يَقُولُ: إنَّهُ لِلْوَاقِفِ وَلِلنَّاظِرِ إذَا صَرَّحَ لَهُ الْوَاقِفُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، فَلَيْسَ لَهُ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ لَهُ ذِكْرَ مَالِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التَّدْرِيسَ.
قُلْت: مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاظِرِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ النَّظَرُ بِالشَّرْطِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَمَتَى كَانَ لِلْوَاقِفِ كَانَ لِلنَّاظِرِ لِمَا قُلْنَاهُ وَجَوَابُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَدْ تَقَدَّمَ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ وَلَّى الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ امْتِنَاعِ الْوَاقِفِ، أَوْ النَّاظِرِ مِنْ التَّوْلِيَةِ.
قُلْت: لَا يَصِحُّ وَالْحَاكِمُ أَوْلَى مَنْ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَنَقَضَ مَا لَعَلَّهُ يَصْدُرُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَكُلُّ نَاظِرٍ عَامٌّ.
، فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ النَّظَرُ الْقَاضِيَ هَلْ يَسْتَفِيدُ النَّظَرَ حِينَئِذٍ بِالشَّرْطِ، أَوْ بِالْقَضَاءِ؟ قُلْت بِالشَّرْطِ وَالْقَضَاءُ شَرْطٌ فِي اتِّصَافِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْقَضَاءِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ
(إحْدَاهُمَا) إذَا سَافَرَ الْقَاضِي عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحُكْمِ شَرْطِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْقَضَاءِ، فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا النَّظَرُ وَلَوْ كَانَ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ كَانَ الْوَقْفُ فِي بَلَدِ
стр. 668
الْقَاضِي الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ وَالْمَدْرَسَةُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَالْوِلَايَةُ فِي الْمَدْرَسَةِ لِقَاضِي بَلَدِ الْوَقْفِ لَا لِقَاضِي بَلَدِ الْمَدْرَسَةِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ فِي بَلَدِ وَقَفَ مَدْرَسَةً فِيهَا وَشَرَطَ نَظَرَهَا لِقَاضِي تِلْكَ الْبَلَدِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَقُلْنَا: النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ وَآخَرُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ وَشَرَطَ نَظَرَهُ لِقَاضِي بَلَدِ الْوَقْفِ نَظَرُ الْوَقْفِ وَتَحْصِيلُ مُغَلِّهِ وَصَرْفُهُ وَلِقَاضِي بَلَدِ الْمَدْرَسَةِ نَظَرُهَا، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْمُدَرِّسِ فِيهَا وَتَوْلِيَتُهُ فَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ لِتُعَارِض النَّظَرَيْنِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ التَّوْلِيَةَ لِقَاضِي بَلَدِ الْوَقْفِ دُونَ قَاضِي بَلَدِ الْمَدْرَسَةِ وَأَنَّ قَاضِي بَلَدِ الْمَدْرَسَةِ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ فِيهَا مُدَرِّسًا آخَرَ بِغَيْرِ مَعْلُومٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا حَضَرَ كُلٌّ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ إلَى بَلَدِ الْآخَرِ تَصَرَّفَ بِمَا لَهُ بِالشَّرْطِ دُونَ مَا لَهُ بِالْحُكْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالدَّهْشَةِ ظَاهِرَ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ انْتَهَى. نُقِلَ مِنْ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ.
[فَصْل الْفَرْقِ بَيْنَ أَوْقَافِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ الَّتِي تَحْتَ نَظَرِ الْحُكْمِ]
(فَصْل) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ (فَائِدَةٌ) دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَوْقَافِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ الَّتِي تَحْتَ نَظَرِ الْحُكْمِ الْعَزِيزِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ شَرْعًا وَعُرْفًا أَنَّ النَّاظِرَ هُوَ الْقَاضِي وَجَرَتْ الْعَادَةُ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّهُ يُنَصِّبُ مِنْ جِهَتِهِ مُبَاشِرِينَ يُسَمَّوْنَ شُهُودَ الْأَوْقَافِ وَهُمْ بِحَسَبِ الْعُرْفِ مَأْذُونٌ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْإِيجَارِ الْمُعْتَادِ وَالِاسْتِخْرَاجِ وَالصَّرْفِ وَالْعِمَارَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَغْلِبُ مِثْلُهُ وَتَصْعُبُ الْمُرَاجَعَةُ فِيهِ وَكَأَنَّهُمْ نُوَّابٌ عَنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا ضَرَرَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ شُهُودًا أَوْ مُبَاشِرِينَ فَالصِّفَتَانِ مَوْجُودَتَانِ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى شَهَادَتِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْفِ فَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى فِعْلِهِمْ وَلَا يَجُرُّ إلَيْهِمْ نَفْعًا فَشَهَادَتُهُمْ فِيهِ مَقْبُولَةٌ وَإِذَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ وَشَهِدَ الْآخَرُونَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ صَرْفٍ أَوْ نَحْوِهِ فِيمَا لَا يَجْلِبُ إلَيْهِمْ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ ضَرَرًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ أَيْضًا وَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا أُجْرَةَ مُبَاشَرَتِهِمْ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهَا لَا تَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَتَكُونُ فِي عَمَلٍ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ
стр. 669
فَمَتَى انْتَفَى الشَّرْطَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ شَيْئًا وَمَتَى انْتَفَى الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ وَمَتَى انْتَفَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنْ مَنَعَهُمْ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ سَكَتَ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ أَوْ لَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْوَاقِفِ تَسْمِيَةٌ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدْ كَانَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي زَمَنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ قَدْ رَتَّبَ عَلَى مَا بَلَغَنِي الشُّهُودَ وَالْجَابِيَ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ وَاسْتُؤْنِسَ لِذَلِكَ بِفَرْضِ ثَمَنِ الزَّكَاةِ لِلْعَامِلِ وَهُوَ اسْتِئْنَاسٌ حَسَنٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ كَذَلِكَ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَرُبَّ وَقْفٍ يَكُونُ تَعَبُهُ كَثِيرًا وَمُتَحَصِّلُهُ قَلِيلًا فَيَسْتَحِقُّ مُبَاشَرَةً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّ وَقْفٍ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ فَالْمُحْتَاطُ لِدِينِهِ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَا يَأْخُذُ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ الْمُتَعَيَّنِ فِعْلُهُ وَالِاسْتِحْقَاقُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ لَا يَأْتِي فِيهِ خِلَافَ مَنْ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا أَمْوَالُ الْأَيْتَامِ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا عَنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِنَفْسِهِ فِيهَا وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْرِضَ لِلْعُمَّالِ عَلَيْهَا أُجْرَةً بِلَا خِلَافٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] مَحْمُولٌ عَلَى الْوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يُشْرَطْ لَهُ أُجْرَةٌ كَالْقَاضِي.
وَقَدْ خَرَجْنَا عَنْ الْمَقْصُودِ فَلْنَرْجِعْ إلَيْهِ وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي شُهُودِ الْأَوْقَافِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَهِيَ عَادَةٌ جَيِّدَةٌ وَأَمَّا الشَّامُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ فِي الْوَقْفِ جَمَاعَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمْ اسْمٌ: أَحَدُهُمْ نَاظِرٌ وَالْآخَرُ مُشَارِفٌ وَالْآخَرُ شَاهِدٌ وَالْآخَرُ عَامِلٌ، وَرُبَّمَا يَكُونُ آخَرُ صَاحِبَ دِيوَانٍ وَآخَرُ مُسْتَوْفِيًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِالنَّاظِرِ وَمِنْهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَمِنْ الْمُخْتَصِّ بِالنَّاظِرِ أَنَّهُ تَطُولُ الْمُدَّةُ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ انْتَهَى إلَيْهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَيَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا يُسْنِدُهُ إلَى غَيْرِهِ وَقَدْ مَرَّ بِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ حَضَرَ شَخْصٌ مُبَاشِرٌ لِوَقْفٍ وَلَّاهُ إيَّاهُ حَاكِمٌ فَأَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حَاكِمٍ آخَرَ أَنَّهُ نَاظِرُهُ وَأَسْنَدَ إلَى غَيْرِهِ وَتَعَلَّقَ الْمُسْنَدُ
стр. 670
إلَيْهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَصَعُبَ نَزْعُهُ مِنْهُ فَانْظُرْ مَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ الَّتِي يَظُنُّ شَاهِدُهَا أَنَّهَا حَقٌّ وَمِنْ الْحُكْمِ الْبَاطِلِ وَمِنْ التَّعَلُّقِ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَمِنْ الْمُخْتَصِّ بِالنَّاظِرِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا فَيَكْبُرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْتَقِلُّ بِالْكَلَامِ وَتَكْبُرُ نَفْسُهُ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ أَوْ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فَيَنْسَلِخُ ذَلِكَ الْوَقْفُ مِنْ دِيوَانِ الْحُكْمِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ خِلَافُ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَخِلَافُ حُكْمِ الشَّارِعِ أَنَّ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ.
وَمِنْ الْمُخْتَصِّ بِالنَّاظِرِ أَنَّهُ يَبْقَى مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَيُؤَخِّرُ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمُدَدِ الطَّوِيلَةِ وَيَتَصَرَّفُ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَقْتَضِي الْعُرْفُ وَالشَّرْعُ مُرَاجَعَةَ الْقَاضِي فِيهَا فَلَا يُرَاجِعُهُ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مَفَاسِدُ لَا تُحْصَى وَكُلُّ ذَلِكَ لِتَسْمِيَتِهِ نَاظِرًا وَإِجْرَاءُ حُكْمِ النَّاظِرِ الْمُسْتَقِلِّ عَلَيْهِ، وَمِنْ الْمُخْتَصِّ بِالنَّاظِرِ أَنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ جَعْلَ الْقَاضِي لَهُ نَاظِرًا كَشَرْطِ الْوَاقِفِ وَقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ فَيَقُولُ الْوَاقِفُ إذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِشَخْصٍ اتَّبَعَ شَرْطَهُ وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ بَقِيَ مُبْهَمًا فَإِذَا وَلَّى الْقَاضِي نَاظِرًا كَانَ تَعْيِينًا لِذَلِكَ الْمُبْهَمِ فَيَصِيرُ كَالْمَشْرُوطِ مِنْ الْوَاقِفِ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَهَذَا حَالٌ بَاطِلٌ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ وَلَكِنِّي ذَكَرْته لِاحْتِمَالِ أَنْ يَذْكُرَهُ أَحَدٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا فَحُكْمُ الشَّرْعِ أَنَّ النَّظَرَ لِلْقَاضِي فَتَوْلِيَةُ الْقَاضِي فِيهِ إنَّمَا هِيَ عَنْهُ لَا عَنْ الْوَاقِفِ وَإِنَّمَا يَقْوَى الْخَيَالُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إذَا وَلَّى الْقَاضِي مُدَرِّسًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْوَظَائِفِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْوَاقِفُ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَصْحَابَهَا هَلْ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ كَتَعْيِينِ الْوَاقِفِ حَتَّى لَا يَجُوزَ تَغْيِيرُهُ أَوْ هُوَ تَوْلِيَةٌ فَيَجُوزُ تَغْيِيرُهُ؟ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ كَتَعْيِينِ الْوَاقِفِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ التَّغْيِيرِ مُطْلَقًا بَلْ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ لَا يَجُوزُ عَزْلُهُ إلَّا إذَا خَرَجَ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الْوَاقِفُ أَوْ الْأَهْلِيَّةِ وَاَلَّذِي وَلَّاهُ الْقَاضِي يَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ بَعْدُ عَزْلُهُ إذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَقَدْ يَرَاهُ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ فَمَقْصُودُ الشَّارِعِ أَوْلَى مِنْ مَقْصُودِ الْوَاقِفِ وَلَكِنَّ الْمُدَرِّسَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْقَاضِي فِي وَظِيفَةِ التَّدْرِيسِ وَإِنْ وَلَّاهُ بِخِلَافِ النَّاظِرِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَعَيَّنَ.
قَالَ وَمِنْ الْمَفَاسِدِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ
следующие страницы →